الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الهدايا لشيعة أئمّة الهدى‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

المقدّمة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه‏الكريم المتكرّم، العظيم المتعظّم، على عميم رحمته، على عظيم نعمته، على نعيم ولايته، على من اصطفاه وارتضاه، ونجا مَن أحبّه وهداه، الأعلون أخضعُ في سجوده، والأكرمون أحوج إلى جوده، جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه، من حمد حمده، هو اللَّه وحده، مُلهم عباده حمده، (1) حُمد على آلاء هدايته، عُبِد بنعماء ولايته، هنالك الولاية للَّه‏الحقّ.

«وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها». (2)

«إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ». (3)

من آمن باللَّه ونبإ الساعة آمن بطاعة مفترض الطاعة، آمن باللَّه كما عرّف نفسه، وباليوم الآخر على ما علّم وصفه.

عقل عباده مبوّب، وأمر معادهم مغيّب، على معرفته فطرهم؛ لكيلا يعدوا ما عرّف لهم في‏ (4) حكمه على المحكوم لا يحكم إلّابالمعصوم، لمهلكات لججه لابدّ من منجيات حججه، خلق صفوة من الأنام لقيام حجّته إلى يوم القيام‏ «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً». (5)

____________

(1). في «الف»: «بحمده».

(2). هود (11): 41.

(3). الإسراء (17): 9.

(4). في «ب» و «ج»:-/ «في».

(5). النساء (4): 165.

56

لا علم لغيره بكيفيّة علمه، لا يعلم علمه بعلم غيره، علم إذ لا عالم.

أحبّ ولم يحبّ، أراد وقدّر، قضى وأحكم، خلق وأقدر، أرسل وأخبر، أمر وحظر، بشّر وأنذر «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ». (1)

نصر مَن والاه، وخذل مَن عاداه.

لا جبر ولا قدر، أقدر وهو أقدر، وما يشاؤون إلّاأن يشاء اللَّه‏ (2)، ولا خالق لما سواه سواه.

علم ما يُختار إذا خُلّي المختار، ما علمه علّة بالمدخليّة، وله سبحانه الحيلولة والتخلية، ولو شاء لهداهم أجمعين، لم أحبّ ولم يخلّ، علم مخزون، لِمَ لم يحبّ ولم يخلّ، (3) حكمٌ محتوم.

وهو «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» (4)، ما لنا والسؤال والإشكال على الضالّ، ما لنا ولهم، أولى لهم فأولى لهم.

أمدّ الأبد لأحبّائه، أنّى يفاضل حمد (5) نعمائه، نحمده على ما حبّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان‏ (6)، ونجّانا من شرورها، فضلًا من اللَّه ونعمة، واللَّه عليمٌ حكيم‏ (7).

بداية توحيده نهاية التنزيه، وأوّل معرفته نفي التعطيل والتشبيه، نفى النفي بإثبات‏

____________

(1). الأنفال (8): 42.

(2). اقتباس من الآية 30، الإنسان (76).

(3). في «ب» و «ج»: «يحلّ».

(4). اقتباس من الآية 23، الأنبياء (21).

(5). في «ب»: «أحد».

(6). اقتباس من الآية 7، الحجرات (49).

(7). اقتباس من الآية 8، الحجرات (49).

57

أزله، وسلب التشبيه بنفي مثله، محض الإثبات تمام معرفته الفطريّة، ونفي الحدّين بناء معرفته الدينيّة، سبّوح عمّا يقال، قدّوس عمّا يخطر بالبال، متفرّد بالقدم، خالق من بحت العدم ما خلق، ما خلق من مثال سبق، ولا من شي‏ء صنع ما صنع وخلق، كَلَّ دون صفاته تحبير (1) اللّغات، وضلَّ هناك تصاريف الصفات‏ (2)، بدوام القدرة خالق الأشياء، وبنفاذ الإرادة فعّالٌ لما يشاء، ليس لإرادته فصل، ولا لأمره دافع، فصله جزاء، وأمره واقع. (3)

قدّر بحكمته ما خلق بقدرته، وسخّر بعزّته ما صنع بحكمته، عجائب صنعه لا يتناهى، لا يتناهى ما لما لا يتناهى.

لا يحدّه حدّ وكلّ حدّ محدود، ولا يحجبه حجاب وكلّ حجاب محجوب، خلقة خلقه حجاب بينه وبينهم، فلا يعرفون بالكنه إلّامثلهم.

لا يدرك بالحواس والحواس من مجبوليّه، ولا يُعرف بالقياس والقياس من معزوليّه، كُنْهه لا يحاط، حُكْمه لا يماط، لا يضبطه العقول، ولا يبلغه الأوهام.

تعالى شأنه، عظيمٌ سلطانه، كلّ سلطان متواضع لملكوته، كلّ عظيم متضعضع‏ (4) لجبروته، جبروته أظهر الأشياء، له ملكوت الأرض والسماء «فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ». (5) إحكامه نظام التنضيد من بيّنات آيات التوحيد.

واحدٌ بلا اختلاف الذات، أحدٌ لعينيّة الصفات، أحدٌ بالإجماع عليه، صمدٌ لحاجة الجميع إليه‏ «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (6) لم يلد لابتداعه ما عداه، ولم يولد لاختراعه ما سواه، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»، وهو لكلّ أحد صمد، ليست أحديّته عددانيّة، ولا صمديّته جَسَدانيّة، بوحدانيّة وحدته له وحدانيّة العدد، ولتضرّع الجميع إليه له ملكة القدرة الصمد (7)، عددهُ وحدته، مُلْكته قدرته، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره،

____________

(1). تحبير اللغات: تحسينها. انظر: الصحاح، ج 2، ص 620 (حبر).

(2). من قوله: «ما خلق» إلى «تصاريف الصفات» اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 134، باب جوامع التوحيد، ح 1. وأيضاً كثير من عباراته اقتباس من الآيات والروايات.

(3). من قوله: «ليس لإرادته» إلى «وأمره واقع» اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 91، باب النسبة، ح 2.

(4). «تضعضع» أي خضع و ذلّ. النهاية لابن الأثير، ج 3، ص 187؛ القاموس المحيط، ج 3، ص 56 (ضعضع).

(5). يس (36): 83.

(6). الزخرف (43): 87.

(7). في «الف» و «ب»: «الصمديّة».

58

عزّ ثناؤه وجلّ سناؤه‏ (1).

أوّل أزليّ، آخر أبديّ، أزله نُهىً‏ (2) لمجاول‏ (3) الأوهام، ودوامه ردعٌ لجوائل‏ (4) الأفهام. (5)

لم يزد ملكه إنشاؤه الأشياء، ولا ينقص سلطانه إفناؤه الأرض والسماء، ليس له ظلّ يمسكه، هو يمسك الأشياء بأظلّتها، إنّه بكلّ شي‏ء محيط (6)، داخل في الأشياء لا كشي‏ء داخل في شي‏ء، خارج من الأشياء لا كشي‏ء خارج من شي‏ء (7)، لا خلقه فيه، ولا هو في خلقه، «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ». (8)

علا فقرب، دنى فبعد، عُصي فغفر، اطيع فشكر. (9)

رضاه ثوابه لا بانبساط يبهّجه، وسخطه عقابه لا من انقباض يهيّجه‏ (10).

لا ينسى ولا يلهو، لا يلعب ولا يسهو (11)، يسمع بما يبصر، يبصر بما يسمع‏ (12)، أزله عين أبده، أبده صِرْف سرمده.

تبارك الذي‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (13) موصوفٌ بالآيات، معروفٌ‏

____________

(1). «السناء» بالمدّ: الرفعة. مجمع البحرين، ج 1، ص 231؛ المفردات في غريب القرآن، ص 429 (سنا).

(2). «النُهي»: العقل، يكون واحداً وجمعاً. لسان العرب، ج 15، ص 346 (نهي).

(3). «المجاول»: جمع مجول بفتح الميم، و هو مكان الجولان أو زمانه. في لسان العرب، ج 13، ص 184 (رفن): الْمَجْوَل: مَفْعل من الجَوَلان.

(4). «الجوائل»: جمع جائلة من الجولان.

(5). من قوله: أزله نهىً- إلى- الأفهام، اقتباس من المروي في الكافي، ج 1، ص 140، باب جوامع التوحيد، ح 5.

(6). اقتباس من الآية 54، فصّلت (41).

(7). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 85، باب أنّه لايعرف إلّا به، ح 2.

(8). المجادلة (58): 7.

(9). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 91، باب النسبة، ح 2.

(10). اقتباس من المرويّ في الأمالي للصدوق، ص 278، المجلس 47، ح 6.

(11). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 91، باب النسبة، ح 2.

(12). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 108، باب آخر و ...، ح 1.

(13). الشورى‏ (42): 11.

59

بالعلامات، ظاهر لمدبّراته، جبّار لمسخّراته،، لا تدركه الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان‏ (1).

تقدّست أسماؤه، وتظاهرت آلاؤه، هو علّام الغيوب، هو دليل المتحيّرين، هو ستّار العيوب، هو غافر المذنبين، لغيبه حجب، تاه في أدنى أدانيها كلّ عقل طامحٍ‏ (2)، ولسرّه أستار افتضح أوّل خوضها كلُّ جالعٍ جامحٍ، «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» (3) «وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» (4). لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن ينشأها، بعين علمه بها بعد أن أبدعها «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها» (5)، «وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ». (6)

لا يضمنه زمان، ولا يحويه مكان، ولا تحمله أرضه، ولا تُقلّه سماؤه‏ (7)، هو أيَّن الأين، هو كَيَّف الكيف، فكيف أين كان، وأين كيف كان، خنق متى كان بحبال متى لم يكن خزق‏ (8) أين كان بنبال.

إنّه كان ولا مكان، والآن كما كان، كان سميعاً إذ لا مسموع، مبصراً إذ لا مبصر، خالقاً إذ لا مخلوق، ربّاً إذ لا مربوب، ويكون بعد الأشياء بعين‏ (9) ما كان معها وقبلها.

تبارك الذي لا يبلغه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، ليست له صفة تنال، ولا حدّ

____________

(1). اقتباس من المرويّ في كفاية الأثر، ص 261، باب ما جاء عن محمّد بن جعفر؛ و عنه في البحار، ج 4، ص 54، باب نفي الرؤية، ح 32.

(2). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 135 باب جوامع التوحيد، ح 1. و «الطامح»: المرتفع. راجع: مجمع‏البحرين، ج 2، ص 393 (طمح).

(3). الأنعام (6): 59.

(4). الزخرف (43): 84. في «ج»:-/ «وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ».

(5). الحديد (57): 4.

(6). الزخرف (43): 84.

(7). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 91، باب النسبة، ح 2.

(8). خَرَقَه خزقاً من باب ضرب: طعنه، وخَزَقَ السهمُ القرطاس: نفذ منه فهو خازق. المصباح المنير، ج 1، ص 168 (خزق).

(9). في «الف»: بغير.

60

يضرب له فيه الأمثال، وللَّه المثل الأعلى، تقدّس وتعالى، سبحان اللَّه عمّا يعقل، والحمد للَّه على ما يفعل، ولا إله إلّااللَّه كما وصف، واللَّه أكبر من أن يوصف‏ (1).

أشهد أن لا إله إلّااللَّه، وحده لا شريك له، إلهاً واحداً متوحّداً بالأزليّة والخالقيّة، أحداً صمداً فرداً متفرّداً باللّازمانيّة واللّامكانيّة، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة.

وأنّ أمير المؤمنين والمجتبى وسيّد الشهداء والسجّاد والباقر والصادق والكاظم والرِّضا والجواد والهادي والزكيّ والمهديّ عباد اللَّه وأوصياء رسوله (صلى الله عليه و آله)،

وأنّ نوره ونور آله (صلى الله عليه و آله) نورٌ واحدٌ، وعقل واحد ساجد.

وأنّ أوّل نور خلقه اللَّه، وأوّل عقل أنشأ اللَّه إنّما هو نور نبيّنا المصطفى‏ (2) المنتجب، المكرّم المقرّب، سيّد المرسلين، خاتم النبيّين، إمام الرحمة، مفتاح البركة، وسيلة رضوان اللَّه، ذريعة غفران اللَّه، أوّل خير الأصفياء، أفضل أفضل أفضل الأنبياء، عزّ آله الأطهار وشيعتهم، غيظ طواغيت الكفّار وتبعتهم، مصدّق الحجج الماضين والباقين، بشيرٌ ونذير (3) ورحمةٌ للعالمين‏ (4)، مبلِّغ ولاية أمير المؤمنين بالكتاب المبين، على ما نزل به الروح الأمين، لإتمام النِّعمة بإكمال الدِّين‏ (5)، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. (6)

فصلّى اللَّه وملائكته عليه وآله المعصومين‏ (7) الأنجبين، آل طه ويس، شفعاء يوم الدِّين، بهم أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبهم ينزل غيث السماء، وينبت عُشْب الأرض، ويبثّ الرّخاء، وبهم يُستجاب الدُّعاء، ويرجى دوام النّعماء،

____________

(1). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 134، باب جوامع التوحيد، ح 1.

(2). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 442، باب مولد النبيّ، ح 10.

(3). اقتباس من الآية 119، البقرة (2).

(4). اقتباس من الآية 107، الأنبياء (21).

(5). اقتباس من الآية 3، المائدة (5).

(6). اقتباس من الآية 128، التوبة (9).

(7). اقتباس من الآية 56، الأحزاب (33).

61

وبهم عُبد اللَّه، ولولاهم لما (1) عبد اللَّه. (2)

وأنّ ليلة القدر بعد أفضل خير البشر إنّما هي لأمير المؤمنين وأولاده‏ (3) الأحد عشر، (4)

وأنّ اللَّه الخالق لا من شي‏ء، والمنشى‏ء من لا شي‏ء، خلقهم فأحسن خلقهم، وصوّرهم فأحسن صورهم، وجعلهم عينه في عباده، ولسانه في بلاده، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدلّ عليه، ويده المبسوطة بالرحمة (5)، وكلمته الناطقة بالحكمة (6)، وعلمه الدال على الهدى، ونوره الهادي في غياهب الدّجى، وعزّه لأحبّائه، وغيظه على أعدائه، ولطفه الممتاز للمؤمنين، وسيفه الجُراز (7) على الملحدين، وقوام أرضه وسمائه وما بينهما، وَآفقُ‏ (8) عباده في الافق الأعلى، لا ينالهم الأيدي والأبصار، ولا يبلغهم الهمم والأفكار (9)، (صلوات اللَّه عليهم) وعلى جميع الحجج الأطهار، ما دامت لشيعتهم الجنّة ولأعدائهم النار.

وأنّ الإمام الحقّ يجب أن يكون معصوماً من الخطأ والزلل، مصوناً من الخلل في القول والعمل، مطهّراً من الذنوب، مُبْرَأً من العيوب، عاقلًا عن اللَّه، ناطقاً بالصدق للَّه، هادياً من الحقّ، داعياً إلى الحقّ، مدفوعاً عنه وُقُوب الغواسق، ممنوعاً منه نُفُوث كلّ فاسق، منصوصاً للوصاية، مخصوصاً بالولاية، ظاهراً (10) إلى آدم نسباً، ممتازاً عن‏

____________

(1). في «الف»: «ما».

(2). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 144، باب النوادر، ح 5.

(3). في «ب» و «ج»: وولده.

(4). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 253، باب في شأن إنّا أنزلناه في ليلة القدر، ح 9.

(5). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 143- 145، باب النوادر، ح 3، 5، 7.

(6). في «ب»: بالرحمة.

(7). في لسان العرب، ج 5، ص 79 (قدر»: «الجراز: السيف الماضي في الضريبة». وفي ص 317 (جرز): «الجراز من‏السيوف: الماضي النافذ».

(8). «الآفق» على فاعل: الذي قد بلغ الغاية في العلم و الكرم وغيره من الخير. لسان العرب، ج 10، ص 6 (أفق).

(9). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 199، باب نادر جامع في فضل الإمام و صفاته، ح 1.

(10). في «ج»: طاهراً.

62

الجميع فضلًا وحسباً، موصوفاً بالعلم من صَبائه، معروفاً بالحلم من يَفاعِه إلى انتهائه، منزّهاً عن العاهات، مزكّى عن الآفات، محفوظاً من اللّهو في عبادته، مكلوءاً (1) من السهو في إمامته، قيّماً للكتاب، حَكَماً بفصل الخطاب، عالماً بحكم الحلال والحرام، عارفاً بحكم الفرائض والأحكام، علّاماً بما يسأل عنه، حلّالًا لما يرد عليه، فتّاحاً لمعمّيات السنن، دفّاعاً لملبّسات الفتن، مرضيّاً في أقواله وأفعاله، مرعيّاً بعين اللَّه في جميع أحواله. (2)

وأنّ أكبر الثقلين حجّة بحجّة الحجّة في البين، محفوظة آيها من التحريف، مصونة كلماتها من التصريف. «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (3)، ظاهر الأحاديث في ذلك مأوّل بالمتون ذات البطون، وشرح جبرئيل (عليه السلام) تلك المتون:

«يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» في عليّ، واللَّه هكذا نزلت‏ (4)، يعني بشرحها، وبيانها.

و تحريف القراءة و الإعراب ليس من هذا الباب، كما في‏ «سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ» (5) «فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ» (6) «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ» (7). قال اللَّه تبارك وتعالى: «نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (8).

____________

(1). يقال: كلأك اللَّه كِلاءَةً، أي حَفِظَك وحرسك، والمفعول منه مَكْلوء. لسان العرب، ج 1، ص 145 (كلأ).

(2). الفِقْرة الأخيرة من كلامه من قوله: «وأنّ الإمام الحقّ- إلى- في جميع أحواله» اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 1، ص 203، باب نادر جامع في فضل الإمام و صفاته، ح 2.

(3). فصّلت (41): 42.

(4). العمدة، ص 99، الفصل 14، ح 132؛ البرهان في تفسير القرآن، ج 2، ص 239؛ و الآية في المائدة (5): 67.

(5). الصافات (37): 130.

(6). الشرح (94): 7.

(7). المائدة (5): 6.

(8). الحجر (15): 9.

63

وأنّ جميع ما جاء به سيّد المرسلين وخاتم النبيّين صلّى اللَّه عليه وآله حقّ.

وأنّ جميع ما جاء به خير البشر إنّما هو على ما ضبط من أوصيائه الاثني عشر (صلوات اللَّه عليهم).

وأنّ العمل من الإيمان، وتصديقه المحض لو لم يكن للَّه‏فيه المشيئة لا ينجي من النيران، إلّالعذر من التقيّة وغيرها، كمَن آمن ومضى.

وأنّ التبرّي من عامّة أهل الضلال والبطلان، واللّعن عليهم بالقلب واللِّسان، بلا اتّقاء من أهل الظلم والعدوان، نصف الإيمان.

وأنّ الإمام الحقّ في هذا الزمان، ومهديّ هذه الامّة الخلف المنتظر حجّة اللَّه بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليهم).

«وَ أَنَّ السَّاعَةَ» بعَقَباتها وعُقوباتها ومثوباتها «آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (1) للوقوف بين يدي اللَّه العفوّ الغفور، للحساب والقضاء، والعدل والعطاء، على ذلك أحيى وأموت، وابعث إن شاء اللَّه تعالى، والسلام على مَن اتّبع الهدى.

أمّا بعد، فاعلم يا بنيّ- أبقاك اللَّه بفضله، وطوّل عمرك بطوله، وثبّتك على الإيمان بالولاية بالنبيّ وآله صلّى اللَّه عليه وآله- أنّ علمه تبارك وتعالى علمه، لا علم بكيفيّته لأحد غيره، اعترف العقل بالعجز فهدى، والسُعداء به يقتدون، واستكبر الجهل بنفسه فهوى، والأشقياء على إثره يهرعون، فاستعذ باللَّه واعترف، وخُذ لنفسك من نفسك وأنصف.

«وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»، (2) فاحذر ولا تتفكّر في أنّ علمه عزّ اسمه حصوليّ فيمن لم يزل، أو حضوريّ عند من لا يزال، فيُلجئك على أيّهما ترضى إلى أقوال باطلة ومذاهب مضلّة، بل إلى أقبحها (3) طريقة، وأفضحها كفراً وزندقة من يتخبّطه الشيطان من المسّ‏ (4)، لا يشعر أنّ الأزليّ لا يحدّ ولا يحسّ، لُبس الأزلي حدوث ونشوء، لبس القَدَري نفوث وغلو، إخفاس كفر المتصوّفة من أساس شرك المتفلسفة، شبهات الفلاسفة شُبّاك العناكب، والقَدَريّة ذِبَّان عُمّة في المعاطب.

____________

(1). الحجّ (22): 7.

(2). اقتباس من الآية 85، الإسراء (17).

(3). في «ب»: أقحمها.

(4). اقتباس من الآية 275، البقرة (2).

64

مَثَل المفتاح وحركة اليد قياس الصانع تعالى بالزماني المجسّد، «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ» (1).

ومِثْل مَثَل البحر والموج، غلط من أبناء هَبَنَّقة (2).

وحكاية سلسلتي البدو والعود شطط وشيطنة وزندقة.

وقصّة النزول والصعود والتشكّلات سرقت من تناسخيّة جاكرلات.

وأمّا حديث: «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله» أو «لكفّره» حقّ لا يجري فيه الخلف؛ لما جرى فيما بين موسى والخضر كما في سورة الكهف‏ (3)، كان موسى (عليه السلام) من اولي العزم عالماً بما لا يحصى، وكان للخضر (عليه السلام) علوم لم يعرفها موسى، وتعاجيب علم لا يتناهى لا يتناسى، قتل النفس بغير النفس عمداً يوجب الحكم على القاتل قوداً.

قال أبو جعفر (عليه السلام): «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): إنَّ حديث آل محمّد صعبٌ مستصعب، لايؤمن به إلّامَلكٌ مُقرَّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن اللَّه قلبه للإيمان ...» (4)، الحديث.

وقال الصادق (عليه السلام): «ذُكرت التقيّة يوماً عند عليّ بن الحسين (عليهما السلام) فقال: واللَّه، لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله: ولقد آخى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق، إنّ علم العلماء صعبٌ مستصعبٌ لا يحتمله إلّانبيٌّ مرسل، أو مَلكٌ مقرّب، أو عبدٌ مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان ...» (5)، الحديث.

وحديث: «مَن عرف نفسه» (6) مفسّر بحديث «أركان المعرفة» (7)، كما سيذكر في المقدّمة العاشرة.

____________

(1). الطور (52): 35- 36.

(2). في لسان العرب، ج 10، ص 365 (هبنق): «وهبنّقة القَيْسي: رجل كان أحمق بني قيس بن ثعلبة ... و كان يضربُ به المثل في الحمق».

(3). الكهف (18): 65- 82.

(4). الكافي، ج 1، ص 401، باب فيما جاء أنّ حديثهم صعب مستصعب، ح 1.

(5). الكافي، ج 1، ص 401، باب فيما جاء أن حديثهم ...، ح 2.

(6). عوالى اللآلي، ج 4، ص 102، ح 149.

(7). لم نعثر عليه.

65

يا بنيّ- حفظك اللَّه- إنّ اللَّه- تعالى ذكره- خلق العقل نورانيّاً في ذَراه‏ (1)، فعقل بنوره وتوفيقه وهداه أنّ الأعلم بما في نظام العالم وشأن نَسقَه بهذا العِظَم والحِكَم إنّما هو صانعه العظيم، ومدبّره الحكيم، جلّ شأنه، وسطع برهانه، فقطع بانحصار القطع بما هو الحقّ فيه ممّا اختلف فيه، فيما أخبر هو به وقاله، فانقطع بالّذين آمنوه وقطعوا سؤاله، وأحسنوا حاله في حاله ومآله، قاطعاً بأنّه لن يرضى شأن عظمة ربّ العالمين أن يخبر نَبْذاً مخلوقاً من الماء والطين بضروريّات الدِّين المبين، بالرموز والكنايات، أو الاغلوطات‏ (2) والخيدعات‏ (3)، كما توهّم القَدَرِيّة الهالكة بالضلالات، لعنة اللَّه عليهم ملأ الأرضين والسماوات، فقطع العقل وأيقن بالحجّة الباهرة أنّ تلك العظمة القاهرة شأنها أن يخبرهم بها بسفارة الحجج، المنجين سفنهم من اللّجج، بحيث يكون عند جميع الأفهام حتّى‏ (4) فهم من له شعور في سنّ الصِباء على السواء كالشمس في رابعة النهار، بالنظر إلى جميع الأنظار، وعزيمة «عليكم بدين العجايز» (5) نصّ في ذلك لُاولي الألباب.

هل تفاوت في الاعتقاد بالمنكر والنكير بين تعقّل المؤمن العالم الخبير، وتصوّر ابنه الصغير بأنّهما ملكان جسمانيّان، يجيئان ويمشيان، ويسئلان بجارحة اللّسان، وفي‏

____________

(1). أنا في ظلّ فلان وذَراه، أي في كنفه وسِتْره. لسان العرب، ج 14، ص 284 (ذرا).

(2). «الاغلوطة»: الكلام الذي يغلط فيه و يغالط به، لسان العرب، ج 7، ص 363 (غلط).

(3). طريق خادِع و خَيْدَع: مضلّ، كأنّه يخدع سالكه. المفردات في غريب القرآن، ص 276 (خدع).

(4). في «الف» و «ب»: «حقّ».

(5). بحارالأنوار، ج 66، ص 136. وفي حقيقة الإيمان للشهيد الثاني المطبوع في ضمن المصنّفات الأربعة، ص 332: المنع من صحّة نسبته إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله)، فإنّ بعضهم ذكر أنّه من مصنوعات سفيان الثوري، فإنّه روى أنّ عمر بن عبداللَّه المعتزلي قال: إنّ بين الكفر والإيمان منزلة بين منزلتين، فقالت عجوز: قال اللَّه تعالى‏ «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» فلم يجعل من عباده إلّا الكافر والمؤمن، فسمع سفيان كلامها، فقال: عليكم بدين العجائز. وراجع: المواقف للإيجي، ج 1، ص 161.

وبالجملة، لم تثبت صحّة هذا الحديث عند أكثر علماء الحديث ويقولون: هو مكذوب على لسان النبيّ ولا أصل له. راجع: كشف الخفاء، ج 2، ص 765؛ تذكرة الموضوعات، ج 1، ص 72؛ الإيمان والكفر للشيخ جعفر السبحاني، ص 91.

66

يدهما إرزّبتان‏ (1) جسمانيّتان، يضربان على هام الملاحدة والكفّار، فتطمّ قبورهم في كلّ ضربةٍ من النار (2)؟!

أو هل يتفاوت فهم الكبير ودرك الصغير تسوية اللَّه الأرض بزلزلة الساعة، وهو شي‏ءٌ عظيم‏ (3) بحيث إذا كانت بيضة في مغربها لرأيت من مشرقها قِفاف‏ (4) من التراب في طبق لتسوّى بأدنى تحريك من ذي رمق، واللَّه خلق الإنسان من علق‏ (5)، ولخلق السماوات أكبر (6)؟! (7)

أو هل تفاوت في تصوير المكلّفين وتصديق المؤمنين، جمع اللَّه الأوّلين والآخرين بالحشر الجسماني في الموقف الجسداني وأهوالهم من الصراط وميزان الأعمال، وغير ذلك من سائر تلك الأحوال، «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏* ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏* أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏» (8)؟!

أو هل يتفاوت الاعتقاد بضبط أسرع الحاسبين‏ (9) أعمال عباده في صحائف ليوم الدِّين، ونظائرها يوم التناد على رؤوس الأشهاد، عند الفاضل الفقيه، وابنه ابن السبع كما سمع من أبيه أو أترابه‏ (10) أومعلّميه؟!

____________

(1). المِرْزَبَة والإرْزَبَّة: عُصَيَّةٌ من حديد. لسان العرب، ج 1، ص 416 (رزب).

(2). اقتباس من المرويّ في الكافي، ج 3، ص 239، باب المسألة في القبر و ...، ح 12.

(3). اقتباس من الآية 1، الحجّ (22).

(4). «القفّ»: ما ارتفع من متون الأرض وصلبت حجارته، والجميع: القفاف. كتاب العين، ج 5، ص 28 (قفف).

(5). اقتباس من الآية 2، العلق (96).

(6). في «الف»: «أبكر».

(7). اقتباس من الآية 57، غافر (40).

(8). القيامة (75): 36- 40.

(9). اقتباس من الآية 62، الأنعام (6).

(10). «أترابه»: أمثاله. في مجمع البحرين، ج 2، ص 12 (ترب): «وقوله تعالى‏: «عُرُباً أَتْراباً»، أي أمثالًا وأقراناً. واحده: ترب».

67

ليست جهنّم التي كانوا يوعدون إلّاوهدات‏ (1) في وهدة عظيمة عميقة، وحفرات في حفرة وسيعة قعيرة، حاقّة حطمة، طامّة مطمومة من نار تلظّى، لا يصليها إلّاالأشقى الذي كذّب وتولّى، فيها غضبان وحيّات، ولها تحطّم وهدّات، أوّل دركاتها عميق، ولصاخّة لهباتها زفير وشهيق، إنّها ترمي بشررٍ كالقَصر، كأنّه جِمالات صُفر، مُثّل في حدّتها حدّة أدنى الشرارة التي وقودها الناس والحجارة، تلقي سكّانها بأحرّ ما لديها من أليم النكال، وشديد الوبال، وعقاربها الفاغرة (2) أفواهها، وحيّاتها الصالقة (3) بأنيابها، وشرابها الذي يقطّع أمعاء وأفئدة سكّانها، فويلٌ للقدريّ الجاحد والفلسفيّ الكافر، وطوبى لمن آمن باللَّه واليوم الآخر (4).

وهل الجنّة التي أعدّت للمتّقين إلّاروضات جسمانيّة نورانيّة عرضها كعرض السماوات. (5)

«فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ* وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ* وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ». (6)

«وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ* وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ* وَ حُورٌ عِينٌ* كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ* جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ». (7)

«دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ‏

____________

(1). الوَهد والوَهْدَة: المطئنّ من الأرض والمكان المنخفض كأنّه حفرة. لسان العرب، ج 3، ص 471 (وهد).

(2). فغرالفم نفسُه وانفغر: انفتح، يتعدّى ولايتعدّى ... وفي حديث عصا موسى على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام: «فإذاهي حيّة عظيمة فاغرة فاها». لسان العرب، ج 5، ص 59 (فغر).

(3). الصَّلْقة والصَّلْق والصَلَق: الصياح والولولة والصوت الشديد ... وصَلَق نابه يصلقه صَلْقاً: حكّه بالآخر فحدث بينهما صوت. لسان العرب، ج 10، ص 10، ص 205 (صلق).

(4). الفقرة الأخيرة في بيان صفات جهنّم اقتباس من سورة الحاقّة (69): 1- 3؛ الهُمَزة (104): 4- 5؛ الليل (93): 14- 19؛ هود (11): 106؛ المرسلات (77): 32- 33؛ التحريم (66): 6؛ المزمّل (73): 12.

(5). اقتباس من الآية 133، آل عمران (3)؛ و 21، الحديد (57).

(6). الغاشية (88): 12- 16.

(7). الواقعة (56): 20- 24.

68

الْعالَمِينَ». (1)

أظهر من الشمس، إنّ شمس الضحى لا يتفاوت بالنظر إلى أنظار الأصحّاء، والتفاوت في العقائد بالتشكيك المعروف غير التفاوت في المعتقد عليه الموصوف.

وأمّا العلم بأنّ للشمس فلكين أو ثلاثة ومنطقتها توازي فلك البروج البتّة، وهي تقاطع منطقة المائل وغير ذلك من المسائل، فمن المزايا والفضائل لا مدخل لها فيما لا يتفاوت منها في الأبصار عند الإبصار.

«قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها». (2)

«وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». (3)

إخبار اللَّه المخلوق الأوّل بخلق الدنيا كذا وكذا وهي هكذا، وكذا إخباره عباده بغيب الآخرة وأحوالها.

اعلم يا بنيّ- أعانك اللَّه وأعطاك خير الدنيا والآخرة بحقّ الحسين وأخيه وجدّه وأبيه وامّه وبنيه (صلوات اللَّه عليهم)- أنّ لنظام الإيمان سلسلة واحدة نورانيّة متّصلة من لدن آدم إلى قيام الساعة، ولرسوم الكفر سلاسل شتّى متفرّقة ظلمانيّة في مقابلها، وكما أنّ سلسلة الإيمان في جميع الأزمان قائمة بالحجج المعصومين في كلّ زمان بحجّة من حجج ربّ العالمين وشيعتهم، فسلاسل الكفر قائمة في جميع الأعصار والدهور بالغرور اللّعين وطواغيته وتبعتهم.

افترقت اليهود بعد موسى‏ (عليه السلام) على إحدى وسبعين فرقة، إحداها ناجية والباقية هالكة، والنصارى على اثنين وسبعين كذلك، وهذه الامّة على بضع وسبعين، إحداها ناجية والباقية باغية هالكة. (4)

____________

(1). يونس (10): 10.

(2). الأنعام (6): 104.

(3). يونس (10): 25.

(4). إشارة إلى حديث الإفتراق، رواه الخاصّة والعامّة. راجع: بحارالأنوار، ج 28، ص 2- 31، باب افتراق الامّة بعد النبيّ على ...؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 608، ح 4596؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 25، ح 2640 و ص 26، ح 2441؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1321، ح 3991؛ مسند أحمد، ج 2، ص 332، ح 8377.

69

وكما أنّ في شيعة كلّ حجّةٍ أكابر فضلاء في المعارف البيضاء، ففي تبعة كلّ طاغوت مشايخ كبراء وأبالِسَة مُهَراء في الشيطنة والنَكْراء.

كانت المساجد الأربعة التي كانت بناها ثلاثة من أخيار السلف، في أعلى علوّ درجات العزّة والشرف، وأقصى قُصُوّ طبقات الحرمة والزَّلَف، بإجماع المسلمين والمؤمنين من السلف والخلف، كمسجد مكّة، والمدينة، والحائر، والنجف، كأنّها أربعة أركان لحوزة الإسلام وحَوْمَته، أوأربعة أسوار لمدينة الإيمان ودَوْمَته، كلّ من جانب؛ لمكانته في مكانه، كالآفاق الأربعة للعالم ونظام زمانه هذا في المشرق، وهذا في مقابله، وثالثها في الجنوب، والرابع في مماثله، هذا هو الكافي بحجّة الإعجاز لطالبي هُدى الإسلام، وهذا هو الفقيه العدل الممتاز للسائلين عن حكم الحلال والحرام، والثالث التهذيب لسرائر المؤمنين، والرابع الاستبصار لبصائر المستبصرين. (1)

فوفّقت بعون اللَّه وطفقت أخذاً بتوفيق اللَّه في تأليف كتاب على نَسَق كتاب الكافي؛ ليكون كافياً بميامن الكافي لمن أراد الانتقام والتلافي. وكان تأليف الكافي بالأمر المشافهي من صاحب الأمر (صلوات اللَّه عليه). وسمّيته ب «الهدايا لشيعة أئمّة الهدى» ورتّبته بعون اللَّه وحُسن تأييده على اثنتي عشرة مقدّمة وثلاثين جزءاً وخاتمة:

المقدّمة الاولى:

قد ذكر العلّامة الحسن بن يوسف بن عليّ بن مطهّر الحلّي (قدس سره):

أنّ الشيخ الصدوق ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني- طاب ثراه- قد قال في كتابه الكافي في أخبار كثيرة: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، فقال: والمراد بقولي عدّة من أصحابنا: محمّد بن يحيى العطّار، وعليّ بن موسى الكميداني‏ (2)، وداود بن كورة، وأحمد بن إدريس، وعليّ بن إبراهيم بن هاشم.

وقال: وكلّما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد

____________

(1). إشارة إلى الموسوعات الأربعة الحديثيّة: الكافي، والفقيه، والتهذيب، والاستبصار.

(2). كذا، وفي المصدر: «الكمنداني».

70

البرقي فهم: عليّ بن إبراهيم، وعليّ بن محمّد بن عبداللَّه بن اذينة، وأحمد بن عبداللَّه بن اميّة، وعليّ بن الحسن. قال: وكلّما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد فهم: عليّ بن محمّد بن علّان، ومحمّد بن أبي عبداللَّه، ومحمّد بن الحسن، ومحمّد بن عقيل الكليني. (1)

المقدّمة الثانية:

قد ظهر اصطلاح جديد من بعض المعاصرين‏ (2) في ذكر أسانيد الأخبار فجرينا عليه غالباً في هذا الكتاب؛ قصداً إلى الإعانة للمتعلّم على الحفظ والضبط، والاقتصار في الاختصار، ولكلّ جديدٍ لذّة، فقد يعبّر عن الجماعة المذكورة في المقدّمة الاولى في كلّ من المواضع الثلاثة بالعدّة اكتفاءً بالقرائن المتّصلة.

والعبارة عن محمّد بن إسماعيل وشيخه الفضل بن شاذان: النيسابوريّان.

وربّما يتكرّر في أوائل أسانيد الكافي والتهذيب أيضاً أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، وقد يُعبّر عنهما فيهما بأحمد بن إدريس عن محمّد بن أبي الصهبان، فالعبارة عنهما: القمّيّان.

وإن تفرّد أحدهما عن الآخر، فالعبارة عن الأوّل: القُمّي، وعن الثاني: الصُهباني.

وإن اجتمع الأربعة بالعطف وكان المرويّ عنه صفوان بن يحيى يقال: الأربعة، عن صفوان.

وكثيراً مّا يتكرّر في أوائل أسانيد الكافي والتهذيب أيضاً الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، فيكتفى عن ذكرهما بأن يقال: الاثنان.

والعبارة عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عُمير: الثلاثة.

فإن كان تتمّة السند عن حمّاد عن الحلبي فيعبّر عنهم بالخمسة.

وحمّاد هذا هو حمّاد بن عثمان، والحلبي عبيداللَّه بن مُحمّد مصغّراً إلّاأن يكون‏

____________

(1). خلاصة الأقوال، ص 272، الفائدة الثالثة.

(2). هو المحقّق ملّا محسن الفيض الكاشاني في كتابه الوافي، ج 1، ص 33- 39.

71

الراوي عن حمّاد إبراهيم بن هاشم، فحمّاد هو حمّاد بن عيسى.

وقد قال العلّامة الحلّي (قدس سره):

قد يغلط جماعة في الإسناد من إبراهيم بن هاشم إلى حمّاد بن عيسى، فيتوهّمونه حمّاد بن عثمان، وهو غلط؛ فإنّ إبراهيم بن هاشم لم يلق حمّاد بن عثمان بل حمّاد بن عيسى. (1)

والعبارة عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن ابن أبي عمير: الخمسة أيضاً.

والفرق بين الخمستين أنّ الاولى تمام السند، والثانية بعضه.

ويعبّر عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني: بالأربعة أيضاً.

وستعرف الفرق بين الأربعة الاولى وغيرها.

ويعبّر عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن محمّد بن مسلم:

بالأربعة عن محمّد.

وحمّاد هذا هو حمّاد بن عيسى؛ لما عرفت آنفاً.

وربّما يكون مكان محمّد بن مسلم غيره فيقال: الأربعة عن فلان.

والعبارة عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم: محمّد عن الأربعة.

والفرق بين الأربعتين الأوّلتين بكون الاولى تمام السند والثانية بعضه، وبين الأربعتين الأخيرتين أنّ الاولى في أوّل السند والاخرى في آخره، وبين الأربعة الاولى وغيرها بكون المرويّ عنه في الاولى صفوان.

ويُعبّر عن الأربعة الفطحيّة المذكورة في الكافي والتهذيب أيضاً هكذا: أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار بن موسى الساباطي:

بالفطحيّة.

____________

(1). خلاصة الأقوال، ص 281، الفائدة التاسعة.

72

ويُعبّر عن المشايخ الثلاثة المذكورة في الكافي والتهذيب أيضاً هكذا: محمّد بن النعمان، عن أحمد بن محمّد بن الحسن، عن أبيه محمّد بن الحسن بن الوليد:

بالمشايخ.

وربّما يتكرّر في الكافي والتهذيب أيضاً رواية الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي؛ وكذا رواية سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبداللَّه بن عبدالرحمن الأصمّ، عن مسمع بن عبد الملك. وكذا رواية الصفّار عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، فيعبّر هكذا:

الحسين أو سهل أو الصفّار، عن الثلاثة.

والفرق بين الثلاثة الاولى وغيرها بأنّ الاولى في أوّل السند والبواقي في آخره. وأمّا الفرق بين البواقي فبالراوي عنهم.

وربّما يتكرّر في أواسط السند محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، فيعبّر عنهما بالمحمّدين.

وربّما يتكرّر في أواخر السند هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، فيُعبّر عنهما بالاثنين.

والفرق بين الاثنين الأوّل والثاني هذا بما به الفرق بين الثلاثة الاولى وغيرها.

ويُعبّر عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد بالقاسم، عن جدّه.

والعبارة عن عليّ بن حسّان، عن عمّه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي: عليّ عن عمّه.

وعن ابن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم الأحمر: ابن أسباط عن عمّه.

وربّما يتكرّر في السند أسماء رجال كثيرة الألفاظ مثل: أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، وعبد الرحمن بن الحجّاج البَجَلي، وعبد الرحمن بن أبي نجران التميمي، وعبد الرحمن بن أبي عبداللَّه البصري، وعبد الرحمن بن محمّد العَرزميّ، ومحمّد بن عيسى العبيدي اليقطيني، وإبراهيم بن أبي محمود الخراساني، وعبداللَّه بن يحيى الكاهلي، وبُريد بن معاوية العجلي، وأحمد بن‏

73

الحسن الميثمي، وعليّ بن محمّد القاساني، وجعفر بن محمّد الأشعري، وسليمان بن جعفر الجعفري، وسليمان بن داود المِنْقرَي، والهَيْثَم بن أبي مسروق النَهدي، وإبراهيم بن عمر اليماني، ومحمّد بن خالد الطيالسي، وإسماعيل بن الفضل الهاشمي، والحسن بن الحسين اللؤلؤي، والحسن بن عليّ الكوفي، وهارون بن حمزة الغنوي، وإبراهيم بن زياد الكرخي، وعليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال التيملي، وعليّ بن الحسن الطاطري‏ (1)، والقاسم بن محمّد الجوهري، وشعيب بن يعقوب العقرقوفي، وموسى بن اكيل‏ (2) النُميري، وأحمد بن محمّد السيّاري، وبكر بن محمّد الأزدي، وأيّوب بن نوح النخعي، ومحمّد بن أحمد العلوي، وسليمان بن حفص المروزي، ومحمّد بن سليمان الديلمي، وأبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري، ومحمّد بن مسعود العيّاشي، وإبراهيم بن نعيم أبي الصباح الكناني، وثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي، وعبداللَّه بن محمّد أبي بكر الحضرمي، وأبي عبداللَّه أحمد بن محمّد العاصمي، وأبي عبداللَّه محمّد بن أحمد الرازي الجاموراني، فيكتفى عنها بكلمات النسبة.

كما يكتفى بالأوصاف والألقاب عن أسماء جمع من الرجال كأبي عبداللَّه محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد، ومحمّد بن الحسن الصفّار، والحسن بن موسى الخشّاب، والحسن بن محبوب السرّاد، والحسن بن زياد الصيقل، والحسن بن عليّ الوشّاء، والحسين بن نعيم الصحّاف، وزياد بن عيسى أبي عبيدة الحذّاء، وإبراهيم بن زياد أبي أيّوب الخرّاز- بتوسّط المهملة- وعبداللَّه بن محمّد الحجّال، وعبداللَّه بن ميمون القدّاح، وعبيداللَّه بن عبداللَّه الدّهقان، وعبداللَّه بن عبد الرحمن الأصمّ، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزيّات، وأبي اسامة زيد الشحّام، وأبي العبّاس محمّد بن‏

____________

(1). أي كان بيّاعاً للثياب الطاطريّة.

(2). في «ب» و «ج»: «الكميل».

74

جعفر الرزّاز، وأبي العبّاس فضل بن عبد الملك البقباق، وأبي جعفر محمّد بن النعمان الأحول الملقّب بمؤمن الطاق، ويزيد بن إسحاق شعر، ومنصور بن يونس بزرج.

وكما يكتفى بالنسبة إلى الأجداد عن أسماء جماعة مثل عليّ بن محمّد بن بندار، وأحمد بن محمّد بن عيسى، والحسن بن محمّد بن سماعة، ومحمّد بن الحسن بن شَمّون، والحسن بن عليّ بن يوسف بن بَقّاح، والحسن بن عليّ بن فضّال، وعليّ بن الحسن بن رِباط، وعليّ بن أحمد بن أشيم، وجعفر بن محمّد بن قولويه، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيع، والحسين بن الحسن بن أبان، ومحمّد بن عليّ بن محبوب، والحسن بن عليّ بن يقطين، والحسن بن عليّ بن أبي حمزة، ومحمّد بن عبداللَّه بن هلال، ومحمّد بن عبداللَّه بن زرارة، وأحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، وعليّ بن محمّد بن الزبير.

وقد يُكتفى عمّن له اسم غريب باسمه عن اسم أبيه، كمسمع بن عبد الملك أبي سيّار الملقّب بِكِرْدِين، ودُرُسْت بن أبي منصور الواسطي، وذريح بن محمّد بن يزيد المُحاربي أبي الوليد، ويُقال له: ذريح بن يزيد، وذُبْيان بن حكيم الأودي- بضمّ المعجمة وإسكان المفردة- وبنان بن محمّد بن عيسى أخي أحمد بن محمّد بن عيسى- بتقديم المفردة على النون- ويقال له: عبداللَّه بن محمّد، وسماعة بن مهران الحضرمي، ورفاعة بن موسى النخّاس الأسدي.

ويكتفى عمّن كان لأبيه اسم غريب بنسبته إليه وحذف اسمه كعليّ بن رئاب، وعليّ بن أسباط، وغياث بن كلوب، وإسماعيل بن مرّار.

وعن معاوية بن عمّار، ومعاوية بن وهب كذلك.

وعن أكثر العبادلة كذلك أيضاً مثل عبداللَّه بن المغيرة، وابن أبي يعفور، وابن مسكان، وابن بكير. وعن الحسين بن عليّ بن يقطين إذا كان مع أخيه الحسن بأخيه، وعن أبيهما إذا كان معهما بأبيه.

وربّما يحذف أسماء الآباء لدلالة القرائن عليها كعليّ بن إبراهيم، ومحمّد بن يحيى‏

75

في أوائل أسانيد الكافي، وسهل بن زياد، وأحمد بن محمّد في ثوانيها. وقد يقعان في أوائلها بحذف الصدر.

وكأحمد بن محمّد، والحسين بن سعيد، وسعد بن عبداللَّه في أوائل أسانيد التهذيب أو أواسطها، وموسى بن القاسم البجلي في أوائلها في كتاب الحجّ، والنضر بن سويد وفضالة بن أيّوب المتكرّرين بعد الحسين غالباً، وأبان بن عثمان، وعثمان بن عيسى، وصفوان بن يحيى، وحمّاد بن عثمان، وحسين بن عثمان المتكرّرين غالباً فيما قبل آخر السند أو آخره. ويكتب حسين هذا بلا لام.

وعاصم بن حميد الراوي عن محمّد بن قيس، وحميد بن زياد الراوي عن ابن سماعة، وعليّ بن أبي حمزة الراوي عن أبي بصير، والعلاء بن رزين ومحمّد بن مسلم المتكرّرين معاً في أواخر السند.

وقد يُحذف اسم الجدّ في مثل محمّد بن أحمد بن يحيى، واسم الأب في مثل عليّ بن إسماعيل الميثمي المتكرّر في أوائل أسانيد التهذيب. كلّ ذلك مع عدم الاشتباه.

وكثيراً مّا يتكرّر في أثناء أسانيد التهذيب أبو جعفر خصوصاً في كتابي الزكاة والصيام، والمظنون أنّه أحمد بن محمّد بن عيسى، وقد قطع بعض أئمّة علم الرجال بأنّه هو إذا روى عنه سعد؛ فلعدم اليقين يتبع في التعبير عنه بأبي جعفر صاحب التهذيب (قدس سره).

المقدّمة الثالثة:

معنى قولهم: قد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه: أنّهم أجمعوا على توثيقه وتوثيق من يروي عنه.

قال أبو عمر محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي (رحمه الله) في كتابه عند تسميته الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبداللَّه (عليهما السلام):

قد أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبداللَّه (عليهما السلام) وانقادوا لهم بالفقه، وقالوا: أفقه الأوّلين ستّة: زرارة، ومعروف بن خَرَّبوذ، وبُريد، وأبو

76

بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمّد بن مسلم الطائفي. قالوا: وأفقه الستّة زرارة.

وقال بعضهم مكان أبو بصير الأسدي واسمه يحيى بن القاسم: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري المرادي. (1)

وروى بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «أوتاد الأرض وأعلام الدِّين أربعة: محمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين». (2)

وقال في تسميته الفقهاء من أصحاب الصادق (عليه السلام):

قد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه من دون هؤلاء الستّة الذين عددناهم وسمّيناهم، وهم ستّة نفر: جميل بن درّاج، وعبداللَّه بن مسكان، وعبداللَّه بن بكير، وحمّاد بن عيسى، وحمّاد بن عثمان وأبان بن عثمان.

قال‏ (3): وزعم أبو إسحاق الفقيه- يعني ثعلبة بن ميمون- أنّ أفقه هؤلاء جميل بن درّاج، وهم أحاديث أبي عبداللَّه (عليه السلام)(4).

رجل حَدُث وحَدِث بضمّ الدال وكسرها، وحِدْث‏ (5) وحِدّيث: شابّ وكثير الحديث أيضاً، والجمع على كلا المعنيين: أحاديث شاذّ، وحِدْثان ويُضمّ؛ قاله في القاموس‏ (6)، فإن ذكرت السنّ قلت: حديث السنّ.

وقال أبو عمرو الكشّي (رحمه الله) في تسميته الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرّضا (عليهما السلام):

قد أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستّة نفر آخر دون الستّة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبداللَّه (عليه السلام) منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري، ومحمّد بن أبي عمير،

____________

(1). رجال الكشّي، ص 238، ح 431، وفيه: «اجتمعت» بدل «قد أجمعت».

(2). رجال الكشّي، ص 238، ح 432.

(3). في المصدر: «قالوا».

(4). رجال الكشّي، ص 375، ح 705. وفيه: «وهم أحداث أصحاب أبي عبد اللَّه (عليه السلام)».

(5). في «ج»: «حديث».

(6). القاموس المحيط، ج 1، ص 164 (حدث).

77

وعبداللَّه بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر.

وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن عليّ بن فضّال، وفضالة بن أيّوب.

وقال بعضهم مكان ابن فضّال: عثمان بن عيسى.

وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري. (1)

وقال الحسن بن عليّ بن داود في رجاله:

أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلًا فلم يختلفوا في تعظيمهم غير أنّهم يتفاوتون وهم ثلاث درج: الدرجة العُليا لستّة منهم من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) أجمعوا على تصديقهم وإنفاذ قولهم والانقياد لهم في الفقه، وهم: زرارة بن أعين، معروف بن خَرّبوذ، بُريد بن معاوية، أبو بصير ليث بن البختري، الفضيل بن يسار، محمّد بن مسلم الطائفي.

الدرجة الوسطى: فيها ستّة أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم، وأقرّوا لهم بالفقه، وهم من أصحاب أبي عبداللَّه (عليه السلام): يونس بن عبد الرحمن، صفوان بن يحيى بيّاع السابري، محمّد بن أبي عمير، عبداللَّه بن المغيرة، الحسن بن محبوب، أحمد بن محمّد بن أبي نصر.

الدرجة الثالثة: فيها ستّة أجمعوا على تصديقهم وثقتهم وفضلهم، وهم: جميل بن درّاج، عبداللَّه بن مُسكان، عبداللَّه بن بُكير، حمّاد بن عيسى‏، حمّاد بن عثمان، أبان بن عثمان.

وأفقههم جميل بن درّاج (رضوان اللَّه عليهم أجمعين). (2)

المقدّمة الرابعة:

قد اشتهر في كتب أصحابنا الأخباريّين ذكر طائفة من الرجال بالألقاب والكُنى دون الأسماء.

منهم: الصفواني، من تلامذة ثقة الإسلام- طاب ثراه- اسمه محمّد بن أحمد بن أبي عبداللَّه بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمّال، يُكنّى أبا عبداللَّه، ثقة ثقة، باهلَ قاضي الموصل في الإمامة بين يدي ابن حمدان فحّم القاضي من ساعته وانفلج كفّه التي باهله‏

____________

(1). رجال الكشّي، ص 556، ح 1050، وفيه: «أجمع أصحابنا» بدل «قد أجمع الأصحاب».

(2). رجال ابن داود، ص 384- 385.

78

بها واسودّت ومات من الغد، فعظمت منزلة أبي عبداللَّه الصفواني عند الملك بذلك. (1)

والوشّاء، اسمه الحسن بن عليّ.

والحجّال، اسمه عبداللَّه بن‏ (2) محمّد.

والنوفلي الراوي عن السكوني، اسمه الحسين بن يزيد.

والبقباق، اسمه الفضل بن عبدالملك.

والسكوني بالفتح، اسمه إسماعيل بن أبي زياد. واسم أبي زياد (3): مسلم.

والبزوفري، اسمه الحسين بن سفيان.

والكاهلي، اسمه عبداللَّه بن يحيى.

والساباطي، اسمه عمرو بن سعيد.

والنخعي، اسمه أيّوب بن نوح.

قال العلّامة الحلّي (قدس سره): ويجي‏ء النخعي لغيره‏ (4)، فيُعرف بالقرائن.

والقلانسي، وحمدان النّهدي، كلاهما عبارة عن محمّد بن أحمد، ويقال القلانسي للحسين بن المختار أيضاً ولغيره، فالاعتبار بالقرائن.

وسعدان بن مسلم، هو عبد الرحمن بن مسلم.

والمسعودي، هو عليّ بن الحسين.

والشاذاني، هو محمّد بن أحمد بن نُعيم، وهو أيضاً شاذان بن نُعيم.

والطّاطري، اسمه عليّ بن الحسن.

وأبو أيّوب الخرّاز- بتوسّط المهملة- اسمه إبراهيم بن عثمان.

وأبو عليّ الأشعري، اثنان، أحدهما: أحمد بن إدريس، والآخر: محمّد بن عيسى بن‏

____________

(1). راجع: رجال النجاشي، ص 393، الرقم 1050.

(2). في «ج»:-/ «بن».

(3). في «ج»:-/ «واسم أبي زياد».

(4). خلاصة الأقوال، ص 271.

79

عبداللَّه بن سعد بن مالك شيخ القمّيّين.

وأبو المَغْراء- بالفتح والمدّ والغين المعجمة- اسمه حُميد.

وأبو وَلّاد، اسمه حفص، وحفص- بالصّاد المهملة- ولد الأسد.

وأبو خالد القمّاط، اسمه يزيد بن سعد، وقيل: زيد بن سعد.

وأبو سعيد القمّاط، هو خالد بن سعيد. والقمّاط، بنّاء بيوت القصب.

وأبو داود المسترقّ- بتشديد القاف- اسمه سليمان بن سفيان.

وأبو عبيدة الحذّاء، اسمه زياد بن عيسى.

وابن حمدون الكاتب، اسمه أحمد بن إبراهيم.

وأبو عبد اللَّه العمركي، الراوي عن عليّ بن جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، اسمه علي البرمكي.

ومحمّد بن أبي الصهبان، هو محمّد بن عبد الجبّار.

وأبو الربيع الشامي، اسمه خُليد مصغّراً، وهو خُليد بن أوفى.

وأبو الجيش الحبيش، (1) اسمه مظفّر.

وأبو همّام، اسمه إسماعيل بن همّام.

وأبو الصباح الكناني، اسمه إبراهيم بن نُعيم.

وأبو الفضل الحنّاط- بالنون- اسمه سالم.

وأبو حنيفة سابق الحاجّ- بالمفردة- اسمه سعيد بن بيان.

وأبو خديجة، هو سالم بن مُكْرَم.

وعمرو بن أبي المقدام، هو عمرو بن ثابت. وقيل: عُمر بالضمّ، وضبطه العلّامة الحلّي (قدس سره) بالضمّ‏ (2). وقال ابن داود: عمرو بن أبي المقدام- بالواو- ثابت بن هرمز العجلي‏

____________

(1). في «ج»:-/ «الجيش».

(2). خلاصة الأقوال، ص 241.

80

مولاهم‏ (1). وضبط مولانا أحمد الأردبيلي (رحمه الله) بالواو، وقال: كذا بخطّ الشيخ. وقيل: عمر، بضمّ العين. (2)

وأبو أيّوب الأنصاري، هو خالد بن زيد.

وأبو الخطّاب ملعون، ولقبه مِقْلاص، أقلصت الناقةُ: إذا سمنت في الصيف، وناقة مِقْلاص، واسمه: محمّد بن أبي زينب؛ قاله العلّامة (قدس سره)(3).

وقال ابن داود: محمّد بن مقلاس بالسّين المهملة، وبعض أصحابنا أثبته بالصّاد المهملة، ويكنّى مقلاص أبا زينب الزرّاد (4).

وقال الغضائري: محمّد بن أبي زينب أبو الخطّاب السرّاد- لعنه اللَّه- أمره مشهور. (5)

وقال الكشّي: يكنّى أبا إسماعيل وأبا الظّبيان، كان يكذب على أبي عبداللَّه (عليه السلام) و أبو عبداللَّه (عليه السلام) كان يلعنه ويبالغ في لعنه. (6)

وقال ابن داود في موضع آخر في فصل في ذكر جماعة اشتهرت كناهم وخفيت أسماؤهم: محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب هو زيد، قاله محمّد بن بابويه (رحمه الله)(7).

وأبو سمينة، اسمه، محمّد بن عليّ بن إبراهيم القرشي الصيرفي، قال العلّامة: ضعيف. (8)

وأبو الجوزاء، هو منبّه بن عبداللَّه، ثقة.

وأبو بكر الحضرمي، اسمه عبداللَّه بن محمّد، صرّح به الصدوق في الفقيه. (9)

____________

(1). رجال ابن داود، ص 478، الرقم 350.

(2). لم نعثر عليه.

(3). خلاصة الأقوال، ص 271. وما أثبتنا هو الصحيح، وفي النسخ: «واسمه: محمّد بن الحسن بن أبي سارة» وهو من سهو النسّاخ أو قلم المصنّف (رحمه الله).

(4). رجال ابن داود، ص 510، الرقم 467.

(5). حكاه عنه في رجال ابن داود، ص 510.

(6). راجع: رجال ابن داود، ص 511. هكذا نقل عن الكشّي. ولم أجده في رجال الكشّي.

(7). رجال ابن داود، ص 389.

(8). خلاصة الأقوال، ص 271، الفائدة الاولى، الرقم 26.

(9). الفقيه، ج 4، ص 456، كتاب المشيخة.

81

وحفص بن أبي ولّاد، هو حفص بن سالم.

وأبو جميلة، هو المفضّل بن صالح.

وعبد الرحمن بن أبي نجران، هو عبد الرحمن بن عمرو بن مسلم.

ومحمّد بن أبي عمير، هو محمّد بن زياد.

وعليّ بن أبي حمزة، هو عليّ بن سالم.

وعبد الرحمن بن أبي عبداللَّه، هو عبد الرحمن بن ميمون البصري.

وعبد اللَّه بن أبي يعفور، هو عبد اللَّه بن قيس بن منصور، وقيل: اسم أبي يعفور واقد، وقيل: وقدان. (1)

وأحمد بن محمّد بن أبي نصر؛ هو أحمد بن محمّد بن زيد.

وأبو جرير، هو زكريّا بن إدريس.

وأبو مالك الحضرمي، هو الضحّاك.

وأبو مريم، هو عبد الغفّار.

وأبو بشر بن أبي فاختة، هو سعيد بن جهمان.

وأبو القاسم، الراوي عنه الحسن بن محبوب، هو معاوية بن عمّار.

وأبو الحسن السوّاق، ويقال: القلّاء، هو عليّ بن محمّد بن عليّ بن عمر بن ربّاح- بتشديد المفردة- واقفي ثقة.

المقدّمة الخامسة:

من الذين ضبطت روايتهم بالعدد: عليّ بن يقطين، لم يرو عن الصادق (عليه السلام) إلّاحديثاً واحداً.

وعبداللَّه بن مسكان، لم يرو عنه (عليه السلام) إلّاحديث مَن أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ. (2)

وحمّاد بن عيسى، لم يرو عنه (عليه السلام) إلّاعشرين حديثاً، ويروي عن أبي الحسن الأوّل‏

____________

(1). خلاصة الأقوال، ص 108، الرقم 25.

(2). رجال الكشّي، ص 382- 383، ح 716.

82

والثاني (عليهما السلام). ومات في حياة الجواد (عليه السلام) ولم يحفظ منه حديثاً، وكان ثقةً في حديثه صدوقاً. قال: سمعت من أبي عبداللَّه (عليه السلام) سبعين حديثاً فلم أزل ادخل الشكّ على نفسي حتّى اقتصرت على هذه العشرين؛ كان متحرّزاً في الحديث ومبالغاً في الاحتياط في ضبطه، دعا له أبو عبداللَّه (عليه السلام) بأن يحجّ خمسين حجّة فحجّها وغرق بعد ذلك، وكان من جهينة، ومات بوادي قباء بالمدينة وله نيّف وتسعون سنة (رحمه الله). (1)

وإدريس بن عبداللَّه الأشعري، روى عن الرضا (عليه السلام) حديثاً واحداً، وهو ثقة.

ومسمع بن عبداللَّه، وقيل: ابن مالك‏ (2)، وقيل: ابن عبد الملك‏ (3)، ولقب مسمع كمنبر كِرْدين بكسر الكاف، روى عن الباقر (عليه السلام) رواية يسيرة وعن الصادق (عليه السلام)، وأكثر واختصّ به.

ويعقوب بن شعيب، روى عن الصادق (عليه السلام) خمسة آلاف حديث.

وأبان بن تغلب، روى عنه (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث.

وجعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولويه أبو القاسم شيخ المفيد رحمهما الله؛ من خيار أصحاب سعد بن عبداللَّه، روى عن أبيه الملقّب بمسلمة وأخيه عن سعد، وكان جليل القدر عظيم الشأن، وقال: ما سمعت من سعد إلّاأربعة أحاديث. (4)

قال العلّامة الحلّي (قدس سره):

وكان أبو القاسم استاد الشيخ المفيد رحمهما الله من ثقات أصحابنا وأجلّائهم في الفقه والحديث، وكلّ ما يوصف به الناس من جميل وثقة فهو فوقه، مات (رحمه الله) سنة ثمان وستّين وثلاثمائة هجرية. (5)

المقدّمة السادسة:

نظير تصريح ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني- طاب ثراه- في‏

____________

(1). خلاصة الأقوال، ص 56، الرقم 2. وراجع أيضاً رجال الكشّي، ص 142، ح 370.

(2). رجال الكشّي، ص 310، ح 560.

(3). رجال النجاشي، ص 420، الرقم 1124.

(4). رجال النجاشي، ص 123، الرقم 318.

(5). خلاصة الأقوال، ص 31، الرقم 6. نقله عن العلّامة ملخّصاً. وفي الخلاصة: «مات سنة تسع وستّين وثلاثمائة».

83

خطبة الكافي بأمثال قوله: ويأخذ منه من يريد علم الدِّين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)(1) تصريح الشيخ الصدوق رئيس المحدّثين أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه رحمهما الله في خطبة الفقيه بأنّ ما ذكره فيه حجّة بينه وبين اللَّه. (2)

قال الفاضل الاسترآبادي مولانا محمّد أمين صاحب الفوائد المدنيّة (رحمه الله):

والسرّ في ذلك أنّ الصحيح عند قدماء أصحابنا الإخباريّين- (رضوان اللَّه عليهم)- ما علم بقرينةٍ وروده عن المعصوم، وتلك القرائن كانت عندهم وافرة؛ لقرب عهدهم بهم (عليهم السلام) لا المعنى المصطلح عليه بين أصحابنا المتأخّرين الاصوليّين، الموافق لاصطلاح العامّة المذكور في فنّ الدراية. (3)

وقد صرّح المحقّق نجم الدِّين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي (رحمه الله) في اصوله: بأنّ شيخ الطائفة ورئيسهم أبا جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (رحمه الله) يعمل بخبر الواحد العدل الإمامي غير المحفوف بقرينة (4). ويعلم من ذلك أنّ طريقة رئيس الطائفة في هذا الباب طريقة قدماء أصحابنا الإخباريّين رحمهم الله.

ومحمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندراني (رحمه الله) قد نقل في كتاب معالم العلماء عن الشيخ المفيد (قدس سره) أنّه قال:

صنّفت الإماميّة من عهد أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليهم) إلى عهد الزكي أبي محمّد العسكري (عليه السلام) أربعمائة كتاب تُسمّى الاصول، وهذا معنى قولهم: فلان له أصل‏ (5).

يعني أنّ الكتب التي استقرّ الأمر في قيام السُنّة على اعتبارها والتعويل عليها وتسميتها بالاصول هي هذه الأربعمائة، لا أنّ كتبهم منحصرة فيها، فإنّها أكثر من أن تُحصى.

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 25، المقدّمة.

(2). الفقيه، ج 1، ص 2، المقدّمة.

(3). راجع: الفوائد المدنيّة، ص 109.

(4). معارج الاصول، ص 142.

(5). معالم العلماء، ص 3.

84

ورجال الصادق (عليه السلام) من الخاصّة والعامّة على ما أفاده المفيد (قدس سره) في إرشاده، (1) أربعة (2) آلاف رجل‏ (3).

فالأخبار المضبوطة بالكتب المعتبرة المتواترة متواترة كلّها، لكن قد يخصّ ما يفيد اليقين منها بأحكامه- لكثرة رواته بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب؛ أو لعدم الاختلاف فيه لتشابهه من جهة- باسم الخبر المتواتر، وما يفيد الظنّ منها- بقابليّة تشابهه علاجاً من المعالجات المضبوطة عن الأئمّة (عليهم السلام) كما ستعرف إن شاء اللَّه تعالى- باسم خبر الواحد أو الخبر الواحد.

وفي السنّة- كالكتاب- محكم ومتشابه، ناسخ ومنسوخ، عامّ وخاصّ.

وكان المتعارف بين قدماء أصحابنا الإماميّة (رضوان اللَّه عليهم) إطلاق الصحيح على كلّ حديث معتضد بما يقتضي الاعتماد عليه، ومقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه.

إمّا لتواتره مطلقاً في السنّة القائمة، بصراحة أحكامه المعلوم، أو تأويل تشابهه المعروف.

وإمّا لتواتر وجوده في كثير من الاصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم نقلًا عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة (صلوات اللَّه عليهم). أو في أصل منها أو أزيد بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة. أو في أصل معروف الانتساب إلى أحد من العصابة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة، ومحمّد بن مسلم، والفضيل بن يسار. أو على تصحيح ما يصحّ عنهم كصفوان بن يحيى، ويونس بن عبد الرحمن، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر. أو على العمل بروايتهم كعمّار الساباطي، ونظرائه.

وإمّا لتواتر اندراجه في أحد الكتب التي عُرِضت على أحدٍ من الأئمّة (عليهم السلام) فأثنوا على‏

____________

(1). في «ج»:-/ «في إرشاده».

(2). في النسخ: «أربعمائة» وما أثبتناه من المصدر.

(3). الإرشاد، ج 2، ص 179.

85

مؤلّفيها، مثل كتاب عبيداللَّه الحلبي الذي عرض على الصادق (عليه السلام)(1)، وكتاب يونس بن عبد الرحمن‏ (2)، وكتاب الفضل بن شاذان المعروضين على الزكيّ أبي محمّد العسكري (عليه السلام)(3).

وإمّا لأخذه من أحد الكتب التي شاع بين السلف الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء كان مؤلّفوها من الإماميّة مثل كتاب الصلاة لحريز بن عبداللَّه السجستاني، وكتب بني سعيد، وعليّ بن مهزيار؛ أو من غير الإماميّة مثل كتاب حفص بن غياث القاضي العامّي، والحسين بن عبداللَّه السعدي، وكتاب القبلة لعليّ بن الحسن الطاطري.

لكن المتأخّرين من علمائنا الإماميّة (رضوان اللَّه عليهم) لمّا رأوا أنّه ليس بدٌّ من تحصيل الترجيح عند تعارض الخبرين المعتمد عليهما على طريقة القدماء- بالرجوع إلى حال الرجال في الجرح والتعديل، وابتناء الحكم على ما هو الأرجح لو لم يكن ما يعارضه هو الأحوط في المذهب، ولم يلزم بترك ما هو الأرجح حرجٌ- اصطلحوا (4) على تنويع الحديث المعتبر في صحيح، وحسن، وموثّق، وضعيف.

فجميع سلسلة السند إن كان إماميّين ممدوحين بالتوثيق سمّوه صحيحاً، أو إماميّين ممدوحين بدون التوثيق كلّاً أو بعضاً مع توثيق الباقي سمّوه حسناً، وإن كانوا كلّاً أو بعضاً غير إماميّين مع توثيق الجميع سمّوه موثّقاً، وإلّا ضعيفاً.

والمشهور أنّ أوّل مَن اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك العلّامة الحلّي (قدس سره).

وقد أشاروا (عليهم السلام) في الأحاديث الواردة عنهم في التراجيح والمعالجات عند التعارض والتشابه الموجبين للاختلاف إلى ذلك بقولهم (عليهم السلام): «فالحكم ما حكم به‏

____________

(1). الفهرست للطوسي، ص 106، الرقم 455؛ رجال ابن داود، ص 217، الرقم 903.

(2). رجال النجاشي، ص 446، الرقم 1208؛ خلاصة الأقوال، ص 184، الرقم 1؛ رجال ابن داود، ص 380، الرقم 1708.

(3). رجال الكشّي، ص 542، ح 1027؛ رجال ابن داود، ص 272، الرقم 1179.

(4). جواب «لمّا».

86

أعدلهما وأورعهما وأصدقهما في الحديث» (1)، وهذا وجه من وجوه التراجيح المنصوص عليها.

ولا شكّ أنّ بعد استقرار الاعتبار بالكتب المضبوطة المتواترة اشتداد الحاجة عند التعارض والتشابه إنّما هو إلى غير المعالجة بالجرح والتعديل من وجوهها الاخر.

وقد ذكر ثقة الإسلام في خطبة (2) الكافي أربعة منها، وسيذكر خامسها في المقدّمة الثانية عشر في شرحها إن شاء اللَّه تعالى، مع أنّ في العلاج بالجرح والتعديل وشرائطهما آراء كثيرة وأقوال مختلفة لا يحصل للنفس منها اطمئنان بما كان منها أبين رجحاناً أو أثبت برهاناً، فالجري على قانون القدماء وطريقتهم أولى وأسهل لنفي الحرج المنفيّ.

وقد جرى ثقة الإسلام في الكافي، والصدوق في الفقيه في إطلاق الصحيح على ما يعتمد عليه ويركن إليه كما عرفت على ما ذكر من حكمهما بالصحّة؛ لكون جميع ما في الكتابين مستخرجاً من الكتب المضبوطة المعتبرة التي عليها المعوّل وإليها المرجع.

وقد قال صاحب الاستبصارين في كتاب عدّة الاصول: إنّ ما اورده في كتابي الأخبار إنّما آخذه من الاصول المعتمد عليها. (3)

وجرى العلّامة والشهيد 0 في مواضع من كتبهما على طريقة القدماء، مع أنّهما الأصل في اصطلاح المتأخّرين، وقد سلك على ذلك المنوال كثير من فحول علماء الرجال، فحكموا بصحّة حديث بعض الرواة الغير الإماميّة كعليّ بن محمّد بن رَباح وغيره؛ لِما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم والاعتماد عليهم مع عدم كونهم من الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم وتصديقهم، بل معظم المتأخّرين‏

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 67، باب اختلاف الحديث، ح 10، الفقيه، ج 3، ص 8، ح 3232.

(2). في النسخ: «الخطبة»، والمناسب ما ا ثبت.

(3). حكاه عنه في الوافي، ج 1، ص 23. ولم أجده في العُدّة. و قال في معجم رجال الحديث في ذيل هذا الكلام نقلًا عن الوافي: «أنّا لم نجد في كتاب العدّة هذه الجملة المحكيّة عنه».

87

يسلكون كثيراً- كالعلّامة والشهيد- طريقة القدماء، فيصفون بعض الأحاديث التي في سندها من يعتقدون أنّه واقفيّ، أو فطحيّ، أو ناووسيّ، أو نحوهم بالصحّة؛ نظراً إلى اندراجه فيمن أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم وتصديقهم، بل يصفون مراسيل هؤلاء، ومقاطيعهم ومرافيعهم، وأسانيدهم إلى الضعفاء والمجاهيل بالصحّة؛ لذلك.

فقيل في وجه وصفهم طائفة من المراسيل بالصحّة كمراسيل ابن أبي عمير ما شاع بينهم: أنّه كان لا يرسل إلّاعن الموثوق به‏ (1).

وقيل: بل وجهه أنّ كتبه ذهبت حين كان في الحبس وكان يحفظ أربعين مجلّداً كانت رواياته فيها مسندة، فحدّث بها مَن حَفِظَها، وأمّا التي ذهبت في أيدي الناس فهي معلومة الاتّصال والإسناد إجمالًا وإن فاتته طرق الإسناد على التفصيل‏ (2)، ومنهم مَن أنكر ذلك فقد قال المحقّق في المعتبر: إنّ ابن أبي عمير يرسل عن أربعين من أصحاب الصادق (عليه السلام) فيهم المجاهيل والضعفاء، فإذا أرسل احتمل الجميع. (3)

وقال بعض المتأخّرين: إنّ المرسل الذي يرويه عن المعصوم من لم يدركه بواسطة أو بغير واسطة، سواء نسي الواسطة أو تركها، أو أبهمها بقوله: عن رجل، عمّن أخبره، عن بعض أصحابنا مضطربٌ‏ (4) غير معتمد عليه، كالمقطوع الذي لم يبلغ إسناده إلى المعصوم، بل ينتهي إلى بعض الوسائط، وكالمضطرب المرويّ تارةً على وجه واخرى على آخر مخالف له.

وأمّا المضمر المروي من الثقات المشهورين من رجالهم (عليهم السلام)، فإن كان الإضمار فيه للاعتماد على القرينة الواضحة، أو التقيّة، أو لقطع بعض خبر عن بعضه مع التصريح‏

____________

(1). عدّة الاصول، ج 1، ص 154؛ الوجيزة، ص 5.

(2). راجع: الرواشح السماويّة، ص 114، الراشحة 16، رجال الكشّي، ص 589، ح 1103؛ رجال النجاشي، ص 326، الرقم 887.

(3). المعتبر، ج 1، ص 165. وفيه: «ولو قال: مراسيل ابن أبي عمير يعمل بها الأصحاب منعنا ذلك؛ لأنّ في رجاله من طعن الأصحاب فيه، وإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم».

(4). خبر «إنّ».

88

في المقطوع الأوّل باسم المعصوم ثمّ الإضمار في الثاني بقوله: وسألته، فهو غير مضطرب قطعاً بالاضطراب الذي يوجب ترك العمل به، وكذا المرويّ عن أحد تارةً بواسطة واخرى بدونها؛ لجواز تعدّد السماع، وإلّا فاضطراب‏ (1) حاله بحاله.

وبالجملة، هنا عليل وطبيب، فالعليل: كلّ خبر من طريق أصحابنا الإماميّة مضبوط متواتر بكتبهم المضبوطة المتواترة كالأربعة الجامعة لأكثر الأربعمائة، متشابه من جهة فعليّة التشابه الموجب للاختلاف.

والطبيب: كلّ إماميّ عدل، فاضل بالفضل الممتاز، مستجمع لشرائط القضاء والإفتاء، عارف بالأمراض والأدوية حاذق، في المعالجة بها على ما أطلقه المعصوم ورخّصه في ارتكاب المعالجة بالعلاج المعلوم، وعليه كمال الاحتياط ونهاية الاجتهاد فيه، وهو مؤمن بأنّ الطبيب الحاذق ضامن.

والعلاج المرخّص فيه أقسام: منها: العرض على محكمات كتاب اللَّه، المضبوطة عبارةً، ومضموناً بمحكمات السنّة القائمة، والأخذ بالموافق، والأخذ بمخالف ما يوافق مذاهب العامّة والرشد في خلافها، والتمسّك بالمجمع عليه، فإنّه لا ريب فيه، والقبول لما وسّع المعصوم من الأمر فيه بقوله: «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وَسِعَكم». (2)

والأحوط من كلّ ذلك التوقّف والسكوت لو لم يلزم الجرح المنفيّ.

وبالعلاج الصحيح في زمن الغيبة لا يحصل إلّاصحّة الظنّ، وقطعيّة الحكم لا ينافي ظنّية الطريق، لكن في العبادات لا ينافيها وهميّة الطريق أيضاً فضلًا عن شكّيّته؛ (3) لما سيذكر في بيان الخطبة إن شاء اللَّه تعالى.

____________

(1). في «الف»: «فاضطرب».

(2). راجع: الكافي، ج 1، ص 8 و 9 المقدّمة، وص 66 و 68، باب اختلاف الحديث، ح 7 و 10، و ص 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح 1- 5. وسائل الشيعة، ج 27، ص 106، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة و ....

(3). في «الف»: «تنكّبه».

89

المقدّمة السابعة:

المستفاد من أحاديث أئمّتنا (عليهم السلام) أنّ الوجوب والسنّة والأمر بالشي‏ء في كلامهم (عليهم السلام) قد يكون أعمّ من الفرض والاستحباب، كما أنّ الكراهة والنهي عن الشي‏ء أعمّ من الحظر والتنزيه، ولكلٍّ مراتب متفاوتة في التأكّد والشدّة وعدمهما، لكن في عبارات أكثر الفقهاء من الرعيّة سيّما المتأخّرين جميعاً يُطلق كلّ من الألفاظ الخمسة في معناه من الأحكام الخمسة، فإطلاق السنّة على فعل أو قول في خبر لا ينافي الحكم بالمعصية على تركه في خبر آخر، وكذا إطلاق الوجوب على شي‏ء أو الأمر به في خبر لا ينافي نفي البأس عن تركه في خبر آخر، وكذا إطلاق الكراهة على فعلٍ أو النهي عنه في حديث لا ينافي نفي البأس عنه في حديث آخر. وقد يكون إيجاب شي‏ء أو تحريمه أصلًا فيه، ومع ذلك قد وردت رخصة في خلافه، فحُملت احتياطاً على أنّها لذوي الأعذار وأهل الزمانة والاضطرار، ولهذا يمكن الجمع بين الأحاديث المتنافية ظاهراً بهذه القواعد أيضاً، كما فعله المشاهير من الأصحاب سيّما الشيخ في التهذيبين، والمحقّق في النافع والشرائع والمعتبر.

المقدّمة الثامنة:

أسماء خاتم الأنبياء والمرسلين وسيّدهم (صلى الله عليه و آله)- وأشهرها محمّد (1)- وألقابه (صلى الله عليه و آله) كثيرة:

منها: أحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، والشاهد، والذِّكر، والنور، ونبيّ الرحمة، ونبيّ الملحمة، والضحوك‏ (2)، والمتوكّل، والقُثم، والفاتح، والأمين، والخاتم، والرسول، والنبيّ الامّي.

وكنيته (صلى الله عليه و آله): أبو القاسم.

وروي أنّه لمّا ولد إبراهيم من مارية القبطيّة أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: «السلام عليك‏

____________

(1). في «الف»: «محمّده».

(2). في كشف الغمّة، ج 1، ص 9، وفيه: «إنّما سمّي بذلك لأنّه كان طيّب النفس». وعنه في البحار، ج 16، ص 116.

90

ياإبراهيم ويا أبا إبراهيم». (1)

ومعنى الماحي: أنّه (صلى الله عليه و آله) يُمحى به الكفر، وقيل: يُمحى به سيّئات شيعة أوصيائه الاثني عشر (صلى الله عليه و آله). (2)

والحاشر: قال (صلى الله عليه و آله): «وأنا الحاشر يُحشر الناس على قدميّ، وأنا العاقب وهو الذي لا نبيّ بعده». (3)

والملحمة- بفتح الميم وسكون اللّام-: الحرب؛ سمّي (صلى الله عليه و آله) بذلك لأنّه بعث بالذبح. (4)

وعن ابن عبّاس أنّ اسمه (صلى الله عليه و آله) في التوراة أحمد الضحوك القتّال. (5)

والقثم- بضمّ القاف وفتح المثلّثة من القثم بالفتح-: وهو الإعطاء والجمع، يعني عظيم العطاء والجموع للخير كلّه. (6)

والخاتم- بفتح التاء وكسرها-: بمعنى، وقرئ بهماً، وخاتم النبيّين.

والامّي: لنسبته (صلى الله عليه و آله) إلى مكّة، وهي امّ القرى.

قال اللَّه تعالى في سورة [الجمعة] «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (7).

____________

(1). بحارالأنوار، ج 16، ص 120- 121، وفيه: «السلام عليك أبا إبراهيم، أو يا أباإبراهيم (عليه السلام)». وفي «ب»: «يا أبا إبراهيم و يا أبا إبراهيم». الآحاد والمثاني، ج 5، ص 448، ح 3127؛ الطبقات الكبرى، ج 1، ص 135، باب ذكر إبراهيم بن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

(2). المناقب، ج 1، ص 151؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 7؛ بحارالأنوار، ج 16، ص 115، ح 44. وفي المصادر: وقيل: يمحى به سيّئات من اتّبعه».

(3). كشف الغمّة، ج 1، ص 7؛ بحارالأنوار، ج 16، ص 115، ح 44؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1828، ح 2354؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 135، ح 2840؛ مسند أحمد، ج 4، ص 80، ح 16780.

(4). كشف الغمّة، ج 1، ص 8؛ بحارالأنوار، ج 16، ص 116، ح 44.

(5). كشف الغمّة، ج 1، ص 8؛ بحارالأنوار، ج 16، ص 116، ح 44؛ تفسير ابن كثير، ج 2، ص 73. وفي الأخير فسّره بأنّه ضحوك لأوليائه، قتّال لأعدائه.

(6). القاموس المحيط، ج 4، ص 161؛ لسان العرب، ج 12، ص 462 (قثم).

(7). الجمعة (62): 2.

91

وأسماء أمير المؤمنين وإمام المتّقين عليّ بن أبي طالب وألقابه (صلوات اللَّه عليه) أكثر من أن يُحصى، وهو: سيّد الوصيّين، وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب الدِّين، ومبير الشرك والمشركين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وشبيه هارون، ونفس الرسول وأخوه، وزوج البتول، والحيدر الكرّار، والصدِّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، وقسيم الجنّة والنار، وإمام المشارق والمغارب، وليث بني غالب، ومطلوب كلّ طالب، وأسد اللَّه، وسيف اللَّه، وباب اللَّه، وباب مدينة العلم، ووجه اللَّه، وحبيب اللَّه، وعين اللَّه، ويد اللَّه، وأمير البَرَرة، وقاصم الكَفَرة، والمرتضى، وصفوة اللَّه، (1) وصفوة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

وكنيته (صلوات اللَّه عليه): أبو الحسن، وأبو الحسنين، وأبو محمّد، وأبو تراب، وأبو الريحانتين، وأبو السبطين، وأبو الأئمّة (عليهم السلام).

وهو القرآن الناطق، وأوّل أحد الثقلين (صلوات اللَّه عليه).

وسيّدة نساء العالمين امّ الأئمّة فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مضت ولها (صلوات اللَّه عليها) ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعون يوماً.

وفي رواية اخرى: ثمانية عشر سنة وشهر وخمسة عشر يوماً. (2) وفي الحديث من طرق الخاصّة والعامّة قال رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إنّ اللَّه ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها». (3)

وقال (صلى الله عليه و آله) في معنى قوله تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ» (4) قال: «سأله بحقّ محمّد وعليّ والحسن والحسين وفاطه‏ض‏لوات اللَّه عليهم». (5)

____________

(1). في «ب» و «ج»:- «و صفوة الله».

(2). كشف الغمّة، ج 1، ص 449؛ و عنه في بحار الأنوار، ج 43، ص 7، ح 8.

(3). الأمالي للصدوق، ص 383، المجلس 61، ح 1؛ الأمالي للمفيد، ص 95، المجلس 11، ح 4؛ بحار الأنوارج 43، ص 19، ح 2 و 4؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 167، ح 4730؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 108، ح 182؛ كنز العمّال، ج 13، ص 674، ح 37725.

(4). البقرة (2): 37.

(5). الكافي، ج 8، ص 305، ذيل الحديث 472؛ معاني الأخبار، ص 125، باب معنى الكلمات التي تلقّاها آدم، ح 2؛ بحارالأنوار، ج 11، ص 77، ح 23.

92

ومن ألقاب الحسن بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليهما): السيّد، والسبط، والشبل، (1) والتقيّ، والزكيّ، والوليّ، والطيّب، والوزير، والقائم، والحجّة.

وكنيته (عليه السلام): أبو محمّد، لا غير.

ومن ألقاب الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليهما): السيّد، والسبط، والشبل، (2) والوفيّ، والرشيد، والزكيّ، والمبارك، والتابع لمرضاة اللَّه، والدليل على ذات اللَّه.

وكنيته (عليه السلام): أبو عبداللَّه، لا غير.

ومن ألقاب عليّ بن الحسين (صلوات اللَّه عليهما): سيّد الساجدين، وسيّد العابدين، وزين العابدين، (3) وزين العُبّاد، والسجّاد، والزكيّ، والأمين، وذو الثفنات، وآدم آل محمّد.

وكنيته (عليه السلام): أبو الحسن، وأبو محمّد. وقيل: أبو بكر أيضاً (4)، والأشهر: أبو محمّد.

ومن ألقاب محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليهم):

الباقر، وباقر العلم، والشاكر، والهادي. وأشهرها: الباقر؛ سُمّي بذلك؛ لتبقّره في العلم، يعني توسّعه.

وكنيته (عليه السلام): أبو جعفر.

ومن ألقاب جعفر بن محمّد (صلوات اللَّه عليهما): الصادق، والصابر، والفاضل، والطاهر.

وكنيته (عليه السلام): أبو عبداللَّه. وقيل: أبو إسماعيل أيضاً. (5)

____________

(1). في «الف»:-/ «والشبل».

(2). في «الف»: «والنبيل».

(3). في «الف»:-/ «وزين العابدين».

(4). كشف الغمّة، ج 2، ص 105؛ بحارالأنوار، ج 46، ص 5، ح 6.

(5). كشف الغمّة، ج 2، ص 155؛ بحارالأنوار، ج 47، ص 10، ح 6.

93

ومن ألقاب موسى بن جعفر: الكاظم، والصابر، والصالح، والعبد الصالح، والعالم، والفقيه، والأمين.

وكنيته (عليه السلام): أبو الحسن، وأبو الحسن الأوّل، وأبو إبراهيم. وقيل: وأبو إسماعيل أيضاً. (1)

ومن ألقاب عليّ بن موسى (صلوات اللَّه عليهما): الرضا، والرضيّ، والصابر، والوفيّ، والإمام الضامن، وثالث العليّين أمير المؤمنين، وزين العابدين (صلوات اللَّه عليهم).

وكنيته (عليه السلام): أبو الحسن، وأبو الحسن الثاني.

ومن ألقاب محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر (صلوات اللَّه عليهم): الجواد، والتقيّ والقانع، والمرتضى.

وكنيته (عليه السلام): أبو جعفر، وأبوجعفر الثاني.

ومن ألقاب عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر (صلوات اللَّه عليهم): الهادي، والنقيّ، والعسكري، والناصح، والمتوكّل، والفتّاح، والمرتضى.

وكنيته (عليه السلام): أبو الحسن، وأبو الحسن الثالث.

ومن ألقاب الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر (صلوات اللَّه عليهم): الزكيّ، والخالص، والعسكري.

وكنيته (عليه السلام): أبو محمّد.

ومن ألقاب الحجّة بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليهم): صاحب الزمان، وصاحب الأمر، والمهديّ، والقائم، والمنتظر، والحجّة، وحجّة اللَّه، وخليفة الرحمن، ومظهر الإيمان، والصاحب، وصاحب الدار، والعالم، والبرهان القاطع، والخلف الصالح، وخاتم الوصيّين.

وكنيته (صلوات اللَّه عليه): أبو القاسم عند الخاصّة والعامّة.

____________

(1). كشف الغمّة، ج 2، ص 212؛ بحارالأنوار، ج 48، ص 11، ح 8.

94

وفي رواية من طرق العامّة قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «لو لم يبق من الدنيا إلّايوم واحد لبعث اللَّه فيه رجلًا اسمه اسمي، وخُلقه خُلُقي، يكنّى أبا عبداللَّه». (1)

المقدّمة التاسعة:

قال الشيخ المفيد (رحمه الله) في إرشاده:

وكان الإمام بعد أبي محمّد (عليه السلام) ابنه المسمّى باسم الرسول (صلى الله عليه و آله)، المكنّى بكنيته. ولم يخلّف أبوه (عليهما السلام) ولداً ظاهراً ولا باطناً غيره، وخلّفه أبوه غايباً مستوراً. وكان مولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومِائَتين، وكان سنّه عند وفاة أبيه (عليهما السلام) خمس سنين، آتاه اللَّه فيها الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آيةً للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبيّاً. وجعله إماماً في حال الطفوليّة الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم (عليه السلام) في المهد نبيّاً. وقد سبق النصّ عليه في ملّة الإسلام من نبيّ الهدى‏ (صلى الله عليه و آله)، ثمّ من أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونصَّ عليه الأئمّة (عليهم السلام) واحد بعد واحد إلى أبيه الحسن (عليه السلام)، ونصّ عليه أبوه عند ثقاته وخاصّته من شيعته. وكان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده، وبدولته مستفيضاً قبل غيبته، وهو صاحب السيف من أئمّة الهدى (صلوات اللَّه عليهم)، والقائم بالحقّ المنتظر لدولة الإيمان. وله غيبتان إحداهما أطول من الاخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، وأمّا القصرى فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته؛ وأمّا الطولى فمن بعد الاولى، وفي آخرها يقوم بالسيف، قال اللَّه تبارك وتعالى: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» (2)، وقال جلّ اسمه: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» (3).

وقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «لن تنقضي الأيّام والليالي حتّى يبعث اللَّه رجلًا من أهل بيتي،

____________

(1). كشف الغمّة، ج 2، ص 471؛ بحارالأنوار، ج 51، ص 81، ح 37؛ المنارالمنيف، ص 146، ح 333؛ وقريب منه في المعجم الكبير، ج 10، ص 136، ح 10229؛ كنزل العمّال، ج 14، ص 273، ح 38702.

(2). القصص (28): 5- 6.

(3). الأنبياء (21): 104.

95

يواطئ اسمه اسمي، يملأها عدلًا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً». (1)

وقال العلّامة الحلّي (قدس سره):

وُلِدَ المهدي‏ (2) صاحب الزمان الحجّة بن الحسن (صلوات اللَّه عليهما) يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان، سنة ستّ وخمسين ومائتين. ووكيله عثمان بن سعيد العمري [بالضمّ.

وقيل: العَمري بالفتح. نسبة إلى عمر بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، أو إلى عمرو أحد أجداده‏] وهو أوّل من نصّبه العسكري (عليه السلام)، ثمّ نصّ أبو عمرو (رحمه الله) على ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، ونصّ أيضاً الإمام العسكري (عليه السلام) عليه، فلمّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان الوفاة واشتدّت حاله حضر عنده جماعة من وجوه الشيعة، منهم: أبو عليّ بن همّام، وأبو عبداللَّه بن محمّد الكاتب، وأبو عبداللَّه الباقطاني، (3) وأبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختي، وأبو عبداللَّه بن الوَجناء، وغيرهم من الوجوه الأكابر، فقالوا له: إن حدث أمر فمَن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي، والسفير بيني وبين صاحب الأمر، والوكيل، والثقة الأمين، فارجعوا في اموركم إليه وعوّلوا عليه في مهامّكم، فبذلك امرت وقد بلّغت، ثمّ أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمري، فلمّا حضرته الوفاة سئل أن يوصي، فقال: للَّه‏أمرٌ هو بالغه، ومات (رحمه الله) سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. (4)

وقال شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (رحمه الله):

وقد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، منهم: أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي ... مات على ظاهر العدالة لم يتغيّر ولم يطعن عليه.

ومنهم: أحمد بن إسحاق وجماعة، وقد خرج التوقيع في مدحهم.

وروى أحمد بن إدريس عن محمّد بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد

____________

(1). الإرشاد، ج 2، ص 340 بتفاوت يسير.

(2). في «الف»:-/ «المهدي».

(3). في «ب» و «ج»: «الناقطاني».

(4). خلاصة الأقوال، ص 273، الفائدة الخامسة، بتفاوت يسير.

96

الرازي، قال: كنت وأحمد بن أبي عبداللَّه بالعسكر، فورد علينا [رسول‏] (1) من قِبَل الرجل، فقال: أحمد بن إسحاق الأشعري، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع ثقات. (2)

وقال برهان الفضلاء (3) سلّمه اللَّه تعالى:

كان أوّل السفراء الأربعة: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري. وثانيهم: ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان. وثالثهم: أبو القاسم الحسين [بن‏] رُوح- بضمّ الرّاء وقيل بفتحها- ابن أبي بحر النوبختي. ورابعهم: أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري- بفتح السين المهملة وضمّ الميم وتخفيف الراء- نسبةً إلى أحد أجداده. و «السّمر» كالعضد: شجر معروف الواحدة سمرة. وقيل: هو السّمري بفتحتين وتشديد الراء نسبة إلى سامرّا وسرّ من رأى كسامريّ.

المقدّمة العاشرة:

قد تواتر في الامّة حديث النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «القَدَريّة مجوس هذه الامّة» (4). فقالت الأشاعرة: القدريّة هم المعتزلة المفوّضة؛ لنسبتهم أفعال العباد إلى قَدَرهم واستقلالهم في القدرة عليها.

وقالت المعتزلة: بل القدريّة هم الأشاعرة؛ لنسبتهم أفعال العباد إلى قَدَر اللَّه تعالى.

والحقّ كما هو المستفاد من أحاديث أئمّتنا (صلوات اللَّه عليهم): أنّ القدريّة- لعنهم اللَّه- هم الصوفيّة من أيّ فرقة كانوا، فلمّا كانوا في المفوّضة أكثر منهم في غيرهم من الفرق ذكرت في بعض الأحاديث بمعنى المفوّضة، كما سيذكر في أحاديث أواخر

____________

(1). أضفناه من المصدر.

(2). الغيبة للطوسي، ص 415- 417.

(3). هو المولى خليل اللَّه القزويني.

(4). التوحيد، ص 382، باب القضاء والقدر و ...، ح 29؛ جامع الأخبار، ص 161؛ ثواب الأعمال، ص 214؛ بحارالأنوار، ج 5، ص 121، ح 58؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 634، ح 4691؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 159، ح 286؛ سنن البيهقي، ج 10، ص 203، ح 20658.

97

الأبواب في كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى. (1)

وقد ذكر ابن حمزة (2) في كتاب الهادي إلى النجاة من جميع المهلكات، وكتاب إيجاز المطالب في إبراز المذاهب، والسيّد المرتضى الحسني الرازي‏ (3) صاحب تبصرة العوام في كتاب الفصول:

أنّ عثمان بن شريك الكوفي المشهور بأبي هاشم الكوفي، وهو من المفوّضة، كان أوّل ضالٍّ مضلٍّ، وضع طريقة الصوفيّة وسعى في إضلال الناس بها، وكان في زمن مروان الحمار أخير الخلفاء من بني اميّة، فاشتهر رهطه بالبهشميّة، والعثمانيّة، والشريكيّة، كانوا يلبسون الصوف والبلاس، ويجتهدون في هزال أبدانهم بإذابتها بالرياضات الشاقّة كالجواكي‏ (4) والنصارى، ويقولون بالحلول والاتّحاد، ووحدة الوجود، والنزول، والصعود، والتشكّل بالصور كالتناسخيّة. وتسميتهم بالقدريّة إمّا من القدر بمعنى الضيق؛ لتضييقهم على أنفسهم بفنون الطاعات المبتدعة، ورسوم الرياضات المخترعة؛ وإمّا لاشتهار طريقتهم أوّلًا من المفوّضة؛ وإمّا لنسبتهم أفعال اللَّه سبحانه إلى قدر المخلوقات، وقد صرّحوا في كتبهم بأنَّ التقادير والتدابير جميعاً من الحقائق والأعيان، وليس للَّه‏سبحانه إلّاإفاضة الوجود.

____________

(1). سيذكر في باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين من كتاب التوحيد.

(2). في موسوعة طبقات الفقهاء، ج 7، ص 137، الرقم 2498: «عبداللَّه بن حمزة بن عبداللَّه بن حمزة بن الحسن بن‏عليّ، نصير الدين الطوسي الشارحي المشهدي، يكنّى أبا طالب ... كان من وجوه علماء الإماميّة، فقيهاً، جليل القدر ... وقد صنّف نصر الدين كتباً، منها: الهادي إلى النجاة ... و إيجاز المطالب في إبراز المذاهب، وهو بالفارسيّة».

(3). في روضات الجنّات، ج 7، ص 164: «هو السيّد المرتضى بن الدّاعي الرازي الملقّب بصفيّ الدين صاحب كتاب‏تبصرة العوام في تفصيل مذاهب العليين، ويذكر غالباً مع أخيه السيّد المجتبي الذي هو أحد مشايخ منتجب الدين القمّيّ، ولهما الرواية عن شيخننا الطوسي». وله كتاب الفصول التامّة في هداية العامة. راجع: الذريعة، ج 3، ص 319.

(4). «الجوكيّة»: طائفة من البراهمة يقولون بتناسخ الأرواح. تاج العروس، ج 1، ص 6667 (جوك). وفي تاريخ ابن‏خلدون، ج 1، ص 136: «ومن هؤلاء أهل الرياضة السحريّة يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطّلاع على المغيّبات والتصرّفات في العوالم و أكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوباً و شمالًا خصوصاً بلاد الهند، و يسمّون هنالك: الحوكيّة، ولهم كتب في كيفيّة هذه الرياضة و الأخبار عنهم في ذلك غريبة».

98

وفي الحديث بإسناد متّصل للشيخ المفيد (رحمه الله) عن الهادي عليّ بن محمّد (عليهما السلام): «إنّ أخسّ الطوائف الصوفيّة، والصوفيّة كلّهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلّانصارى ومجوس هذه الامّة، اولئك الذين يجهدون في إطفاء نور اللَّه واللَّه يُتمّ نوره ولو كره الكافرون». (1)

وفي كتاب توحيد الصدوق (رحمه الله) في باب القضاء والقدر بإسناده عن الصادق (عليه السلام): «أنّ القدريّة مجوس هذه الامّة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللَّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»» (2).

وقد صرّح ذلك الرومي الملعون منهم، وجوّز في الدفتر الخامس من كتاب المثنوي بما جوّزه المجوس من تحليل الحرام وتحريم الحلال، كنكاح الامّهات والبنات والأخوات، والاجتناب عن المباحات بفنون الرياضات، حيث قال:

إنّ الشريعة بمنزلة الدواء في مبادئ سلوك العرفاء والإكسير لعمل الكيمياء، فإذا وصل العارف وبرأ من المرض وصار صُفره ذهباً يُطلق من حبال الشريعة وأسرها، وسجن العبادة وقيدها؛ فإنّه إذا ظهرت الحقائق بطلت الشرائع. (3)

ومن كلامهم لعنهم اللَّه: القيد كفر ولو كان باللَّه. ومن خدعهم الشيطانية: تسميتهم الزندقةَ والإلحاد بالتصوّف ومسلك للعارفين، والشيطانَ برئيس الموحّدين.

وصرّحوا كابن العربي منهم بأنّ اللّعنة أربعة أحرف، كلّ حرف منها اسم من أسماء اللَّه تعالى، فاللعنة عين الرحمة. وهؤلاء الملاحدة لم يشعروا بأنّ اللعنة عليهم إنّما هي أقطع الأسلحة وأنفذ الأسنّة، وهي بإحكام صنعها وإتقان تركيبها بتقدير من اللَّه العزيز العليم، لن يُقلّل بأمثال تلك المقالات حدّها، ولن يعطّل بأشباه تلك المزخرفات تشدّدها،

____________

(1). حديقة الشيعة، ص 602- 603؛ ورواه عن كتاب قرب الإسناد في إكليل المنهج، ص 129.

(2). التوحيد، ص 382، باب القضاء والقدر و ...، ح 29؛ والآية في سورة القمر (54): 48 و 49.

(3). مثنوى معنوى، ص 726 مقدّمة الدفتر الخامس.

99

وهم كما في الحديث من أهل آية «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ» (1).

وفي الحديث بإسنادٍ متّصل للشيخ المفيد (رحمه الله) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي وإسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «من ذكر عنده الصوفيّة ولم ينكرهم بلسانه أو قلبه فليس منّا، ومَن أنكرهم فكأنّما جاهد الكفّار بين يدي رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)» (2).

وأيضاً عن البزنطي بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رجل من أصحابنا للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): قد ظهر في هذا الزمان قوم يُقال لهم الصوفيّة فما تقول فيهم؟

فقال (عليه السلام): «إنّهم أعداؤنا، فمَن مالَ إليهم فهو منهم ويُحشر معهم، وسيكون أقوام يدَّعون حبّنا ويميلون إليهم ويتشبّهون بهم ويلقّبون أنفسهم بلقبهم ويُأوّلون أقوالهم، ألا فمَن مالَ إليهم فليس منّا وإنّا منه براء، ومَن أنكرهم وردَّ عليهم كان كمَن جاهد الكفّار بين يدي رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)» (3).

وروى عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أوّل الصدوقين- رحمهما اللَّه- عن سعد (4) بن عبداللَّه، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الزكيّ أبي محمّد العسكري (عليه السلام) أنّه قال:

سُئل جدّي أبو عبداللَّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن حال عثمان بن شريك الصوفيّ أبي هاشم الكوفي، فقال: «إنّه كان فاسد العقيدة جدّاً، وهو الذي ابتدع مذهباً يُقال له:

التصوّف، وجعله مفرّاً (5) لعقيدته الخبيثة».

وفي رواية اخرى: «وجعله مفرّاً (6) لنفسه الخبيثة وأكثر الملاحدة، وجُنّة لعقائدهم الباطلة». (7)

____________

(1). راجع: الفقيه، ج 4، ص 98، ح 5174؛ قرب الإسناد، ص 50؛ بحارالأنوار، ج 74، ص 121- 122، ح 17. والآية في البقرة (2): 161.

(2). حديقة الشيعة، ص 562؛ وعنه في مستدرك الوسائل، ج 12، ص 323، ح 14204.

(3). حديقة الشيعة، ص 562؛ وعنه في مستدرك الوسائل، ج 12، ص 323، ح 14205.

(4). في «الف»: «سعيد».

(5). في «الف»: «مقرّاً».

(6). في جميع النسخ بإضافة: «لعقيدته الخبيثة». وما أثبتناه من المصدر، وهو الصحيح.

(7). حديقة الشيعة، ص 564؛ وعنه في خاتمة المستدرك، ج 3، ص 285.

100

والظاهر من كتبهم المعتبرة بينهم- كالفتوحات لابن العربي، وفصوصه، والتأويلات لعبد الرزّاق الكاشي، واصطلاحاته، ونصوصه-: أنّ قولهم بوحدة الوجود، وابتناء طريقتهم الفاسدة عليها اسوة منهم بزنادقة الفلاسفة.

وقد حكى في حكمة الإشراق عن أفلاطون القبطي، قال: إنّ العلّة الاولى خلق الخلق من نفسها، وكلّ موجود خالق ومخلوق أيضاً.

وقال القطب الراوندي (رحمه الله) في الخرائج:

إنّ الفلاسفة أخذوا اصول الإسلام ثمّ أخرجوها على آرائهم فقالوا في الشرع والنبيّ:

إنّما اريد كلاهما لإصلاح الدنيا؛ فالأنبياء يرشدون العوام لإصلاح دنياهم بالشرعيّات وإنّ الشرعيّات ألطف‏ (1) في التكليف العقلي. فهم يوافقون المسلمين في الظاهر، وإلّا فكلّ ما يذهبون إليه هدم الإسلام، وإطفاء لنور الشرع، ويأبى اللَّه إلّاأن يتمّ نوره ولو كره الكافرون. (2)

وفي الحديث بإسناد الشيخ المفيد (رحمه الله) عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبداللَّه، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن أبي محمّد العسكري (عليه السلام) أنّه قال لأبي هاشم الجعفري: «سيأتي زمانٌ على الناس وجوههم ضاحكة مستبشرة، وقلوبهم مظلمةٌ منكدرة، السُنّة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سُنّة، المؤمن بينهم محقّر، والفاسق بينهم مُوَقّر، امراؤهم جاهلون جائرون، وعُلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون، أغنياؤهم يسرِقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدّمون على الكُبراء، كلّ جاهلٍ عندهم خبيرٌ، وكلّ محيل عندهم فقير، لا يميّزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الضأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق اللَّه على وجه الأرض؛ لأنّهم يميلون إلى الفلسفة والتصوّف، وأيم اللَّه إنّهم من أهل العدول والتحرّف، يُبالغون في حُبّ مخالفينا ويُبغضون‏ (3)

____________

(1). في المصدر: «ألطاف».

(2). الخرائج والجرائع، ج 3، ص 1061.

(3). في المصدر: «يضلّون».