الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
451

«تبوّأ من كذا»: اتّخذه منزلًا. الجوهري: تبوّأتُ منزلًا: نزلتُه، وبوّأت له منزلًا هيّأت ومكّنته فيه. (1)

والمراد ب «الرئاسة» هنا: الإمارة في الدِّين، وب «أهلها»: حجج اللَّه المعصومون المنصوصون، فتعريض على أئمّة الضلالة.

قال برهان الفضلاء:

يعني من طلب العلم للمغالبة بفضله وبهائه على العلماء من أهل البيت (عليهم السلام) أو ليجادل به السفهاء بالاستدلالات الظنّيّة في المسائل المختلَف فيها بين المجتهدين في اصطلاح المخالفين، أو يصرف بالقضاء والإفتاء وجوه الناس إلى جانبه؛ فإنّ رئاسة أهل الإسلام لا تصلح إلّاللعالم بجميع المسائل الدينيّة بلا اتّباع منه للظنّ بالاستدلالات الظنّية فيما يجري فيه، وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«المباهاة»: مفاعلة من البهاء، ومعناه‏ (2) المغالبة في الحُسْن؛ أي فيما يعدّ من المحاسن والمفاخر.

و «المماراة»: المجادلة والمنازعة. والمراد أنّ من طلب العلم لتحصيل الرئاسة.

و من وجوهها التي تناسب طلب العلم: المفاخرة، وادّعاء الغلبة به، وذلك مع العلماء لا يصل إلى النزاع والجدال؛ حيث لا يمارون بعلمهم؛ لقبحه، (3) فيسلّم له المفاخرة وادّعاء الغلبة مع الجهّال المتلبّسين بلباسهم يورث النزاع والجدال، وإذا كانت الرئاسة مطلوبةً له يماري ويجادل ليظهر غلبته عليهم.

ومنها: صرف وجوه الناس إليه، (4) فيما ينبغي المراجعة فيه إلى من هو أهل الرئاسة.

ولا ينتقل الذهن إلى وجهٍ آخر من الرئاسة يناسب طلبَ العلم ولا يؤول إلى ما ذكر (عليه السلام).

«فليتبوّأ مقعده من النار» أي فلينزل مكانه ومقرّه من النار، أو فليتّخذ مقرّه ومكانه من النار.

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 370 (بوأ).

(2). في المصدر: «معناها».

(3). في المصدر: «لعلمهم بقبحه».

(4). في المصدر:+/ «من العالم الرباني، فيحصل له الرئاسة بمراجعة الناس إليه».

452

«إنّ الرياسة لا تصلح إلّالأهلها» دليل لما قبله. وأهل الرئاسة من أوجب اللَّه على عباده المراجعة إليه، والأخذ عنه، والتسليم لأمره، وتحمّلها بالنسبة إليهم من التكاليف الشاقّة حيث لا يريدونها؛ لما عرفوه بعقولهم الكاملة ومعارفهم الربّانيّة من الفضل في تركها وعدم إرادتها، فهم يفعلون فعل الرؤساء في زيّ‏ (1) الفقراء، ولا يزدادون بفعلهم ورئاستهم إلّا كسر أنفسهم، كما في دعاء بعضهم (عليهم السلام): «اللّهُمَّ لا تجعل لي عزّاً ظاهراً إلّاوجعلت لي ذلّة باطنة عند نفسي بقدرها (2)». (3)

____________

(1). في جميع النسخ: «ذوي» مكان «زيّ». وما أثبتناه من المصدر.

(2). الصحيفة السجّاديّة، ص 93، الدعاء 20.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 156.

453

الباب السادس عشر بَابُ لُزُومِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعَالِمِ وَ تَشْدِيدِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ‏

وأحاديثه في الكافي أربعة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيٍ‏ (1)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «يَا حَفْصُ، يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ».

هديّة:

بيان العنوان: إنّ العالم الذي في عداد علماء الإسلام ليس له عذر إذا عصى ولا يسمع منه، وحاله في (لزوم الحجّة وتشديد الأمر عليه) أسوأ من الجاهل الذي في مقابله وإن كان عالماً بحرمة ما فعل، أو وجوب ما ترك فضلًا عن الجاهل بهما، كما يشدّد على الصغير في تأديبه بأكثر ممّا في تأديب الأصغر، ولعلّ «السبعين» كناية عن الكثرة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

هذا باب بيان دوام احتجاج اللَّه تعالى على العالم وبيان تشديده عليه، بمعنى أنّ العالم بالوعيد على فعل المعصية والوعد على تركها حاله بعصيانه أسوأ من حال من لم يعلم وعصى‏ ولو علم أنّ ما فعل معصية. أو بمعنى أنّ العالم بمحكمات القرآن الناهية عن اتّباع الظنّ إذا ترك العمل بها فحاله أسوأ في القيامة من العامل بالظنّ؛ لجهله بها.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم بن هاشم».

454

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ واحد» للجهل بالحكم مراتب:

أحدها: جهل المكلّف بالحكم الشرعي مطلقاً، بأن لا يعلمه بالأخذ عن العالم تقليداً و لا بالأخذ من أدلّته التفصيليّة، ولا يعلم ما يترتّب عليه من الفضل والثواب، وعلى تركه من الخذلان والعقاب‏ (1)؛ فإنّ العلم بما يترتّب عليه فقط مع عدم العلم بالمكلّف به بنحو من النحوين لا ينقص في الجهل رتبة عن عدم العلم مطلقاً.

وثانيها: عدم العلم به من أدلّته التفصيليّة، وعدم العلم بما يترتّب عليه وعلى تركه مع العلم التقليدي.

وثالثها: عدم العلم بما يترتّب عليه مع العلم به من الأدلّة.

وإن اعتبر التقليد والاستدلال بالنظر إلى العلم بما يترتّب عليه فعلًا وتركاً، زادت المراتب، وكلّ مرتبة من الجهل جهلٌ بالنسبة إلى ما فوقها، وما فوقها علم بالنسبة إليه.

ثمّ الجاهل والعالم في كلامه (عليه السلام) يحتمل الجاهلُ على الإطلاق الذي لا يقال له: «العالم» أصلًا، والعالِمُ على الإطلاق الذي لا يطلق عليه «الجاهل» أصلًا. ويحتمل الجاهل والعالِم الإضافيّين، فالأمر شديد على كلّ عالم بالنسبة إلى من هو جاهل بالنظر إليه. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله):

المراد ب «العالم» هنا: كامل العلم من الرعية، أعني العالم بالاصول والفروع من العلوم الدينيّة على ما ينبغي. وب «الجاهل» خلافه. أو كان المراد ب «العالم»: من يعدّ عالماً عرفاً، ومن له تلك المعرفة، وب «الجاهل» خلافه.

الحديث الثاني‏

روى في الكافي بِهذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ- عَلى‏ نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَ (عليه السلام)-: وَيْلٌ لِلعُلَمَاءِ (3) السَّوْءِ كَيْفَ تَلَظّى‏ عَلَيْهِمُ النَّارُ؟!».

____________

(1). في المصدر:+/ «أويعلمه». و من قوله: «فإنّ العلم- إلى- عن عدم العلم مطلقاً» أورده في المصدر في الهامش.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 157- 158.

(3). في الكافي المطبوع: «لعلماء».

455

هديّة:

(السوء) بالفتح مصدر ساءَه، نقيض سرّه، والإسم السوء بالضمّ، وقرئ بهما «عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ» (1) الجوهري: وتقول: هذا رجل سوء، ورجل السوء بالفتح والإضافة فيهما. وقال الأخفش: ولا يقال: هذا رجل السوء بالضمّ‏ (2).

و «العالم السوء»: من لا يعمل بما علم.

والمصدر يقع صفة للجمع كما للمفرد.

(تلظّى) على التفعّل، أي تتلهّب وتضطرم.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«السوء» بالضمّ والهمز: الآفة، كالبرص والجذام. والمراد هنا: آفة دين المسلمين بحبّ الدنيا، واتّباع الظنّ في الأحكام ونحوهما.

و «كيف» للتعجّب.

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

يُقال: ساءه سوءاً، ورجل سَوْءٍ بفتح السين والإضافة. ويُقال: علماء السوء، بالإضافة؛ فإنّ من يظهر منه السوء كأنّه لا يعرف إلّاالسوء، فاضيف الصفة إلى السوء معرفةً كالضارب رجل‏ (3)، أو غير معرفة.

ثمّ لمّا أراد التعبير عن الصفة المضافة إلى معمولها وتعريفها، قال: «العلماء السوء» وليس السوء في مثل هذا الموضع صفةً بل مضاف إليه لكن الإضافة هنا في معنى التوصيف؛ أي المضاف موصوف بما اضيف إليه، والمشتقّ منه محمول على المضاف كما قيل في رجل سوء وامرأة سوء.

«تلظّى» أي تلهّب وتشتعل وتمدّ لهبها «عليهم النار (4)».

____________

(1). التوبة (9): 98.

(2). الصحاح، ج 1، ص 55 (سوأ).

(3). في المصدر: «الضارب الرجل».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 158.

456

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَنْ الخمسة (1)، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ هَاهُنَا- وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلى‏ حَلْقِهِ- لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ تَوْبَةٌ»، ثُمَّ قَرَأَ: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ».

هديّة:

(النفس) هنا بسكون الفاء: الرّوح.

والآية في سورة النساء قال اللَّه تبارك وتعالى: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (2). فقراءته (عليه السلام) هذه الآية إشارة إلى تفسيرها؛ دفعاً للتوهّم الناشئ من أداة الحصر فيها: أنّ العالم ليست له التوبة أصلًا؛ وتصريحاً بأنّ الحصر إنّما هو لإفادة أنّ الفرق بين العالم والجاهل في قبول التوبة وعدمه، إنّما هو عند الإشراف على المعاينة التي يسدّ عندها باب التوبة؛ إذ لا معنى لقبولها عند رؤية المكان من الجنّة أوالنار، فتُقْبل توبة الجاهل قبل المعاينة ولو بنَفَسٍ، وتوبة العالم قبلها بنفسين بدلالة «حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ» هنا، و «حتّى إذا بلغت الحلقوم‏ (3)» في موضع آخر.

وفي بعض التفاسير:

ومن لطف اللَّه بعباده أمره قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين، ثمّ يصعد شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى الصدر، ثمّ ينتهي إلى الحلق فيعاين؛ ليتمكّن في هذه المهملة من الإقبال بالقلب على اللَّه، والوصيّة، والتوبة ما لم يعاين، والاستحلال، وذكر اللَّه، فيخرج روحه و ذكر اللَّه بالتولّي و التبرّي‏ (4) على لسانه، فيرجى بذلك حسن خاتمته‏

____________

(1). يعنى: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه؛ و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن ابن أبي عمير».

(2). النساء (4): 17- 18.

(3). إشارة إلى الآية 81 من الواقعة (56).

(4). «بالتولي و التبري» من إضافات المصنّف و ليس في المصدر.

457

إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

والتوبة والرجوع والإنابة، فإذا نسبت إلى اللَّه تعالى تعدّت ب «على»، وإذا نسبت إلى العبد تعدّت ب «إلى». قال اللَّه تعالى: «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا» (2) أي ألهمهم التوبة، أو وفّقهم لها ليرجعوا، فإذا رجعوا قبل المعاينة على التفصيل المذكور قبل توبتهم وهو التوّاب الرحيم.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«النفس» بالسكون: الروح.

وظاهر هذا الحديث دلالة على إبطال تجرّد النفس الناطقة.

والمراد ب «العالم»: من علم أنّ الكبيرة هي المعصية التي أوعد اللَّه بها النار، وب «الجاهل»:

من لا يعلم ذلك، ولا يفرّق بين الكبيرة والصغيرة مع علمه بحرمتهما.

و «السوء» في الآية بمعنى الكبيرة. و «الباء» في «بجهالة» للملابسة.

وفي الآية دلالة على أنّ التوبة عن الكبيرة عند بلوغ النفس إلى الحلق لا تقبل أصلًا مع العلم بالكبيرة، إلّاأن تكون حقّ الناس، فتقع المراجعة بالحسنات، فتحتمل النجاة بعد الحساب، وإلّا فلا، كما مرّ في شرح الأوّل من الباب السابق.

وفي حقّ اللَّه أيضاً تحتمل النجاة بعد الحساب وإن لم تقبل التوبة عند بلوغ النفس إلى الحلق.

و «ثمّ» في تمام الآية في سورة النساء للتراخي. و «من» بمعنى «في». و «قريب» عبارة عن الوقت المتّصل بلقاء اللَّه، وهو وقت بلوغ النَفْسِ إلى الحلق.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله): «إذا بلغت النفس» هاهنا دلالة على أنّه لم يكن للعالم توبة عند الاحتضار. (3)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

المراد ببلوغ النفس إلى الحلق قطع تعلّقها عن الأعضاء، والانتهاء في قطع التعلّق إلى حوالَي الحلق من الصدر (4) والرأس، وهو آخر ساعة من الحياة الدنيويّة.

____________

(1). تفسير الصافي، ج 1، ص 432، ذيل الآية 18 من النساء (4)؛ بحار الأنوار، ج 6، ص 16- 17.

(2). التوبة (9): 118.

(3). الحاشية على أصول الكافي، ص 94.

(4). كذا في المصدر، و في «الف» و «ب»: «الحلق» بدل «الصدر». و في «ج»: «حلق».

458

«لم يكن للعالم توبة» أي لمن يعلم الأدلّة وما يترتّب على العمل فعلًا وتركاً، تضييقاً وتشديداً للأمر عليه.

«ثمّ قرأ إنّما التوبة الآية» تمسّك فيما قاله بكتاب اللَّه سبحانه؛ حيث حكم بانحصار استحقاق قبول التوبة للجاهلين و «الجاهل» هنا مقابل «العالم» بالمعنى الذي ذكرنا.

وحمل الآية على انحصار قبول التوبة عند الخروج من الدنيا للجاهل؛ لدلالة الأدلّة على قبول التوبة لغير الجاهل قبله‏ (1). انتهى.

أوّل بيانه بتمامه ظاهراً على القول بتجرّد النفوس الناطقة كما هو مذهب الفلاسفة، وله مفاسد لا تحصى؛ لحقّيّة تفرّده تعالى باللّازمانيّة واللّامكانيّة كتوحّده- جلّ وعزّ- بالقدم والخالقيّة بمجرّد نفوذ الإرادة، فلو كان فيما سوى اللَّه موجود مجرّد عن الزمان والمكان والمادّة ذاتاً وبالتبعيّة، فلابدّ أن يكون تأثيره بفعله بمجرّد نفوذ الإرادة، وهو خاصّ المتفرّد بما ذكر تعالى شأنه، فكلّ جوهر جسم أوما يلتئم منه الجسم، وكلّ عرض جسماني والزمان ينتزع من استمرار البقاء للممكنات.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏ (2)، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمُكَارِي، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ تبارك و تعالى: «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ»، قَالَ: «هُمْ قَوْمٌ وَصَفُوا الْعَدْل‏ (3) بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ خَالَفُوا (4) إِلى‏ غَيْرِهِ».

هديّة:

الآية في سورة الشعراء (5).

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 158- 159.

(2). في الكافي المطبوع: «عن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى».

(3). في الكافي المطبوع: «عدلًا».

(4). فى الكافي المطبوع: «خالفوه».

(5). الشعراء (26): 94.

459

«كبّه على وجهه»: صرعه، فأكبّ. وهذا من النوادر. و «الكبكبة» مبالغة في الكبّ، كرّر اللّفظ لتكرير المعنى.

و «الغيّ» بالفتح والتشديد: الضلال والخيبة، غوى يغوي- من باب ضرب- غيّاً وغواية بالفتح فيهما، فهو غاوٍ وغَوٍ، وأغواه غيره فهو غَوِيّ على فعيل.

قال الأصمعي: لا يُقال غيره، أي في الفعيل بمعنى المغويّ على اسم المفعول‏ (1).

(وصفوا العدل) أي الإمام الحقّ، أو العدالة.

بمعنى علمهم بتحريم الذنب ومعرفتهم الصغائر والكبائر، ثمّ عملهم بغير ما علموه.

في بعض النسخ: «وصفوا عدلًا» بدون التعريف، «ثمّ خالفوه إلى غيره». بالضمير.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«وصفوا عدلًا» الوصف هنا بمعنى معرفة حال الشي‏ء. والعدل: التوسّط بين الإفراط والتفريط.

والمراد هنا محكمات الكتب المنزّلة فإنّها ميزان عدل في كلّ امّة من لدن آدم إلى انقراض زمان التكليف، ناهٍ عن اتّباع الظن آمرٌ بالسؤال عن الحجّة المعصوم.

و «بألسنتهم» نعت للعدلٌ؛ فإنّ كلّ كتاب منها منزل بألسنة قوم نزل ذلك عليهم.

«ثمّ خالفوه إلى غيره» أي باتّباعهم الظنّ في المتشابهات.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«هم قوم وصفوا عدلًا بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غيره» أي الغاوون قوم وصفوا عدلًا، أي حقّاً ثابتاً مستقرّاً من العقائد والمذاهب، وذكروه بالحقّيّة بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غيره‏ (2).

انتهى.

في بيانه تعريض على الصوفيّة بانتحالهم التشرّع وطريقتهم الرهبانيّة التي‏

____________

(1). راجع: الصحاح، ج 6، ص 2450.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 159.

460

ابتدعوها.

الباب السابع عشر بَابُ النَّوَادِرِ

و أحاديثه كما في الكافي خمسة عشر:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عن الثلاثة (1)، عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ رَفَعَهُ، قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: «رَوِّحُوا أَنْفُسَكُمْ بِبَدِيعِ الْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّهَا تَكِلُّ كَمَا تَكِلُّ الْأَبْدَانُ».

هديّة:

يعني باب طائفة من الأحاديث المعجبة لطبائع المؤمنين بنفاستها البيّنة.

(روّحوا) على الأمر من الترويح، وهو إيصال الرّاحة والتطيّب والتفريح والتنضير.

(ببديع الحكمة) أي بتذاكر أحاديث الأئمّة (عليهم السلام) والتأمّل فيها. وبعبارة اخرى: بتذاكر العلوم الحقّة قطعاً؛ لأنّها المأخوذة عن الحجج المعصومين العاقلين عن اللَّه سبحانه.

والأعلميّة منحصرة فيه تعالى، فالقطع بحقّيّة شي‏ء من المتشابهات بلا مكابرة منحصر في إخبار العاقل عن اللَّه تبارك وتعالى. وفي إفراد «البديع» إشارة إلى أنّ الإضافة إضافة الصّفة إلى الموصوف؛ دلالةً على أنّ علومهم (عليهم السلام) كلَّها بدائع ونفائس وغرائب.

و «الكلال»: مصدر قولك: كللتُ من المشي أكلّ كلالًا وكلالةً من باب ضرب؛ أي أعييت. وكَلَّ السيفُ، والرّيح، والطرف، واللِّسان يكلّ كلالًا وكلولًا أيضاً من باب‏

____________

(1). يعني: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

461

ضرب، وسيف كليل الحدّ، ورَجُل كليل اللِّسان. (1) وأعيا الرجل في المشي، وأعياه غيره كلاهما من باب الإفعال يتعدّى ولا يتعدّى. القاموس: عيّ بالأمر وعَيِىَ كرضي، وتعايا واستعيا وتعيّا عجز عنه، وأعيا الماشي: كلَّ، والسيرُ البعيرَ: أكلّه. (2)

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«الترويح»: إيصال الراحة ببديع الحكمة؛ أي بالحديث الجديد من جملة المنقول عن الحكماء الحقّ، يعني الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام). «تكلّ» أي من العمل.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الترويح» من الرَّوح بمعنى الراحة، أو من الرَّوح بمعنى نسيم الريح ورائحته الطيّبة. أي صيّروا أنفسكم طيّبة أو في راحة ببديع الحكمة، أي ما يكون مبتدعاً غير متكرّر من الحكمة بالنسبة إلى أنفسكم، فإنّ النفوس تكلّ وتعيا بالمتكرّر من المعرفة وتكرار تذكّرها، كما تكلّ الأبدان بالتكرار من الفعل‏ (3).

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله) في باب النوادر تصريحات بانحصار طريق علم الدِّين في السّماع. ومعناه باب أحاديث متفرّقة. (4)

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَنْ العِدَّةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَيْبٍ النَّيْسَابُورِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ، عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَخِي شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، إِنَّ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ؛ فَرَأْسُهُ التَّوَاضُعُ، وَعَيْنُهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ، وَأُذُنُهُ الْفَهْمُ، وَلِسَانُهُ الصِّدْقُ، وَحِفْظُهُ الْفَحْصُ، وَقَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ، وَعَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ وَالْأُمُورِ، وَيَدُهُ الرَّحْمَةُ، وَرِجْلُهُ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ، وَهِمَّتُهُ السَّلَامَةُ، وَحِكْمَتُهُ الْوَرَعُ، وَمُسْتَقَرُّهُ النَّجَاةُ،

____________

(1). راجع: الصحاح، ج 5، ص 1811 (كلل).

(2). القاموس المحيط، ج 4، ص 368 (محي).

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 159- 160.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 94.

462

وَقَائِدُهُ الْعَافِيَةُ، وَمَرْكَبُهُ الْوَفَاءُ، وَسِلاحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ، وَسَيْفُهُ الرِّضَا، وَقَوْسُهُ الْمُدَارَاةُ، وَجَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ، وَمَالُهُ الْأَدَبُ، وَذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ، وَزَادُهُ الْمَعْرُوفُ، وَمَأْوَاهُ الْمُوَادَعَةُ، وَدَلِيلُهُ الْهُدى‏، وَرَفِيقُهُ مَحَبَّةُ الْأَخْيَارِ».

هديّة:

نصح (صلوات اللَّه عليه) طالب علم الدِّين بأنّ مطلوبك متّصف بفضائل كثيرة فيجب لك الاتّصاف بها؛ طلباً لكثرة المناسبة الموجبة لشدّة المرابطة والمواصلة.

كالمناسبة بين «الرّأس» و «التواضع» ضدّ التكبّر، و «العين» و «البراءة من الحسد» ضدّ المودّة، و «الاذن» و «الفهم» ضدّ الغباوة، و «اللِّسان» و «الصدق» ضدّ الكذب، و «الحفظ» و «الفحص»- أي عمّا يحتاج إليه في الدِّين- ضدّ التهاون والتساهل، و «القلب» و «حسن النيّة» ضدّ سوئها، و «العقل» و «معرفة الأشياء والامور» ضدّ الجهل، و «اليد» و «الرّحمة» ضدّ القسوة، و «الرِّجل» و «زيارة العلماء» ضدّ الشقاوة، و «الهمّة» و «السلامة» ضدّ الهلاك؛ فإنّ الهمّة صدق القصد إلى النجاة، و «الحكمة» و «الورع» ضدّ الهوى، و «المستقرّ» و «النجاة» أي من النار، والمقرّ للناجي الجنّة، والقائد- أي إلى الخير- والعافية ضدّ البلاء، أي كون الناس في عافية من بلائه وبالعكس؛ فإنّ شغل الابتلاء مع عظم الموانع.

و «المركب» و «الوفاء»؛ فإنّ الصبر على البلاء مفتاح الفرج.

و «السلاح» أي ما يحفظه من حربة العدوّ كالسَّرد والتُرس. والمراد كتمان السرّ، لِمناسبة (1) «لين الكلمة».

و «السيف» و «الرضا» أي بالقضاء، وهو يوجب الجرأة والجلادة.

و «القوس» و «المداراة»؛ فإنّ بها يصاد الصيد من بعيد.

و «الجيش» و «محاورة العلماء»؛ فإنّ بها يكثر الأعوان في الجهاد مع جنود الشيطان.

و «المال» و «الأدب» وبه يكسب الرزق ويكثر العزّة.

____________

(1). في «ب» و «ج»: «كمناسبة».

463

و «الذخيرة» و «اجتناب الذنوب» وبه يعدّ ذخائر الثواب.

و «الزاد» و «المعروف» أي الإحسان؛ فإنّ الجزاء للإحسان هو الإحسان.

و «الماء» و «الموادعة» أي السكون والمصالحة بالاستكانة والملائمة.

و «الدليل» و «الهدى» أي من الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، وهو الهادي إلى اللَّه.

و «الرفيق» و «محبّة الأخيار» وبها يكثر الأعوان والأنصار.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«فراسه التواضع» أي للحقّ؛ لما مرّ في الثاني عشر من الباب الأوّل من قوله (عليه السلام): «يا هشام، إنّ لقمان قال لابنه: تواضع للحقّ تكن أعقل الناس».

و «البراءة من الحسد»: الإغماض عن حطام الدنيا في أيدي أهلها.

و «الفهم» هنا بمعنى حسن المعاشرة مع الناس، وهو ضدّ الحمق؛ فإنّ فهم قباحة القبائح، إنّما يحصل من استماع الكلام من ذوي الآداب الحسنة.

و «الحفظ» عن التلف والهلاك.

و «الفحص» يعني السؤال عن المشكل.

والفرق بين «المعرفة» و «العلم»: أنّ «المعرفة» يستعمل في العلم بالجزئيّات التي تصير صغريات للشكل الأوّل، كمعرفة عدالة الشاهدين، وقِيَم المتلفات، ومقادير الجنايات وأمثالها وتسمّى بمحالّ أحكام اللَّه تعالى.

و «العلم» يستعمل في معرفة القواعد الكلّيّة التي تصير كُبريات للشكل الأوّل، كنفس أحكام اللَّه في المسائل الفقهيّة.

والفرق بين «الأشياء» و «الامور»: أنّ «الأشياء» يستعمل فيما لا اختيار للمكلّفين فيه، كطلوع الفجر، ودلوك الشمس وغروبها لأوقات الصلوات.

و «الامور» تستعمل في أفعال العباد، كمقادير الجنايات الموجبة لتعيين الديات.

والمراد ب «السلامة» هنا: السلامة من عقوبات الآخرة وآفات الدنيا. منها الخصومات في المباحثات.

و «حكمته الورع» بفتح الحاء المهملة والكاف أيضاً، وهي حديدة اللّجام. و «الورع»:

الاجتناب عمّا يضرّ بالآخرة.

464

و «القائد» هنا عبارة عن سبب الاستنباط من القضايا المعلومة المنتجة.

و «العافية» يعني البراءة من الأمراض القلبيّة.

و «لين الكلمة» أي عند إتمام الحجّة على الخصم. قال اللَّه تعالى في سورة طه: «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏» (1) أي لفرعون.

و «محاورة العلماء» أي مكالمتهم. واحتمال المجاورة بالجيم بمعنى الملازمة، كما ترى.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّ العلم ذو فضائل كثيرة» أي تتبعه فضائل‏ (2) كثيرة، بها يظهر الآثار المقصودة من العلم، وهي للعلم بمنزلة الأعضاء والقوى والآلات والخَدَم وَالتَبَعة والأسباب والأعوان.

«فرأسه التواضع» تفصيل لتلك الفضائل، وابتدأ بالتي منها بمنزلة الأعضاء من العلم، وقال: «فرأسه التواضع» أي لا يفارق العلم وحصوله التواضع، فتوقّع حصول العلم بلا تواضع كتوقّع وجود شخص وحياته بلا رأس، فمن يريد حصول العلم‏ (3) فعليه بالتواضع.

و «عينه البراءة من الحسد» فالعلم مع الحسد كمن لا عين له، فلا يرى؛ فإنّ الطالب إذا حسد يخفى علمه ولا يتذاكر به، فيخفى عليه مواضع الشُّبَه ولا يتميّز عنده حقّه من باطله حقّ التّمييز. و «اذنه الفهم» فإنّ من أخذ شيئاً من العلوم، ولم يبالغ في فهمه أو فهم ما يوصله إليه، فعلمه به كالذي يخاطَب بما لا يسمع.

و «لسانه الصدق» فإنّ العلم مع عدم مراعاة الصدق كالذي لالسان له ليفيد غيره.

و «حفظه الفحص» وهو البحث عن الشي‏ء، والعلم بدونه‏ (4) كالذي لا حفظ له، فيغفل عن كثير وينسى كثيراً.

و «قلبه حسن النيّة» فإنّ العلم بدونه، كالذي لا قلب له‏ (5) ولا قوّة على أن يأتي بما ينبغي منه. (6)

____________

(1). طه (20): 44.

(2). في المصدر: «و فضائل».

(3). في المصدر: «طلب العلم».

(4). في المصدر: «بدون الفحص».

(5). في المصدر: «فإنّ العلم إذا لم يكن معه حسن النيّة كان كالذي لا قلب له».

(6). في المصدر:+/ «أو كالذي لاحياة له، و لا يظهر منه آثار وجوده».

465

و «عقله معرفة الأشياء والامور» كمعرفة أحوال الأوقات والأعصار وأهلها. (1)

«ويده الرحمة» أي على المحتاجين إلى العلم والعمل به. (2)

و «رجله زيارة العلماء» ولولا زيارة العلماء لما انتقل العلم من أحدٍ إلى آخر. (3) وهذا آخر ذكر الأعضاء، وعدّ العقل فيها لكونه المدار عليه في الشخص، واحتياجه إليه أشدّ من احتياجه إلى الأعضاء.

و «حكمته» أي ما به اختياره الصدق الصواب‏ (4) «الورع» وهو التقوى والتحرّر عن ارتكاب المحرّمات.

ويحتمل «حكمته» (5) بفتح الحاء والكاف، وهو المحيط من اللجام بِحَنَك الدابّة؛ أي المانع لمركبه من الخروج عن طريقه.

و «مستقرّه» أي مسكنه الذي إذا وصل إليه سكن واستقرّ، فيه «النجاة» والتخلّص عن الشُّبه وطرق الضلال.

و «قائده» أي ما يقوده ويجرّه نحو مستقرّه، «العافية» أي البراءة من الآفات و العاهات و الأمراض النفسانيّة.

و «مركبه» أي ما بركوبه وسَوقه يصل إلى مستقرّه «الوفاء» بما في ذمّته من وجوب الإتيان بما يجب فعله، والانتهاء عمّا يجب تركه، فبركوبه وسوقه يصل العلم إلى النجاة.

و «سلاحه» و ما يدافع به عدوّه الذي يريد إبطاله وإسقاطه «لين الكلمة»، فإنّ لين الكلمة يؤدّي إلى قلّة التعرّض للعلم.

«وسيفه الرِّضا» أي ما يدفع به العدوّ عند اللّقاء ويؤمن من غالبيّته‏ (6) «الرِّضا»؛ فإنّه إذا

____________

(1). في المصدر: «و مصير كلّ شي‏ء إلى ما ينتهي إليه، فيظهر من العلم مع تلك المعرفة ما ينبغي ظهورها منه وما يكون خيراً له حينئذٍ».

(2). في المصدر:+/ «فإنّ العلم مع عدم الرحمة كالذي لا يد له، و لا يقدر على ما ينبغي له أو يريد فعله».

(3). في المصدر:+/ «و كان كمن لا رِجْل له، و لا ينتقل من مكانه، و لا يتعدّى إلى آخر».

(4). في «ب» و «ج»: «والثواب».

(5). في «ب» و «ج»: «وحكمته».

(6). في المصدر: «غائلته».

466

رضي بما وقع من العدوّ بالنسبة إليه ولم يتعرّض لدفعه، سلم العلم عن الهلاك والاندفاع بالمماراة والجدال.

«وقوسه» وما يرمي به عدوّه من بعيد «المداراة» وهو حسن الخُلق والملائمة (1) مع الخلق.

«وجيشه» وما يقوى به من الأعوان والأنصار «محاورة العلماء» ومكالمتهم والمجاوبة معهم.

«وماله» أي بضاعته التي يتّجر بها ويزيد بها ربحه «الأدب» وحسن التناول في التعليم والتعلّم والمعاشرة.

«وذخيرته» أي ما يحرزه لوقت الحاجة «اجتناب الذنوب»؛ فإنّه إذا اجتنب لم يضعف وتبقى قوّته، بل يقوى يوماً فيوماً، فعند إرادة العدوّ وإزالته ينتفع به.

«وزاده» وما به قوّته على سلوك الطريق «المعروف» من الأفعال. فبفعل المعروف يقوى على سلوك طريق النجاة.

«وماؤه» وما يسكن به عطشه وحرقة فؤاده وحرارة كبده «الموادعة» والمصالحة.

«ودليله» إلى النجاة «الهدى» أي ما يهتدي به من الطريقة المأخوذة من الكتب والرُّسل والأوصياء.

«ورفيقه» وما يؤمن بمرافقته من قطع الطريق عليه «محبّة الأخيار» فإنّها تورث الاجتناب عن الشرّ واختيار الخير. (2)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏، عَنْ البزنطيّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): نِعْمَ وَزِيرُ الْإِيمَانِ الْعِلْمُ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْحِلْمِ الرِّفْقُّ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الرِّفْقِ الصبر». (4)

____________

(1). من المصدر: «المداينة».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 160- 163.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي‏نصر، عن حمّاد بن عثمان».

(4). في الكافي المطبوع: «العِبْرَة».

467

هديّة:

«الوزارة» بالكسر وبالفتح لغة: شغل وزير السلطان. و «الوزير»: النّاصر والمعين.

و «الموازرة» المعاونة. الجوهري: الوزير: الموازر، كالأكيل بمعنى المؤاكل؛ لأنّه يحمل وزر صاحبه، أي ثقله. (1)

شبّه الإيمان بالسلطان، وعلم الدِّين المقرون بالعمل بوزيره.

و (الحلم) بمعنى الأناة والوقار. والمتحمّل في الامور بوزيرٍ وزير السلطان. وهكذا في «الرّفق» بمعنى المداراة مع الناس.

و «الصبر» أي على الشدائد.

وفي بعض النسخ- كما ضبط برهان الفضلاء-: «العبرة» مكان «الصبر»، و «العبرة» بالكسر: اسم من الاعتبار.

قال برهان الفضلاء:

أي العلم بما يحتاج إليه في الدِّين.

و «الحلم» هنا بمعنى تحمّل المشاقّ والصبر عليها. و «الرفق» بمعنى لين الكلمة.

و «العبرة» بمعنى الفكر في عاقبة المتمرّدين عن طاعة اللَّه بترك طاعة مفترض الطاعة. (2)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الوزير» الذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، ويحمل عن الأمير ما حمله من الأثقال.

والمراد ب «الإيمان»: التصديق بإلهيّته سبحانه، ووحدانيّته، وبالرسول وما جاء به بحيث لا يجامع الإنكار والجحود.

وب «العلم»: معرفة المعارف بأدلّتها معرفة توجب مراعاتها اضمحلال الشُبه والشكوك.

____________

(1). في المصدر:+/ «وأن لا يستفزّه الغضب».

(2). الصحاح، ج 2، ص 845 (وزر).

468

وب «الحلم»: الأناة وأن لا ينزعج من هيجان الغضب، (1) وهي حالة نفسانيّة توجب ترك المِراء والجدال.

و «الرّفق»: الميل إلى التلطّف وتسهيل الأمر والإعانة. أو المراد به العقل. (2)

و «العبرة» هي العبور العلمي من الأشياء إلى ما يترتّب عليها وينتهي إليه.

فالإيمان في استقامة أمره يحتاج إلى رأي العلم وتدبيره، والعلم كذلك يحتاج إلى رأي الحلم وتدبيره، والحلم كذلك إلى رأي الرّفق وتدبيره، والرّفق أيضاً إلى رأي العبرة وتدبيرها، وكلّ يحمل من سابقه ممّا حمله من الأثقال.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ الْقَدَّاحِ، (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعِلْمُ؟

فَقَالَ: (4) الْإِنْصَاتُ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: الِاسْتِمَاعُ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: الْحِفْظُ؟ قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ:

الْعَمَلُ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَشْرُهُ».

هديّة:

(ما العلم) أي العلم القطعي الذي لا يجري فيه الاختلاف أصلًا، كعلم الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه.

(فقال: الإنصات) أي السكوت عمّا يجري الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة ممّا يحتاج إليه في الدِّين.

وكلمة (مَهِ) إمّا مخفّف «ما هو» أو قد يكتب «م» مخفّف «مامع» «هاء» السكت.

____________

(1). في المصدر: «و أن لا يزعجه هيجان الغضب».

(2). في المصدر: «الفعل».

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبداللَّه‏بن ميمون القدّاح».

(4). في الكافي المطبوع: «قال».

469

(قال: الاستماع) أي إلى كلام الحجّة المعصوم، أو من سمع منه ولو بالواسطة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

ظاهر تقديم «الإنصات» على «الاستماع» موافقاً لما يجي‏ء في كتاب الصلاة في الباب الثاني والعشرين باب عزائم السجود في الحديث الثالث منه من قوله: «إلّا أن يكون مُنصِتاً لقراءته مستمعاً لها» أنّ «وأنصتوا» في آية سورة الأعراف: «وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا» (1) ليس معطوفاً على الجزاء، بل على جملة مركّبة من الشرط والجزاء.

والمراد الأمر بالسكوت للاستماع‏ (2) أينما تراد قراءة القرآن ليقع الشروع فيه بلا مهلة؛ يعني فقال: يا رسول اللَّه، ما الذي يطلب في طلب العلم ليحصل العلم؟ «فقال: الإنصات» أي في مجلس العلم قصداً أخذه. «قال: الاستماع» أي إلقاء السمع إلى كلام العالم.

«قال: الحفظ» أي في الذكر أو الكتاب.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«الإنصات» و «الاستماع» و «الحفظ» صريح في انحصار طريق علم الدِّين في السماع عنهم (عليهم السلام) ولو بالواسطة العادلة. (3)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

لعلّ السؤال عمّا هو مناط العلم حصولًا وبقاءً، أو عمّا يعرف به حصول العلم للعالم ويمتاز به عن الجاهل، فأجابه (صلى الله عليه و آله و سلم) بأنّه الإنصات، وهو أن يسكت سكوت مستمع، وهو مناط العلم وعلامته.

«قال: ثمّ مَه؟» أصلها «ما» قُلبت الألف هاءً؛ فإنّ ألف «ما» الاستفهاميّة قد تقلب «هاءً» كما في حديث أبي ذُؤيب: «قدمتُ المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلّوا بالإحرام، فقلت: مَه؟ فقيل: هلك رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)». (4)

____________

(1). الأعراف (7): 204.

(2). في «الف»:-/ «للاستماع».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 93.

(4). فتح الباري، ج 8، ص 580؛ كنز العمّال، ج 7، ص 420، ح 18830؛ الإصابة، ج 7، ص 132.

470

«قال الاستماع» أي المناط بعد الإنصات الاستماع، وهو ممّا حصوله علامة العلم.

«قال: الحفظ» أي المناط بعد الاستماع الحفظ، وهو أيضاً ممّا وجوده من علامات العلم.

«قال: العمل به» فإنّ العمل مناط بقاء العلم وتقرّره، وهو من علامات العلم.

«قال: نشره» وهو مناط بقاء العلم مطلقاً وتقرّره فيه، وهو من علامات وجود العلم فيه.

ولا يبعد أن يكون السؤال الأخير ابتداء السؤال من غير جنس ما سأل عنه أوّلًا؛ فإنّه لمّا انتهى الكلام في الجواب إلى مناطيّة العمل للعلم ودلالته عليه، فدلَّ على أنّه ممّا يجب الإتيان به، فابتداء السائل هنا سؤالًا آخر، (1) وهو أنّه بعد العمل بالعلم ما الذي يجب على العالم أن يأتي به؟ ولذا أعاد النداء، وصرّح به عنده وقال: «يارسول اللَّه» فأجاب (صلى الله عليه و آله) بأنّ ما يجب على العالم بعد أن عَمِل‏ (2) بعلمه نشر العلم. (3) انتهى.

في استشهاده (رحمه الله) لقلب «ما» الاستفهاميّة «هاءً» ما ترى.

الحديث الخامس‏

روى في الكافي وقال: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، رَفَعَهُ إِلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «طَلَبَةُ العِلْمِ ثَلاثَةٌ، فَاعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ: صِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلْجَهْلِ وَالْمِرَاءِ، وَصِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلِاسْتِطَالَةِ وَالْخَتْلِ، وَصِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلْفِقْهِ وَالْعَقْلِ، فَصَاحِبُ الْجَهْلِ وَالْمِرَاءِ مُوذٍ، مُمَارٍ، مُتَعَرِّضٌ لِلْمَقَالِ فِي أَنْدِيَةِ الرِّجَالِ بِتَذَاكُرِ الْعِلْمِ وَصِفَةِ الْحِلْمِ، قَدْ تَسَرْبَلَ بِالْخُشُوعِ، وَتَخَلّى‏ مِنَ الْوَرَعِ، فَدَقَّ اللَّهُ مِنْ هذَا خَيْشُومَهُ، وَقَطَعَ مِنْهُ حَيْزُومَهُ؛ وَصَاحِبُ الاسْتِطَالَةِ وَالْخَتْلِ ذُو خِبٍّ وَمَلَقٍ، يَسْتَطِيلُ عَلى‏ مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ، وَيَتَوَاضَعُ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ دُونِهِ، فَهُوَ لِحَلْوَائِهِمْ هَاضِمٌ، وَلِدِينِهِ حَاطِمٌ، فَأَعْمَى اللَّهُ عَلى‏ هذَا خَبَرَهُ، وَقَطَعَ مِنْ آثَارِ الْعُلَمَاءِ أَثَرَهُ؛ وَصَاحِبُ الْفِقْهِ وَالْعَقْلِ ذُو كَآبَةٍ وَحَزَنٍ وَسَهَرٍ، قَدْ تَحَنَّكَ فِي بُرْنُسِهِ، وَقَامَ اللَّيْلَ فِي حِنْدِسِهِ، يَعْمَلُ وَيَخْشى‏ وَجِلًا دَاعِياً

____________

(1). في «الف» و «ب»: «فابتداء السؤال هنا سؤال آخر»، وكذا في «ج» ولكن لم ترد فيه كلمة «آخر». و ما أثبتناه من‏المصدر.

(2). في «ب» و «ج»: «أعمل».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 164- 165.

471

مُشْفِقاً، مُقْبِلًا عَلى‏ شَأْنِهِ، عَارِفاً بِأَهْلِ زَمَانِهِ، مُسْتَوْحِشاً مِنْ أَوْثَقِ إِخْوَانِهِ، فَشَدَّ اللَّهُ مِنْ هذَا أَرْكَانَهُ، وَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَانَهُ».

ثمّ قال ثقة الإسلام طاب ثراه: وَحَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيُّ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْقَلِ بِقَزْوِينَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام).

هديّة:

(فأعرفهم بأعيانهم وصفاتهم) أي بملكاتهم النفسانيّة من آثارها، وأفعالهم الأبدانيّة من مقاصدهم. (يطلبه للجهل والمراء) أي لا لحصول المعرفة المُنجية، بل قصداً إلى ما يوجب الجهل؛ لأنّه من جنوده، ك «المراء» بالكسر والمدّ؛ أي الجدال بغير الحقّ مع أهل الحقّ.

و «الاستطالة»: الاستعلاء بالاستكبار.

و (الختل) بفتح المعجمة وسكون المثنّاة من فوق: الخدعة. (للفقه والعقل) أي للاتّصاف بالعلم المقرون بالعمل والمعرفة الحفّة بمعرفة مفترض الطاعة وطاعته.

(موذٍ ممارٍ) أي لأهل الحقّ ومعهم.

و «الأندية»: جمع النَدِيّ على فعيل، بمعنى النادي، وهو مجلس القوم ومتحدّثهم ما داموا فيه مجتمعين. قال الأصعمي: فإذا تفرّقوا فليس بنادٍ.

(بتذاكر العلم) أي قصداً إلى الجهل.

(وصفة الحلم) أي إظهاراً لها، خدعةً ورياءً.

و «التسربل»: تفعلل من السّربال، أي القميص، يعني تلبّس بلباس الخشوع بإظهاره مكراً وخديعة خالياً من الورع حقيقةً. فجملة (وتخلّى من الورع) حاليّة. وجملة: (فدقّ اللَّه من هذا خيشومه) دعائيّة أو خبريّة.

و «الخيشوم» بالفتح: أقصى الأنف. و «الحيزوم»: وسط الصدر.

و «الخبّ» بالكسر والتشديد: المكر والجربزة. القاموس: «الخبّ» بكسر المعجمة

472

وتشديد المفردة: الغِشّ، والخبث، والمكر. وبالفتح: الخَدّاع الجُربُز، ويكسر. (1)

و «الملق»: الودّ، واللّطف الشديد. ويستعمل في تكلّفهما: رجلٌ مَلِق كصعق، يعطي بلسانه ما ليس في قلبه.

(من أشباهه) أي من جملة أمثاله.

(للأغنياء من دونه) بكسر الميم، أي لمن دونه من الأغنياء.

و «الحلواء» يمدّ ويقصر. وفي بعض النسخ: «لحلوانهم» بالضمّ والنون، أي الرّشوة ونحوها.

و «الحطم» بلا نقطة: مصدر حطمه كضرب: كسّره تكسيراً، أو التكسير مبالغة في الكسر.

«عمي عليه الخبر» كعلم: خُفي، وأعماه عليه غيره. وضمير (خبره) محتمل؛ أي معرفة اللَّه أو المعرفة المنجية لطالب العلم. والجملة دعائيّة أو خبريّة. وكذا تابعها.

وقطع أثره (من آثار العلماء) كنايةٌ عن حشره مع الجهلاء في صفوف الهالكين.

و «الكآبة» بالهمز ويمدّ: سوء الحال والانكسار من الحزن.

و «الحزن» حزنان: حزن مؤدٍّ إلى الفرح في العقبى، وحزنٌ موجب للأحزان في الآخرة، وهو حزن أهل الدنيا حرصاً لها وطمعاً فيها، فلا ينافي ما سبق من أنّ الحزن من جنود الجهل، ونِعْمَ ما قيل في مديح الشيعة:

بايد باشند دائم اين جمع‏* * * با سوزدرون شكفته چون شمع‏

و «التحنّك»: إدارة العمامة ونحوها تحت الحنك. والمراد هنا التلفّف كالنائم المجتمع.

و «البرنس» كهدهد: قلنسوة طويلة كان النسّاك يلبسونها قبل الإسلام. وقيل: كلّ ثوب له رأس منه ملتزق به الرأس، كما هو شعار رهبان النصارى، لا سيما الأفرنج‏

____________

(1). القاموس المحيط، ج 1، ص 59 (خبّ).

473

منهم. والمراد هنا لباس الزهّاد. والمخاطب عبّاد البصري من الصوفيّة القدريّة.

«الحندس» كزبرج: الليل الشديد الظلمة، فإضافته إلى ضمير «الليل» على التجريد.

(مشفقاً) أي خائفاً.

(مقبلًا على شأنه) بتهذيب الأخلاق لصلاح المعاش والمعاد.

(عارفاً بأهل زمانه) ناجيهم وهالكهم.

(مستوحشاً من أوثق إخوانه) مبالغة في امتثال حكم التقيّة في زمن دولة الباطل.

(أركانه) أي أركان معرفته ليسلم إيمانه ويظفر في الجهاد الأكبر.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«الأعيان»: جمع العين بمعنى النظر؛ أي فاعرفهم بنظرهم في الفوائد التي يقصدونها من طلب العلم.

و «الصفات» عبارة عن لوازم الأعيان، وبيان الأعيان في فقرة ذكر الأصناف، وبيان الصفات في الفقرات بعدها.

«صنف يطلبه للجهل والمراء» أي للحكم بالظنّ والجدال مع منكره.

و «الاستطالة» التفوّق.

و «الختل»: الخدعة، وتقدير (1) الناس.

«للفقه» أي لفهم ما يحتاج إليه من المسائل الدينيّة بمعنى العمل بها.

و «العقل» أي ترك التجاوز عمّا هو اللّغو.

«مؤذٍ» بالهمز، قال اللَّه تعالى في سورة الأحزاب: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» (2).

و «الأندية»: جمع النَديّ على فعيل بمعنى النادي، يعني المجالس.

«وصفة الحلم» أي وصفه ومدحه، عطف على «التذاكر» ومضاف إلى المفعول به.

والأنسب هنا: قراءة الحُلم- بالضمّ وسكون اللّام وضمّها- بمعنى الرؤيا الفاسدة، ومنه‏

____________

(1). في «ب» و «ج»: «تغرير».

(2). الأحزاب: 57.

474

أضغاث الأحلام. والمراد التأويلات الباطلة بالخيالات الفاسدة، ف «تذاكر العلم وصفة الحلم» إشارة إلى آية سورة النحل: «وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ» (1).

«فَدَقَّ اللَّهُ مِنْ هذَا خَيْشُومَهُ» إنّ في سورة الأنبياء قال اللَّه تعالى: «لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ* بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» (2).

و «الخبّ» بالكسر والتشديد هيجان البحر، وهنا استعارة للخشونة في الكلام ونحوه.

و «مِنْ» في «مِنْ أشباهه» و «مِنْ دونه» تبعيضيّة. و «الفاء» في «فهو» للتفريع.

و «الحلواء» بالفتح والمدّ، وهنا كناية عن الحرام اللّذيذ.

و «التحنّك»: كمال الامتثال، وإدارة العمامة تحت الحنك. والأوّل هنا أنسب. وسيجي‏ء في كتاب الزيّ والتجمّل استحباب لبس أهون الثياب للعبادة لا لتغرير الناس كالمُرائين والصوفيّة. والاستيحاش من أوثق الإخوان في زمن التقيّة لا ينافي ما يجي‏ء في كتاب الإيمان والكفر في السابع عشر من الباب التاسع والأربعين من قوله (عليه السلام): «لا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف».

وقال السيّد الباقر الشهير بداماد:

قوله طاب ثراه: و «حدّثني به» و «حدّثنا» أعلى رتبة من «أخبرني» و «أخبرنا» فحدّثني ما سمعته من لفظ الشيخ، وحدّثنا ما سمعته في السّامعين منه، وأخبرني ما قرأت عليه بنفسي، وأخبرنا ما قرئ عليه وأنا شاهد سامع. ولا يجوز إبدال شي‏ء منها بغيره. (3)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم» أي بخواصّهم وأفعالهم‏ (4) المخصوصة (5)، أو بالشاهد

____________

(1). النحل (16): 116.

(2). الأنبياء (21): 17- 18.

(3). لم نعثر عليه.

(4). في «ب» و «ج»:-/ «وأفعالهم».

(5). في المصدر:+/ «بهم».

475

والحاضر من أفعالهم.

«صنف يطلبه للجهل» أي ليكون آلة له يستعمل في المراء والجدال ومنازعة السفهاء، فالجهل هنا مقابل العقل‏ (1).

«للاستطالة والختل» بفتح الخاء المعجمة والتاء المثنّاة فوق، أي للتفوّق والترفّع بالنسبة إلى العلماء، والختل الخدعة بالنسبة إلى أهل الدِّنيا.

«للفقه، والعقل» أي ليكون فقيهاً عارفاً بالمسائل، وليستعمله العقل فيعمل بمقتضاه، فإنّ العلم مقصود بذاته، والعملَ به أيضاً مقصود.

ولمّا ذكر الأصناف الثلاثة شرع في بيان ما يختصّ بكلّ واحدٍ منها (2)، وما حضر وشهد من أفعال كلّ واحد فيعاين ويرى فيه، فقال: «فصاحب الجهل والمِراء مؤذٍ» أي فاعل للأذيّة، وهي المكروه، فُيسْمِع مَن يباحثه ما (3) يكرهه.

«ممار» أي منازع مجادل.

«متعرّض للمقال في أندية الرجال» النادي: مجتمع القوم ومجلسهم. ويقال لأهل المجلس أيضاً، والنديّ بمعناه، والأندية: جمع النَدِيّ، ومجي‏ء الجمع على أندية وأنداء [إمّا] (4) لأخذ الجمع من النديّ والاكتفاء به، أو لكونه الأصل المأخوذ منه النادي، فلوحظ الأصل عند بناء الجمع من النادي.

وقد قيل: الأنداء جمع النادي، وقد ظنّ في الأندية كونها جمعه أيضاً.

«تذاكر العلم»: ذكر المسائل والمعارف بينهم وإظهار العلم بها.

«وصفة الحلم» ذكر أوصافه وإظهار اتّصافه به.

و «السِربال» بكسر السين: القميص، أو الدرع، أو كلّ ما لُبس. تسربل به؛ أي تلبّس به. (5)

____________

(1). كذا في «ب» و «ج» والمصدر. وفي «الف»: «العلم».

(2). في «ب» و «ج»:-/ «منها».

(3). في المصدر: «بما».

(4). أضفناه من المصدر.

(5). في المصدر:+/ «وجعله لباساً له».

476

والمراد بالتسربل بالخشوع: إظهار الخضوع والتواضع والسكون والتذلّل.

«وتخلّى من الورع» والتقوى واجتناب المحرّم عليه من الإيذاء والمماراة ومخالفة قوله فعله.

«فدقّ اللَّه من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه» بيان لما يترتّب على طلبه العلم للجهل.

والمراد بدقّ الخيشوم- وهو أعلى الأنف وأقصاه-: إذلاله، وإبطال أمره، ودفع‏ (1) الانتظام من أحواله وأفعاله.

والمراد بقطع الحيزوم- بفتح الحاء المهملة وهو وسط الصدر-: إفساد ما هو مناط الحياة والتعيّش عليه.

و «الخبّ» بكسر الخاء المعجمة: الخداع والخُبث والغشّ.

و «الملق»: المداهنة والملاينة باللِّسان، والإعطاء باللِّسان ما ليس في القول والفعل.

«يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه» تفصيل لبيان خِبّه ومَلَقه؛ فإنّ خباثته وغشّه باستطالته على مثله ومَنْ يساويه في الرتبة (2) والعزّ من أشباهه، وهم أهل العلم وطلبته، وكذا خِداعه بفعله هذا وإن كان خدّاعاً لغير أهل العلم، ومَلَقه بالنسبة إلى الأغنياء (3) بتواضعه «للأغنياء من دونه» أي من غيره، يعني من غير صنفه وجنسه، وهم طلبة العلم، أو «من دونه» أي ممّن هو دونه ومن هو خسيس، أو ضعيف بالنسبة إليه.

«فهو لحلوانهم هاضم، ولدينه حاطم» الحلوان- بالضمّ والنون أخيراً-: اجرة الدلّال والكاهن وما أعطى من نحو رشوة (4). والمراد به هنا ما يعطيه الأغنياء، فكأنّه أجر لما يفعله بالنسبة إليهم ولهم، أو رشوة على من يتوقّع منه بالنسبة إليهم.

وفي بعض النسخ: «فهو لحلوائهم هاضم» والحلواء: ما يتّخذ من الحلاوة من الأطعمة اللّذيذة.

و «الهضم» في الأصل: الكسر، ثمّ استعمل في تصرّف الطبيعة في الطعام والغذِاء بكسره‏

____________

(1). في المصدر: «رفع».

(2). في المصدر: «المرتبة».

(3). في المصدر:+/ «ومعهم».

(4). في هماش «الف»: «الرشوة، مثلّثة الراء (منه)».

477

وإزالة صورته كسراً وإزالةً يستعدّ به لأن يصير جزءاً من المغتذي، ويترتّب عليه الغرض المطلوب منه، فيصير (1) جزءاً صالحاً من الأعضاء فيتقوّى به وينتفع به‏ (2).

و «الحطم» هو الكسر المؤدّي إلى الفساد، وخروج الشي‏ء عن أن يترتّب عليه الغرض المطلوب منه.

ولمّا ذكر (عليه السلام) حال هذا الصنف وفعله بيّن ما يترتّب على فعله بقوله: «فأعمى اللَّه على هذا» أي من أجل فعله‏ (3) «خبره» بكسر الخاء المعجمة وسكون الباء الموحّدة؛ أي علمه، فلا يتميّز بين طريق الحقّ والباطل، ولا يختار الحقّ ولا يهتدي إليه، ولا يترتّب على علمه ما هو من آثار العلم وفوائده.

و «قطع من آثار العلماء» وما يبقى بعدهم ويذكرون به في القرون الآتية «أثره» أي ما يبقى بعده من آثار علمه، فلا يذكر به. (4)

و «صاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر» أي الذي يطلب العلم للفقه والعقل. وفيه إشارة إلى أنّ من يطلب العلم لأن يكون فقيهاً، وليكون آلة للعقل، مقوّياً له، كان له بحصوله ما أراده من الفقاهة وقوّة العقل. (5)

و «الكآبة» بفتح الكاف: إنكسار النفس من شدّة الحزن والهمّ.

و «الحزن‏ (6)»: وجع القلب على فوات الفائت، أو عدم حصول متوقّع الحصول.

و «التحنّك»: إدارة العمامة تحت الحنك، أو المراد به هنا الانقياد والمتابعة.

و «البرنس» بالباء الموحّدة المضمومة والرّاء المهملة الساكنة والنون المضمومة والسين المهملة: قلنسوة طويلة كان يلبسها النُسّاك‏ (7) في صدر الإسلام. كذا ذكره الجوهري‏ (8).

____________

(1). في المصدر: «فتصيّره».

(2). في «الف» والمصدر:-/ «به».

(3). في المصدر:+/ «هذا».

(4). هنا في المصدر إضافات لم ينقلها المصنّف (ره).

(5). بإضافة يسيرة في المصدر لم ينقلها المصنّف (ره).

(6). في المصدر:+/ «الهمّ و».

(7). في المصدر:+/ «والعبّاد».

(8). الصحاح، ج 3، ص 908 (برنس).

478

و «الحندس» بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة والدال المكسورة والسين المهملتين: اللّيل المظلم، أو ظلمة الليل.

والمعنى كونه متحنّكاً متهيّئاً للاشتغال بالعبادة عند لبس البرنس، وكأنّه كان ممّا يُلبس عند الفراغ من الاشتغال بالمكاسب والمعاملات الدنيويّة وترك معاشرة الناس وفي الخلوات. أو منقاداً للأوامر والنواهي الشرعيّة في الخلوات‏ (1).

«يعمل ويخشى» أي يعمل بما كُلّف به، ويخشى اللَّه مع كونه عاملًا، ويخاف أن لا يكون عمله على خلوص يليق بعبادته‏ (2).

«وجِلًا»: خائفاً من سوء عقابه.

«داعياً»: طالباً منه سبحانه التوفيق للاهتداء بالهدى، والثَبات على الإيمان والتقوى، ونيل السعادة الأبديّة ومغفرته وعفوه.

«مشفقاً» من الانتهاء إلى الضلال والشقاء وسوء العاقبة.

«مقبلًا على شأنه» وإصلاح حاله؛ حذراً ممّا يشفق منه.

«عارفاً بأهل زمانه» فلا ينخدع «مستوحشاً من أوثق إخوانه»؛ لما يعرفه من أهل زمانه.

وبعدما ذكر حال هذا الصنف وفعله بيّن ما يترتّب عليه فقال: «فشدّ اللَّه من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه» أي أصلح حاله في الدنيا بإفاضة المعرفة، وإكمال العقل، وتمكّنه من إعمال العلم والعمل على وفقه، وحاله في الآخرة بإعطاء الأمان، فجزاه اللَّه على طباق ما كان يطلب العلم له من حسن الحال في الدنيا والآخرة.

ولمّا [كان‏] (3) المطلوب للصنفين الأوّلين الدنيا لا غير، ذكر مجازاتهم بضدّ مطلوبهما في الدنيا، وسكت عن حالهما في الآخرة؛ حيث لم تكن من مطالبهما.

ولمّا كان الصنف الثالث مطلوبه خير الدنيا والآخرة ذكر مجازاته على وفق مطلوبه فيهما. (4)

____________

(1). في المصدر:+ «و كونه مشتغلا بالعبادة في ليلته المظلمة، أو في ظلمة ليله».

(2). في المصدر:+ «أو أن لا يديمه له».

(3). أضفناه من المصدر.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 165- 171.

479

الحديث السادس‏

روى في الكافي عن عَلِيٍ‏ (1)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ:

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ، وَإِنَّ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ، وَكَمْ مِنْ مُسْتَنْصِحٍ لِلْحَدِيثِ مُسْتَغِشٌّ لِلْكِتَابِ، فَالْعُلَمَاءُ يَحْزُنُهُمْ تَرْكُ الرِّعَايَةِ، وَالْجُهَلاء (2) يَحْزُنُهُمْ حِفْظُ الرِّوَايَةِ، فَرَاعٍ يَرْعى‏ حَيَاتَهُ، وَرَاعٍ يَرْعى‏ هَلَكَتَهُ، فَعِنْدَ ذلِكَ اخْتَلَفَ الرَّاعِيَانِ، وَتَغَايَرَ الْفَرِيقَانِ».

هديّة:

(إنّ رواة الكتاب كثير) أي الذين صحّحوا ألفاظه وأحسنوا قراءته وحفظه؛ بدليل قول أبي جعفر (عليه السلام) في رسالة إلى سعد الخير، ويجي‏ء في كتاب الروضة إن شاء اللَّه تعالى: «وكان من نَبْذِهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يَرعَوْنه، والجُهّال يُعجبهم حِفْظُهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية».

و «الكثير»: فعيل يستوي فيه التذكير والتأنيث.

«استنصحه»: راعاه جيّداً بطلب ما هو خيره فيه.

و «الاستغشاش»: خلاف الاستنصاح.

حزن لأجله كعلم، وحزنه الأمر- كنصر- كأحزنه، ف (العلماء يحزنهم ترك الرّعاية) أي في الدنيا، (والجهلاء يحزنهم حفظ الرواية) أي في الآخرة، فلا منافاة بين «يحزنهم» هنا و «يعجبهم» هناك.

(فراع يرعى‏ حياته) إمّا للعالم، فالمعنى حياته الباقية؛ أو للجاهل، أي الحياة الدنيا.

وكذا (وراع يرعى هلكته) بالتحريك، أي هلاكه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«كم» مبتدأ خبره «مستغشّ» بكسر الغين المعجمة كالصاد في «المستنصح».

____________

(1). في‏الكافي المطبوع: «عن عليّ بن إبراهيم».

(2). في الكافي المطبوع: «الجهّال».

480

والمراد ب «العلماء»: العالمون بأنّ المطلب الأصلي من ألفاظ القرآن إنّما هو العمل بها، يعني وأنّ تبعة القرآن قليل. وكم من يعدّ الحديث خالصاً ويعدّ القرآن غير خالص؛ لكون ذلك الحديث مخالفاً لمحكمات القرآن، فالعلماء يفكّرهم ترك رعاية القرآن فينظرون فيه ويتأمّلون، فيلعنون المخالفين له، كما يفكّر الجهلاء حفظ رواية ألفاظ القرآن فينظرون فيها، فبذلك يحسّنون المخالفين ويقبلون منهم «حياته» أي الباقية.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية، والجهّال يحزنهم حفظ الرواية» في الباب الآخر من السرائر عن طلحة بن زيد قال: قال أبو عبداللَّه (عليه السلام): «العلماء تحزنهم الدراية، والجهّال تحزنهم الرواية» (1)- ثمّ قال-: أقول: قوله: «ترك الرعاية» في كثير من النسخ هكذا، ولم يظهر لي معنى صحيحاً يوافق آخر الحديث، ويوافق ما عندنا من استعمال العرب، ويوافق الحديث المنقول في آخر السرائر.

ويمكن أن يُقال: «الترك» من الأضداد كما صرّح به في القاموس‏ (2). أو يُقال: هنا تصحيف، والصحيح: «بذل الرعاية» بالباء والذّال المعجمة واللّام، وفي السّاير كتاب محمّد بن إدريس الحلبي نقل هذا الحديث عن كتاب الصفواني‏ (3).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

أراد ب «رواة الكتاب»: رواة القرآن، قراءةً كان أو تفسيراً وب «رعاته»: من يتفكّر فيه، ويتنبّه لمقصوده، ويعمل بمطلوبه. أو المراد برواته: رواة الفرض، أو الحكم ونقلته؛ وبرعاته: الآخذون له من مأخذه، العاملون به على وجهه.

«وكم من مستنصح» أي مستخلص للنقل عن الغشّ.

«مستغشّ للكتاب» بأحد الوجهين المذكورين. وفيه إشارة إلى أنّ استنصاح الحديث لا يستلزم رعاية الكتاب، بل يندر المقارنة.

«أحزنه» و «حزنه» كنصر: إذا جعله محزوناً.

____________

(1). مستطرفات السرائر، ص 150، ح 6.

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 296 (ترك).

(3). صدر العبارة إلى قوله: «تحزنهم الرواية» في الحاشية على اصول الكافي، ص 95.

481

والمعنى أنّ العلماء العاملين بعلمهم يحزنهم ترْك الرعاية والتفكّر في الكتاب. والتنبّه لمقصوده، والعمل لمقصوده‏ (1) بمطلوبه، وفواتها عاجلًا عنهم حيث يعلمون ما في الترك من سوء العاقبة؛ وآجلًا عند ظهور الآيات والعلامات، فيحزنهم ما يترك من مقصودهم الذي هو الرعاية، والجهّال- الذين لا يريدون العلم للعمل، ولا يتفكّرون في المطالب، ولا يختارون حسن العواقب- يحزنهم حفظ الرواية، ويصير حفظها من أسباب حزنهم؛ لاشتداد الأمر عليهم بسبب العلم والاطّلاع على الكتاب ونقله والقول به وترك التدبّر فيه والعمل به، فيحزنون بحفظها عاجلًا عند ظهور الآيات، ويحزنهم مطلوبهم من الرواية وحفظها.

والحاصل: أنّ مطلوب العلماء ممّا تركه يوجب حزنهم ويؤدّي إليه، ومطلوب الجهّال ممّا فعله والاهتمام به يوجب حزنهم ويؤدّي إليه. أو المراد بالحفظ الرعاية. [قال في القاموس: حفظ المال: رعاه‏] (2) وبالرواية المرويّ، أي يحزنهم رعاية ما يروونه، كما أنّ العلماء يحزنهم ترك الرعاية.

«فراع يرعى حياته، وراع يرعى هلكته» أي فراع- وهو العالم- يرعى ويحفظ ما فيه حياته ونجاته وحسن عاقبته، وهو التدبّر والتفكّر في الكتاب والعمل بما فيه.

وراع- وهو الجاهل- يرعى ويحفظ ما فيه هلاكه وسوء عاقبته، وهو رواية الكتاب بلا تدبّر منه وعمل بما فيه. (3) انتهى.

بيانه بقوله: «وفيه إشارة إلى أنّ استنصاح الحديث لا يستلزم رعاية الكتاب بل يندر المقارنة» بناءً على أنّ محكمات الكتاب التي ثبت أحكامها بالاتّفاق بلا احتمال منسوخيّة واحد منها مستندات للأحكام، ومراجع في الكتاب لردّ المتشابهات من السنّة إليه، والتي منها لا كذلك، فحكمها منوط بحكم المحكمات من السنّة بالاتّفاق، وقد مرّ ذكر المعالجات لمتشابهات السنّة القائمة المتواترة بتواتر الكتب وضبطها.

____________

(1). في المصدر:-/ «لمقصوده».

(2). ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 172.

482

الحديث السابع‏

روى في الكافي عن الإثنين‏ (1)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، عن التميمي، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ حَفِظَ مِنْ أَحَادِيثِنَا أَرْبَعِينَ حَدِيثاً، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِماً فَقِيهاً».

هديّة:

هذا الحديث مستفيض مضمونه باختلاف في اللّفظ بين الخاصّة والعامّة. وقد رواه أصحابنا بعدّة طرق، منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الكاظم (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): من حفظ على امّتي أربعين حديثاً ممّا يحتاجون إليه في أمر دينهم بعثه اللَّه يوم القيامة فقيهاً عالماً» (2).

وفي رواية اخرى: «كنتُ له شفيعاً يوم القيامة». و «من امّتي مكان على امّتي» (3).

ف «على» بمعنى «اللّام». أي لأجلهم كما قالوا في قوله تعالى: «وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ» (4)؛ أي لأجل هدايته إيّاكم، أو متعلّقة على مقدّر مضمّن كالشّفقة.

أو بمعنى «من» كما قيل في قوله تعالى: «إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ» (5)؛ أي من الناس‏ (6).

وحفظ الحديث ضبطه على ما ورد، وروايته كما ضبط، وحراسته عن الاندراس كما أمكن، سواء كان عن ظهر القلب أو بالكتابة. وفهم المعنى مع ذلك إن كان شرطاً فحافظ اللّفظ فقط من دون فهم المعنى مأجور أيضاً مرحوم؛ لقول النبيّ (صلى الله عليه و آله): «رحم اللَّه امرءٍ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، وربّ حامل‏

____________

(1). يعني: «الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلّى بن محمّد».

(2). الخصال، ص 541، ح 15؛ ثواب الأعمال، ص 134، باب ثواب من حفظ أربعين حديثاً. و في المصدرين: «من امّتي».

(3). الخصال، ص 541- 542، ح 16.

(4). البقرة (2): 185.

(5). المطفّفين (83): 2.

(6). جوامع الجامع، ج 6، ص 585؛ الأصفى، ج 2، ص 1417، ذيل الآية 2 من المطفّفين (83).

483

فقه إلى مَن هو أفقه منه» (1). فقول بعض المعاصرين في بيانه: ودخول حافظ اللّفظ فقط في هذا الحديث بعيد؛ لأنّه ليس بفقيه ولا عالم، فكيف يبعث فقيهاً عالماً؟! (2)

استبعاد عن شمول القدرة، أو تعليم الملك في البرزخ، أو البعيد بمعنى القريب، ومثله في كتب الصوفيّة كثير.

قال برهان الفضلاء:

«حفظ» على المعلوم، كعلم. والمراد بالحفظ هنا: العلم المقرون بالعمل.

«وأحاديثنا» أي المختصّة بطريق أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في المختلف فيه بين الامّة من المسائل الشرعيّة، فاحتراز عن المختصّة بطريق المخالفين، وعن المشتركة بين جميع الامّة؛ لأنّ حفظ المتّفق عليه وإن كان من شروط الفقه لكنّه ليس بكاف.

«أربعين حديثاً» بناءً على أنّ ما يحتاج إليه أكثر الناس من الأحاديث ليس بأكثر من الأربعين.

والفقيه أخصّ مطلق من العالم كما بيّن في شرح السابع من الباب الثاني. انتهى.

لعلّه سلّمه اللَّه تعالى ترك الاستثناء من قوله: «لكنّه ليس بكاف» لظهوره يعني إلّا أن يكون في باب الإمامة، فيكفي لترتّب الأجر، كحديث المنزلة (3) و «أقضاكم عليّ» (4)، و «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين» (5) وغير ذلك ممّا لا يحصى، وكفى بكتاب‏

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 403، باب ما أمر النبيّ (صلى الله عليه و آله) بالنصيحة لأئمّة المسلمين و ...، ح 1؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 84، ح 230؛ مسند أحمد، ج 3، ص 225، ح 13374.

(2). الوافي، ج 1، ص 137.

(3). المرويّ من طرق الخاصّة والعامّة. راجع: مناقب أمير المؤمنين، ص 499- 525، الباب 53، ح 416- 457؛ الكافي، ج 8، ص 107، ح 80؛ الإرشاد، ج 1، ص 8، باب الخبر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام)؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 1602، ح 4154؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1870، ح 2404.

(4). دلائل الإمامة، ص 236، ح 162؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 92؛ بحار الأنوار، ج 40، ص 87؛ الاحتجاج، ج 2، ص 353 و 391.

(5). المرويّ بطرق عديدة وبألفاظ مختلفة، رواه العامّة والخاصّة. راجع: صحيح مسلم، ج 4، ص 1873، ح 2408؛ مسند أحمد، ج 3، ص 14، ح 11119؛ و ج 3، ص 17، ح 11147؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 160، ح 4711؛ بحارالأنوار، ج 23، ص 104، باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و ....

484

كشف الغمّة (1) شاهداً لهذا.

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله):

والوجه في تعيين عدد الأربعين: أنّ مجامع العلوم الثلاثة في حديث إبراهيم بن عبد الحميد، أو الأربعة في حديث سفيان بن عيينة ورؤوس مسائلها تؤول إلى ذلك، كما يدلّ عليه ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب الخصال في هذا المعنى‏ (2). والحديث طويل فاطلبه ثمّة. انتهى.

حديث إبراهيم بن عبد الحميد هو الأوّل من الباب الثالث‏ (3)، وحديث سفيان بن عيينة هو الحادي عشر من هذا الباب.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً» أي من الأحاديث المرويّة عنّا أهل البيت بأخذها عنّا (4) ولو بواسطة أخذاً مقروناً بالتدبّر والعمل بها، ونشرِها.

«بعثه اللَّه يوم القيامة عالماً فقيهاً» أي معدوداً من الفقهاء وفي زمرتهم وجماعتهم‏ (5).

الحديث الثامن‏

روى في الكافي عن العِدَّةٌ، عَنْ البرقي‏ (6)، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ الشَّحَّامِ‏ (7)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِهِ» قَالَ: قُلْتُ: مَا طَعَامُهُ؟ قَالَ:

«عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ، عَمَّنْ يَأْخُذُهُ؟».

____________

(1). من مؤلّفات عليّ بن عيسى الأربلي، المتوفّى سنة 693 في فضائل رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وأهل بيته، نشر في ثلاث مجلّدات نشر دار الأضواء، بيروت، لبنان.

(2). الخصال، ص 543، باب فيمن حفظ أربعين حديثاً، ح 19.

(3). كذا في «الف» و «ب». والصواب: «الثاني» وهو باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.

(4). في المصدر: «ويأخذها عنّا».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 173.

(6). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد بن خالد».

(7). في الكافي المطبوع: «زيد الشحّام».

485

هديّة:

الآية في سورة عبس وتولّى‏ (1).

يعني كما يجب النظر إلى طعام البدن من أين اكتسبه حذراً من الحرام يجب النظر إلى طعام الروح عمّن أخذه حذراً ممّا لا قطع بأنّه حقّ. والمأخوذ المقطوع بحقّيّته منحصر في علم الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه؛ لانحصار الأعلميّة فيه تبارك وتعالى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«ما طعامه» أي ما المراد من طعامه في الآية؟.

«قال: علمه» أي بحديث النبيّ (صلى الله عليه و آله) «الذي يأخذه، عمّن يأخذه؟» يعني يجب أخذ الحديث عنّا أهل البيت بلا واسطة أو بواسطة ثقة.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«علمه الذي يأخذه، عمّن يأخذه» من جملة تصريحاتهم (عليهم السلام) بأنّه يجب أخذ الحلال والحرام عنهم (عليهم السلام) ولا يجوز العمل بأصل أو استصحاب أو غير ذلك. (2)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«علمه الذي يأخذه، عمّن يأخذه؟» أي المراد بالطعام في الآية ما يُدرَك طعمه ويغتذى‏، به أعمّ من أن يكون إدراكاً واغتذاءً جسمانيّاً أو روحانيّاً ونفسانيّاً، والأهمّ من ذلك النفسانيّ فكأنّه المقصود الأصلي. فمراده أنّ المهتمّ به أشدّ اهتماماً (3) من طعامه، علمُه الذي يأخذه، فيجب أن ينظر إليه، ويلاحظه‏ (4) عمّن يأخذه، ولا يأخذه إلّابطريق حلّ له أخذه به. (5)

____________

(1). عبس (80): 24.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 95.

(3). في المصدر:+/ «به».

(4). في المصدر: «ويلاحظ».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 173.

486

الحديث التاسع‏

روى في الكافي عن مُحَمَّدُ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ ابْنِ مُسْكَانَ، (1) عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَةِ، وَتَرْكُكَ حَدِيثاً لَمْ تُرْوِهِ خَيْرٌ مِنْ رِوَايَتِكَ حَدِيثاً لَمْ تُحْصِهِ».

هديّة:

(عند الشبهة) أي التي لامعالجة لعلّتها بوجهٍ صحيح عند الفقيه العدل الإمامي المأذون عنهم (عليهم السلام) بالطبابة لعلّة الشبهات.

(والاقتحام) في الشي‏ء: رمي النفس فيه من غير رويّة.

و (الهلكة) بالتحريك: الهلاك ويضمّ.

(لم تروه) أي وتركك كلاماً في أمر الدِّين لم ينقل لك من ثقة- على الحذف والإيصال- أي لم يكن مأخذه من المعصوم.

(خير من روايتك حديثاً لم تحصه) من الإحصاء، أي لم تضبطه على وجهه وإن كانت رواية عن المعصوم.

و «الإحصاء»: العدّ والحفظ والإحاطة بالشي‏ء.

وقرئ: «لم تخصّه» بالخاء المعجمة، أي بالمعصوم باحتمالك كونه عن غيره.

ويخطر بالبال أنّ الأولى: «لم تروه» على الخطاب المعلوم من المجرّد، أي تركك الجواز أو الوجوب بترك نقلك الحديث الصحيح خير من فعلك الحرام بروايتك «حديثاً لم تحصه» أو «لم تخصّه» على نسخة؛ لأنّ ترك مثل الواجب يغفر بالاستغفار، وفعل مثل الحرام يؤدّي إلى النار.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النعمان، عن عبداللَّه بن مسكان».

487

وفي نهج البلاغة من وصايا أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه) لابنه الحسن (عليه السلام): «ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لا تُكلَّف، وأمْسِك عن طريقٍ إذا خفت ضلالته؛ فإنّ الكفّ عند حَيْرة الضلالة خيرٌ من ركوب الأهوال» (1). ولعلّ معنى «فيما لا تكلّف»:

في مقام لا تكلّف أن تكون آمراً أو ناهياً فيه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«خير» أي ضرره قليل، وضرر الوقوف عند الشبهة إنّما هو باعتبار الدنيا، نظير النفع في آية سورة البقرة: «وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» (2).

وجملة «وتركك» من قبيل الترقّي.

«ولم تروه»- بسكون الرّاء وتخفيف الواو المكسورة- صفة للحديث. ومفهوم هذه الصفة احتراز عن الحديث الذي لم يقع العمل بمقتضاه، وعن الحديث الذي لم يحص ولم يعدّ.

والمراد بالإحصاء هنا: استيعاب العلم المعلوم بجميع أجزائه مثل‏ «أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً» (3)؛ يعني الوقوف عن القول والعمل عند الشكّ في أنّه جائز أم لا، أقلّ ضرراً من الاقتحام فيه ودخول النار. «وتركك حديثاً» لم تنقله مع أنّك ضبطته وعملت بمقتضاه أقلّ ضراراً من نقلك حديثاً لم تضبطه.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«الوقوف عند الشبهة» من جملة تصريحاتهم (عليهم السلام) بأنّه يجب التوقّف في الحلال والحرام عند فقد القطع واليقين. (4)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة» أي التثبّت عند الشبهة حتّى ينتهي‏ (5) الأمر خير من الاقتحام والدخول، وإلقاء النفس فجأةً في الهلكة، وهي- بضمّ الهاء وفتح اللّام- الهلاك، وعبّر عن الضلال بالهلاك.

____________

(1). نهج البلاغة، ص 391، الرسالة 31.

(2). البقرة (2): 219.

(3). الجنّ (72): 28.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 95.

(5). في المصدر: «حتى يتبيّن».

488

والدخول في‏الشبهة وما لا يكون معلوم الثبوت- عقلًا أو شرعاً، لا ابتداء ولا تأنّياً، (1) اعتقاداً أو قولًا أو فعلًا- ضلال وهلاك.

«وتركك حديثاً لم تروه» أي لم تحمل على روايته. وكونه محمولًا على روايته عبارة عن كونه محفوظاً مصحّحاً عنده الحديث بحيث يكون له روايته ويجب‏ (2) عليه. والفعل مجهول من باب الإفعال أو التفعيل، (3) أو معلوم من إحدى البابين. يقال: روّيته الشعرَ، أي حملته على روايته، وأرويته أيضاً، أي لم تحمل من تروى له على روايته، ولم تصيّره بحيث يكون له أو يجب عليه روايته.

ومناط الجوازِ في صور الجواز والوجوب في صوره كونه مأخوذاً عن طريقه المعتبر الثابت بالأدلّة العقليّة والنقليّة، (4) محفوظاً لفظه أو معناه السالم عن التغيّر والتبدّل فيما هو المقصود إفادته.

أو مجرّد، أي «تركك حديثاً» ولم تكن راوياً له على حاله فلا ترويه.

«خيرٌ من روايتك حديثاً لم تحصه» [خبر لقوله: «وتركك»] (5) «ولم تحصه» صفة لقوله «حديثاً» كقوله: «لم تروه» [لقوله: «حديثاً» هناك‏] (6) هناك.

والمراد أنّ حالك- باعتبار تركك رواية حديثٍ غير ثابت بطريقه، أو حديثاً لم تكن راوياً له فلا ترويه- خيرٌ من حالك باعتبار روايتك حديثاً لم تحصه.

والإحصاء لغةً: العدّ، ولمّا كان عدّ الشي‏ء يلزمه الاطّلاع على واحد واحد ممّا فيه، استعمل في الاطّلاع على جميع ما في شي‏ء والإحاطة العلميّة التامّة بما فيه، وشاع ذلك الاستعمال. وإحصاء الحديث عبارة عن العلم بجميع أحواله متناً وسنداً وانتهاءً إلى المأخذ الشرعي، فما لم يكن من الأحاديث معلوماً له بأحواله- متناً؛ للاشتباه في ألفاظه ومعانيه في بقائه ومنسوخيّته، أو سنداً حيث لا يعرف كيفيّة سنده، أو انتهاءً حيث‏

____________

(1). في «ب، ج»: «ثانياً».

(2). في المصدر: «أو يجب».

(3). في المصدر قدّم قوله: «يقال: رويته- إلى- وأرويته أيضاً» على قوله: «أو معلوم من إحدى البابين».

(4). في المصدر: «أو النقليّة».

(5). أضفناه من المصدر.

(6). أضفناه من المصدر.

489

لا يعلم أنّ المنتهى إليه من المآخذ الشرعيّة- تركُ روايته خيرٌ من روايته؛ لأنّه إذا لم يروه رجع الناس فيه إلى من عنده العلم به، فيأخذونه على ما هو عليه، وإذا رواه يرجع إليه كثير من الجَهَلة والمسامحين في أمر الدِّين، ويبقى كثير على الضلال وإن بالغ في التحرّز عن التصرّف، وفي الإسناد إلى الناقلين وإلى المأخذ المنتهى إليه، ولم يزدد على النقل ولم يدّع حقّيته. (1) انتهى.

أنت خبير بأنّ الأنسب بصدر الحديث ما ذكرناه أخيراً بقولنا: «ويخطر بالبال»، وإنّما لم ننقله أوّلًا وهو أولى؛ لمكان توهّم الأمر بترك الواجب وليس أمراً به في مقام المبالغة في المنع والتهديد، كما أنّ ترك قراءة الحمد في الصلاة مع الاعتقاد بأنّ البسملة منها خيرٌ من ترك البسملة اعتقاداً أنّها ليست من السورة، والأوّل يعالج بخلاف الثاني.

الحديث العاشر

روى في الكافي عن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ: أَنَّهُ عَرَضَ عَلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) بَعْضَ خُطَبِ أَبِيهِ، حَتّى‏ إِذَا بَلَغَ مَوْضِعاً مِنْهَا، قَالَ لَهُ:

«كُفَّ وَاسْكُتْ». ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «لا يَسَعُكُمْ فِيمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِمَّا لَاتَعْلَمُونَ إِلَّا الْكَفُّ عَنْهُ وَالتَّثَبُّتُ وَالرَّدُّ إِلى‏ أَئِمَّةِ الْهُدى‏ حَتّى‏ يَحْمِلُوكُمْ‏ (2) فِيهِ عَلَى الْقَصْدِ، وَيَجْلُوا عَنْكُمْ فِيهِ الْعَمى‏، وَيُعَرِّفُوكُمْ فِيهِ الْحَقَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالى‏: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»*».

هديّة:

خلاف عند علماء الرجال في أنّ الطيّار صفة حمزة أو أبيه محمّد؛ ففي رجال الشيخ: حمزة بن محمّد الطيّار (3).

وفي خلاصة العلّامة: حمزة بن الطيّار. (4) وكذلك ضبط برهان الفضلاء.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 173- 175.

(2). في «ب» و «ج»: «يحكموكم».

(3). رجال الطوسي، ص 190، الرقم 2350.

(4). خلاصة الأقوال، ص 120، الرقم 2.

490

وقال ابن داود في رجاله:

حمزة الطيّار، قر، ق (كش، جخ) ممدوح، وبعض أصحابنا أثبته: حمزة بن الطيّار، وهو التباس، والظاهر أنّه رأى في كتاب الرجال: حمزة بن محمّد الطيّار، فظنّه صفة أبيه، وهو له. ترحّم عليه الصادق (عليه السلام)(1). انتهى.

إثبات الابن عند ترك الأب أشهر.

يعني (بعض خطب) الباقر (عليه السلام) (حتّى إذا بلغ موضعاً منها) وأراد عرض التتمّة من دون أن يسأل عن معنى ما عرض؛ زعماً منه أنّه قد فهمه، أو قصد إلى السؤال بعد التمام، فالأمر على الأوّل بالكفّ، والسكوت أمرٌ بالسؤال عن المستصعب من كلام الإمام (عليه السلام).

وعلى الثاني دلالة على وجوب السؤال عنه فوراً مع الإمكان.

و (التثبّت): التوقّف.

(حتّى يحكموكم) من الإفعال أي يثبتوكم.

وفي بعض النسخ: «حتّى يحملوكم» من حمله كضرب، بمعنى أجراه وأوصله، يعني حتّى يوصلوكم فيه على قصد الطريق وسواءه. أو من حمّله على فرسه تحميلًا.

والتحميل على الطريق لا يحتاج إلى تضمين معنى الإشراف والإعلاء.

ويمكن أن يكون المراد ب «القصد»: العدل والوسط بين الإفراط والتفريط، والمآل واحد.

(ويجلوا عنكم) من باب غزا. يقال: جلوت بصري برؤيتك.

(ويعرّفوكم) من التفعيل.

والآية في سورة النحل هكذا: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ» (2)، وفي سورة الأنبياء: «وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (3).

____________

(1). رجال ابن داود، ص 86، الرقم 534.

(2). النحل (16): 43- 44.

(3). الأنبياء (21): 7.

491

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«بعض خطب أبيه» يعني أبا جعفر (عليه السلام).

«كفّ» أي عن العرض، و «اسكت» أي عن كلام آخر أيضاً.

«فيما ينزل بكم» أي من القول والفعل.

و «القصد» بمعنى سواء الطريق.

«حتّى يحملوكم» على المعلوم من المجرّد. حمله عليه: أوقفه عليه، بمعنى أقامه. والآية في السورتين: سورة النحل، وسورة الأنبياء.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«لا يسعكم» إلى آخره. من جملة تصريحاتهم (عليهم السلام) بأنّه لا يجوز الاعتماد في الحلال والحرام وشبههما إلّاعلى القطع واليقين، وبأنّه يجب التوقّف إذا لم يكن يقين وقطع. (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«عرض على أبي عبداللَّه (عليه السلام) بعض خطب أبيه (عليه السلام)» عَرْض الكتاب والخطبة: إظهاره على من يعرض عليه، سواء كان لتصحيح لفظه، أو فهم معناه، أو إظهار ما فهمه ليختبر عن صحّته وفساده.

«كفّ وأسكت» (2) أمر بالكفّ عن عرض الخطبة بأن لا يقرأها، وبالسكوت عن التكلّم؛ لداعيته‏ (3) إلى إفادة ما أفاده، وشدّة اهتمامه‏ (4) به، أو لفهمه ممّا في الخطبة في هذا الموضع ما لم يكن صواباً، فأمره بالكفّ عن العرض، والسكوت عن بيان ما فهمه، وأفاد (5) أنّ المواضع المشكلة التي لا يعلمون كفوّا عن حملها على معنىً، وردّوا الأمر فيها إلى أئمّة الهدى، أو لكونه في معرض بيان ما فهمه، فأمره بالإعراض عنه والسكوت و أفاد ما أفاد.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 95.

(2). في المصدر:+/ «عند بلوغه موضعاً من المواضع».

(3). في المصدر: «لداعيةٍ».

(4). في المصدر: «اهتمام».

(5). في «الف»: «أفاد» بدون الواو.

492

«حتّى يحملوكم فيه على القصد» أي على استقامة الطريق أو الوسط بين الطرفين، وهو العدل والطريق المستقيم.

«ويجلوا» أي يذهبوا «عنكم فيه العمى» والعمى: ذهاب البصر، ويستعمل في ذهاب بصر العقل فيُراد به الجهل والضلال. (1)

الحديث الحادي عشر

روى في الكافي عن عَلِيٍ‏ (2)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ كُلَّهُ فِي أَرْبَعٍ: أَوَّلُهَا: أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ، وَالثَّانِي: أَنْ تَعْرِفَ مَا صَنَعَ بِكَ، وَالثَّالِثُ: أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَ مِنْكَ، وَالرَّابِعُ: أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ مِنْ‏ (3) دِينِكَ».

هديّة:

(وجدت علم الناس كلّه) أي العلم الذي يحتاج إليه الناس في دينهم الحقّ أوّلها (أن تعرف ربّك) يعني على ما عرّف به نفسه، وأخبر به حججه المعصومون العاقلون عنه بمجرّد طَوْله العظيم ولطفه العميم، وهو أرحم الراحمين، وأرأف بعباده من والديهم والأقربين. واللَّه، لولا إخبارهم (عليهم السلام) عقلًا عنه جلّ وعلا بالأسماء الحسنى والأثِنيةَ العليا، والصفات الخاصّة بذاته تعالى ما سمّاه أحدٌ أبداً بها، ولا يعرفه أحد بصفاته الخاصّة أبداً، لا واللَّه، لا صوفيّ قدريّ مرتاض بالآلام، ولا وجديّ مدّعٍ لمعارج في البِسْطام، فالحكم لهم (عليهم السلام) والحجّة معهم على الأنام إلى يوم القيام، وهم قد حكموا بكفر من قال بمقالة الصوفيّة القدريّة، وكونه مخلّداً في النار. وقد خرج توقيعاً كما نقله الشيخ المفيد (قدس سره) في حديقة الحدائق‏ (4)، ومولانا أحمد

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 175- 176.

(2). في الكافي المطبوع:+/ «بن إبراهيم».

(3). في «ب» و «ج»: «عن».

(4). لم نعثر عليه.

493

نزيل الغَرِيّ (رحمه الله)(1) في حديقة الشيعة من الصاحب صاحب الأمر والزمان (صلوات اللَّه عليه) في سؤال الشيعة بعد قتل الحلّاج في الغيبة الصغرى بأمر بني العبّاس وإفتاء الشافعيّة عن حاله ب «أنّه» كان زنديقاً نجساً، وهو عدوّ اللَّه مخلّد في النار.

(والثاني أن تعرف ما صنع بك) يعني أن تعرف نفسك وخلقتك وصنعه فيك، وتفضّله معك بأنواع التفضّلات وأقسام التلطّفات، وقد قال أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه): «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» (2) يعني من عرف نفسه- كما ينبغي- فقد عرف ربّه على ما عرّف به نفسه لعباده، من تفرّده تبارك وتعالى بالأزليّة، والخالقيّة، والقدرة على كلّ شي‏ء بمجرّد نفوذ الإرادة، وغير ذلك ممّا أخبر به حججه المعصومون العاقلون عنه سبحانه. ويكفي للعبد من بيان معرفة نفسه مفصّلًا بعد معرفته بأحوالها المتغايرة بكمال عجزها ونهاية احتياجها إيماءً مّا إلى قطرة من البحار وأثر من الآثار. ما أبين خباثة النطفة وكونها بحيث لو تلطّخ إصبعك بها ولم يكن ماء لإزالتها كاد أن ترضى بقطع الإصبع، وهي بعد صيرورتها في الرحم علقةً ثمّ مضغةً توجد بصنعه تبارك وتعالى، فيها نقاط سود صغار في غاية الصغر- بحيث لا يدركها إلّاإمعان النظر- اثنتنان من تلك النقاط تصير بحكمة صنعه سبحانه عينيك بطبقاتهما، وأجفانهما، وأشفارهما، وهيئاتهما، ومكانهما من الوجه، ومائهما المالح المخلوق فيهما لصلاحهما، ونورهما السيّار في مقدار طرفة العين ونِصْفِ النظر من الناظر إلى فلك البروج.

واثنتان اخراوان تصير اذنيك بصماخهما، وهيئاتهما، ومكانهما من الرأس، ومائهما المُرّ المخلوق فيهما؛ صوناً من اختلالهما من الهوامّ والسوام ونحوهما؛ وسامعتهما التي تدرك الصوت المخلوق بحركة الشفتين- مثلًا- في الهواء المجاور للحلق أوّلًا، ثمّ‏

____________

(1). في مجمع البحرين، ج 1، ص 315 (غرا): «الغريّ، كغنيّ البناء الجيّد، ومنه الغريّان بناءان مشهوران بالكوفة، قاله‏في القاموس. وهو الآن مدفن عليّ (عليه السلام)».

(2). غررالحكم، ص 232، ح 4637؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 292، ح 339. ورواه عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) في عوالي اللآلي، ج 4، ص 102، ح 149؛ بحارالأنوار، ج 2، ص 32، ح 22.

494

في سلاسل أمواج الهواء المنتهية إلى الصماخ على هيئات الحروف على أنحاء كثيرة لا تحصى.

وهكذا سائر تلك النقاط السود الصغار المخلوقة أوّلًا في المضغة تصير بقدرته وصنع حكمته أنفك وفمك من الوجه، ولسانك وأسنانك في الفم، ويديك ورجليك بمفاصلهما وأصابعهما وهيئاتهما وموضعها من البدن، وسائر جوارحك من قرنك إلى قدمك ظواهرهما وبواطنهما من الأحشاء والأمعاء، وغير ذلك ممّا لا تخفى‏ «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» (1).

(والثالث أن تعرف ما أراد منك) يعني أن تعرف لماذا خلقك؟ وما أراد منك لمعاشك ومعادك؟ خلقك لمعرفته بمعرفة مفترض الطاعة، وطاعته على ما اخبرت وامرت، وأراد منك بمحض التفضّل الامتثال في الأمر والنهي هنا راضياً شاكراً، ثمّ الاشتغال بالسرور المخلّد، والعيش المؤبّد في دار الخُلد وجنان الرحمان بعد طيّ عقبات البرزخ ومواقف أهوال الموقف للعرض الأكبر، سالماً حامداً «وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (2).

(والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك) يعني أن تعرف عدوّ دينك، ومن يفسد إيمانك موافقته وتبعيّته.

إنّ رئيس رؤساء الأعداء لدين اللَّه سبحانه هو إبليس اللّعين، وهو العدوّ المبين غير المبين، هو وأبالسته يجيئون للتسلّط على بني آدم بالوسوسة من الجوانب الستّة، وقد يتمثّلون بأشكالٍ مختلفة ويكيدون بمكائد عجيبة معجبة، وقصّة الشيخ النجدي والذي أحكم البيعة أوّلًا مع الأوّل وغير ذلك من القصص معروفة، ونفوذهم في الأصنام المتنطّقة والوجديّين من الصوفيّة القدريّة والطائرين من الجواكي الهندية ظاهر لُاولي الأبصار، ومشهور بتواتر الأخبار.

____________

(1). المؤمنون (23): 14.

(2). يونس (10): 10.

495

وكما أنّ للإيمان سلسلة واحدة نورانيّة ممتدّة من لدن آدم (عليه السلام) إلى يوم القيام قائمة في كلّ عصرٍ من الأعصار بحجّة معصوم وشيعته، فللكفر سلاسل شتّى‏ ظلمانيّة ممتدّة من لدن قابيل إلى انقراض الدنيا قائمة برئيس الملاعين وتبعته من الأبالسة والطواغيت وأشياعهم ومريديهم.

وكما أنّ في سلسلة الإيمان فقهاء وفضلاء دائماً، ففي سلاسل الكفر رؤساء مهراء في الشيطنة والنَكراء ما دامت الدنيا.

تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين كلّهم أهل التوراة، كانت إحداها ناجية والباقية هالكة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلّهم أهل الإنجيل، إحداها ناجية والباقية باغية هالكة، وهذه الامّة على ثلاث وسبعين كلّهم أهل القرآن كانت بالنصّ وإجماع الجميع إحداها ناجية والباقية باغية طاغية هالكة (1).

وقد عرفت مراراً أنّ مكائد أفكار الشيطان ومصائد خدائعه لعباد الرحمان خارجة من الإحصاء والحسبان، وأنّ أدقّها وأخفاها على الإنسان طريقة التصوّف المحفوفة بأشياء من المكارم والأخلاق والحديث والقرآن والأشعار والأمثال ومحاسن الأقوال والأفعال وغير ذلك، كوسخ الحديد المرصّع بجواهر نفيسة وصنائع لطيفة؛ فكفر الصوفيّ أسوء صنوف الكفر، والتصوّف أخيب شعوب الشرك، وهو من أواخر أفكاره بذلك العمر، وتلك المهارة بتلك القوّة والجرأة الطامعة في الأنبياء (عليهم السلام) مع علمه بأنّهم معصومون قصداً بالذات إضلاله الناجية من الفرق؛ لعلمه بأنّهم لا يهلكون بالمعصية ومن ورائهم الزيارات والشفاعات وسائر الأسباب للنجاة والمنجيات، وأنّهم لا يكاد أن يتهوّدوا بوسوسته، أو يتنصّروا، أو يتمجّسوا، ففكّروا فكراً وتفكّر، فانتهى فكره إلى وضع طريقة التصوّف، فنعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، ولعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين على الملحدين الأبعدين من الصراط المستقيم، والحمد للَّه‏ربّ العالمين،

____________

(1). إشارة إلى حديث الافتراق، رواه الفريقان. راجع: بحارالأنوار، ج 28، ص 2، باب افتراق الامّة بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله) على ثلاث وسبعين فرقة و ....

496

وصلّى اللَّه على محمّد وآله المعصومين وسلّم أبد الآبدين.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«وجدت علم الناس» أي العلم الذي ينفعهم في الدِّين كلّه «في أربع كلمات أوّلها: أن تعرف ربّك» بأنّه ربّ العالمين على ما عرّف به نفسه.

والثاني‏ (1): أن تعرف ما صنع بك» أي تعترف بأنّ خلق الدنيا وما فيها لو كان بدون التكليف وإرسال الرُّسل والأحكام والآداب والمجازاة في الآخرة لكان عبثاً ولهواً ولعباً، كما بيّن المصنّف- طاب ثراه- في جواب السؤال الأوّل، وبيّنا في شرح قوله في الخطبة: «فلو كانت الجهالة جائزة».

والثالث: أن تعرف ما أراد منك» أي برسالة الرّسل وإخبارهم بمنافعك ومضارّك.

والرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك» كالشرك، والإصرار على الكبيرة، واتّباع أهل الرأي وأئمّة الجور».

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«علم الناس» أي بما يحتاجون إلى معرفته وينتفعون به منحصر في أربع معارف «أوّلها» أي أوّل المعارف الأربع، أو أوّل أقسامها؛ حيث عُرِف انقسامها بالأقسام «أن تعرف ربّك» بكونه موجوداً أزليّاً أبديّاً واحداً أحداً عالماً قادراً وبسائر صفات ذاته وصفات فعله معرفة يقينيّةً فيما يمكن منها تحصيل‏ (2) اليقين فيه.

«والثاني»: من الأقسام معرفتك بما صنع بك من إعطاء العقل والحواسّ والقدرة واللّطف بإرسال الرُّسل وإنزال الكتب، وسائر نعمه العظام.

«والثالث»: معرفتك بما أراد منك وطلب فعله والكفّ عنه، وبما أراد من طريق معرفته وأخذه من المآخذ المعلومة بالعقل، أو بالنقل.

«والرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك» كاتّباع الطواغيت، والأخذ من غير المآخذ، وإنكار الضروريّ من الدِّين. (3)

____________

(1). كذا، والمناسب: «والثانية» وكذا بعدها: والثالثة ... والرابعة.

(2). في «الف»: «لتحصيل».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 176- 177.

497

الحديث الثاني عشر

روى في الكافي عن الثلاثة (1)، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مَا حَقُّ اللَّهِ عَلى‏ العباد (2)؟ فَقَالَ: «أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ، وَيَكُفُّوا عَمَّا لَايَعْلَمُونَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ فَقَدْ أَدَّوْا إِلَى اللَّهِ حَقَّهُ».

هديّة:

يعني: ما أهمّ حقوقه سبحانه على عباده، أو ما حقّ اللَّه المندرج فيه جميع حقوقه.

(ما يعلمون) أي ما يقطعون بأنّه حقّ، ولا قطع بحقيّة شي‏ء من المختلف فيه بلا مكابرة إلّابإخبار الحجّة المعصوم المنحصر عدده في حكمته تعالى، وانحصر القطع في ذلك بالحقّ في حقّ قوله، وفعله، وتقريره؛ لانحصار الأعلميّة في ربّ العالمين.

(ويكفّوا عمّا لا يعلمون) أي ما لا يقطعون بأنّه حقّ؛ لعدم العلم بمآخذه عن الحجّة؛ لعدم دخوله في الأخبار المضبوطة المتواترة المعالجة متشابهاتها بمعالجات معهودة عن الحجج (عليهم السلام) في جملة محكمات السنّة القائمة آحادها ومتواتراتها، وظنّيّة الطريق لا ينافي قطعيّة الحكم، وتوقّف الفقيه الإمامي العدل الممتاز- فضلًا عن العمل بالظنّ في زمن الغيبة بالعلاجات المنصوصة لو لم يلزم منه الحرج المنفيّ- بمحكم الكتاب واجب قطعاً.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: بيانه كنظيره، وهو السابع من الباب الثاني عشر.

وقال الفاضل الاسترآبادي: «أن يقولوا ما يعلمون» من تصريحاتهم (عليهم السلام) بوجوب التوقّف عند عدم اليقين والقطع. (3)

____________

(1). يعني: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

(2). في الكافي المطبوع: «على خَلقه».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 95. وفي المصدر:-/ «عند عدم اليقين والقطع».

498

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«وإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللَّه حقّه» وذلك لأنّه إذا قال ما علمه قولًا يدلّ على إقراره ولا يكذبه بفعله، وكفّ عمّا لا يعلمه، هداه اللَّه إلى علم ما بعده، وهكذا حتّى يؤدّي إلى أداء حقوقه. (1)

الحديث الثالث عشر

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ، (2) عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «اعْرِفُوا مَنَازِلَ النَّاسِ عَلى‏ قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا».

هديّة:

يعني: أنّ منزلة كلّ فقيه من فقهاء شيعتنا على قدر روايته عنّا؛ فالمكثر قدره أعلى من المقلّ إذا تساويا عقلًا وفهماً وعملًا، وإلّا فالمقلّ مع الفهم والعمل أعلى قدراً من المكثر بدونهما، فالمراد قدر الفهم فهم الراوي وراجله بأساليب كلامهم (عليهم السلام) لا قدر الرواية كثرةً وقلّةً.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

يعني اعرفوا أقدار الناس في الفُتيا والقضاء على قدر كثرة الرواية وقلّتها عنّا؛ بمعنى أنّ من أكثر من الاكتفاء بنقل حديثنا مَن دون تصرّف في لفظه أو معناه عند الجواب عن المسألة التي ليست في محكمات القرآن ويجري فيه الاختلاف بلا مكابرة فهو أسلم من الخطأ من الذي لم يكثر منه عند ذلك.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا» فكلّ طائفة كثير (3) مراجعتهم إلى أهل البيت، وكان رجوعهم إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) في الأخذ بالمعارف والمسائل، فهؤلاء أكمل عقلًا، وأسلم قلباً، وأطوع لأوامر اللَّه ونواهيه.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 177.

(2). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

(3). في المصدر: «كثر».

499

ومن كان يرجع إليهم في كثير، ويأخذون دينهم منهم ومن غيرهم، فهؤلاء ممّن يرجى فيهم أن يصلوا إلى النجاة بفضل اللَّه.

ومن يراجع غيرهم، وكان اعتماده في أخذ دينه على القائلين بآرائهم وأهوائهم في الدِّين، فهؤلاء لا خير فيهم، ولا يرجى منهم الصلاح والرجوع إلى الحقّ؛ وذلك لأنّ من أخذ بقولهم كان آخذاً بقول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي» (1). وما في معناه، ومن تركهم كان تاركاً لما أمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) به، من الأخذ عنهم آخذاً بما نهى أخذ دينه عنه من غير كتاب اللَّه وعترته فهما لا يفترقان كما نصّ عليه بقوله: «لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض» (2).

الحديث الرابع عشر

روى في الكافي عن الْحُسَيْنِ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيِّ، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ الْبَصْرِيِّ رَفَعَهُ: أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنِ انْزَعَجَ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ فِيهِ، وَلَا بِحَكِيمٍ مَنْ رَضِيَ بِثَنَاءِ الْجَاهِلِ عَلَيْهِ؛ النَّاسُ أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ، وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ، فَتَكَلَّمُوا فِي الْعِلْمِ؛ تَبَيَّنْ أَقْدَارُكُمْ».

هديّة:

(الغلابي) بالمعجمة والمفردة: نسبة إلى بني غلاب- كسَحاب- قبيلة بالبصرة، و (محمّد بن زكريا الغلابي) مولاهم؛ ذكره العلّامة- طاب ثراه- في كتابي الخلاصة والإيضاح‏ (3).

و «الانزعاج»: الانقلاع عن المكان، والقلق والاضطراب.

و «الزّور»: الكذب والباطل والبهتان.

____________

(1). حديث الثقلين مرويّ بطرق عديدة وألفاظ مختلفة، رواه العامّة والخاصّة. راجع: صحيح مسلم، ج 4، ص 1873، ح 2408؛ مسند أحمد، ج 3، ص 14، ح 11119؛ و ج 3، ص 17، ح 11147؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 160، ح 4711؛ بحارالأنوار، ج 23، ص 104، باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و ....

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 177- 178.

(3). خلاصة الأقوال، ص 259، الرقم 104؛ إيضاح الاشتباه، ص 257، الرقم 611.

500

يعني: لا يغتمّ العاقل (من قول الزور فيه)؛ لأنّ الربّ الديّان المُجازي بالعدل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء (1)، حكم بين كلّ ظالم ومظلوم، وكلّ مفتر ومبرّاءٍ.

(ولا بحكيمٍ مَن رضي بثناء الجاهل عليه) أي على فعله المذموم عند العقلاء، أو لمسرّته من الثناء وإن كان على مكرمة لا تكون فيه، وكلاهما ينافي الحكمة.

«الناس أبناء ما يحسنون» على المعلوم من الأفعال؛ أي يحبّونه كما يحبّون آبائهم، إنّ‏ «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (2)* يقال: أحسن الشي‏ء، أي تعلّمه: فَعَلِمَه حسناً.

و (العلم) من معاني الإحسان، فمعنى «وقدر كلٌّ امرى‏ءٍ ما يحسن»: ما يعلمه حسناً.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

الناس من جهة التمثال أكفّاء* * * أبوهم آدم والامّ حوّاء

لا فضل إلّالأهل العلم أنّهم‏* * * على الهدى لمن استهدى أدلّاء

وقيمة المرء ما قد كان يحسنه‏* * * والجاهلون لأهل العلم أعداء

فقم بعلمٍ ولا تبغ له بدلًا* * * فالناس موتى وأهل العلم أحياء (3)

(تبيّن) بحذف إحدى التائين جُزِم في جواب الأمر، وقد مرّ مراراً أنّ المراد من العلم ما هو المأخوذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: «ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه»؛ لأنّ قول الزور قيل في اللَّه وفي حججه، فالانزعاج والانقلاع من المكان منه نوع من التكبّر، وهو علامة الجهل.

«ولا بحكيم من رضى بثناء الجاهل عليه» أي بالثناء الصدق، والرضا بصدوره عن الجاهل بظنّه الميل إلى الجاهل، فينبغي الاحتراز عنه.

____________

(1). اقتباس من الآية: 61 من سورة يونس (10).

(2). المؤمنون (23): 53؛ الروم (30): 32.

(3). ديوان الإمام عليّ، ص 24.