رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
305

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

306

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

307

عليها المدافع، 4) قصر المرحوم سيد أحمد، 5) جامع الشريفة الكبير الذي يعلو أقبية تستعمل لتخزين القمح، 6) إسماعيل ملك أو جامع تعز الكبير؛ و هو كبير جدا، و يعلو أقبية تستعمل كمخازن للأسلحة، 7) قبة الحسنية المبنية على ضريح باشا تركي، 8) جامع قصر، 9) السوق، 10) جوامع متداعية خارج البلدة، 11) المصلى حيث يصلي صاحب الدولة أيام الأعياد. و نجد في كافة مدن اليمن أماكن مماثلة يصلي فيها المسلمون في الهواء الطلق، خلال الأعياد و المناسبات. غير أن بعضها يفوق بعضها الآخر جمالا. أما هذا المصلى فهو محاط بسور كبير فيه بعض الحجرات التي يستعملها المسلمون للوضوء قبل أداء صلاتهم 12) طريق صنعاء 13) طريق المخا. قست حرم المدينة و حددت موقعها بواسطة البوصلة مع أنني لم أتعرف على شوارعها كلها. و أشرت على اللوحة(LXVI) إلى ارتفاع الهضاب التي بنيت عليها أسوار المدينة.

و يدعى ولي مدينة تعز إسماعيل ملك. و يقال إن هذا الولي الذي يجلّه سنّة اليمن كان ملكا؛ و هو يرقد في جامع يحمل اسمه؛ لكن منذ أن تبين أنه يصنع العجائب، حظّر على الجميع الاقتراب من ضريحه. و إليكم وقائع القصة التي رووها لي: طلب متسولان صدقة من حاكم تعز فلم يتصدق إلا على واحد منهما؛ فلجأ الآخر إلى قبر الملك إسماعيل و تضرع إليه أن يغيثه؛ فلم يشأ إسماعيل الذي كان كريما جدا في حياته أن يدع هذا الرجل المؤمن يرحل دون أن يلبي له طلبه. ففتح ضريحه المطيّن و سلم المتسول رسالة إلى الحاكم تقضي بدفع 100 ريال لصاحبها. و بعد معاينة الرسالة بدقة تبين أن إسماعيل كتبها بيده و مهرها بختمه. فما كان من الحاكم إلا أن استجاب لطلب هذا الملك النبي العظيم؛ غير أنه حظر بعدها الدخول إلى القبر حتى لا يتلقى بعد اليوم رسائل مماثلة.

إننا نجد قرب جامع إسماعيل ملك، حديقة جميلة كانت مخصصة لعيسى بن إسماعيل ملك.

و هي تضم حوض ماء كبيرا يحيط به بقل زراعي تمر فوقه القنوات التي تنقل المياه إلى هذه الحديقة.

شاهدنا خارج أسوار المدينة جامع نبي شهير يدعى الشيخ موسى الذي يحمل اسمه أحد أبواب المدينة. أما في الجهة الشرقية للمدينة فنشاهد جامعا رائع الجمال و صرحا يعلو ضريح أفضل و عائلته.

فعاينت بدقة هذين الصرحين و لا حظت أن هندستهما المعمارية شبيهة من حيث أبعادها و زخرفاتها بالهندسة المعمارية التركية؛ مما جعلني أستنتج أن أفضل هذا كان باشا من تعز. و تكثر هنا كما تكثر في الجوامع الأخرى النقوش العربية الحديثة التي تتشابك أحرفها إلى حد بعيد حتى أن العربي الأصيل لا يستطيع قراءتها بسهولة. و مما لا شك فيه أن المدينة تعج بالمساجد الصغيرة و لكن معظمها متداع جزئيا.

و رغم أن أسياد تعز كانوا زيديين و ليسوا من أهل السنّة إلا أنهم يفوقون أسلافهم نباهة. فقد بنوا قصورا فخمة ليستمتعوا بالعيش فيها في حياتهم، بدلا من استعمال هذه الأموال لترميم الجوامع‏

308

و المساجد. و اكتفى كل واحد منهم ببناء قبة خلف منزله استعملها كمصلى له في حياته و مدفنا بعد مماته.

و الجدير ذكره أن الحرب هدمت معظم المنازل و جعلت الحقول و البساتين شبه مهجورة.

نجد في جوار تعز بقايا مدينتين قديمتين؛ و منها مدينة عدين، المقابلة لمدينة تعز؛ لم يتبق منها إلا أنقاض جوامع صغيرة. يقول العرب إنها كانت قديما مقر الملوك أو أسياد هذه المنطقة. و يروى أن إسماعيل ملك، بدأ بتشييد ضريحه و جامعه عند سفح جبل قاهر؛ فتبعه سكان عدين الذين كانوا يعانون من تسلق الجبل أو الذين كانوا يفضلون الإقامة قرب نبيهم؛ و يمكننا القول بالتالي إن تعز تدين بأصلها إلى النبي محمد المسلم شأنها شأن مخيّة و بيت الفقيه و المخا. أما المدينة الأخرى فهي تهيد(Thaheid) ، الواقعة جنوبي شرقي تعز، على بعد نصف ميل تقريبا. و نشاهد اليوم بقايا أسوار المدينة و جامعا كبيرا متداعيا و أنقاض جامع مسقط الحمر المبني من حجارة حمراء غريبة؛ و لقد لفتت انتباهي في هذه البقعة نقوش غريبة نقلتها في اللوحة(IX) من كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية».

و لم أستطع جمع معلومات وافرة عن تاريخ مدينة تعز؛ فالثورات التي وقعت في السنوات الأخيرة كانت ستحتل مكانا مميزا في التاريخ. لو أن العرب احتفظوا بالتواريخ أو لو أتيحت للأوروبيين فرصة الاطلاع على تفاصيلها. و سأروي لكم باختصار ما سمعته من أقاويل حولها: عين الإمام المنصور حسين أخاه حاكما أو صاحبا للدولة في هذا الإقليم. فاستمتع هذا الأخير بمنصبه كثيرا إلى حد أنه رفض لا حقا التخلي عنه. فأرسل الإمام جيوشه لإرغامه على الخضوع لمشيئته، غير أن أحمد استطاع الصمود 12 سنة، بمساعدة حاميته التي يبلغ عددها 2000 عنصر؛ فصك عملة باسمه في المدينة، و فرض ضرائب على البضائع التي تعبرها، و أجبر رعايا الإمام على سلوك طريق عدن خلال سفرهم من المخا إلى صنعاء.

و خلال حديث السكان عن هذا الحاكم كانوا يسمونه ملكا أو إمام تعز. أما هو فكان يكتفي بأن ينادوه سيدي أحمد، و هو لقب يحمله أمراء عائلة الإمام كلهم.

لقد ترك سيدي أحمد ستة أبناء: عبد الله، علي، و جاشا، و محسن، و يعقوب، و حسين. استلم البكر عبد الله الحكم بعد وفاة أبيه و عاش في وئام مع الإمام و عند وفاته عام 1759 ترك ابنا يدعى عبد الكريم، و يبلغ من العمر 13 سنة؛ و كان يفترض به أن يخلف والده، و يستلم الحكم غير أن حب السلطة كان يسيطر على أعمامه الثلاثة: علي، جاشا و محسن، فشكل كل واحد منهم حزبا بغية السيطرة على مدينة تعز و الأراضي المحيطة بها. فاستولى واحد منهم على قصر قاهر، و آخر على باب الشيخ موسى، و الثالث على باب الكبير؛ غير أن إيراداتهم كانت ضئيلة للغاية، و لا تسمح لهم بإعالة الجنود أو حتى شراء الذخائر؛ فإن جمع أحدهم بعض المال استعمله لشراء الذخائر و إطلاق النار على أخيه حتى نفادها دون أن يبلغ هدفه المطلوب.

و في وسط هذه الظروف، اضطر الأمير عبد الكريم لبعث رسالة للإمام الحالي الإمام المهدي يرجو منه‏

309

فيها أن يهب لنجدته، للمحافظة على أراضي والده و أجداده. فأرسل الإمام النقيب أو القائد الماس، على رأسه جيش كبير إلى تعز للسيطرة على المدينة، و جلب المتمردين إلى صنعاء. غير أن النقيب المذكور لم يزود بالمدافع اللازمة لإرغام المتمردين على الاستسلام.

و لما كانت جيوش الإمام تبذل جهدها لمحاصرة تعز كان الشيخ عبد الرب و أتباعه يتقدمون نحو المخا؛ فهذا الأخير نصب نفسه حاكما على الحجيرية بعد أن فصلها عن مناطق نفوذ الإمام. و لما كان الإمام عاجزا عن رد هذا الشيخ إلى صوابه، قرر أن يتصالح معه و يستغله لغزو تعز. فأقرت معاهدة السلام بحضور النقيب الماس الذي كان على رأس جيوش الإمام، و النقيب أحمد الحمر، قائد حلفاء حاشد و بكيل الذين يخضعون لنفوذ الإمام؛ و تم الاتفاق على أن يضم عبد الرب جنوده إلى جيوش الإمام و يساعدهم على غزو تعز. فانضم عبد الرب و أتباعه إلى الجيوش التي كانت تحاصر تعز؛ غير أنه كان يفتقر للمدافع اللازمة لمهاجمة المدينة؛ فخطر له أن يتبع الخطة التالية: كان الجنود موزعين على الأبراج التي تعلو أسوار المدينة؛ فوعد عبد الرب 12 جنديا منهم ب 1000 ريال إن حفروا كوة في البرج ليعبر منها رجال الإمام. و بعد أن وافقوا على ذلك، تسلل رجال الإمام ليلا إلى المدينة التي نهبت برمتها؛ و كان ذلك عام 1760.

و بعد غزو تعز، أظهر الإمام محبته العميقة تجاه سلالة سيدي أحمد و عبد الرب، و دعاهم لزيارة صنعاء. و رغم خوف عبد الرب من زيارة هذه المدينة، إلا أنه لبّى الدعوة نظرا للخدمات التي أداها للإمام، و بناء على إلحاح النقيبين الماس و أحمد ابن النقيب علي الحمر. غير أن الإمام خان ثقة الأبطال العرب و قادته المخلصين فيه، عند وصولهم إلى صنعاء؛ و قد شرحت هذه الحادثة تفصيليا في رواية تاريخ اليمن «وصف شبه الجزيرة العربية». كما و أنه لم يحاول أن يرسخ سلطة الأمير عبد الكريم في مناطق نفوذ والده. و عيّن صاحبا للدولة في تعز و في الأقاليم الأخرى. و قابلت في وقت لا حق الأمير شاب في صنعاء؛ كان ذلك نهار الجمعة، بينما كان ذاهبا على حصانه إلى الجامع. و عند وصول سيدي جاشا و سيد محسن إلى صنعاء، اقتيدا على الفور إلى السجن. غير أن سيدي علي بقي حرا لأنه والد زوجة الإمام.

كان صاحب دولة تعز ضابطا في جيش الإمام و يحمل لقب نقيب. و لسنوات خلت كان ضابط الحرس، و مفتشا في الجمارك عند باب الشاذلي في المخا. و الجدير ذكره أنه لا يد لأصله النبيل في حصوله على هذه الوظيفة شأنه في ذلك شأن معظم أصحاب الدولة الآخرين. و مما لا شك فيه أن المنطقة الواقعة تحت نفوذه شاسعة للغاية لأنها تضم جبل صابر و مناطق يوفروس و الحجيرية. غير أننا نجد في جبل صابر و في منطقة الحجيرية عددا لا بأس به من الشيوخ الذين احتفظوا بسيادتهم في مقاطعاتهم رغم أنهم يدفعون الضرائب للإمام؛ و هم يفتخرون بأصلهم النبيل شأنهم شأن العرب الذين يقطنون على حدود

310

الأقاليم التركية؛ كما و أنهم يحتقرون أصحاب الدولة كما يحتقر أولئك الباشاوات فوجد صاحب دولة تعز نفسه مجبرا على التخلص من مضايقات شيوخ جبل صابر؛ فزج واحدا منهم، أتى إلى البلدة برفقة عبدة من عبيداته- و حاول مقاومته- في السجن؛ و وضع العبدة في مكان آمن. و رغم مطالبة الشيوخ الآخرين بالإفراج عنه لم يطلق سراحه إلا بعد تدخل القاضي. عند ذلك قصد الشيخ صنعاء ليحضر أمرا من الفقيه أو وزير الدولة إلى صاحب الدولة ليسلمه العبدة على الفور. غير أن هذا الأخير، استشاط غيظا وزج الشيخ ثانية في السجن. ثم أطلق سراح الشيخ و عبدته. و لكن صاحب الدولة بقي حاقدا على شيوخ جبل صابر و أرسل لهم في أول مناسبة خمسة أو ستة جنود تصرفوا معهم بفظاظة، بناء على طلب معلمهم. غير أن الشيوخ لم يحتملوا أن يهانوا في عقر دارهم، فقتلوهم جميعا. و منذ ذلك الحين لم يعد يجازف أي جندي بالذهاب إلى قرى جبل صابر. و خلال إقامتنا في تعز قيل إن عددا من الأشخاص، قتل خارج البلدة قرب جبل صابر. و يظن الناس أن الشيوخ لن يرتاحوا قبل أن يرسل الإمام صاحبا جديدا للدولة إلى تعز.

و كان السيد فورسكال يتأمل يوميا جبل صابر، حيث تنمو وفق كلام العرب كافة أنواع الأعشاب في العالم. غير أنه كان عاجزا عن جمعها بسبب الخلافات القائمة بين الشيوخ و صاحب الدولة. فكان يفكر في استدعاء أحد الشيوخ ليرافقه في هذه الرحلة، حتى لا يتعرض لأي سوء؛ غير أن صاحب الدولة لم يسمح له بذلك. و عند ذلك طلب الإذن بالذهاب إلى جبل سوراق(Saurak) ؛ و لقد وافق صاحب الدولة على طلبه، و أرسل جنديا ليرافقه في رحلته. كان السيد فورسكال قد أكد لنا في المخا أنه يريد الإسراع في الذهاب إلى تعز بغية جمع الأعشاب من جبل صابر. فأمر صاحب دولة المخا خادمه بمرافقة السيد فورسكال إلى جبل سوراق، علما أنه كان يجهل نشوء خلافات بين صاحب دولة تعز و الشيوخ.

غير أن الخادم المذكور حثّه جندي صاحب دولة تعز على رفضه الذهاب إلى جبل سوراق، بحجة أن الأعياد على الأبواب. ظنا منه أنه لا يجدر به السماح لرفيقه في السفر لجمع الأعشاب إلا على جبل صابر. فأعلم صديقي صاحب الدولة الذي هدد الجندي بالسجن إن لم يرافقه على الفور. فغادر السيد فورسكال المدينة مساء 18 حزيران/ يونيو؛ غير أنه لم ير جبل صابر إلا من بعيد. في 20 حزيران/ يونيو، ثم وصل إلى بلدة مهجورة تماما لأن صاحب الدولة أساء معاملة أهلها، ففضلوا الذهاب لكسب رزقهم في مكان آخر. و لما علم أن معظم القرى التي يبغي زيارتها قد هجرها أهلها، خاف أن يعوزه الطعام، أو أن يعرّض حياته للخطر فغادر إلى تعز مساء 20 حزيران/ يونيو.

نادرا ما نجد بين المسلمين علماء يدرسون كسوف الشمس و خسوف القمر بغية وضع جدول زمني؛ يستطيع الحاكم بوساطته أن يعلن قبل بضعة أسابيع أو أيام عن موعد حلول الأعياد. فلقد زعموا في تعز أنه في 21 حزيران/ يونيو يصادف عيد عرفة أو الأضحى حيث يذبح حجاج جبل عرفات قرب مكة،

311

و المسلمون كافة الجمال و الثيران و النعاج. و بهذه المناسبة تلقى صاحب الدولة و غيره من أعيان المدينة عددا وافرا من النعاج و الهدايا الأخرى ليلة 20 حزيران/ يونيو؛ فالعيد يدوم يومين أو ثلاثة تقفل خلالها الأسواق كلها؛ و على القرويين أن يتزودوا بكل ما يحتاجونه عشية العيد. فابتعنا لخدمنا المسلمين، الطحين و السكر و العسل لنصنع لهم قالبا من الحلوى، فضلا عن نعجة صغيرة؛ بعبارة أخرى استعدت البلدة كلها لاستقبال العيد. لكن قبيل غروب الشمس، وصل مرسال يقول إن العيد قد أرجى‏ء إلى اليوم التالي لأن القمر ظهر متأخرا في صنعاء. أما في المناطق التي لم تعلم شيئا عن الأمر الصادر من صنعاء فاحتفلت بالعيد في 21 حزيران/ يونيو، بينما راح سكان تعز يتأملون بحزن التحضيرات التي أعدوها. كما و أن البلدة لم تشهد حركة ملحوظة إلا عند غروب الشمس؛ و عندئذ أطلقت ثلاث طلقات من مدافع باب الشيخ موسى و طلقتان من قصر قاهر للإعلان عن الاحتفال بالعيد في اليوم التالي.

في 23 حزيران/ يونيو أطلقت المدافع طلقات جديدة حين غادر صاحب الدولة المدينة برفقة أتباعه قاصدا المصلى لتأدية الصلاة في الهواء الطلق؛ و بعد حوالي ساعة سمعت طلقات مدفعية أخرى و عاد صاحب الدولة و أتباعه إلى المدينة. و انصرف الجنود إلى تأدية تحركاتهم التعبدية. كما اعتادوا أن يفعلوا كل نهار جمعة عند عودة صاحب الدولة من الجامع، بينما راح أعيان البلاد يتدربون على حمل الرمح و هم على ظهر أحصنتهم. و لقد كان الأمير فرحان من لحية ماهرا جدا في هذه اللعبة، كما سبق لي أن أشرت في «وصف شبه الجزيرة العربية». و عاد بعدها الجميع إلى منزله و أكل اللحم، و مضغ العشب و أشعل الطيب في منزله و استلقى على الأريكة، و أشعل غليونه الطويل.

كانت إقامتنا في هذه المدينة خالية من المشاكل. و كنت أتمنى أن أقوم بجولات داخل هذه المملكة كما فعلت في بيت الفقيه. غير أنني لم أجازف بمغادرة المدينة، نظرا للظروف الراهنة. و لما كنت قد قمت بدراسات فلكية في تعز، و وضعت خارطة و رسما منظوريا لها، لم يتبق لي سوى زيارة قصر قاهر. و كنت أتمنى ذلك بهدف نقل النقوش المنحوتة على باب الصناديق. أما السيد فورسكال فلم يفقد الأمل بعد زيارة جبل صابر. و لما كان صاحب الدولة يستقبلنا بالترحاب قرر السيد فورسكال أن يطلب منه ثانية السماح له بإحضار شيخ من جبل صابر، لمرافقته في رحلة علمية إلى الجبل المذكور، فضلا عن إعطائي الإذن بنقل النقوش التي تحدثت عنها آنفا. فاستجاب صاحب الدولة لمطلبينا، بيد أنه عند منتصف الليل أبلغنا قرارا آخر. استدعي خادم صاحب دولة المخا، و أبلغ أن سيده بعث رسالة إلى صاحب دولة تعز يطلب فيها عودتنا إلى مدينته؛ فصدر لنا الأمر بالرحيل في 25 حزيران/ يونيو و تذكرنا أن صاحب دولة المخا وعدنا بإبلاغنا رد الإمام بشأن ذهابنا إلى صنعاء. و عند الصباح الباكر، كانت الجمال في انتظارنا عند الباب؛ غير أننا رفضنا الانطلاق على الفور بحجة أننا لم نحزم أمتعتنا بعد. فغادر الجمالون المكان على أن يعودوا في وقت لاحق.

خطر لنا أن صاحب الدولة يحاول ابتزازنا للحصول على هدية قيّمة كتلك التي قدمناها لصاحب‏

312

دولة المخا؛ كما و أنه مستاء لعدم تلقيه هدية منا عشية العيد؛ علما أننا لم نأخذ هذا التقليد بعين الاعتبار.

و لعله غضب أيضا من إلحاح السيد فورسكال عليه للذهاب إلى جبل صابر؛ فلو عاد سليما معافى، لثار سكان تعز ضده، لأن الرحالة الفرنسيين يتنقلون على هواهم في المنطقة، بينما أبناؤهم يموتون قتلا؛ و لو قتل في الجبل لطلب الإمام من صاحب الدولة أن يثأر له. لهذا السبب تفهمنا جيدا سبب رفض صاحب الدولة السماح لنا بالتجول في جبل صابر.

و لقد طلبنا مقابلة صاحب الدولة لنعرف شخصيا سبب رفضه هذا. غير أننا لم نستطع رؤيته، بعد أن أكد لنا الخدم أنه مريض. فاستشرنا أصدقاءنا في الموضوع؛ و نصحونا بالتحدث مع الباش كاتب؛ فقال لنا إنهم قد يسمحون لنا بالبقاء بضعة أيام أخرى بانتظار وصول معلومات مفصلة من المخا؛ غير أن كلامه كان دون جدوى خاصة و أن صاحب الدولة أرسل لنا في 26 حزيران/ يونيو خدمه مصطحبين معهم الجمال و الحمير، و طلبوا منا حزم متاعنا؛ فأكدنا لهم أننا لن نغادر المكان قبل مقابلة سيدهم؛ و أرسلنا أحد خدامنا ليبلغ صاحب الدولة قرارنا هذا؛ غير أنه لم يستطع مقابلته و طرد خادمنا من بيت الحاكم؛ غير أنه قال لرجال الحاكم بأنه لن يبرح مكانه قبل أن يحصل على موافقة صاحب الدولة بمقابلة واحد منا؛ و تكفل السيد فورسكال بهذه المهمة، و حاول إرضاءه قدر المستطاع متجنبا التطرق إلى مسألة السفر إلى جبل صابر، على أمل أن يأذن لنا بالبقاء في تعز، حتى نتبلغ رد الإمام بشأن ذهابنا إلى صنعاء. غير أن صاحب الدولة رفض اقتراحاته هذه و أمرنا بالاستعداد فورا للرحيل.

و بعد أن حزمنا أمتعتنا استعدادا للرحيل و فقدنا الأمل في البقاء مدة أطول في تعز، أو في الذهاب إلى صنعاء تبدل فجأة مجرى الأحداث إذ وصل وفد من قبل صاحب دولة المخا حاملا لنا رسالة مختومة فيها واحدة موجهة للإمام و أخرى للفقيه أحمد وزيره الحالي و ثالثة لصاحب دولة تعز. و هو يعلمنا فيها أن الإمام أعطانا الإذن بزيارة صنعاء شرط أن نأخذ معنا مجموعة النوادر التي جمعناها من كافة أنحاء البلاد.

و هذا يثبت أن الرسالة التي أبلغنا بوصولها قبل بضعة أيام كانت ملفقة. فحمل السيد فورسكال هذا الخبر إلى صاحب الدولة، و لكنه لم يستطع مقابلته؛ لأنه دخل إلى الحريم و نادرا ما يتخلى حاكم مدينة عربية عن رفقة نسائه اللواتي يخصصن لهنّ الليل بكامله، بعد أن يقضي نهاره محاطا بالرجال. فسلم السيد فورسكال الرسالة لخدمه.

حسبنا أن سفرنا إلى صنعاء بات محتوما؛ و كنا على و شك أن نغادر البلدة دون أن نأخذ موافقة صاحب الدولة أولا، و لكننا لم نستطع أن نستأجر حميرا و جمالا. فالتجار الذين يبحثون عن الجمال يتحدثون أولا مع محلف المجموعة الذي يحدد عدد الجمال اللازمة للسفر. و بعد أن أبلغ صاحب الدولة باستعدادنا للرحيل، أعلمنا أن الجمال جاهزة لاصطحابنا إلى المخا، علما أنه لم يتلق الأمر بإرسالنا إلى صنعاء، و أن هذه المسألة تتعلق بصاحب دولة المخا وحده. فأدركنا حينها أن الله وحده هو معيننا، لأننا لا

313

نستطيع مواجهة رجل يعمل تحت أمرته 500 أو 660 جنديا و يرفض الخضوع لأوامر سيده. فأخبرنا أصدقاؤنا قصة صاحب الدولة المذكور و شيخ جبل صابر حتى يوحوا لنا بفكرة اللجوء إلى القاضي. فقد سمعنا الكثير عن طيبة قلب قضاة اليمن. فأخذنا بعين الاعتبار الإشارة التي أعطونا إياها؛ و قصدنا القاضي و عرضنا عليه الرسائل التي استلمناها من المخا. فاعتبر القاضي تصرف صاحب الدولة تجاهنا مشينا؛ فبعث له على الحال رسالة حذره فيها من معارضة أوامر الإمام. فرد عليه صاحب الدولة قائلا إنه لا ينوي أن يثنينا عن رحلتنا إلى صنعاء، و لكنه يطلب منا الانتظار يوما آخر حتى يتسنى له الوقت لكتابة الرسائل التي سيبعثها معنا. فاقترحنا تأجيل رحلتنا ثلاثة أيام إن كان صاحب الدولة يبغي ذلك. لكن صباح 27 حزيران/ يونيو أتى خدمه لزيارتنا و طلبوا منا الذهاب على الفور إلى المخا. و بعد أن لاحظنا أنهم يؤدون مهمتهم على مضض، أكدنا لهم أننا لن نرحل اليوم. و لما أعلمنا القاضي بالأمر كتب إلى صاحب الدولة ما يلي: «لا تحاول أن تخدم مصلحتك لأنهم من الأجانب».

أثبت لنا هذا الكلام أن صاحب الدولة يحاول ابتزازنا للحصول على هدية غير أنه سبب لنا مآس كثيرة في الأيام الأخيرة، حتى أننا لم نعد نرغب بتقديم أي شي‏ء له، علما أن القاضي نفسه اعتبر طلبه هذا غير منصف. و عند الظهيرة، أرسل الباش كاتب في طلبنا. فأعرب عن دهشته لتقديمنا شكوى ضد صاحب الدولة أمام القاضي خاصة و أنه لم يعترض أبدا على ذهابنا إلى صنعاء؛ و أكد لنا أن خدمه تحدثوا باسمه كذبا و طلبوا منا مغادرة المخا على الفور. إثر ذلك سألنا القاضي أن يمد لنا يد العون لمتابعة رحلتنا.

حسبنا أن خادم صاحب دولة المخا سينحاز إلينا ضد صاحب دولة تعز بعد أن استلم رسائل سيده؛ غير أنه فضل أن يمتثل لأوامر صاحب دولة تعز نظرا لأنه يقيم في مناطق نفوذه. فارتأينا أن نعيده إلى المخا و نقدم له هدية مقابل الخدمات التي قدمها لنا سيده. غير أنه كان يجدر بنا أن نصطحب معنا عربيا يعرف البلاد جيدا و يحسن التحدث مع الحاكم، إن دعت الحاجة لذلك. فلجأنا إلى القاضي ليدلنا على مرشد سياحي ملائم. فأرسل لنا على الفور رجلا رافقنا إلى صنعاء و عاد برفقتنا إلى المخا.

حددنا موعد الرحيل في 28 حزيران/ يونيو و وصلت الجمال بعد ظهر ذلك اليوم. و ما إن بدأنا نحمل متاعنا حتى أرسل صاحب الدولة في طلبنا؛ غير أننا لم نحظ بشرف مقابلته بسبب توعكه الصحي؛ فبعد أن وقفنا في جهة و اضطر لتقديم بعض التنازلات لنا، احتقره السكان و عكروا صفو مزاجه. و أبلغنا الباش كاتب أنه تلقى في اليوم السابق أمرا من الإمام بإرسالنا إلى صنعاء؛ و لهذا السبب رفض السماح لنا بمغادرة المكان من قبل؛ و أضاف الباش كاتب أن صاحب الدولة أمر أحد خدامه بمرافقتنا في رحلتنا حتى لا يعترض أحد طريقنا. كان الخادم يهودي الأصل اعتنق الإسلام منذ 28 سنة و يتلهف لرؤية أهله في صنعاء، غير أنه لم يتوان عن تحديد المبلغ الذي يريده بحضور الباش كاتب و بعض الرجال العرب. أما القاضي فحملنا رسالة إلى الفقيه أحمد، كتب فيها ما يلي: «إن تحدث أحدهم أمامك بالسوء عن هؤلاء

314

الأجانب، إياك أن تصدقه». و كنا قد اتفقنا على إهدائه ساعة، كما فعلنا مع صديقنا الأمير فرحان في مخية. و لكن الخادم الذي أرسله لنا، أكد لنا أنه لن يقبلها مخافة أن نظن أنه حاول مساعدتنا لخدمة مصلحته الشخصية؛ اكتفينا بالتالي بتقديم جزيل شكرنا لهذا الرجل الذي أغدق علينا أفضاله. و الجدير ذكره أنه عند عودتي إلى أوروبا، تحدثت عنه طويلا لأثبت أن القضاة العرب ليسوا جميعا خبثاء و ظالمين شأنهم شأن القضاة الأتراك.

و بلغنا بالتالي هدفنا و أجبرنا صاحب دولة تعز على منحنا حرية السفر إلى صنعاء. غير أننا عانينا الكثير من المآسي خاصة و أن مرض السيد فورسكال أخذ يتفاقم. فخلال الأيام الأخيرة من إقامتنا في تعز، بدأ يشعر بالتوعك؛ غير أنه أخفى عنا ذلك، حتى لا يؤخر سفرنا. فأخذ مرضه يزداد خطورة، إلى أن أدى إلى وفاته، علما أننا لم نكن نجد في طريقنا أماكن ملائمة لنرتاح فيها.

315

الرحلة من تعز(TAA`S) إلى صنعاء

يوم غادرنا تعز وصلنا فندقا قرب المدينة و لم نبتعد أكثر، ثم رحلنا في اليوم التالي أي في 29 حزيران/ يونيو، قبل أن تفتح أبواب المدينة. و بما أن الفوضى كانت تعمّ في قافلتنا الصغيرة، مما اضطرنا للبقاء قرب الإبل، لم أتمكن من تحديد المسافة بين الأماكن بالدقة نفسها التي اعتمدتها في الأماكن الأخرى حيث كنا نسبق القافلة على حميرنا. لكن استطيع تحديد الآتي: إذا توجهّنا إلى الشرق من تعز، يمرّ الدرب قرب مقهى يسمى عدن، و يؤدي إلى جعفر التي تقع على بعد فرسخين. و لقد زار السيد فورسكال، أثناء الرحلة، جبل سراق(Saurek) ، الذي إذا ما تقدمنا منه فرسخين نحو الشرق و الشمال الشرقي، لوصلنا جناد(Dsjennad) ، التي اشتهرت فيما مضى بمسجد معد بن جابل، لكن لم يبق منه حاليا سوى المسجد المذكور و بعض المنازل المعدودة. و تسمى المنطقة المحيطة بجعفر هبان(Hauban) ، و قد أخذت اسمها من جبل هبان الواقع إلى جانب جبل صابر(Sabber) .

و يؤدي الطريق من جعفر باتجاه الشمال و الشمال الشرقي إلى عماقي(Am ki) ، و لا نقع في هذه الدرب سوى على قرى حقيرة و هي: قرف(Korff) ، عبّاد(Ob de) و عمور(Amچ‏r) . أما عماقي فتقع في سهل خصيب، و كانت فيما مضى مدينة صغيرة لكنها تعرضت منذ سنوات للدمار، فلم يبق فيها سوى بضعة منازل. و يقام فيها سوق أسبوعيا، و إذا ما توجهنا من عمّاقي إلى الشمال و الشمال الشرقي نصل إلى كعده(Kaade) .

في 30 حزيران/ يونيو، وصلنا إلى سمسرا في محراس(Simeser Mh rras) بعد أن انطلقنا من كعدة نحو الشمال الشرقي. أما القرى الواقعة إلى غرب هذه الدرب فهي: جان المرستان(Gannue el Mursete ?n) ، غرافا(Gurafa) ، حمّارا(H m ra) و دراس(Derras) ، و دشرق(Duschruk) و هي مدينة صغيرة بين هذه القرى. و نرى إلى الشرق القرى الآتية: دمن(Dimne) ، منسل(Mensil) ، و نهل(Nahhl) . و لقد حفرت المياه التي تتدفق من الجبال في هذه المنطقة، مجرى واسعا و عميقا بين الصخور، و عند ما هبّت عاصفة هوجاء، بعد الظهر، كوّنت سيلا عظيما و سريعا، لكن بما أن مياه هذه الأمطار تندفع بعنف من الجبال، جفّت مجاري السيل هذه كليا بعد ساعتين. و مما يجدر ذكره أنه تمّ بناء جسر حجري صلب للغاية بعقد واحد قرب سمسرا على أحد هذه المجاري.

و تسمى النزل الكبيرة، التي نصادفها من تهامة و حتى هنا مطرح(Mattrach) ، و هي لا تتعدى كونها

316

منازل خاصة لا يدفع أصحابها الكثير لصيانتها، و يكتفون بتأمين مأوى للضيوف و البضائع. و نجد من محراس حتى صنعاء، سمسرات كبيرة مبنية من الآجر المشوي، تبعد الواحدة عن الأخرى يوم سفر أو نصف يوم أحيانا. و قد بنى هذه الصروح فضلا عن الخانات أو الكرونسيرا في تركيا، رجال أغنياء لراحة المسافرين؛ لكن السمسرا تفتقر إلى وسائل الراحة المتوافرة في الفنادق في أوروبا، فالمسافر الذي لا يكتفي بالقهوة، و الأرز، و الخبز و الزبدة التي لا تقدم هذه النزل غيرها، ينبغي أن يحمل أطعمة أخرى. زد على ذلك، أن هذه الأماكن ليست آمنة للغاية، ففيها باب واحد يقفل في المساء و قبل فتحه عند الصباح، يطلب من المسافرين في بعض الأماكن تفقد أغراضهم كي لا يفقدوا شيئا منها.

و في 1 تموز/ يوليو، غادرنا النزل، و كنا نعرف أن تسلق قمة جبل محراس يحتاج إلى 3/ 4 الساعة.

و كنت في أثناء رحلتي الأولى إلى هذه البلاد، قد لا حظت أن نزول الجبل انطلاقا من النزل يتطلب 50 دقيقة، و من هنا يمكننا أن نستنتج تقريبا مدى ارتفاعه. أما الطريق الذي يؤدي إليه فمرصوف جزئيا، كما ذكرت سابقا، و نجد على قمة الجبل قرية نجد و هي قرية كبيرة إلى شرق الدرب. و تسمى المنطقة الممتدة من هذه النقطة و حتى أود(Ode) - و هي قرية تقع إلى شرق مدينة جبلة- شيبان(Scheb n) . و ينحدر الطريق من أود إلى أرما، و فيها مقهى بوعورة، و نجد هنا أيضا مسجدا قديما مزينا بقبّة. أما الأراضي الصالحة للزراعة التي تأخذ في هذه المنطقة الخصبة شكل مدرجات كالكروم في أوروبا فتضفي على المكان جمالا و روعة. و تبعد أرما عن آب(Abb) حوالي نصف ميل، و تقع هذه القرية على بعد ميل من جبلة(Dsjo ?bla) إلى الشمال الشرقي، كما تبعد السمسرا عن جبل محراس حوالي ميل و نصف إلى الشمال الشرقي و على خط مستقيم. و لا حظت وجود ستة مجالس(Madsjils) على هذه الطريق القصيرة، و رأيت قرب أحدها، و هو لا يبعد كثيرا عن أرما، مسقى للمواشي التي تمرّ بالمكان، كما نجد 4 منازل مبنية جيدا، إنما غير مسكونة، و هي تستخدم كملجأ للمسافرين الذين تفاجئهم الأمطار في المنطقة.

و تتبع مدينة آب قضاء اليمن الأعلى، و يخضع صاحب الدولة في هذه المدينة لذاك المقيم في جبلة.

و تقع المدينة على قمة جبل، تحيط بها الأسوار و الحصون، أما شوارعها فمرصوفة، و منازلها مبنية من الحجارة ككافة المنازل في البلاد الجبلية. و يقدّر عدد المنازل في آب بربع المنازل الموجودة في جبلة، فلا نجد فيها بحسب تقديري إلا 400 إلى 500 منزل. و يملك العرب 800 منزل في آب و 1200 في جبلة. و يقال إنّ في المدينة عدد كبيرا من المساجد الصغيرة، لكني لم أر سوى مسجدين بمنارات، و لعل الأمر يعود إلى أن الزيديين لا ينفقون الكثير على مساجدهم كأهل السنّة. و يتبع العرب من آب و حتى سنّا(Sunna) المذهب الأول، فيما يتبع عرب تعز و تهامة المذهب الأخير (أهل السنة).

و نرى إلى شرق المدينة جبلا شاهقا يحمل اسم بعدان(Baadan) ، تجرّ منه المياه في قناة يبلغ طولها 300 قدم إلى مسجد كبير و منه إلى المساجد الأخرى و إلى منازل المدينة. و بما أن المسجد يقع في‏

317

منخفض، يضطر الأهالي إلى غرف المياه كما لو أنهم يستخرجونها من بئر. و تمّ بناء سور عال قرب الخزان الكبير لهذه المياه، تعلوه بكرة عليها حبل غليظ ربط بأسفله دلو من الجلد أو على الأصح قربة واسعة. و يعمل الرجال و الحمير و الثيران على نقل المياه حتى خزّان آخر فتفرّغ فيه ثم توزع إلى أحياء المدينة المختلفة. و نجد هنا، كما في أماكن أخرى، في أعلى الآبار، في الريف، بكرات عدة الواحدة فيها جنب الأخرى، لكنها تحتاج إلى جهد كبير مضن، و هي متعبة أكثر من الآلات التي تعمل على المياه و التي تستخدم في بلاد أخرى من الشرق.

و نجد على مسافة قريبة من آب و جبلة نبعين، يجري أحدهما نحو الغرب في جداول صغيرة عدة، ليصب بعد الأمطار في الخليج العربي تحت اسم وادي زبيد. و يجري الآخر في الجنوب، و يطلق عليه اسم ميدام(Meidam) ، و بعد تساقط الأمطار، يعظم و يصب أخيرا في البحر قرب لحج(Lahadsj) و عدن.

في 2 تموز/ يوليو، غادرنا آب، و نزلنا جبلا وعرا للغاية على مسافة 3/ 4 الفرسخ، لكن الدرب كان مرصوفا و بالتالي يمكن سلوكه إلى أقصى حدّ ثم دخلنا السهل، و توجهنا نحو الشمال و نحو الغرب بعض الشي‏ء، فوصلنا قرية لهود(Lahuad) التي تبعد حوالي 7/ 8 الميل عن آب. و بعد أن اجتزنا 5/ 8 الميل إلى الشمال، بلغنا قرية تدعى سوق(Sچ‏k) ، و صادفنا على الدرب بين آب و هذا المكان ثلاثة مجالس و مآوي.

ثم تصبح البلاد جبلية بعد سوق، و لقد قطعنا ميلا و 2/ 8 الميل لنصل إلى مشادر(Mechader) و رأينا على هذه الطريق خمسة مجالس، و ثلاثة مآوي. و تبعد آب عن مشادر ميلين و 5/ 8 الميل.

و تقع مشادر، و هي مدينة صغيرة، على جبل، و نجد بالقرب منها، و على مرتفع قصرا صغيرا يقيم فيه صاحب الدولة، و يقام في المدينة يوم الخميس سوق. و يمكننا أن نرى من هذا المكان قرى عدة منها دلم(Dolme) في الغرب، طلاب(Tullab) في الشمال و شنن(Schanen) في الشرق، كما نجد في المنطقة جبلا يحمل اسم سهول(Sahچ‏l) . أما بالنسبة إلى قرية سهول و الوادي الذي يحمل الاسم نفسه و اللذين ذكرهما أبو الفدا، و يقال إنهما بالقرب من جناد(Dsjinnad) ، فلم يتمكن أحد من إعطائي معلومات عنهما.

و كان السيد فورسكال مريضا للغاية في ذاك اليوم، فاضطررنا إلى التأخر عن الجمال التي سبقتنا إلى قرية لهود، و عند ما اجتازت مشادر، و قطعت نصف ميل أبعد من سمسرا برقان(Barke ?n) ، فأجبرنا على اللحاق بها. و يتكوّن قرب برقان سيل عظيم، يضيع في الجبال.

و في 3 تموز/ يوليو، سبقتنا الإبل منذ الصباح إلى(Mensil) ، و لحقنا بها بعد شروق الشمس. و قطعنا حوالي 7/ 8 الميل في خط مستقيم، و أثناء ال 3/ 4 الميل الأولى، لم يكن الدرب صعودا، إنما فيما بعد و حتى جبل سمراء يصبح الدرب وعرا، حتى يستحيل سلوكه على الجمال المحمّلة لو لم تهيأ فيه تعرجات تجعل بلوغه ممكنا بصعوبة، و لو لم يرصف في أماكن عدة. إن هذا الجبل أعلى و أكثر و عورة من جبل محراس و الجبل‏

318

العالي بين عدن و جبلة. و نجد في قرية منسل، التي تقع في نصف جبل سمّراء، سمسرا رائعة بني كل ما فيها من الحجارة المقصوبة لا من الخشب بما في ذلك السقف و العارضات. و لقد بقي الجمّالون و المكاريون في الأسفل مع الحقائب و مع بهائمهم. و كان على سطح هذه السمسرا شقة يمكننا البقاء فيها وحدنا، لذا وجدنا المكان مريحا للسيد فورسكال الذي يحتاج للراحة بسبب مرضه.

و في اليوم التالي (4 تموز/ يوليو) بقينا في منسل، و قست ارتفاع الشمس في الهاجرة، و حددت بالتالي خط العرض الذي تقع عليه القرية و هو 14؟، 10؟. و أحسست يومها، بعد الظهر ببعض الحمّى، و بما أن وضع السيد فورسكال كان يزداد سوءا، قررنا إطالة إقامتنا في هذا المكان حتى يتحسّن. لكن الجمّالين و المكارين أعلمونا أن هذا المكان لا يستطيع أن يؤمّن العلف للدواب و الطعام لهذا العدد من الأشخاص، و أكدوا لنا أن مدينة يريم(Yerim) تقع على الجهة الأخرى لجبل سمّراء و تفصلها عن منسل إلى الشرق المسافة نفسها التي تفصل هذه الأخيرة عن برقان إلى الغرب. و وعدونا بتأمين أناس ليحملوا مريضنا حتى أعلى الجبل، و من هناك يمكنه أن يقطع بسهولة على ظهر الجمل المسافة القصيرة المتبقية حتى يريم.

و أغرتنا هذه الوعود فغادرنا في 5 تموز/ يوليو. و سبقت و السيد بورنفاند، يرافقنا واحد من المكارين الذين مع البعثة عند الصباح كي نستفيد من برودة الجو، لكننا دفعنا ثمن هذه المجازفة غاليا، إذ لم أكثر من الثياب في هذا المناخ البارد و أصبت بالتالي برشح مزمن، و لكثرة ما رأينا من مياه قرب الطريق بين تعز و منسل، لم نشكك للحظة أننا لن نجد قطرة واحدة في ذاك اليوم، و ارتفعت الحرارة، و كان لا يزال أمامنا ساعة مسير، حين صادفنا في الريف فلاحا أعارني إبريقه، و كنت بحاجة ماسة للمياه لأني لم أعان يوما من ظمأ مضن كهذا. و لحسن الحظ، وصلنا أخيرا إلى يريم، و تبين لي أن المسافة إلى هذه المدينة من منسل هي حوالي ميلين و 7/ 8 الميل إلى ثلاثة أميال، إلى الشمال الشرقي، و هناك طرقات أكثر مما قال لنا الجمّالون. و أثار انتباهي على هذا الطريق قصر مهدّم يقع قبالة منسل على قمة جبل سمّراء، و يملكه آل حسن. و يؤدي الطريق من قصر بني حسن، نزولا إلى مسجد صغير و إلى قرية مدّراس(Maddrasse) ، و نلفي نحو الشرق سهلا منبسطا تقريبا لأن التضاريس التي نراها فيه لا تقارن بالجبال الممتدة بين سمراء و تهامة. و لم أر على طول الطريق، بين مدارس و يريم، إلّا قريتين صغيرتين هما ربعة القلعة(Rab d el Kalla) و منسل الثاني(Mensil Asse ?ni) . و تعيش في هذه البلاد قبيلتا بنو يربع و بنو سعيد(Beni Se ?id) ، لكنهما لا تقيمان في الخيام إنما في أكواخ، و تجدر الإشارة إلى أننا لا نجد بدوا في المناطق الخاضعة للإمام.

و بقي السيد كرامر مع خدمنا الأوروبيين بانتظار الأناس الذين ينبغي أن ينقلوا مريضنا إلى جبل سمّراء، لكن هؤلاء لم يستدعوا إما لأن العرب الذين يرافقوننا و الذين قدروا المسافة بين المنطقتين بميل واحد من دون المنعطفات، يعرفون أنها ثلاثة أميال أو لأن العرب الآخرين لم يرضوا بحمل مسيحي، و بالتالي تم ربط السرير و المريض على ظهر جمل. و بالرغم من أنهم سافروا ببطء شديد، و اتخذوا كافة

319

التدابير اللازمة لإراحته، وصل عند المساء إلى يريم و قد أصابه الإعياء، و اشتد عليه مرضه. و كنا قد اعتدنا على العيش و السفر كالعرب، فلم نعد نحس بالانزعاج طالما أننا بصحة جيدة، لكن في مناسبة كهذه عشنا تجربة المرض و صعوبته في تلك البلاد حيث لا يتمكن المرء من الحصول على الطعام و الشراب- و هذا شي‏ء ما تعودناه في أوروبا- و تجربة المرض خلال الرحلة دون أن يتمكن المريض من الوصول في الوقت المناسب إلى مكان يرتاح فيه و يستعيد فيه عافيته كان شيئا جديدا علينا.

و كنا قد قررنا الإقامة في يريم في نزل، لكن حشد المتفرجين الذين دفعتهم حشريتهم لرؤية الأوروبيين و سماعهم لم تسمح لنا بالراحة، فعزمنا على استئجار شقة في المدينة نقيم فيها بانتظار شفاء رفيقنا. و تمكنا هنا من معرفة السبب الحقيقي الذي منع العرب في منسل من نقل السيد فورسكال إلى أعلى الجبل، و هو أن خادمنا العربي لم يرض بنقله من منزل إلى آخر، و لذلك اضطررنا لنقله بأنفسنا مع خدمنا الأوروبيين.

و يريم مدينة صغيرة أو على الأصح بلدة كبيرة، لكن صاحب الدولة يقيم في قصر صغير على تلة و عرة في وسط البلدة. أما منازلها فجزء منها مبني من الحجارة، و الجزء الآخر من الصلصال المدهون بمعجونة مؤلفة من الطين و روث البقر. و لم أتمكن من التعرف على المدينة و التجوال فيها بسبب مرضي و مرض رفيقي، لذا لا يمكنني الحديث عنها كثيرا، إلا أنني رسمت من نافذة غرفتنا واجهة القصر و قسما من المدينة على اللوحة(LXVIII) . و تقع يريم وفقا لدراساتي على خط عرض 14؟، 17؟.

و على مقربة من مدارس إلى الجنوب و الجنوب الغربي من يريم، قامت فيما مضى، بحسب روايات عرب عدة، مدينة تدعى جعفر، لم يبق منها أي منزل وفقا لما يقال. لكن نجد فيها، كما أكّد لي شيخ البلد، حجرا ضخما يحمل كتابات لم يتمكن اليهود أو المسلمون من فهمها، لذا تستحق زيارة أوروبي جاء البلاد لهذا الغرض. و يبدو أنه المكان الذي قامت فيه مدينة ظغار(Tdaphar) ، التي جعلها المؤرخون القدامى مكان إقامة الحميريين، و إذا ما تمكنّا من الحصول على كتابات حميرية، فستكون من دون شك من تحت هذه الأنقاض. و عند ما نجد أحرفا كوفية عادية أو كتابات أخرى لا تثير الاهتمام كثيرا يمكننا الاكتفاء بها، لأنني لطالما خدعت و أعطوني آمالا كاذبة بإيجاد كتابات قديمة و مجهولة. و يحلو للعرب أن يؤكدوا أن مدينة جعفر، كانت منذ 800 عام، في أوج ازدهارها، و كانت مكان إقامة سعد الكامل حاكم شبه الجزيرة كلها، و أنها دمرت على يد العباسيين. و لم يرد ذكر حاكم يدعى سعد الكامل في كافة كتب التاريخ حول شبه الجزيرة العربية التي نملكها في أوروبا، و كلما استعلمت عنه في اليمن، قيل لي: إنه بطل عربي عظيم، و ملك شهير، أقام في جعفر. و يقال: إن في نجرا(Nedsjera) ، بإقليم عمران(Amran) ، ضريح ملك عظيم يحمل الاسم نفسه، لكننا لا نعلم إن كان نفسه الذي حكم جعفر.

و بما أن مدينة جعفر تقع إلى الشرق من موسى(Musa) ، و على سفح جبال عالية، استنتجت أننا يمكن أن نبحث هنا عن «سفار»(Sephar) التي جاء على ذكرها موسى. لكن قد تكون هذه المدينة هي جعفر،

320

لأن حضرموت و سبأ و مدنا أخرى و بلادا أخذت أسماءها من أولاد قحطان، لا تقع بين يريم و موسى، بل بين هذا المرسى و ميزا. (راجعوا وصف شبه الجزيرة العربية). و كان الطقس في شرق جبل سمراء مغايرا لطقس غربه، ففي تعز و آب و القرى المجاورة لمنسل، تساقطت الأمطار لأيام عدة في فترات بعد الظهر، و رأينا أراض خصبة صالحة للزراعة، و باختصار يكثر في المنطقة الزرع و يطغى اللون الأخضر على الطبيعة.

لكن، لم تسقط الأمطار في يريم منذ ثلاثة أشهر، و إن سمعنا الرعد في البعيد كل مساء تقريبا. و لقد تكاثر الجراد فالتهم كافة الثمار، لذا قرر أهالي يريم التوجه في 8 تموز/ يوليو بعد الظهر إلى مكان تقام فيه الصلاة جماعة خارج المدينة، للاستسقاء. و كانت المسيرة تتألف من شيوخ حقيري الملابس كما ينبغي في يوم تضرّع كهذا، يرأسها شيخان جليلان يحمل كل منهما على رأسه علبة مفتوحة فيها كتب، و يتبعهما الشيوخ الآخرون و الناس، و هم يغنون و يرددون صلوات قصيرة لم أفهم منها سوى «لا إله إلا الله». تمّ كل ذلك في جو من التقوى و الورع، و بدا أن هذه الشعائر التقية أعجبت القدير، فما إن عادت المسيرة إلى المدينة، حتى هبّت عاصفة، و تساقط البرد ثم المطر عند المساء. و في 9 تموز/ يوليو، أعاد سكان يريم صلواتهم خارج المدينة، لكنها لم تكن فعّالة كاليوم السابق لتجلب المطر. و بعد أيام، تساقطت الأمطار، إما لأن الله استجاب لصلاة المسلمين المؤمنين و إما لأن موسم الأمطار قد حلّ، و لا سيما و أن هذا موعدها المعتاد كما هي الحال في غرب جبل سمراء و في بلاد مدارية أخرى.

و كان الجراد يباع في الأسواق كلها بأرخص الأسعار، لكني لم أر يوما هذا العدد الذي شاهدته في سهل جبل سمراء القاحل و في يريم، حيث كان بالامكان التقاطها باليد. و رأينا عربيا يملأ كيسا من الجراد ليجففها و يحفظها كمؤونة للشتاء. و حين تتساقط الأمطار بتقطع و لساعات فقط، إلى الغرب من الجبل، تهاجم جحافل الجراد من الشرق حتى أن فلاحي منسل يضطرون إلى طردها من حقولهم كي لا تقضي كليا على نتاجهم، فتراهم يتراكضون يمنة و يسرة، حاملين عصيا طويلة ربط بأعلاها قطعة قماش، و يطلقون صيحات عالية. و لا تنفع هذه الوسيلة في يريم التي اعتاد عليها الجراد و كأنها موطنه لقلة ما تمطر.

و شاهدنا في يريم عريسا جديدا، يتوجه إلى الحمّام، و يتقدم المسيرة مجموعة من الشباب تمرح و ترقص على وقع الطبول، تليها مجموعة كبيرة من الناس من أعمار مختلفة، يلهو بعضهم بإطلاق العيارات النارية، و يختمها أخيرا العريس و بعض أصدقائه. و تعود الجموع عند المساء ببطء. فنرى عند الغسق عددا من المشاعل التي تشبه مشاعلنا إلى حدّ ما و إن كانت في حالة سيئة، لذا أعجبتني أكثر من تلك التي تستخدم في مصر و التي ذكرتها سابقا.

و في يوم آخر، رأينا مصارعين يعرضان قدراتهما أمام بعض الناس في الشارع، و كانا يرتديان القليل من الثياب، و يضعان على وجهيهما قناعا كبيرا (و هو الأول الذي رأيته في الشرق)، مع لحية طويلة و شعر

321

يتدلى على أكتافهما. و يحملان في اليد اليمنى خنجرا طويلا و في اليسرى درعا كبيرا، و ظننا أنهما سيظهران براعة فائقة و لا فتة في المبارزة، لكنهما اكتفيا بالوثب على وقع الطبول و بالقيام ببعض ألعاب الخفّة.

وصف الشريف الإدريسي في كتابه أسواق اليمن، و لم أحاول دراستها لأني كنت أتجنب الجموع الكثيرة. لكن بعد أن بقيت لبضعة أيام في يريم دون أن أغادر المنزل، توجهت إلى السوق كي أبدد كآبتي، و كان قد تجمّع فيه عدد من الناس جاؤوا من القرى المجاورة لشراء المؤن و المواد الضرورية للعائلة و بيعها. و لم أر في السوق أي محال غنية، بل خياطين، و إسكافيين، و حدادين و حرفيين آخرين يحيطون بالشارع أو على الأرجح بالساحة، أو يتوزعون حولها ضمن جدران منخفضة و سيئة البنيان و يعملون في الهواء الطلق. و صادفت هناك حجامين يشرطون و يجرحون العرب بسكين عادي ثم يضعون على الجرح قرون تيس قصّت من جذورها، و لا يملك هؤلاء معدات أفضل و هي كتلك التي استخدمت لشفاء الأب لوبو من الحمى‏ (*).

و بدا أن السيد فورسكال يتماثل للشفاء في الأيام الأولى التي أمضيناها في يريم، لكن المرض استشرى من جديد حتى فقدنا الأمل بشفائه، ثم غطّ في سبات عميق في 10 تموز/ يوليو مساء، و وافته المنيّة في هذه الحالة، في اليوم التالي أي في 11 تموز/ يوليو قرابة الساعة الواحدة و النصف. و أسفنا لفقدانه كثيرا، لأن تعاطيه مع عامة الشعب، بسبب حبّه لجمع النبات، مكّنه من تعلم اللغة العربية أفضل من كافة أعضاء البعثة، فضلا عن اللهجات المختلفة، فأصبح بالتالي الناطق باسمنا جميعا، كما أن نجاح رحلتنا كان من أبرز همومه، و كأنه ولد ليقوم برحلة إلى شبه الجزيرة العربية، فلم تكن الصعوبات تثنيه، و لا نقص وسائل الراحة يرده عن هدفه. اعتاد أولا على طريقة عيش السكان، و هو أمر ضروري إذا ما أردنا السفر في شبه الجزيرة العربية و الوصول إلى الهدف المرسوم، و لا يمكن لعالم عظيم من دونه أن يقوم بالكثير من الاكتشافات في هذه البلاد. و كان يتوجب علينا إعلام الحاكم بوفاة رفيقنا و شراء مكان لقبره، فأرسلنا خادم قاضي تعز إلى صاحب الدولة و قاضي البلاد، فدلّه هذا الأخير على عربي يمكننا أن نشتري منه مكانا لدفن صديقنا. و باعنا الرجل بالفعل أرضا لكن هذه العملية التجارية لم تتمّ، إذ إن المكان يقع قرب قناة صغيرة تجرّ فيها المياه لريّ الحقول المجاورة، فهدد الجيران المالك بجعله يدفع الثمن إن شحّت المياه بسبب جسد هذا الإفرنجي. و بما أن الرجل يفضل عدم كسب المال على إثارة غضب و نقمة جيرانه الجهلة، اضطررنا إلى البحث عن مكان آخر و وجدناه بالسعر نفسه. و طاب لصاحب الدولة بعدها الاجتماع بأحد أعضاء البعثة و التشاور معه، فقال لي إنه يملك و بصفته حاكم هذه المقاطعة، حق الوراثة على تركة اليهود و البانيان الذين يموتون خلال سفرهم في منطقته، فأجبته أن الميت ليس يهوديا و لا بنيانيا

____________

(*) رحلة إلى الحبشة، بقلم لوغران‏(Le Grand) ، ص 26.

322

إنما أوروبي، و أن صاحب الدولة في المخا لم يطالبنا بتركة صديق لنا توفي في مدينته. عندها، شرح لي ابن صاحب الدولة قصد والده، و أعلمني أنه يتوقع منا على الأقل هدية قيّمة، و حين قلت له إن الأوروبيين لا يدفعون قرشا من دون إيصال، و أننا نحتاج إلى كتاب حول المبلغ الذي يطلبه بسبب وفاة رفيقنا في مقاطعته، توقفوا عن إزعاجنا بهذا الموضوع. و كان صاحب الدولة يعلم بنيتنا السفر إلى صنعاء، و لعله خشي أن نقدّم شكوى ضده لوزير الإمام إن طالبنا بما لا يحق له طلبه.

و وقعنا في مأزق كبير عند دفن صديقنا إذ لم نتمكن من إيجاد حمّالين، و إن وعدنا بالدفع بسخاء، و وافقنا على دفنه ليلا، و في النهاية، حضر ستة رجال. لكنهم لم يحضروا لنقل الجثمان إلا في الصباح، ما بين الساعة الثالثة و الساعة الرابعة، حين يكون الجميع نياما، و سارعوا إلى تنفيذ مهمتهم خلسة، فاستنتجنا أن المسلمين لا يرضون بحمل رجل من دين آخر و دفنه. أما أنا، فلم أتجرأ على الخروج في ساعة كهذه، لحضور الدفن، لأنني كنت مريضا، فيما رافقه إلى مثواه الأخير السيد كرامر و السيد بورنفايند، و الخدم الذين رافقونا من تعز، و خادما القاضي و شيخ البلد في يريم.

و لم نكن لنعتبر أننا أكملنا واجباتنا اتجاه رفيقنا، لو لم ندفنه في تابوت، لكن كان حريّا بنا أن نلفه بكفن و ندفنه. لأن وجود التابوت دفع العرب إلى الاعتقاد بأن الأوروبيين يدفنون كنوزا مع موتاهم، و هذا ما شاع خبره حين طلبنا بصنع التابوت. و علمنا، فيما بعد في صنعاء، أن أحدهم نبش القبر بعد رحيلنا من يريم، و كسر التابوت، و سرق الكفن. و حين علم صاحب الدولة بالأمر، أجبر اليهود على إعادة دفن الجثة، و منحهم التابوت حين طالبوا بأجورهم.

و بعد دفن رفيقنا، أخذنا نستعد لمتابعة رحلتنا من يريم إلى صنعاء في 13 تموز/ يوليو. لكن في الليلة التي سبقت رحيلنا، هطلت الأمطار بغزارة فلم نتمكن من الانطلاق إلا في وقت متأخر من النهار، و بعد أن قطعنا ميلا و 3/ 8 الميل إلى الشمال الشرقي، وصلنا إلى رباد(Rab d) ، و بعد ميلا و نصف الميل إلى الشمال وصلنا إلى ديقسوب(Dikesچ‏b) ، و من بعدها إلى ذمار(Dam r) بعد أن اجتزنا ميل و نصف نحو الشمال، و هي تقع على جبل صغير يحمل اسم نمارا(Numara) . إذا، تبعد يريم عن ذمّار أربعة أميال، و لقد لزمنا ست ساعات لنصل إليها، أما طريقها فحجرية، و أرضها قاحلة. و صادفنا في أماكن مختلفة أناسا يبيعون الكشر للمارة، لكنهم على الأرجح لا يجنون أرباحا طائلة من هذه التجارة، لأنهم لا يعيشون حتى في أكواخ إنما ضمن أربع شقات جدران، ترتفع قدمين إلى أربع أقدام و من دون سقف.

و بسبب إقامتنا الطويلة في يريم، كان سكان دمار على علم مسبقا بأننا سنمرّ في قريتهم لنتابع طريقنا إلى صنعاء. و بما أن البلاد لم تشهد زيارة أوروبيين منذ سنوات عدة، أثار قدومنا حشرية الشعب، حتى أنهم لاقونا على مسافة ربع ميل خارج مدينتهم. و تزايد عدد الناس، و بما أننا كنا نخشى التعرض للإزعاج في الفندق من قبل المتفرجين، استأجرنا منزلا لنرتاح و نمضي الليلة التالية، و اضطررنا للانتظار طويلا في الشارع فتجمهر المواطنون حولنا خارج المدينة، مما دفعنا إلى شق طريقنا بينهم لنصل إلى منزلنا. و عمل‏

323

السيد كرامر الذي ركب البغل المهدى إليه من صاحب دولة المخا على فتح الطريق لنتمكن من المرور.

فوقع البعض على الأرض، و أخذ الموجودون يتهامسون حول وقاحة الكفّار. و سارعنا في الوصول إلى منزلنا، و رشق بعضهم بابنا و نوافذنا، أو على الأصح فتحات النوافذ إذ لا يعرف العرب استخدام الزجاج، بالحجارة، فأرسلنا خادمنا إلى الشارع لتفريق الجموع، لكننا لم نسترح إلّا لفترة. و أردنا طلب حرّاس من صاحب الدولة، لكن قيل لنا إنه لا يملك إلا 30 جنديا و أنه يخشى المواطنين. و لم يظن أحد أننا في خطر، و قيل لنا إنّ هناك عددا كبيرا من الطلاب في الشارع، يودون رؤيتنا، و أنهم أرادوا لفت انتباهنا برشق نوافذنا بالحجارة. و زارنا شيخ البلد، و طلب من السيد كرامر أن يعطيه بعض الأدوية، و أملنا أن يتوقف رشق الحجارة احتراما لهذا الرجل الجليل، لكنهم استمروا في ذلك. و بما أن شيخ البلد و صاحب المنزل ارتأيا أنه ينبغي ترك الشباب و شأنهم، أوصدنا الأبواب و النوافذ، فملّوا هذه اللعبة.

و تقع ذمار في منطقة خصبة و منبسطة، اشتهرت في اليمن بمرابط الخيل الجميلة، و هي عاصمة إقليم مشارب العنز(Me ?chareb el Anes) و بالتالي مكان إقامة صاحب الدولة. و نجد فيها جامعة شهيرة للمسلمين، و تسمى الجامعة الزيدية، و أكدوا لي أنها تضم حوالي 500 طالب شاب، أي إنهم يتعلمون فيها القراءة و القرآن. و نشاهد قرب المدينة قصرا ضخما، أما المدينة نفسها فمفتوحة، و واسعة، و حسنة البنيان، و أشك أنها تحتوي على 5000 منزل كما يؤكد شيخ البلد. و يعيش يهود هذه المنطقة على طريقة أهل البلاد في قرية خارج المدينة، و نجد بعض البانيان الذين يعيشون بين المسلمين كما في المدن اليمنية الأخرى. و لم يحط بطبيبنا هذا العدد من المرضى في أيّ مكان آخر من اليمن، و بما أنه رفض مغادرة المنزل بسبب الإهانة التي لحقتنا حين رشقوا منزلنا بالحجارة، أحضروا له مريضا على فراشه إلى المنزل، و سافر آخر معنا إلى صنعاء بسببه.

و يجري على مسافة قريبة من ذمار نهر صغير، و يتوجه نحو الشمال ليضيع في رمال بلاد يوف(Yof) ، و لعله من الأنهار التي تتجمع في بلاد مأرب(Mareb) في سدّ أهل سبأ القديم‏ (*). و نجد في الشرق، على بعد أميال من دمار، جبلا يسمى حيران(Hirr n) ، حيث نجد أحجارا ناعمة، لونها أحمر قان، و يقع هذا الجبل إلى شمال غرب المدينة. و لقد ذكرت هذا الحجر الكريم في وصف شبه الجزيرة العربية.

وقع خادمنا الأوروبي فريسة المرض في يومنا الأخير، و لم يقو على السفر إلى صنعاء معنا، لذا تركناه في ذمار كي يتبعنا على مهل بحسب ما تسمح له قواه. و حين لحق بنا، اشتكى من أنه لم يجد مأوى أثناء محنته لأن العرب خشوا أن يموت عندهم فيتحملوا عناء دفنه، لكنه وجد الكثيرين ليؤجرّوه حميرا و يسافروا معه بالبطء الذين يشاؤه.

____________

(*) انظر: وصف شبه الجزيرة العربية.

324

و في اليوم التالي (14 تموز/ يوليو)، سافرنا ليوم كامل تقريبا باتجاه الشمال، حيث نجد إلى شرق الدرب الذي سلكناه سهلا واسعا، و إلى غربه جبلا أجدب. و رأينا على بعد 5/ 8 الميل من ذمار، و إلى الشرق، قرب الطريق: قرية مواهب(Mawahheb) التي يقيم فيها الإمام، و التي زارها كاتب رحلة إلى شبه الجزيرة العربية السعيدة في بداية القرن. كما نجد إلى غرب الدرب قرية تسمى ماضي(Madi) ، و بقي علينا اجتياز ربع ميل لنصل إلى سمسرا. التي تبعد عن قرية ممراد(Mamrade) 3/ 8 الميل، و تبعد هذه القرية عن قرية سعاد(Sau d) 3/ 4 الميل. و إذا ما سرنا ميلا في منطقة المستنقعات هذه، لوصلنا إلى سمسرا التي تحمل اسم سعاد، و من بعدها يمسي الدرب حجريا، و قلما نجد حتى سراج على بعد ميلين، سهولا مزروعة. و نصادف من هذا المكان الأخير و حتى صنعاء، و قرب القرى كلها، عددا كبيرا من الحدائق المزروعة بالكرمة الجميلة و الشهية فضلا عن فواكه أخرى، في حين أن الجبال جرداء و قاحلة.

و تبعد ذمار عن سراج، وفقا لتقديري ثلاثة أميال أو ستة فراسخ و 3/ 4 الفرسخ، و هطلت الأمطار الغزيرة أثناء رحلتنا كما تساقط البرد مترافقا مع عواصف رعدية عنيفة. و لم نجد هنا أيّا من المنازل التي يستخدمها المسافرون كمأوى أثناء العواصف و التي نصادفها في إقليم اليمن الأعلى، كما لم نر في ذاك اليوم سوى مجلس واحد قرب سمسرا.

في 15 تموز/ يوليو، توجهنا نحو الشمال لكن الدرب لم يكن سهلا كما في الأيام السابقة. انطلقنا من سراج، و سرنا ميلا و 3/ 4 الميل في الجبل، و وصلنا قرية عودي(Audi) على الحدود التي تفصل إقليم سراج عن بلاد شولان الصغيرة. و نجد على مقربة من هذا المكان قرية صغيرة تدعى حدّاثة(Hadd sa) ، و تقع على تلة وعرة حيث نقشت، كما يقال، كتابات مثيرة للاهتمام على حائط قديم. و كنت قد علمت في تعز، أننا نرى كتابات عبرية في بلاد عنز لأن المسلمين لا يعرفون أي حرف منها، و لأنهم لم يسمعوا بلغة أخرى غير العبرية، باستثناء الكوفية و العبرية و العربية، لذا يظنون أنها باللغة العبرية. و وعدني جمالونا و مكاريونا باصطحابي لرؤيتها، لكني كنت أظن أن بلاد عنز هو اسم قرية، و علمت في ذاك اليوم أنه اسم إقليم، فاستعلمت من أحد المواطنين و علمت أن هذه الكتابات موجودة في حداثة. و كنا قد تجاوزنا هذه القرية بحوالي فرسخ و نصف، و أخفى عليّ الجمّالون و المكاريون الأمر عمدا كي لا أؤخرهم في رحلتي. و علمت لاحقا في صنعاء من يهود رأوا هذه الكتابات مرات عدة، أن الحروف ليست حروفا عبرية و أنهم لم يتمكنوا من فهمها شأنهم في ذلك شأن المسلمين. و بما أن حداثة تقع قرب الطريق المؤدي من المخا إلى صنعاء، أودّ لو يتكبد أي أوروبي، يسافر إلى تلك البلاد، مشقة نسخ هذه الكتابات، لأنها قد تكون من زمن الحميريين، و قد تساهم في تسليط الضوء على كتابة هذه الأمّة و اكتشافها. و يعتقد يهود صنعاء أنهم رأوا كتابات أخرى مجهولة في نقيل أسور(Nakil Assur) إلى الجنوب الغربي من صنعاء.

و نجد قبالة حداثة قرية تدعى كمن(Komen) ، و تؤدي الدرب منها إلى سمسرا تسمى ظيلة(Dsile ?) ،

325

يجري قربها نهر يبقى داخل البلاد. و نجد على مسافة قريبة من هذا المكان مقهى مقيل(Makil) ، على بعد 3/ 4 الميل من عودة. و قطعنا من مقيل 7/ 8 الميل و وصلنا سمسرا التي تحمل اسم سنان(Sinn n) و تقع في سهل واسع، و يلزمنا 3/ 4 الميل لنبلغ نجدا و هو مكان مهجور تقريبا إلا في اليوم الذي يقام فيه السوق حيث يقصدها التجّار الصغار و العمّال فيجدون أكواخا فارغة أو أماكن محاطة بسور منخفض.

و نجد في الجوار قرية صغيرة تدعى مسعود(Messaud) ، ثم سرنا في نجد ميلا فوصلنا إلى سيّان(Seiyan) و هي قرية كبيرة، عدد من منازلها مهدم. و يأخذ أمراء عائلة الإمام حصة من مردود مسعود و سيان. و يبعد هذان المكانان عن بعضهما، أربعة أميال و نصف أو سبعة فراسخ، وفقا لحساباتي، و لم نر على هذه الطريق سوى مجلس واحد أي خزان تسكب منه المياه للمسافرين.

و بما أن الأمطار لا تتساقط في هذه البلاد بغزارة كافية لترويها كلها، نجد في أماكن مختلفة خزانات كبيرة و رائعة من مختلف الأشكال بنيت على سفوح التلال. و يصعب جمع مياه الأمطار من الجبال و التلال في الأماكن المنبسطة، لذا نرى آبارا عظيمة وضعت في أعلاها أحيانا ست بكرات الواحدة جنب الأخرى. و تستخدم في رفع المياه بقوة الذراع لريّ الحقول، مما جعل الزراعة مضنية و مكلفة.

و لقد أملنا دخول صنعاء في 16 تموز/ يوليو، و كنا قد اعتدنا على طريقة العرب بعدم ترتيب هندامنا، لكن أردنا الظهور بمظهر حسن في مكان إقامة الإمام، فارتدينا ثيابا كالأتراك. قبل مغادرتنا سيان، و هي ثياب أفضل من تلك التي نرتديها حاليا و إن لم تكن فخمة. و اتجهنا نحو الشمال الغربي، فوصلنا قرية تدعى ابن عاد(Ibn Had) ، و مررنا قرب أرض شيخ أو نبيل عربي، و بلغنا رامة(Rama) ، و هي قرية تقع على مرتفع، على بعد ميل و 5/ 8 الميل من سيان. و يؤدي الدرب من هذه القرية إلى سهل واقع في الشمال الغربي، و نجد في هذه المنطقة نهرا صغيرا، تحيط بضفيته السهول الخصبة، لكنه لا يقطع مسافة طويلة، إذ يضيع في الرمال أو في الحقول، و يعلو هذا النهر جسر حجري. و اجتزنا من رامة 1/ 8 الميل لنصل إلى مقهى قرب قرية حدّ، حيث يملك الإمام منزلا ريفيا، و حديقة تكثر فيها الدوالي، و أشجار البندق و المشمش و الإجاص و غيرها. و تقع قرية دار سلم(Darshelm) قبالة حدّ(Hadde) ، و تبعد عن أسوار صنعاء حوالي ميل و 1/ 4 الميل، و بالتالي تبعد سيان عن صنعاء ثلاثة أميال أو حوالي أربعة فراسخ و 1/ 4 الفرسخ.

و في ذاك اليوم، أرسلنا باكرا أحد الخدم و حمّلناه رسالة موجهة إلى الفقيه أحمد، و هو وزير الإمام، نعلمه فيها بوصولنا، لكنه علم بالأمر مسبقا و أوفد واحدا من أهم كتّابه يستقبلنا على بعد نصف ميل من المدينة. و أبلغنا هذا الموفد بأن الجميع بانتظارنا منذ فترة، و أن الإمام استأجر لنا منزلا ريفيا في بئر القصب(Bir el Assab) لمدة شهر كامل، و لم يحمل لنا سوى أخبار حسنة. و علمنا أن الفقيه يملك بيتا للراحة في بئر القصب، و لما وصلنا إلى الحديقة، طلب منا الكاتب الترجل، فظننا أنه سيقودنا إلى الفقيه أحمد و أن‏

326

منزله في الجوار، لكن تبين لنا أنه بقي و الخدم المسلمين على ظهور حميرهم، و أن مسافة طويلة تفصلنا عن المنزل الذي سنقيم فيه، و استقبلنا أسوأ استقبال في ذاك اليوم كما لم يحصل معنا قط من قبل في أية قرية يمنية. و كان يمكن أن نصادف في منزل ما، أناسا يوفرون لنا الماء و الخبز، فيما لم نجد في منزلنا سوى غرف فارغة. و بما أننا كنّا نتوقع دخول عاصمة المملكة في ذاك اليوم، لم نتزود بالمؤن اللازمة، و انتظرنا طويلا لنحصل على مرطبات من المدينة، و كنا نودّ أكل العنب. عدا ذلك، لم نقم منذ فترة طويلة في منزل نزه كذاك الذي خصصه لنا الإمام، ففيه شقق جميلة، و تحيط به حديقة غنّاء تكثر فيها الأشجار المثمرة التي تبدو و كأنها نمت من دون زراعة، و قد تمّ تنسيقها على الطراز العربي، فلا تجد فيها فيئا أو ممرات.

و في اليوم التالي لوصولنا إلى بئر القصب، أي في 17 تموز/ يوليو صباحا، أرسل لنا الإمام هدية، و هي خمسة خراف، و حمل ثلاثة جمال من الخشب، و كمية كبيرة من الشمع، و الأرز، و التوابل المختلفة.

و اعتذر المكلّف بتقديم هذه الهدية منا، لأن الإمام غير قادر على استقبالنا في هذا اليوم و في اليوم التالي لأنه مشغول بدفع أجور جنود حاشد و بكيل الخاضعين له. و لم يؤثر علينا هذا الخبر إذ لم نقصد صنعاء بهدف تقديم الطاعة للإمام بل لزيارة المدينة و المناطق المجاورة و للتعرف على أناس يعطوننا معلومات حول هذه البلاد. لكن فرض علينا عدم الخروج من المنزل قبل مقابلة الإمام، و أثار هذا الأمر استياءنا، إذ لم نشأ تضييع الوقت، و لم نكن واثقين كل الثقة من أن الإمام سيدعونا بعد يومين.

و لم يعلمونا بأن استقبال شخص من أهالي البلاد، قبل مقابلة الإمام، مخالف لأصول اللياقة تجاهه؛ و كنا قد تعرّفنا من قبل على شخص من صنعاء و هو يهودي، سافر معنا من القاهرة إلى لحية. و بالرغم من أنه من أغنى عائلات اليهود و أهمها، رافقنا كخادم لتوفير مصاريف الرحلة من جهة، لأن يهود شبه الجزيرة العربية يعرفون قيمة المال كإخوانهم في أوروبا، و للسفر في حمايتنا بسهولة أكبر من جهة أخرى، لأن الأتراك، الذين يحجون من القاهرة إلى جدة، يحتقرون اليهود و يسيئون معاملتهم حين يصادفونهم.

و حين علم هذا اليهودي بقدومنا، زارنا مع واحد من أكبر علماء الفلك عندهم، ليشرح لي الاسم العبري لبعض النجوم التي ذكرت في الكتب المقدسة (وصف شبه الجزيرة العربية). و وصل في الوقت نفسه كاتب الفقيه أحمد، فوقف اليهوديان لكنه لم يسرّ لرؤيتهما، و استاء من كونهما تجرآ و دخلا بيتنا قبل أن نقابل الإمام، و طردوهما من بيتنا كما كلّف خدمنا المسلمين بمنع دخول أي شخص كان قبل أن يرانا سيّده. و أثارت هذه الأعراف العربية استياءنا، لكن السفراء العرب لدى الملوك الأجانب يلتزمون بها، و لم يرض سفير باشا طرابلس بتوجيه الكلام إلى أحد عند دخوله كوبنهاغن قبل مقابلة وزير الدولة. و لعل الكاتب المذكور أعلاه ظن أن رفقة اليهود لا تسرّنا كما لا تسعده هو، و أنه أسدى لنا معروفا بطردهم من منزلنا.

327

و في 19 تموز/ يوليو صباحا، تمّ تبليغنا بأن الإمام سيستقبلنا، و قادنا كاتب الفقيه أحمد إلى قصر بستان المتوكل. و كنا نتوقع أن ندخل على الإمام بحضور بعض ضباطه و مسؤوليه، لكن فوجئنا بالتحضيرات الكثيرة. و كان فناء القصر يعجّ بالخيول، و المسؤولين، و غيرهم من العرب، و كان من الصعب علينا شق طريقنا وسط هذا الحشد، لو لم يصل النقيب خير الله(Nakib Gheir Allah) ، و هو عبد سابق و مروّض لجياد الإمام حاليا، حاملا عصا طويلة، ليفسح لنا المجال. أما مجلس الإمام فهو في قاعة مربّعة و مقببة، و تتوسطه بركة كبيرة، ترتفع مياه النوافير فيها حوالي 14 قدما. و نجد وراء الحوض تعلية يبلغ طولها قدما و نصف، و عرضها خمس إلى خمس أقدام فوق مستوى المجلس كله، و يليها إعلاء صغير يقوم قرب أدراج عرش الإمام مباشرة. و يغطي السجاد العجمي الأرض كلها، بما في ذلك محيط الحوض و العرش، و لم أر على العرش سوى أعلاء رباعي الزاوية مغطى بأقمشة حريرية، وضعت و سائد عريضة و مطرزة وراءه و على جانبيه. و تربع الإمام على عرشه بين الوسائد، على طريقة الشرقيين، و كان يرتدي ثوبا أخضر اللون، بأكمام واسعة و طويلة على الطراز العربي‏ (*)، و علّق على جانبي صدره، ككبار الأتراك، شبكة ذهبية كبيرة و اعتمر عمامة بيضاء عريضة. و جلس أبناؤه إلى يمينه و إخوته إلى يساره، فيما جلس الفقيه أحمد قبالته، و بقينا على الإعلاء الأول، و بالتالي على مستوى منخفض بالنسبة للفقيه، و جلس على جانبي القاعة نفر من إخوة الإمام و أولاده و عند الباب عدد من وجهاء العرب، يلاصق أحدهم الآخر.

و قادونا مباشرة إلى الإمام، كيّ نقبّل ظهر يده اليمنى و راحتها، فضلا عن طرف ثوبه، و يسمح الأمراء المسلمون بالأولى و الأخيرة، و هي نعمة عظيمة حين يسمحون للأجانب بتقبيل راحة يدهم. و كان الصمت سائدا في القاعة، لكن ما إن لمس أحدنا يد الإمام حتى تلفظ أحد البشراء ببعض الكلمات التي تعني: «ليحفظ الله الإمام»، و ما إن صمت حتى ردد الحضور كلماته بصوت عال. و بما أني كنت أول شخص في الوفد، و كنت أحاول التركيز للفظ إطرائي بلغة عربية صحيحة قدر المستطاع، و أخذت أفكر بهذا الحفل الباذخ الذي لم أر يوما مثيلا له في شبه الجزيرة العربية، و لم أتمكن من إخفاء اضطرابي من هذا الحشد الصاخب، لا سيّما حين أخذوا يصرخون عند ما لمست يد الإمام، لكني عدت و تمالكت نفسي. و عند ما هتفوا من جديد فيما كان رفاقي يقبّلون يد الإمام، تذكرت أن الأمر نفسه يحدث عند ما يصرخ طلّاب الجامعات في ألمانيا «يعيش» إكراما لشخص ما، و يرددونها مرارا.

و تختلف لغة البلاط في صنعاء اختلافا عظيما عن لغة العامة في المناطق الجبلية، فضلا عن تهامة، و لم نكن نتكلم إلا لهجة هذه البلاد الأخيرة و بركاكة، فاستعنا بخادمنا الذي اعتاد سوء لفظنا، و هو رجل من المخا، كناطق بلساننا، فيما ترجم الفقيه أحمد، الذي أقام طويلا في تهامة و تعلّم اللغة العامية، كلام الإمام.

و لم أتمكن من فهم الكثير من كلامهما، حين كانا يتحدثان معا، و ينطبق الأمر ذاته على خادمنا الذي ولد

____________

(*) و هو لباس الخلفاء. راجعوا التاريخ العالمي الحديث للعصور الأخيرة، العددIII ، ص 69.

328

في المخا و بالتالي في هذه المملكة، و الذي أكدّ لنا أنه لم يفهم الكثير من الإمام. و بما أننا لم نتمكن من التحدث مباشرة، إنما عن طريق غرباء، أوجزنا الحديث، و لم نر ضرورة لإعلامهم بأننا قطعنا هذه المسافات الطويلة، فأوضحنا للإمام أننا أبحرنا عبر الخليج العربي لأنه الطريق الأقصر للوصول إلى الهند من أوروبا. و لم ننس أن نذكر، أننا سمعنا الكثير من الإطراء و المديح حول الثقة و الأمن المستتبين في الدول الخاضعة للإمام، فدفعتنا رغبتنا لرؤية هذه المملكة قبل رحيل آخر سفينة إنكليزية، كي نتمكن، بصفتنا شهود عيان، من الثناء على هذه البلاد. فردّ الإمام مرحّبا بنا في بلاده، و منحنا حرية الإقامة فيها بقدر ما يحلو لنا أو بقدر ما تسمح به أعمالنا. و بعد أخذ ورد، استأذنا، بعد أن قبلّنا يد الإمام من جديد وسط الهتافات المعتادة، و قطعنا صالة طويلة ثم خرجنا من الباب دون أن نضيف أية إطراءات. و لقد حفرت هذه الجلسة على اللوحة(LXIX) .

و عند عودتنا، أرسل لنا الإمام أحد عشر كيس نقود، واحد منها لخادمنا من المخا، الذي عمل كمترجم لنا، يحتوي على 99 خماسي و هي قطع نقدية تبلغ قيمة كل 32 منها درهما واحدا. و احتفظ الصرّاف لنفسه بدرهم بالمئة، إما لأنها عادة في البلاد و إما إنه يفعل ذلك من دون علم الإمام. و قد تبدو هذه الهدية التي أرسلها الإمام بالعملة المحلية منافية للياقة، لكن إذا ما اعتبرنا أنّ ما من إنسان يمكن أن يعيش في هذه البلاد بالدين، أو في فندق، و أننا مضطرون لشراء حاجاتنا من السوق نقدا و لتحضير طعامنا بأنفسنا، تعتبر هذه الفعلة لطفا منهم اتجاه الغرباء، كي لا يخدعهم الصرافون و لتجنيبهم هذا العناء.

و احترنا في قبول أو عدم قبول هذه الهدية لا سيّما و أننا لم نشأ العيش على حساب العرب كي لا نعطيهم حجة ليتمنوا رحيلنا، لكن رفضها سيعتبر إهانة لذا قررنا الاحتفاظ بها.

و لا يقابل السلطان، في تركيا، شخصا ما إن لم يكن الوزير قد رآه، لكن العادة مختلفة في اليمن فبعد أن نلنا شرف مقابلة الإمام في الصباح، أرسل الفقيه أحمد بطلبنا بعد الظهر إلى منزله الريفي في بئر القصب، و طلب منا إحضار الغرائب التي شاهدها معنا الأمير فرحان في لحية، و بعض أعيان العرب في المدن الأخرى. لكن هذه النوادر الجميلة لم تكن سوى المجاهر و المحراث، و المناظير، و الكتب العربية المطبوعة، و الألواح، و أدوات الرسم فضلا عن الخرائط الجغرافية و الهيدروغرافية، و الإبر الممغنطة الخ و التي حملناها معنا لاستعمالنا الخاص، لكننا عرضناها لاحقا عن طريق الإمام. و تبينت أن خوفي هذا لم يكن مستندا إلى أيّ أساس منطقي، لأن الفقيه استقبلنا بتهذيب و أدب بالغين، و أعرب عن إعجابه بما عرضناه أمامه، و طرح علينا بعض الأسئلة التي دلّت على اطلاعه على العلوم أكثر من أبناء بلاده الآخرين، و على كثرة تعامله مع الأجانب من أتراك و فرس و هنود، مما مكنه من جمع معلومات واسعة حول الجغرافيا.

و يظن معظم العرب أن أوروبا تقع إلى الجنوب من بلادهم، لأن السفن الأوروبية التي ترسو في مرافئهم تأتي من المناطق الجنوبية، لكن الفقيه أحمد يعرف موقع دول أوروبا كافة، و يعرف الدول الأقوى برا

329

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

330

و بحرا. و هل يمكن أن نتوقع أكثر من ذلك من عالم في شبه الجزيرة العربية، لم ير يوما خرائط جغرافية؟

و للرد على اللطف الذي أحاطونا به، و الهدايا الصغيرة التي تلقيناها، و لأننا قرأنا في كتب عدة أن ما من أوروبي يتجرأ على مقابلة أحد أعيان العرب من دون أن يحمل له هدية، قررنا أن نستغل هذه الفرصة لنقدّم هدية للإمام و للفقيه، و هي عبارة عن قطع ميكانيكية أوروبية كالساعات و أدوات الفيزياء و غيرها، و هي أشياء تندر في اليمن. و عرفنا لا حقا أنهما لم ينتظرا منا هدية لأننا لسنا تجارا، و لا نطلب أية حظوة من الإمام و إنما من المفترض أن نسافر كالدراويش، لكن الهدية لاقت إعجابهما. يعتبر الأتراك هدية الأوروبيين لهم، إن لم أكن مخطئا، ضريبة يدفعونها، و يظنون أنهم يظهرون لنا شرفا عظيما حين يقدمون لنا قفطانا مقابل هدية مميزة. و نستنتج من المعاملة المميزة التي تلقيناها في صنعاء أن الإمام و وزيره لا يريدان أية هدية مجانية من الغرباء.

تكثر الأشجار المثمرة في حديقة الفقيه أحمد، و لم يكن بيته كبيرا جدا، إنما لا حظت أنه مفتوح كليا من جهة الجنوب، في حين أن الشمس في هذه المنطقة تتواجد في أشهر القيظ إلى شمال سمتها. و نجد في الوسط، قبالة المبنى حوض ماء كذلك الذي رأيناه عند الإمام، و ترتفع المياه فيه أعلى من مياه قناة آب.

كما نجد قرب البئر حائطا يبلغ ارتفاعه 20 إلى 30 قدما، يخفي وراءه أرضا يبلغ انحدارها 30 إلى 36 درجة، يتحرك فيها مكاري و حماره نزولا و صعودا لإخراج المياه. و لا تضفي هذه النوافير جمالا على الحديقة، إنما تساعد في ترطيب جو المنزل و تبريده، و هي نعمة في بلد حار كهذا. و رأينا في حدائق أعيان صنعاء نوافير كهذه أيضا.

و تقع مدينة صنعاء على خط عرض 15؟، 21؟، و على سفح جبل يحمل اسم نقوم(Nikkum) أو لقوم(Lakkum) ، نرى عليه بقايا قصر قديم، بناه سام، على حدّ اعتقاد العرب، و يجري في جهة أخرى، أي في غرب المدينة، جدول صغير. و نجد من جهة الجبل القصر الواقع، بحسب ما أكدوا لي، على تلة خمدان(Chomd m) الشهيرة، و يمتد إلى جانب النهر بستان المتوكل، و هو حديقة فسيحة، أو على الأصح ضاحية بناها الإمام المتوكل، و زينها الإمام الحالي بقصر بناه فيها. و يحيط بالكل حائط واحد، أو بالأحرى، حاجز من تراب، مغطى بالصلصال، و يعلو فوقه عدد من الأبراج الصغيرة يبعد الواحد منها عن الآخر 60 قدما. و تفصل الأسوار المدينة عن القصر من جهة و عن بستان المتوكل من الجهة الأخرى. و لا تعتبر مساحة المدينة و القصر، إذا ما استثنينا بستان المتوكل، شاسعة، و يمكننا زيارتها بساعة و ثماني دقائق.

و أردت رسم خارطة المدينة بدقة، لكن حين كنت أتجول في الشوارع، كانت الحشود تحيط بي، تدفعها إلى ذلك حشريتها، و تسير معي كيفما تحركت، فرأيت أنه من الأفضل، في ظروف كهذه، عدم استعمال البوصلة لكني رسمت خارطتها على اللوحة(LXX) . و للمدينة أربعة أبواب هي: 1) باب اليمين(El Yemen) 2) باب السبع(B b es Sebb) 3) باب شعيب(B b Schaچ‏b) 4) باب الستران‏

331

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

332

.( B b es Str n )

و لم يفتح الباب الأخير و الذي يؤدي إلى القصر منذ سنوات عدة، كما نجد أيضا ثلاثة أبواب صغيرة أخرى هي 5) باب الشرارة(B b Sch r ra) 6) باب الحديد(B b Hadid) 7) باب الصغير(B b Sogair) (*). يبدو أن عدد السكان في صنعاء مرتفع، كما نجد فيها عددا كبيرا من الحدائق و بالتالي قد لا يكون حرم المدينة مبنيا بالكامل. و لم ألاحظ سوى تسع إلى عشر مآذن تعلو المساجد، و يقوم الجامع أو الجامع الرئيس في وسط المدينة تقريبا و تعلوه مئذنتان. أما المساجد الأخرى فبمئذنة واحدة و تحمل الأسماء التالية: المدرسة(El M drasse) ، صلاح الدين(Salech eddin) ، الطعس(El Tha s) ، و البكيري(El Bekirie) ، فضلا عن مسجد القصر. و قد بنى بعض هذه المساجد باشاوات أتراك، كما شيّد الإمام الحاكم حاليا مسجدا جميلا، و جرّ إليه الماء للرجال و الحيوانات، و بنى إلى جانبه ضريحا صغيرا لرفاته. و لا يتعدى عدد الحمامات الكبيرة الاثني عشر حمّاما، لكن نجد فيها قصورا رائعة بنيت على الطراز العربي و منها: بستان السلطان، و دار الفتح التي شيّدها الإمام الحالي. و نجد بالقرب منها قصر الإمام المنصور، و أبنية عظيمة أخرى تملكها عائلة الإمام الكبيرة و أعيان آخرون. إن القصور العربية لا تبنى بما يتلاءم و الذوق الأوروبي، لكنها مبنية من الآجر المشوي و بعضها من الحجر فيما تبنى بيوت العامة في صنعاء من الصلصال‏ (**). و أظن أني لم أر زجاجا في فتحات النوافذ إلّا في قصر واحد، أما نوافذ المنازل الأخرى فمزودة بمصراعيين يبقيان مفتوحين في أيام الصحو و مغلقين أثناء موسم المطر، و يدخل النور إلى المنازل عبر نوافذ صغيرة مستديرة تعلو المصراعين. و نجد في منازل أعيان العرب زجاجا مرسوما عليه، يستقدمونه من البندقية.

و نجد في صنعاء، كما في كافة المدن الكبرى التجارية في الشرق، نزلا للتجّار و المسافرين، فضلا عن ساحات خاصة أو أسواق يباع فيها الخشب، و الفحم، و الحديد، و العنب، و القمح، و الزبدة، و الملح و الخبز.

و لا نرى في سوق الخبز سوى النساء، كما نجد في صنعاء سوقا حيث يمكنك أن تستبدل بثيابك القديمة ثيابا جديدة. و يملك البضائع تجار من الهند و بلاد فارس و تركيا، فضلا عن أولئك الذين يبيعون التوابل على أنواعها، و الأدوية، و الذين يبيعون أوراق القات(K d) ، و الفواكه المجففة أو الطازجة من إجاص و مشمش و دراق و تين الخ، و النجارون، و الحدادون، و الإسكافيون، و الخياطون، و صانعو السرجّ و الحجّارون، و الصاغة، و الحلاقون، و الطباخون، و مجلد و الكتب، و حتى الكتّاب الذين يخطون عريضة للإمام لقاء بضعة قروش أو لبعض الأعيان، فضلا عن أنهم يعلمون الأولاد و ينقلون الكتب، أماكنهم‏

____________

(*) أعطاني الدليل هذه الأسماء بينما كنت أتنزه في المدينة. و ذكر آخر 8 أبواب، و أطلق على الأبواب الستة الأولى الأسماء نفسها، لكن بدل باب الصغير ذكر اسم باب النصر و باب عنتابة(B b Intaba) . رسمت شوارع هذه الخارطة اعتباطيا.

(**) لم أتمكن من رسم القصور المذكورة أعلاه، لكني وجدت بين أوراق السيد بورنفايند رسما لمنزل مميز في بئر القصب، يمكننا رؤيته في منزلنا. و يمكن رؤيته على اللوحة(LXVIII) . و انطلاقا من هذا الرسم يمكن أن نكوّن فكرة عن فن العمارة العربي في اليمن.

333

المحددة في محالهم الصغيرة المحمولة. أما خشب البناء فمرتفع الثمن في اليمن و لا يقل خشب التدفئة عنه غلاء في صنعاء لأن الجبال جرداء، فيتطلب نقل خشب التدفئة يومين إلى ثلاثة أيام ليصل إلى المدينة، و تبلغ كلفة حمل الجمل الواحد عادة درهمين، لكن يتم التعويض عن نقص الخشب بالفحم الحجري.

و رأيت الكثير من الخثّ في تلك البلاد، لكنه سيى‏ء للغاية فيضطرون إلى خلطه بالقش ليؤججوا النار فيه.

و تكثر الفواكه في صنعاء، إذ نجد في أسواقها أكثر من عشرين صنفا من العنب، و بما أنها لا تنضج في وقت واحد، يمكننا أن نشتري عنبا جديدا خلال أشهر عدة من السنة، كما يقوم بعض العرب و بعض الأتراك في الأناضول بتعليق عناقيد العنب في سقوف الأقبية، فتتوفر هذه الفاكهة اللذيذة على مدار السنة. و يعصر يهود المنطقة العنب لصنع النبيذ، و يمكنهم الحصول على كميات ضخمة فيجعلون منها بالتالي تجارة مربحة شأنهم في ذلك شأن أرمن شيراز. لكن يبدو أن العرب كالفرس يكرهون المشروبات القوية، فيضطر اليهود إلى اتخاذ إجراءات عدة عند ما يريدون تزويد البعض بالمشروبات في المدن الأخرى، إذ يعاقبون بشدة إذا ما تمّ العثور على النبيذ بحوزتهم و هم ينقلونه إلى أحد العرب. و يتم تجفيف الكثير من العنب لتصديره، و من بينها عناقيد عنب بيضاء تبدو و كأنها من دون بزور، لكن نجد في داخلها بدل البزر القاسي حبوبا طرية لا نحس بها أثناء الأكل إنما يمكن رؤيتها عند قطع حبة العنب.

و يقع قصر صنعاء كما ذكرت سابقا على تلة حمدان التي اشتهرت في الماضي، و يقسم إلى جناحين يحملان اسم دار الذهب و دار عمر. و رأيت الكثير من بقايا الأبنية القديمة، لكني لم أكتشف أية كتابات كوفية و بالتالي حميرية، لأن البيوت القديمة في صنعاء، كما في المدن القديمة الأخرى التي سكنت دوما، هدمت ليبنى مكانها بيوت جديدة. و يقيم الإمام عادة في المدينة، لكن بعض أفراد عائلته يعيشون في القصر.

و يضم القصر المبنى الذي تسكّ فيه الأموال، و سجون مختلفة، كبيرة و صغيرة للأعيان أو للعامة، و لم يسمحوا لي برؤية أعلى مكان في القصر، أي مركز المدفعية، و كأنه أمر فريد للغاية، و رأيت بالفعل شيئا لا فتا و هو مدفع هاون ألماني قديم، كتبت فوقه بعض السطور، و هي كتابات رهبانية محاها الزمن تقريبا. و رأيت في هذا المركز ستة إلى سبعة مدافع حديدية صغيرة، ثبت أكبرها في الرمل، و الأخريات على ركائز مكسورة. و يعلو كل من الأبواب الثلاثة أي باب اليمن، و باب السبع، و باب شعيب مدفعان يستخدمان في المناسبات الكبرى. و تقتصر المدفعية الثقيلة في عاصمة اليمن على الأسلحة التي ذكرتها آنفا.

و تقع بئر القصب إلى الشرق من صنعاء، و هي قرية أو ضاحية، فيها مسجد كبير تزيّنه مئذنة، و تتوزع بيوتها في الجنائن قرب جدول صغير. و يمتد في الشمال على بعد فرسخ و نصف أو فرسخين من صنعاء، سهل يحمل اسم روضة(Rodda) تحيط به الحدائق و تجري فيه جداول صغيرة. و يشبه موقع هذا المكان موقع مدينة دمشق، في حين أن صنعاء التي شبّهها المؤرخون العرب بدمشق تقع على ربوة قاحلة جرداء جزئيا. و بعد موسم أمطار طويل، يجري جدول صغير آتيا من تنام(Tanaim) ، و يمرّ في المدينة، ليكمل طريقه إلى الشمال نحو بلاد جوف، لكنه كان جافا كليا حين كنا في صنعاء. و نجد أقنية مياه، تمتد من‏

334

جبل نغوم(Nikkum) ، و تتوزع على المدينة و على القصر، فلا تشح المياه في أي فصل من فصول السنة، فالمياه رفاهية تحاول مدن الشرق كلها الحصول عليها، إما لأن المياه مشروب المسلمين الرئيسي، و إما لأن المؤمنين بهذه الديانة مجبرون على الاغتسال غالبا.

و لا يبقى اليهود في مدينة صنعاء، إنما يعيشون في قرية كبيرة خاصة بهم تسمى قاع اليهود(Kda el Ihچ‏d) ، و تقع قرب بئر القصب، و يبلغ عددهم 2000 يهودي. و يعامل اليهود في اليمن باحتقار كما في تركيا، لكنهم أمهر الصاغة و الفخارين و العمّال يقصدون المدينة ليعملوا أثناء النهار في محالهم الصغيرة و يغادروها عند المساء إلى منازلهم. و نجد بين اليهود عددا من التجار الأثرياء، و منهم رجل يدعى أراكي(Or ki) كسب ثقة الإمامين، و شغل منصب المفتش الأول للجمارك، و الأبنية و الحدائق لمدة ثلاثة عشر عاما أثناء حكم المنصور و لمدة خمسة عشر عاما أثناء حكم الإمام الحالي، و هو مركز مهم للغاية في صنعاء. لكن قبل وصولنا بسنتين، غضب عليه الإمام الحالي، فسجن و أجبر على دفع غرامة بلغت قيمتها 50000 درهم، وفقا لما يقوله اليهود، و في الوقت نفسه، تمّ هدم اثنا عشر معبدا من المعابد الأربعة عشر التي يملكونها. و كان في هذه القرية منازل جميلة كمنازل الأعيان المسلمين في صنعاء، لكنهم هدموا تلكم التي يتعدى ارتفاعها 14 ذراعا، و منعوا أي يهودي من بناء منزله بارتفاع يتجاوز الأربعة عشر ذراعا. و بما أن المشروبات الروحية تحفظ هنا، كما في شيراز في بلاد فارس، داخل جرار كبيرة من الفخار، قاموا بكسر الجرار مسببين لهم المزيد من الأضرار. و أطلق سراح المدعو أراكي قبل وصولنا بخمسة عشر يوما، و قدّم له الإمام، استنادا إلى أقوال اليهود، 500 درهما. و هو رجل عجوز، يملك معارف واسعة، و يرتدي ثيابا زرقاء اللون ككافة يهود اليمن، و لا يلفّ قلنسوته بأي شاش أو عمامة، و أكدوا لي أنه يفضل تغيير طريقة لباسه بالرغم من أن الإمام سمح له بذلك. و خصّني بصداقته، بعد أن روى له أحد خدمنا الذي رافقنا من القاهرة إلى مخية، و هو من أقاربه، الكثير عنا، و كان قد خرج لتوه من السجن فلم أجرؤ على زيارته مرارا كما كنت أتمنى.

و يعيش في صنعاء حوالي 125 بانيانيا، و يضطرون لدفع 300 درهم للإمام شهريا، في حين لا تدفع قرية قاع اليهود سوى 125 درهما. عند ما يموت أيّ بانياني في صنعاء، يدفع ورثته للإمام 10 إلى 15 درهما نقدا، و إن لم يكن للفقيد أقرباء في اليمن، تعود تركته كلها للإمام. و يروي البانيانيون أن اثنين من أبناء دينهم، زجّا في السجن، منذ بضعة أشهر، فدفعا للإمام 1500 درهم من تركة ورثاها في الهند و لم يقبضاها بعد، كي يطلق سراحهما. و لعل الإمام طلب هذا المبلغ لسبب آخر لم يرد البانيان الاعتراف به، لئلا يقروا بذنب اقترفوه. و هذا أمر موجود في تلك البلاد كما هو موجود في أوروبا.

يزور سلطان القسطنطينية المسجد أيام الجمعة عند ما تسمح له صحته بذلك فيتبع إمام صنعاء هذه العادة الدينية أيضا فيقصد المسجد في موكب بهيّ، لكننا لم نره إلا في طريق العودة، إذ وصف لنا

335

بطريقة غريبة لأنه يسلك الدرب الطويل، و ينضم للموكب عدد كبير من الذين أدّوا واجباتهم الدينية في المساجد الأخرى. و لقد غادر الإمام الجامع الرئيس بعد أن أدّى الصلاة في ذاك اليوم (22 تموز/ يوليو)، و توجه عبر باب اليمن إلى باب شرارة(Sch r ra) و منه إلى خارج المدينة. و يسبق الإمام بضع مئات من الجند، و يحمل الخدم إلى جانب الإمام و كل أمير من عائلته مظلة أو شمسية كبيرة، و هي مزيّة لا تحقّ إلا للأمراء الأقحاح، لذا لا يسمح السلطان في القسطنطينية إلا لوزيره بالحصول على نوع من الجندول المغطى من الأمام لاتقاء حرارة الشمس. و يقال إن الأمراء المستقلين في أقاليم اليمن الأخرى كمشايخ يافع و حاشد و بكيل، و شريف أبي عريش و غيرهم، يخصصون خدما لحمل هذه المظلة(Mad lla) كدليل على استقلالهم. و يتبع الإمام، فضلا عن الأمراء، حوالي 600 رجل من الأعيان، من رجال دين و علماء، و عسكريين، يمتطي بعض منهم جيادا رائعة، و يرافق عدد من الشعب الإمام سيرا على الأقدام. و يسير إلى جنب الإمام حملة الأعلام من الجهتين، لكنها أعلام مختلفة عن تلك التي نراها في بلادنا أو تعلوها مجمرة عطور صغيرة من الفضة، و يقال إنها تحمل تعويذات تجعل الإمام لا يقهر. و ينتشر حملة البيارق مع مجمرات ضمن المسيرة لكن لا يبدو أن لها مكانا محددا؛ باختصار كانت المسيرة ضخمة و رائعة جزئيا، لكنها غير منظمة بحسب ما بدا لي، إذ يركض البعض، و يمتطي البعض الآخر الجياد، و يتداخلون من دون مراعاة أي نظام. و على مقربة من باب شرارة، وقفت جمال، تحمل هوادج فيها بعض نساء الإمام اللواتي يشاركن بالمسيرة لكن يقال إنها كانت فارغة و أنها نقلت إلى خارج المدينة كي لا يخالفوا العادة، و يتبع هذه الجمال بعض الإبل غير المحملة، لا يحمل الواحد منها على سرجه سوى أعلام للزينة و أطلق الجنود عيارات نارية عند باب خرارة بارتباك لم أشهد له مثيلا في اليمن. و بما أني كنت مريضا، لم أشأ التعرض لأشعة الشمس و أنا أتجول هنا و هناك، فعدت على أعقابي إلى بئر القصب. و أجرى الجنود بعض العروض العسكرية أمام منزل الإمام، و أظهر مسؤولوهم براعة في السباق، و لم يجد السيد كرامر، الذي حضر الاستعراض، الجنود أبرع من أولئك الذين شاهدناهم مرارا في الأقاليم، و يكون ذلك عند عودة صاحب الدولة من المسجد. و تقفل أبواب المدينة كلها أثناء الصلاة- على ما يبدو- للسبب نفسه الذي يدفع الأوروبيين لإقفال مدنهم خلال الوعظ، و ليس خوفا، كما قرأته في بعض الروايات، من أن يفاجئهم المسيحيون نهار الجمعة كما تقول نبوءة مزعومة.

و استقبلنا في صنعاء بلياقة و صداقة لم نكن نتوقعهما، و أراد بعض الأعيان إقناعنا بالبقاء لعام آخر في اليمن، و بعدم الإبحار مع السفن الإنكليزية. و لم نكن لنخشى شيئا من الشعب لو قررنا اتباع هذه النصيحة، لكن بما أن الموت حرمنا من الأستاذين و لم نعد نأمل باكتشافات جديدة حول اللغة و التاريخ الطبيعي للبلاد، و بما أنني رأيت القسم الأكبر من مدن هذه المملكة المهمة و وضعت مشروع خارطة جديدة خاصة باليمن، و بما أننا عرفنا سمات البخل عند الإمام الحالي، و بعد أن تعرضنا لمشاكل عدة مع صاحب دولة تعز و المخا،- و لو أننا لم نعد نخشى هذه الأمور- و بعد الصعوبات الدائمة التي و اجهناها،

336

و تغييرات الطقس و الماء التي تعرضنا لها في الجبال و السهول، فمرضنا الواحد تلو الآخر، قررنا التوجه إلى المخا و منها إلى الهند حفاظا على أرواحنا و أوراقنا. و حصلنا على إذن مغادرة صنعاء على إذن مغادرة صنعاء ساعة نشاء، لكن كان ينبغي أن نستأذن وفقا للأصول و أن نعرض على الإمام في الوقت نفسه ما شاهده الفقيه أحمد سابقا مما أخّر سفرنا لأيام عدة.

و أرسل بطلبنا للمرة الثانية في 23 تموز/ يوليو، و اقتدنا إلى القاعة نفسها في بستان المتوكل حيث قابلنا الإمام في المرة السابقة. لكن الأمور حصلت في صمت تام ذاك اليوم، و جلس الإمام على الارتفاع الأول، لا أمام العرض، إنما في إحدى جهات القاعة على كرسي أوروبي، صنعه هندي من القصب في صنعاء.

و قبلّنا راحة يده و ظهرها، وفقا لعادات العرب، فضلا عن انحناء على مستوى الركبة، و لم يكن حاضرا سوى الفقيه أحمد و الكاتب الذي أحضرنا و ستة إلى سبعة عبيد و خدم. و لم يسمح لأي من خدمنا بالدخول، لأن الفقيه أحمد اعتبر أني قادر على التكلم بالعربية. و بدا أن ما عرضناه على الإمام أثار إعجابه، و طرح علينا أسئلة حول التجارة و الفنون و العلوم في أوروبا، و تمّ إحضار علبة مليئة بالأدوية قدمها إنكليزي للإمام فشرح السيد كرامر اسم كل دواء و كيفية استعماله و أمر الإمام بكتابة ما ذكره الطبيب بالعربية.

و غادرت المنزل مريضا، و ازدادت حالي سوءا من الوقوف طويلا، فطلبت الإذن للخروج من القاعة، و وجدت أمام الباب عددا من ضباط البلاط، يجلسون على حجارة في الفي‏ء و من بينهم النقيب خير الله الذي تحدثت معه في السابق مرات عدة. و ترك لي هذا الأخير مكانه و أخذ يحمل بعض الحجارة لبناء مقعد آخر لنفسه، و طرحوا عليّ العديد من الأسئلة حول عادات الأوروبيين و تقاليدهم و من بينها عادة شرب الكحول التي لم ترق لهم. لكن حين أكدت لهم أن السّكر ممنوع على المسيحيين أيضا، و أنهم يعاقبون على ذلك، و أن ما من أوروبي عاقل يشرب أكثر مما تسمح به صحته، أغضبتهم هذه العادة أكثر من قوانينهم التي تمنعهم من شرب الكحول نهائيا في حين أنها تكثر في بلادهم، و أنهم يشربونها أحيانا كعلاج. وعدت إلى القاعة، و استأذنا من الإمام بالطريقة نفسها التي دخلنا بها عليه، بعد أن شرح له السيد كرامر كيفية استعمال الأدوية و أجبنا على أسئلة عدة. و بعد الظهر، و دعنا الفقيه أحمد و بعض الأعيان.

إن لسلوك الدرب الذي يمرّ عبر يريم و تعز، في طريق العودة من صنعاء إلى المخا، سببا وجيها و مهما و هو نسخ كتابات حراتة و جعفر التي أعتقد أنها كتابات حميرية، لكن بما أن الهدف الأول للرحلة ليس البحث عن الآثار، و بما أني لا أجد عادة سوى بقايا غير مهمة حيث يعلمني العرب بوجود آثار شهيرة و كتابات غريبة، اخترنا أن نسلك الدرب الذي يمر في موفاق(Mo ?fh k) و في بيت الفقيه. و باختياري هذا الطريق، سأتمكن من تحسين خرائطي عن اليمن، و سنتمكن من رؤية تهامة في فصل آخر من السنة أي في موسم الأمطار. و لم يكتف الفقيه أحمد، الذي عرضنا له صراحة أننا نفضل الوصول إلى بيت الفقيه عبر طريق لم نسلكها من قبل، بإعطائنا حرية اختيار طريقنا، بل وعدنا بأنّ يؤمّن لنا الإمام الحمير و الجمال.

337

ثم في 25 تموز/ يوليو، أرسل الإمام لكل منا لباسا عربيا كاملا، أي قميصا و سروالا، فضلا عن رسالة موجهة إلى صاحب الدولة في المخا كي يدفع لنا مئتي درهم نقدا كهدية وداع. و خشينا أن يظن الإمام أننا، وفقا لعادة رائجة بين الأتراك، لم نقصد صنعاء سوى لكسب المال لرحلتنا، أو أننا قدمنا له الهدايا ليرد لنا الصاع صاعين. لكن حين نتذكر المشاكل التي تعرضنا لها عند وصولنا إلى المخا، و أننا اضطررنا إلى دفع 30 دوكا من البندقية لإخلاء سبيلنا، اهتممنا بهذه الحوالة التي ما إن أعطيناها لا حقا لصاحب الدولة حتى أرسلنا إلى صرافه، و هو بانياني، فدفع لنا المبلغ كاملا عن غير طيب خاطر.

و بالكاد صدّقنا الفقيه أحمد حين قال لنا إن الإمام سيهتم بأمر تحضير الحمير و الجمال لرحلتنا، و خشينا أن تنطلق آخر سفينة إنكليزية قبل وصولنا، لذا أردنا استئجار الدواب بأنفسنا، على أمل أن يسرّع ذلك بعودتنا إلى المخا. و تحدثنا مع كاتب الفقيه أحمد الذي شرح لنا كلام سيده، و أعلمنا بأن الإمام سيتكفل فقط بنقل أغراضنا على حسابه الخاص، و بالتالي استأجرنا حميرا لنا و لخدمنا، و لم نكن واثقين من أننا سنجد جمالا أخرى في موفاق، فاتفقنا مع الذي أجّرنا الجمال على أن ينقل أغراضنا إلى بيت الفقيه.

و اعتقدنا أننا جاهزون للانطلاق في 26 تموز/ يوليو، لكن في ذاك اليوم، و عند الصباح، أعلمنا الكاتب المذكور آنفا أنه يتوجب علينا دفع نصف درهم إضافي عن كل جمل للوصول إلى بيت الفقيه، فوافقنا على أمل ألا تتأجل الرحلة. و وصلت جمالنا، لكنها لم تكن بحالة جيدة، فشككنا في أن تصل و متاعنا إلى بيت الفقيه، و قال لنا الجمّالون، الذين يجهلون أمر الصفقات المعقودة بين الكاتب و صاحب عملهم، إنهم سيعودون مع جمالهم من موفاق. و هكذا، وقعنا في ورطة جديدة، و لم يكن بإمكاننا تحميل أغراضنا قبل التحدث إلى الكاتب و مؤجر الجمال أو بالتالي رئيس البريد عند العرب، لكن لم نجد أيّا منهما.

و بالرغم من أننا نكره إزعاج الفقيه أحمد الكريم، اضطررنا إلى عرض حالتنا عليه و اكتشفنا الخدعة، فقد أعطى الفقيه كاتبه رسالة مفتوحة موقعة من الإمام في أعلاها لا في أسفلها، يؤمّن لنا بموجبها في كل أقليم نمرّ فيه، جمالا أبدالا و رأس غنم (على حد تعبير العرب) (*). كما تلقى الكاتب لبعثتنا بعض الهدايا التي لم يأت على ذكرها، و بما أننا كنا على عجلة من أمرنا، لم نتمكّن على الأرجح من الاتفاق بسرعة مع صاحب الإبل حول تقسيم الأموال المخصصة لدفع بدل الإيجار. لكن في أثناء ذلك، طلب من الكاتب عدم تأخيرنا، و هكذا أحضر لنا رسالة الإمام المذكورة، و بعض الأقمشة لخدمنا العديدين، أما الثياب المخصصة لنا فوعدنا بتسليمها في غضون ساعات قليلة، لكننا فضّلنا الرحيل فورا لبلوغ المخا بسرعة. إذا، احتفظ الكاتب على الأرجح بهذه الهدايا الأخيرة التي تعود لنا، فضلا عن المال المخصص لاستئجار حميرنا.

____________

(*) وصف شبه الجزيرة العربية، اللوحةXIV .

338

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

339

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

340

و يشبه اللباس الذي تلقيته من الإمام لباس أعيان العرب في اليمن، و قد رسمنا طريقة لباسهم على اللوحة(LXXI) . يرتدي العرب القميص فوق سروال واسع، ثم يلبسون سترة أكمامها ضيقة و فوقها معطف واسع (عباءة)، و يضعون في زنارهم خنجرا. و ظنّ بعض أصدقائي الأوروبيين الذين رأوا هذا الخنجر، أن العرب يستخدمون هذا السلاح كما يستعمل البحارة سكاكينهم، لكني رسمت استعمالاته على اللوحة المذكورة أعلاه. أما السلسلة التي تدلت من الخنجر فليست سوى سبحة يستخدمها المسلمون أثناء صلاتهم، كما يستعملونها للتسلية في أوقات الفراغ. و يعتمر سكان اليمن عمامة عريضة للغاية، تتدلى من الخلف ما بين أكتافهم، كما ذكرت سابقا في وصف شبه الجزيرة العربية، و لا يرتدون الجوارب إنما ينتعلون الحذاء أو الخفّ مباشرة.

و يبدو أن الأتراك يعرفون- أفضل منا- كيف يستغلون سخاء الإمام، إذ يتوجه الكثير من الحجاج الفقراء من هذه الأمة، من جدة إلى مخيّة أو إلى الحديدة و منها إلى صنعاء حيث يتحمل الإمام نفقتهم من أربعة إلى خمسة أشهر، كما يحصلون منه على سفتجة (حوالة)، يدفعها لهم بعض أصحاب الدولة في أحد مرافى‏ء البلاد كي يتمكنوا من العودة. و لا يعطى لهم هذا المبلغ الأخير على الحدود، إلا ليتأكدوا من أنهم سيغادرون البلاد و لن يتحمل نفقتهم أكثر. و عرفت بعض هؤلاء المتسولين الطفيليين، فضلا عن يوناني مرتد من عامة الشعب في بيت الفقيه، حصل على كمبيالة بعشرة دراهم يدفعها له صاحب الدولة في الحديدة، بعد أن أقام لفترة طويلة في صنعاء على نفقة الإمام. كما عرفت تركيا عمل في القاهرة لحساب شخص يدعى عبد الرحمن كخيا، و تبع سيده إلى مكة، ثم توجه من جدة إلى الحديدة و منها إلى صنعاء على أمل أن يعيّنه الإمام في منصب رفيع في جيشه، إذ يعتبر الأتراك أنفسهم بارعين للغاية في ركوب الخيل و في الحرب، و يظنون أن عرب اليمن محظوظون إن تمكنوا من ضمّ ضابط تركي إلى جيوشهم. لكن الإمام أنفق عليه لفترة في صنعاء، و أرسله عائدا إلى الحديدة، كما خصص له مبلغا من المال ليعود إلى البصرة. و رأيت هذا التركي عند عودتي من الهند في قافلتنا المتوجهة من ديار بكر إلى حلب، فروى لي أنه توجه من الحديدة إلى البصرة على متن أحد مراكب مسقط التي تقوم سنويا برحلة إلى اليمن لشراء البن، و أنه رأى كافة المرافى‏ء الواقعة إلى جنوب شبه الجزيرة، و أن الطريق ليست أخطر من الطريق المؤدية من جدة إلى اليمن. و أدرجت هذه الملاحظة للمسافرين الذين يعتبرون أن هذه الطريق لا يمكن سلوكها.

341

الرحلة من صنعاء إلى المخا

غادرنا صنعاء في 26 تموز/ يوليو، و قطعنا مسافة ميلين و 7/ 8 الميل نحو الجنوب الغربي، كانت الطريق و عرة و الجبال جرداء قاحلة. أما القرى التي رأيناها فهي أسوّر(Assur) و تقع على جبل يحمل الاسم نفسه، و يحطنة(Ochte ?na) ، و المسائل(El Mis kil) ، و مند(Mund) ، و نزلنا في قرية موطن(Mo ?ttene) .

في اليوم التالي 27 تموز/ يوليو، سلكنا أسوأ طريق عرفته في اليمن، إذ يمرّ عبر جبال صخرية، و لم يصلّح منذ قرن، و نجد على هذا الجبل قرية حقيرة تدعى يافل(Yafil) . و تبعد قرية بعن(Bo n) ميلا واحدا عن موطن، و حالها ليست أفضل من الأخرى، لكن نجد فيها نزلا مبنيا من الحجارة، و يقام قربها سوق يوم الجمعة. يجري قرب هذه القرية جدول صغير، يتوجه نحو الشرق، لكنه لا يلبث أن يغيّر اتجاهه، و يلتقي بجداول أخرى فيعظم و يحمل اسم خان(Schan) . و تبعد بعن عن سوق الخميس حوالي ميل و نصف و بالتالي تبعد موطن عن هذا المكان ميلين و 2/ 8 الميل إلى الجنوب الغربي تقريبا. و يحاذي جزء كبير من هذا الدرب جبالا جرداء، تحيط بها و ديان و قرى عدة من الجهة الجنوبية، لكني لم أعرف سوى اسم قرية واحدة و هي كملان(Kamelan) . و يقام في سوق الخميس سوق كل نهار خميس، و نجد فيها نزلا كبيرا، و مجلسا قرب القرية (خزانات مياه صغيرة للمسافرين)، و هو أول مجلس صادفته خلال هذه الرحلة.

و تتبع هذه القرية إقليم حيم(Heim) الواقع إلى الشمال الغربي من هذا المكان، و يحاذيها إقليم بلاد عنز في الجنوب الشرقي.

و سرنا في 28 تموز/ يوليو، في طريق منحدر للغاية، تعلو هذه الجبال بعض النباتات و الأشجار، و صادفنا على هذه الطريق إبلا محملة بخشب سيى‏ء للتدفئة تتجه نحو صنعاء. و لم نقطع في ذاك اليوم أكثر من ميل و 3/ 8 الميل من قرية خميس و حتى موفاق. و لم نر على هذه الدرب سوى قرية واحدة تحمل اسم حدين(Hadein) و مجلس يقوم بقربها. و عند الواحدة بعد الظهر، اجتاحت جحافل الجراد المنطقة لكن هبّت عاصفة قوية ترافقت مع أمطار غزيرة استمرت طوال الليل فأبعدتها.

تقع مدينة موفاق الصغيرة على قنّة جبل وعر، و نجد على سفحه بعض المنازل التي يأوي إليها المسافرون عادة، و هي على خط عرض 15؟، 6؟. يقيم في المدينة صاحب الدولة الذي يقدم حسابا عن إيرادات هذه المقاطعة لأحد أبناء الإمام، لكن الحامية و القضاء خاضعان للإمام. و أوفدنا خادم صاحب الدولة في تعز و خادم قاضيها ليحملا رسالة الإمام إلى صاحب الدولة في المدينة، فحضّر الجمال اللازمة

342

لإكمال رحلتنا إلى بيت الفقيه، و قدّم العشاء لخدمنا و حصلنا على علف لحميرنا، و رأس غنم لعشائنا، كما دفع إيجاز منزلنا.

في 29 تموز/ يوليو، توجهنا من موفاق إلى سهّان(Seh n) ، فسرنا ميلين و 5/ 8 الميل إلى الجنوب الغربي تقريبا. يحاذي الدرب الجبال حينا، و يمر فوقها حينا آخر، لكنه سيى‏ء معظم الوقت فاحتجنا إلى خمس ساعات على الحمير، و احتاجت الجمال لثماني ساعات لقطعه. و تقع قرية جراني(Dsjurani) قرب موفاق، فيما تفصل مسافة قصيرة بين سهان و قريتي يوان(Yoan) و منقلا(M ngala) . و نجد بين موفاق و سهان، ستة خزانات كبيرة، تتجمع فيها مياه الأمطار لتستخدم للشرب لكنها غير صالحة في بعض المواسم لأن الخزانات نادرا ما تنظف، و لا تغطى أبدا. و هبت عاصفة هوجاء، بعد الظهر، ترافقت مع سقوط أمطار و برد كثيف.

و رأينا في ذاك اليوم، عائلة متشردة، و هي المرة الأولى التي نصادف عائلة كهذه في اليمن، و لم يكن يملك هؤلاء أيّ خيام، إنما يكتفون بالتخييم تحت شجرة ما، و يجرّون وراءهم الحمير و الكلاب و الغنم و الدجاج.

و نسيت أن أسأل عن الاسم الذي يطلق على هذه الجماعات التي تشبه إلى حدّ بعيد جماعات الغجر، لأنهم لا يبقون مطولا في المكان عينه، بل ينتقلون من قرية إلى قرية يتسولون و يسرقون. و يتصدق عليهم الفلاحون بطيب خاطر كي يتخلصوا منهم بسرعة، و تقدمت منا فتاة حاسرة عن وجهها طالبة منّا حسنة.

في 30 تموز/ يوليو، غادرنا سهان، و كان إقليم موفاق إلى الجنوب الشرقي من الدرب التي سلكناها، فيما كان الجبل و إقليم حرّاث(Harras) إلى الشمال الغربي. و أخذ الدرب يسوء، لكنه تحسّن فيما بعد، و أصبح متعرجا حول الجبال إلى الجنوب الغربي تقريبا. و تقع حالسي(Halesi) على جبل حراث قرب سهان، و بعد ساعة، وصلنا إلى معبر ضيّق بالكاد يمرّ منه جمل واحد. نجد على جهتي هذا الدرب صخورا و عرة، و قد حفرت مياه الأمطار التي سقطت بغزارة في الليلة الماضية، في هذا المضيق حفرة بلغ عمقها سبع إلى ثماني أقدام، مما جعل عبوره مستحيلا على جمالنا و حميرنا. و فقد العرب الذين يرافقوننا الأمل بالوصول، و بغياب أي سبيل آخر في الجوار، رأى معظمهم أنّ علينا العودة إلى صنعاء، و منها إلى ذمار و تعز. لكن بما أننا لم نشأ سلوك هذه الدرب الطويلة، و بما أنّ الوقت لا يسمح لنا بذلك، قررنا إقامة جسر فوق هذه الحفرة، فتفاجأ العرب من مشروع كهذا، ظنّا منهم أنه يتطلب على الأقل يومي عمل.

و باشرنا بالعمل، فأخذنا نجمع الحجارة، و ساعدونا بعد أن رجونا بعضهم و قطعنا و عودا للبعض الآخر، و بعد ساعتين و نصف من العمل الجاد، تمكنّت جمالنا و حميرنا من المرور. و يعتقد العرب الذين يرافقوننا، أن صاحب الدولة الأول في اليمن، لو وصل إلى هذا المعبر لفضّل العودة إلى صنعاء على القيام بعمل كهذا.

و على مسافة قريبة من هذا المكان، وصلنا إلى مقهى يدعى أدورة(Eddora) ، و وقفنا قربه على أرض‏

343

مزروعة بالبن، و هي الأولى التي أراها منذ 29 آذار/ مارس. و أمضينا الليلة في قرية بائسة تدعى سمفور(Samfچ‏r) ، بنيت منازلها من حجارة مكوّمة، و غطّت السطوح بالقصب، و بالتالي ليست مسطحة بل على الطراز الأوروبي، و رأينا هنا كما في تهامة هياكل أسرّة تأخذ شكل الأرائك. و تقع القرية على بعد ميلين و 3/ 4 الميل من سهان. و يحمل النهر الصغير، الذي رأيناه قرب بعن، هنا اسم وادي سهان، و كانت مياهه كثيرة فقطعناه بصعوبة على ظهور حميرنا، و يجري هنا أيضا بين الصخور، لكن مجراه عريض.

و فقدت البوصلة في مأوانا في سمفور، لذا لم أتمكن من تحديد موقع الأمكنة بدقة من هنا و حتى بيت الفقيه كما لم أتمكن من ذلك على الدروب المتعرجة من صنعاء إلى هذا المكان. و أعتقد أننا في 31 تموز/ يوليو، توجهنا نحو الغرب. حيث تبعد سمفور عن مقهى يدعى كعبة(K ba) نصف ميل تقريبا، لكن الطريق غير سالكة في هذا الفصل لعمق المياه و سرعتها في الأماكن التي تلتطم فيها بالصخور الوعرة. و لا يتوفر الأمان في هذه المنطقة على الطرقات، لذا اضطررنا للبقاء قرب متاعنا. و ينفصل الطريق المؤدي من صنعاء إلى مخيّة هنا عن ذاك المؤدي إلى بيت الفقيه، و يجري النهر نحو الشمال. و تبعد كعبة عن فيل(Fil) حوالي ميل و نصف الميل، و رأينا على هذه الدرب الكثير من البيلسان الذي ينمو من دون زراعة لأن سكان اليمن لا يعرفون فوائده.

و صادفنا في نزل فيل عددا من الحجاج العائدين من مكة، و من بينهم عربي من مدينة دوان(Doan) الواقعة على بعد 25 يوم سفر إلى الشرق من صنعاء بحسب ما قيل لي، و على بعد 12 يوم من كشين(Keschin) ، و بالتالي في منطقة لا يعرفها الأوروبيون إطلاقا. و أسفت لأني لم أتمكن من البقاء مع هذا العربي لوقت طويل، و لأن لغته بدت لي غريبة. و بدا لي أنه لا يعرف فقط موطنه حضرموت بل يعرف مناطق أخرى بعيدة كالحبشة(Habbesch) التي عاد منها للتو. و يبعد مقهى فيل عن هجير(Hadsjir) 3/ 4 الميل، و يمرّ الدرب عبر واد أخضر، يحمل اسم سير(Seir) ، حيث تصبّ المياه من الجبال المجاورة، بعد تساقط الأمطار الغزيرة، في وادي سهان. و تقع هجير على جبل في إقليم جابي(Dsje ?bi) ، و نجد فيها نزلا جيدا و مسجدا و الثاني مياه الشرب للماشية، و تستخدم مياه الثالث للاغتسال و التنظيف. و يغطي الاخضرار هذه المنطقة كما تقوم فوق الجبال قرى كبيرة، و تبعد سمفور عن هجير ميلين و 3/ 4 الميل استنادا إلى الحسابات السابقة.

في الأول من شهر تموز/ يوليو 1763، وصلنا موضعا بعيدا بعض الشي‏ء عن هجير، حيث ألفينا نبعا ضخما يشكل جدولا، لكنه لا يلبث أن يضيع في وسط الدرب على بعد حوالي 200 خطوة مزدوجة (*)، ثم يعود و يظهر من جديد بحجم أكبر، و يقطعه بعد ذلك حجر عريض، فيكمل جريانه من جهة فيما يضيع القسم الآخر في الرمل، و لا يختفي الساعد الأول كليا بقدر ما رأينا، لكن المنسوب يتراجع فيه للغاية، فلا

____________

(*) السؤال‏XCIV من أسئلة السيد ميكائيليس.

344

شك أن جزءا من الجدول يضيع تحت الأرض، و لعلنا لم نكن لنراه أبدا في هذه الأمكنة لو أتيناها في غير موسم الأمطار. و يجري هذا الجدول المسمى قلاب(Kul be) من الجبل، و يتوزع في تهامة على الأرياف المحيطة، ثم يختفي كليا، و بالتالي لا يصل إلى الخليج العربي علما أن الآثار التي يتركها على الصخور تشير إلى أنه يعظم كثيرا في هذا الأقليم، بعد أن تتساقط الأمطار بغزارة و لوقت طويل.

و تبعد هجير عن مقهى يحمل اسم أبي كرش ميلا و 3/ 4 الميل إلى الغرب و الجنوب الغربي انحدارا، و يؤدي هذا الدرب إلى منحدر صعب على بعد ميل و 3/ 4 الميل، و يمرّ عبر وادي كلاب(Wadi Kul be) حتى حدود تهامة. نرى بعض الجبال الصغيرة بين الحين و الآخر إلى الشمال، و تغطي المنطقة الذرة التي يصنع منها العامة في اليمن خبزهم. بيني العرب في المناطق الجبلية خياما في الأشجار لحراسة حقولهم، فيما يجعلون لها في تهامة أربعة قوائم مرتفعة للغاية يعلوها سقف‏ (*).

بعد أن تركنا المكان المذكور آنفا، اتجهنا نحو الجنوب الغربي، و وصلنا حدود تهامة، و بعد ميل و نصف الميل بلغنا مقهى أنجور(Andsjor) ، بعد أن قطعنا وادي رما(Rema) . و بعد تساقط الأمطار، يلتقي هذا الوادي بوادي حنش و يحملان معا اسم وادي عباسي(Wadi Abassi) الذي يصب في الخليج. و تتكوّن الجبال، في بلاد انجور، من حجارة مخمّسة الزوايا كتلك التي رأيتها في 19 آذار/ مارس في كحم(Kachme) و في 21 آذار/ مارس على جبال البن قرب هادي(Hadie) ، و انفصلت بعض هذه الحجارة عن الجبال و تجمعت على سفحها حيث وجدناها. قطعنا 7/ 8 الميل لنصل من أنجور إلى قرية متاهن(Matt hen) ، و رأينا بين هذين المكانين، واديا صغيرا، يختفي لا حقا و لا يصل إلى البحر. و تركنا بعض أعضاء البعثة و بعض الخدم مع المتاع في متاهن، و ركبنا حميرا استأجرناها هنا، و قطعنا في تلك الليلة ميلين و نصف الميل لنصل إلى بيت الفقيه، و بالتالي سرنا في ذاك اليوم سبعة أميال و 1/ 8 الميل. و تقع بين متاهن و بيت الفقيه على القرى التالية: قتف(Kitf) ، ضرب(Djurb) أبو برثن(Abuberten) ، و رحتن(Rachten) ، فضلا عن وادي الحنش. و بما أن القسم الأكبر من بيت الفقيه التهمته النيران في 10 نيسان/ أبريل، فتوقعنا ألّا نجد سوى صحراء قاحلة، لكنهم أعادوا بناء غالبية المنازل أو على الأصح الأكواخ، كما تمّ تشييد منازل حجرية تقاوم النيران.

وصلت جمالنا إلى بيت الفقيه صباح الثاني من شهر تموز/ يوليو، و أبلغنا صاحب الدولة بوصولنا، و رجوناه أن يأمر بتحضير الجمال التي نحتاجها لإكمال رحلتنا. و أراد خدمنا العرب طلب المؤن منه كي يأكلوا على حساب الإمام أو على الأرجح على حساب أهالي المنطقة و كي يظهروا مكانتنا الرفيعة عند الإمام في صنعاء، لكن بما أن هذه المدينة أحسنت استقبالنا من قبل و قدمت لنا المساعدة، لم نسمح لهم بذلك و اكتفينا بطلب رأس غنم.

____________

(*) وصف شبه الجزيرة العربية، اللوحةXV ، صورة «و».

345

كنت قد رأيت من قبل الطريق المؤدي من بيت الفقيه إلى المخا، و رسمت خارطة له، و نظرا إلى أن الحرارة مرتفعة للغاية في تهامة، و بالتالي مضرّة لنا بعد اعتدال المناطق الجبلية، رحنا نسافر ليلا و نرتاح أثناء النهار. و ليلة الثالث من شهر آب/ أغسطس، صادفنا على الطريق بين بيت الفقيه و زبيد، رجلان يسوقان ستة حمير محملة بالمال الذي تلقاه تجّار بيت الفقيه من مصر و تركيا لقاء البنّ الذي يرسلونه من المخا إلى خارج البلاد بغية شراء البضائع من الهند، مما يدلّ على أن أهالي هذه البلاد لا يخشون اللصوص.

في 3 آب/ أغسطس، اضطر صاحب دولة زبيد إلى تزويدنا بالمؤن و الجمال لإكمال رحلتنا إلى المخا.

و ظننا أننا سنجد منسوب المياه في وادي زبيد، في هذا الفصل من السنة، مرتفعا، فألفيناه جافا قرب المدينة، لكن تمّ تحويل المياه في الجنوب إلى بعض الحقول المحاطة بسدود عالية، حيث حفظت في حفر عميقة. و لا يدعون المياه على الأرجح تجري في وادي زبيد قبل ريّ كافة الحقول المجاورة، و قد تمّ بناء الحواجز المحيطة بالسهول المذكورة آنفا بطريقة فريدة. فبعد فلاحة الأرض، يربط العرب ثورين بثلاثة حبال أو ثلاث سلاسل حديدية يريطونها بخشبة عريضة للغاية، و تجرّ هذه الخشبة على الأرض المفلوحة لتمتلى‏ء، فينقلونها إلى الحاجز المذكور كما أظهرنا في الصورة أ من اللوحة 15 في وصف شبه الجزيرة العربية. و لم نصل شرج(Scherdsje) سوى في منتصف الليل، و بعد أن ارتحنا قليلا، أكملنا سيرنا نحو مشيد(Mauschid) ، التي غادرناها في 4 آب/ أغسطس عند المغيب، و دخلنا المخا في الخامس من الشهر نفسه عند التاسعة صباحا و قد أضنانا التعب.

و استعجلنا في رحلتنا كي لا يفوتنا المركب الذي ننوي مغادرة البلاد على متنه، لكنه لم يكن بإمكانه أن يبحر بالسرعة التي تصورناها، و هكذا وصلنا باكرا إلى هذا الطقس المحرق. و كنت مريضا للغاية و في 8 آب/ أغسطس و بعد أيام، لزم رسامنا السيد بورنفايند الفراش، و لحقه السيد كرامر فضلا عن كافة خدمنا الأوروبيين. و التقينا هنا صديقنا السيد فر. سكوت(FR .Scott) ، الذي أمّن لنا مرطبات أوروبية متنوعة أفادتنا في حالتنا هذه أكثر من أي دواء كنّا لنتناوله لو اضطررنا للعيش كالعرب.

و تقع مدينة المخا على خط العرض 13؟، 19؟، في منطقة جافة و جرداء لافتقارها للأمطار، و يحيط بها سور. و نجد بين المخا و بئر بليل(Beleile) كما نجد على طرفي المرفأ، قلعتين مماثلتين مزودتين ببعض المدافع. و تسمى الواقعة إلى الشمال قلعة الطيّار(Kall Tei r) ، تيمننا بولي مسلم دفن في مكان قريب، و هي القلعة الأهم و الأعظم، أما القلعة الأخرى فصغيرة، و نظرا لأن ضريح أحد أولاد الشيخ الشاذلي قريب منها حملت اسمه و هي قلعة عبد عرب(Kall Abed Urr b)

و بني قسم من المنازل الواقعة في حرم هذه الأسوار من الحجر، و بعضها شيّد بشكل متين و جميل على طراز المنازل التي رأيناها في بئر القصب و التي رسمناها على اللوحة(LXVIII) . لكن شاهدنا داخل المدينة و خارجها منازل حقيرة كالأكواخ العادية في تهامة و التي رسمنا نموذجا عنها على اللوحة الأولى في‏

346

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

347

وصف شبه الجزيرة العربية، كما نجد خارج المدينة العديد من أشجار البلح التي تتوسطها حدائق غنّاء منسّقة. و لقد رسمت خارطة مدينة المخا و محيطها على اللوحة(LXXII) ، و تجدر الإشارة إلى أنني لم أقس إلّا حرم سور المدينة المرسوم قرب الحرف أ، و استنادا إلى سلم خارطة القاهرة. و قد أمّن لي شخص إنكليزي خارطة المرفأ و معلومات حول العمق المسجّل للمياه. و تدل الأرقام المدوّنة على الخارطة على ما يلي: 1) باب العامود(B b el Amudi) ، 2) باب شاذلي(B b Sch deli) ، 3) باب صغير(B b )Sagair) ، 4) باب صندل(B b Sandel) ، 5) باب الساحل(B b Sahhel) ، 6) مقر إقامة صاحب الدولة، 7) مقبرة الأوروبيين حيث دفن السيد دوهافن، 8) الأبراج أو القلاع الصغيرة على طريق موسى، 9) طريق بيت الفقيه.

و اعتدت زيارة الإنكليز في المخا أكثر من العرب، لذا لم أقم باكتشافات دقيقة حول قدم المدينة، لكن من المؤكد أن المخا من المدن الجديدة في تهامة و أن عمرها لا يتعدى 400 عام. و يقال إنه في ذاك الوقت، كان يعيش في المنطقة رجل وحيد شهير يدعى الشيخ الشاذلي و يعتبر مؤسس المدينة. و قد اشتهر بزهده و تقواه، فأخذت الجموع تؤمّ المكان للاستماع لتعاليمه. و رووا لي قصة عنه تقول إن مركبا قادما من الهند و متوجها إلى جدة، رسا في الجوار، و رأى البحارة كوخا منفردا في هذه الصحراء فدفعهم الفضول إلى النزول إلى اليابسة و استقبل الشيخ زواره أحسن استقبال، و قدم لهم القهوة و هي شراب يحبه كثيرا و يعزو إلى منافع عديدة، و اعتبر الهنود الذين لم يألفوا القهوة هذا الشراب الساخن علاجا، و ظنّوا أنه سيساعد على شفاء التاجر صاحب مركبهم، و أكّد لهم الشيخ شاذلي أن هذا الشراب و صلاته لن يشفيا المريض و حسب بل سيؤمنان له ربحا عظيما إن أنزل بضائعه. و تنبأ في اليوم نفسه، أن مدينة تجارية ستبنى يوما ما في هذا المكان، و أن الهنود سيقصدونها لبيع قسم كبير من بضائعهم. و بدا هذا الكلام فريدا بالنسبة للتاجر الذي أراد أن ينقل في اليوم التالي إلى اليابسة كي يرى بنفسه هذا الرجل المميز و يتحدث معه.

و في اليوم نفسه، زار الكثير من العرب هذا الزاهد لسماع أقواله، و كان التاجر قد شرب القهوة التي حضّرها له الشيخ و أحسّ بتحسن. و من بين الوفود التي زارت الشيخ العديد من التجار الذين اشتروا حمولة المركب كلها، فعاد التاجر إلى الهند سعيدا، و ذاع صيت الشيخ بين مواطنيه. و بني قرب كوخ الشيخ العديد من الأكواخ الأخرى و ازداد عدد التجار الذين يقصدون المكان عبر البر و عدد المراكب التي ترسو قربه، فتكونت قرية ثم تحولت إلى مدينة المخا التجارية المعروفة. و تمّ تشييد مسجد كبير يحمل اسم الشيخ شاذلي فوق ضريحه الواقع خارج المدينة. كما يطلق اسمه على البئر التي تؤمن المياه لعامة الشعب من الفقراء غير القادرين على دفع المال لشراء مياه أفضل، فضلا عن أحد أبواب المدينة. و تتمتع سلالته بمكانة بين الناس و يحملون لقب شيخ تيمنا به، و يقسم أبناء المخا باسمه عادة، باختصار لن ينسى هذا الشيخ طالما المخا موجودة. و أبدى تاجر من مكة، تحدثت معه مرارا في بومباي، ملاحظة حول هؤلاء الأولياء لم أكن أتوقعها من مسلم، إذ قال إن الشعب بحاجة لشي‏ء ملموس يحترمه و يخشاه، لذا يقسم‏

348

الناس باسم محمد بدلا من الله في مكة و المدينة، و لا أثق بيمين رجل من المخا إن أقسم بالله، و أصدقه إن أقسم باسم الشاذلي الذي يرى ضريحه و مسجده دوما. و لا حظت أن الشعب في جدة يقسم باسم محمد، و في المخا باسم الشاذلي، و في مشهد باسم علي، و في مشهد الحسين باسم الحسين.

و لا يعتبر الشاذلي شفيع المخا و حسب، بل شفيع أصحاب المقاهي المسلمين من أتباع المذهب السني كلهم. و يقال إنهم يقرؤون الفاتحة كل صباح على روحه، و لا يعني ذلك أنهم يتضرعون إليه، إنما يشكرون الله لأنه علّم الإنسان استخدام القهوة عن طريق الشيخ الشاذلي، و يرجون منه أن يرحم الشيخ المذكور و آله‏ (*).

المخا هي آخر مدينة يمنية بقيت تحت سيطرة الأتراك، و يقال إن العرب لم يستردوها بقوة السلاح إنما اشتروها، و منذ ذلك الحين و هي تخضع للأئمة. جمع أحد أصحاب الدولة في هذا الأقليم الكثير من الثروات، و أمر بحفر خندق حول المدينة، لكنه طمر فيما بعد، ثم حصّن المدينة، و أظهر ميلا إلى الاستقلال فزجّ في السجن. و منذ ذلك الوقت، لا يبقى صاحب الدولة في هذا الأقليم الغني في منصبه أكثر من عامين أو ثلاثة. و يضطر إلى تقديم حساباته سنويا بعد الموسم‏ (**)، و ينتظر عندها فإما أن تجدد ولايته لعام آخر و إما يتم استدعاؤه مباشرة إلى صنعاء. و لم أعرف الكثير عن تاريخ المخا، و جلّ ما عرفته هو أن الفرنسيين قاموا بقصفها مرة، و سأورد لكم سبب ذلك: يسحب صاحب الدولة هنا غالبا، لحساب الإمام، بضائع من الهند من التجّار الذين ترسو سفنهم هنا، أكثر مما يتطلب رسم الجمارك و الرسومات الأخرى التي يتوجب عليهم دفعها، و يعد كل مرة بأن ديون الإمام ستحسم في العام التالي من رسوم الدخول، لكن هذه الديون تتراكم أكثر فأكثر. و بلغت ديون الإمام للشركة الفرنسية للهند الشرقية 82000 درهم، و بما أنها أرادت الحصول على المبلغ، من دون أن تستخدم أساليب تفقدها تجارتها في المخا، أرسلت في العام 1738 سفنها التجارية ترافقها سفينة حربية. و أعلم القبطان صاحب الدولة أنهم قصدوا البلاد لبيع بضائعهم، لكنهم لن ينزلوها إلى اليابسة ما لم يقبضوا الديون السابقة، فحاول صاحب الدولة استمالتهم بالكلام المعسول و إقناعهم بإنزال البضائع أولا. لكن الفرنسيين أظهروا ما كان‏

____________

(*) و نجد في البصرة و بغداد و في كافة المدن السنيّة على الأرجح، شفيعا لكل فئة من العمّال، فسلمان باك‏(Salman P k) مثلا، الذي يقال إنه كان حلّاق محمد، التاريخ العالمي المعاصر، الجزء الأول، القسم 71. النسخة الألمانية. هو شفيع الحلاقين الذين يزورون، سنويا و في يوم محدد، قبره الموجود في المدائن‏(El Madeini) و هي مدينة اشتهرت فيما مضى لكن لم يبق منها سوى البقايا التي نشاهدها على بعد ميل من بغداد. و داود أو دايفيد هو شفيع الحدادين إذ ورد ذكره في الفصل 21 من القرآن على أنه أول من اخترع الشكّة. النبي نتيث‏(Schid) هو شفيع الحائكين. إبراهيم الخليل شفيع البنائين و الطباخين. النبي إدريس هو شفيع الخيّاطين. حبيب الذي نجد قبره في منطقة بغداد هو شفيع النجّارين. النبي جرجس‏(Gorgis) هو شفيع النحّاسين، محمد اليمني هو شفيع الحذائين، محمد الجواد هو شفيع اللحامين.

(**) يسمى موسم في اليمن الزمن الذي يشمل الأشهر الأربعة التالية: نيسان/ أبريل، أيار/ مايو، حزيران/ يونيو و تموز/ يوليو، و اعتادت سفن الهند الإبحار خلال هذا الوقت.

349

بمقدورهم، و قصفوا القلعة الشمالية قبل أن يفكر العرب جديا باستخدام العنف. و استؤنفت بعد ذلك المفاوضات و اعتذر صاحب الدولة معللا أنه لا يملك المال و لا أمرا من الإمام بدفع الديون المذكورة، و طلب مهلة مدتها 15 يوما حتى يتلقى ردا من الإمام. و بعد انتهاء المهلة، أطلق الفرنسيون قذيفة نحو منزل صاحب الدولة فقتلوا عربيا، و لم يؤدّ ذلك إلى أية نتيجة، فاستهدفوا المسجد يوم الجمعة فيما كان صاحب الدولة يؤدي صلاته، و قتلوا بعض العرب. عندها فقد المواطنون، الذين دفعوا دين الإمام من دمهم، صبرهم و أجبروا الحكومة على اتخاذ تدابير ترضي العدو. و بعد إقرار المعاهدة، أنزل الفرنسيون بضائعهم و استأنفوا تجارتهم كالمعتاد، و لم يفقدوا سوى أحد الربابنة الذي قتل أثناء نومه أمام باب منزله، على يد جندي مات أحد أهله أثناء القصف فثأر له. (وصف شبه الجزيرة العربية).

و نرى مما تقدم أن صاحب الدولة الذي كان عاجزا عن الدفاع عن نفسه فعل ما بمقدوره لخدمة سيده، لكن الإمام لم يسرّ بما حصل فصادر قصر الأول في صنعاء (*). كما لم يسترد تجار من المخا قدموا مبلغا كبيرا لإرضاء الفرنسيين المال الذي دفعوه حتى تاريخ وجودنا في المدينة.

و يتذكر العديدون هذه المواجهات، لا سيّما قنابل النار، على حدّ تعبيرهم، التي لا حقت صاحب الدولة، و قد كوّن العرب فكرة عظيمة عن طريقة الأوروبيين في خوض الحروب. و لو شنت دولة أوروبية هجوما كهذا على مدينة تركية لما سلمت الأمم الأوروبية الأخرى الموجودة في المدينة من غضب الشعب، و الدليل على ذلك أنه ما إن يقترب مركب من مالطا من مدينة يافا، حتى يدفع رهبان المدينة جزيات كبيرة. لكن الإنكليز و الهولنديين الذين كانوا في المخا عند وصول الفرنسيين بقوا في أمان و لم يتعرضوا للأذية.

لم أسمع بمسيحيين شرقيين يقيمون في المخا أو في أيّ مدينة أخرى في اليمن، إنما نجد فيها يهودا يعيشون خارج الأسوار كما في تعز، و جبلة و صنعاء و غيرها. كما يعيش في المخا حاليا من 600 إلى 700 بانياني و هندي من الطوائف الأخرى. يعمل قسم منهم في التجارة فيما يكسب القسم الآخر رزقه من مزاولة بعض الحرف و الأعمال الصغيرة، و يبقى هؤلاء في اليمن لسنوات، لكن بما أنه لا يسمح لهم باستقدام زوجاتهم، يعودون إلى بلادهم ما إن يجمعوا ثروة. و تحتفظ الشركة الإنكليزية للهند الكبرى ببعض البيوت المستأجرة في المخا و بيت الفقيه علما أنها لا ترسل عادة سوى مركب واحد لتحميل البن كل سنتين. و لعل تجارتهم في الخليج العربي لا تدرّ عليهم أرباحا كثيرة، لكن التجار الإنكليز في الهند يجنون أرباحا طائلة منها، و وصلت إلى المخا هذه السنة، لحسابهم، سفينتان من البنغال، و واحدة من بومباي و أخرى من سورات فضلا عن مركب أبحر من سورات تحت إمرة قبطان إنكليزي، كما أرسل الإنكليز في السنة نفسها من الهند ثلاثة مراكب إلى جدة. و قد تركوا تاجرا في المخا لسنوات، لكنه‏

____________

(*) كان هذا القصر يحمل اسم دار مخا، فأطلق الإمام منصور عليه لا حقا اسم دار السودان و هو الاسم الذي يعرف به حاليا.

350

تعرّض يوما لسوء معاملة من قبل السكان بغياب السفن، فقرر التجار بعد ذلك العودة إلى الهند سنويا و ترك البضائع غير المباعة مع الوسطاء. و لم يبحر الفرنسيون في الخليج العربي منذ سبع سنوات بسبب حربهم ضد إنكلترا، لكنهم يدفعون بدل إيجار المنازل التي يقيمون فيها عادة في المخا و بيت الفقيه عن طريق عميلهم في اليمن، و هو رجل بانياني. أما الهولنديون فقد أشرنا سابقا إلى أنهم أرسلوا مركبين إلى المخا منذ عامين، فيما لم يعد البرتغاليون، الذين اشتهروا في الماضي بتجارتهم في الخليج العربي، يرسلون سفنهم إلى المنطقة.

جئت سابقا على ذكر التجارة و القياسات و الأوزان في المخا في وصف شبه الجزيرة العربية. إن التجارة فيها لا يستهان بها، و تدرّ الكثير من الأموال على جمارك الإمام، و يضطر العرب و الأتراك و الهنود إلى نقل بضائعهم إلى المكتب مباشرة، و إخضاعها للتفتيش، فضلا عن دفع 8 إلى 10 بالمئة من قيمتها، وفقا للنسبة التي يحلو للموظف أن يحددها. و لا يدفع الأوروبيون سوى ثلاثة بالمئة من قيمة البضائع كلها التي ينقلونها من أوروبا و البنغال و الصين إلى المخا، و يحق لهم نقل بضائعهم مباشرة إلى محالهم فيقوم الموظفون بتفتيشها هناك. و منذ أن عظمت سلطة الإنكليز على شواطى‏ء مالابار، و أخذ تجارهم يرسلون من بومباي و سورات إلى المخا البضائع على متن مراكبهم، بعد أن كانت المراكب الهندية تنقلها، أصبحوا يدفعون ثلاثة بالمئة كرسم لدخولها. لكن يضطر تجار المخا إلى دفع الثلاثة بالمئة المتبقية، و هكذا يحافظ العرب على اتفاقاتهم مع الأوروبيين، معززين بالوقت نفسه انتشار التجارة الإنكليزية. و يدفع الأوروبيون ثلاثة بالمئة على تصدير البن و على توضيبه، كما تضطر المراكب التي ترسو هنا إلى دفع رسم تبلغ قيمته بضع مئات الدراهم فضلا عن رسوم الجمارك، و يراعي العرب في فرض هذا الرسم حجم المركب و عدد أشرعته فيدفع مركب بثلاثة أشرعة ضعف ما يدفعه مركب بشراعين و إن كان بالحجم نفسه تقريبا. لكن يحصل التاجر الذي يحمّل هنا مركبا أوروبيا بالبن على مكافأة قيمتها 400 درهم من صاحب دولة المخا.

و استنادا إلى ملاحظات عربية، يهبّ الهواء في المنطقة دوريا ستة أشهر من الشمال و ستة أخرى من الجنوب، لكن هذا لا يعني أنهم لا يعرفون رياحا أخرى، ففي شهر آب/ أغسطس، تهبّ الرياح الشمالية، لكنها تتحول أحيانا إلى غربية، و أحيانا أخرى إلى جنوبية غربية، حتى أنها تستحيل جنوبية. و اضطرت السفن الهندية التي كانت تستعد للتوجه إلى جدة و العودة في العام نفسه إلى الهند، إلى الإرساء في المخا، كما وصلت إلى المخا سفينتان من سورات بقيادة مسلمين، و أخرى من البنغال بقيادة ربان إنكليزي، في السنة نفسها لكن في وقت لا حق، و لم تتمكن سوى السفينة الأخيرة من الوصول إلى مرفأ جدة لأن قبطانها توجه نحو عرض البحر في وسط الخليج العربي. أما الأخيرتان اللتان أبحرتا في الوقت نفسه من المخا فاضطرتا إلى العودة إلى هذا المرفأ و إلى الانتظار بضعة أشهر حتى تهبّ الرياح الجنوبية.

351

أما بالنسبة للسفن الإنكليزية الأربع التي كانت في المخا هذه السنة، فقد غادرت ثلاث منها نحو الهند عند عودتنا من صنعاء، و عادت أولى السفن التي أبحرت نحو جدة في 9 آب/ أغسطس، و الثانية في 10 و الأخيرة في 17 من الشهر عينه إلى المخا على أن تعاود الإبحار نحو الهند. و بما أن العرب لا يملكون سوى البن يبادلون به البضائع الأوروبية، و بما أن الهنود لا يستسيغون هذا الشراب كثيرا، عادت السفن بأغلبها إلى الهند شبه فارغة، إلا أن السفن الأخيرة تكسب أكثر عند عودتها منها عند رحيلها، لأن تجار المدينة يؤجلون إرسال ثمن البضائع الهندية حتى تبحر آخر سفينة (*)، لذا حمل المركب الأخير القادم من جدة على متنه حوالي مليون قرش من جدة نقدا، فيما حمل المركب الذي انتقلنا على متنه إلى المخا 250000 درهم نقدا، و قد كلّف نقل هذه المبالغ الضخمة الكثير من المال.

و تتألف هذه المبالغ من عملة البندقية و عملة ألمانيا و عملة الأمبراطور و بالتالي من أموال أوروبية، و يمكننا أن نتصور بسهولة أن السفن الإنكليزية و الهندية الأخرى حملت معها مبالغ طائلة من جدة و المخا، كما تعود المراكب من البصرة إلى الهند محملة بالنقود التي انتقلت قبل ذلك من أوروبا إلى تركيا. و إذا ما لا حظنا كمية النقود التي تنتقل سنويا من أوروبا إلى الهند و إلى الصين، هل ينبغي أن نستغرب إذا ما فقدت أوروبا مخزونها من الذهب و الفضة، إذا ما استثنينا كنوز أميركا؟

ذكرت سابقا الأمم الأوروبية التي تاجرت و لا زالت تتاجر مع المخا، و التي تتمتع بامتيازات فيما يتعلق برسوم الدخول لا ينالها المسلمون، و إذا ما فكرت أمّة أوروبية أخرى بإرسال سفن إلى المنطقة، يسهل عليها نيل التسهيلات نفسها. و عند وصول سفينة غريبة إلى مرفأ المخا، لا ينبغي أن تحيي بطلقة مدفع إنما عليها رفع علمها، فيرسل صاحب الدولة مركبا للاستطلاع و لمعرفة سبب قدومها البلاد. و إذا ما تعرض القبطان لبعض المصاعب، عليه أن يكتفي بالقول إن هدفه هو الوصول إلى الحديدة و إلى مخية، و هذا ما لا يقبله صاحب الدولة بسهولة، خوفا من أن يفقد الهدايا التي يحملها مركب كهذا، و رسوم الدخول التي يدفعها دائما. لكن الدول التي لا تملك مراكز لها في الهند، لن تجني الكثير من التجارة في الخليج العربي، إذ إن البضائع الأوروبية التي يستخدمها العرب قليلة. و ينبغي أن يحمل الأوروبيون، الذين يتاجرون مع المخا، معهم بضائع من الهند، و لا يجدون ما يشترونه بالمقابل سوى البن الذي يمكنهم الحصول عليه بكلفة أرخص مما لو أرسلوا سفينة إلى الخليج لهذا الهدف فقط، و ذلك من المراكب التي تحمّله كي لا تعود إلى الهند فارغة. و يتم استهلاك كمية كبيرة من الحديد في شبه الجزيرة العربية، كما ذكرت في (وصف شبه الجزيرة العربية)، و يشتريه الإنكليز من الدانمارك ثم ينقلونه إلى المخا و جدة،

____________

(*) يدفع تجار مخا ما يتوجب عليهم على ثلاث دفعات في السنة، تتراوح مهلة كل دفعة حوالي 100 يوم، الأولى من 17 أيلول/ سبتمبر إلى 23 ك 1/ ديسمبر، الثانية من 23 ك 1/ ديسمبر حتى 2 نيسان/ إبريل، و الثالثة من 3 نيسان/ إبريل و حتى 10 تموز/ يوليو، و ينبغي أن يدفع ثمن البضائع التي تشترى خلال هذه الفترة، و استنادا إلى تلك القوانين، قبل انتهاء المهلة المحددة.

352

و بالتالي يمكن للدانماركيين ممارسة تجارة مربحة كتجارة الإنكليز مع مستعمراتهم و ذلك عبر بيع حديد أوروبا، و شباك البنغال و بضائع هندية أخرى ينقلونها من ترنكبار إلى الخليج.

و ألفت انتباه كافة التجار الذين يقصدون المخا إلى ضرورة التنبّه للصرّافين المسلمين، و يمكنهم كالفرنسيين و الإنكليز التوجه إلى البانيانيين الذين نجد بينهم تجّارا أثرياء و صادقين، إذ يمكن الوثوق بوثني أكثر من مسلم. و يحاول تجار المسلمين في كافة البلاد إغاظة المسيحيين فيغضب هؤلاء و يلومونهم، عندها، يأخذ التجار بالصراخ بحجة أن المسيحي أساء الحديث عن الديانة الإسلامية، و يهددونه بالقضاء فيضطر إلى دفع المبالغ الطائلة كي ينالوا البراءة.

353

سير الرحلة من المخا إلى بومباي‏

من بين السفن الهندية و الإنكليزية كلها، التي وصلت هذه السنة إلى الخليج العربي، لم يبق هنا إلا سفينة السيد سكوت التي كنا سنغادر على متنها. كان السيد سكوت يحبذ العودة سريعا إلى الهند، خاصة و أن الرياح تشهد تغيرا ملحوظا؛ غير أن تجار المخا لم يتمكنوا من تسديد المبالغ الكبيرة التي يتوجب عليهم إرسالها إلى الهند؛ و بعد أن دفعوا أجرة السفينة، قبل السيد سكوت بتأجيل الإبحار إلى ظهر 23 آب/ أغسطس. غير أن السيد كرامر و السيد بورنفايند، و خادمنا الأوروبي، كانوا مرضى جميعا متوعكين، و لا أحد سواي قادر على السفر.

و في 23 آب/ أغسطس، استعدّ الربّان ج. مارتن للإقلاع؛ و لكن الرياح القوية منعتنا من الإبحار، كما و أن الحرارة انخفضت بصورة ملحوظة، إذ انخفض محر فهرنهايت إلى 83 درجة، بينما لم يتعد ليلا 88 درجة. و عند الرابعة من بعد الظهر، هدأت العاصفة بعض الشي‏ء، فتمكنا من الإقلاع؛ و لكنها ما لبثت أن عصفت متأخره معيقة بذلك سير السفينة. و في صباح 24 آب/ أغسطس، تحسنت حالة الطقس.

و بعد أن قست ارتفاع الشمس في خط الهاجرة، وجدت أن السفينة تقع على خط العرض 12، 5؟؟؟، و لما كنا على مسافة 10 أو 12 دقيقة شمالي باب المندب، استطعت أن أقيس عرض هذا المضيق الشهير بسهولة.

فظهر لي أن عرضه خمسة أميال في البقعة الأكثر ضيقا. و تقع في هذا المضيق جزيرة بريم(Perim) ، التي تبعد ميلا تقريبا عن الساحل الإفريقي؛ و يبلغ طول هذه الجزيرة 3/ 4 الميل، و هي تضم مرفأ كبيرا.

و مع تقدمنا جنوبا، شاهدنا قرب الشواطى‏ء الإفريقية جزرا صغيرة كثيرة، رسمتها كلها في اللوحة 20 من كتاب وصف شبه الجزيرة العربية. و لفت انتباهي ارتفاع الجبال المحاذية للساحل الإفريقي على عكس أنوف الجبال الخارجة منها و الداخلة في البحر، في شبه الجزيرة العربية. و تعبر السفن عادة القناة الواقعة بين بريم و الساحل الإفريقي؛ غير أن مجرى المياه كان قويا للغاية، و الرياح كانت عاصفة جدا ففضلنا الاتجاه نحو القناة العريضة الواقعة بين الجزيرة و الساحل الإفريقي؛ و أتيحت لنا بالتالي الفرصة للسير عكس الرياح دون أن نخشى شيئا.

و سأنقل لكم الملاحظات التي دوّنتها خلال عبوري باب المندب؛ أما بالنسبة للسؤال الذي أرسله لنا أحد الوزراء الألمان بشأن الآثار التي تثبت أن طرفي كل من شبه الجزيرة العربية و الحبشة، كانا يلتقيان في مضيق جرفته المياه أو هدمته الزلازل؛ فإنني أعترف بعجزي عن إعطائه ردا حاسما؛ و لا أظن أن الرحالة

354

على استعداد لإعطاء أجوبة مرضية على هذا السؤال و على الأسئلة الأخرى التي وجهها لنا السيد باستور، إلا بعد مراجعة دراسات الشرقيين و ملاحظاتهم‏ (*).

و لم نستطع أن نثبت بعد، تحدر الحبشيين من الأصل العربي؛ علما أنهم من الزنوج؛ و قد أكدوا لي أن العرب المقيمين غربي الخليج العربي لم يقترنوا بالحبشيات، و أنهم احتفظوا دوما ببشرتهم البيضاء. و يدّعي بعض العلماء أن الطقس الحار أدى إلى اكتشاف سلالة البرتغاليين المقيمين على الضفة الشمالية اللون الأسود؛ و شاهدت في الهند عددا من هؤلاء البرتغاليين الزنوج؛ لكن إن كان الطقس الحار يؤدي إلى اكتساب هذا اللون الأسود، لماذا احتفظ البرامانيون و البانيانيون و غيرهم من الشعوب الذين يتفادون الارتباط بالأجانب، ببشرتهم البيضاء رغم أنهم يعيشون في منطقة مناخية حارة، شأنهم شأن زنوج أفريقيا و سواحل مالابار؟ و إن تساورنا الشكوك في مسألة اختلاط العرب و الحبشيين بجيرانهم في الأيام الغابرة فعلينا أن نلقي نظرة على كتاب (وصف شبه الجزيرة العربية)، حيث و صفت مركب صيد استعمل في القرون الأولى لعبور باب المندب وصولا إلى الخليج العربي.

ثم في 25 آب/ أغسطس 1763، دخلنا في القناة التي تصل الخليج بالمحيط، على خط العرض 12؟، 19؟. كانت تقع تحت أنظارنا سواحل القارتين، فضلا عن رأس القديس أنطونيوس، الواقع على بعد 21 دقيقة من الجهة الشمالية الشرقية، أي على خط العرض 12؟، 32؟.

و في 26 منه، راقبنا السواحل الإفريقية و سواحل شبه الجزيرة العربية، انطلاقا من خط العرض 12؟، 32؟؛ و كانت الرياح تتلاءم مع خط سيرنا، حتى أننا استطعنا الانحراف قليلا نحو الشرق. و لا حظنا في 27 أننا تقدمنا شمالا بعض الشي‏ء؛ فتابعنا سيرنا بخط مستقيم، إلى أن رأينا صباح 28 الجبال على الساحل الجنوبي؛ و كنا عند الظهيرة قد بلغنا خط العرض 12؟، 0؟. أبحرنا بعد الظهر باتجاه الشرق، و لا حظت ليلا أن ارتفاع القطب لم يتعد 11؟، 58؟، علما أنني قست النسر الواقع شمالا و العقاب جنوبي السمت.

و لقد لا حظ الرحالة الآخرون، الذين وصفوا رحلتهم إلى المخا، سرعة مجرى مياه هذه القناة؛ و هذا ما أثبتته ملاحظاتنا لأنه كان يدفعنا تارة صوب الشمال و طورا صوب الجنوب؛ غير أن سرعته خفت مع طلوع النهار.

____________

(*) لما كانت أسئلة هذا العالم لم تطبع بعد، سأدرجها في كتابي هذا:

«كتب رئيس قضاة موشيم ما يلي: يقول العلماء الأولون إن الحبشيين هم من أصل عربي، راجعوا بحث كالميه حول الكتاب المقدّس، الجزء الأول. فإليكم الأسئلة التي تأتت عن هذا الرأي 1) إن كان الشعب الأول الذي بعد الطوفان قد تكوّن في هذا المكان. 2) إن تعرّض الحبشيون الأوائل للاعتداء و الطرد و النفي من قبل العرب، فهذا البلد قد عمّر ثانية. 3) متى حصل ذلك؟

4) كيف وصل العرب إلى الحبشة؟ 5) هل وصلوا برا أم بحرا؟ 6) و إن وصلوا بحرا، هل اجتازوا البحر الأبيض المتوسط، و مصر، و السودان؟ 7) هل نجد آثارا تثبت ذلك؟.