فضائل الشام‏

- محمد بن أحمد المقدسي المزيد...
398 /
305

طرة المخطوط و يظهر عليها اسمه و مؤلفه‏

306

الصفحة الأولى من المخطوط

307

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قال الشيخ الإمام العالم الهمام أبو عبد اللّه محمد بن الشيخ أبي العباس أحمد الأسيوطي الشافعي في فضل الشام و ما ورد في ذلك من الآيات و الأخبار و سبب تسميتها بالشام، و ذكر حدودها و ما ورد في حث النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- على سكناها و ما تكفل اللّه به لها و أهلها، و أنها عقر دار المؤمنين، و عمود الإسلام بها، و أن الشام صفوة اللّه من بلاده يسكنها خيرته من عباده، و دعاء النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- بالبركة و ذكر بناء مسجد دمشق و عمارته، و مبدأ أمره و ما بها من المعاهد و المشاهد المقصودة بالزيارة المعروفة بإجابة الدعوات و التنبيه عليها و ما في معناها، أما الفضل قد تقدم في الباب الأول من الآيات الواردة في فضل الأرض المقدسة ما يغني عن الإعادة ها هنا فليراجع منه، و في ترغيب أهل الإسلام عقب الكلام على قوله تعالى: وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ. (1)

- و قال عبد اللّه بن سلّام: هي دمشق.

- و قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: هي بيت المقدس.

و روى أبو أمامة الباهلي- رضي اللّه عنه- عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه قال: «أتدرون أين هي؟ يعني‏ إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ، قالوا اللّه و رسوله أعلم قال: «هي الشام بأرض يقال لها: الغوطة، مدينة يقال لها دمشق هي خير مدائن الشام» (2).

____________

(1) سورة المؤمنون آية: (50).

(2) منكر أو موضوع ذكره السيوطي في الدر (5/ 8) و عزاه لابن عساكر و في سنده مسلمة ابن علي يروي عن الأوزاعي و الزبيدي المناكير و الموضوعات انظر ترجمته في الميزان (4/ 109) و المجروحين (2/ 33). و سبق بإسناده في جزء الربعي (28).

308

و كذا قال ابن عباس و عبد اللّه بن سلام و سعيد بن المسيب و الحسن البصري.

و فيه عن معمر عن قتادة في تفسير قوله تعالى: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها (1) قال: هي مشارق الشام و مغاربها.

و فيه عن معمر عن قتادة أيضا في قوله تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ (2) الصدق يعبر عنه الحسن استعارة و يجوز في قوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ‏ أي في مقعد حسن و قد يكون المبوأ حسنا لما فيه من البركات الدينية و الخيرات و ذلك موجود وافر بالشام و بيت المقدس أو يكون حسنه لبركاته العاجلة بسعة الرزق و الثمار و الأشجار.

قال صاحب مثير الغرام أن معنى قوله تعالى: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا تأويله جهات شرقها أرض الشام، و جهات غربها أرض مصر.

و اختلف المفسرون في الأرض المقدسة، فقال مجاهد: الطور و ما حوله.

و قال الضحاك: إيلياء و البيت المقدس.

و قال ابن عباس و عكرمة و السدي: أريحا.

و قال الكلبي: دمشق و فلسطين و بعض الأردن.

و قال قتادة: الشام كلها، و مجموع هذه الأقوال لا يخرج الأرض المقدسة من الشام.

و أما تسميتها بالشام قال اللغويون: اسم بلاد تذكّر و تؤنث يقال لها:

شام و شامة و سميت شاما، لأنها عن شمالي الكعبة كما سمي كل ما عن‏

____________

(1) سورة الأعراف آية: (137).

(2) سورة يونس آية: (93).

309

يمين الكعبة من بلاد الغور يمينا.

و قيل: سميت بذلك لأن أصحاب نوح (عليه السلام) لما خرجوا من السفينة فمنهم من أخذ نحو يمين الكعبة و منهم من أخذ نحو يسارها، فسمي الموضع بالجهة المأخوذ منها فقيل يمين و شام.

و قيل: سمي بذلك لجبال بيض هناك و سود و كأنها شامات.

و قيل: سميت باسم سام بن نوح؛ لأنه أول من نزل بها فتطيرت العرب من سكناه بها، و كرهت أن تقول سام، لأنه اسم الموت، فقالت شام لكثرة قراها و تداني بعضها من بعض فسميت بالشامات.

و قيل: لأن قوما في بني كنان بن حام خرجوا عند تفرقهم فتشاموا إليها أي أخذوا ذات الشمال فسميت بذلك شاما.

و أما حدودها فإنّ حدها من الغرب البحر المالح، و على ساحله عدة مدائن، و من الجنوب رمل مصر و العريش، ثم تيه بني إسرائيل، و طور سينا، ثم تبوك ثم دومة الجندل، و من الشرق برية السماوه و هي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، و من الشمال مما يلي الشرق أيضا الفرات إلى بلاد الجزيرة، و مسافة طولها من العريش إلى فوق عشرون يوما أو أكثر.

و قال في كتاب المسالك و الممالك: خمسة و عشرون يوما و عدة مسافة ما بين كل بلدين، و أما عرضه فيزيد و ينقص، أكثره ثمانية أيام و أقله ثلاثة أيام و هذا التحديد ذكره مؤرخ الشام الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب البلدان له و حكاه صاحب مثير الغرام.

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى حاتم بن حبان البستي أنه قال أول الشام بالسر و آخره عريش مصر ذكره في آخر باب فضل الشام و أهله.

و قال في مثير الغرام: قسّم الأوائل الشام خمسة أقسام.

310

الأول: فلسطين سميت بذلك لأن أول من نزلها فلسطين- بكسر الفاء و فتح اللام- ابن كوسجين بن معطي بن يونان بن يافث بن نوح، و أول حدودها من طريق مصر رفح و هي العريش، ثم يليها غزة، ثم الرملة رملة فلسطين و في مدن فلسطين إيلياء و هي بيت المقدس بينها و بين الرملة ثمانية عشر ميلا و كان بيت المقدس دار ملك داود و سليمان (عليهما السلام) و عسقلان و مدينة الخليل- (صلى اللّه عليه و سلم)- و سبطية ولد و نابلس.

و قال في كتاب المسالك و الممالك في مسافة فلسطين للراكب طولا:

يومان من رفح إلى حد اللجون، و عرضا من نافلة إلى أرض ريحا كذلك.

الثاني: حوران و مدينتها العظمى طبرية و بحيرتها.

ذكر في حديث يأجوج و مأجوج و وقع في الشفا للقاضي عياض- (رحمه اللّه)- أن قال في وقت ولادته- (صلى اللّه عليه و سلم)-: و غاصت بحيرة طبرية و إنما هي بحيرة سارة و من مدنها الغور و اليرموك و بيسان فيما بين فلسطين و الأردن بضم الهمزة و سكون الراء و ضم الدال و تشديد النون هو النهر المعروف بالشريعة المذكورة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ (1).

الثالث: الغوطة و لها ذكر في آثار عديدة و مدينتها دمشق بكسر الدال و فتح الميم و في رواية ضعيفة كسر الميم قيل هي ذات العماد.

و قيل: كانت دار نوح (عليه السلام) و من سواحلها طرابلس.

و في كتاب الأربعين البلدانية للحافظ أبي القاسم علي بن هبة اللّه بن عساكر أن دمشق أم الشام و أكبر بلدانه و هي من الأرض المقدسة.

الرابع: حمص قيل لا تدخلها حية و لا عقرب.

و قال قتادة: نزلها خمسمائة صحابي، و من أعمالها مدينة سليم.

____________

(1) سورة البقرة آية: (249).

311

الخامس: قنسرين و مدينتها العظمى حلب، و من أعمالها مدينة سرمين و إنطاكية و يقال: إن بها حبيب النجار، و ذكرنا لكل قسم من هذه الأقسام بلدا و معاملات، و في بعض الأجزاء اتفق العلماء على أن الشام أفضل البقاع بعد مكة و المدينة.

و قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام- (رحمه اللّه)- في تأليفه ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام: و بعد فأحمد اللّه تعالى على أن حبّب إلينا الإيمان و كره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان و جعلنا من أهل الشام، الذي بارك فيها للعالمين، و أسكنه الأنبياء و المرسلين و الأولياء المخلصين و حفّه بملائكته المقربين، و جعله في كفالة رب العالمين و جعل أهله على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم إلى يوم الدين، و جعله معقل المؤمنين و ملجأ اللاجئين، سيما دمشق الموصوفة في القرآن المبين أنها ذات قرار و معين. كذا روي عن سيد المرسلين و جماعة من المفسرين و بها ينزل عيسى ابن مريم لإعزاز الدين و نصر الموحدين و قتل الكافرين و بغوطتها عند الملاحم فسطاط المسلمين، ثم قال: قد قوى اللّه سبحانه حظ دمشق مما أجرى فيها من الأنهار و سلسلة من مياهها خلال المنازل و الديار، و أنبته بظاهرها من الحبوب و الثمار و الأنهار، و جعلها موطنا لعباده الأخيار، و ساق إليهما صفوته من الأبرار. و ما ذكره علماء السلف في تفسير كتابه العزيز المختار، و ما ورد من حث النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- على سكناها و ما تكفل لها و لأهلها إلى غير ذلك من الأخبار و الآثار فمنه ما:

رواه الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي إدريس الخولاني عن عبد اللّه ابن حوالة الأزدي عن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه قال:

«ستجندوا لي أجنادا» و قال: «جند بالشام و جند بالعراق و جند باليمن»، فقال الخولاني: خر لي يا رسول اللّه فقال: «عليكم بالشام فمن أبى فليلحق‏

312

بيمنه و ليسق من غدره فإن اللّه تكفل لي بالشام و أهله» فكان أبو إدريس إذا حدّث بهذا الحديث التفت إلى ابن عامر: من تكفل اللّه به فلا ضيعة عليه‏ (1).

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى عبد اللّه بن حوالة الصحابي قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «رأيت ليلة أسري بي عمودا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة فقلت ما تحملون؟ قالوا: عمود الإسلام.

أمرنا ربنا أن نضعه بالشام، و بينما أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت و سادتي فظننت أن اللّه قد تجلى في الأرض فأتبعته بصري، فإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام» فقال ابن حوالة: يا رسول اللّه خر لي فقال: «عليك بالشام» (2).

و بسنده إلى أبي الحسن بن شجاع الربعي إلى كعب أن رجلا قال له:

أريد الخروج أبتغي فضل اللّه عز و جل قال: عليك بالشام فإن ما نقص من بركة الأرضين يزاد بالشام‏ (3).

و بسنده إلى كعب أيضا قال تخرب الدنيا قال: أو الأرض قبل الشام بأربعين عاما (4).

و بسنده إلى ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «مكة آية الشرف، و المدينة معدن الدين، و الكوفة فسطاط الإسلام و البصرة فخر العابدين، و الشام موطن الأبرار و مصر عش إبليس‏

____________

(1) ضعيف انظر تخريجه من طرقه رقم (31) جزء ابن عبد الهادي و تقدم أيضا في جزء الربعي رقم (4، 5).

(2) الحديث من هذا الطريق ضعيف لا يصح؛ فيه أكثر من علة و قد صح مقطعا من غير هذا الوجه و انظر جزء الربعي رقم (21) بإسناده و متنه و انظر جزء ابن عبد الهادي رقم (31) و كذلك (2، 3، 4، 5) من جزء ابن عبد الهادي أيضا.

(3) تقدم برقم (8) جزء الربعي.

(4) تقدم برقم (10) جزء الربعي‏

313

و كهفه و مستقره و الزنا في الزّنج و الصدق في النوبة و البحرين منزل مبارك و الجزيرة معدن الفتك. و أهل اليمن أفئدتهم رقيقة و لا يبدؤهم الرزق، و الأئمة من قريش و سادات الناس بنو هاشم» (1).

و بسنده إلى ابن حوالة أيضا عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه قال:

«ستكون أجنادا مجندة شام و يمن و عراق و اللّه أعلم بأيها بدأ ألا و عليكم بالشام ألا و عليكم بالشام ألا و عليكم بالشام فمن كره فعليه بيمنه و ليسق من غدره فإن اللّه قد تكفل لي بالشام و أهله» (2).

و بسنده إلى واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول لحذيفة بن اليمان و معاذ بن جبل و هما يستشيرانه في المنزل فأومأ إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام قال: «عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد اللّه يسكنها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق بيمنه و ليسق من غدره فإن اللّه قد تكفل لي بالشام و أهله» (3).

و بسنده إلى جبير بن نفير عن عبد اللّه بن حوالة قال: كنا عند رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- فشكونا إليه الفقر و العري و قلة الشي‏ء فقال- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «أبشر فو اللّه لا أنا من كثرة الشي أخوف عليكم من قلته». الحديث، و فيه: فقال ابن حوالة قلت: فاختر لي إن أدركني ذلك قال:

«أختار لك الشام فإنها صفوة اللّه من بلاده و إليه يجبى صفوته من عباده، يا أهل الشام عليكم بالشام فإن صفوة اللّه من الأرض الشام، فمن أبى‏

____________

(1) إسناده ضعيف جدا و متنه منكر و تقدم تخريجه و الحكم عليه رقم (24) جزء الربعي.

(2) تقدم في جزء الربعي برقم (4، 5). و ليس فيه الشك بأيهما بدأ. أما بلفظ الشك فهو عند السمعاني برقم (2).

(3) ضعيف جدا أو موضوع، قال الهيثمي في المجمع (10/ 59): رواه الطبراني بأسانيد كلها ضعيفة، و قد سبق برقم (33) جزء ابن عبد الهادي.

314

فليلحق بيمنه و ليسق من غدره فإن اللّه قد تكفل لي بالشام و أهله» (1).

و رواه صاحب ترغيب أهل الإسلام بلفظ آخر عن ابن حوالة قال: يا رسول اللّه اختر لي بلدا أكون فيها فلو أعلم أنك تبقى لي لم أختر على قربك شيئا قال: «عليك بالشام فلما رأى كراهتي للشام قال: أتدري ما يقول اللّه في الشام؟ إن اللّه يقول للشام أنت صفوتي من أرضي أدخل فيك خيرتي من عبادي، إن اللّه قد تكفل لي بالشام و أهله» (2).

و هذه شهادة رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- باختيار الشام و تفضيلها و باصطفائه ساكنيها و اختياره لقاطنيها و قد رأينا ذلك بالمشاهدة و أن من رأى صالحي أهل الشام و نسبتهم إلى غيرهم رأى بينهم من التفاوت ما يدل على اصطفائهم و اجتبائهم.

و قال عطاء الخراساني لما هممت بالنقلة شاورت من بمكة و المدينة و الكوفة و البصرة و خراسان من أهل الكتاب فقلت: أين ترون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقولون عليك بالشام.

قال صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن عباس- رضي اللّه عنه- قال:

قال رجل لرسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: إني أريد الغزو فقال له رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «عليكم بالشام و أهله ثم الزم عسقلان فإنه إذا دارت الرحى في أمتي كان أهل عسقلان في راحة و عافية» (3).

____________

(1) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق المخطوط (1/ 32- 33) من طرق عن يحيى بن حمزة نا نصر بن علقمة عن جبير بن نفير عن عبد اللّه بن حوالة- به. و فيه اختلاف و زيادة و نقص في كل طريق عن الآخر و هي زيادات غير محفوظة في حديث ابن حوالة و انظر ما بعده و كذلك ما جاء قبل هذا بحديثين.

(2) إسناده ضعيف و قد ضعفه الشيخ الألباني- (رحمه اللّه)- تقدم بإسناده و متنه عند الربعي برقم (21)، و انظر جزء ابن عبد الهادي رقم (13، 11).

(3) ذكره صاحب كنز العمال رقم (35078) و عزاه للدارقطني و الديلمي و أخرجه ابن-

315

و بسنده إلى أبي أمامة قال:" لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام و يتحول شرار أهل الشام إلى أهل العراق و قال: رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «عليكم بالشام قالها ثلاثا» (1).

و بسنده إلى عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه عنه- قال: صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلاة الفجر، ثم انفتل فأقبل على القوم فقال: «اللّهم بارك لنا في مدينتنا و بارك لنا في مدّنا أو صاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا و بارك لنا في شامنا و يمننا» فقال رجل: و العراق يا رسول اللّه فقال: «من ثم يطلع قرن الشيطان و تهيج الفتن».

و ذكره في مثير الغرام بأخصر منه، ثم قال: أخرجه البخاري في صحيحه‏ (2).

روى صاحب كتاب الأنس بزيادة لفظ بعد قوله شامنا" اللهم اجعل مع البركة بركة" (3).

و بسنده إلى أبي مسلم في قوله عز و جل‏ ادْخُلُوا الْأَرْضَ‏

____________

- عساكر في تاريخ دمشق (1/ 44) المخطوط من طرق مدارها على: ابن سليمان عن محمد بن إسحاق عن عبد اللّه بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس- به و أبو سليمان هو محمد بن أبي السري في بعض الطرق و هو كثير الغلط و قال الذهبي في الميزان: لمحمد هذا أحاديث تستنكر و قال مسلمة بن قاسم: كثير الوهم و كذلك ابن حجر قال: له أوهام كثيرة. و فيه تدليس ابن أبي نجيح.

(1) إسناده ضعيف أخرجه أحمد (5/ 249) و فيه لقيط بن المثنى و لم يوثقه أحد و قال ابن حبان في الثقات (5/ 344): يخطئ و يخالف.

(2) أخرجه البخاري (1037، 7094)، و قد تقدم في جزء الربعي رقم (20) و جزء ابن عبد الهادي برقم (1).

(3) تقدم عند الحديث رقم (20) جزء الربعي أن هذه الزيادة غير ثابتة في حديث ابن عمر، و إنما هي من حديث أبي سعيد عند مسلم (1374/ 475) بلفظ:" بركتين".

316

الْمُقَدَّسَةَ (1). قال: كان ستة رجال يحملون عنقود و أربعة رجال يحملون رمانة و رجلان تينة.

و بسنده إلى أبي الحسن بن شجاع الربعي عن كعب قال: إن اللّه تعالى بارك في الشام من العريش إلى الفرات‏ (2).

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى حكيم بن حزام عن معاوية عن أبيه قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «تحشرون ها هنا و أومأ بيده إلى الشام مشاة و ركبانا و على وجوهكم و تعرضون على اللّه و على أفواهكم الختام فأول ما يعرب عن أحدكم فخذه»، و تلى رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ‏ (3) (4).

و بسنده إلى أبي الحسن قال:" الشام أرض المحشر و المنشر" (5).

عن الوليد بن صالح الأزدي قال: في الكتاب الأول إن اللّه عز و جل يقول للشام: أنت الأندر و منك المنشر، و إليك المحشر (6).

و عن يحيى بن أيوب عن زيد بن ثابت بينا نحن عند رسول- (صلى اللّه عليه و سلم)- نؤلف القرآن من الرقاع، إذ قال: «طوبى للشام» قيل: و لم يا

____________

(1) سورة المائدة آية: (21).

(2) تقدم في جزء الربعي برقم (19).

(3) تقدم عند الربعي برقم (25- 27)، و رقم (5) جزء السمعاني، و رقم (32) جزء ابن عبد الهادي و لكن من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، فلعل المقصود هنا (حكيم ابن معاوية عن أبيه) فهذا المحفوظ و يكون ما وقع هنا سبق قلم من الناسخ و إلا فهذه نكارة في السند.

(4) سورة فصلت آية: (22).

(5) ورد عند الربعي رقم (13) من مسند أبي ذر و سنده ضعيف جدا.

(6) تقدم عند الربعي برقم (7).

317

رسول اللّه قال: «ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» (1).

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى واثلة بن الأسقع قال:" إن الملائكة تغشى مدينتكم هذه يعني دمشق ليلة الجمعة فإذا كانت بكرة النهار فافترقوا على أبوابها براياتهم و بنورهم ثم ارتفعوا و هم يدعون اللّه اللّهم اشف مريضهم ورد غائبهم" (2).

و عن عبد اللّه بن عمرو قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-:

«الخير عشرة أعشار تسعة في الشام و واحدة في سائر البلدان، و إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» (3).

و روى الطبراني في معجمه الكبير عن عبد اللّه بن مسعود موقوفا عليه قال: قسّم اللّه الخير عشرا عشرا فجعل تسعة أعشار بالشام و بقيته في سائر الأرض و قسم الشّر عشرة أعشار فجعل جزءا منه بالشام و بقيته في سائر الأرض‏ (4).

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى عبد اللّه بن عمر أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها ثم دخل الشام‏

____________

(1) تقدم برقم (3، 12، 17) جزء الربعي، (29) جزء ابن عبد الهادي من طرق فراجعه.

(2) أخرجه ابن عساكر من طريق أحمد بن عمير بن جوصاء يرويه عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد عن سليمان بن عبد الرحمن عن معروف عن واثلة به موقوفا عليه. و أحمد ابن عمير قال الدارقطني: لم يكن بالقوي انظر الميزان (1/ 125).

و معروف هو ابن عبد اللّه قال أبو حاتم: ليس بالقوي و قال ابن عدي: له أحاديث منكرة جدا.

(3) سبق برقم (7) جزء السمعاني من حديث عبد اللّه بن عمرو بإسناد ضعيف، و عند الربعي برقم (6)، و ابن عبد الهادي برقم (28) من حديث ابن مسعود بسند ضعيف أيضا.

(4) تقدم في جزء الربعي رقم (6، 14) و كذلك جزء ابن عبد الهادي (28).

318

فطردوه حتى بلغ ميسان ثم دخل مصر فباض و فرخ و بسط عبقريه» (1). قال ابن وهب: أحد رواته كان ذلك في فتنة عثمان- رضي اللّه عنه- لأنهم افتتنوا فيه و سلم أهل الشام.

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى أبي الدرداء- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «أهل الشام و أزواجهم و ذراريهم و عبيدهم و إماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل اللّه تعالى فمن اختار منها مدينة من المدائن فهو في رباط و من اختار فيها ثغرا من الثغور فهو في جهاد» (2).

و بسنده إلى معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه قال: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم و لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة» (3).

و بسنده إلى خريم بن فاتك الأسدي الضحاك أنه سمع رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: يقول: «أهل الشام سوط اللّه في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده» (4).

و في لفظ من رواية كعب أنه قال: «أهل الشام سيف من سيوف اللّه ينتقم بهم ممن عصاه في أرضه» (5).

و عن [عوف‏] (6) بن عبد اللّه بن عتبة قال: قرأت فيما نزل على بعض‏

____________

(1) تقدم برقم (10) جزء السمعاني، (16) جزء ابن عبد الهادي و بينا أنه موضوع.

(2) تقدم في جزء الربعي رقم (18) و إسناده فيه راو لم يسم.

(3) تقدم تخريجه في جزء ابن عبد الهادي رقم (9).

(4) أخرجه أحمد و الطبراني و غيرهما، و رجح المنذري الوقوف، و تقدم برقم (16) جزء السمعاني و رقم (8) جزء ابن عبد الهادي و هو صحيح موقوفا و لا يصح مرفوعا.

(5) تقدم في جزء الربعي رقم (26).

(6) كذا بالأصل و هو تصحيف صوابه (عون) و انظر التخريج.

319

الأنبياء: الشام كنانتي فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم‏ (1).

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى شهر بن حوشب قال: لما فتح معاوية بن أبي سفيان مصر جعل أهل مصر يسبون أهل الشام فقال عوف:* * * و أخرج وجهه من برنسه- يا أهل مصر أنا عوف بن مالك لا تسبوا أهل الشام فإني سمعت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: «فيهم الأبدال و بهم ترزقون و بهم تنصرون» (2).

و بسنده إلى الزهري عن عبد اللّه بن صفوان قال: قال رجل: يوم صفين اللهم العن أهل الشام فقال علي- رضي اللّه عنه-: لا تسبوا أهل الشام جمّا غفيرا فإن بها الأبدال‏ (3).

و بسنده إلى عياش بن عباس القتباني أن علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- قال: الأبدال من الشام و النجباء من أهل مصر، و الأخيار من العراق.

و في مثير الغرام عن شريح بن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- فقال: العنهم يا أمير المؤمنين فقال: لا إني سمعت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: «الأبدال بالشام و هم أربعون كلّما مات رجل أبدل اللّه مكانه رجلا يستسقى بهم الغيث، و ينتصر بهم على الأعداء، و يصرف عن الشام بهم العذاب» (4).

____________

(1) تقدم عند الربعي رقم (1).

(2) ضعيف أخرجه الطبراني و غيره، و ضعفه الشيخ الألباني (رحمه اللّه) في الضعيفة (936)، و قد تقدم عند السمعاني رقم (20).

(3) إسناده ضعيف: فيه محمد بن كثير و قد ضعفوه، و تقدم برقم (23) جزء السمعاني و (14) جزء ابن عبد الهادي كذا موقوفا و يأتي بعده مرفوعا.

(4) إسناده منقطع: شريح لم يسمع من علي، و قد تقدم برقم (21) السمعاني و رقم (14، 15) ابن عبد الهادي.

320

رواه أحمد في مسنده.

و روى أبو الأسعد هبة الرحمن بن هوازن بسنده إلى أنس عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «بدلاء أمتي اثنان و عشرون بالشام و ثمانية عشر بالعراق، كلما مات واحد أبدل اللّه مكانه آخر إذا جاء الأمر قبضوا» (1).

و أما مواطنهم فإنهم لا يبرحون في الغالب عنه.

و قال الفضيل بن فضالة: الأبدال بالشام خمسة و عشرون رجلا بحمص و ثلاثة عشر بدمشق و رجلان ببيسان.

و قال الحسن بن يحيى سبعة عشر بدمشق و أربعة ببيسان، و بالشام مواطن أكثر الأنبياء و مواضع العباد و الزهاد و بها الأبدال و سكناهم بجبل اللكان و يقال اللكام، و بجبل‏ (2) لبنان.

و أما كونها عقر دار المؤمنين:

فقد روى جبير بن نفير عن النواس بن سمعان فقال: فتح على رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- فتح فقالوا: يا رسول اللّه سبيت الخيل و وضع السلاح وضعت الحرب أوزارها و قالوا: لا قتال. فقال: «كذبوا الآن جاء القتال، لا يزال أمر اللّه عز و جل يزيغ قلوب قوم فيرزقهم منه حتى يأتي أمر اللّه على ذلك» (3).

____________

(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا تحت رقم 35 (1/ 24) و عزاه للخلال و هو عنده في كتاب كرامات الأولياء رقم (1، 2) بإسناد فيه العلاء بن زيد المعروف بابن زيدل و قال علي بن المديني: كان يضع الحديث و قال ابن حبان في المجروحين (2/ 180): روى عن أنس نسخة موضوعة لا يحل ذكره إلا تعجبا. و قال أبو حاتم و أبو داود و ابن عدي و العقيلي: متروك منكر الحديث.

(2) تقدم في جزء الربعي رقم (79).

(3) أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق المخطوط (1/ 53- 54) من طريق داود بن رشيد عن الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن-

321

و عقر دار المؤمنين بالشام يعني: أصلها بفتح العين و ضمها.

و قال ثابت: معظمها.

و قال أبو زيد: عقر دار القوم وطنهم.

و قال يعقوب: العقر البناء المرتفع.

و عن سلمة بن نفيل قال: كنت جالسا عند النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- فقال: «يوحى إلي أني مقبوض غير ملبّث، و إنكم ستبقون أفنادا يضرب رقاب بعضكم بعض و لا يزال من أمتي أناس يقاتلون على الحق و يرفع اللّه بهم قلوب أقوام و يرزقهم اللّه منهم حتى تقوم الساعة و حتى يأتي وعد اللّه و الخيل معقود في نواصيها الخير و عقر دار الإسلام بالشام» (1).

خرجه النسائي في سننه و الإمام أحمد في مسنده.

و روي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن يزيد بن أبي سفيان و من معهم كتبوا إلى أبي بكر إلى خالد بن الوليد و هو بالعراق.

و يقال: بناحية عين الثمر و قد فتح اللّه القادسية و جلولاء و أمير الجيش يومئذ سعد بن أبي وقاص و كتب إليه أن انصرف بثلاثة. آلاف فارس فأمد إخوانك بالشام، و العجل العجل إلى إخوانكم بالشام فو اللّه لقرية من قرى الشام يفتحها اللّه على المسلمين أحب إليّ من رساتيق العراق ففعل خالد

____________

- جبير بن نفير عن النواس- به. و انظر الحديث التالي.

(1) أخرجه أحمد (4/ 104) من طريق الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عياش عن إبراهيم بن سليمان عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن سلمة.

و النسائي (6/ 214) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن الوليد بن عبد الرحمن بسنده- به. و أخرجه ابن عساكر من أكثر من طريق عن سلمة ثم قال: خالفهما داود بن رشيد فرواه عن الوليد بن مسلم فجعله من مسند نواس بن سمعان. و اللّه أعلم بالصواب.

322

و شق الأرض هو و من معه حتى خرج إلى ضمير فوجد المسلمين معسكرين بالجابية فنزل خالد على شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان و عمرو بن العاص فاجتمع هؤلاء الأربعة يبرمون أمر الحرب و قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «الا إن عقر دار الإسلام بالشام إلا إن اللّه عز و جل قد تكفل لي بالشام و أهله إلا إن صفوة اللّه من بلاده يسير إليها صفوته من عباده لا ينزع إليها إلا مرحوم و لا يرغب عنها إلا مفتون» (1).

و روي أن أبا بكر بن سليمان بن الأشعب قال: بالشام عشرة آلاف عين رأت النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)-.

و كذا رواه صاحب كتاب الأنس عن الوليد بن مسلم و قال في ترغيب أهل الإسلام لابن عبد السلام: لما علمت الصحابة- رضي اللّه عنهم أجمعين- تفضيل الشام على غيره فرحل منهم إليه عشرة آلاف عين رأت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-.

و روي عن كعب الأحبار أنه قال: عن التوراة في السفر الأول: محمد رسول اللّه عبدي المختار لا فظ و لا غليظ و لا صخّاب في الأسواق و لا يجزي بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يغفر، مولده بمكة و هجرته بطيبة و ملكه بالشام.

قال ابن عبد السلام: الذي ذكره كعب الأحبار موافق للمشاهدة و الأعيان فإن قوة الشام و عظيم أخبارها من أهل البسالة و الشجاعة بالشام.

قال كعب الأحبار: إن اللّه سبحانه و تعالى بارك من الفرات إلى العريش‏ (2).

و قد أشار كعب إلى أن البركة بالشام و أن قوله تعالى: الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ‏ (3) لا يختص بمكان منه دون مكان و إنما هو عام مستوعب لجميع‏

____________

(1) جاء ذلك في حديث نعيم بن حماد في الفتن من حديث كثير بن مرة مرسلا كما في كنز العمال (35037) و مرت فقرات في الحديث السابق و الذي قبله.

(2) تقدم في هذا الجزء (8/ 3) و انظر جزء الربعي (19).

(3) سورة الإسراء الآية: (1).

323

جذور الشام.

قال ابن عبد السلام: فإذا كان الشام و أهله عند اللّه تعالى بهذه المثابة و هذه المنزلة كانوا في حراسته، و كفالته، و دلت الأدلة على دمشق خير بلاد الشام و كذلك أخبر السلف و شاهد الخلف أن ملك دمشق خير ملوك الأرض فمن بسط منهم عليها الفضل و نشر العدل فيه فإن النصر ينزل عليه من السماء مع ما يحصل في الود في قلوب الأبرار و الأولياء الأخيار و العلماء ما يلقيه اللّه عز و جل من الرعب في قلوب الأضداد و الأغيار و الأشرار و الفجار و من عاملهم من ملوك الإسلام بخلاف ذلك أحل اللّه فيهم الضّراء و أنزل عليهم نوعا من البأساء و أخذهم بالجبروت و الكبرياء؛ فإن اللّه تعالى لا يهمله بل يعاجله باستلاب ملكه في حياته و بإلقاءه في أنواع البلاء و فتح أبواب الشقاء حتى يأخذه على غرة، و ذلك لأنهم في كفالة رب السماء و الأرض كما أخبر به خاتم الأنبياء. و كيف لا يكون ذلك و قد اتصلت أذيته بالأبدال و هم أكابر الأولياء لقول علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه-: لا تسبوا أهل الشام و سبوا ظلمتهم‏ (1).

و قال أبو هريرة- رضي اللّه عنه-: لا تسبوا أهل الشام فإنهم جند اللّه المقدم.

و قد قال- (صلى اللّه عليه و سلم)- حكاية عن ربه عز و جل: «من آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و من بارز اللّه بالمحاربة كان جديرا أن يأخذ القرى و هي ظالمة إن أخذه أليم شديد» (2).

و قال- (صلى اللّه عليه و سلم)-: « [اللهم من ولي من أمر المسلمين‏

____________

(1) تقدم عن علي برقم (23) جزء السمعاني و رقم (14) جزء ابن عبد الهادي.

(2) قلت: الحديث أخرجه البخاري (6502) من حديث عطاء عن أبي هريرة بلفظ:

" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب و ما تقرب إلي عبدي بشي‏ء أحب إلي مما افترضته عليه ..." الحديث.

324

شيئا فأرفق بهم فارفق به و من ولي من أمرهم شيئا فشق عليهم فاشقق اللهم عليه‏] (1)، [و المقسطون عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن و كلتا يديه يمين الذين يعدلون في أنفسهم و أهليهم و ما ولوا]» (2).

و صح أنه- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ..» (3) الحديث بطوله.

بدأ به لأنه تجري على يده مصالح عامة شاملة بجميع عباد اللّه و الخلق عيال اللّه و أحبهم إليه أنفعهم لعياله.

و قال موسى (عليه السلام) لبني إسرائيل: و يستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون، فيجب على ولاة الأمور أن يستحيوا من نظر اللّه عز و جل.

صحّ أن دمشق أفضل بقاع الشام ما عدا بيت المقدس، و مما يدل على بركتها و أفضلية أهلها لكثرة ما فيها من الأوقاف على أنواع القربات و مشارف الخيرات، و أن مسجدها الأعظم في معظم الليل و النهار لا يخلو من قارئ لكتاب اللّه تعالى، أو مصل أو ذاكر أو عالم أو متعلم.

و مما يحكى عن صيانة أهلها و دينهم ما روى عبد الرحمن بن زيد بن جابر قال: باعت امرأة طستا في سوق الصفر بدمشق، فوجده المشتري ذهبا فقال لها: لم أشتره إلا على أنه صفر، فإذا هو ذهب فهو لك. فقالت: ما ورثناه إلا على أنه صفر، فإن كان ذهبا فهو لك، فاختصما إلى الوليد بن عبد الملك و أحضر رجاء بن حيوة و قال له: انظر فيما بينهما، فعرضه رجاء على المرأة فأبت أن تقبله، فعرضه على الرجل فأبى أن يقبله فقال: يا أمير المؤمنين‏

____________

(1) أخرجه مسلم (1828/ 19) من حديث عائشة رضي اللّه عنها.

(2) أخرجه مسلم (1827/ 18) من حديث عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنه-.

(3) أخرجه البخاري (660- 6479- 1423- 6806)، و مسلم (1031/ 91) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه.

325

أعطها ثمنه و اطرحوه في بيت المال.

و قال زيد بن جابر: رأيت سوارا وزنه ثلاثون مثقالا معلقا في قنديل من قناديل مسجد دمشق أكثر من شهر، لا يأتيه أحد فيأخذه.

كذا ذكره ابن عبد السلام في كتاب ترغيب أهل الإسلام.

و اعلم أن في دمشق و ضواحيها أماكن فاضلة، منها: مسجد الأعظم و قد تقدم في معناه عن قول اللّه عز و جل لجبل قاسيون: سأبني في حضنك أي في وسطك بيتا أعد فيه إلى آخره.

و تقدم أيضا في الجبال المقدسة و الكلام عليها، عن قتادة أنه قال: جامع دمشق نقل ذلك عن الدرفس الغساني الدمشقي.

و في تفسير قوله تعالى: وَ التِّينِ‏ قال القرطبي: مسجد دمشق كان بستانا لهود (عليه السلام) فيه تين.

و عن عثمان بن أبي عاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود النبي (عليه السلام).

و على ذكر مسجد دمشق الموعود بذكر و ابتداء وضعه، و ذكر بانيه و ابتداء عمارته، أقول:

قال ابن شاكر الكتبي في تاريخه" عيون التواريخ": في السنة السادسة و التسعين من الهجرة تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه الوليد ابن عبد الملك بن مروان الخليفة- جزاه اللّه عن المسلمين خيرا-، و كان ابتداء عمارته سنة ست و ثمانين من الهجرة، فمدة عمارته عشر سنين، و كان أصل موضع الجامع قديما معبدا ابتنته اليونان، و كانوا يعبدون الكواكب السبعة، و هي: القمر في السماء الدنيا، و عطارد في الثانية، و الزهرة في الثالث، و الشمس في الرابع، و المريخ في الخامسة، و المشتري في السادسة، و زحل في السابعة، و كانوا قد جعلوا أبواب دمشق على عدد الكواكب، فصوروا زحل‏

326

على باب كيسان، و الشمس على باب شرقي، و الزهرة على باب توما، و المشتري على باب الصغير، و المريخ على باب الجابية، و عطارد على باب الفراديس، و القمر على باب الفراديس الثاني، و يسمى اليوم باب السلامة، و أما باب النصر و باب الفرج فإنهما متجددان، و كان لهم على كل باب عيد في السنة، و اليونان هم الذين وضعوا الأرصاد على حركات الكواكب و اتصالاتها و تقاربها، و بنوا دمشق في طالع سعيد، و اختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، و صوقوه أنهارا تجري إلى الأماكن المرتفعة و المنخفضة، و بنوا هذا المعبد و كانوا يصلون إلى القطب الشمالي، فكانت محاربهم اتجاه الشمال، و بابه يفتح إلى جهة القبلة، حيث المحراب اليوم كما شوهد عيانا لما نقضوا بعض الحائط القبلي، و هو باب حسن مبني بالحجارة المنحوتة، عن يمينه و يساره بابان صغيران بالنسبة إليه، و كان غربي المعبد قصر ضيق جدا، تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد و شرقية قصر جيرون، و هو جيرون بن سعد بن عاد بن عوص.

و يقال: إنه هو الذي بنى دمشق، و هي إرم ذات العماد.

و قيل: إن جيرون و بريد كانا أخوين، و هما ولدا سعد بن عاد، و هما اللذان يعرف باب جيرون و باب البريد الآن بهما.

و قال وهب بن منبه دمشق بناها العازر غلام إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و كان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان، و كان اسم الغلام دمشق فبناها على اسمه.

و قال أبو الحسن الرازي: و حكى الدمشقيون: أنه كان في زمن معاوية ابن أبي سفيان رجل صالح بدمشق، و كان يقصده الخضر، فجاء إلى ذلك الرجل الصالح و قال له: بلغني أن الخضر يأتيك، فأحب أن تجمع بيني و بينه.

327

فقال له: نعم فجاء الخضر، فسأله الرجل في ذلك فأبى عليه، و قال:

ليس إلى هذا سبيل. فعرّف الرجل معاوية بذلك.

فقال له معاوية: قد قعدنا مع من هو خير منك، و حدثناه، و خاطبناه، و هو محمد- (صلى اللّه عليه و سلم)-، و لكن اسأله عن ابتداء دمشق كيف كان؟ فسأله فقال له: سرت إليها فرأيت موضعها بحرا مستجمعا فيه المياه، ثم غبت عنها خمسمائة سنة ثم سرت إليها فرأيته ماء غيض، ثم غبت خمسمائة سنة ثم صرت إليها، فرأيتها قد ابتدى فيها بالبناء و نفر يسير فيها.

و قيل: إن باب جيرون من بناء سليمان بن داود (عليه السلام) بنته الشياطين، و كان اسم الذي بناه جيرون فسمي به.

و قيل: إن دمشق بناها دمشقيون غلام كان مع الإسكندر، و ذلك أنه لما رجع الإسكندر من المشرق، و جعل السدّ بين أهل خراسان و بين يأجوج و مأجوج، و سار يريد الغرب، فلما بلغ الشام و صعد على (عقبت دمر) (1) أبصر هذا الموضع الذي فيه اليوم دمشق، و كان هذا الوادي الذي يجري فيه نهر دمشق غيضة أرز، فلما رآها ذو القرنين، و كان هذا الماء الذي في هذه الأنهار اليوم متفرقا، يجتمع في واد واحد فأخذ الإسكندر يتفكر كيف يبني فيه مدينة، و كان أكثر فكره و تعجبه أنه نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع و (بغيضة أكلها) (1). و كان له غلام يقال له دمشق، و كان أمينه على جميع ملكه، قال: فنزل الإسكندر في موضع (العريت المعروفة ببلدا أمن دشق) (1)، على ثلاثة أميال و أمر أن يحفر في ذلك الموضع حفيرة، فلما فعلوا ذلك أمر أن يرد التراب الذي أخرج منها إليها، فلما رد التراب لم تمتلئ الحفرة فقال لغلامه دمشقين: ارحل فإني كنت نويت أن أأسس في هذا الموضع مدينة، فلما كان بان لي مثل هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة، فقال له غلامه: و لم يا مولاي؟ فقال ذو القرنين إن بني هاهنا مدينة فلا يكفي أهلها زرعها، ثم رحل‏

____________

(1) كذا بالأصل و لا أعرف ضبطه.

328

من هناك و سار حتى صار إلى الثنية و حوران و أشرف على تلك السعة، و نظر إلى تلك التربة الحمراء، فأمر أن يتناول من ذلك التراب، فلما صار في يده أعجبه؛ لأنه نظر إلى تربة حمراء كأنها الزعفران، فأمر من ينزل هناك، ثم أمر أن يحفر هناك حفيرة، فلما حفروا أمر أن يرد التراب إلى الحفيرة، فردوه ففضل منه تراب كثير، فقال ذو القرنين لغلامه دمشقين: ارجع إلى الموضع الذي فيه الأرز إلى ذلك الوادي فاقطع ذلك الشجر، و ابن على حافة الوادي مدينة و سمّها على اسمك، فهناك يصلح أن يكون مدينة، و هذا الموضع بحرها و منه حيرتها يعني الثنية، قال: فرسم دمشق المدينة الداخلة، و جعل لها ثلاثة أبواب باب جيرون، و باب البريد، و الباب الحديد الذي هو داخل باب الفراديس، و هو الذي عند فراسقر، و بناها دمشقين، و مات فيها، و كان قد بنا هذا الموضع الذي هو الجامع كنيسة يعبد اللّه فيها. و قيل: إن الذي بناها اليونان.

و قال يحيى بن حمزة قدم عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس دمشق و حاصر أهلها فلما دخلها هدم سورها فوقع منه حجر مكتوب باليونانية فأرسلوا خلف راهب يقرأه فقال: إيتوني بقير فطبع على الحجر فإذا عليه مكتوب: ويلك أم الجبابرة من رامك بسوء قسمه اللّه ويلك من الخمسة أعين نقض سورك على يده بعد أربعة آلاف سنة فقال فوجدنا الخمسة أعين.

قال عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب قال الحافظ ابن عساكر: لما فتح اللّه تعالى على المسلمين الشام بكماله و من مدينة دمشق بأعمالها و أنزل اللّه رحمته فيها و ساق بره إليها و كتب أمير الحرب إذ ذاك و هو أبو عبيدة بن الجراح و قيل خالد بن الوليد- رضي اللّه عنه- كتاب أمان و أقر به بأيدي النصارى أربعة عشر كنيسة و أخذوا منهم نصف هذه الكنيسة (مديحنا لحكم) (2) أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، و أخذ النصارى‏

____________

(2) كذا بالأصل و لا أعرف ضبطه.

329

الأمان من أبي عبيدة و هو على باب الجابية بالصلح فاختلفوا، ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا و نصفه عنوة فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا، و كان قد صارت إليه إمرة الشام فكان من صلى فيه أبو عبيدة، ثم الصحابة بعده في البقعة التي يقال لها: محراب الصحابة، و لكن لم يكن الجدار مفتوقا بمحراب محني و إنما كان الصحابة يصلون عند هذه البقعة المباركة، و كان المسلمون و النصارى يدخلون من باب واحد، و هو باب المعبد الأصلي الذي كان من جهة القبلة مكان المحراب الكبير اليوم فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، و يأخذ المسلمون يمينه إلى مسجدهم، و لا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم و لا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة، و مهابة و خوفا، و بنى معاوية في أيامه على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، و بنى فيها قبة خضراء ففرغت الدار بكمالها فسكنها معاوية أربعين سنة، ثم لم يزل الأمر كما ذكرنا من سنة أربعة عشر إلى سنة ثمانين في ذي القعدة منها و قد صارت الخلافة إلى الوليد في شوال منها فعزم على أخذ بقية هذه الكنيسة و أضاف فيها إلى ما بأيدي المسلمين منها و جعل الجميع مسجدا واحدا و ذلك لتأذي بعض المسلمين بسماع قراءة النصارى في الإنجيل و رفع أصواتهم فأحب أن يبعدهم عن المسلمين و أن يضيف ذلك المكان إلى هذا فيكبر به المسجد الجامع فطلب النصارى و سألهم أن يخرجوا له من المكان الذي بأيديهم و يعوضهم إقطاعات كثيرة عرضها عليهم و أن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد و هي كنيسة مريم و كنيسة المصلين و كنيسة تل الجبن و كنيسة أم حميد التي بدرب الصقيل فأبوا ذلك أشد الإباء فقال: ائتونا بعهدكم الذي بأيديكم من زمن الصحابة فأتوا به فقرئ بحضرة الوليد فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما عند النهي لم تدخل في العهد و كانت فيما يقال أكبر من كنيسة مر يحنا فقال: أنا أهدمها و أجعلها مسجدا فقالوا: بل اتركها أمير المؤمنين و ما ذكر

330

من الكنائس و نحن نرضى بأخذه بقية هذه الكنيسة ثم أمر بإحضار آلات الهدم و اجتمع إليه الأمراء و الكبراء و رؤوس الناس و جاءت أساقفة النصارى و قساوستهم فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من هدم هذه الكنيسة يجن فقال: إني أحب أن أجن في اللّه و اللّه لا يهدم فيها أحد قبلي ثم صعد المنارة الغربية ذات الأضالع المعروفة اليوم بالساعات فكانت صومعة فإذا فيها راهب فأمره بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك و تلكأ فأخذ الوليد بقفاه و لم يزل يدفعه حتى أحدره منها ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوقع المذبح الأكبر الذي يسمونه الشاهد و أخذ أزيال قباه و كان لونه أصفر سفر جليا ففرزها في المنطقة ثم أخذ بيده فأسا فضرب به في أعلا حجر هناك فألقاه فتبار الأمراء إلى الهدم و كبر المسلمون ثلاث تكبيرات و صرخت النصارى بالعويل و الويل على درج جيرون و قد اجتمعوا هناك، فأمر الوليد أمير الشرطة و هو أبو أنايل رباح الغساني أن يضربهم حتى يذهبوا من هناك ففعل و هدم المسلمون جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المكان من المذابح و الأبنية و الحنايا، حتى بقي ساحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على صفة حسنة لم يسبق إليها، و استعمل الوليد في بناء هذا المسجد على الصورة التي اخترعها خلقا من الصناع و المهندسين و الفعلة، و كان المستحث على عمارته أخاه و ولي عهده من بعد سليمان بن سليمان بن عبد الملك.

و يقال: إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام و غير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد، و أرسل يتوعده إن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش، و ليخربن كل كنيسة في بلاده حتى كنيسة القدس، و كنيسة الرها و سائر آثار الروم، فبعث ملك الروم صناعا كثيرا و كتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم الذي صنعته و تركه فإنه لوصمة عليك، و إن لم يكن فهمه و فهمته أنت، فإنه لوصمة عليه فلما وصل الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيبه عن ذلك و اجتمع الناس عنده لذلك فكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال: أنا أجيبه‏

331

يا أمير المؤمنين من كتاب اللّه تعالى، فقال: و ما جوابه قال: قوله تعالى: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً (1) فأعجب ذلك الوليد و أرسل به جوابا لملك الروم و قال الفرزدق في ذلك شعرا:

رقيت بين النصارى في كنيستهم‏* * * و بين أهل الهوى الصافين في الظلم‏

نصبت في الحال بالتمييز أسعدهم‏* * * على شقيهم المجرور للنقم‏

فتبارك ربك تحويلا لبيعتهم‏* * * عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم‏

و هم جميعا لذا صلوا و أوجههم‏* * * شتى إذا سجدوا للّه و الصنم‏

و كيف يجتمع الناقوس يضربه‏* * * أهل الصليب إذ القراء لم تنم‏

فهمت تحويلها عنه كما فهما* * * إذ يحكمان له في الحرث و الغنم‏

قال: فلما أراد الوليد أن يبني القبة التي في وسط الرواقات، و يقال لها قبة النسر و هو اسم حادث لها و كأنهم شبهوها بالنسر في شكلها لأن الرواقات في يمينها و شمالها كالأ جنحة لها حفروا في أركانها، حتى وصلوا إلى الماء، و شربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه جرار الكرم و بنوا من فوقه بالحجارة فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت.

فقال الوليد لبعض المهندسين: و كان يعرف بالنسر أريد أن تبني لي أنت هذه القبة.

فقال على أن تعطيني عهد اللّه و ميثاقه و أن لا يبنيها أحد غيري ففعل ذلك فبنى الأركان ثم علقها بالبواري و غاب سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهم به الوليد، فقال يا أمير المؤمنين: لا- لعلها لا تعجل- ثم أخذه و معه رؤوس الناس و جاء إلى الأركان و كشف البواري عنها فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض فقال‏

____________

(1) سورة الأنبياء الآيتان: (78، 79).

332

له: من هذا أثبت ثم بناها فانعقدت على أحسن هيئة و قال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة في ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك فضربه خمسين سوطا، و قال له: ويلك أنا أعجز عن هذا؟ فقال له: نعم قال: فبين لي بطريق أعرفه، فقال له: أحضر الذهب الذي عندك كله، فأحضره فسكّت به لبنة، فإذا هي قد دخل فيها ألوف من الذهب، فقال يا أمير المؤمنين: إنا نريد من هذا اللّبن كذا و كذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي ذلك عملناه. فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارا، و لما سقف الوليد الجامع جعل سقفه جملونات و باطنا مسطحا نعت نص بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تطين أسطحة هذا المسجد كل عام، فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعل عوض الطين، و يكون أخف على السقف و أصون له، فجمع من كل ناحية من الشام و غيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة قناطير مقنطرة، فساومها فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة، فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك. فقال:

اشتروه منها و لو وزنه فضة، و لما بدلوا لها ذلك.

قالت: أما إذا قلتم ذلك و رضيتم ببدل ثمنه و وزنه فضه فهو صدقة للّه يكون في سقف هذا المسجد فكتبوا على الواجهة بطابع للّه.

و يقال إنها كانت إسرائيلية و إنه كتب على الألواح التي أعطتهم الإسرائيلية بطابع صدقة للّه تعالى و يقال إنهم طلبوا الرصاص في النواقيس العادية فانتهوا إلى قبر حجارة و في داخله قبر من رصاص فأخرجوا الميت الذي فيه، و وضعوه على الأرض، فوقع رأسه في هوية إلى الأرض، فانقطع عنقه فسال من فيه الدم فهالهم ذلك، فسألوا عنه فقال عبادة بن بشر الكندي: هذا قبر طالوت الملك.

قال محمد بن عائذ سمعت المشايخ يقولون: ما تم مسجد دمشق إلا بأداء

333

الأمانة لقد كان يفضل عند الرجل من الفعلة و الصناع الفلس و رأس المسمار فيجي‏ء به حتى يضعه في الخزانة.

قال بعض المشايخ: ليس في الجامع من الرخام شي إلا الرخامتان اللتان في المقام من غربي بلقيس و الباقي كله مرمر.

و قال بعضهم اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرب خالد بن يزيد بن معاوية بألف و خمسمائة دينار.

و قال دحيم: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم.

و قال عمر بن مهاجر الأنصاري: حسبوا ما أنفقوا على الكرمة التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.

و قال ابن قصي: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق في كل صندوق ثمانية و عشرون ألف دينار قال: الحرس إلى الوليد بن عبد الملك فقالوا: يا أمير المؤمنين الناس يقولون أنفق الوليد أموال بيت المال في غير حقها فأمر أن ينادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا، و صعد الوليد المنبر:

إنه بلغني عنكم كذا و كذا ثم قال: يا عمر بن مهاجر قم فأحضر أموال بيت المال. فحملت على البغال و بسطت الأقطاع تحت القبة، و أفرغ عليها المال ذهبا و فضة، حتى كان الرجل لا يرى الرجل من الجانب الأخر، و جي‏ء بالقبانين و وزنت، فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة، لو لم يدخل الناس شي‏ء بالكلية، فخرج الناس و كبروا و حمدوا اللّه على ذلك.

ثم قال الخليفة: يا أهل دمشق إنكم تفتخرون على غيركم بأربع:

بهواكم و بمائكم و فاكهتكم و حمّاماتكم فأحببت أن أزيدكم خامسة و هي هذا الجامع فحمدوا اللّه و أثنوا عليه و انصرفوا شاكرين داعين.

و قال بعضهم: كان في مسجد دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلا زورد و في كل منها بسم اللّه الرحمن الرحيم اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه‏

334

سنة و لا نوم لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و لا نعبد إلا إياه ربنا اللّه وحده و ديننا الإسلام نبينا محمد- (صلى اللّه عليه و سلم)- أمر ببنيان هذا المسجد و هدم الكنيسة التي كانت فيها عبد اللّه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان في ذي القعدة سنة ست و ثمانين من الهجرة النبوية، و في صحيفة أخرى من تلك الصحائف: فاتحة الكتاب بكمالها، ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجي‏ء المأمون إلى دمشق و ذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها، و أن الرخام كان في جداراته إلى قامات و فوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب، و فوقها فصوص مذهبة حمر و خضر و زرق و بيض قد صور بها سائر البلدان الكعبة فوق المحراب و سائر البلدان يمنة و يسرة، و ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة و المزهرة و سقفه مقرنص بالذهب، و السلاسل المعلقة من ذهب و فضة، و أنواع الشموع في أماكن متفرقة، و كان في محراب الصحابة حجر من بلور و يقال من جوهر و هي الدرة، و كانت تسمى القليلة، كان إذا طفيت القناديل تضي‏ء لمن هناك بنورها، فلما كان في زمن الأمين بن الرشيد و كان يحب البلور و بعث إلى سليمان و إلى شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها، و سيرها إليه، فلما ولي المأمون أرسلها إلى دمشق ليشنع بذلك على أخيه الأمين.

قال الحافظ ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها مرنية من زجاج و كانت الأبواب الشارمة من أبواب الصحن إلى داخل المسجد ليس عليها إغلاق، و إنما على الستور مرخاة و كذلك الستور على سائر جداراته إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة، و رأس الأعمدة مطلية بالذهب الصبيب، و عملوا شرفات تحيط به من الجهات الأربع، و بنى الوليد المنارة الشمالية، و هي التي يقال لها مأذنة العروس، و أما الشرقية و الغربية فكانتا قبل ذلك بدهور متطاولة، و كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة

335

جدّا بنتها اليونان المرصد فسقطت الشماليتان، و بقت القبليتان، و قد احترق بعض الشرقية في سنة أربعة و سبعمائة، و نقضت و جدد بناءها من أموال النصارى حيث اتهموا بحريقها فقامت على أحسن الأشكال و هي- و اللّه أعلم- الشرقية التي ينزل عليها عيسى ابن مريم (عليه السلام).

قال: قال: في مثير الغرام و يروي عبد الرحمن بن جبير قال: حدثني جبير ابن نفير أن النواس بن سمعان قال: قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-:

«أريت عيسى ابن مريم يخرج من عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعا يده على أجنحة ملكين عليه ربطتين ممشوقتين عليه السكينة» (1).

و ربطة الملاك إذا كانت قطعة واحدة و لم تكن قطعتين و الممشوقة المصبوغة بالمشق و هي المغرة.

و عنه أيضا قال سمعت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: «ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهرودتين ممطرتين» (2).

و عن سعيد بن عبد العزيز عن شيخ من مشايخه أنه سمع ابن عباس الحضرمي يقول: يخرج عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء عند باب شرقي ثم يأتي مسجد دمشق‏ (3).

و سيأتي الكلام على خروج عيسى و قتله للدجال عند ذكر مدينة لد إن شاء اللّه تعالى.

قال و لما اكتمل بناء جامع الأموي لم يكن على وجه الأرض أحسن و لا

____________

(1) أخرجه مسلم (2137/ 110- 111) و غيره، و قد تقدم في جزء الربعي برقم (111- 112).

(2) انظر التعليق السابق.

(3) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (1/ 102) من طريق العباس بن الوليد عن أبيه عن سعيد بن عبد العزيز بسنده به، و قد تقدم في جزء الربعي رقم (108).

336

أبهى و لا أجمل منه بحيث إذا نظر الناظر في أي جهة منه و إلى أي بقعة أو مكان منه تحير فيما ينظر إليه من حسنه و كانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شي‏ء من الحشرات بالكلية لا الحيات و لا العقارب و لا الخنافس و لا العناكب و يقال و لا العصافير أيضا تعشش فيه و لا الحمام و لا شي‏ء مما يتأذى به الناس و أكثر هذه الطلسمات و كلها احترقت لما وقع فيه الحريق و كان ذلك في ليلة نصف شعبان سنة إحدى و ستين و أربعمائة و كان الوليد كثيرا ما يصلي في هذا المسجد.

و في كتاب أبي الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى المغيرة المقبري أن الوليد قال ليلة من الليالي للقوم: أريد أن أصلي الليلة في المسجد فلا تتركوا فيه أحدا حتى أصلي فيه فأتى باب الساعات و استفتح الباب ففتح له فدخل من باب الساعات فإذا رجل بين باب الساعات و باب الخضر من الساعات، فقال للقوم: أ لم آمركم أن لا تتركوا أحدا يصلي الليلة في المسجد فقال بعضهم يا أمير المؤمنين: هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد (1).

و روى صاحب كتاب الأنس عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة.

و بسنده إلى نافع مولى أم عمرو بنت مروان عن رجل سماه أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يصلي فيه في جيرون فلقي كعب الأحبار فقال له: أين تريد فقال أريد بيت المقدس لأصلي فيه فقال: تعال أريك موضعه أو قال موضعا في هذا المسجد من صلى فيه فكأنما صلى في البيت المقدس قال فذهب فإذا ما بين الباب الأصغر الذي يخرج منه إلى الحنية يعني القنطرة الغربية، و قال: من صلى فيما بين هاتين فكأنما صلى في بيت المقدس قال واثلة ابن الأسقع: إنه لمجلسي و مجلس قومي‏ (2).

____________

(1) تقدم في جزء الربعي رقم (56).

(2) تقدم في جزء الربعي رقم (66).

337

و من الأماكن المقصودة فيه بالزيارة الموضع الذي فيه رأس يحيى بن زكريا (عليه السلام) من الجامع فيه.

روى أبو الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى أبي القاسم بن عثمان قال سمعت الوليد بن مسلم: و سأله رجل يا أبا العباس أين بلغك رأس يحيى ابن زكريا من هذا المسجد قال: بلغني أنه ثم و أشار بيده إلى العمود المسفط الرابع من الركن الشرقي.

و عن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة و كانت البشرة و الشعرة على رأسه لم تتغير.

و عنه أيضا قال: و كلني الوليد بن عبد الملك عن العمارة في بناء جامع دمشق فوجدنا فيه مغارة فعرفنا الوليد بذلك فلما كان الليل جاءوا بشمع بين يديه فنزل فإذا هو كنيسة لطيفة ثلاثة في ثلاثة و إذا فيها صندوق ففتحه فإذا سفط و في السفط رأس يحيى بن زكريا (عليه السلام) مكتوب: هذا رأس يحيى ابن زكريا. فأمر الوليد به فردّ إلى مكانه. و قال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغايرا عن الأعمدة؛ كي يعرف فجعل عليه سقط الرأس.

و بسنده إلى أبي مسهر إلى سعيد بن المسيب قال لما دخل بخت نصر دمشق صعد على الدرج حتى دخل الكنيسة التي هي المسجد الجامع فرأى دم يحيى بن زكريا يفور و يغلي فقتل عليه خمسة و سبعين ألفا حتى سكت الدم.

قال أبو مسهر: و إن رأس يحيى بن زكريا لتحت العمود المسفط شرقي المسجد و هو يعرف بعمود السكاسك.

و بسنده إلى أبي مسهر أيضا: أن ملك دمشق بنى الحصن الذي حول المسجد داخل المدينة على مساحة مسجد بيت المقدس فوضعها على أبوابه فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب بيت المقدس قال: و لما ولي عمر بن‏

338

عبد العزيز- رضي اللّه عنه- الخلافة و رأى مسجد دمشق قال: إني أرى أموالا أنفقت في هذا المسجد في غير حقها و أنا أستدرك ما استدركت منها فأرده إلى بيت مال المسلمين، أنزع هذه السلاسل و أجعل مكانها حبلا، و أقلع هذه الفسيفساء و أجعل مكانها الطين، و أقلع هذا الرخام و أجعل مكانه جصّا، قال: فبلغ ذلك أهل دمشق فخرجوا إليه و هو بدير سمعان بأرض حمص فدخلوا عليه و قالوا يا أمير المؤمنين: بلغنا أنك تصنع كذا و كذا، قال: نعم.

فقال له خالد بن عبد اللّه القبسوي: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين قال و لم يا ابن الكافر و كانت أمه نصرانية رومية. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت نصرانية فقد ولدت رجلا مؤمنا قال: صدقت و استحيا عمر منه، و قال: لم تقل ما ذلك لي. قال لأنا كنا معاشر الإسلام نغزو بلاد الروم فنجعل على أحدنا مدا من فسيفساء فيجي‏ء به ذراع في ذراع من رخام أو أقل أو أكثر على قدر صاحبه فيكتري عليه أهل حمص إلى حمص و أهل دمشق إلى دمشق و أهل فلسطين إلى فلسطين و أهل الأردن إلى الأردن و ليس هو لبيت المال فأطرق عمر- رضي اللّه عنه- و اتفق قدوم جماعة من الروم رسلا من عند ملكهم فلما دخلوا من باب البريد و انتهوا إلى باب الكبير الذي تحت قبة النسر و رأوا ذلك البناء العظيم و الزخرفة التي لم يسمع بمثلها على وجه الأرض صعق كبيرهم مغشيّا عليه فحملوه إلى منزله فبقي أياما [مذففا] (1) فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال: ما كنت أظن أن يبني المسلمون هذا البناء و كنت أعتقد أن مدتهم أقصر من هذا، فلما بلغ عمر بن عبد العزيز قال: أو إن هذا يغيظ الكفار دعوه على حاله.

قال: و سألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسا فيما كان أخذه الوليد بن عبد الملك منهم فأدخله في المسجد، فحقق عمر

____________

(1) كلمة غير واضحة بالأصل، و رسمها كما كتبتها.

339

القضية فرأى أن يرد عليهم ما أخذه الوليد منهم ثم نظر فإذا الكنائس التي في خارج البلد لم تدخل في الصلح التي كتب لهم الصحابة مثل كنيسة دير مران و كنيسة الرها التي (بالتعبه) (1) كنيسة توما خارج باب توما و سائر الكنائس التي بقرب (الحواضي) (1) فخيرهم في رد ما سألوه و أن يخرب هذه الكنائس كلها أو يبقي تلك الكنائس و يطيبوا نفسا للمسلمين بهذه البقعة فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس و يكتب لهم كتاب أمان بها و يطيبوا نفسا بتلك البقعة، فكتب لهم عمر- رضي اللّه عنه- كتاب أمان بذلك.

قال الحافظ ابن عساكر: و لم يكن للجامع الأموي نظير في حسنه و بهجته قال الفرزدق: أهل دمشق في بلدهم قصر من قصور الجنة يعني به الجامع الأموي.

و قال أحمد بن الجزري: و ما ينبغي أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق لما يرون من حسن مسجدها.

قالوا: و لما دخل المهدي أمير المؤمنين العباس دمشق يريد زيارة بيت المقدس و نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه عبد اللّه الأشعري: سبقتنا بنو أمية بثلاث: بهذا المسجد لا على وجه الأرض مثله، و نبيل الموالي، و بعمر بن عبد العزيز لا يكون فينا مثله و اللّه أبدا، ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى قبة الصخرة، و كان عبد الملك قد بناها فقال لكاتبه و هذه رابعة أيضا، و قد تعد ذلك.

و لما دخل المأمون دمشق و نظر إلى جامعها و كان معه أخوه المعتصم و القاضي يحيى بن أكثم قال: ما أعجب ما فيه؟ فقال أخوه هذه الأذهاب التي فيه، و قال يحيى بن أكثم هذا الرخام و هذه العقدة. فقال المأمون: إنما أعجب من بنيانه على غير مثال متقدم.

و قال المأمون لقاسم التمار أخبرني باسم حسن أسمي به جاريتي هذه،

____________

(1) كذا بالأصل و لا أدري ضبطه.

340

فقال سمها مسجد دمشق؛ فإنه أحسن شي‏ء في الدنيا.

و قال عبد الرحمن بن عبد الحكم عن الشافعي- رضي اللّه عنه- أنه قال عجائب الدنيا خمسة:

أحدها: منارتكم هذه يعني منارة ذي القرنين التي بالإسكندرية.

و الثانية: أصحاب الرقيم و هم بالروم.

و الثالثة: مرآت بباب الأندلس على باب مدينتها يجلس الرجل عندها فينظر الرجل فيها صاحبيه من مسيرة خمسمائة فرسخ.

و الرابعة: مسجد دمشق المتفق على حسنه و بهائه و بهجته.

و الخامسة: الرخام و الفسيفساء الذي فيه فإنه لا يدرى له موضع.

و يقال: إن الرخام معجون، و الدليل على ذلك يذوب على النار.

و على ذكر جبل قاسيون و ما فيه من المشاهد المباركة و المعاهد التي لم يكن معها في الفضل نوع مشاركة و ما حولها من الآثار المعروفة بإجابة الدعوات و خرق العادات.

أقول: قد تقدم في ذكر جبل قاسيون بخصوصه عند ذكر الجبال المقدسة ما شرحناه آنفا و فيه ما روى أبو الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: و قد سأله رجل عن الآثار المباركة بدمشق فقال: «بها جبل قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه و في أسفله من الغرب ولد إبراهيم و فيه آوى اللّه عيسى ابن مريم و أمه و منعهما من اليهود، من أتى معقل روح اللّه عيسى و اغتسل و صلى و دعا لم يرده اللّه خائبا» فقال رجل: يا رسول اللّه صفه لنا فقال له: «هو بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق، و أزيدكم أنه جبل كلمه اللّه تعالى، و فيه ولد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فمن أتى ذلك الموضع فلا يعجز في الدعاء»، فقال يا رسول اللّه: أكان ليحيى بن زكريا معقلا؟ قال:

341

«نعم اختبأ فيه من هزار رجل من عاد في الغار الذي تحت دم ابن آدم المقتول و فيه اختبأ إلياس من ملك قومه و فيه صلى إبراهيم و لوط و موسى و عيسى (عليهم السلام) و أيوب فلا تعجزوا في الدعاء و فيها الموضع الذي ببرزة» (1).

و قال صاحب مثير الغرام فيما رواه عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: أغار ملك هذا الجبل على لوط (عليه السلام) فسباه و أهله، فأقبل إبراهيم (عليه السلام) في طلبه في عدة أهل بدر فالتقوا في صحن العقود (فعبى) (2) إبراهيم و استنقذ لوطا و أهله، و أتى الموضع الذي في برزة فصلى فيه و اتخذه مسجدا (3).

و عن ابن مسعود و ابن عباس ولد إبراهيم بغوطة دمشق بقرية يقال لها برزة بقاسيون. قاله في مثير الغرام، و فيه انقطاع و الصحيح أن مولد إبراهيم (عليه السلام) بكوثا في أرض بابل.

و ذكر هذا الأثر أبو الحسن بن شجاع الربعي بلفظ:" في عدة أهل بدر ثلاث مائة و ثلاثة عشر" و زاد فقال: و عن الزهري أنه قال: مسجد إبراهيم- (صلى اللّه عليه و سلم)- في قرية يقال لها برزة فمن صلى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه و يسأل اللّه ما يشاء فإنه لا يرده خائبا و منها المغارة التي في جبل قاسيون.

____________

(1) منكر: ذكره صاحب كنز العمال و قال: و أنا أخشى أن يكون هذا الحديث موضوعا.

كنز (14/ 149) رقم (38202)، و قال الألباني: منكر ففي إسناده محمد بن أحمد بن إبراهيم، و أيضا ففيه مخالفة لما ثبت في الصحيحين و غيرهما من عدم اتخاذ القبور مساجد حتى قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-:" لا تتخذوا قبري عيدا"، و قال:" لعنة اللّه على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا إني أنهاكم عن ذلك" و تقدم في جزء الربعي رقم (91) و تقدم بيان أنه منكر.

(2) كذا بالأصل و لا أدري معناها.

(3) تقدم في جزء الربعي رقم (104).

342

قال في مثير الغرام: قال الوليد: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول:

صعدنا في خلافة هشام بن عبد الملك إلى موضع دم ابن آدم فسألنا اللّه سقيا فآتانا فأقمنا في المغارة ستة أيام.

و قال مكحول: صعدنا مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع دم ابن آدم نسأل اللّه سقيا، فسمعت من يذكر معاوية خرج بالمسلمين إلى موضع دم يسألون اللّه أن يسقيهم فلم يبرحوا حتى جرت الأودية (1).

و في كتاب أبي الحسن بن شجاع الربعي: نسأل اللّه سقيا فأسقانا.

و قال مكحول: و سمعت كعب الأحبار يذكر أنه موضع الحاجات‏ (2) و المواهب لا يرد اللّه فيه سائلا و قال الوليد: سمعت ابن عباس يقول: كان أهل دمشق إذا قحطوا أو جار عليهم سلطان أو كان لأحدهم حاجة صعد إلى موضع دم ابن آدم المقتول يسألون اللّه تعالى فيعطيهم ما سألوه‏ (3).

و قال هشام: و لقد صعدت مع أبي و جماعة فسأل اللّه سقيا فأرسل علينا مطرا غزيرا حتى قمنا في المغارة تحت الدم ثلاثة أيام ثم دعونا اللّه أن يرفعه عنا و قد رويت الأرض فرفعه.

و بسنده إلى مكحول قال: قال كعب الأحبار: اتبعني فاتبعته حتى إذا وصلنا إلى غار في جبل قاسيون فصلى و صليت معه فسمعته يجتهد في الدعاء ثم خرج و سار حتى وصلنا إلى موضع قتل ابن آدم فيه أخاه فصلى و صليت معه فسمعته يجتهد في الدعاء فقلت: سمعتك تدعو مجتهدا ففيم ذلك؟ قال:

سألت اللّه أن يصلح بين معاوية و عليّ، و أن يرزقني كفافا و ولدا ذكرا ثم لقيته بعد ذلك فسألته فقال: قد استجاب اللّه دعائي فرزقني ولدا ذكرا و بعث‏

____________

(1) تقدم في جزء الربعي رقم (101).

(2) جزء الربعي رقم (93).

(3) تقدم برقم (100) جزء الربعي.

343

لي معاوية بألف درهم و كسوة و كتب معاوية إلى عليّ يسأله الصلح و تكاتبا على ذلك.

و بسنده إلى جبير السفياني قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير مران فرأى لمعة سائرة في الجبل فقال: هاهنا قتل ابن آدم أخاه و هذا أثر دمه قد جعله اللّه آية للعالمين و مصلى للمتقين.

و بسنده إلى عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبد اللّه بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان فما تقبل منها جاءت نار فأحرقته و ما لم يتقبل بقي على حاله و كان هابيل ذا غنم و منزله في مقرى و قابيل في قينة و كان ذا زرع و آدم في بيت أبيات و حواء في بيت لها فجاء هابيل بكبش سمين من غنمه فجعله على الصخرة فأخذته النار و جاء قابيل بقمح غلة فوضع على الصخرة فبقي على حاله فجدّ أخوه و تبعه في هذا الجبل و أراد قتله فصاحت حواء فقال آدم: عليك و على بناتك لا عليّ و على بنيّ.

و بسنده إلى أحمد بن كثير قال: صعدت إلى موضع الدم في جبل قاسيون فسألت اللّه عز و جل الحج فحججت و سألته الجهاد فجاهدت، و سألته الرباط فرابطت، و سألته الصلاة في بيت المقدس فصليت، و سألته يغنيني عن البيع و الشراء فرزقت ذلك كله، و رأيت في المنام أني في ذلك الموضع قائما أصلي فإذا النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- و أبو بكر و عمر و هابيل فقلت: أسألك بالواحد الصمد و بحق أبيك آدم و بحق هذا النبي هذا دمك؟ فقال: أي و الواحد الصمد هذا دمي جعله اللّه آية للناس و إني دعوت اللّه رب أبي آدم و أمي حواء و محمد المصطفى (صلوات اللّه عليهم) أن يجعل دمي مستغاث كل نبي و صديق و من دعا عنده فيجيبه و من سأله فيعطيه سؤاله فاستجاب اللّه لي و جعله ظاهرا و جعل هذا الجبل أمنا و مغيثا ثم و كل اللّه عز و جل به ملكا

344

و جعل معه في الملائكة بعدد النجوم يحفظونه و من أتى موضعه لا يريد إلا الصلاة فيه أن يتقبل منه فقال لي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- في المنام:

قد فعل اللّه ذلك كرما و إحسانا و إني آتيه كل خميس و صاحباي و هابيل فنصلي فيه.

و بسنده إلى الزهري أنه قال: لو يعلم الناس ما في موضع الدم من الفضل لما هنأ لهم طعام و لا شراب إلا فيها.

و بسنده إلى هشام بن عمار قال: سمعت من يذكر عن كعب قال:

اختفى إلياس (عليه السلام) من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلك اللّه الملك و ولي غيره فأتاه إلياس و عرض عليه الإسلام فأسلم و أسلم من قومه خلق كثير.

و بسنده إلى ابن عباس- رضي اللّه عنه- قال سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: اجتمع الكفار يتشاورون في أمري فقال- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «ليتني بالغوطة بمدينة يقال لها: دمشق حتى آتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه، فأسأل اللّه أن يهلك قومي» (1).

و بسنده إلى مكحول عن ابن عباس- رضي اللّه عنه- قال: موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف كان يحيى بن زكريا و أمه فيه أربعين عاما و صلى فيه عيسى ابن مريم و الحواريون فمن أتى ذلك الموضع فلا يقصر عن الصلاة و الدعاء فيه فإنه وضع الإجابة و من أراد أن يأتي إلى ربوة ذات قرار و معين فليأت في الغرب الأعلى بين النهرين و (ليصق) (2) إلى المغار في جبل قاسيون فليصلّ فيه فإنه بيت عيسى و أمه و كان معقلهم أي حصنهم من اليهود و من أراد أن ينظر إلى إرم ذات العماد فليأت نهرا في حضرة دمشق و يمسي بريدا و منها الموضع الذي بسفح جبل قاسيون المعروف بالكهف‏ (3).

____________

(1) تقدم برقم (100) جزء الربعي.

(2) كذا بالأصل و لا أدري معناها.

(3) الموضع السابق.

345

أخبرنا الشيخ محمد الحائك المبعلي في جماعة الشيخ عبد الرحمن بن داود الدمشقي الساكن بصالحية دمشق و المخبر المذكور ثقة من أهل الخير و الصلاح: أنه توجه إلى الكهف المذكور فرأى خادمة و عبدا و جماعة فأخبره أن بعض الحاضرين ذكر أن في الكهف المذكور مطلبا و أنهم عزموا على حفره قال: فطاوعهم على ذلك فدخلوا إلى المغارة التي عند الباب و حفروا هناك فظهر لهم حفر بلاطة كبيرة فقلعوها و نزلوا فوجدوا مغارة سعتها نحو خمسة أذرع أو أكثر و في شماليها إيوان و عليه سبعة أنفس طوال مسجين بأكفانهم على هيئة العرب فتهيبوا أن يدنوا منهم و رجعوا إعادة البلاطة إلى موضعها.

و على الجملة فمدينة دمشق أكثر المدن أبدالا و أكثرها أهلا و مالا و زهادا و أعيادا و مساجد و هي لأهل معقل و على ذكر من توفّي فيها و قبر بها.

أقول: روى أبو الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى الإمام الشافعي- رضي اللّه عنه و أرضاه- أنه قال: توفي عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بدمشق و دفن بها (1).

و روي أن أبي الدرداء و واثلة بن الأسقع و فضالة بن عبيد و أسامة بن زيد و حفصة بنت عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- و أم حبيبة بالشام سنة اثنتين و أربعين ابنة أبي سفيان زوجتي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- ماتوا بدمشق و دفنوا بها.

قال الحافظ الأقشهري وردت هذه الرواية بوفاة أم حبيبة بالشام سنة اثنتين و أربعين و قيل قبيل هذا، قالت عائشة رضي اللّه عنها: و دعتني أم حبيبة عند موتها، و قالت: كان بيننا ما بين الضرائر فاستغفر اللّه لي، فقلت: غفر اللّه لك، و أرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك‏ (2).

____________

(1) جزء الربعي رقم (83).

(2) نقل ذلك ابن حجر في الإصابة (7/ 654) و فيه زيادة أنها توفيت في المدينة.

346

و توفيت سنة أربع و أربعين في خلافة معاوية، و هذا يدل على أنها توفيت في المدينة، و دفنت حفصة بدار المغيرة، هذا كلام الأقشهري و يؤيد أنهما ليستا بالشام إطلاق ابن النجار أن أمهات المؤمنين بالبقيع و كذا المطري و الأقشهري و المراغي. لكن قالوا خلا خديجة و ميمونة (رضوان اللّه عليهم) انتهى و اللّه أعلم.

347

خاتمة في فضل مواضع مخصوصة بالشام منها فلسطين‏

و روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن جابر قال حدثني عقبة بن و شاح حديثا أسنده: «ما ينقص من الأرض يزاد في الشام و ما ينقص من الشام يزاد في فلسطين» (1).

و بسنده إلى عروة بن رويم: أن رجلا لقي كعب الأحبار فسأله كعب ممن هو؟ قال: من أهل الشام قال: لعلك من الجند الذين يدخل الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب، قال: من هم؟ قال أهل حمص، قال: لست منهم.

قال: فلعلك من الجند الذين يعرفون في الجنة بالثياب الخضر، قال: و من هم؟

قال: أهل دمشق، قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين هم تحت ظل عرش الرحمن، قال: و من هم؟ قال: أهل الأردن، قال لست منهم، قال:

فلعلك من الجند الذين ينظر اللّه إليهم في كل يوم مرتين، قال: و منهم قال أهل فلسطين، قال: نعم و يقال إن ذلك الرجل الذي لقي كعب الأحبار و سأله هو ملك بن عبد اللّه الحنفي.

و بسنده عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء ألف قبر و بأنطاكية قبر حبيب النجار، و بحمص ثلاثون قبرا و بدمشق خمسمائة قبر و ببلاد الأردن مثل ذلك و بفلسطين مثل ذلك، و ببيت المقدس ألف قبر و بالعريش عشر و قبر موسى بدمشق.

هذا كلام صاحب كتاب الأنس.

و مثله في كتاب ابن أبي الحسن الربعي عن سعيد عن مكحول عن عبد اللّه ابن سلام قال بالشام من قبور الأنبياء ألف قبر و سبعمائة.

____________

(1) أخرجه ابن عساكر (1/ 64) المخطوط و هو لا ندري لمن أسنده و من الواسطة و قد جاء من قول كعب الأحبار عند ابن عساكر في نفس الموضع.

348

قبر موسى (عليه السلام) بدمشق.

قلت: و الذي عليه الأكثرون نعم هو بالكثيب الأحمر بين عائلة و عويلة قبلي دمشق شرقي الطريق محقق أن قبر موسى (عليه السلام) بالقرب من أريحا من القبور، و قد تقدم الكلام على ذلك في موضعه فليراجع منه.

و بسنده إلى سليمان بن عبد الرحمن إلى عبد الملك الجزري أنه قال: إذا كانت الدنيا في بلاء و قحط كانت فلسطين في رخاء و عافية.

و قال: الشام مباركة و فلسطين مقدسة و بيت المقدس قدس المقدس.

و بسنده إلى الوليد بن مسلم إلى ثور بن زيد قال: قدس الأرض، و قدس الشام فلسطين، و قدس فلسطين بيت المقدس، و قدس بيت المقدس الجبل، و قدس الجبل المسجد، و قدس المسجد القبة، و منها دمشق.

و قد تقدم ذكر فضلها على سائر بقاع الشام ما عدا بيت المقدس ما فيه كفاية.

و منها لد قال في مسير الغرام: ورد في صحيح مسلم أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال و قد ذكر عنده «الدجال يقتله ابن مريم بباب لد» (1).

و صححه أيضا الترمذي، و فيه فضيلة لأهل تلك الأرض المقدسة، فإنهم يقاتلون مع نبي اللّه عيسى ابن مريم- (صلى اللّه عليه و سلم)- الأعور الدجال و أن مكثه في الأرض قليل و جاء أن بيت المقدس معقل من الدجال كما تقدم.

و روى بشير بن الزبير عن عبادة بن قيس: أن عيسى (عليه السلام) يأخذ من حجارة بيت المقدس ثلاثة أحجار: الأول منها يقول: باسم إله إبراهيم، و الثاني: بسم إله إسحاق، و الثالث: باسم إله يعقوب ثم يخرج بمن معه من المسلمين إلى الدجال فإذا رآه انهزم عنه فيدركه عند باب لد فيرميه بأول‏

____________

(1) أخرجه مسلم (2137/ 110- 11) و الترمذي (2240) من حديث النواس بن سمعان رضي اللّه عنه في حديث طويل.

349

حجر فيضعه بين عينيه، ثم الثاني ثم الثالث فيقع إلى الأرض فيقتله عيسى (عليه السلام) و يقتل اليهود حتى أن الحجر و الشجر ليقولان: يا مؤمن هذا تحتي يهودي فأته اقتله ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم إماما مقسطا فيكسر الصليب و يقتل الخنزير، و منها الرملة و الأردن» (1).

عن صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع عن أبي عبد اللّه ابن عم أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: [قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)-:] (2) «الزموا الرملة يعني فلسطين فإنها الربوة التي قال اللّه تعالى فيها» وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ (3) (4)

و بشر بن رافع هو أبو الأسباط ضعفه أحمد و غيره.

و عن أبي إدريس الخولاني عن نهيك بن إبراهيم أو خريم عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه قال: «لا تزال طائفة يقاتلون حتى يقاتل بقيتكم الدجال بالأردن أنتم في شرقيه و هم على غربيه» و اللّه ما أدري ذلك اليوم أين الأردن من بلاد اللّه‏ (5).

____________

(1) أخرجه البخاري (2222)، و مسلم (155/ 242) كلاهما من حديث أبي هريرة.

(2) كذا بالأصل و لعل الصواب قال: [سمعت أبا هريرة يقول‏] و انظر التخريج فهو بنفس الإسناد عن أبي هريرة موقوفا.

(3) أخرجه ابن جرير (18/ 26) من طريق محمد بن المثنى عن صفوان بن عيسى يسنده من قول أبي هريرة موقوفا عليه و كذا السيوطي في الدر المنثور (5/ 10) و قال السيوطي:

و أخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعا. و روي من طريق عبد الرزاق عن بشر بن رافع بسنده عن ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة موقوفا أيضا عن ابن عساكر في تاريخ دمشق المخطوط (1/ 94) و في إسناده بشر بن رافع و هو ضعيف كما قال المصنف:

اتفقوا على عدم الاحتجاج به و على طرح حديثه. و قال ابن معين و غيره: يحدث بمناكير.

(4) سورة المؤمنون الآية: (50).

(5) ضعيف كما قال المصنف و قد مر من أوجه ضعيفة أيضا و تكلمت هناك عن لفظه الصحيح المحفوظ فراجعه جزء الربعي (116- 117- 114)، جزء ابن عبد الهادي (10- 11- 12). و جزء السمعاني (3- 4- 6).

350

فيه محمد بن أيمن كوفي ضعيف.

و روى أبو الحسن محمد بن عون بسنده إلى أبي الهيثم قال: سمعت جدي يقول: أنزل اللّه تعالى على موسى أنه قال لإبراهيم أسكنت ولدك أرضا تفيض عسلا و لبنا أن أعجز المسلمين منها المال فما يعجزهم خبزة يشبع منه.

قال هشام: أراد الأردن و منها غزة.

عن مصعب بن ثابت عن ابن الزبير يرفعه: [طوبى لمن سكن إحدى العروستين عسقلان و غزة] (1).

إسناده منقطع و فيه من ضعفه أحمد و غيره و منه عسقلان.

روى صاحب مثير الغرام عن أبي عقال أنه قال: سمعت أنسا يقول: قال رسول- (صلى اللّه عليه و سلم)-: «عسقلان إحدى العروستين يبعث اللّه تعالى و تقدس و تمجد منها يوم القيامة سبعين ألفا و فودا شهداء إلى اللّه و بها صفوف الشهداء انقطعت رؤوسهم بأيديهم و تنفخ أوداجهم دما يفرطون ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك فيقول: صدق عبدي اغسلوهم بنهر البيضاء أو قال: البيضة فيخرجون منها يمرحون من الجنة حيث شاء» (2).

ليس بصحيح و أبو عقال و اسمه هلال، قال ابن حبان: روى أشياء موضوعة.

____________

(1) ذكره صاحب كنز العمال (12/ 35077) و عزاه للفردوس و هو في الفردوس رقم (3940) طبعة دار الكتب و في فيض القدير رقم (5295) و ضعفه و قال: فيه إسماعيل ابن عياش و فيه خلاف على سعيد بن يوسف أورده الذهبي في الضعفاء و قال ضعفه ابن معين و النسائي عن مصعب بن ثابت و قد ضعفوا حديثه. و انظر ضعيف الجامع (3637) و المشكاة (3831).

(2) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 54) و قال: جميع طرقه تدور على أبي عقال و اسمه هلال بن يزيد. قال ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة ما حدث بها قط لا يجوز الاحتجاج به بحال.

351

و عن ابن عمر رضي اللّه عنه أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- صلّى على مقبرة فقيل له: يا رسول اللّه أي مقبرة هذه؟ قال: «مقبرة بأرض عسقلان يفتحها ناس من أمتي يبعث اللّه منها سبعين ألف شهيد يشفع الرجل في مثل ربيعة و مضر، و عروس الجنة عسقلان» (1).

هذا الكلام مكذوب و لعله من وضع الشيخ حفص و قد ألف الحافظ ابن عساكر جزءا في فضل عسقلان نبه فيه على الصحيح و السقيم و الموضوع و المنقطع.

و روى عبد الرزاق بإسناده عن محمد بن كعب قال: كان يذكر أن الأكل و الشرب و الطعام و النكاح بها أفضل، يعني بعسقلان‏ (2).

قال بعض أهل العلم: و سبب ذلك أنها كانت مرابطا و ثغرا تخوفا نزله العدو مرارا و استشهد به من المسلمين و أما الآن فالرباط بغيرها أفضل منها لاستبعاد نزول العدو بها هذه الأيام.

و قد روي في فضلها و فضل مقبرتها أحاديث ضعيفة لا تصح و أمثل ما جاء ذكرها فيه من الأحاديث و ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريح عن إسماعيل بن رافع قال بلغنا أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال: «يرحم اللّه تعالى أهل المقبرة» قالت عائشة: أهل البقيع حتى قالها ثلاثا، فقال: «مقبرة

____________

(1) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 52) من طريق سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة عن حمزة بن أبي حمزة الجعفي عن عطاء و نافع عن ابن عمر- به. و قال: فيه حمزة بن أبي حمزة. قال أحمد بن حنبل: و هو مطروح الحديث، و قال يحيى: ليس بشي‏ء لا يساوي فلسا و قال النسائي و الدارقطني: هو متروك الحديث و قال ابن عدي: يضع الحديث و قال ابن حبان: يفرد عن الثقات بالموضوعات لا تحل الرواية عنه. و قال ابن عدي في الكامل (2/ 378): و كل ما يرويه أو عامته مناكير موضوعة و البلاء منه ليس ممن يروى عنه و لا ممن يروي هو عنهم.

(2) أخرجه عبد الرزاق (5/ 287) رقم (9636).

352

عسقلان» (1).

و كذلك روى سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش عن عطاء الخراساني قال: بلغني أن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال:

«يرحم اللّه تعالى أهل المقبرة ثلاث مرات» فسئل عن ذلك فقال: «تلك مقبرة تكون بعسقلان» فكان عطاء يرابط بها أربعين حتى مات‏ (2).

و في هذين إسنادين ما فيهما من الضعف و الانقطاع لكن يستأنس بهما لكونهما مخرجين من الكتابين.

و قال صاحب المغني روى الدارقطني في كتابه المخرج على الصحيحين بإسناده عن ابن عمر أن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- صلى على مقبرة فقيل يا رسول اللّه أي مقبرة هي؟ قال: «مقبرة بأرض العدو، و يقال لها عسقلان .....» الحديث بطوله إلى قوله: «و عروس الجنة عسقلان» (3).

و فيها بيت لحم: في مثير الغرام عن يزيد بن أبي مالك عن أنس قال:

قال: رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- في حديث الإسراء قال فقال لي جبريل: «انزل فصلّ فنزلت و صليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم» (4).

____________

(1) أخرجه عبد الرزاق (5/ 287) رقم (9635) و في إسناده تدليس ابن جريج و الحديث عن عبد الرزاق من طريق إسحاق بن رافع و ليس إسماعيل بن رافع و هما أخوان و في كلاهما ضعف انظر الميزان (1/ 191) هذا غير الانقطاع.

(2) أخرجه سعيد بن منصور (3/ 2401) و فيه ضعف إسماعيل بن عياش و الانقطاع.

(3) تقدم الكلام عليه قبل حديثين و بينا أنه موضوع و لم أجده في الإلزامات و التتبع.

(4) أخرجه النسائي (1/ 221) رقم (450) من طريق عمرو بن هشام قال حدثنا مخلد عن سعيد بن عبد العزيز قال حدثنا يزيد بن أبي مالك قال حدثنا أنس- به مرفوعا. و فيه يزيد هذا و هو ابن عبد الرحمن قال في الميزان (4/ 439): صاحب تدليس و إرسال عمن لم يدرك، و فيه أيضا: اختلاط سعيد بن عبد العزيز، و حديث الإسراء محفوظ في الصحيحين و غيرهما و ليس فيه هذه الزيادة!، و ذكره ابن حجر في الفتح (7/ 199).

353

حديث صحيح و حسن رواه النسائي و البيهقي في دلائل النبوة و منها حمص. في مثير الغرام عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد أنه كان يقول في حمص: يربط اللّه ثوره قيل و ما هو يا أبا إسحاق قال: الطاعون لا يكاد يفارقها.

قال الحافظ الذهبي: لعل هذا كان في زمن الصحابة أما في عصرنا و ما قبله فما اعتراها طاعون. و لكن أكثر من يموت بها النساء من الولادة. و منها قنسرين.

في مثير الغرام عن جرير بن عبد اللّه عن النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- أنه قال: «أوحى اللّه تعالى إلى (أي) (1): هذه الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين» (2).

قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى تفرد به أبو عمار و قال الحاكم في مستدركه: صحيح رواه البخاري في تاريخه.

و منها إنطاكية: في مثير الغرام عن بشر الحافي قال: إنه قال يوسف بن أسباط لامرأته لما احتضر: إذا أنا مت فالحقي بإنطاكية و ليكن قبرك بها.

و عن أبي صالح في قوله تعالى‏ وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ (3) قال: إنطاكية قال الذهبي: و فيه نظر. انتهى و اللّه أعلم.

____________

(1) زيادة من مصادر التخريج.

(2) أخرجه الترمذي (3923) من طريق: الحسين بن حريث قال: ثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد اللّه العامري عن أبي زرعة بن عمرو عن جرير- به.

و من نفس الطريق أخرجه الحاكم (3/ 2) و صححه و تابعه الذهبي و أخرجه الطبراني (2/ 339) و فيه غيلان بن عبد اللّه العامري قال الذهبي في الميزان (3/ 338): ما علمت روى عنه سوى عيسى بن عبيد الكندي حديثه منكر ما أقدم الترمذي على تحسينه بل قال: غريب و هو عن أبي زرعة جرير جده مرفوعا و ذكر الحديث.

و حكم عليه الشيخ الألباني (رحمه اللّه) في ضعيف الجامع رقم (1573) بالوضع و فيه أيضا الفضل بن موسى السيناني، قال الذهبي في الميزان (3/ 360) نقلا عن ابن المديني: روى الفضل أحاديث مناكير.

(3) سورة يس الآية (13).

354

قال مؤلفه عامله اللّه بلطفه الخفي و منّ عليه بالعافية الماحية لما اعترى بدنه النحيف في ضعفه: هذا آخر ما تيسر جمعه في هذا التأليف المبارك جعله اللّه خالصا لوجهه الكريم موصلا إلى ما لديه من الزلفى و النعيم المقيم و نسأل اللّه بفضل رحمته إيانا أن يشركنا فيما قسم لأوليائه المؤمنين و عباده الصالحين من صالح العمل، و أن يغفر لنا و لهم جميع الخطايا و الخطل و الحوب و الزلل اللهم عد عليها برأفتك فقد ما سترت و عظيما غفرت و كثيرا أمهلت و أنت أحق و أتمم و أولى من جاد و تكرم و أكرم من تفضل و أنعم. اللهم نسألك الزيادة و السلامة في الدين، و الصحة في البدن، و البركة في الرزق، و حسن اليقين، و التوبة قبل الموت، و العافية في الدنيا و الآخرة يا أرحم الراحمين يا نور السموات و الأرض يا بديع السموات و الأرض يا ذا الجلال و الإكرام، يا صريخ المستصرخين يا غياث المستغيثين، يا منتهى رغبة الراغبين يا مفرج كرب المكروبين يا مجيب دعوة المضطرين، أسألك مسألة الضعيف الملهوف المسكين، و أبتهل إليك ابتهال الذليل، و أدعوك دعاء الخائف الوجل، دعاء من خضعت لك رقبته و فاضت من خشيتك عبرته و جلّ لك جسده و رغم لك أنفه لا تجعلني اللهم بدعائك ربّ شقيّا و كن بي رءوفا رحيما يا خير المسؤلين و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين و اجعلني حسنة من حسناتك و رحمة بين عبادك تهدي بها من تشاء إلى صراط مستقيم.

و كان الفراغ من تأليفه نهار الاثنين المبارك الثالث من شهر صفر من شهور سنة خمس و سبعين و ثمان مائة ببيت المقدس و الحمد للّه رب العالمين.

تم نسخه على يد الفقير الحقير الراجي عفو ربه القدير محمد بن عبد الشافي الدويكي نهار الخميس ثمان عشر من شهر ربيع الأول سنة 1113 عفي عنه‏