فضائل الشام‏

- محمد بن أحمد المقدسي المزيد...
398 /
205

ينشى‏ء اللّه مكانه آخر يخلفه و هم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم على مثل يقين إبراهيم (عليه السلام)، لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة و لا بكثرة الصيام و لا بحسن التخشع و لا بحسن الحلية، و لكن بصدق الورع، و حسن النية، و سلامة القلوب، و النصحية لجميع المسلمين ابتغاء مرضاة اللّه بصبر و خير و لب حليم، و بتواضع في غير مذلّة، و اعلم أنهم لا يلعنون شيئا، و لا يؤذون أحدا فوقهم، و لا يتطاولون على أحد تحتهم، و لا يحقرون، و لا يحسدون ليسوا بمتخشعين، و لا متماوتين، و لا معجبين (22/ أ) و لا يحبون الدنيا ليسوا اليوم في خشية و غدا في غفلة (1).

و روى إبراهيم بن هانى‏ء عن الإمام أحمد، قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أدري من هم؟!

و مراده بأصحاب الحديث من حفظ الحديث و علمه و عمل به، فإنه نص أيضا على أن أهل الحديث من عمل بالحديث، لا من اقتصر على طلبه.

و لا ريب أن من علم سنن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- و عمل بها و علمها الناس فهو من خلفاء الرسل، و ورثة الأنبياء، و لا أحد أحق بأن يكون من الأبدال منه، و اللّه أعلم.

و مما يشهد لذلك الأبدال، و كونهم في الشام حديث خرجه الإمام أحمد و أبو داود من حديث قتادة، عن أبي الخليل، عن صاحب له، عن أم سلمة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه و هو كاره فيبايعونه بين الركن و المقام و يبعث إليه بعث من الشام فيخف فيخسف بهم بالبيداء بين مكة و المدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه [أبدال أهل اليمن و عصابة أهل الشام‏] (2)

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 138).

(2) كذا بالأصل، و عند أحمد و أبو داود:" أبدال الشام و عصائب أهل العراق".

206

فيبايعونه ...» (1) و ذكر بقية الحديث.

و قد اختلف في تسمية هذا الرجل المتهم في إسناده، فقيل: هو مجاهد، و قيل: هو عبد اللّه بن الحارث (22/ ب) و رجحه محمد بن حاتم الرازي، و اللّه أعلم.

____________

(1) أخرجه أحمد (6/ 316)، و أبو داود (4286، 4287، 4288) من طريق قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد اللّه بن الحارث، عن أم سلمة، به.

207

الباب السابع فيما ورد في بركة الشّام‏

قال اللّه عز و جل: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها (1) و إنما أورث اللّه بني إسرائيل أرض الشام.

و قال سبحانه و تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ‏ (2).

و قال تعالى: وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ (3)، و قال تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (4).

و قال تعالى: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً (5).

روى الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، أنه قال في قوله تعالى: وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها، قال: الشام، و ما من ماء عذب إلا يخرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس‏ (6).

و روي بإسناد ضعيف، عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها (7) يعني: الأرض المقدسة أرض الشام‏ (8).

____________

(1) سورة الأعراف الآية: (137).

(2) سورة الإسراء الآية: (1).

(3) سورة الأنبياء الآية: (71).

(4) سورة الأنبياء الآية: (81).

(5) سورة سبأ الآية: (18).

(6) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 63).

(7) سورة سبأ الآية: (18).

(8) أخرجه ابن جرير في" تفسيره" (22/ 58) بإسناد ضعيف جدا.

208

و عن حسن في قوله تعالى: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، يقول: مشارق الشام (23/ أ) و مغاربها (1).

و كذا قال زيد بن أسلم، و قتادة، و سفيان‏ (2).

و قال السّدي في قوله: تعالى: تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (3) قال: أرض الشام‏ (4).

قال الوليد بن مسلم: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدّثت، أن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «إن اللّه تعالى بارك ما بين العريش و الفرات و خصّ فلسطين بالتقديس» يعني: التطهير (5).

و يروى عن كعب، قال: إن اللّه تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش‏ (6).

و عنه قال: بارك اللّه في أرض الشام من الفرات إلى العريش، و خصّ بالتقديس من أرض مصر إلى رمح‏ (7).

و عنه أنه [جاء إليه‏] (8) فقال: إني أريد الخروج ابتغي من فضل اللّه قال: عليك بالشام فإنه ما ينقص من بركة الأرضين يزاد بالشام‏ (9).

و قال عقبة بن وساج، عمن حدّثه، قال: ما ينقص من الأرض شي‏ء

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 63).

(2) انظر تاريخ دمشق (1/ 64).

(3) سورة الأنبياء الآية: (81).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 64).

(5) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 63).

(6) أخرجه الربعي رقم (19).

(7) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 64) من طريق إسماعيل بن عياش و هو ضعيف، عمن حدثه و هو مجهول عن كعب، به.

(8) في" تاريخ دمشق":" جاء إليه رجل".

(9) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 65).

209

يزاد في الشام، و ما ينقص من الشام يزاد في فلسطين‏ (1).

و قال سليمان بن عبد الرحمن: حدثنا أبو عبد الملك الجزري قال: إذا كانت الدنيا في بلاء و قحط كان الشام في رخاء و عافية، و إذا [كان الشام في بلاء و قحط كان بيت المقدس‏] (2) في رخاء و عافية.

و قال: الشام مباركة، و فلسطين مقدسة، و بيت المقدس قدس المقدس‏ (3).

و يروى عن كعب، قال: قدست ميسرة الشام مرتين (23/ ب) و قدست سائر الشام مرة واحدة.

و عن ثور بن يزيد، قال: قدس الأرض الشام، و قدس الشام فلسطين، و قدس فلسطين بيت المقدس، و قدس بيت المقدس الجبل، و قدس الجبل المسجد، و قدس المسجد القبة.

و اعلم أن البركة في الشام تشمل البركة في أمور الدين و الدنيا و لهذا سميت الأرض المقدسة، قال تعالى- حاكيا عن موسى (عليه السلام)-: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏ (4).

و لما قال النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- لأبي ذر: «كيف نصنع إن أخرجت من المدينة؟» قال: انطلق إلى الشام و الأرض المقدسة المباركة (5).

و قد أخرجه الإمام أحمد و غيره.

و في رواية الإمام أحمد قال:" الحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 64).

(2) كذا بالأصل و في" تاريخ دمشق":" إذا كان الشام في بلاء و قحط كانت فلسطين في رخاء و عافية، و إذا كانت فلسطين في بلاء و قحط كان بيت المقدس".

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 65)

(4) سورة المائدة الآية: (21).

(5) إسناده ضعيف أخرجه أحمد (5/ 178)، و ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 65) و قد تقدم برقم (13) جزء ابن عبد الهادي.

210

و أرض المحشر و أرض الأنبياء".

و كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى أرض الجهاد.

و قال قتادة: الأرض المقدسة أرض الشام.

و قال عكرمة و السّدي: هي أريحا.

و قال الكلبي: دمشق و فلسطين.

و المراد بالمقدسة المطهرة من الشرك و توابعه و لذلك كانت أرض الأنبياء.

قال ضمرة بن ربيعة: سمعت أنه لم يبعث [نبي‏] (1) إلا من الشام فإن لم يكن فيها أسري به إليها.

و روى الوليد بن مسلم: حدثنا عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «أنزل القرآن (24/ أ) في ثلاثة أمكنة: مكة، و المدينة، و الشام» (2).

قال الوليد: يعني: بيت المقدس.

أخرجه الحاكم، و قال: صحيح الإسناد كذا قال.

و في رواية: «أنزلت النبوة في ثلاثة أمكنة ...» فذكره.

و عفير بن معدان: ضعيف.

و قد سمى اللّه الشام مبوّأ صدق، قال تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ (3) قال قتادة: بوأهم الشام و بيت المقدس‏ (4).

____________

(1) زيادة لعلها ساقطة من الأصل و هي من" تاريخ دمشق" (1/ 74).

(2) منكر، أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 153) و عفير بن معدان عامة رواياته غير محفوظة و انظر الكلام على الحديث برقم (11) جزء السمعاني.

(3) سورة يونس الآية: (93).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 68).

211

و أمّا حدّ الشام: فروى الشافعي: أخبرني [عمر بن محمد بن عياش‏] (1) عن حسن بن القاسم الأزرقي، قال: وقف رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- على بنية تبوك فقال: «ما ها هنا شام» و أشار بيده إلى جهة المدينة (2).

و زعم الواقدي في" مغازيه" بغير إسناد، أن وادي القرى أول طرف الشام من جهة الحجاز، و ما وراءه إلى المدينة حجاز (3).

و زعم بعض الأئمة المتأخرين أن حدّ الشام من جهة الحجاز عقبة الصوان، قال: و تسمى المنحنا فيما فوقها شام ما تحتها حجاز.

و هو غريب لم يتابع عليه.

و قال سالم بن عبد الأعلى: حدثنا أبو الأعيس [القرني‏] (4)، و كان قد أدرك أصحاب النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: سئل عن البركة التي تدرك في الشام أين مبلغ حدّه؟ قال: أول حدوده: عريش مصر، و الحدّ الآخر جبل طرف الثنية، و الحدّ الآخر الفرات، و الحدّ الآخر (24/ ب) جبل فيه قبر هود النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- (5).

و قال أبو حاتم ابن حبان في" صحيحه": أول الشام بالس، و آخره عريش مصر (6).

____________

(1) كذا بالأصل و في" تاريخ دمشق":" عمي محمد بن العباس". و هو الصواب.

(2) أخرجه الحافظ ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 89).

(3)" المغازي" (2/ 760).

(4) كذا بالأصل، و في" تاريخ دمشق":" القرشي"

(5) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 89) من طريق سالم بن عبد الأعلى، به.

(6) أخرجه ابن حبان في" صحيحه" (16/ 295)، و أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 89) من طريق أبي القاسم الشحامي، عن أبي الحسن على بن محمد، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون، عن أبي حاتم بن حبان.

212

و يروى عن معاذ بن جبل، قال: الأرض المقدسة ما بين العريش إلى الفرات‏ (1).

و لكن إسناده لا يصح.

و قد دعا النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- للشام بالبركة.

ففي" صحيح البخاري" عن ابن عمر أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالوا: و في نجدنا. قال: «اللهم بارك لنا في شامنا و بارك لنا في يمننا». قالوا: و في نجدنا، قال: «هناك الزلازل و الفتن و بها- أو قال-: منها يخرج قرن الشيطان» (2).

و لحديث ابن عمر طرق متعددة عنه قد ذكرنا في شرح الترمذي.

و خرّج الطبراني من حديث ابن عباس، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- معناه‏ (3).

____________

(1) أخرجه الحافظ أبو القاسم بن عساكر (1/ 67) و في إسناده خالد بن معدان عن معاذ و خالد لم يسمع من معاذ كما قرره الأئمة و انظر" المراسيل" لابن أبي حاتم قال: لم يسمع من معاذ بينهما اثنان.

(2) أخرجه البخاري (7094) و قد تقدم من طرق انظر جزء ابن عبد الهادي رقم (1، 27) و انظر" تاريخ دمشق" (1/ 58- 61)

(3) أخرجه الطبراني (12/ 84- 85) و في إسناده ضعف.

213

فصل‏ و من بركتها الدينية أنها أرض الجهاد، فأهلها في جهاد و رباط و نفقتهم على أنفسهم كالنفقة في سبيل اللّه تضاعف سبعمائة ضعف و قد كتب أبو الدرداء إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة أرض الجهاد.

و كذلك كان السلف يختارون الإقامة بها للجهاد كما [فعل‏] (1) ذلك رؤساء مسلمة الفتح من قريش.

قال أرطاة بن المنذر، قال عمر: أعظم الناس أجرا رويجل بالشام (25/ أ) آخذ بلجام فرسه يكلأ من وراء بيضة المسلمين لا يدري أسبع يفترسه أم هامّة تلدغه أو عدوّ يغشاه.

و كان ابن [...] (2) و غيره من العلماء يقولون: من أراد علم السير فعليه بأهل الشام، فإنهم لكثرة جهادهم أعلم الناس بأحكام الجهاد.

و عن الشافعي قال: من أراد علم الملاحم فعليه بأهل الشام.

و قد صنّف أبو إسحاق الفزاري كتابا كبيرا في السير فيه علم كثير مما يتعلق بالجهاد لا يكاد يوجد في غيره مجموعا.

و قد ورد حديث مرفوع غريب من رواية أبي مطيع معاوية بن يحيى:

حدثنا أرطاة بن المنذر، عمن حدثه، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «أهل الشام و أزواجهم و ذرياتهم و عبيدهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون فمن نزل مدينة من المدائن فهو في رباط أو في ثغر من الثغور فهو في جهاد» (3).

____________

(1) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.

(2) ما بين المعقوفين بياض بالأصل، و لعله:" عيينة" كما عند ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 149).

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 126)، و الطبراني و انظر جزء الربعي رقم (18). و إسناده ضعيف.

214

أخرجه الطبراني و غيره.

و رواه ابن جوصا: حدثنا عمرو بن عثمان: حدثنا [ضمير] (1)، عن سعيد البجلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «ستفتح على أمتى من بعدي الشام و شيكا فإذا فتحها فاتحها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة و رجالهم و نساؤهم و صبيانهم و عبيدهم فمن أحتل ساحلا من تلك السواحل فهو في جهاد (25/ ب) و من أحتل بيت المقدس و ما حولها فهو في رباط» (2).

غريب جدّا و سعيد هذا غير معروف.

و روى أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشّيباني، عن عبد اللّه بن ناشرة، أنه أخبره، عن سعيد بن سفيان القاري، قال: توفي أخي و أوصى بمائة دينار في سبيل اللّه فلم يكن منذ غازية فقدمت المدينة في حج أو عمرة فدخلت على عثمان بن عفان و عنده رجل قاعد، فقلت: يا أمير المؤمنين توفي أخي و أوصى بمائة دينار في سبيل اللّه تعالى فلم يجئنا غازية فقال عثمان: إن اللّه أمرنا بالإسلام فأسلمنا كلنا فنحن المسلمون، و أمرنا بالهجرة فنحن المهاجرون أهل المدينة، ثم أمرنا بالجهاد فجاهدنا فأنتم المجاهدون أهل الشام أنفقها على نفسك أو على أهلك و على ذوي الحاجة ممن حولك فإنك لو خرجت بدرهم ثم اشتريت بها لحما فأكلت أنت و أهلك كتب لك بسبعمائة درهم فخرجت من عنده، فسألت عن الرجل الذي كان عنده فإذا هو علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- (3).

____________

(1) كذا بالأصل، و في" تاريخ دمشق":" ابن حمير" و هو الصواب له ترجمة في" التهذيب".

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 127) و شهر بن حوشب ضعيف، و ابن حمير هو:

محمد بن حمير قال أبو حاتم: لا يحتج به.

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 111).

215

فصل‏ و من بركات الشام الدينية، أن نور النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- عند ولادته سطع إليها فأشرقت قصورها منه فكان أول مبدأ دخول نوره- (صلى اللّه عليه و سلم)- الشام، ثم دخلها نور دينه و كتابه فأشرقت به و طهرت (26/ أ) مما كان فيها من الشرك و المعاصي و كمل بذلك قدسها و بركتها.

فخرج الإمام أحمد و الحاكم في" صحيحه" من حديث العرباض بن سارية، قال: سمعت النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، يقول: «إني عبد اللّه و خاتم النبيين، و إن آدم لمنجدل في طينته، سأخبركم عن ذلك، دعوة أبي إبراهيم، و بشارة عيسى، و رؤيا أمي التي رأت، و كذلك أمهات [المؤمنين‏] (1) يرين، و أن أم النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- رأت حين وضعته نورا أضاء منه قصور الشام» (2).

و خرّج أبو القاسم البغوي نحوه من حديث فرج بن فضالة، عن لقمان ابن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- (3).

و خرّج الحاكم أيضا من حديث خالد بن معدان، عن أصحاب رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنهم قالوا: يا رسول اللّه أخبرنا عن نفسك ... فذكره.

و في حديثه: «قصور بصرى من أرض الشام» (4).

و قال: صحيح الإسناد.

____________

(1) كذا بالأصل و هو خطأ و صوابه: كما في مصادر التخريج:" النبيين".

(2) أخرجه أحمد (4/ 127)، و الحاكم (2/ 600) و في إسناده سعيد بن سويد الكلبي قال البخاري: لا يصح حديثه انظر" تعجيل المنفعة" رقم (376).

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 75) و ذكره ابن عدي في" الكامل" (6/ 29) ترجمة فرج بن فضالة و قال ابن عدي: غير محفوظ.

(4) أخرجه الحاكم (2/ 600).

216

و أخرجه الإمام أحمد من حديث خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن [عيينة] (1) بن عبد، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، أن أمّه قالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت به قصور الشام‏ (2).

و رواه الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- و الذي قبله أصّح (26/ ب).

و روى الطبراني و أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني صفوان ابن عمرو، عن [صخر بن مالك‏] (3) الكندي، عن أبي مريم الكندي، قال:

أقبل أعرابي من بهز حتى جلس إلى النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، فقال:

أيّ شي‏ء، كان من أمر نبوتك أول؟ قال: «أخذ اللّه مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم و تلا وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (4) و بشّر بي المسيح عيسى ابن مريم (عليهما السلام) و رأت أم رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت لها منه قصور الشام» فقال الأعربي: هاه، و أدنى رأسه منه- و كان في سمعه شي‏ء- فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «و وراء ذلك و وراء ذلك مرتين» (5) مرتين أو ثلاثا.

أبو مريم الكندي قيل: إنه صحابي نزل حمص.

و روى محمد بن عائذ: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي عاتكة و غيره أن آمنة بنت وهب أنها حين وضعته كفأت عليه برمة حتى يتفرع له‏

____________

(1) كذا بالأصل و هو تحريف و صوابه:" عتبة".

(2) أخرجه أحمد (4/ 184)، و الدارمي في" سننه" (13) مطولا.

(3) كذا بالأصل و هو تصحيف و صوابه:" صخر بن مالك" كما في" تاريخ دمشق".

(4) سورة الأحزاب الآية: (7).

(5) أخرجه الحافظ ابن عساكر في" التاريخ" (1/ 76) و الطبراني (22/ 333).

217

قالوا: فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاء منه قصور كثيرة من قصور الشام.

فكان مولد رسول اللّه بمكة و ابتداء النبوة له بها و إنزال الكتاب عليه بمكة، ثم أسري به إلى الشام من المسجد الحرام (27/ أ) إلى المسجد الأقصى، ثم رجع إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، ثم في آخر عمره كتب إلى الشام و إلى هرقل و إلى كثير من أتباعه، ثم غزا بنفسه غزوة تبوك، ثم بعث سريّة إلى مؤتة، ثم بعث جيش أسامة فتوفي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- قبل خروجهم ثم ابتدأ أبو بكر الصديق بفتوح الشام و استكمل في زمن عمر- رضي اللّه عنه-.

و ذكر ابن عائذ، قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود القرشي، عن عروة، أنه كان في كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد أن أعجل إلى إخوانكم بالشام فو اللّه لقرية من قرى الأرض المقدسة يفتحها اللّه علينا أحبّ إلي من رستاق من رساتيق العراق.

و أخبر النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، أنه لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء لها أعناق الإبل ببصرى.

ففي" الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء أعناق الإبل ببصرى» (1).

و هذه النار خرجت من وادي بقرب مدينة النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- سنة أربع و خمسين و ستمائة و اشتهر أمرها و شوهد من ضوئها بالليل أعناق الإبل ببصرى و استفاض، و بعد ذلك بقليل ثم خراب العراق بواقعة بغداد المشهورة (27/ ب) و دخول أكثر الكفار إليها، و قتل خليفة بني‏

____________

(1) أخرجه البخاري في" صحيحه" (7118)، و مسلم (2902/ 42) من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به.

218

العباس و عامة أهلها و بذلك، ثم خراب بلاد المشرق على أيدي التتار، و انتقل من حينئذ إلى الشام عامّة أهل العراق و خيارهم كما أخبر بذلك أبو أمامة، و قد سبق كلامه و عظم أمر الشام و كثر أهلها و اتسعت عمارتها و كثر بها علم النبوة الموروث عن خاتم النبيين- (صلى اللّه عليه و سلم)-، ثم في آخر الزمان تخرج نار تحشر الناس كلهم إلى الشام و هي أول أشراط الساعة كما في" صحيح البخاري" عن أنس، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، أنه قال: «أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب» (1).

و يجتمع الناس كلهم حينئذ بالشام و إنها أرض المحشر و المنشر و تقوم الساعة بعد ذلك.

و سنذكر هذه النّار فيما بعد إن شاء اللّه.

____________

(1) أخرجه البخاري في" صحيحه" (3329) و غير موضع من حديث أنس- رضي اللّه عنه-.

219

الباب الثامن في حفظ اللّه تعالى الشام بالملائكة الكرام‏

خرّج الإمام أحمد و الترمذي و الحاكم من حديث زيد بن ثابت، قال:

كنا عند رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- نؤلف القرآن من الرّقاع، فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «طوبى للشام» قلنا: لأي ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» (1).

و قال الترمذي: حسن صحيح غريب.

و قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.

و في رواية أخرجها ابن خزيمة: «إن ملائكة الرحمة».

و في رواية للطبراني في الحديث: «إن الرحمن باسط رحمته عليه» (2).

و في رواية رويناها في كتاب" فضائل الشام" لابي الحسن الربعي، أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «طوبى لأهل الشام ..» (3) فذكره.

و ذكر الحافظ أبو القاسم من رواية معروف الخيّاط، قال: سمعت واثلة ابن الأسقع، يقول:" إن الملائكة تغشى مدينتكم هذه- يعني: دمشق- ليلة الجمعة فإذا كان بكرة افترقوا على أبواب دمشق براياتهم و بنورهم فيكونون سبعين رجلا، ثم ارتفعوا و يدعون اللّه لهم اشف مريضهم و ردّ غائبهم" (4).

____________

(1) أخرجه أحمد (5/ 184)، و الترمذي (3954)، و غيرهما من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن زيد بن ثابت، به و قد تقدم برقم (29) جزء ابن عبد الهادي، رقم (17) جزء الربعي.

(2) أخرجه الطبراني (5/ 176).

(3) تقدم في جزء الربعي رقم (17).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 58) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، عن معروف، به.

220

الباب التاسع فيما ورد في بقاء الشام بعد خراب غيرها من الأمصار

ذكر الحافظ أبو القاسم من طريق محمد بن هارون [عن‏] (1) بكار بن بلال: حدثنا أبي، عن أبيه محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عوف بن مالك، أن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «تخرب الدنيا- أو قال: الأرض- قبل الشام بأربعين سنة» (2).

هذا غريب منكر، منقطع، و محمد بن بكار متكلم فيه (28/ ب).

و إسناده عن كعب الأحبار، قال: إني لأجد في كتاب اللّه المنزل أن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاما (3).

و بإسناده عن ابن عبد ربه، قال: [يبعت ببيعا] (4) أكثر من ثلاثين مرة، يقول: تخرب الأرض و تعمر الشام حتى يكون من العمران كالرمانة، و لا يبقى فيها خربة في سهل و لا جبل إلا عمرت و ليغرسنّ فيها من الشجر ما لم يغرس في زمن نوح و تبنى فيها القصور اللائحة في السماء فإذا رأيت ذلك فقد نزل بك الأمر (5).

و بإسناده عن بحير بن سعد، قال: يقيم بالشام بعد خراب الأرض أربعين عاما (6).

و روينا في كتاب" فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي من طريق عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، عن عطية بن قيس، قال: قال كعب:

____________

(1) كذا بالأصل و هو تصحيف، و الصواب:" بن".

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 88).

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 88) و قد تقدم برقم (10).

(4) كذا بالأصل و هو تصحيف و الصواب:" سمعت تبيعا" كما في" التاريخ".

(5) أخرجه الحافظ ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 88).

(6) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 88) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن بحير، به.

221

ليبنينّ في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الأرض أربعين عاما (1).

و بإسناده عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي ابن زيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، قال: أوحى اللّه عز و جل إلى جبل قاسيون أن هب ظلك و بركتك لجبل بيت المقدس ففعل فأوحى اللّه عز و جل إليه أما إذ فعلت فإني سأبني لي في حضنك بيتا.

قال الوليد: في حضنك أي: في وسطك بيتا و هو هذا المسجد، يعني:

مسجد دمشق (29/ أ) أعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما، و لا تذهب الأيام و الليالي حتى أعبد عليك ظلك و بركتك فهو عند اللّه بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرع‏ (2).

قال أبو القاسم الحافظ: هذا هو المحفوظ، و قد روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ضد هذه الأقوال.

ثم ساق من طريق أبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبي: حدثنا معاوية بن هشام: حدثنا سفيان، [عن حسين‏] (3)، عن أبي ظبيان، عن عبد اللّه بن عمرو قال: قال أول الأرض خرابا الشام‏ (4).

قلت: أبو جعفر متكلم فيه، و الأدلة تدلّ على صحة القول الأول كما ذكر أبو القاسم أنه المحفوظ، فإن الشام تبقى عامرة فيها أهلها بعد خراب المدينة و بعد خروج الدجال، و نزول عيسى ابن مريم، و خروج يأجوج و مأجوج، و بعد ظهور النار التي هي من أول أشراط الساعة، و بعد بعث اللّه الريح الطيبة، التي تقبض أرواح المؤمنين، و كل هذا قد ذكر في الأحاديث.

فخرّج الإمام أحمد و أبو داود من حديث معاذ بن جبل، عن النبي- صلى‏

____________

(1) تقدم برقم (67) جزء الربعي.

(2) سبق برقم (68) جزء الربعي.

(3) ما بين المعقوفين ضرب عليه الناسخ و إثباته من" التاريخ".

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 88).

222

اللّه عليه و سلم- قال: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، و خراب يثرب خروج الملحمة، و خروج الملحمة فتح القسطنطينية، و فتح القسطنطينية خروج الدجال (29/ ب) ثم ضرب بيده و قال: إن هذا لحق كما أنك قاعد» (1).

و قد صحّ أن عيسى- (عليه السلام)- ينزل شرقي دمشق و سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء اللّه.

و ثبت في" الصحيح" أيضا أن الدجال يهلك بالشام، و أن عيسى- (عليه السلام)- يتجاوز بمن معه من المؤمنين إلى الطور و هو من الشام‏ (2).

و في" صحيح مسلم" عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو سنة، فيبعث اللّه عيسى ابن مريم- كأنه عروة بن مسعود- فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل اللّه ريحا باردة من قبل [السماء] (3) فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، سمعته من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- فيبقى شرار الناس في خفّة الطير و أحلام السباع لا يعرفون معروفا و لا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟

فيقولون: ما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان و هم على ذلك دار رزقهم‏

____________

(1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 232- 245)، و أبو داود (4294) و ذكره الدارقطني في العلل (6/ 53).

(2) انظر" صحيح مسلم" (2937/ 110) من حديث النواس بن سمعان- رضي اللّه عنه- مطولا.

(3) كذا بالأصل، و في" صحيح مسلم":" الشام" و هو أشبه.

223

حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور ...» و ذكر بقية الحديث‏ (1).

و قد ذكرنا فيما تقدم عن ابن مسعود، أن الفرات لا يبقى فيها طست من ماء و يرجع كل ماء (30/ أ) إلى عنصره و يبقى الماء و بقية المؤمنين بالشام‏ (2).

و لا يبقى مؤمن إلا انحاز مع عيسى ابن مريم إلى جبل الطور، و لا يبقى ماء إلا بالشام، فإن أصل مياه الدنيا من الشام فترجع إلى عنصرها.

و روى عن كعب، قال: و الذي نفسي بيده ما شرب ماء عذب [إلا يخرج‏] (3) من تحت هذه الصخرة حتّى التي بدارين لتخرج من تحت هذه الصخرة (4). يعني: عينا في البحر.

و روى ابن أبي حاتم في" تفسيره" من حديث شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (5) قال: من أربعة أنهار: سيحان و جيحان و الفرات و النيل، فكل ماء عذب شربه ابن آدم من هذه الأنهار فإنها تخرج من تحت الصخرة التي في بيت المقدس‏ (6).

[.....] (7) قال: يوشك الرعد و البرق أن‏

____________

(1) أخرجه مسلم في" صحيحه" (2940/ 116) من طريق شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت يعقوب بن عاصم سمعت عبد اللّه بن عمرو، به.

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 141- 142).

(3) كذا بالأصل، و في" التاريخ":" إلا ما يخرج".

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 68).

(5) سورة المرسلات الآية: (27).

(6) أخرجه ابن جرير الطبري في" تفسيره" (29/ 164) من طريق أبي عاصم، عن شبيب ابن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.

و هو ضعيف، شبيب بن بشر قال أبو حاتم: لين الحديث، و انظر" الضعفاء و المتروكين" لابن الجوزي (2/ 6).

(7) ما بين المعقوفين بياض بالأصل، و هو مروي من قول كعب الأحبار بتمامه في" التاريخ" للحافظ ابن عساكر.

224

[يهاجنا] (1) إلى الشام حتى لا يكون رعد و لا برق إلا ما بين الفرات و العريش‏ (2).

و خرّج ابن أبي خيثمة و غيره عن الأوزاعي قال: يهاجر الرعد و البرق إلى مهاجر إبراهيم حتى لا يبقى قطرة إلا فيما بين الفرات و العريش‏ (3).

و عن عبّاد بن منصور: حدثنا أبو قلابة، أن الرعد و البرق سيهاجر من أرض العراق إلى أرض الشام حتى لا يبقى بها رعد و لا برق‏ (4).

و يدل على صحة ذلك أيضا: أن النار التي هي أول أشراط الساعة (30/ ب) تسوق الناس إلى الشام‏ (5).

و قد ذكرنا في أول الكتاب حديث ابن عمر، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «تخرج نار من حضرموت تسوق الناس» قالوا: يا رسول اللّه ما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام» (6).

و هو حديث اختلف فيه نافع و سالم، فرواه سالم، عن ابن عمر، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-. و رواه نافع، عن ابن عمر، عن كعب من قوله و في حديثه: يوشك أن تخرج نار من اليمن تسوق الناس إلى الشام.

____________

(1) كذا بالأصل: و هو تصحيف، و الصواب: يهاجر، كما في" التاريخ".

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 74) من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن كعب، به من قوله.

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 74) من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي، به.

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 74) من طريق شريح بن سراج الحنفي، عن عباد ابن منصور، به.

(5) ورد ذلك في حديث أنس- رضي اللّه عنه- عند البخاري برقم (3329) كما ورد أيضا من حديث ابن عمر و غيره. و انظر جزء ابن عبد الهادي برقم (30)، و السمعاني رقم (14)، و قد تقدم هنا ص: (68).

(6) أخرجه أحمد (2/ 8- 53)، و الترمذي (2217)، و قد تقدم في جزء ابن عبد الهادي رقم (30)، و رقم (23) جزء الربعي، رقم (14) جزء السمعاني.

225

و ذكرنا أيضا حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «إنكم تحشرون ها هنا» و أشار بيده إلى الشام‏ (1).

و ذكرنا حديث عبد اللّه بن عمرو، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-:

«ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، و يبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم و تقذرهم نفس اللّه، و تحشرهم النار مع القردة و الخنازير» (2).

و في رواية: «تكون هجرة بعد هجرة خيار الأرض إلى مهاجر إبراهيم ...» (3) و ذكر الحديث.

فهذا كله يدلّ على أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إلى مهاجر إبراهيم- (عليه السلام)- و هي الشام طوعا فيجتمعون فيها. و أما شرار الناس فيحشرون [كرمرها] (4)، تحشرهم النار من بلادهم إلى الشام.

و قد تكاثرت الأحاديث و الآثار بذكر هذه النار.

ففي" صحيح البخاري" (31/ أ) عن أنس، أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب» (5).

و المراد" بالمغرب" ها هنا و اللّه أعلم: الشام، كما سبق في تفسير قوله‏

____________

(1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 3)، و الترمذي (2424) و قد تقدم برقم (25) جزء الربعي، و رقم (5) جزء السمعاني رقم (32) جزء ابن عبد الهادي.

(2) أخرجه أبو داود (2482)، و أحمد (2/ 198- 199- 209)، و" الفتن" لنعيم بن حماد (1767) و إسناده ضعيف، و قد تقدم في أول الباب الرابع فراجعه.

(3) أخرجه أحمد (2/ 209) و انظر التعليق السابق.

(4) كذا بالأصل: و هو تصحيف صوابه:" كرها".

(5) أخرجه البخاري (3329، 3911) و غير موضع من طرق عن أنس به مطولا. و انظر ما تقدم عند الباب السابع.

226

- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق». (1)

و في" الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «يحشر الناس على ثلاثة طرائق، راغبين، و راهبين و اثنان على بعير و ثلاثة على بعير و أربعة على بعير و عشرة على بعير و تحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، و تبيت معهم حيث باتوا، و تصبح معهم حيث أصبحوا، و تمسي معهم حيث أمسوا» (2).

فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث:

أحدها: من يحشر راغبا هو من يهاجر إلى الشام طوعا.

و الثاني: من يحشر رهبة و خوفا على نفسه لظهور الفتن في أرضه.

و الثالث: من تحشره النار قسرا و هو شر الثلاثة.

و خرّج الإمام أحمد من حديث أبي ذر، قال: أقبلنا مع رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- [فرآينا] (3) ذا الحليفة فتعجل رجال إلى المدينة، و بات رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- و بتنا معه فلما أصبح سأل عنهم، فقيل تعجلوا فقال: «تعجلوا إلى المدينة و النساء أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت» ثم قال: «ليت شعري من تخرج نار من اليمن من جبل الوراق تضي‏ء منها (31/ ب) أعناق الإبل بروكا ببصرى كضوء النهار» (4).

و هذا فيه إشعار بأن هذه النار هي التي تخرج أهل المدينة منها و في" صحيح مسلم" عن حذيفة، قال: أخبرني رسول اللّه- صلى اللّه عليه‏

____________

(1) أخرجه مسلم (1925/ 177) من حديث سعد بن أبي وقاص- رضي اللّه عنه-.

و انظر ما تقدم في أول الباب الخامس.

(2) أخرجه البخاري (1522)، و مسلم (2861) من طريق وهيب عن عبد اللّه بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة- به.

(3) كذا بالأصل، و في" المسند":" فنزلنا".

(4) أخرجه أحمد في" المسند": (5/ 144).

227

و سلم- بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة فما منه شي‏ء إلا و قد سألته إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟ (1)

و في" صحيح البخاري" عن أبي هريرة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي- يريد: عوافي السباع و الطير- و آخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمها فيجدونها و حوشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع فرّا على وجوههما» (2).

و في" المسند" عن جابر، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال:

«ليسيرنّ راكب في جانب المدينة، فيقولنّ: قد كان في هذه مرة حاضر من المؤمنين كثير» (3).

و قد سبق حديث عمارة بيت المقدس خراب يثرب‏ (4)، و هذا يدلّ على خرابها قبل خروج الدجال.

و قد ثبت أن الدّجال ينزل خارجها و أنها ترجف فيخرج إليه كل منافق و منافقة (5)، فأما أن يكون المراد بخرابها ضعف أمرها و قلة سكانها أو

____________

(1) أخرجه مسلم في" صحيحه" (2891/ 24) من طريق شعبة عن عدي بن ثابت، عن عبد اللّه بن يزيد، عن حذيفة، به.

(2) أخرجه البخاري في" صحيحه" (1874) من حديث شعيب، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، به.

(3) أخرجه أحمد (3/ 341- 347) من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، به.

و إسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة و هو ضعيف سيئ الحفظ. و تقدم ص 74 من حديث معاذ ابن جبل عند أحمد و غيره فراجعه.

(4) أخرجه أحمد (5/ 232، 245)، و أبو داود (4294) من حديث معاذ مرفوعا:

" عمران بيت المقدس خراب يثرب، و خراب يثرب خروج الملحمة .." الحديث، و تقدم في أول هذا الباب.

(5) أخرجه البخاري، (1881)، و مسلم (2943) من طريق الوليد بن مسلم، عن-

228

أن أهلها يخرجون منها في بعض الفتن، ثم يعودون إليها.

و في" المسند" عن أبي هريرة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال:

«يوشك (23/ أ) أن يرجع الناس إلى المدينة حتى يصير مسالحهم بسلاح» (1).

و سلاح بوزن طام أسفل من خيبر.

و قد خرّجه أبو داود و غيره من حديث ابن عمر، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «يوشك المسلمون أن يحاصروا المدينة حتى يكون بعد مسالحهم بسلاح» (2). قال الزهري: سلاح: [موضع‏] (3) قريب من خيبر.

و في الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة (4).

و ذكر عن البخاري، أنه تعجب منه يريد أنه استنكره‏ (5)، و هو منكر جدّا مخالف للأحاديث، و اللّه أعلم.

و في" مسند الإمام أحمد" عن رافع بن بشر أو بسر، عن أبيه، عن النبي‏

____________

- الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس مرفوعا: بلفظ" ليس من بلد إلا سيطؤه الدّجّال، إلا مكة و المدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج اللّه كل كافر و منافق" و اللفظ للبخاري.

(1) أخرجه أحمد (2/ 402) من طريق عبد اللّه العمري، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، به. و عبد اللّه العمري قال النسائي، و ابن المديني و غيرهما: ضعيف.

(2) أخرجه أبو داود (4250، 4299)، و الطبراني في" الأوسط" (6428) و قال: لم يرو هذا الحديث عن عبيد اللّه بن عمر إلا جرير بن حازم، تفرد به ابن وهب.

(3) ما بين المعقوفين زيادة لبيان المعنى.

(4) منكر، أخرجه الترمذي (3919) و في إسناده جنادة بن سلم السوائي ضعفه أبو زرعة و أبو حاتم و غيرهما.

(5) انظر" العلل" للترمذي (703).

229

- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «يوشك أن تخرج نار من حبس سيل تسير بسير بطيئة الإبل، تسير النهار و تقيم الليل فتغدوا و تروح يقال: غدت النار أيها الناس فاغدوا، قالت النار: أيها الناس قيلوا راحت النار أيها الناس روحوا، من أدركته أكلته» (1).

و في" صحيح الحاكم" من حديث أبي البداح بن عاصم، عن أبيه، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، «أنه يوشك أن تخرج نار من حبس سيل نار تضي‏ء إليها أعناق الإبل ببصرى» (2).

حبس سيل الظاهر أنه بقرب المدينة من منازل بني سليم.

و في" صحيح مسلم" عن حذيفة بن أسيد، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «إن السّاعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (32/ ب) فذكر الدخان، و الدجال، و الدابة، و طلوع الشمس من مغربها، و نزول عيسى (عليه السلام)، و يأجوج و مأجوج، و ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، و خسف بالمغرب، و خسف بجزيرة العرب، و آخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (3).

و في رواية له: «و نار تخرج من قعر عدن ترحّل الناس» (4).

و خرّجه الترمذي و عنده: «و نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس- أو تحشر الناس- فتبيت معهم حيث باتوا و تقيل معهم حيث قالوا» (5).

____________

(1) أخرجه أحمد (3/ 443).

(2) أخرجه الحاكم" المستدرك" (4/ 443) و قال الذهبي: منكر، إبراهيم ضعيف و إسماعيل متكلم فيه.

(3) أخرجه مسلم (2901/ 39) من طريق ابن عيينة، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، به مرفوعا.

(4) أخرجه مسلم (2901/ 40).

(5) أخرجه الترمذي (2183)، من طريق سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، به.

230

و خرّج الحاكم من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- نحوه. و قال فيه: «و نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر و النمل» (1).

و قال: صحيح الإسناد.

و خرّج أيضا من حديث عبد اللّه بن عمرو، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، و تقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم و تخلّف فتسوقهم سوق الجمل الكير» (2).

و خرّج الإمام أحمد و النسائي و الحاكم من حديث أبي ذر، قال:

حدثني الصادق المصدوق- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين، [و فوج‏] (3) طاعمين كاسين، و فوج يمشون و يسعون، و فوج تسحبهم الملائكة على وجوههم (33/ أ) و تحشرهم النار» فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما فما بال هؤلاء الذين يسعون و يمشون؟ قال: «يلقى اللّه الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر حتى إن الرجل ليكون له الحديقة المعجبة فيغطيها بالشارف ذي القتب فلا يقدر عليها» (4).

فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين:

أحدهما: أن الناس تحشرهم النار إلى المحشر.

____________

(1) أخرجه الحاكم في" المستدرك" (4/ 428) و في إسناده عمرو بن عبد اللّه الحضرمي، و لم يوثقه إلا ابن حبان و العجلي.

(2) أخرجه الحاكم في" المستدرك" (4/ 458).

(3) كذا بالأصل، و هي زائدة و ليست في أي من مصادر التخريج.

(4) أخرجه أحمد (5/ 164) و النسائي (4/ 116) و الحاكم في" المستدرك" (4/ 564) من طريق أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، عن أبي ذر، به.

231

و في حديث أنس و عبد اللّه بن عمرو أنهم يحشرون إلى المغرب، و الظاهر أنه أريد بالمغرب مغرب المدينة و هو الشام، و يدل على أن المحشر إلى الشام حديث ابن عمر و حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده كما سبق.

و قد روي ذلك صريحا عن جماعة من السلف.

خرّجه نعيم بن حماد في كتاب" الفتن" عن ابن اليمان، عن حرام‏ (1)، أرطاة، عمّن حدثه، عن كعب، قال: قال عبد اللّه بن عمرو: يبعث اللّه بعد قبض عيسى ابن مريم و المؤمنين بتلك الريح الطيبة نارا تخرج من نواحي الأرض تحشر الناس، و الدواب و الذر إلى الشام‏ (2).

و عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال معاذ بن جبل:

اخرجوا من اليمن قبل انقطاع الحيل، و قبل أن لا يكون لكم زاد إلا [الجواد] (3)، و قبل أن تحشركم نار إلى الشام‏ (4).

و بإسناده عن أبي هريرة، قال: يحشر الناس إلى الشام على ثلاثة أصناف: صنف على وجوههم، (33/ ب) و صنف على الإبل، و صنف على أقدامهم‏ (5).

و بإسناده عن كعب، قال: تخرج نار من القسطنطينية فتركد عند الدّرب بين سيحان و جيحان، و نار أخرى تخرج من عدن تبلغ بصرى تقوم إذا قاموا، و تسير إذا ساروا، و إن الفرات ليجري ماؤه أول النهار،

____________

(1) بالأصل:" ابن اليمان، عن حرام" و هو تصحيف فاحش، و الصواب: (أبي اليمان، عن جراح) و راجع ترجمة جراح بن مليح الشامي الحمصي" تهذيب الكمال" (4/ 520).

(2) أخرجه نعيم بن حماد في" الفتن" (1745) من طريق الحكم بن نافع أبو اليمان، به.

(3) كذا بالأصل، و في" الفتن":" الجراد".

(4) أخرجه نعيم بن حماد في كتاب" الفتن" (1759) من طريق ابن عيينة، به.

(5) أخرجه نعيم بن حماد في" الفتن" (1749) و فيه جهالة الراوي عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-.

232

و بالعشي تجري كبريتا و نارا، و تخرج نار من نحو الغرب تبلغ العريش، و أخرى من نحو المشرق فيبلغ كذا و كذا فتقيم زمانا لا تنطفئ حتى يشك الشاك و يقول الجاهل، لا جنة و لا نار إلا هذه، تجتنب في مسيرها مكة و المدينة و الحرم كله حتى تلج الشام تحشر جميع الناس.

و عنه قال: إذا عثر إنسان أو دابّته قالت له النار: تعست و انتكست لو شئت هاجرت قبل اليوم حتى تنتهي إلى بصرى فتقيم أربعين عاما و حتى يسأل الكافر فيقول: هذه النار التي كانوا يوعدون.

الثاني: أن في بعض الأحاديث خروج النار من اليمن، و في بعضها من المشرق، و في بعضها ما يدلّ على خروجها من قرب المدينة و كله حق. و قد ذكرنا في هذه الآثار أنها تخرج من أماكن متعددة.

فروى نعيم بن حماد من طريق على بن زيد بن جدعان، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: تخرج نار من قبل المشرق، و نار أخرى من قبل المغرب (34/ أ) تحشران الناس بين أيديهم القردة يسيران بالنهار و يكتمان بالليل حتى يجتمعان بجسر منبج‏ (1).

و هذا كله يدل على أن الشام هي أرض المحشر و المنشر و أن الناس كلهم يجتمعون إليها في آخر الزمان و لذلك تسمى أرض الشام أرض المحشر.

و في" المسند" عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «كيف أنت إذا أخرجوك منه- يعني: مسجد المدينة؟» فقلت: إذا ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة و أرض المحشر و أرض الأنبياء .. (2)

____________

(1) أخرجه نعيم بن حماد في" الفتن" (1751، 1761) من طريق ابن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، به. و فيه علي بن زيد فيه ضعف لا يحتج به كما قال ابن معين و غيره، و كذا جهالة الراوي عن أبي هريرة.

(2) أخرجه أحمد (6/ 457) و قد تقدم تخريجه انظر جزء ابن عبد الهادي رقم (13) و جزء ابن رجب هذا ص (35).

233

فذكر الحديث.

و خرّج الطبراني و الحاكم و غيرهما من حديث أبي ذر، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه- يعني: بيت المقدس- و لنعم المصلى هو- أرض المحشر و المنشر- و ليأتين على الناس زمان و لبسطة قوسه من حيث يرى منه بيت المقدس أفضل و خير من الدنيا جميعا» (1).

و خرّج الإمام أحمد و أبو داود و ابن ماجه من حديث ميمونة مولاة رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قالت: قلت يا رسول اللّه أفتنا في بيت المقدس؟ قال: «أرض المحشر و المنشر آتوه فصلّوا فيه ...» (2) و ذكر الحديث.

و روى عبد الحميد بن بهز، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، أن اليهود أتوا رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-، فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت (34/ ب) صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر و أرض الأنبياء فصدّق رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل اللّه عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختم السورة وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها إلى قوله: تَحْوِيلًا (3) فأمره اللّه تعالى بالرجوع إلى‏

____________

(1) أخرجه الطبراني في" الأوسط" (8226)، و الحاكم في" المستدرك" (4/ 509) و في إسناده سعيد بن بشير. قال ابن حبان في المجروحين (1/ 319): ردي‏ء الحفظ فاحش الخطأ يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه ا. ه و هذا من حديثه عن قتادة و ليس له طريق آخر.

(2) أخرجه أحمد (6/ 463)، و أبو داود (457)، و غيرهما، و في إسناده عثمان بن أبي سودة. و قال الذهبي: في النفس شي‏ء من الاحتجاج به، و قال ابن القطان: لا يعرف حاله.

(3) سورة الإسراء الآيتان: 76، 77.

234

المدينة، قال: فيها محياك و مماتك و منها تبعث‏ (1).

خرّجه آدم بن أبي إياس في" تفسيره" عن عبد الحميد بمعناه.

و في مراسيل الحسن، قال: نزلت قريظة على حكم سعد بن معاذ، فقتل رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- منهم ثلاثمائة، و قال لبقيتهم:

«انطلقوا إلى أرض المحشر فإني في آثاركم- يعني: أرض الشام- فسيرهم إليها» (2).

و في صحة هذا عن الحسن نظر، فإن قريظة قتلت مقاتلتهم و سبيت ذراريهم، و إنما الذين سروا إلى الشام بنو النضير و فيهم نزلت سورة الحشر.

و روى أبو سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من شك أن المحشر ها هنا- يعني الشام- فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (3) قال: قال لهم رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- يومئذ: «اخرجوا»؟ قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» (4).

و خرّجه البزار في" مسنده" و عنده:" فقال (35/ أ) رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «هي أرض المحشر- يعني الشام-».

و روى نعيم بن حماد في" كتابه" عن يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم ابن أبان، عن عكرمة، قال: محشر الناس نحو الشام، و أول من حشر من‏

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 81) من طريق يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، به و قال أبو حاتم عن عبد الحميد بن بهرام: لا يحتج به و لا بحديث شهر بن حوشب و لكن يكتب حديثه.

(2) أخرجه ابن عساكر (1/ 82) و في إسناده يونس بن بكير و قد ضعفه النسائي و غيره.

(3) سورة الحشر الآية: (2).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق (1/ 81) و في سنده أبو سعد البقال و هو سعيد ابن المرزبان و هو منكر الحديث كما قال البخاري.

235

هذه الأمة بنو النضير.

و هذا فيه إشارة إلى أن الحشر إلى الشام ليس هو مرة واحدة بل هو مرات كثير، و أول ما وقع منه حشر بني النضير إليها.

و يدخل في ذلك خروج من خرج من الصحابة و من بعدهم بعد.

و قد روى عن عامر بن قيس، أنه لما خرج من البصرة كرها إلى الشام و كان راكبا على بعيره، قال: الحمد للّه الذي حشرني راكبا فجعل مسيره إلى الشام حشرا.

و قد ذكر أن النار التي خرجت بالحجاز و أضاءت منها أعناق الإبل ببصرى تكامل عقيبها خراب بلاد العراق على أيدي التتار و انتقل غالب خيار أهل العراق بعد ذلك إلى الشام فهذا نوع من الحشر، و هو حشر خيار الناس إلى الشام، فالشرار هم فتحشرهم النار قسرا بعد قبض المؤمنين.

و حديث عبد اللّه بن عمرو صريح في هذا المعنى و لفظه:" ستكون هجرة بعد هجرة تنحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها تلفظهم أرضهم تقذرهم نفس اللّه تحشرهم النار مع القردة و الخنازير تبيت معهم إذا باتوا (35/ ب) و تقيل معهم إذا قالوا، و تأكل من تخلف". (1)

و في رواية:" ستكون هجرة بعد هجرة تخرج خيار أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم (عليه السلام) هو الشام" (2).

قال قتادة في قوله عز و جل: وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي‏ (3) قال:

____________

(1) أخرجه أبو داود (2482)، و أحمد (2/ 198) و إسناده ضعيف كما تقدم في أول الباب الرابع.

(2) أخرجه أحمد (2/ 209) و انظر التعليق السابق.

(3) سورة العنكبوت الآية: 36.

236

إلى الشام كان مهاجره‏ (1). و اللّه أعلم.

____________

(1) أخرجه ابن عساكر (1/ 73).

237

الباب العاشر فيما ورد في فضل دمشق بخصوصها و فيه فصول‏

الفصل الأول فيما ورد من ذلك في القرآن‏

قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ (1).

روى تمام الرازي و غيره من حديث مسلمة بن علي: حدثنا أبو سعيد الأسدي، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه تلى هذه الآية: وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ قال:

«هل تدرون أين هي؟» قالوا: «اللّه و رسوله أعلم، قال: «هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة مدينة يقال لها: دمشق هي خير مدائن الشام» (2).

إسناده ضعيف، مسلمة بن على ضعيف، و شيخه لا يعرف.

و روي عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي دمشق‏ (3).

و في رواية عنه قال: هي أنهار دمشق‏ (4).

رواه أيضا يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب من قوله‏ (5).

و رواه يحيى، عن سعيد، (36/ أ) عن عبد اللّه بن سلام.

____________

(1) سورة المؤمنون الآية: 50.

(2) موضوع أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 90) و فيه مسلمة بن علي يروي المناكير و الموضوعات و انظر ما تقدم في جزء الربعي رقم (28).

(3) أخرجه ابن عساكر (1/ 91).

(4) أخرجه ابن عساكر (1/ 91) و تقدم عند ابن عبد الهادي برقم (21) و عند الربعي برقم (29)، (33).

(5) أخرجه ابن عساكر في الموضع السابق و قد سبق في جزء الربعي برقم (42).

238

و في رواية عن سعيد، قال: هي دمشق ذات قرار و معين الغوطة (1).

و في رواية رويناها في كتاب" فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي قال:

هي مسجد دمشق‏ (2).

و قال يزيد بن شجرة: دمشق هي الربوة المباركة (3).

عن قتادة، عن الحسن في هذه الآية، قال: هي أرض ذات أشجار و أنهار يعني: أرض دمشق‏ (4).

و عنه قال: ذات معيشة تقويهم و تحملهم و ماء جار، قال: هي الربوة، هي دمشق‏ (5).

و في رواية عنه قال: ذات ثمار كثيرة و ماء هي دمشق‏ (6). و عنه قال:

هي الغوطة (7).

ممن قال: إن الربوة هي دمشق: [خليد بن معدان‏] (8) و غيره من السلف.

و قالت طائفة: هي الرملة.

و روى عبد الرزاق، عن بشر بن رافع: أخبرني أبو عبد اللّه ابن عمّ أبي هريرة، سمع أبا هريرة، يقول في قوله عز و جل: إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 92).

(2) تقدم في جزء الربعي رقم (42).

(3) تقدم برقم (40) جزء الربعي.

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 92).

(5) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 93).

(6) تقدم في جزء الربعي رقم (32).

(7) تقدم في جزء الربعي (30).

(8) كذا بالأصل و هو تصحيف و صوابه:" خالد بن معدان" كما ورد الأثر عنه عند الربعي برقم (39).

239

وَ مَعِينٍ‏ (1) هي الرملة من فلسطين‏ (2).

و بشر بن رافع ضعيف الحديث.

و خرّج الطبراني و غيره من رواية عباد بن عباد الرملي، عن أبي زرعة السّيباني، عن أبي و علة [العكلي‏] (3)، عن كريب السحولي: حدثني مرة البهزي: سمع النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم و هم كالإناء بين الأكلة حتى يأتي أمر اللّه و هم كذلك» قلنا: يا رسول اللّه و أين هم؟ قال: «بأكناف بين المقدس» (4).

قال: و حدثني أن الرملة هي الربوة و ذلك أنها مغربة و مشرقة كذا رواه زكريا بن نافع الأرسوفي و محمد بن عبد العزيز [البرمكي‏] (5)، عن عباد و هو أبو عتبة الخواص الزاهد.

و الظاهر: أن قوله: و حدثني بشير به إلى مرة فهو من كلام مرة ليس مرفوعا.

و رواه ابن الجراح- و قد اختلط بآخره- عن عباد، فرفعه‏ (6).

و رواه هشام بن عمار: حدثنا المغيرة بن المغيرة: حدثنا يحيى بن أبي عمرو السّيباني، و هو أبو زرعة، قال: مرض رجل من عك يقال له: الأقرع على عهد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- فأتاه يعوده، فقال له: «إنك لا تموت و لا تدفن إلا بالربوة»، فمات و دفن بالرملة، فكانت عك إذا

____________

(1) سورة المؤمنون الآية: 50.

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 94) من طريق عبد الرزاق عن بشر- به.

(3) كذا بالأصل و هو تصحيف و صوابه:" الوعلاني".

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 93- 94) و الطبراني في" المعجم الكبير" (20/ 317- 318).

(5) كذا بالأصل و هو تصحيف، و صوابه:" الرملي".

(6) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 93) من طريق رواد بن الجراح- به.

240

مات الرجل منهم بالأردن حمل و دفن بالرملة لمكان الأقرع‏ (1).

و هذا مرسل.

و خرّجه ابن منده في" معرفة الصحابة" بإسناد مجهول، عن الأقرع بن سفي العكي، قال: دخل عليّ النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- في مرض، فقال:

«لتنفينّ و لتهاجرنّ إلى الشام، و تموت و تدفن بالربوة من أرض فلسطين».

ثم قال: رواه إسماعيل بن رشيد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن قادم بن ميسور القرشي، عن رجال من عك، عن الأقرع‏ (2).

قلت: خرّجه آدم بن أبي إياس في" تفسيره" عن ضمرة، عن قادم بن ميسور، قال: مرض رجل من أهل عك (37/ أ) يقال له: الأقرع ..

فذكره مرسلا.

و بتقدير صحة الحديث فلا يدل على أن هذه الربوة المذكورة في الحديث هي المذكورة في القرآن، و اللّه أعلم.

و قالت طائفة: الربوة المذكورة في القرآن بيت المقدس.

قال قتادة- فيما رواه مسكين بن بكير، عن جرير بن حازم، عنه‏ (3).

فعلى هذه الأقوال الثلاثة الربوة المذكورة في القرآن هي من أرض الشام.

و قيل: إنها مصر، روي عن وهب بن منبه‏ (4).

و قيل: الإسكندرية رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه‏ (5).

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 94)، و قال ابن عساكر: هذا حديث منقطع، و قد روى مسندا. بإسناد غريب.

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 94) من طريق ابن منده- به.

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 94- 95).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 95) من طريق عبد الصمد بن معقل عن عمه وهب- به.

(5) أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (1/ 95) من طريق ابن المقرئ، عن-

241

و قيل: هي الكوفة، و هو أضعف الأقوال و أردأها، رواه أهل الكوفة من الشيعة، عن جعفر الصّادق و أبيه أبي جعفر (1).

و لا يصحّ غيرهما إن شاء اللّه تعالى.

و قال سبحانه و تعالى: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (2).

فطور سينين هو الطور الذي كلم اللّه عليه موسى- (عليه السلام)-، و البلد الأمين: مكة، و أما التين و الزيتون، اختلف في تفسيرهما.

و قد روى حديث مرفوع رواه محمد بن بيان بن مسلم: حدثنا الحسن [عن‏] (3) عرفة: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- فرح بنزول هذه السورة فرحا شديدا، قال: فسألنا ابن عباس عن تفسيرهما، فقال: التين: بلاد الشام و الزيتون: بلاد فلسطين، و ذكر بقية الحديث‏ (4) (37/ ب).

و هذا كذب لا مرية فيه.

قال الحافظ أبو بكر الخطيب: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل [لا أصل له‏] (5)، و الرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان و ترى العلة من جهته، و من أورد هذا الحديث بهذا الإسناد

____________

- أبي بشير الدولابي، عن يونس عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه- به.

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 95) من طريق عباد بن يعقوب، عن موسى بن عثمان عن جابر عن أبي جعفر- به.

(2) سورة التين الآيات: 1- 3.

(3) كذا بالأصل و هو تصحيف و صوابه:" ابن".

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 95) من طريق محمد بن بيان بن مسلم- به.

(5) كذا بالأصل و في تاريخ بغداد:" لا أصل له يصح فيما نعلم".

242

فعد أغنى أهل العلم عن أن ينظروا في حاله و يبحثوا عن أمره‏ (1).

يعني أنه أبان عن كذبه و فضح نفسه.

و أشد من هذا نكرة و أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي من طريق أبي الفضل العباس بن أمنجور مولى أمير المؤمنين: حدثنا أبو محمد المراغي:

حدثنا قتيبة: حدثنا أبو عوانة: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- و ذكر حديثا طويلا و فيه:" إن اللّه اختار من المدائن أربعة: [مكة] (2) و هي البلدة، و المدينة: و هي النخلة، و بيت المقدس: و هي الزيتون، و دمشق و هي التينة ...». (3)

و قال: هذا حديث منكر بمرة و أبو الفضل و المراغي مجهولان.

قلت: هل موضوع لا شك في ذلك.

و روى عوف، عن يزيد بن عبد الملك، عن كعب، قال: التين مسجد دمشق، و الزيتون بيت المقدس‏ (4).

و روى عبد الرحمن بن أبي عمار، عن كعب، قال: التين دمشق، و الزيتون بيت المقدس‏ (5).

و روى أبو حمزة العطار، عن الحسن في‏ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ (6) قال:

جبال و مساجد بالشام‏ (7).

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 96) و كذلك الخطيب البغدادي في" تاريخ بغداد" (2/ 98) و فيه زيادة.

(2) ما بين المعقوفين زيادة من التاريخ لابن عساكر.

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 98).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 96).

(5) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 96).

(6) سورة التين الآية: 1.

(7) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/ 96).

243

و عن خالد بن معدان في‏ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ (38/ أ) قال: دمشق‏ (1).

و روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: وَ التِّينِ‏ قال:

الجبل الذي عليه دمشق، وَ الزَّيْتُونِ‏ الذي عليه بيت المقدس‏ (2).

و كذا قال خليد بن دعلج، عن قتادة (3).

و روى سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: التين: دمشق، و الزيتون: بيت المقدس‏ (4).

و في رواية أخرى، قال: التين مسجد دمشق، و الزيتون مسجد بيت المقدس‏ (5).

و عن الحكم قال: التين: دمشق، و الزيتون فلسطين‏ (6).

و عن الحارث بن محمد، قال: التين مسجد دمشق، و الزيتون مسجد بيت المقدس‏ (7).

و عن محمد بن كعب، قال: أقسم اللّه عز و جل بأربعة مساجد: التين مسجد أصحاب الكهف، و الزيتون مسجد إيليا و مسجد الطور و مسجد الحرام و عن الربيع بن أنس قال: التين و الزيتون جبل عليه التين و الزيتون.

و عن يزيد بن ميسرة، قال: أربعة أجبل مقدسة: طور زيتا، و طور سيناء، و طور تينا، و طور تيمانا.

قال: فطور زيتا: طور بيت المقدس، و طور سيناء: طور موسى-

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 96).

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 96- 97).

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 97).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 97).

(5) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 97).

(6) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 97).

(7) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 299).

244

(عليه السلام)-، و طور تينا: مسجد دمشق، و طور تيمانا: مكة (1). شرفها اللّه تعالى.

و قالت طائفة: المراد به التين و الزيتون المأكولان، روى عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة و الكلبي و غيرهم‏ (2).

و روى العوفي، عن ابن عباس: التين مسجد نوح الذي بنى عليه الجودي‏ (3). و إسناده ضعيف.

و لا ريب أن لفظ القرآن يدلّ صريحا (38/ ب) يدل على التين و الزيتون المأكولين كما قاله ابن عباس و مجاهد و غيرهما، و لكنه قد يدلّ على مكانهما من الأرض بدليل أنهما قربا بمكانين شريفين و هما الطور و البلد الأمين، و هذه البقاع هي أشرف بقاع الأرض و منها ظهرت النبوات العظيمة و الشرائع المتبعة فعامّة أنبياء بني إسرائيل كانوا من الشام، و هي أرض التين و الزيتون، و منها ظهرت نبوة عيسى (عليه السلام)، و طور سيناء كلّمه اللّه منه، و البلد الأمين فمنه ابتدئ الوحي و إنزاله على محمد- (صلى اللّه عليه و سلم)- و هذه النبوات الثلاث هي أعظم النبوات و الشرائع، و نظير ذلك ما ذكر في التوراة من قوله:" جاء اللّه من طور سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من جبال قاران".

و ساعير هي أرض بيت المقدس و ما حوله. و جبال قاران: مكة فمن قال من المفسرين: أن التين و الزيتون هما المأكولان، فقوله صحيح باعتبار دلالة التين و الزيتون على بقاعهما من الأرض فإن أرض الشام هي أرض التين و الزيتون غالبا.

و من قال: التين دمشق، و الزيتون بيت المقدس أو فلسطين فقوله‏

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 299).

(2) انظر تفسير الطبري (30/ 153).

(3) أخرجه الطبري في تفسيره (30/ 154) بإسناده واه.

245

صحيح باعتبار أن دمشق و ما حولها هي بلاد التين غالبا و فلسطين و بيت المقدس [و] (1) بلاد الزيتون غالبا.

و من قال: المراد جبل دمشق، و جبل بيت المقدس، فالجبل من جملة (39/ أ) أرض التين و الزيتون.

و من قال: المراد مسجد دمشق و مسجد بيت المقدس فهذان المسجدان هما أشرف بقاع أرض الشام، و اللّه أعلم.

و قد روينا في كتاب" فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي بإسناد فيه نظر عن كعب، أنه قال لواثلة بن الأسقع و هو يريد الخروج إلى بيت المقدس: تعال أريك موضعا من هذا المسجد- يعني: مسجد دمشق- من صلّى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس‏ (2).

و بإسناد فيه نظر أيضا عن سفيان الثوري. قال: الصلاة في بيت المقدس بأربعين ألف صلاة، و في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة (3).

و بإسناده عن هشام بن عمار: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، أن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق‏ (4).

و الخشني لا يعتمد عليه.

و قال عز و جل: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (5).

قد قيل: إنها دمشق: قاله سعيد المقبري، و خالد بن معدان، و روي عن‏

____________

(1) كذا بالأصل، و لعلها سبق قلم فلا معنى لها.

(2) تقدم في جزء الربعي رقم (66).

(3) تقدم في جزء الربعي رقم (65).

(4) إسناده منقطع معضل: الحسن الخشني لم يدرك أحدا من الصحابة. و قد تقدم بيان ذلك في جزء الربعي رقم (69).

(5) سورة الفجر الآية: 7.

246

سعيد بن المسيب و عكرمة، و لا يصح عنهما (1).

أما سعيد: فهو من رواية إسحاق بن بشر، عن إسحاق، عمن يخبره، عنه و إسحاق هذا كذاب مشهور.

و أما عكرمة: فهو من رواية حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عنه و حفص ضعيف جدّا.

و قال مالك: يقال إن إرم ذات العماد دمشق‏ (2) (39/ ب) و لكن جمهور المفسرين و المحققون من العلماء على خلاف هذا القول، على اختلاف بينهم في تفسيره، يطول ذكره ها هنا و اللّه أعلم.

____________

(1) تقدم قريبا ذكر رواياتهم بالتفصيل.

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 97- 98).

247

الفصل الثاني فيما ورد في السنّة و الآثار من أنها فسطاط المسلمين و معقلهم في الملاحم‏

روى زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة، يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام». (1)

خرّجه أبو داود و غيره.

و خرّجه الطبراني و عنده: «فهي خير مساكن يومئذ».

و خرّجه الحاكم و عنده: «خير منازل المسلمين يومئذ».

و قال: صحيح الإسناد.

و في رواية في هذا الحديث: «يوم الملحمة الكبرى».

قال إبراهيم بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين- و قد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم- فقال يحيى: ليس من حديث الشاميين شي‏ء أصح من حديث يعني: حديث أبي الدرداء، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» (2).

و روى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، قال: قال لي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «يا عوف اعدد ستة بين يدي الساعة، أولهنّ: موتي- فاستبكيت حتى جعل يسكتني- (40/ أ) ثم قال لي: قل أجدر- فقلت: أجدر، قال: و الثانية: فتح بيت المقدس، قل:

ثنتان، قلت: ثنتان، و الثالثة: موتان يكون في أمتي يأخذهم قعاص الغنم.

قل: ثلاث، قلت: ثلاث، قال: و الرابعة: فتنة تكون في أمتي. و عظمها.

____________

(1) أخرجه أبو داود (4298) و أحمد (5/ 197) و اختلف فيه فروى عنه زيد بن أرطاة مرسلا. و قد تقدم عند ابن عبد الهادي برقم (17). و عند الربعي برقم (35).

(2) أخرجه ابن عساكر (1/ 103).

248

قل: أربع، فقلت أربع، قال: و الخامسة: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى المائة دينار فيسخطها، قل: خمس، فقلت: خمس، قال: و السادسة:

هدنة تكون بينكم و بين بني الأصفر فيسيرون إليكم على ثمانين غاية تحت كل غاية اثني عشر ألفا، ففسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها دمشق». (1)

و خرجه الطبراني و غيره.

و خرّجه البخاري في" صحيحه" من طريق أبي إدريس، عن عوف بمعناه إلى قوله: «اثني عشر ألفا» و لم يذكر ما بعده.

و رواه بعضهم:" راية" بالراء و هما بمعنى.

و قيل: إنه روي" غيايه" يعني: السحابة.

و رواه بعضهم:" غابة" بباء موحدة و هي: الأجمة، و هو بعيد من المعنى.

و قال أبو القاسم الدمشقي الحافظ: و كلا القولين في إسناده صحيح‏ (2) قول من قال: عن جبير، عن أبي الدرداء، و قول من قال: عن جبير، عن عوف.

و استدل بما خرّجه الإمام أحمد من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: حدثنا أصحاب محمد (40/ ب)- (صلى اللّه عليه و سلم)-، أن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال:

«ستفتح عليكم الشام فإذا اخترتم المنازل منها فعليكم بمدينة يقال لها:

دمشق فإنها معقل المسلمين من الملاحم و فسطاطهم منها بأرض يقال لها:

____________

(1) أخرجه الطبراني (18/ 40- 41- 42) و ابن عساكر في تاريخه (1/ 105) و أخرجه البخاري (3176) بنحوه و ليس فيه: ففسطاط المسلمين ... إلخ. و قد تقدم برقم (18) جزء ابن عبد الهادي، و رقم (118)، (119) جزء الربعي.

(2) انظر تاريخ ابن عساكر (1/ 106).

249

الغوطة». (1)

و خرّجه الإمام أحمد من وجه آخر بهذا الإسناد إلا أنه قال فيه: عن رجل من أصحاب محمد- (صلى اللّه عليه و سلم)-.

رواه مكحول، عن جبير بن نفير، مرسلا. (2)

و رواه بعضهم عن مكحول، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-، مرسلا من غير ذكر جبير (3).

و روى الوليد بن مسلم: حدثني سعيد بن عبد العزيز، أن من أدرك من علمائنا كانوا يقولون: تخرجون أهل مصر من مصرهم إلى ما يلي المدينة، و تخرج أهل فلسطين و الأردن إلى مشارق البلقاء و إلى دمشق، و تخرج أهل الجزيرة و قنسرين و حمص إلى دمشق، و ذلك لما كان حدثنا به سعيد، عن مكحول، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «فسطاط المؤمنين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة مدينة يقال لها دمشق». (4)

و رواه أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو نصر التمار، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن معاذ، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- (5).

و رويناه بإسناد مجهول لا يصحّ عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- بنحوه، و زاد:

«معقلهم (41/ أ) من الدجال بيت المقدس، و معقلهم من يأجوج و مأجوج‏

____________

(1) إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (4/ 160)، (5/ 270) و ابن عساكر (1/ 106) و في إسناده أبو بكر بن أبي مريم ضعفه الدارقطني. و قال أبو زرعة منكر الحديث، و قد تقدم برقم (20) جزء ابن عبد الهادي، و رقم (22) السمعاني.

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخ دمشق" (1/ 107).

(3) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 107).

(4) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 107).

(5) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 107) و قد تقدم عند ابن عبد الهادي رقم (19).

250

الطور». (1)

رواه محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده، عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «للمسلمين [ثلاث‏] (2) معاقل، فمعقلهم من الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق، و معقلهم من الدجال بيت المقدس، و معقلهم من يأجوج و مأجوج طور سيناء». (3)

[.....] (4) مشهور بالكذب، و الوضع، و لا يصحّ هذا الحديث من هذا الوجه.

و قد روي من وجوه أخر مرسلة.

رواه الوليد بن مسلم: حدثنا جعفر بن غيلان أبو معبد، عن حسان بن عطية، قال: ذكر رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- كيف يجوز الأعداء أمته من بلد إلى [بلد] (5)، فقالوا: يا رسول اللّه هل من شي‏ء؟ قال: «نعم، الغوطة مدينة يقال لها: دمشق فسطاطهم و معقلهم من الملاحم لا ينالهم عدو إلا منها».

قال حفص: يقول «لا ينالهم عدوّ لهم إلا منها» من الأمة و هو يوم دخلها عبد اللّه بن علي بجنوده. (6)

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (1/ 108) من طريق عبد اللّه بن سليمان العبدي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد- به.

(2) كذا بالأصل و هو خطأ و صوابه: ثلاثة.

(3) أخرجه ابن عساكر (1/ 108).

(4) ما بين المعقوفين بياض بالأصل و لعله:" محمد بن إسحاق بن إبراهيم العكاشي". فإن الحديث عند ابن عساكر من طريقه و هو كذاب و وضاع. قال ابن عدي: هذه الأحاديث بأسانيدها مع غير هذا مما لم أذكره لمحمد بن إسحاق العكاشي كلها مناكير موضوعة. ا. ه. الكامل (6/ 169).

(5) ما بين المعقوفين بياض بالأصل و إثباته من مصدر التخريج.

(6) أخرجه ابن عساكر (1/ 108).

251

و روى ابن أبي خيثمة بإسناده عن يحيى بن جابر الطائي، أن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-، قال: «للمسلمين ثلاثة معاقل: فمعقلهم من الملاحم دمشق، و معقلهم من الدجال بيت المقدس، و معقلهم من يأجوج و مأجوج الطور». (1)

و قد روي هذا عن كعب- من قوله- قال: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، و معقلهم من الدجال نهر أبي قطرس.

و في رواية (41/ ب) عن كعب، قال: الأردن و معقلهم من يأجوج و مأجوج الطور (2).

و قال الأوزاعي: بلغني أن بالشام واديا يقال له: الغوطة فيه مدينة يقال لها: دمشق هي خير مدائن الشام يوم الملاحم.

و روينا في كتاب" فضائل الشام" للربعي من حديث واثلة بن الأسقع، مرفوعا: «ستكون دمشق في آخر الزمان أكثر المدن أهلا و هي لأهلها معقل، و أكثره أبدالا، و أكثره مساجد، و أكثره زهّادا، و أكثره مالا، و أكثره رجالا، و أقلّه كفارا ...» (3).

و ذكره حديثا طويلا، لا يصحّ، إسناده واه.

و من حديث مكحول، عن عبد اللّه بن سلام، قال: دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم‏ (4).

و من حديث هشام بن عمار، قال: سمعت من رفع الحديث إلى وهب‏

____________

(1) أخرجه ابن عساكر نفس الموضع السابق.

(2) أخرجهما ابن عساكر (1/ 110).

(3) أخرجه الربعي برقم (76، 77) و هو منكر في إسناده محمد بن أحمد الغساني و هو مجهول و قال الشيخ الألباني- (رحمه اللّه)- في تحقيقه للفضائل: يظهر من أحاديثه التي يرويها عن الثقات أنه منكر الحديث.

(4) أخرجه الربعي برقم (86).

252

ابن منبه: سمع ابن عباس: سمع النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: «اجتمع الكفار يتشاورون في أمري، فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: يا ليتني بالغوطة بمدينة يقال لها: دمشق حتى آتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه، فأسأل اللّه أن يهلك قومي، فأتى جبريل، فقال:

يا محمد ائت بعض جبال مكة فأو و بعض غاراتها فإنها معقلك من قومك» (1) هذا منكر جدّا، و لا يدرى ممن سمعه هشام بن عمار.

و ذكر (42/ أ) أبو القاسم الدمشقي الحافظ بإسناد له، عن عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، عن عمرو بن جابر الحضرمي، قال: سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري، يقول: من سكن دمشق نجا. فقلت: عن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-؟ قال: أفعنّ رأي أحد (2).

قلت: إسناده فيه ضعف.

و حديث ابن لهيعة: حدثنا عبد الرحمن بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سالم الجيشاني، أنه قال لعبد اللّه بن عمرو بن العاص: اختر لي فقال له: عليك بالفحص- قال: و هي الغوطة-، فإنها فسطاط المسلمين، ثم قال: عليك بمدينة الأسباط يعني: بانياس، فإن العافية تحوزها كما تحوز السيل الدمن‏ (3).

و من طريق عبد الرحمن بن سابط، قال: قلت لعبد اللّه بن عمرو بن العاص، إن منزلي قد نبا بي بالعراق و الحجاز فخر لي؟ قال: أرضى لك ما أرضى لنفسي و لوالدي، عليك بدمشق، ثم عليك بمدينة الأسباط بانياس، فإنها مباركة السهل و الجبل، و إن البركة عشر بركات خصّ اللّه بانياس من‏

____________

(1) أخرجه الربعي بعد رقم (100) و هو كذب لا محالة و متنه منكر مخالف لأصول الشريعة و راجع التعليق عليه في جزء الربعي.

(2) فيه عمرو بن جابر، قال الإمام أحمد: بلغني أنه كان يكذب، و قال النسائي: ليس بثقة.

(3) أخرجه ابن عساكر (1/ 109) من طريق يحيى بن حمزة، عن ابن لهيعة.

253

ذلك بركتين، و إذا وقعت الفتن كانت بها أخف منها في غيرها، فو اللّه لفدان بها أحبّ إلي من عشرين بالوهط، و الوهط بالطائف‏ (1).

و من طريق عبد اللّه بن حكيم، عن عبد اللّه بن عمرو، قالك ما أودّ أن لي مصر و كنوزها بعد الخمسين و مائة أسكنها و لدمشق خير لو كنتم تعلمون‏ (2) (42/ ب).

و من طريق ابن لهيعة، عن [سليم‏] (3) بن عبد الرحمن: أخبرني نافع بن كيسان الدمشقي، قال: لقيت يزيد بن شجرة، فقلت: إني أردت أن آتي فلسطين. قال: لا تفعل، فإني أحدثك في دمشق أحاديث ليست في غيرها إن خيل الناس إذا اضطربت كانت عصمتهم، و إن أهلها مدفوع عنهم، و أنه لا ينزل بأرض جوع و لا بلاء و لا فتنة إلا خفف ذلك عنهم.

و من حديث ابن محيريز، قال: قال لي رويفع بن ثابت الأنصاري، و كان من أصحاب الشجرة: اسكن فلسطين ما استقامت العرب، فإذا بادوا بشعار الجاهلية فاسكن دمشق و شرفها خير من غيرها.

و روى نعيم بن حماد بإسناده عن مكحول، قال: لتمخرن الروم الشام أربعين صباحا لا يمتنع منها إلا دمشق و عمان. (4)

و بإسناده عن [أبي الأعيس عن عبد الرحمن بن سليمان‏] (5)، قال:

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 112) مطولا.

(2) أخرجه ابن عساكر في" تاريخه" (1/ 109).

(3) كذا بالأصل و هو تصحيف واضح و صوابه: سليمان، و انظر ترجمته في" تهذيب الكمال".

(4) أخرجه أبو داود (4638) و نعيم بن حماد في الفتن (1257).

(5) كذا بالأصل و هو تصحيف صوابه:" أبي الأعيس عبد الرحمن بن سلمان" كما في مصادر التخريج و كتب الرجال.

254

سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلا دمشق‏ (1).

و روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده، عن أبي الزاهرية، عن كعب، قال: لن تزالوا بخير ما لم يركب أهل الجزيرة أهل قنسرين، و أهل قنسرين أهل حمص، فيومئذ تكون الجفلة و يفزع الناس إلى دمشق‏ (2).

و في كتاب" الفتن" لنعيم بن حماد بإسناده عن كعب، أنه قال لمعاوية:

ليغشينّ الناس (43/ أ) بحمص أمر يفزعهم من الجفلة حتى يخرجوا منها مبادرين قد تركوا دنياهم خلفهم حتى يموت منهم ما بين باب دمشق إلى ثنية العقاب سبعون ألفا من العطش‏ (3).

و بإسناده عن كعب، قال: يهلك ما بين حمص و ثنية العقاب سبعون ألفا من الوغاء- يعني: العطش- فمن أدرك ذلك منكم فعليه بالطريق الشرقية من حمص إلى سربل، و من سربل إلى حميراء و من حميراء إلى الدخيرة، و من الدخيرة إلى النبك، و من النبك إلى القطيفة، و من القطيفة إلى دمشق فمن أخذ هذه الطريق لم يزل في مياه متصلة (4).

و قال نعيم: حدثنا [أبو المغيرة صفوان‏] (5): حدثنا بعض مشايخنا قال: جاء رجل نعرفه خليق للخير حسن ننظر إليه كأنه يلتمس العلم فقال:

هل لكم علم بسويسة؟

قالوا: نعم، قال: و أين هي؟

قلنا: خربة نحو البحر.

قال: هل فيها عين يهبط إليها بدرج، و ماء بارد عذب؟

____________

(1) أخرجه أبو داود (4639)، العجلوني في كشف الخفا (1/ 559).

(2) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (1/ 111).

(3) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (1302).

(4) المصدر السابق (1304).

(5) كذا بالأصل و صوابه: أبو المغيرة عن صفوان كما في الفتن.