هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
403

اعتبر معه قيام الإجماع و الضرورة على بقاء الدين و الشريعة، و المفروض في المقدّمة القائلة بانسداد باب العلم [أنّ باب العلم‏] بالأحكام على نحو يحصل به نظام الشريعة و يرتفع به القطع الحاصل من الإجماع و الضرورة المفروضة مسدود قطعا. و حينئذ بعد تسليم الانسداد و عدم التعرّض لدفعه في المقام كيف يقابل ذلك بالاكتفاء بما دلّ عليه الضرورة و الإجماع، و الرجوع في ما عداه إلى الأصل، و المفروض لزوم انهدام الشريعة مع الاقتصار على ذلك كما عرفت.

و يمكن أن يقال: إنّ ذلك إنّما يتمّ إذا قلنا بعدم جريان الأصل المذكور في العبادات المجملة مطلقا، أو في ما إذا كان أجزاء بعضها منوطا بالبعض مع تعيّن أجزائها و شرائطها على سبيل التفصيل، إذ لا يصحّ الاقتصار على القدر المتيقّن من الأجزاء، لعدم العلم بكونه هو المكلّف به، و لا الحكم بسقوط الكلّ من جهة عدم تعيّن المكلّف به، لما فيه من الخروج عن ضرورة الدين. و أمّا إن قلنا بجريان الأصل فيها- كما هو مختار البعض- بناء على أنّ التكليف إنّما يتعلّق بالمكلّف بمقدار علمه، و لا يتعلّق بنا التكليف بالمجملات إلّا بمقدار ما وصل إلينا من البيان، فلا يجب علينا إلّا الإتيان بما يفي به الأدلّة القاطعة من الأجزاء و الشرائط، إذ المفروض كون القطع هو الطريق في البيان و عدم ثبوت حصول البيان بغيره و لا قطع لنا بعد الاقتصار على ذلك بوجوب جزء أو شرط آخر، إذ لم يقم ضرورة و لا إجماع و نحوهما من الأدلّة القاطعة على اعتبار شي‏ء ممّا وقع الخلاف فيه من الأجزاء و الشرائط و لو في الجملة.

و ما قد يقال من حصول القطع إجمالا بوجوب أجزاء اخر غير ما دلّت عليه الأدلّة القاطعة بيّن السقوط بعد ملاحظة الحال في العبادات من الطهارة و الصلاة و الصوم و الزكاة و غيرها، و مع الغضّ عن ذلك و تسليم حصول علم إجمالي بذلك فإنّما المعلوم اعتبار جزء أو شرط كذلك بحسب الواقع. و أمّا تعلّق ذلك بنا مع عدم ظهور طريق إليه فممّا لم يقم عليه إجماع و لا غيره، فأيّ مانع من نفيه بالقاعدة المذكورة و إن علم كون الحكم الواقعي الأوّلي خلافه، لوضوح جريان أصالة البراءة مع العلم الإجمالي باشتغال الذمّة بحسب الواقع إذا لم يكن هناك طريق إليه.

404

و قد يشكل الحال في المقام في القضاء و الإفتاء، سيّما في مسائل المعاملات، لدوران الأمر حينئذ بين محذورين، لكن الّذي يقتضيه القاعدة المذكورة هو الحكم بعدم تعلّق وجوب القضاء و الإفتاء بنا، إلّا في ما ثبت وجوبه علينا بالدليل القاطع أخذا بمقتضى القاعدة العقليّة المذكورة، و ليس في الالتزام به خروج عن مقتضى الأدلّة القاطعة القاضية بكوننا مكلّفين فعلا بأحكام الشريعة في الجملة، فإنّها لا تفيد كوننا مكلّفين بالفعل بجميع التكاليف الواقعيّة و إن كانت معلومة إجمالا حسب ما مرّت الإشارة إليه.

فظهر ممّا قرّرنا اندفاع ما يقال: من أنّ الاقتصار على القدر المتيقّن من التكاليف لا يكتفى به في الخروج عن عهدة التكليف، للقطع الإجمالي ببقاء تكاليف اخر غير ما يقطع به على جهة التفصيل.

نعم قد يشكل الحال في الطوارئ الواردة كأحكام الشكوك و نحوها ممّا يقطع بتعلّق التكليف هناك على أحد وجهين أو وجوه.

و يمكن دفعه بناء على الوجه المذكور بالتزام التخيير فيها بعد العلم بتعلّق التكليف في الجملة و عدم قيام دليل على التعيين، حيث إنّ المقطوع به حينئذ هو أحد الوجهين أو الوجوه، فيقتصر في ثبوت التكليف بذلك المقدار و يتخيّر في أدائه بين ذينك الوجهين أو الوجوه، و بمثله يقال: إذا دار الواجب من أصله بين أمرين لا قطع بأحدهما مع القطع بتعلّق التكليف بأحدهما كدوران الصلاة يوم الجمعة بين الظهر و الجمعة، لكن البناء على جريان الأصل في مثل ذلك بعيد جدّا، إذ كون الإتيان بكلّ منهما أداء للمأمور به غير ظاهر بعد دوران التكليف هناك بين الأمرين و كون القدر المعلوم من المكلّف به هو أحدهما، لا أنّه تعلّق هناك أمر بالقدر الجامع بين الأمرين ليكون الشكّ في الخصوصيّة قاضيا بدفعها بالأصل، فيبقى التكليف بالمطلق هو القدر الثابت من المكلّف به، فالموافق للقاعدة حينئذ هو البناء على تحصيل اليقين فيجب الإتيان بالفعلين، و لا مانع من الالتزام بالاحتياط في مثل الصورة المفروضة، و لا يقع ذلك إلّا في صورة نادرة.

405

ثمّ إنّي أقول: إنّه لو قرّر الاستدلال بنحو آخر بأن يكون الاستناد فيه إلى مجرّد انسداد باب العلم بعد ثبوت التكليف في الجملة كان ما أورده من قيام ما ذكر من الاحتمال غير ناهض في هدم الاستدلال، إذ نقول حينئذ: إنّ قضيّة حكم العقل بعد العلم بحصول التكليف في الجملة و لزوم الإتيان بالواجبات و ترك المحرّمات هو التخيير بين متعلّق الوجوب و غيره و متعلّق المنع و الإباحة ليتمكّن من الامتثال بالفعل و الترك، لتوقّف دفع الخوف من الضرر عليه كما أنّه يجب النظر إلى المعجزة بمجرّد ادّعاء النبوّة لاحتمال كونه نبيّا في الواقع، و ترتّب الضرر على مخالفته في الآجل. و حينئذ فكما أنّ ثبوت الحكم يحتاج إلى الدليل القاطع فكذلك نفيه أيضا.

فنقول: إنّ قضيّة انسداد باب العلم في المقام هو الرجوع إلى الظنّ، إذ هو الأقرب إلى العلم، فما ذكره من جواز أن يكون المرجع في الإثبات هو العلم و يحكم في ما عدا المعلوم و إن كان مظنونا بالنفي لا وجه له، إذ هو أخذ بالوهم و تنزّل من العلم إلى ما دونه بدرجات.

نعم إن قام الدليل عليه كذلك صحّ الإيراد المذكور حينئذ، فإبراز مجرّد الاحتمال كما هو ظاهر كلام المورد غير كاف في المقام.

و إن ادّعي قيام الدليل عليه كذلك كما يومى إليه آخر كلامه فممنوع، سيّما إذا حصل الظنّ بخلافه، إذ قضيّة التنزّل من العلم هو الأخذ بما هو أقرب إليه في الإثبات و النفي من غير فرق.

و إن ادّعي الإجماع على أصالة البراءة حتّى يعلم النقل فهو أيضا ممّا لا وجه له، سيّما في نحو ما ذكره من مسألة الجهر و الإخفات بعد العلم بوجوب إحدى الكيفيّتين، إذ لا يبعد في مثله الحكم حينئذ بوجوب التكرار كما نصّوا عليه في صورة اشتباه الموضوع كالصلاة في الثوبين المشتبهين. و دعوى الإجماع هنا على السقوط و عدم الرجوع إلى الاحتياط مجازفة بيّنة.

و من غريب الكلام ما صدر في المقام عن بعض الأعلام حيث إنّه أورد

406

على المورد المذكور في فرقه بين مسألة غسل الجمعة، و وجوب الجهر و الإخفات في جريان الأصل: بأنّه إن أراد نفي الوجوب مع عدم الحكم بالاستحباب فهو لا يلائم ما ثبت يقينا من الشرع، و إن أراد إثبات الاستحباب فهو ليس إلّا معنى ترجيح أحاديث الاستحباب على أحاديث الوجوب بالأصل، و أنّ الرجحان الثابت بالإجماع و الضرورة لابدّ أن يكون هو الرجحان الاستحبابي دون الوجوبي، فهو لا يتمّ إلّا بترجيح أصل البراءة على الاحتياط، و هو موقوف على حجّية هذا الظنّ.

و بالجملة الجنس لا بقاء له بدون الفصل و الثابت من الشرع أحد الأمرين و أصل البراءة لا ينفي إلّا المنع من الترك، و على فرض أن يكون الرجحان الثابت بالإجماع هو الحاصل في ضمن الوجوب فقط في نفس الأمر، فمع نفي المنع من الترك بأصل البراءة لا يبقى رجحان أصلا، لانتفاء الجنس بانتفاء فصله. و أصل البراءة من المنع عن الترك لا يوجب كون الثابت بالإجماع في نفس الأمر هو الاستحباب، فكيف يحكم بالاستحباب؟ فلم يصحّ ترجيح الحديث الدالّ على الاستحباب على الحديث الدالّ على الوجوب بسبب اعتضاده بأصل البراءة، و هذا ليس مراده، و إنّما المناسب لما رامه من المثال هو أن يقال في نجاسة عرق الجنب بالحرام مثلا: إنّ خبر الواحد في ذلك أو الإجماع المنقول الدالّ على ذلك لا حجّية فيه، و الأصل براءة الذمّة عن وجوب الاجتناب.

و حينئذ فالجواب عن ذلك يظهر ممّا قدّمنا من منع حصول الجزم أو الظنّ بأصل البراءة مع ورود الخبر الصحيح. و ممّا ذكرنا ظهر أنّ حكم غسل الجمعة نظير الجهر بالتسمية و الإخفات على ما فهمه.

و الحاصل: أنّ الكلام في ما كان الخبر الواحد الظنّي في مقابل أصل البراءة و في غسل الجمعة الحكم بمطلق الرجحان القطعي الحاصل من الإجماع و النوعين من الأخبار الواردة فيه في مقابل أصل البراءة. انتهى.

و أنت خبير بما فيه: أمّا أوّلا فبأنّ إثبات الاستحباب حينئذ بضميمة الأصل‏

407

ممّا لا غبار عليه، فإنّ مطلق الرجحان- أعني القدر المشترك بين الوجوب و الندب- معلوم بالإجماع و المنع من الترك منفيّ بأصل البراءة فيلزم من الأمرين ثبوت الاستحباب في ظاهر الشرع، و ليس ذلك من ترجيح أحاديث الاستحباب بوجه، لوضوح جريانه بعينه مع فرض انتفاء الحديث من الجانبين، أو من جهة الاستحباب خاصّة، مع عدم نهوض ما دلّ على الوجوب حجّة في المقام، كما هو المفروض.

و الحاصل: أنّه مع اليقين بثبوت الرجحان و الحكم بعدم المنع من الترك من جهة أصالة البراءة لا يبقى مجال لإنكار الاستحباب. و دعوى كونه مبنيّا على ترجيح أصل البراءة على الاحتياط و هو موقوف على حجّية هذا الظنّ غير واضحة.

كيف؟ و قد نصّ المستدلّ أوّلا بكون البناء على أصل البراءة ليس من جهة الظنّ، بل من جهة قطع العقل بأنّه لا تكليف إلّا بعد البيان و قيام طريق للمكلّف إلى الوصول إلى التكليف، و منع ذلك كلام آخر أشار إليه المورد أيضا. و سيجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللّه.

و ما يتخيّل من: أنّ الجنس لا بقاء له بدون الفصل فقد يكون الرجحان في ضمن الوجوب بحسب الواقع فلا يعقل بقاؤه بعد انتفاء فصله مدفوع بالفرق البيّن بين رفع الفصل في الواقع و فسخ الحكم كما في نسخ الوجوب و الحكم بعدمه في الظاهر، لعدم قيام دليل عليه كما في المقام، لوضوح قضاء الأوّل برفع الجنس الثابت به بخلاف الثاني ضرورة عدم الحكم هنا برفع حكم ثابت، و إنّما المقصود عدم حصول المنع من الترك من أوّل الأمر الّذي هو فصل للنوع الآخر أعني الاستحباب، فبعد ثبوت الجنس بالإجماع و الفصل المذكور بالأصل ثبت خصوص الاستحباب في الظاهر، و ليس رفع الفصل بالأصل في الظاهر قاضيا بانتفاء الجنس الثابت بالدليل، بل أقصاه ما ذكرناه من الحكم بقيام الجنس في الظاهر بالفصل الآخر، فيكون المستفاد منها حصول النوع الآخر في الظاهر.

408

نعم لو لم يكن هناك دليل على حصول الجنس أمكن القول بنفيه أيضا من جهة الأصل أوّلا، لا لقضاء انتفاء الفصل المفروض بنفيه ظاهرا، و المفروض في المقام خلاف ذلك، لقيام الدليل القاطع على ثبوت الجنس. فقوله: أصل البراءة عن المنع من الترك لا يوجب كون الثابت بالإجماع ... إلى آخره غير متّجه، إذ ليس ذلك ممّا ادّعاه المورد أصلا، بل مراده إثبات الاستحباب في الظاهر، و بيان كون الرجحان الثابت بالإجماع حاصلا مع عدم المنع من الترك بحسب تكليفنا، فالرجحان معلوم و المنع من الترك في الظاهر منفيّ بحكم الأصل فيثبت بذلك الاستحباب في الظاهر، و كيف يعقل القول بقضاء أصل البراءة بكون الرجحان الثابت بالإجماع حاصلا في الواقع مع عدم المنع عن الترك، و من المعلوم عدم ارتباط أصل البراءة بالدلالة على الواقع، و قد نصّ عليه المورد في كلامه.

فإن قلت: إنّ مقصود المورد هو العمل بالعلم و ترك الأخذ بالظنّ، و الوجه المذكور لا يفيد ظنّا بثبوت الاستحباب فضلا عن العلم به، فكيف يصحّ الحكم بثبوته؟!

قلت: ليس مراد المورد إلّا البناء على العلم في إثبات الحكم و رفع غير المقطوع به بالأصل، لانتفاء الطريق إليه، و لمّا كان الرجحان مقطوعا به في المقام حكم به، و رفع الزائد بالأصل، لعدم قيام دليل عليه. فيكون الثابت على المكلّف في الظاهر الاستحباب قطعا و إن لم يظنّ بحصوله واقعا، فإنّ رفع الحكم في الظاهر لانتفاء الطريق إليه لا يفيد نفي الحكم بحسب الواقع، و إذا كانت إحدى المقدّمات مفيدة لثبوت الحكم في الظاهر كان الحكم الثابت من الجميع ظاهريّا.

و مع الغضّ عمّا ذكرنا، فلو سلّم كون نفي الفصل في الظاهر بمنزلة رفعه بحسب الواقع تمّ المقصود أيضا، فإنّه مع ارتفاعه كذلك و قيام الدليل على حصول الجنس بحسب الواقع- كما هو الواقع في المقام- لا مجال للتأمّل في تحقّق النوع المتقوّم‏ (1) بعدم ذلك الفصل كما في نسخ الوجوب إذا قام دليل على تحقّق‏

____________

(1) في «ف»: المنعدم.

409

الرجحان إذ لا إشكال بل لا خلاف في الحكم بالاستحباب، فغاية الأمر أن يكون المقام من قبيل ذلك.

و الحاصل: أنّ أصل البراءة بالنسبة إلى الظاهر حجّة نافية للحكم فحاله حال الخبر النافي للحكم إذا قام الدليل على حجّيته و وجوب العمل به في الظاهر، فكما أنّا إذا علمنا بالإجماع و نحوه رجحان الفعل و دلّت الرواية المفروضة على عدم المنع من الترك حكمنا بحصول الاستحباب فكذا في المقام من غير فرق في ما نحن فيه بصدده من ثبوت الحكم بالنسبة إلى الظاهر، و ليس ذلك إثباتا للحكم بالأصل، إذ ليس قضيّة الأصل هنا سوى عدم المنع من الترك و بملاحظته مع الرجحان المعلوم الثبوت من الخارج يثبت الاستحباب، و لا يعدّ ذلك من قبيل الاصول المثبتة قطعا، كما لا يخفى.

و من ذلك ظهر ما في قوله: أنّ حكم غسل الجمعة نظير الجهر و الإخفات في التسمية، إذ بعد صحّة جريان الأصل في غسل الجمعة حسب ما قرّرنا و عدم صحّة جريانه بالنسبة إلى الجهر و الإخفات للعلم بثبوت أحد التكليفين و مخالفة كلّ منهما للأصل من غير تفاوت بينهما في ذلك يتّضح الفرق بينهما كمال الوضوح.

و مع الغضّ عمّا ذكرنا و تسليم دوران الأمر هناك أيضا بين حكمين وجوديّين فجعلهما من قبيل واحد غير متّجه، مع كون أحد الحكمين في مسألة الغسل أقلّ مخالفة للأصل، و الآخر أكثر على خلاف مسألة الجهر و الإخفات، إذ لا فرق بينهما في مخالفة الأصل بوجه من الوجوه.

و أمّا ثانيا فبأنّ ما ذكره: من أنّ المثال المناسب لما رامه نجاسة عرق الجنب من الحرام محلّ مناقشة، إذ رفع وجوب الاجتناب في المقام بالأصل حسب ما ذكره قاض بارتفاع جواز الاجتناب الحاصل في ضمنه على ما قرّره من ارتفاع الجنس بارتفاع فصله. و أصل البراءة من المنع من ترك الاجتناب لا يقضي بكون جواز الاجتناب الثابت بالإجماع حاصلا في نفس الأمر في ضمن الكراهة أو الإباحة، فإن اريد بالأصل المذكور رفع المنع من ترك الاجتناب مع عدم الحكم‏

410

بجواز الاجتناب فهو مخالف لما دلّ الإجماع عليه، و إن اريد معه الحكم بجواز الاجتناب‏ (1) أيضا فأيّ دليل قضى ببقائه على نحو ما ذكره في مسألة غسل الجمعة، غاية الأمر دوران الاحتمال هناك بين الحكمين و هناك بين أحكام ثلاثة.

و أمّا ثالثا فبأنّ ما ذكره: من أنّ الحكم بالرجحان القطعي ... إلى آخره غير مستقيم، إذ لا وجه لاعتبار الحكم القطعي في مقابلة أصالة البراءة، و ليس في كلام المورد ما يوهم ذلك أصلا، و كيف يعقل مقابلة الأصل بما وقع الإجماع على ثبوته و الحكم برجحانه عليه و رفعه له؟! و إنّما المقصود رفعه المنع من الترك. و إن قام عليه دليل ظنّي فيكون أصل البراءة في مقابلة ذلك الدليل الظنّي، كيف؟ و عبارة المورد صريحة في رفع أصالة البراءة للمنع من الترك. و الظاهر أنّ ما ذكره مبنيّ على ما زعمه من كون رفع المنع من الترك بالأصل قاضيا برفع رجحان الفعل فيؤول الأمر إلى مزاحمة أصالة البراءة للرجحان المقطوع به.

و قد عرفت ضعفه، و لو صحّ ما ذكره لجرى ذلك بعينه في المثال الّذي أورده أيضا.

غاية الأمر أنّ الجنس الحاصل في المقام رجحان الفعل، و الحاصل هناك جوازه، فيكون رفع المنع من الترك هناك في معنى رفع الجواز المعلوم الثبوت أيضا، و يكون ما دلّ على الجواز من الدليل القطعي مقابلا بأصالة البراءة دون الدليل الظنّي القاضي بوجوب الاجتناب، و هو كلام ساقط جدّا، و لو تمّ لقضى بعدم جريان أصالة البراءة في شي‏ء من المقامات.

ثمّ إنّ للفاضل المذكور إيرادات اخر على هذا الإيراد أحببنا إيراد جملة منها في المقام، و نشير إلى ما يرد عليها من الكلام حتّى يتّضح به حقيقة المرام.

منها: منع جواز الاستناد في رفع التكليف إلى أصل البراءة و قوله: «إنّ العقل يحكم بأنّه لا يثبت تكليف ... الى آخره» إن أراد به الحكم القطعي فهو أوّل الكلام كما يعرف من ملاحظة أدلّة أصالة البراءة، سيّما بعد ورود الشريعة و العلم‏

____________

(1) في «ف» باضافة: فهو مخالف.

411

الإجمالي بثبوت الأحكام الشرعيّة خصوصا بعد ورود مثل الخبر الصحيح في خلافه، و إن أراد الحكم الظنّي كما يشعر به كلامه سواء كان بذاته مفيدا للظنّ أو من جهة استصحاب الحالة السابقة فهو ظنّ مستفاد من ظواهر الأخبار و الآيات الّتي لم يثبت حجّيتها بالخصوص، مع أنّه ممنوع بعد ورود الشرع ثمّ بعد ورود خبر الواحد إذا حصل منه ظنّ أقوى.

و منها: أنّ قوله: «و يؤكّد ذلك ... إلى آخره» فيه أنّها عمومات لا تفيد إلّا الظنّ، بل هي ظاهرة في غير الفروع، و شمول عموم ما دلّ على حجّية ظواهر القرآن لما نحن فيه ممنوع، لأنّه إن كان هو الإجماع ففيما نحن فيه أوّل الكلام، و إن كان غيرها فليس إلّا الظنون الحاصلة من الأخبار، و قد مرّ الكلام في الاستدلال بها.

و منها: أنّ قوله: «و أمّا في ما لم يكن مندوحة عنه ... إلى آخره» إن أراد به أنّ التخيير المفروض هو مفاد أصل البراءة فيقدّم على الدليل الظنّي فهو فاسد، إذ بعد تعارض دليلي القولين لا شي‏ء في مقابلة أصل البراءة حتّى يقال: إنّه ظنّ لا يعمل به، بل يرجع الكلام إلى جريان أصل البراءة في ما لا نصّ فيه، و مقابله حينئذ أدلّة التوقّف و الاحتياط، و المورد أيضا لا يقول بذلك، فإنّه لا يقول ببراءة الذمّة عن مقتضى القولين جمعا لعدّه ذلك ممّا لا مندوحة عنه، و المستدلّ أيضا لا يقول به لذهابه إلى ترجيح الظنّ، و إن أراد أنّ هذا التخيير إنّما هو في العمل بما اختاره من القولين، و مع اختيار أيّ منهما يكون العمل به واجبا عليه، فذلك ممّا لا ربط له بأصل البراءة. انتهى ملخّصا.

و يتوجّه عليها، أمّا على الأوّل: فأوّلا بأنّ منظور المورد هو المنع من قضاء انسداد باب العلم بالرجوع إلى الظنّ و وجوب الأخذ به باحتمال الرجوع إلى أصل البراءة و ترك العمل بالظنّ نظرا إلى حكم العقل ... إلى آخره. و صحّة المنع لا يتوقّف على قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء العلم بالواقع.

كيف؟ و لو أراد ذلك لما أبدى الإيراد المذكور بصورة المنع و لو ادّعى العلم بذلك، فإن ادّعى كونه ضروريّا عند العقل لزم أن يكون القول بحجّية الظنّ عنده مصادما للضرورة، و هو واضح الفساد.

412

و إن ادّعى كونه نظريّا كان الدليل الموصل إليه معارضا للدليل المذكور، و هو خلاف ما يعطيه كلام المورد، إذ ليس بصدد المعارضة و لو أراد ذلك لكان اللازم عليه حينئذ بيان ذلك حتّى يتمّ المعارضة، مع أنّه لم يشر إليه في الإيراد.

و ثانيا: نختار أنّ المراد بحكم العقل قطعه بانتفاء التكليف مع انتفاء العلم، لكن لا يريد به خصوص العلم بالواقع، بل ما يعمّه و العلم به من الطريق المقرّر للوصول إلى الحكم و إن لم يكن مفيدا للعلم بالواقع بل و لا الظنّ به أيضا. و قطع العقل حينئذ بانتفاء التكليف ظاهر، لوضوح قبح التكليف مع انتفاء طريق موصل إليه مع العلم، و ما يقوم مقامه من الطرق المقرّرة. و محصّل الإيراد حينئذ المنع من قضاء انسداد باب العلم بالرجوع إلى الظنّ، لاحتمال الحكم بسقوط التكليف نظرا إلى قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء السبيل الموصل إليه، فكما أنّ انسداد سبيل العلم بالواقع الّذي هو الطريق المقرّر أوّلا للوصول إليه قد يكون قاضيا بانفتاح سبيل آخر إلى الواقع- كما هو مقصود المستدلّ، و ذلك فيما إذا علم بقاء التكليف بعد حصول الانسداد- كذا قد يكون قاضيا بسقوط التكليف مع عدم العلم ببقائه، نظرا إلى انسداد الطريق إليه و قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء طريق إليه.

فظهر بما قرّرنا أنّ قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء الطريق إليه إنّما قد يقتضي‏ (1) قطع العقل في المقام بانتفاء التكليف، إذ كون الظنّ حينئذ طريقا إلى الواقع هو المبحوث عنه في المقام، فما ذكره من أنّ حكم العقل ببقاء التكليف حينئذ أوّل الكلام مشيرا به إلى أنّ ذلك نفي لعين‏ (2) المدّعى كما ترى، و الظاهر أنّ ما ذكر غير قابل للمنع فإنّه من الواضحات حسب ما مرّ الكلام فيه.

كيف؟ و لو لا ذلك لم يتمّ ما ذكره القائل بحجّية الظنون من الدليل المذكور و غيره ممّا احتجّوا به على ذلك لمن قال بحجّية الظنّ، فمنع ذلك في المقام ليس في محلّه. و كذا لا فرق في ذلك مطلقا بعد ورود الشرع و قبله، فإنّ عدم ثبوت‏

____________

(1) في «ق»: لا يقضي.

(2) في «ف» و «ق»: بعين.

413

التكليف من غير طريق للمكلّف إلى الوصول إليه أمر عقلي لا يختلف الحال فيه قبل ورود الشرع و بعده.

و ثالثا: أنّ تسليم كون نفي التكليف حينئذ مظنونا كاف في مقام رفع الحجّية، و ليس من قبيل الاستدلال بالظنّ على الظنّ ليدور بل رفع الظنّ بالظنّ، و هو ممّا لا مانع منه، فإنّه لو كان حجّة لم يكن حجّة، و ما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل، و قد مرّ الكلام فيه.

و أمّا على الثاني فبأنّ كونها عمومات لا تفيد إلّا الظنّ على فرض تسليمه كاف في ما هو مقصود المعترض من رفع حجّية الظنّ، لما عرفت من جواز رفع الظنّ بالظنّ و أيضا لم يستند إليها المورد في مقام الاستدلال حتّى يورد عليه بذلك، و إنّما ذكره في مقام التأييد و الاستشهاد ليتبيّن اعتضاد ما ادّعاه من حكم العقل بالشواهد الشرعيّة.

و من الواضح كفاية الدلالة الظنّية في ذلك، فلا وجه للإيراد عليه بكونه ظنّيا.

و دعوى كونها ظاهرة في غير الفروع ممّا لا وجه لها كما مرّت الإشارة إليه. و ما ذكره من منع شمول عموم ما دلّ على حجّية القرآن لمحلّ الكلام غير متّجه أيضا، و كأنّه أراد به منع شمول ما دلّ على حجّية الكتاب بالنسبة إلى هذه الأعصار حسب ما أشار إليه في محلّ آخر و هو مدفوع بما قرّر في محلّه، حتّى أنّ الإجماع القائم على حجّيته شامل لذلك أيضا كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه. و لو أراد بذلك المنع من الحجّية بالنسبة إلى خصوص محلّ الكلام نظرا إلى حصول الخلاف المانع من قيام الإجماع على حجّيته بحيث يشمل المقام فهو موهون جدّا، لوضوح أنّ الإجماع القائم على حجّية الكتاب لا ينافي الخلاف الواقع في المسائل الّتي دلّ بها الكتاب على حكمها، فلا وجه للقول بكون شمول الإجماع لما نحن فيه أوّل الكلام.

و أمّا على الثالث فبأنّ القول بكون التخيير المذكور مفاد أصالة البراءة إنّما يصحّ بدفع خصوص كلّ من الوجهين بالأصل، حيث لم يقم عليه دليل قاطع،

414

و لمّا لم يكن هناك مندوحة من الأخذ بأحدهما لقيام الدليل القاطع على وجوب أحدهما نظرا إلى اتّفاق الفريقين عليه لزم البناء على التخيير، و حينئذ فليس التخيير المذكور مفاد أصل البراءة خاصّة، بل إنّما يجي‏ء من جهة العلم بوجوب أحدهما مع عدم ثبوت كلّ من الخصوصيّتين لعدم قيام دليل قاطع عليه، فأصالة البراءة هنا دافعة لكلّ من الدليلين الظنّيين، سواء كانا متعادلين أو كان أحدهما راجحا على الآخر. و انتفاء المندوحة إنّما يجي‏ء من جهة قيام الدليل القاطع على وجوب أحدهما، فلا مناص عن الأخذ بأحدهما، هذا على أحد الوجهين في بيان مراده كما مرّت الإشارة إليه.

و الوجه الآخر أن يراد به رفع وجوب كلّ من الجهر و الإخفات بالأصل، و إن لم يمكن تركهما معا لعدم المندوحة عن فعل أحدهما فلا يحكم إذن بوجوب شي‏ء منهما، و العلم الإجمالي بوجوب أحدهما غير مفيد، لسقوطه عن المكلّف بعد انتفاء التعيين، فيكون مختارا في أداء أيّ من الكيفيّتين، و لا يرتبط ما أورده في المقام بالإيراد المذكور على شي‏ء من التفسيرين، و قد بنى ايراده على أنّ مراد المورد بيان الحال في خصوص ما إذا تعارض دليلا القولين و تعادلا من غير ظهور مرجّح في البين، حيث جعل ذلك ممّا لا مندوحة عنه، و لو كان دليل أحدهما راجحا على الآخر لكان هو المظنون و اللائق بمقابلة أصالة البراءة دون الآخر، و إن كان هناك مندوحة عنه فإنّه يرجع إلى أصل البراءة عمّا دلّ عليه الدليل الراجح فأورد عليه بما ذكرنا.

و أنت خبير بأنّ حمل العبارة المذكورة على ذلك بعيد جدّا، بل لا إشارة فيها بذلك أصلا، إذ لا إشعار في كلامه بفرض المسألة في خصوص صورة المعارضة بين الدليلين فضلا عن اعتبار المكافئة بينهما، و إنّما ذكر في كلامه المعارضة بين القولين و عدم إمكان ترك مقتضى الاحتمالين، حيث إنّه لا مندوحة للمكلّف عن اختيار أحد الوجهين، كيف؟ و قد بنى المورد كلامه على نفي حجّية الظنّ، و حينئذ فلا تفاوت بين حصول المعادلة بينهما في القوّة و الضعف و عدمها، فإنّه إنّما يفرّق‏

415

بين الأمرين في الأدلّة المعتبرة في الجملة دون ما لا عبرة بها مع الانفراد فضلا عن المعارضة.

ثمّ إنّه لو سلّم فرض المسألة في صورة المعادلة بين دليلي القولين و عدم حصول مرجّح لأحد الجانبين لم يقض ذلك بانتفاء المندوحة في المقام بوجه من الوجوه، إذ المفروض عدم حجّية شي‏ء من الظنّين و كون وجودهما كعدمهما، فكيف ترتفع المندوحة من جهتهما؟ و ما ذكره من أنّه: «لو كان أحدهما راجحا ...

إلى آخره» غير متّجه، إذ مع كون الأصل رافعا للمظنون يكون رافعا لغيره بالأولى فكيف يجعل المرفوع بالأصل حينئذ خصوص المظنون؟ و حتّى يكون المندوحة في المقام بأخذ مقابله و إن كان هو أيضا مخالفا للأصل كما هو المفروض في المثال.

و بالجملة أنّ بناء المورد على الأخذ بمقتضى الأصل في غير ما حصل اليقين به سواء كان ما يقابله مظنونا أو لا، و إنّما فرض في المقام كونه رافعا للأدلّة الظنّية حيث إنّ الكلام وقع في ذلك، فلا يعقل أن يكون قوّة أحد الظنّين في المقام و ضعف الآخر قاضيا بحصول المندوحة في الصورة المفروضة حتّى يكون المرفوع بالأصل خصوص المظنون دون الآخر.

و أمّا الرابعة فبوجوه‏ (1):

أحدها: أنّه يمكن ترجيح البعض لكونه المتعيّن بعد فرض حجّية الظنّ في الجملة، و دوران الأمر بينه و بين الأخذ بمطلق الظنّ.

و توضيح ذلك أنّه بعد ما ثبت بالمقدّمات الثلاث المذكورة حجّية الظنّ في الجملة لم يلزم من ذلك إلّا حجّية بعض الظنون ممّا يكتفى به في معرفة الأحكام بالقدر المذكور، لأنّ المهملة في قوّة الجزئيّة، فإن كانت الظنون متساوية في نظر العقل من جميع الجهات لزم القول بحجّية الجميع، لامتناع الحكم بحجّية بعض معيّن منها من دون مرجّح باعث على التعيين أو الحكم بحجّية بعض غير معيّن منها، إذ لا يعقل الرجوع إليه في ما هو الواجب من استنباط الأحكام.

____________

(1) أي: الإيراد على المقدمة الرابعة من مقدمات الانسداد، راجع ص 391.

416

و أمّا إذا كان البعض من تلك الظنون مقطوعا بحجّيته على فرض حجّية الظنّ في الجملة دون البعض الآخر تعيّن ذلك البعض للحكم بالحجّية دون الباقي، فإنّه هو القدر اللازم من المقدّمات المذكورة دون ما عداه، إذ حكم العقل بحجّية الكلّ على ما ذكر ليس من جهة انتفاء المرجّح بينها بحسب الواقع حتّى يجب الحكم بحجّية الجميع كذلك بل إنّما هو من جهة عدم علمه بالمرجّح، فلا يصحّ له تعيين البعض للحجّية دون البعض من غير ظهور مرجّح عنده، فيتعيّن عليه الحكم بحجّية الكلّ بعد القطع بعدم المناص عن الرجوع إليه في الجملة، فعموم الحكم المذكور إنّما يجي‏ء من جهة جهل العقل بالواقع.

و أنت خبير بأنّ قضيّة الجهل المذكور هي ترجيح الأخصّ في المقام عند دوران الأمر حينئذ بينه و بين الأعمّ، لثبوت حجّيته على التقديرين، فبعد ثبوت حجّية الظنّ في الجملة لا كلام في حجّية ظنون خاصّة لدوران الأمر حينئذ بين الأخذ بها و بغيرها، فكيف يسوغ حينئذ للعقل تجويز الرجوع إلى غير الظنون الخاصّة مع كون تلك الظنون كافية في استنباط الأحكام.

فان قلت: إنّ القائل بحجّية كلّ الظنون إنّما يقول بحجّية الظنون الخاصّة من حيث إنّها ظنّ لا لأجل خصوصيّتها، و تلك الحيثيّة جارية في جميع الظنون، و القائل بحجّية خصوص تلك الظنون الخاصّة من حيث إنّها ظنّ لم يقم على ذلك حجّة قاطعة، فلم يثبت إذن خصوصيّة في تلك الظنون حتّى يقال بترجيحها على غيرها.

قلت: ليس المقصود في المقام الاستناد في مقام الترجيح إلى الدليل الدالّ على حجّية الظنون الخاصّة حتّى يقال بعدم ثبوت مرجّح قطعي قاض بحجّيتها بخصوصها و عدم اتّفاق الأقوال عليها كذلك، بل المراد أنّه لمّا دار الأمر في نظر العقل بعد العلم بحجّية الظنّ على جهة الإهمال بمقتضى المقدّمات الثلاث المذكورة، حيث إنّه لا يحتمل هناك وجها ثالثا، و كان حجّية الظنون الخاصّة ثابتة على كلّ من الوجهين المذكورين، فحكم العقل بحجّيتها ليس من أجل قيام الحجّة

417

على حجّيتها ابتداء حتّى يقابل ذلك بعدم نهوض دليل عليها كذلك، بل من جهة جهله بعموم الحجّية و اختصاصها بالبعض بعد علمه بحجّية الظنّ في الجملة، فإنّ قضيّة ذلك عدم ثبوت حجّية ما يزيد على ذلك، فليس له الحكم إلّا بالقدر الثابت على التقديرين أخذا باليقين، و إن احتمل أن يكون حجّية ذلك البعض واقعا من جهة كونه ظنّا مطلقا لتعمّ الجميع أو بملاحظة الخصوصيّة، إذ مجرّد الاحتمال لا يثمر شيئا في المقام، و لا يجوز تعدّي العقل في الحكم عن المقدار المذكور.

و الحاصل: أنّ جهله بالترجيح في المقام قاض بحكمه بترجيح ذلك البعض عند الدوران بينه و بين الكلّ دون حكمه بحجّية الكلّ من جهة الترجيح بلا مرجّح كما هو المدّعى.

فظهر بما قرّرنا أنّ الحكم بترجيح البعض المذكور ليس من جهة الاتّفاق عليه بخصوصه حتّى يقابل ذلك بمنع حصول الاتّفاق على خصوص ظنّ خاصّ و أنّه لو سلّم ذلك فالقدر المتّفق عليه لا يكفي في استعلام الأحكام كما هو الحال في العلم، فالإيراد في المقام بأحد الوجهين المذكورين بيّن الاندفاع.

فإن قلت: إنّ الظنون الخاصّة لا معيار لها حتّى يؤخذ منها حينئذ على مقتضى اليقين لحصول الاختلاف في خصوصيّاتها أيضا.

قلت: يؤخذ حينئذ بأخصّ وجوهها ممّا اتّفق عليه القائلون بالظنون الخاصّة بأن لا يحتمل الاقتصار على ما دونها بناء على ذلك، فإن اكتفى به في دفع الضرورة فلا كلام، و الأخذ بالأخصّ بعده أخذا بمقتضى المقدّمات المذكورة إلى أن يدفع به الضرورة و يترك الباقي بعد ذلك، و لو فرض دوران الأمر بين ظنّين أو ظنون في مرتبة واحدة حكم بحجّية الكلّ، لانتفاء الترجيح، و لا يقضي ذلك بحجّية ما بعده من المراتب.

فإن قلت: إنّه لو تمّ ما ذكر فإنّما يتمّ مع عدم معارضة الظنّ الخاصّ لغيره من الظنّون، و أمّا مع المعارضة و رجحان الظنّ الآخر عليه أو مساواته له فلا يتمّ لدوران الأمر حينئذ بين الظنّين، فيتوقّف الرجحان على ثبوت المرجّح بالدليل،

418

و لا يجري فيه الوجه المذكور، بل يقضي الدليل المذكور حينئذ بحجّية الجميع، لانتفاء الترجيح حينئذ حسب ما قرّر في الاحتجاج فيعمل حينئذ بما يقتضيه قاعدة التعارض.

قلت: لمّا لم يكن تلك الظنون حجّة مع الخلوّ عن المعارض على ما قرّرنا، فمع وجود المعارض لا تكون حجّة بطريق أولى، فلا يعقل معارضتها لما هو حجّة عندنا.

و أنت خبير بأنّه يمكن أن يقلب ذلك و يقال: إنّه مع التساوي أو الترجيح يحكم بحجّية الكلّ نظرا إلى بطلان الترجيح بلا مرجّح حسب ما قرّر في الدليل، فيلزم القول بحجّيته مع انتفاء المعارض بالأولى، بل يتعيّن الأخذ بالوجه المذكور دون عكسه فإنّ قضيّة الدليل المذكور ثبوت الحجّية في الصورة المفروضة بخلاف رفع‏ (1) الحجّية في الصورة الاخرى، فإنّه إنّما يقال به من جهة الأصل و انتفاء الدليل على الحجّية، فيكون الثبوت هنا حاكما على النفي هناك، فينتفي القول بحجّية الكلّ كما هو مقصود المستدلّ، فتأمّل.

ثانيها: أنّ عدم قيام الدليل القاطع على حجّية بعض الظنون لا يمنع من حصول الترجيح للاكتفاء فيه بالأدلّة الظنّية من غير أن يكون ذلك استنادا إلى الظنّ في إثبات الظنّ كما قد يتوهّم.

توضيح ذلك: أنّه بعد قطع العقل بحجّية الظنّ في الجملة و دوران الحجّة بين بعض الظنون و كلّها إن تساوى الكلّ بحسب الحجّية في نظر العقل أمكن الحكم بحجّية الجميع، لما عرفت من امتناع الحكم بعدم حجّية شي‏ء منها و انتفاء الفائدة في الحكم بحجّية بعض غير معيّن منها، و حكمه بحجّية بعض معيّن منها ترجيح بلا مرجّح، فيتعيّن الحكم بحجّية الجميع.

و أمّا لو اختلفت الظنون بحسب القرب من الحجّية و البعد عنها في نظر العقل و دار الأمر بين حكمه بحجّية القريب أو البعيد أو هما معا، فلا ريب أنّ الّذي يقطع‏

____________

(1) في «ف» و «ق»: دفع.

419

به العقل حينئذ هو الحكم بالأوّل و إبقاء الباقي على ما يقتضيه حكم العقل قبل ذلك، فهو في الحقيقة استناد إلى القطع دون الظنّ.

و الحاصل أنّ الّذي يحكم العقل بحجّيته هو القدر المذكور و يبقى الباقي على مقتضى حكم الأصل‏ (1).

ثالثها: أنّ مقتضى الدليل المذكور حجّية كلّ ظنّ عدا ما قام دليل قطعي أو منته إلى القطع على عدم جواز الرجوع إليه.

و بالجملة ما قام دليل معتبر شرعا على عدم جواز الأخذ به. و حينئذ نقول: إنّه إذا قام دليل ظنّي على تعيّن الرجوع إلى ظنون مخصوصة و عدم جواز الرجوع إلى غيرها تعيّن الأخذ بها و لم يجز الرجوع إلى ما عداها، إذ مع قيام الظنّ مقام العلم يكون الدليل الظنّي القائم على ذلك منزّلا منزلة العلم بعدم جواز الرجوع إلى سائر الظنون.

فمقتضى ما أفاده الدليل المذكور- من حجّية كلّ ظنّ عدا ما دلّ الدليل المعتبر شرعا على عدم جواز الرجوع إليه- عدم جواز الرجوع حينئذ إلى سائر الظنون ممّا عدا الظنون الخاصّة، و ليس ذلك حينئذ من قبيل إثبات الظنّ بالظنّ فلا يعتدّ به، بل إنّما يكون كلّ من الإثبات و النفي بالعلم، إذ المفروض العلم بقيام الظنّ مقام العلم عدا ما قام الدليل على خلافه.

فإن قلت: إنّه يقع التعارض حينئذ بين الظنّ المتعلّق بالحكم و الظنّ المتعلّق بعدم حجّية ذلك لقضاء الأوّل بصحّة الرجوع إليه و دفع الثاني له، فلابدّ حينئذ من الرجوع إلى أقوى الظنّين المذكورين لا القول بسقوط الأوّل رأسا.

قلت: من البيّن أنّه لا مصادمة بين الظنّين المفروضين، لاختلاف متعلّقيهما، لما هو ظاهر من صحّة تعلّق الظنّ بالحكم، و الظنّ بكونه مكلّفا بعدم الاعتداد بذلك الظنّ و الأخذ به في إثبات الحكم، فلا يعقل المعارضة بينهما ليحتاج إلى الترجيح.

____________

(1) في «ق»: العقل.

420

نعم قد يقال: بوقوع التعارض بين الدليل الدالّ على حجّية الظنّ و الظنّ القاضي بعدم حجّية الظنّ المفروض.

و يدفعه: أنّ قضيّة الدليل الدالّ على حجّية الظنّ هو حجّية كلّ ظنّ لم يقم على عدم جواز الأخذ به دليل شرعي، فإذا قام عليه دليل شرعي كما هو المفروض لم يعارضه الدليل المذكور أصلا.

فإن قلت: إن قام هناك دليل علمي على عدم حجّية بعض الظنون كان الحال على ما ذكرت، و أمّا مع قيام الدليل الظنّي فإنّما يصحّ جعله مخرجا عن مقتضى القاعدة المذكورة إذا كانت حجّيته معلومة، و هو إنّما يبتني على القاعدة المذكورة و هي غير صالحة لتخصيص نفسها، إذ نسبتها إلى الظنّين على نحو سواء، فكما يكون الظنّ بعدم حجّية ذلك الظنّ قاضيا بعدم جواز الأخذ به كذا يكون الظنّ المتعلّق بثبوت الحكم في الواقع أيضا قاضيا بوجوب العمل بمؤدّاه، و مقتضى القاعدة المذكورة حجّية الظنّين معا، و لمّا كانا متعارضين لم يمكن الجمع بينهما كان اللازم مراعاة أقواهما و الأخذ به في المقام على ما هو شأن الأدلّة المتعارضة من غير أن يكون ترك أحد الظنّيين مستندا إلى القاعدة المذكورة- كما زعمه المجيب- إذ لا يتصوّر تخصيصها لنفسها.

و الحاصل: أنّ المخرج عن حكم تلك القاعدة في الحقيقة هو الدليل الدالّ على حجّية الظنّ المفروض، إذ الظنّ بنفسه لا ينهض حجّة قاضية بتخصيص القاعدة الثابتة، و المفروض أنّ الدليل عليه هو القاعدة المفروضة فلا يصحّ جعلها مخصّصة لنفسها، أقصى الأمر مراعاة أقوى الظنّين المفروضين في المقام.

قلت: الحجّة عندنا حينئذ كلّ واحد من الظنون الحاصلة و إن كان المستند في حجّيتها شيئا واحدا، و حينئذ فالحكم بحجّية كلّ واحد منها مقيّد بعدم قيام دليل على خلافه.

و من البيّن حينئذ كون الظنّ المتعلّق بعدم حجّية الظنّ المفروض دليلا قائما على عدم حجّية ذلك الظنّ فلابدّ من تركه.

421

و الحاصل: أنّ العقل قد دلّ على حجّية كلّ ظنّ حتّى يقوم دليل شرعي على عدم حجّيته، فإذا تعلّق ظنّ بالواقع و ظنّ آخر بعدم حجّية ذلك الظنّ كان الثاني حجّة على عدم جواز الرجوع إلى الأوّل و خرج بذلك عن الاندراج تحت الدليل المذكور، فليس ذلك مخصّصا لتلك القاعدة أصلا.

فإن قلت: إنّ العقل كما يحكم بحجّية الظنّ الأوّل إلى أن يقوم دليل على خلافه كذا يحكم بحجّية الأخير كذلك، و كما يجعل الثاني باعتبار كونه حجّة دليلا على عدم حجّية الأوّل فليجعل الأوّل باعتبار حجّيته دليلا على عدم حجّية الثاني، إذ لا يمكن الجمع بينهما في الحجّية فأيّ مرجّح للحكم بتقديم الثاني على الأوّل.

قلت: نسبة الدليل المذكور إلى الظنّين بأنفسهما على نحو سواء، لكن يتعلّق الظنّ الأوّل بحكم المسألة في الواقع و الظنّ الثاني بعدم حجّية الأوّل، فإن كان مؤدّى الدليل حجّية الظنّ مطلقا لزم ترك أحد الظنّين، و لا ريب إذن في لزوم ترك الثاني، فإنّه في الحقيقة معارض للدليل القاطع القائم على حجّية الظنّ مطلقا لا للظنّ المفروض، و حينئذ فلا ظنّ بحسب الحقيقة بعد ملاحظة الدليل القطعي المفروض.

و أمّا إن كان مؤدّاه حجّية الظنّ إلّا ما دلّ الدليل على عدم حجّيته، فلا مناص من الحكم بترك الأخذ بالظنّ الأوّل، إذ قضيّة الدليل المفروض حجّية الظنّ الثاني، فيكون دليلا على عدم حجّية الأوّل، و لا معارضة فيه للدليل القاضي بحجّية الظنّ، لكون الحكم بالحجّية هناك مقيّدا بعدم قيام الدليل على خلافه، و لا للظنّ الأوّل، لاختلاف متعلّقيهما. و لو اريد الأخذ بمقتضى الظنّ الأوّل لم يمكن جعل ذلك الحكم دليلا على عدم حجّية الظنّ الثاني، لوضوح عدم ارتباطه به، و إنّما يعارضه ظاهرا نفسه الحكم بحجّيته، و قد عرفت أنّه لا معارضة بينهما بحسب الحقيقة، و لا يصحّ أن يجعل حجّية الظنّ الأوّل دليلا على عدم حجّية الثاني، إذ الحجّة في المقام هي نفس الظنّين، و الدليل المذكور في المقام دالّ على حجّيتهما، و هو أمر واحد نسبته إليهما بأنفسهما على نحو سواء كما عرفت، و ليست حجّية الظنّ حجّة في المقام، بل الحجّة نفس الظنّ.

422

و قد عرفت أنّه بعد ملاحظة الظنّين و ملاحظة حجّيتهما على الوجه المذكور ينهض الثاني دليلا على عدم حجّية الأوّل دون العكس، فيكون قضيّة الدليل القائم على حجّية الظنّ- إلّا ما قام الدليل على عدم حجّيته بعد ملاحظة الظنّين المفروضين- حجّية الثاني و عدم حجّية الأوّل، من غير حصول تعارض بين الظنّين حتّى يؤخذ بأقواهما، كما لا يخفى على المتأمّل.

رابعها: أنّ هناك أدلّة خاصّة قائمة على حجّية الظنون المخصوصة على قدر ما يحصل به الكفاية في استنباط الأحكام الشرعيّة، و هي إمّا قطعيّة أو منتهية إلى القطع حسب ما فصّل القول فيها في الأبواب المعدّة لبيانها، و نحن نحقّق القول في ذلك في تلك المقامات إن شاء اللّه، و لعلّنا نشير إلى بعض منها في طيّ هذه المسألة أيضا. و حينئذ فلا إشكال في كونها مرجّحة بين الظنون فلا يثبت بالمقدّمات الثلاث المتقدّمة ما يزيد على ذلك، فطريق العلم بالأحكام الواقعيّة و إن كان مسدودا في الغالب، إلّا أنّ طريق العلم بتفريغ الذمّة و المعرفة بالطرق المقرّرة في الشريعة للوصول إلى الأحكام الشرعيّة غير مسدود، فيتعيّن الأخذ به، هذا.

و قد يقرّر الدليل المذكور بنحو آخر بأن يقال: إنّه لو لم يكن مطلق الظنّ بعد انسداد باب العلم حجّة لزم أحد امور ثلاثة: من التكليف بما لا يطاق، و الخروج من الدين، و الترجيح بلا مرجّح، و كلّ من اللوازم الثلاثة بيّن البطلان.

و أمّا الملازمة فلأنّه لا يخلو الحال بعد انسداد باب العلم من وجوب تحصيل العلم و لو بسلوك سبيل الاحتياط أو ترك العمل بما لا علم به رأسا، أو العمل ببعض الظنون دون بعض، أو الرجوع إلى مطلق الظنّ عدا ما ثبت المنع منه من الظنون الخاصّة فعلى الأوّل يلزم الأوّل، إذ المفروض انسداد باب العلم في معظم الأحكام و عدم إمكان مراعاة الاحتياط في كثير منها مضافا إلى ذهاب المعظم إلى عدم وجوب الاحتياط مع ما في القول بوجوبه من العسر العظيم و الحرج الشديد.

و على الثاني يلزم الثاني لخلوّ معظم الأحكام عن الأدلّة القطعيّة. و على الثالث يلزم الثالث، إذ لا ترجيح بين الظنون، لعدم قيام دليل قطعي على حجّية ما يكتفى‏

423

به من الظنون في معرفة الأحكام. و الرجوع إلى المرجّح الظنّي في إثبات الظنّ ممتنع، فيتعيّن الرابع، و هو المدّعى.

و يمكن الإيراد عليه على نحو ما مرّت الإشارة إليه تارة: بأنّا نلتزم وجوب تحصيل العلم بالواقع أو بطريق دلّ الدليل القاطع على حجّيته، و في ما عدا ذلك يبنى على الاحتياط على حسب ما مرّ تفصيل القول فيه، و في ما لا يمكن الاحتياط فيه إن لم يعلم تعلّق التكليف بنا في خصوص تلك المسألة من إجماع أو ضرورة و كان لنا مندوحة عنه يبنى على سقوط التكليف، لعدم ثبوت طريق موصل إليه بحسب الشرع. و إن علم ثبوت التكليف بالنسبة إلينا يبنى فيه بالتخيير بين الوجهين أو الوجوه المحتملة في تعلّق التكليف، يعني أنّه يؤخذ بالقدر المتيقّن و يدفع اعتبار ما يزيد عليه، لانتفاء الطريق إليه. كما أنّا مع القول بقيام الدليل القاطع على طريق يعلم معه بتفريغ الذمّة نلتزم به بالنسبة إلى من يكون في أطراف بلاد الإسلام إذا لم يتمكّن من الوصول إلى الطريق المقرّر في الشريعة و تمكّن من تحصيل طريق الاحتياط، فإنّه يلزم البناء على نحو ما أشرنا إليه.

و تارة بالتزام سقوط التكليف في ما لا سبيل إلى العلم به. قوله: إنّه يلزم الخروج عن الدين، قلنا: ممنوع، على حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

و اخرى بالتزام البناء على العمل ببعض الظنون. قوله: «إنّه يلزم الترجيح من دون مرجّح» قلنا: ممنوع، و إنّما يلزم ذلك إذا لم يقم عندنا دليل قطعي أو منته الى القطع على حجّية جملة من الظنون كافية في حصول المطلوب.

و مع الغضّ عنه فإنّما يلزم ذلك مع عدم الاكتفاء بالمرجّح الظنّي إن قلنا بعدم حجّية الظنّ المتعلّق بحجّية بعض الظنون دون بعض، و كلا الدعويين محلّ منع، بل فاسد حسب ما مرّ القول فيهما.

و أيضا نقول: إنّه إن اريد بالشرطيّة المذكورة لزوم أحد الامور الثلاثة على تقدير عدم حجّية مطلق الظنّ بالواقع بعد انسداد طريق العلم به فالملازمة ممنوعة، و ما ذكر في بيانها غير كاف في إثباتها، لإمكان الرجوع إلى الظنّ بما كلّفنا به من‏

424

غير أن يلزم شي‏ء من المفاسد الثلاثة، و هو غير المدّعى كما عرفت. و إن اريد به الأعمّ من الوجهين، فهو مسلّم و لا يفيد حجّية الظنّ المتعلّق بالواقع كما هو المدّعى، على أنّ التقرير المذكور لا يفي بوجوب الرجوع إلى الظنّ به.

غاية الأمر دلالته على لزوم الرجوع إلى ما عدا العلم و لو كان الرجوع إلى تقليد الأموات مثلا، فلابدّ من أخذه فيه ما يفيد وجوب الأخذ بالظنّ حسب ما أخذناه في التقرير المتقدّم.

- الثاني- (*)

أنّه لو لم يجب العمل بالظنّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو غير جائز بديهة، فالمقدّم مثله. بيان الملازمة: أنّه مع عدم الأخذ بالمظنون لابدّ من الأخذ بخلافه، و هو الموهوم.

و من البيّن أنّ المظنون راجح و الموهوم مرجوح لتقوّمهما بذلك، و هو ما ذكرناه من اللازم.

فإن قلت: أنّه إنّما يلزم ذلك إذا وجب الحكم بأحد الجانبين، و أمّا مع عدمه فلا، إذ قد لا يحكم إذن بشي‏ء من الطرفين.

قلت فيه: أوّلا: إنّ ترك الحكم مرجوح أيضا في نظر العقل فإنّه مع رجحان جانب المظنون يكون الحكم به راجحا على نحو رجحان المحكوم به، فيكون ترك الحكم أيضا مرجوحا كالحكم بخلاف ما ترجّح عنده من المحكوم به.

و ثانيا: أنّه إنّما يمكن التوقّف في الحكم و الفتوى، و أمّا في العمل فلا وجه للتوقّف، إذ لابدّ من الأخذ بأحد الجانبين، فإمّا أن يؤخذ الجانب الراجح أو المرجوح، و يتمّ الاستدلال.

و قد أشار إلى هذه الحجّة في الإحكام في حجج القائل بحجّية أخبار الآحاد و قال: إنّه إمّا أن يجب العمل بالاحتمال الراجح و المرجوح معا، أو تركهما معا،

____________

(*) أي: الوجه الثاني من وجوه حجّية مطلق الظنّ.

425

أو العمل بالمرجوح دون الراجح، أو بالعكس. لا سبيل إلى الأوّل و الثاني و الثالث فلم يبق سوى الرابع، و هو المطلوب. و أشار إليه في النهاية أيضا في ذيل الحجّة الآتية.

و الجواب عنه المنع من بطلان التالي. و دعوى البداهة فيه ممنوعة، إذ قد يؤخذ فيه بالاحتياط، و هو مع كونه عملا بخلاف المظنون حسن عند العقل قطعا، فليس مجرّد العمل بخلاف المظنون مرجوحا عند العقل، و قد يؤخذ فيه بالأصل نظرا إلى توقّف تعلّق التكليف في نظر العقل بإعلام المكلّف، و حيث لا علم فلا تكليف، إلّا أن يثبت قيام غيره مقامه، كيف؟ و لو كان ترجيح المرجوح في العمل على الراجح المفروض بديهي البطلان لكانت المسألة المفروضة ضروريّة، إذ المفروض فيها حصول الرجحان مع أنّها بالضرورة ليست كذلك، بل مجرّد رجحان حصول التكليف في نظر العقل لا يقضي بوجوب الأخذ بمقتضاه و القطع بتحقّق التكليف على حسبه كما زعمه المستدلّ إذا لم يقم هناك دليل قاطع على وجوبه، كيف؟ و هو أوّل الدعوى، بل نقول: إنّ رجحان حصول الحكم في الواقع لا يستلزم رجحان الحكم بمقتضاه، لإمكان حصول الشكّ حينئذ في حسن الحكم أو الظنّ بخلافه، بل و القطع به أيضا، فلا ملازمة بين الأمرين فضلا عن القول بوجوب الحكم بذلك و القطع به، كيف؟ و يحتمل عند العقل حينئذ حصول جهة الحظر في الإفتاء بمقتضاه، و لحوق الضرر عليه من جهته، و معه لا يحكم العقل بجواز الإقدام عليه بمجرّد الرجحان المفروض.

فظهر بذلك: أنّ ما ذكر من كون الحكم بالراجح راجحا على نحو رجحان المحكوم به غير ظاهر، بل فاسد، فلا مرجوحيّة إذن لترك الحكم و لا للحكم بجواز كلّ من الفعل و الترك في ما يصحّ فيه الأمران، نظرا إلى عدم قيام دليل قاطع للعذر عليه، و كأنه أشار إلى ذلك في الإحكام مشيرا الى دفع الحجّة المذكورة قائلا بأنّه لا مانع من القول بأنّه لا يجب العمل و لا يجب الترك، بل هو جائز الترك، على أنّه لو تمّ الاحتجاج المذكور لقضى بحجّية الظنّ مطلقا من غير أن يصحّ إخراج شي‏ء

426

من الظنون عنها، لعدم جواز الاستثناء من القواعد العقليّة، إذ بعد كون الأخذ بالمظنون راجحا و عدمه مرجوحا و كون ترجيح المرجوح قبيحا لا وجه للقول بعدم جواز الأخذ ببعض الظنون، لصدق المقدّمات المذكورة بالنسبة إليه قطعا، فلا وجه لتخلّف النتيجة، مع أنّ من الظنون ما لا يجوز الأخذ به إجماعا، بل ضرورة.

إلّا أن يقال: إنّ قضيّة رجحان الشي‏ء أن يكون الحكم به راجحا إلّا أن يقوم دليل على خلافه و هو مع عدم كونه بيّنا و لا مبيّنا غير ما بني عليه الاحتجاج المذكور، إذ قد يقال: إنّه بعد قيام الدليل على عدم حجّية ذلك الظنّ لا يبقى هناك رجحان في نظر العقل، و هو أيضا بيّن الفساد، لوضوح عدم المنافاة بين الظنّ بحصول الشي‏ء و العلم بعدم جواز الحكم بمقتضاه.

و قد يقرّر الاحتجاج المذكور بنحو آخر بأن يقال: إنّ الفتوى و العمل بالموهوم مرجوح، أي قبيح قاض باستحقاق الذمّ عند العقل، و الفتوى و العمل بالمظنون راجح، أي حسن يستحقّ به المدح عند العقل، فلو لم يجب العمل بالظنّ لزم ترجيح القبيح على الحسن، و هو قبيح ضرورة. أمّا كون الفتوى و العمل بالموهوم قبيحا فلأنّه يشبه الكذب، بل هو هو بخلاف الحكم بالراجح و العمل به.

و أنت خبير بأنّ ما ذكر من كون الحكم و العمل بمطلق المظنون حسنا عند العقل هو عين المدّعى، فأخذه دليلا في المقام مصادرة، إلّا أن يجعل المدّعى حسنه في حكم الشرع، و الدليل على حسنه حكم العقل نظرا إلى ثبوت الملازمة بين حكم العقل و الشرع.

و فيه: أنّ الدعوى المذكورة أيضا في مرتبة المدّعى في الخفاء، لوضوح أنّ القائل بالملازمة بين الحكمين- كما هو مبنى الاحتجاج بالعقل- إذا لم يثبت عنده حسن العمل بالظنّ شرعا فلا يسلّم استقلال العقل بإدراك حسنه، فكان اللازم أن يجعل الدليل الدالّ على ذلك دليلا على المطلوب، و ليس في التقرير المذكور ما يفيد الاحتجاج عليه، إذ ليس فيه سوى دعوى قبح الأوّل و حسن الثاني.

نعم علّل قبح الأوّل بأنّه يشبه الكذب، بل هو هو و هو على فرض تسليمه‏

427

لا يستلزم حسن الحكم بالمظنون و العمل به، لإمكان قبح الأمرين، مع أنّ الوجه المذكور قاض بقبح الحكم بالمظنون أيضا، لأنّه أيضا يشبه الكذب نظرا إلى توقّف الإخبار بالعلم بالمطابقة، فغاية الفرق بين الأمرين قوّة احتمال عدم المطابقة في الأوّل و ضعفه في الثاني، و ذلك لا يقضي بخروجه عن دائرة الكذب على تقدير عدم المطابقة و لا (1) التجرّي على الكذب بالإتيان بما يحتمله، لما فيه من انتفاء العلم بالحقيقة، فالتقرير المذكور ليس على ما ينبغي، و كأنّه مبنيّ على وجوب الحكم و العمل بأحد الجانبين حال انسداد باب العلم و إن لم يؤخذ ذلك في الاحتجاج.

و قد اشير إلى ذلك في الإيراد الآتي في كلام المستدلّ فيضمّ إليه حينئذ قبح الأخذ بالموهوم في العمل و الفتوى دون المظنون، و الوجه فيه ما مرّ في الدليل المتقدّم من كون تحصيل الواقع هو المناط في العمل و الفتوى، و حيث إنّ الطريق إليه هو العلم فبعد انسداد ذلك الطريق و بقاء وجوب الحكم و العمل لابدّ من الأخذ بما هو الأقرب إليه، أعني الطرف الراجح دون المرجوح، فلذا يحكم العقل بحسن الأوّل و قبح الثاني. فيكون الدليل على الدعوى المذكورة و هي المقدّمات الثلاث المتقدّمة من غير حاجة إلى ضمّ الرابعة نظرا إلى استقلال العقل بقبح ترك الراجح و أخذ المرجوح. و يجري ذلك بالنسبة إلى سائر الظنون، و هذا كما ترى تقرير آخر للاحتجاج المذكور بحذف المقدّمة الرابعة، فإنّ الموصل إلى الحكم بحجّية مطلق الظنّ بناء على التقرير المذكور هو المقدّمات المذكورة. و أمّا الحكم بقبح ترك الراجح و أخذ المرجوح الحاصل بملاحظة تلك المقدّمات فهو مساوق للمدّعى أو عينه، كما عرفت.

و أنت بعد ملاحظة ما بيّناه تعرف أنّ المتّجه في تقرير الاحتجاج هو ما ذكرنا دون التقرير المذكور، فإنّ الرجحانيّة و المرجوحيّة بالمعنى الّذي ذكرناه بعد ضمّ المقدّمات الثلاث هو الموصل إلى الرجحانيّة و المرجوحيّة بالمعنى الّذي ذكره.

____________

(1) في «ف» و «ق»: إلّا.

428

و أيضا إذا ثبت ما ادّعاه من حكم العقل بالحسن و القبح في المقام لكان مثبتا للمقصود من غير حاجة إلى ضمّ قوله: «فلو لم يجب العمل بالظنّ ... إلى آخره» فيكون أخذه في المقام لغوا، و إنّما ضمّه إليه من جهة أنّ العلّامة (رحمه اللّه) و غيره أخذوه في الاحتجاج المذكور فقرّر الاستدلال على حسب ما قرّروه إلّا أنّهم لم يريدوا بالراجح و المرجوح ما فسرّهما به، بل أرادوا بهما ما قرّرناه فلابدّ لهم من ضمّ المقدّمة المذكورة بخلاف ما قرّره، إذ لا يعقل حينئذ وجه لضمّ المقدّمة المذكورة أصلا، فهو (رحمه اللّه) مع تفسيره الرجحانيّة بما مرّ أورد الاحتجاج على نحو ما ذكروه و منه نشأ الإيراد المذكور.

هذا و قد ذكر الفاضل المتقدّم بعد بيان الاحتجاج على الوجه المذكور ايرادا في المقام، و هو: أنّه إنّما يتمّ ما ذكر إذا ثبت وجوب الإفتاء و العمل، و لا دليل عليه من العقل و لا النقل، إذ العقل إنّما يدلّ على أنّه لو وجب الإفتاء أو العمل يجب اختيار الراجح، و أمّا وجوب الإفتاء فلا يحكم به العقل، و أمّا النقل فلأنّه لا دليل على وجوب الإفتاء عند فقد ما يوجب القطع بالحكم، و الإجماع على وجوب الإفتاء ممنوع في المقام، لمخالفة الأخباريّين فيه حيث يذهبون إلى وجوب التوقّف و الاحتياط عند فقد ما يوجب القطع.

و أجاب عنه أوّلا: بمنع وجوب العمل بالمقطوع به في الفروع و هو أوّل الكلام، و ما دلّ عليه من ظواهر الآيات ليست إلّا ظنونا لا حجّة فيها قبل إثبات حجّية الظنّ.

و ثانيا: بعد تسليم وجوب القطع فإنّما يعتبر ذلك في حال إمكان تحصيله لا بعد انسداد سبيله كما هو الحال عندنا.

و ثالثا: أنّ العمل بالتوقّف أو الفتوى بالتوقّف أيضا يحتاج إلى دليل يفيد القطع، و لو تمسّكوا في ذلك بالأخبار الدالّة عليه عند فقدان العلم، فمع أنّ تلك الأخبار لا تفيد القطع لكونها من الآحاد معارضة بما دلّ على أصالة البراءة و لزوم العسر و الحرج، و على فرض ترجيح تلك الأخبار فلا ريب في كونه ترجيحا ظنّيا، فلا يثمر في المقام.

429

و رابعا: أنّه قد ينسدّ سبيل الاحتياط فلا يمكن الاحتياط في العمل و لا التوقّف في الفتوى، كما لو دار المال بين شخصين سيّما إذا كانا يتيمين، إذ لا يقتضي الاحتياط إعطاءه أحدهما دون الآخر، و لا دليل قطعي أيضا على جواز السكوت و ترك التعرّض للحال و الإفتاء بأحد الوجهين بعد استفراغ الوسع و حصول الظنّ، فلعلّ اللّه سبحانه يؤاخذه على عدم الاعتناء و ترك التعرّض للفتوى لعدم قيام دليل قطعي على حرمة العمل بالظنّ، بل ليس ما دلّ على حرمة العمل به من الأدلّة الظنّية معادلا للضرر المظنون في إتلاف مال اليتيم و تعطيل امور المسلمين و إلزام العسر و الحرج في الدين، فمع عدم قيام دليل قطعي من الجانبين ليس في حكم العقل إلّا ملاحظة جانب الرجحان و المرجوحيّة من الطرفين و الأخذ بما هو الأقوى منهما في نظر العقل و الأبعد عن ترتّب الضرر حسب ما مرّت الإشارة إليه في الدليل المتقدّم.

فالعاقل البصير لابدّ أنّ يلاحظ مضارّ طرفي الفعل و الترك في كلّ مقام و يأخذ بما هو الأقوى بعد ملاحظة الجهتين، و لا يقتصر على ملاحظة أحد الجانبين، فإنّ مجرّد كون الاحتياط حسنا في نفسه لا ينفع في مقابلة حفظ النظام و دفع المنكر و إقامة المعروف و إغاثة الملهوف و رفع العسر و الحرج و حفظ النفوس و الأموال عن التلف و عدم تعطيل الأحكام إلى غير ذلك من الفوائد المترتّبة على الفتوى، فلا وجه لترجيح جانب الاحتياط بعد انسداد باب العلم في المسألة و ترك العمل بالظنّ الحاصل من الطرق الظنّية، بل لابدّ في كلّ مقام من ملاحظة الترجيح و الأخذ بالراجح، غاية الأمر أن يكون في الاحتياط إحدى الجهات المحسّنة، و هذا هو السرّ في القول بالأخذ بالظنّ بعد انسداد سبيل العلم.

قلت: و يرد عليه، أمّا على ما ذكره أوّلا: فبأنّه خارج عن قانون المناظرة، لكونه منعا للمنع، فإنّ المورد المذكور بيّن توقّف ما ذكره المستدلّ على ثبوت وجوب الإفتاء و العمل، إذ مع البناء على عدمه لا قاضي بلزوم الأخذ بالظنّ، لإمكان البناء على التوقّف و الاحتياط حسب ما ذهب إليه الأخباريّون في موارد

430

الشبهة و انتفاء الدليل القاطع على حكم المسألة، و حينئذ أورد عليه بمنع المقدّمة المذكورة حيث لم يثبته المستدلّ و لم يقم عليها حجّة، بل لم يأخذها في الاحتجاج. فمنع المنع المذكور ممّا لا وجه له، لاكتفاء المورد في المقام بمجرّد الاحتمال الهادم للاستدلال.

و أمّا على ما ذكره ثانيا: فبأنّ القول بعدم وجوب تحصيل القطع بعد انسداد سبيله لا يقتضي إثبات المقدّمة المذكورة، لقيام الاحتمال المذكور في ما انسدّ فيه سبيل العلم، كيف؟ و من البيّن أنّه بعد انسداد سبيل العلم لا يتصوّر التكليف بتحصيل العلم، و مع ذلك ذهب الأخباريّون في غير المعلومات إلى وجوب التوقّف و الاحتياط.

نعم قد يريد بذلك انسداد سبيل العلم في معظم المسائل مع القطع ببقاء التكليف بعده، فيثبت بذلك المقدّمة الممنوعة حسب ما ذكر ذلك في الدليل الأوّل حيث أثبت بهاتين المقدّمتين كون المكلّف به هو العمل بغير العلم، فحينئذ يرد عليه ما مرّ في الدليل المتقدّم مع أنّ ذلك غير مأخوذ في هذا الاستدلال.

و أمّا على ما ذكره ثالثا: فبأنّ عدم ثبوت دليل قاطع أو منته إلى القطع كاف في التوقّف عن الفتوى، فإنّ الحكم بالشي‏ء يحتاج إلى الدليل لا التوقّف عن الحكم، سيّما بعد حكم العقل و النقل بقبح الحكم من غير دليل و حرمته في الشريعة، فإذا لم يثبت حينئذ جواز العمل بمطلق الظنّ كان قضيّة ما ذكرناه التوقّف عن الفتوى قطعا، و حيث لم يقطع حينئذ بجواز البناء على نفي التكليف رأسا كان اللازم في حكم العقل من جهة حصول الاطمئنان بدفع الضرر هو الأخذ بالاحتياط.

نعم لو قام دليل قاطع على جواز الأخذ بغيره كان متّبعا و لا كلام فيه، و أمّا مع عدم قيامه فلا حاجة في إثبات وجوب الاحتياط إلى ما يزيد على ما قلناه.

و أمّا على ما ذكره رابعا: فبأنّ ما ينسدّ فيه سبيل الاحتياط لا يجب فيه الحكم بأحد الجانبين إلّا مع قيام الدليل على تعيين أحد الوجهين، بل لابدّ مع عدم قيام الدليل كذلك من التوقّف عن الفتوى.

431

و ما ذكره من أنّه «لا دليل قطعي أيضا على جواز السكوت ... الى آخره» إمّا أن يريد به عدم قيام الدليل القطعي من أوّل الأمر على جواز السكوت و ترك الحكم مع‏ (1) عدم قيام الدليل القاطع على أحد الجانبين، أو عدم قيام الدليل القطعي عليه حينئذ و لو بعد ملاحظة عدم قيام الدليل القاطع على جواز الحكم بعد العلم و لا على عدم جوازه، فإن أراد الأوّل فمسلّم، و لا يلزم منه عدم العلم بجواز السكوت و ترك الحكم، و إن أراد الثاني فهو مدفوع بما هو ظاهر عقلا و نقلا من عدم جواز الحكم بغير دليل، فإذا فرض عدم قيام الدليل على جواز الحكم تعيّن البناء على المنع منه، و كان ذلك حكما قطعيّا عند العقل بالنسبة إلى من لم يقم دليل عنده.

نعم لو قام هناك دليل على وجوب الحكم و دار الأمر بين الحكم بالمظنون و غيره فذلك كلام آخر لا ربط له بما هو بصدده إذ كلامه المذكور مبنيّ على الغضّ عن ذلك، فحكمه بالتساوي بين الحكم و تركه في التوقّف على قيام الدليل عليه ليس على ما ينبغي، لوضوح الفرق بينهما بما عرفت، فإنّ عدم قيام الدليل على الحكم كاف في الحكم بالمنع منه حتّى يقوم دليل على جوازه و إن اشتركا في لزوم تحصيل القطع في الجملة في الإقدام و الإحجام.

و قوله: «مع عدم قيام دليل قطعي من الجانبين ليس في حكم العقل ... إلى آخره» إمّا أن يريد به ملاحظة حال الرجحان و المرجوحيّة بالنظر إلى الواقع، أو من جهة التكليف الظاهري بالنسبة إلى جواز الإقدام على الفعل أو الترك.

فإن كان هو الأوّل فالأخذ بما هو الراجح غير لازم، إذ قد يكون الراجح في نظر العقل حينئذ هو ترك الأخذ به و عدم إثبات الحكم بمجرّد الرجحان الغير المانع من النقيض.

و إن أراد الثاني فلا ريب في أنّ ما يحكم به العقل بعد انسداد سبيل العلم و عدم قيام دليل على الأخذ بالظنّ هو التوقّف و ترك الحكم، كيف! و من البيّن على‏

____________

(1) في «ف» و «ق»: و مع.

432

وجه الإجمال عدم جواز الحكم من غير دليل، فإذا لم يقم دليل على جواز الركون إلى الظنّ كان الحكم بمقتضاه محظورا، و إنّما يصحّ الحكم به لو قام دليل على جواز الحكم بمقتضاه، و هو حينئذ أوّل الكلام، فمجرّد استحسان العقل و ملاحظة الجهات المرجّحة للفعل أو الترك لا يقطع عذر المكلّف في الإقدام على الحكم بعد ملاحظة ما هو معلوم إجمالا من المنع من الحكم بغير دليل.

فظهر بما قرّرنا أنّه مع الغضّ عن ثبوت وجوب الحكم في الصورة المفروضة عند الدوران بين الوجهين لا وجه للاحتجاج المذكور أصلا، فما رامه من إتمام الدليل مع ترك أخذه في المقام فاسد.

- الثالث- (*)

إنّ مخالفة المجتهد لما ظنّه من الأحكام الواجبة أو المحرّمة أو ما يستتبعها مظنّة للضرر، و كلّ ما هو مظنّة للضرر فتركه واجب، فيكون عمل المجتهد بما ظنّه واجبا. و الكبرى ظاهرة، و أمّا الصغرى فلأنّه إذا ظنّ وجوب شي‏ء أو حرمته فقد ظنّ ترتّب العقاب على ترك الأوّل و فعل الثاني، و هو مفاد ظنّ الضرر.

و اورد عليه: تارة بمنع الكبرى. و دعوى الضرورة فيها غير ظاهرة، غاية الأمر أن يكون أولى رعاية للاحتياط، و لو سلّم ذلك فإنّما يسلّم في الامور المتعلّقة بالمعاش دون الامور المتعلّقة بالمعاد، إذ لا استقلال للعقل في إدراكها.

و تارة بمنع الصغرى، فإنّه إنّما يترتّب خوف الضرر على ذلك إذا لم نقل بوجوب نصب الدليل على ما يتوجّه إلينا من التكليف، و أمّا مع البناء على وجوبه فلا وجه لترتّب الضرر مع انتفائه كما هو المفروض.

و اخرى بالنقض بخبر الفاسق بل الكافر إذا أفاد الظنّ و لا يتمّ القول بالتزام التخصيص في ذلك، نظرا إلى خروج ما ذكر بالدليل يبقى غيره تحت الأصل، لعدم تطرّق التخصيص في القواعد العقليّة الثابتة بالأدلّة القطعيّة.

____________

(*) أي: الوجه الثالث من وجوه حجّيّة مطلق الظنّ.

433

و الجواب عن الأوّل ظاهر، فإنّ وجوب رفع الضرر المظنون بل و ما دونه من النظريّات الّتي لا مجال لإنكاره، كيف! و هو المبدأ في إثبات النبوّات و التجسّس عن الحقّ، و لولاه لزم إفحام النبيّ في أمره بالنظر إلى معجزته. و التفصيل المذكور بين المضارّ الدنيويّة و الاخرويّة من أوهن الخيالات، إذ لا يعقل الفرق بينهما في ذلك، بل المضارّ الاخرويّة أعظم في نظر العقل السليم، لشدّة خطره و عظم المنال فيه و دوامه، و عدم حيلة للمكلّف في دفعه بعد خروج الأمر من يده. و عدم استقلال العقل في خصوصيّاتها لا يقتضي عدم إدراكه لما يتعلّق بها و لو على سبيل الإجمال.

و أجاب بعض الأفاضل عن الثاني بأنّ مراد المستدلّ أنّه إذا علم بقاء التكليف ضرورة و انحصر طريق معرفة المكلّف به في الظنّ وجب متابعته و لم يجز تركه، إذ ما ظنّه حراما أو واجبا يظنّ أنّ اللّه يؤاخذه على مخالفته، و ظنّ المؤاخذة قاض بوجوب التحرّز عقلا، و لا وجه لمنع ذلك. و ما ذكره من سند المنع مدفوع بأنّ وجوب نصب الدلالة القطعيّة (1) بالخصوص على الشارع ممنوع، و هو أوّل الكلام، ألا ترى أنّ الإماميّة يقولون بوجوب اللطف على اللّه في نصب الإمام (عليه السّلام) لإجراء الأحكام و إقامة الحدود، و مع ذلك خفي عن الامّة من جهة الظلمة؟ فكما أنّ المجتهد صار نائبا عنه بالعقل و النقل و كان اتّباعه واجبا كاتّباعه، فكذلك ظنّ المجتهد بقولهم و شرائعهم صار نائبا عن علمه بها، و كما أنّ الإمام (عليه السّلام) يجب أن يكون عالما بجميع الأحكام ممّا يحتاج الامّة إليها و إن لم يكونوا محتاجين فعلا، فكذا يجب على المجتهد الاستعداد لجميع الأحكام بقدر طاقته ليرفع احتياج الامّة عند احتياجهم، و لا ريب أنّه لا يمكن تحصيل الكلّ باليقين فناب ظنّه مناب يقينه.

نعم لو فرض عدم حصول ظنّ المجتهد في مسألة أصلا رجع فيها إلى أصل البراءة.

____________

(1) في ط: العقليّة.

434

لا يقال: إنّه يوجب على التقرير المذكور يرجع هذا الدليل إلى الدليل الأوّل.

لأنّا نقول: إنّ مرجع الدليل الأوّل إلى لزوم التكليف بما لا يطاق في معرفة الأحكام لو لم يعمل بظنّ المجتهد، و مرجع هذا الدليل إلى أنّ ترك العمل بالظنّ يوجب الظنّ بالضرر.

فإن قلت: لو لم يحصل الظنّ بشي‏ء حين انسداد باب العلم فما المناص في العمل و التخلّص من لزوم تكليف ما لا يطاق؟ فإن عملت بأصل البراءة حينئذ فلم لم تعمل به من أوّل الأمر؟

قلت: إنّما لا نعمل به أوّلا لأنّ الثابت من الأدلّة كون جواز العمل به متوقّفا على اليأس عن الأدلّة بعد الفحص، فكما يعتبر الفحص في اليأس عن الأدلّة الاختياريّة فكذا الحال في الأدلّة الاضطراريّة، فالحال في الظنون الغير المعلوم حجّيتها بالخصوص إذا تعارضت أو فقدت حال الظنون المعلوم الحجّية إذا تعارضت أو فقدت، فما يبنى عليه هناك من التوقّف في الفتوى أو الرجوع إلى الأصل يبنى عليه هنا، و كما لا يرجع هناك إلى الأصل مع وجود الدليل و انتفاء المعارض كذا لا يرجع إليه هنا.

و أجاب عن الثالث: تارة بأنّ عدم جواز العمل بخبر الفاسق إذا أفاد الظنّ أوّل الكلام، و اشتراط العدالة في الراوي معركة للآراء، و قد نصّ الشيخ (رحمه اللّه) بجواز العمل بخبر المتحرّز عن الكذب و إن كان فاسقا بجوارحه، و المشهور بينهم أيضا جواز العمل بالخبر الضعيف المنجبر بعمل الأصحاب، و لا ريب أنّ ذلك لا يفيد إلّا الظنّ.

و الحاصل: أنّا لا نجوّز العمل بخبر الفاسق لأجل عدم حصول الظنّ أو لحصول الظنّ بعدمه لا من جهة كونه فاسقا و إن حصل الظنّ به، و بمثل ذلك نقول:

إذا ورد النقض بالقياس فيكون حرمة العمل به من جهة عدم حصول الظنّ منه، و ذلك علّة منع الشارع من العمل به لا أنّه لا يعمل به على فرض حصول الظنّ.

و تارة بأنّ ما دلّ الدليل على عدم حجّيته كخبر الفاسق أو القياس إنّما يستثنى من الأدلّة المفيدة للظنّ، لا أنّ الظنّ الحاصل منه مستثنى من مطلق الظنّ حتّى يرد

435

التخصيص على القاعدة العقليّة ليورد الإشكال المذكور، بل إنّما يرد التخصيص على متعلّق القاعدة المذكورة، فيكون القاعدة العقليّة متعلّقة بالعامّ المخصوص، و هي باقية على حالها كذلك من غير ورود تخصيص عليها.

و ذكر المجيب المذكور أنّ ما ذكر من الإيراد وارد على الدليل الأوّل أيضا، لأنّ تكليف ما لا يطاق إذا اقتضى العمل بالظنّ بعد انسداد سبيل العلم فلا وجه لاستثناء الظنّ الحاصل من القياس مثلا. و أجاب عنه بوجوه:

أحدها: أنّ تكليف ما لا يطاق و انسداد باب العلم- من الأدلّة المقتضية للعلم أو الظنّ المعلوم الحجّية مع العلم ببقاء التكليف- يوجب جواز العمل بما يفيد الظنّ، يعني في نفسه مع قطع النظر عمّا يفيد ظنّا أقوى.

و بالجملة أنّه يدلّ على حجّية الأدلّة الظنّية دون مطلق الظنّ النفس الأمري، و الأوّل أمر قابل للاستثناء، إذ يصحّ أن يقال: إنّه يجوز العمل بكلّ ما يفيد الظنّ بنفسه و يدلّ على مراد الشارع ظنّا إلّا الدالّ الفلاني، و بعد إخراج ما خرج عن ذلك يكون باقي الأدلّة المفيدة للظنّ حجّة معتبرة، فإذا تعارضت تلك الأدلّة لزم الأخذ بما هو أقوى و ترك الأضعف منها، فالمعتبر حينئذ هو الظنّ الواقعي، و يكون مفاد الأقوى حينئذ ظنّا و الأضعف و هما، فيؤخذ بالظنّ و يترك غيره.

ثانيها: أنّ في مورد القياس و نحوه لم ينسدّ باب العلم بالنسبة إلى ترك مقتضاه، فإنّا نعلم بالضرورة من المذهب حرمة العمل بمؤدّى القياس فنقطع أنّ حكم اللّه غير مؤدّاه، من حيث إنّه مؤدّاه، و إن لم نعلم أنّه ما هو فنرجع في تعيينه إلى سائر الأدلّة و إن كان مؤدّاه عين مؤدّاها لمخالفته له في الحيثيّة.

ثالثها: أنّه يمكن منع بداهة حرمة العمل بالقياس و نحوه في موضع لا سبيل إلى الحكم إلّا به، غاية ما يسلّم قضاء الضرورة بعدم جواز الأخذ به مع حصول طريق آخر إلى الحكم فلا نقض.

و أنت خبير: بأنّ جميع ما ذكر محلّ نظر لا يكاد يصحّ منها، أمّا ما ذكره في جواب الإيراد الثاني ففيه: أنّ المقدّمتين المذكورتين لم تؤخذا في الحجّة المذكورة حسب ما عرفت، فالوجه المذكور لا يدفع الإيراد، بل يحقّقه. و مع الغضّ‏

436

عن ذلك فلو اخذتا في الاحتجاج و سلّمها الخصم حصل منها القطع بتكليفه بالظنّ و حصول المؤاخذة مع ترك العمل بالمظنّة بالمرّة، إذ المفروض القطع ببقاء التكليف و انحصار الطريق في الظنّ، فأيّ حاجة إذن إلى ضمّ المقدّمة المذكورة؟ و أيّ داع لاعتبار الظنّ بالضرر؟ و حصول المؤاخذة مع المخالفة على أنّ ما ذكره من انحصار الطريق في الأخذ بالظنّ غير مبيّن في المقام، إلّا أن يؤخذ فيه ما ذكر في الدليل الأوّل من المقدّمتين الأخيرتين من كون الطريق الأولى إلى الواقع هو العلم، و كون الظنّ هو الأقرب إليه، فينحصر الطريق في الأخذ به بعد انسداد سبيل العلم و بقاء التكليف حسب ما مرّ بيانه في الدليل الأوّل.

و يبقى الكلام في عموم حجّية الظنّ ليشمل جميع أفراده عدا ما خرج بالدليل، إذ أقصى ما يفيده الوجه المذكور كون الظنّ دليلا في الجملة و يترتّب الضرر على مخالفته كذلك.

و أمّا ترتّبه على مخالفة أيّ ظنّ كان فغير بيّن و لا مبيّن، و العقل يحكم بعدم ترتّب المضارّ الاخرويّة كذلك من دون قيام الحجّة على عموم الحجّية، فظنّ ترتّب الضرر على مخالفة مطلق الظنّ من دون قيام الحجّة القاطعة لعذر المكلّف لا وجه له، و إنّما يتمّ ذلك بعد ملاحظة عدم الترجيح بين الظنون حسب ما مرّت الإشارة إليه فيرجع ذلك إلى الدليل المتقدّم.

فظهر بذلك فساد ما جعله فارقا بين هذا الدليل و الدليل الأوّل من كون المناط في الانتقال إلى الظنّ هناك بطلان تكليف ما لا يطاق و هنا دفع الضرر المظنون، إذ قد عرفت أنّ مجرّد الظنّ بالحكم لا يقتضي ظنّ الضرر بمخالفته مع عدم قيام دليل قاطع لعذر المكلّف. و الكلام في المقام إنّما وقع في ذلك الدليل، و لو اريد إثباته بمجرّد الظنّ بالحكم لزم الدور، و لو أخذ فيه المقدّمتان المذكورتان كان الانتقال إلى الظنّ من جهتهما دون ظنّ الضرر كما أشرنا إليه، على أنّ الانتقال إلى الظنّ في المقام لا يتصوّر مع قطع النظر عن لزوم تكليف ما لا يطاق، كيف! و لو قيل بجوازه لجاز حصول القطع ببقاء التكليف و انحصار الطريق في الظنّ، مع كونه مكلّفا بالعلم و عدم اكتفاء الشارع بغيره، و مجرّد الظنّ بأداء التكليف بموافقة المظنون لا يكتفى‏

437

به في الخروج عن عهدة التكليف الثابت، بل لا يكون مثبتا للتكليف بالمظنون مع عدم كونه قاطعا لعذر المكلّف في عدم ثبوت التكليف عندنا و قيام الحجّة عليه في بيان التكليف، إذ لا ملازمة بين الظنّ بالحكم و الظنّ بالضرر مع مخالفة المظنون بعد ما قام الدليل على عدم تعلّق التكليف قبل قيام الحجّة على المكلّف، و حصول طريق له في الوصول إلى المكلّف به.

و ما ذكره جوابا عمّا أورد من إمكان العمل بأصل البراءة من أوّل الأمر: من أنّا إنّما لا نعمل به من أوّل الأمر إلى آخر ما ذكره مدفوع، بأنّ الحال و إن كان على ما ذكره من عدم الرجوع إلى أصل البراءة إلّا مع اليأس عن الأدلّة الاختياريّة و الاضطراريّة، غير أنّه لابدّ من ثبوت الأدلّة الاضطراريّة ليمكن الرجوع إليها و الاعتماد عليها. و أمّا مع عدم ثبوتها فلا وجه للاعتداد بها، بل لابدّ من الرجوع إلى أصل البراءة. فالظنون الّتي لا يعلم حجّيتها بالخصوص إن ثبت حجّيتها على جهة العموم فلا كلام في تقديمها على الأصل، لكنّها لم يثبت حجّيتها بعد، و إنّما يتوقّف ثبوتها على عدم جواز الرجوع حينئذ إلى الأصل المذكور كما هو مبنى الاستدلال. و مجرّد احتمال حجّيتها لا يقضي بالمنع من الرجوع إلى الأصل، إذ لا يتمّ الحجّة على المكلّف بمجرّد الاحتمال، و لذا يدفع احتمال حصول التكليف بالأصل المذكور، و لا يتعقّل فرق بين الاحتمال المتعلّق بنفس التكليف و الاحتمال المتعلّق بإثبات التكليف بمجرّد الظنّ، فكما ينهض الأصل حجّة دافعة للأوّل إلى أن يقوم دليل على ثبوت التكليف، فكذا بالنسبة إلى الثاني.

و القول بأنّ حجّية الأصل إنّما هي مع اليأس عن الدليل و لا يأس مع وجود واحد من الظنون المفروضة ممّا يحتمل حجّيته واضح الفساد، فإنّ المراد بالدليل هو القاطع لعذر المكلّف. و مجرّد احتمال كونه مثبتا للتكليف غير قاطع لعذره، كما أنّه لا يقطع عذره باحتمال ثبوت التكليف حسب ما قرّرنا، فيقوم الأصل حينئذ حجّة على دفع كلّ من الاحتمالين إلى أن يقوم دليل على خلافه.

نعم لو قرّر رفع الإيراد بأنّ البناء على أصل البراءة في غير معلوم الحجّية بالخصوص من الظنون المفروضة يوجب هدم الشريعة و الخروج عن الدين لكان‏

438

له وجه حسب ما مرّ بيانه في تقرير الاستدلال الأوّل.

و أمّا ما علّل المنع به فممّا لا يكاد يمكن تصحيحه.

و أمّا ما ذكره في الجواب عن الإيراد الثالث ففيه: أنّ ما دفعه به أوّلا من منع مادّة الانتقاض فهو موهون جدّا، إذ عدم حجّية جملة من الظنون في الشريعة و لو بالنسبة إلى هذه الأزمان ممّا قضى به إجماع الفرقة، بل ضرورة المذهب كظنّ القياس و الاستحسان و نحوهما، و دعوى عدم حصول الظنّ منها مكابرة للوجدان.

نعم إنّما يتمّ ما ذكره بالنسبة إلى خبر الفاسق مثلا بناء على الاكتفاء في حجّية الخبر بظنّ الصدور كما هو المختار، إذ احتمال الاكتفاء به لا يتحقّق معه النقض، لوضوح أنّ مجرّد الاحتمال غير كاف في حصول الانتقاض، و ما دفعه به ثانيا فهو أيضا كسابقه لبقاء الإشكال على حاله، و لا ثمرة لاعتبار الإخراج عن الأدلّة المفيدة للظنّ أصلا، و ذلك لوضوح التزام إخراجها عمّا دلّ على حجّية مطلق الظنّ أيضا.

فإنّ مؤدّى الأدلّة المذكورة حجّية مطلق الظنّ بعد انسداد سبيل العلم، و المفروض عدم حجّية الظنون المفروضة فتكون مخرجة عن القاعدة المذكورة قطعا. و القول بأنّ الحجّة مطلق الظنّ الحاصل عمّا سوى الأدلّة المفروضة- فلا تخصيص في القاعدة، لاختصاص الحكم بما عدا المذكور- غير مفيد في المقام، إذ لو كان ذلك كافيا في دفع الإيراد كان جاريا في نفس الظنّ أيضا بأن يقال: إنّ الحجّة بعد انسداد سبيل العلم هو ما عدا الظنون الّتي علم عدم حجّيتها فأيّ فائدة في الخروج عن ظاهر ما يقتضيه تقرير الدليل و بنائه على الوجه المذكور؟

و مع الغضّ عن ذلك فمقتضى ما ذكره قيام الدليل على حجّية الظنّ الحاصل من الأدلّة المفيدة للظنّ، و حينئذ فورود التخصيص على متعلّق الظنّ المفروض تخصيص في القاعدة العقليّة أيضا من غير فرق بينه و بين ورود التخصيص على حجّية مطلق الظنّ أصلا.

نعم يمكن الجواب عن الإيراد المذكور: بأنّه بعد ما قام الدليل على عدم حجّية الظنّ الحاصل من القياس و نحوه لا يتحقّق خوف من الضرر عند مخالفته‏

439

ليجب الأخذ بمقتضاه من جهة دفعه، و ذلك للعلم بعدم الاعتماد عليه في الشريعة، بل منع الشارع عن الأخذ به، فإنّما يترتّب الضرر حينئذ على التمسّك به دون عدمه.

و يمكن الإيراد عليه: بأنّ مدار الاحتجاج المذكور على كون الظنّ بالواقع قاضيا بظنّ الضرر مع مخالفة المظنون، فإذا قيل بإمكان التخلّف و عدم حصول الظنّ مع حصول الظنّ بالحكم بطل الاحتجاج من أصله.

و يدفعه: أنّ مدار الاحتجاج على كون الظنّ بالواقع مقتضيا لظنّ الضرر لو لا قيام المانع منه، فإذا قام الدليل على عدم حجّية بعض الظنون كان ذلك مانعا من الظنّ بالضرر، و مع عدمه فالظنّ بالضرر حاصل عند حصول الظنّ بالتكليف.

و فيه منع ظاهر، إذ لا دليل على الدعوى المذكورة سيّما بعد ملاحظة خلافه في عدّة من الظنون، و قيام بعض الوجوه المشكّكة في عدّة اخر منها، بل ضرورة الوجدان قاضية بعدم الملازمة بين الظنّ بالحكم و الظنّ بالضرر مع عدم الأخذ به، و قد مرّت الإشارة إلى ذلك، و يأتي تتمّة الكلام فيه إن شاء اللّه.

إلّا أنّ ذلك إيراد آخر على الدليل المذكور لا ربط له بالإيراد المذكور، و ما ذكر من الجواب كاف في دفع هذا الإيراد.

و أمّا ما ذكره في الجواب عن تقرير الإيراد المذكور على الدليل الأوّل فيرد على ما ذكره، أوّلا: أنّ مفاد المقدّمات المذكورة هو حجّية مطلق الظنّ و قيامه مقام العلم دون الأدلّة الظنّية، و لو دلّ على حجّيتها فإنّما هي من حيث إفادتها الظنّ فيعود إلى الأوّل، فكيف يصحّ القول بأنّ مفادها حجّية الأدلّة الظنّية المفيدة للظنّ في نفسها مع قطع النظر عمّا يعارضها دون نفس المظنّة الواقعيّة؟

و مع الغضّ عن ذلك فأيّ فرق في ما ذكر بين دلالتها على حجّية كلّ من الأدلّة الظنّية و كلّ ظنّ من الظنون؟ فإنّه بناء على ثبوت العموم بحكم العقل لا يصحّ ورود التخصيص عليه في شي‏ء من الصورتين على ما تقرّر عندهم من عدم جواز التخصيص في القواعد العقليّة.

***

440

[حجّية الشهرة]

قوله: (الثالثة: حكي فيها أيضا عن بعض الأصحاب ... الخ.)

شهرة الحكم بين الأصحاب تداوله بينهم و ذهاب الأكثر إليه، سواء كان القول الآخر نادرا أو شائعا في الجملة و يعبّر عنه حينئذ بالأشهر، و قد تطلق على مطلق تداول الحكم بينهم و ذهاب كثير منهم إليه و إن لم يبلغ إلى حدّ الأكثريّة. و لذا يطلق المشهور على الحكمين المتقابلين، كما يقال فيه قولان مشهوران، و الأغلب في إطلاق المشهور هو الوجه الأوّل، و كأنّه المقصود بالبحث في المقام، و لها مراتب مختلفة في القوّة و الضعف، نظرا إلى فضيلة القائلين به و حذاقتهم في الفنّ و خلافه و كثرة القائلين به و شذوذ الآخر جدّا و عدم بلوغها إلى تلك الدرجة.

ثمّ إنّه قد يكون في مقابلة المشهور قول آخر، و قد لا يعرف هناك قول، بل يكون تردّد من الآخرين و توقّف فيه أو سكوت منهم في الحكم، و يندرج في الإجماع السكوتي. و ليس بإجماع عندنا، و قد لا يكون هناك تعرّض من الباقين للحكم ليتبيّن خلافهم أو وفاقهم، و يندرج حينئذ في عدم ظهور الخلاف فيكون من بعض صور المسألة، بل قد يستظهر عدم خلاف الباقين أيضا فيكون من ظهور عدم الخلاف، و يكون إجماعا ظنّيا، و هو أيضا يندرج في الشهرة.

و لو حصل هناك اتّفاق بين الأصحاب من دون كشفه عن قول المعصوم (عليه السّلام)- كما قد يتّفق في بعض الأحيان- فالظاهر أيضا اندراجه في المشهور.

هذا و قد يكون الشهرة في الرواية و المراد بها كثرة الرواة الناقلين لها، أو تداولها بين الأصحاب و ذكرها في الكتب الكثيرة و إن كانت روايته بطريق واحد،

441

و قد يضمّ إلى ذلك تلقّيهم لها بالقبول، و لا يستلزم اشتهار الرواية ندور ما يقابلها، بل قد يكون ذلك أيضا مشهورا، و في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها دلالة عليه.

و قد يجتمع الشهرتان في بعض الأحيان، و ليست الشهرة في الرواية مقصودة بالبحث في المقام، بل المبحوث عنه هنا هو الشهرة في الفتوى.

و المشهور بين الأصحاب من قدمائهم و متأخّريهم، بل لا خلاف يعرف فيه بينهم- إلّا ممّن عبّر عنه الشهيد (رحمه اللّه) ببعض الأصحاب و استقر به- عدم حجّية الشهرة و عدم جواز الاتّكال عليها بمجرّدها في إثبات الأحكام الشرعيّة.

و الظاهر عدم حجّيتها عند معظم العامّة أيضا، و لذا لم يتداول عدّها في عداد الأدلّة الشرعيّة في الكتب الاصوليّة و لا استندوا إليها في إثبات الأحكام في الكتب الاستدلاليّة، بل لا زالوا يطلبون الدليل على الأحكام المشهورة و يناقشون في أدلّتهم المذكورة.

و من المثل السائر في الألسنة- في مقام عدم الاعتداد بالشهرة- «ربّ مشهور لا أصل له».

نعم ربّما استند إليها العلّامة (رحمه اللّه) في المختلف في بعض المسائل على سبيل الندرة، و ليس ذلك اعتمادا منه على مجرّد الشهرة، بل لا يبعد أن يكون من قبيل ضمّ المؤيّدات إلى الأدلّة حسب ما هو ديدنه في كتبه الاستدلاليّة. كيف! و لو كان ذلك حجّة لشاع ذلك عنه و أشار إليه في كتبه الاصوليّة و تكثّر استناده إليها في كتبه الاستدلاليّة. و إنّما ظهر الخلاف فيه عن نادر من علمائنا مجهول عبّر عنه الشهيد (رحمه اللّه) ببعض الأصحاب و استقر به (رحمه اللّه) لكن لم نجد جريه عليه في كتبه الاستدلاليّة، فقد لا يكون مقصوده بالاستقراب حكما أو لا يكون مقصود القائل و مقصوده الاستناد إلى مجرّد الشهرة، بل المراد التمسّك بالقطع بوجود المستند الشرعي من اتّفاق الجماعة، فيدور الحكم مدار ذلك القطع كما هو أحد الطرق المتقدّمة في الإجماع، فيكون مقصوده صحّة التمسّك به من جهة حصول ذلك القطع كما يومئ إليه تعليله الأوّل «و إن لم يكن مفيدا للقطع أو الظنّ بالواقع»

442

و يكون تعليله الثاني تأييدا له من جهة حصول الظنّ منها بمطابقة الواقع، بناء على عدم حجّية مطلق الظنّ كما هو المقرّر عندنا، و بذلك يندفع التدافع المتخيّل بين تعليله حسب ما أورده بعض الأجلّة كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و كيف كان، فقد حكي اختيار ذلك عن المحقّق الخوانساري و ربّما يعزى ذلك إلى المصنّف نظرا إلى كلامه الآتي مع ما ذكره في الدليل الرابع على حجّية أخبار الآحاد، و هو بعيد عن مذاقه جدّا، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

و قد اختار بعض الأفاضل من متأخّري المتأخّرين حجّيتها إذا لم تخل عن حجّة و لو رواية ضعيفة و نحوها، فصارت الأقوال فيها إذن ثلاثة، و الأقوى الأوّل.

و يدل عليه امور:

أحدها: الأصل فإنّ إثبات الحجّية يتوقّف على قيام الدليل عليه، و حيث لا دليل على صحّة الرجوع إليها و الحكم بمقتضاها- حسب ما نقرّره من ضعف متمسّك المجيز- لم يجز التعويل عليها، مضافا إلى أنّ النواهي المتعلّقة بالأخذ بالظنون شاملة لها من غير ريب، فمع عدم قيام دليل على جواز الاتّكال عليها لا يجوز الأخذ بها.

ثانيها: أنّ المعلوم من حال الفقهاء قديما و حديثا اصولا و فروعا عدم الحكم بشي‏ء بمجرّد شهرته بين الأصحاب، بل لا زالوا يطالبون بأدلّة المشهورات و يتوقّفون عن الحكم حتّى ينهض دليل عليها، و ذلك أمر معلوم من ملاحظة تصانيفهم و التتبّع في مناظراتهم و احتجاجاتهم، قد استمرّت عليه طريقتهم بحيث لا مجال لإنكاره، فصار ذلك إجماعا من الكلّ، كيف و لو كانت الشهرة حجّة عندهم لكان من أبين الحجج و أوضحها و أظهر الأدلّة و أكثرها و أقلّها مؤنة و أسهلها، و شاع الاحتجاج بها عندهم، و كانت أكثر دورانا من سائر الحجج مع أنّ الأمر بعكس ذلك، فإنّا لم نجد أحدا من المتقدّمين و المتأخّرين قد تمسّك بها في مقام الاحتجاج على شي‏ء من المطالب إلّا ما يوجد في بعض كلمات العلّامة (رحمه اللّه) في شذوذ من المقامات عن التمسّك بها، و هو من قبيل ضمّ المؤيّد إلى الدليل على‏

443

ما هو طريقته حسب ما أشرنا إليه، و يدلّ عليه أيضا أنّهم لم يعتدّوا بها في الكتب الاصوليّة و لا ذكروها في عداد الحجج الشرعيّة كما عدّوا الإجماع و غيره من الحجج الوفاقيّة و الخلافيّة، مع أنّه أولى بذلك لكثرة حصولها و سهولة تحصيلها.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا اتّفاقهم من قديم الزمان إلى الآن على المنع من العمل بها و التعويل عليها و الرجوع إليها، فصار ذلك إجماعا من الكلّ.

و قد عرفت أنّ الإجماع من أقوى الحجج الشرعيّة نعم في المطالب الّتي يتسامح في أدلّتها من السنن و الآداب لا مانع من الرجوع إليها و الأخذ بها، بل ربّما يؤخذ فيها بفتوى الفقيه الواحد أيضا حسب ما فصّل في محلّه.

ثالثها: أنّها لو كانت حجّة لم تكن حجّة، لوضوح قيام الشهرة على عدم حجّية الشهرة، و ما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل.

و بتقرير آخر: أنّه إمّا أن يقال بعدم حجّية الشهرة مطلقا، أو بحجّيتها كذلك، أو بحجّيتها في بعض المقامات دون البعض، و الأوّل هو المدّعى، و الثاني باطل لما فيه من التناقض، نظرا إلى قيام الشهرة على عدم حجّية الشهرة، فلو اخذ بمقتضى الشهرة المتعلّقة بالمسائل الفرعيّة لزم ترك الشهرة المتعلّقة بعدم حجّية الشهرة مع أنّها من أقوى الشهرات، و الثالث ترجيح من غير مرجّح، إذ لا مرجّح بينها حتّى يقال بحجّية بعض الشهرات دون بعضها من دون قيام معارض يقاومها أو يترجّح عليها.

و يرد عليه: أوّلا: منع قيام الشهرة على عدم حجّية الشهرة مطلقا و إنّما المسلّم شهرة القول بعدم حجّية الشهرة إذا خلا عن المستند، و لو كان ضعيفا كرواية ضعيفة و نحوها.

و أمّا إذا كان مستندا إلى دليل و لو كان رواية ضعيفة فحصول الشهرة بعدم حجّيتها غير واضح، بل المشهور عندهم خلافه حيث إنّهم يعتمدون على الشهرة المقترنة بالرواية الضعيفة و يحكمون بمقتضاها، فأقصى الأمر حينئذ عدم حجّية الشهرة المجرّدة الخالية عن المستند لا مطلقا.

444

و ثانيا: أنّا إنّما نقول بحجّية الشهرة في ما إذا لم يعارضها معارض أقوى على ما هو شأن الحجج الظنّية، و حينئذ نقول: إنّ الشهرة القائمة على عدم حجّية الشهرة معارضة بالدليل القطعي القائم على حجّية الظنون عند انسداد باب العلم على ما مرّ تقريره.

و من البيّن أنّ الظنّ لا يقاوم القطع، و مع الغضّ عنه فهناك أدلة ظنّية قاضية بحجّية الشهرة كما سنشير إليها، و لا يقاومها الظنّ الحاصل من الشهرة فلابدّ من تركها.

و من ذلك يظهر ضعف التقرير الثاني فإنّا نقول بحجّية الشهرة مطلقا في ما لم يعارضها معارض أقوى لا مطلقا، و قد ظهر بذلك أيضا اندفاع الحجّتين الاوليين، فإنّ الأصل يخالف الدليل.

و من البيّن أنّ القائل بحجّية الشهرة يتمسّك في ذلك بالدليل حسب ما يأتي بيانه، و الإجماع المدّعى لو سلّم فإنّما يسلّم في الشهرة المجرّدة دون المنضمّة إلى متمسّك و لو كان ضعيفا، حسب ما أشرنا إليه، و في ذلك كلّه نظر سيأتي تفصيل القول فيه إن شاء اللّه.

حجّة القول بحجّيتها مطلقا أو في ما إذا لم تخل عن مستند أصلا- و لو رواية ضعيفة لا يجوز التمسّك بها بنفسها- امور:

منها: الوجهان المذكوران في كلام الشهيد (رحمه اللّه). و الأوّل منهما ضعيف جدّا حسب ما قرّره المصنّف و مرّ الكلام فيه، إلّا أن يرجع إلى الوجه الثاني. و الثاني مبنيّ على قاعدة الظنّ و البناء على حجّيته إلّا ما قام الدليل على خلافه و إن لم ينهض عليه في الاحتجاج، لوضوح أنّ مجرّد حصول الظنّ أو قوّة الظنّ لا يقضي بجواز الاعتماد عليه ما لم يلاحظ معه أصالة حجّية الظنّ. و يمكن إرجاعه أيضا إلى بعض الوجوه الآتية، كما سنشير إليه إن شاء اللّه.

و منها: قيام الاتّفاق على حجّية جملة من الظنون ممّا هي أضعف من الظنّ الحاصل من الشهرة قطعا، و هو قاض بحجّية الظنّ الحاصل من الشهرة بالأولى،

445

ألا ترى أنّهم يقولون بحجّية أخبار الآحاد مع أنّ فيها من جهات الوهن ما لا يحصى، لابتناء الاحتجاج بها على معرفة أحوال رواتها و تعيين الراوي المشترك، و لا يكون شي‏ء منها غالبا إلّا بإعمال ظنون ضعيفة و أمارات خفيّة، و كذا الحال في تصحيح دلالتها و معرفة مفاد الألفاظ الواردة فيها أفرادا و تركيبا، و كذا الحال في التعارض الحاصل بينها.

و الحاصل: أنّ جهات الظنّ فيها سندا و دلالة و علاجا كثيرة جدّا، و كثير منها ظنون موهومة في الأغلب لا مناص لهم عن الأخذ بها و الظنّ الحاصل من الشهرة أقوى بكثير من كثير منها.

و يرد عليه: أنّ ما ذكره من قبيل القياس بالطريق الأولى- المعبّر عنه بالقياس الجليّ- و هو من قبيل القياسات العامّة لا حجّة فيه عندنا.

نعم ما كان منه من قبيل مفهوم الموافقة بحيث يندرج في الدلالات اللفظيّة كان خارجا عن القياس و كان حجّة، و ذلك غير حاصل في المقام، إذ ليس هنا لفظ يدلّ على حجّية ما ذكر من الظنون الموصوفة ليكون التعدّي عنها إلى ذلك مندرجا في مداليل الألفاظ، أقصى الأمر أن يثبت حجّيتها بالإجماع و نحوه، فيكون التعدّي عنها من قبيل القياس الجليّ.

و قد يجاب عنه: تارة بأنّ الإجماع و نحوه و إن لم يتضمّنا لفظ الشارع صريحا إلّا أنّهما كاشفان عن قوله، و ليست حجّيتهما عندنا إلّا من جهة الكشف عن قوله، فهو الحجّة في الحقيقة لا هما، و حينئذ مآلهما إلى اللفظ، فإذا كان الأصل المذكور مستفادا من اللفظ كان ما يلزمه أيضا كذلك، و إن لم يتعيّن ذلك اللفظ عندنا.

و اخرى بأنّ المناط في الرجوع إلى الأدلّة الظنّية، و هو تحصيل الواقع على سبيل الظنّ بعد انسداد سبيل العلم به، و بعد تنقيح المناط المذكور كما هو ظاهر عند العقل السليم يثبت ذلك في ما نحن فيه بطريق الأولويّة القطعيّة، لحصول المناط هنا بالنحو الأقوى.

و منها: الروايات المستفيضة الدالّة عليه الواردة من طرق العامّة و الخاصّة،

446

مثل ما رووه عنه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) من قوله: «عليكم بالسواد الأعظم» (1) و قوله: «الحقّ مع الجماعة» و قوله: «يد اللّه على الجماعة» (2) إلى غير ذلك، و في نهج البلاغة في كلامه (عليه السّلام) للخوارج: «و الزموا السواد الأعظم، فإنّ يد اللّه على الجماعة، و إيّاكم و الفرقة فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب» (3) و ما في مقبولة عمر بن حنظلة: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكاه المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة بيّن رشده- إلى أن قال:- قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» (4) الخبر.

و في قوله: «و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور» و قول الراوي: «فإن كان الخبران عنكم مشهورين» دلالة على كون المراد من المجمع عليه هو المشهور، فلا يرد دلالة الرواية على حكم الإجماع دون الشهرة. و ما في مرفوعة زرارة قلت: «جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟

فقال (عليه السّلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر، فقلت: يا سيّدي إنّهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم ... إلى آخره» (5).

و منها: أنّ المعروف بينهم بل من المسلّم عند المحقّقين بينهم حجّية الخبر الضعيف المنضمّ إلى الشهرة.

و من البيّن عدم حجّية الخبر الضعيف، فلو كانت الشهرة أيضا كذلك لم يصحّ الحكم المذكور، لظهور أنّ انضمام غير الحجّة إلى مثله لا يجعل غير الحجّة حجّة كانضمام أحد الخبرين الضعيفين إلى الآخر، فتعيّن أن يكون الشهرة هي الحجّة حتّى يكون انضمامها إلى الخبر قاضيا بالحجّية.

____________

(1) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1303 ح 3950.

(2) مجمع الزوائد: ج 5 ص 218. و فيه: على الجماعة، كما في المتن.

(3) نهج البلاغة: 184، رقم الخطبة «127»، صبحي الصالح و فيه: مع الجماعة.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي ص 75 ح 1.

(5) البحار: ج 2 ص 245 ح 57.

447

و من هنا استشكل صاحب المدارك و بنوه‏ (1) في حجّية الخبر المنجبر بالشهرة لزعمه عدم حجّية الشهرة أيضا، فمن أين يجي‏ء الحجّية بعد انضمام أحدهما بالآخر؟ لكنّه بعد ملاحظة الطريقة الجارية بين العلماء قديما و حديثا مقطوع الفساد، كما سيجي‏ء بيانه في بحث أخبار الآحاد إن شاء اللّه، و لو لا البناء على ما ذكرناه من حجّية الشهرة لكان ما ذكره متينا متّجها، فلا محيص بعد ذلك عدا الاعتراف بعدم حجّية الرواية المنجبرة بالشهرة، و هو يستلزم باختلال كثير من الأحكام الشرعيّة، و هذه من الثمرة العظمى في القول بحجّية الشهرة كما هو واضح لمن تدبّرها. فهذه الوجوه دالّة على حجّية الشهرة مطلقا و إذا ضمّ إليها قيام الشهرة على عدم حجّية الشهرة المعرّاة عن المستند بالمرّة و لو رواية ضعيفة قضى ذلك بخروج الشهرة المفروضة عن مقتضى دلالة الأدلّة المذكورة، إمّا لقيام الشهرة على فرض حجّيتها كما هو مقتضى الأدلّة المذكورة حجّة شرعيّة على عدم حجّية ذلك النوع من الشهرة و هي أجلى منها، فيؤخذ بمقتضاها، أو لأنّها لو كانت حجّة مطلقا لما كانت حجّة كذلك، نظرا إلى حصول الشهرة المذكورة على نحو ما مرّ بيانه على أنّ الوجه الأخير لا يفيد إلّا حجّية الشهرة المنضمّة إلى المستند، و لو كان خبرا ضعيفا دون الشهرة المجرّدة، إذ لا عمل عليها في المشهور.

فظهر بما قرّرنا أدلّة القولين المذكورين و الكلّ ضعيف.

أمّا الأوّل: فبما مرّ بيانه في كلام المصنّف و يأتي تتمّة الكلام فيه أيضا إن شاء اللّه.

و أمّا الثاني: فبما عرفت تفصيله من عدم صحّة ما ادّعوه من أصالة حجّية الظنّ و عدم نهوض ما استنهضوه من الأدلّة عليها.

و أمّا الثالث: فبأنّ ما ذكر من دعوى الأولويّة في المقام أوهن شي‏ء. و دعوى كونها مندرجة في الدلالة اللفظيّة بناء على كشف الاتّفاق المذكور عن لفظ دالّ على الحكم فيكون من مفهوم الموافقة مقطوع الفساد كما يشهد به صريح العرف‏

____________

(1) كذا في النسخ، و لعلّه كناية عمّن تبعه.

448

بعد عرض الواقع عليه، على انّ دعوى كشف الإجماع عن لفظ دالّ عليه محلّ منع. و إنّما يكشف الإجماع عن رأي المعصوم، و الطريق إلى معرفته غير منحصر في اللفظ حتّى يستعلم من الإجماع على شي‏ء صدور لفظ دالّ عليه.

و دعوى تنقيح المناط في حجّية الظنون فيقطع معه بالأولويّة ممنوعة، إذ لم يقم عندنا دليل من عقل أو نقل على كون الاحتجاج بالوجوه الظنّية مبنيّا على إفادة المظنّة وحدها، منوطا بها وجودا و عدما من دون مدخليّة التعبّد في ذلك، و مع قيام الاحتمال المذكور لا تصحّ الدعوى المذكورة، كيف؟ و قيام الدليل على عدم حجّية عدّة من الظنّيات- ممّا قد يكون الظنّ الحاصل منها أقوى جدّا من الظنون المعتبرة- أقوى شاهد على خلافه، و لو تمّت تلك الدعوى لما كان هناك حاجة إلى ملاحظة الأولويّة.

و أمّا الرابع: فبأن الأخبار العامية ممّا لا حجّية فيها مع أنّها ليست بتلك المكانة من الظهور، و قد تداول عند العامّة الاستناد إليها في حجّية الإجماع فيمكن أن يكون ذلك هو المقصود منها فقد فسّرت الجماعة في بعض الروايات بأهل الحقّ و إن قلّوا، فلا يوافق المدّعى.

و يمكن أن يحمل على ذلك أيضا ما في رواية النهج، و قد يقال: إنّ الظاهر منها الاتّفاق في ما عدا الأحكام الشرعيّة فإنّ قوله (عليه السّلام): «فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب يفيد أنّ تفرّد الإنسان في الأمر مظنّة لاستيلاء الشيطان كما أنّ تفرّد الشاة مظنّة لاستيلاء الذئب، إذ لو كان باطلا لكان عين استيلاء الشيطان لا أنّه مظنّة لحصوله بعد ذلك من جهة التفرّد، و قد يكون ذلك هو المقصود من الروايات العامّية المتقدّمة. و ما في المقبولة و المرفوعة مع الغضّ عن إسنادهما لا دلالة فيهما على المدّعى، فإنّ في الاولى هو الأخذ بالخبر المجمع عليه كما هو صريح الرواية، فلا دلالة فيها على حكم الفتوى المشهورة و لو سلّم كون المراد من المجمع عليه هو المشهور بقرينة ما بعده، و كذا الحال في الثانية، فإنّ الموصول في قوله «خذ بما اشتهر بين أصحابك» للعهد كما هو ظاهر العبارة،

449

بل صريحها بعد عرضها على العرف، فلا يعمّ غيره حتّى يقال: إنّ العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المورد، سواء كانت الشهرة المذكورة فيهما شهرة في الرواية أو الفتوى أو أعمّ منهما.

و قد يقال: إنّ التعليل المذكور في المقبولة من قوله (عليه السّلام) «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» بعد بيان كون المراد بالمجمع عليه هو المشهور، أو ما يعمّه يفيد شمول الحكم لشهرة الفتوى أيضا و لو كانت خالية عن الرواية، و فيه أيضا إشارة إلى أنّ الباعث على نفي الريب إنّما هو الشهرة، فلو كانت الرواية المنضمّة إليها ضعيفة لكانت الشهرة حجّة دون الرواية.

و فيه: أوّلا: أنّ كون المراد بالمجمع عليه هو المشهور أو ما يعمّه غير ظاهر، فإنّ الإجماع هو الاتّفاق دون مجرّد الشهرة و أمره أوّلا بأخذه بالخبر المجمع عليه بين أصحابه و تركه للشاذّ الّذي ليس بمشهور عندهم لا يفيد ذلك، إذ الاتّفاق على أحد الخبرين لا ينافي روايتهم للاخرى أيضا.

غاية الأمر أن يكون الرواية حينئذ شاذّة غير مشهور عندهم كما هو المفروض في الخبر، و قوله (عليه السّلام) بعد ذلك: «و إنّما الامور ثلاثة بيّن رشده ...» يفيد كون الأخذ بالمجمع عليه بيّن الرشد و هو يشير إلى كون المراد بالإجماع الاتّفاق المفيد للقطع دون مجرّد الشهرة الباعثة على الظنّ.

و ثانيا: أنّ المقصود في الخبر المذكور بيان ما يترجّح به أحد الخبرين المتعارضين على الآخر، فلا يبعد أن يكون المراد من قوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» هو الخبر المجمع عليه ليكون اللام للعهد، بل لا يستفاد من سياق الخبر ما يزيد على ذلك. و مجرّد احتمال إرادة العموم بحيث يفيد نفي الريب من الفتوى المشهورة غير كاف في مقام الاستدلال. و دعوى ظهورها في ذلك غير مسموعة مع عدم إقامة شاهد عليه، بل مع عدم انفهامه منه بعد عرض العبارة على العرف.

و أمّا الروايات العامّية فلا حجّة فيها مع إمكان المناقشة في دلالتها، لعدم‏

450

وضوح دلالتها، و قد احتجّوا بها على حجّية الإجماع، فيمكن أن يكون المراد بها المنع من مخالفة الإجماع.

و قد فسّرت الجماعة في بعض الروايات بأهل الحقّ و إن قلّوا، و يمكن أن يحمل على ذلك ما في رواية النهج.

و قد يستظهر ورودها في ما عدا الأحكام الشرعيّة، فإنّ مفاد قوله (عليه السّلام): «فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب» أنّ تفرد الإنسان مظنّة لاستيلاء الشيطان كما تفرّد الغنم مظنّة لاستيلاء الذئب، و هذا ممّا لا ربط له بكون ما ذهب إليه الجمهور حقّا، و كون مخالفة المشهور باطلا، و قد يحمل عليه الأخبار العامّية، و يشير إليه ذكره (عليه السّلام) لبعض تلك الألفاظ المرويّة.

و أمّا الخامس: فبأنّ ما يدلّ عليه عباراتهم هو حجّية الخبر المنجبر بالشهرة دون الشهرة المنضمّة إلى الخبر، كيف! و الأوّل هو الّذي لهجت به ألسنتهم و جرت عليه عملهم، و الثاني ما لم يتفوّه به أحد منهم، و لم يوجد في شي‏ء من كلماتهم سوى شاذّ منهم ممّن مرت الإشارة إليه، و مع ذلك لم نر الجري عليه في مقام الاحتجاج من أحد منهم و لو كان المناط في ذلك حجّية الشهرة عندهم لاشتهر منهم كما اشتهر ذلك.

و ما يقال: من جهة القول بالتفصيل من أنّ الحجّة في الحقيقة إنّما هي نفس الشهرة لا الرواية، و إنّما ذكرت الرواية حجّة و اسندت إليها الحجّية مسامحة تعويلا على الوضوح من الخارج، و المقصود من ذكر الرواية حقيقة إنّما هو جعلها طريقة و وسيلة إلى التخلّص من الشهرة المانعة عن حجّية الشهرة لعدم قيامها عليها لاختصاصها بالشهرة المجرّدة، و إلّا فليس الرواية هي الحجّة، بل إنّما الحجّة هي الشهرة كما ترى، بل ذلك ممّا يقطع بفساده بعد التأمّل في كلماتهم و تعبيراتهم، كيف؟ و لو أرادوا ذلك لعبّروا عنه في بعض الأحيان على الوجه المذكور و لم يتّجه التزامهم للتعبير بذلك الوجه الموهم لخلاف مقصودهم، بل الصريح فيه.

و مع الغضّ عن ذلك فلو كانت الشهرة هي الحجّة عندهم فأيّ مانع من حجّيتها

451

مع عدم علمنا بمصادفتها للخبر الضعيف، بل و عدم مصادفتها له واقعا، فإنّه إذا كان المناط و الملاك في الحجّية هو نفس الشهرة دون غيرها لزم صحّة الاعتماد عليها مهما حصل، و إن لم ينضمّ الرواية إليها، كيف؟ و من الواضح أنّ عدم انضمام غير الحجّة إلى الحجّة لا يوجب سقوط الحجّة عن الحجّية، ففي ما حكموا به من عدم حجّية الشهرة الخالية عن الخبر أقوى شهادة على عدم كون الشهرة حينئذ هي الحجّة عندهم.

فإن قلت: إنّ ذلك بعينه جار في الخبر أيضا فإنّهم لا يقولون بحجّية الخبر الضعيف في نفسه كالشهرة الخالية عن الخبر.

قلت: غاية ما يلزم من ذلك أن يكون الحجّة حينئذ هو مجموع الأمرين المنضمّين من دون أن يقال بحجّية كلّ منهما منفردا و لا مانع من التزامه. و ما اورد عليه من أنّ انضمام غير الحجّة إلى مثله لا يجعل غير الحجّة حجّة أوهن شي‏ء، إذ من البيّن تقوية كلّ منهما بالآخر، فلا مانع من بلوغها بعد الانضمام إلى درجة الحجّية إذا قام الدليل عليه كذلك حسب ما فرض في المقام، فلا داعي إذن إلى التزام كون الحجّة هي الشهرة، و يشير إليه أنّه قد ينتهي الأمر في انضمام الظنون بعضها إلى البعض إلى الوصول إلى حدّ القطع، فيكون حجّة قطعا كما ترى في الخبر المتواتر، لحصول القطع هناك من تراكم الظنون الحاصل من الآحاد مع عدم بلوغ شي‏ء من آحاده إلى درجة الحجّية مع ضعف راويه، فأيّ مانع منه في المقام؟

و مع الغضّ عن ذلك أيضا فنقول: إنّ الحجّة عند أصحابنا هو الخبر الموثوق به المظنون الصحّة و الصدور عن المعصوم. و إثبات حجّيته يتوقّف على قيام الدليل عليه، و قد بيّن في محلّه و الشهرة المفروضة من أسباب الوثوق و الاعتماد فهي محقّقة للموضوع المفروض من غير أن يكون هي بنفسها حجّة شرعيّة، و لا يثبت بها إذن حكم شرعي حتّى يتوقّف على قيام الدليل على حجّيته في الشرع، بل الحاصل به حكم عادي، أعني الاعتماد و الوثوق بصدق الخبر. و لا يتّجه القول بعكس ذلك بأن يجعل الخبر محقّقا لموضوع ما هو الحجّة من الشهرة حسب ما قد

452

يتخيّل في المقام، إذ ذاك- مع عدم مساعدة شي‏ء من عبائرهم له، بل صراحتها في خلافه- ممّا يأبى عنه الطبع السليم، بل الاعتبار الصحيح شاهد على أنّ وجدان الرواية الضعيفة لا مدخل له في كون الشهرة مثبتة للحكم موصلة إلى الواقع، فإنّ الظنّ الحاصل منها يتحقّق في الصورتين كما يشهد به الوجدان، و انضمام الخبر إليها لا يوجب مزيد وثوق بها لو لم يوجب وهنا، إذ مع عدم الاستناد إلى الرواية الضعيفة يحتمل قويّا وجود مستند واضح لهم، حتّى أنّه اعتمد الجمهور عليه. و مع استنادهم إلى الرواية الضعيفة يظهر كون ذلك هو المستند، فيضعف الظنّ المذكور و إن أمكن الذبّ عنه بأنّ ضعف الرواية عندنا لا يستلزم ضعفها في الواقع، فيستكشف من الشهرة المفروضة كونها معتبرة قابلة للتعويل و الاعتماد، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي ترجيح الظنّ الحاصل منها في هذه الصورة على الظنّ الحاصل منها في الصورة الاخرى.

أقصى الأمر مساواة هذه الصورة للاخرى إن لم يرجّح الاخرى عليها، و بناء الأمر في التفصيل بين الوجهين في الحجّية و عدمها على التعبّد المحض بعيد جدّا، بل ممّا لا وجه له أصلا.

و قد يجاب أيضا عن الإيراد المتقدّم عن صاحب المدارك ليدفع به الاحتجاج المذكور بأنّا نختار كون الحجّة هي الرواية المنجبرة بالشهرة، نظرا إلى استفادته من آية النبأ، لظهورها في جواز الاتّكال على خبر الفاسق بعد التبيّن، فإنّ اللّه سبحانه لم يأمر بطرح الرواية الضعيفة، بل أمر فيها بالتثبّت و استظهار الصدق، فإن ظهر عمل بها، و إلّا طرحت. و لا ريب أنّ الشهرة ممّا يحصل التثبّت بها و يستظهر صدق الخبر معها.

و أورد عليه بعض الأفاضل: بأنّه مبنيّ على تعميم التبيّن بها للتبيّن الظنّي، و هو منظور فيه، إذ ليس معناه لغة إلّا انكشاف حقيقة الخبر و صدقه، و لا يحصل ذلك إلّا بكونه محصّلا للعلم به، و الأصل بقاء هذا المعنى إلى أن يظهر من أهل العرف خلافه بحيث يفهم شموله للظنّ الحاصل من نحو الشهرة، بل الظاهر منهم خلافه‏