الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
101

شيعتنا ومَوالينا، فإن نالوا منصباً لم يشبعوا عن الرُشا، وإن خُذِلوا عَبَدوا اللَّه على الرياء، ألا إنّهم قطّاع طريق المؤمنين والدُّعاة إلى نحلة المُلحدين، فمَن أدركهم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانهُ».

ثمّ قال: «يا أبا هاشم، هذا ما حدّثني أبي عن آبائه، عن جعفر بن محمّد (عليهم السلام) وهو من أسرارنا فاكتمه إلّاعن أهله». (1)

ومن ضَلالات القَدَريّة: اعتقادهم في المجانين بأنّهم من المقرّبين، وقد عدّ حجج اللَّه (صلوات اللَّه عليهم) الجنون في عِداد البرص والجُذام ونحوهما، وأمروا شيعتهم بالاستعاذة منها (2)، ونصّوا بأنّ المجانين إذا كانوا غير مؤذين فحكمهم حكم البهائم، وإلّا فكالسباع‏ (3).

وأيضاً جعلهم من المقرّبين مع عدم تكليفهم برفع الجنايات، وتطهير النجاسات، والكفّ عن كلمات الكفر والخرافات إن كان من أفعال الحكيم؛ مع النصّ من حججه (عليهم السلام) على خلافه‏ (4)، فتعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، وإلّا فما أقبح القول وأسخف القطع بتقرّبهم كالمقرّبين المعصومين الطاهرين.

ومن كلام روميّهم في مدح الشمس التبريزي من المجانين في زمنه:

اى تو همچون مصطفى من چون عمر* * * بسته‏ام در خدمتت زانسان كمر

(5)

هب التشبيه الأخير.

____________

(1). حديقة الشيعة، ص 592؛ وعنه في مستدرك الوسائل، ج 11، ص 380، ح 1330.

(2). راجع: الكافي، ج 2، ص 528 و 531، باب القول عند الإصباح والإمساء، ح 20، 25، 26، 28؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 478 و 479، باب نبذة ممّا يستحبّ أن يزاد في تعقيب الصبح، ح 9 و 11.

(3). سيأتي بعد أسطر، و في تحرير الأحكام، ج 2، ص 242 (الطبعة القديمة)؛ و كشف اللثام، ح 11، ص 24: «والمجنون الضاري كالسبع».

(4). في حديث رفع القلم المرويّ في قرب الإسناد، ج 1، ص 72؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 194؛ وسائل الشيعة، ج 28، ص 22، باب أنّه لاحدّ على مجنون ولاصبيّ ولانائم، ح 1، 2.

(5). في مثنوى معنوى، الدفتر الأوّل، الرقم 77.

اى مرا تو مصطفى من چون عمر* * * از براى خدمتت بندم كمر

102

وقد روى عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه في كتاب قرب الإسناد بإسناده عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبي هاشم الجعفري، قال: سئل أبو محمّد العسكري (عليه السلام) عن المجنون، فقال: «إن كان مؤذياً فهو في حكم السباع، وإلّا ففي حكم الأنعام». (1)

ولمّا كان نبيّنا (صلى الله عليه و آله) أفضل الأنبياء والمرسلين وكذا أوصياؤه، وكان دينه (صلى الله عليه و آله) خير الأديان، وكتابه أعظم الكتب الإلهية قدراً ومنزلةً. وكان من عادة اللَّه التي لا تتبدّل، وسنّته التي لا تتحوّل اختبار عباده في الدّين في زمن كلّ حجّة معصوم من الأنبياء والوصيّين بطرق عجيبة من الاختبار، وفنون غريبة من الامتحان، كامتحان قوم نوح بتكلّم سُواع وغيره من أصنامهم.

وامتحان بني إسرائيل بُرْهةً بفرعون وطول عمره وعلوّ سلطنته، وتزايد دولته بتوافر اعتدائه وطغيانه، وموافقة أكثر مطالبه الدنيويّة لأمانيّه وأهوائه النفسانيّة، واخرى بالسامري وعِجْله كفرعون آل محمّد (صلى الله عليه و آله) وصاحبه.

وامتحان قريش تارةً بنطق‏ (2) صنمَيْهم: هبل وصنم من الذهب، واخرى بتفوّق صنميهم حَبْتَر ودُلام‏ (3) من العرب.

كان‏ (4) الامتحان في دينه (صلى الله عليه و آله) أعظم الامتحانات في سائر الأديان في أيّ دين.

ارتدّ يوم قبض بنبيّه جميع الامّة إلّاقليلًا منهم، وقد نزلت في ذلك قوله تعالى في سورة السبأ «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (5).

سُئِلَ الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: «إلّا سلمان، وأبا ذرّ، والمقداد». فقيل له: وأين‏

____________

(1). حديقة الشيعة، ص 578؛ مستدرك الوسائل، ج 13، ص 241، باب اشتراط البلوغ والعقل والرشد في جواز البيع والشراء، ح 6.

(2). في «ب» و «ج»: بتنطّق.

(3). في بحار الأنوار، ج 24، ص 73: «حبتر ودلام: كناية عنهما». أي الأوّل والثاني.

(4). جواب «لمّا».

(5). سبأ (34): 20.

103

عمّار؟ فقال (عليه السلام): «جاض جيضةً (1) ثمّ رجع». (2)

فلمّا تفرّقت الامّة بكدّ كيد الشيطان وغوايته- بعد رجوع جماعة عن الارتداد بتوفيق اللَّه وهدايته- على بضع وسبعين فرقة إحداها ناجية والباقية باغية هالكة، فأخذ الشيطان في التفكّر لأجل الناجية مع علمه بِبُعد تهوّدهم أو تنصّرهم مثلًا بوساوسه وخدعه، وأنّ العاصي منهم له قبول التوبة ولو عند المُعَاينة، وأنّ الزيارات لهم والشفاعات مَآلهم، والولاية حالهم، والنجاة مآلهم، وأنّ محبّة عليّ بن أبي طالب حسنة لا تضرّ معها سيّئة (3)، فانتهى فكر إبليس اللّعين لأجلهم بذلك الفكر العميق في أواخر ذلك العمر الطويل إلى وضع طريقة التصوّف ممزوجةً من فنون الكفر والإلحاد، وشعوب الضلال والفساد، محفوفة في بدوها بطائفة من مكارم الأخلاق والأعمال، ومحاسن الأقوال والأعمال، مكشوفةً في عودها عن ترك العبادة، والتظاهر بالكفر والارتداد، والتجاهر بالزندقة والإلحاد، ودعوى الفرعونيّة كالنمرود والشدّاد.

وفيهم قال الصدوق (رحمه الله) في كتاب الاعتقادات: تَدَيّن الصوفيةُ بترك الصلاة وجميع الفرائض. (4)

وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): الصوفيّة دينهم ترك الفرائض والمستحبّات، وارتكاب المناهي والمحرّمات. (5)

واستشهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليه) في الصلاة.

____________

(1). في «الف»: «جاص جيصة» بالصاد المهملة.

(2). رجال الكشّي، ص 11، ح 24؛ وعنه في البحار، ج 24، ص 165، ذيل الحديث 9. وفيهما عن أبي جعفر.

(3). إشارة إلى الحديث المرويّ في المناقب، ج 3، ص 197؛ كشف اليقين، ص 225؛ ولفظ الحديث على ما في‏المناقب: «حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لاتضرّ معهما سيّئة، بغضه سيّئة لاتنفع معها حسنة». ومن المعلوم أنّ هذا الحبّ ليس حبّاً عاديّاً؛ لأنّه لايستدعي عدم إضرار المعصية معه. قال الشيهد الثاني في رسالة العدالة، ص 227: «على تقدير صحّة الخبر مفتقر إلى التأويل، وأقرب التأويلات حمله على المحبّة الحقيقيّة الكاملة».

(4). الاعتقادات، ص 101. وفيه: «وعلامة الحلاجية من الغلاة دعوى التجلّي بالعبادة مع تديّنهم بترك الصلاة وجميع الفرائض».

(5). لم نجد مأخذاً له.

104

وفي الحديث عن الصادقين (عليهم السلام): أنّ للمعرفة أركاناً أربعة: معرفة العبد ربّه عزّ وجلّ على ما عرّف به نفسه، وأخبر به حججه المعصومون.

ومعرفة العبد نفسه يكفيه- بعد علمه بتصاريف حالاته وكمال نقصه بعجزه وحاجاته- إيماءً ما إلى قطرة من البحار، وأثر من الآثار توجد بصنعه تعالى في المضغة بعد النطقة والعلقة نِقاطُ سودٍ صغارٍ غاية الصغر بحيث لا يدركها إلّاإمعان النظر، اثنتان منها تصير عينيك بطبقاتهما وأجفانهما وأشعارهما، ومائهما المالح لبقائهما وصلاحهما، ونورهما السيّار في مقدار نصف الأبصار عن الناظر إلى فلك البروج.

واخراوان منها تصير اذنيك بصماخهما وشكلهما، ومائهما المرّ صوناً من اختلالهما بالهوامّ، وسامعتهما التي يدرك الصوت المخلوق بحركة الشفتين أو اللّسان أيضاً في الهواء المجاور للحلق أوّلًا، ثمّ في مجاري أمواج الهواء إلى الصماخ مسلسلًا على هيئات الحروف على أنحاء شتّى لا تحصى.

وكذلك سائر النِقاط التي تصير بقدرته تعالى: فوك، ولسانك، وأسنانك، وأنفك، وسائر جوارحك من قَرْنك إلى قدمك، ظواهرك وبواطنك.

ومعرفة العبد أنّ خالقه لماذا (1) خلقه ليعرفه فيعبده‏ (2) بطاعة من افترض طاعته، ومعرفة العبد عدوّ دينه ورئيس أعداء الدِّين إبليس اللّعين، هو وأبالسته عدوّ مبين غير مبين، يجيئون للتسلّط بالوسوسة من الجوانب الستّة ولا يتراءون، وقد يتمثّلون بأشكالٍ مختلفة.

وقصّة الشيخ النجدي الذي أحكم آراء الكفّار في بدر، ثمّ أحكم البيعة أوّلًا مع الأوّل معروفة (3).

____________

(1). في «الف»: «إذا».

(2). في «ج»: «ويعبده».

(3). في الإرشاد، ج 1، ص 349- 350: «أجمع ... أهل القبلة من ظهور إبليس لأهل دارالندوة في صورة شيخ من أهل نجد، واجتماعه معهم في الرأي على المكر برسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وظهوره يوم بدر للمشركين في صورة سراقة بن جعشم المدلجي». وراجع: تفسير القمّي، ج 1، ص 272، ذيل الآية 30 من سورة الأنفال؛ بحار الأنوار، ج 19، ص 47، ح 8.

105

فلمّا ابتدع طريقة القدريّة ليسهل له التصرّف بوساوسه المهلكة (1) أهل الفضل والعلم فضلًا عن الرساتيق وعوام الناس. وكان اللّعين عالماً بأنّ الصحبة أنفذ تأثيراً لمكائده، والخلطة أكثر تدبيراً للوقوع في مصائده، فسعى وبالغ في مخالطة الشيعة مع رئيس من رؤساء القدريّة بعد تعليمه وتزيينه ظاهره بسمة الصلاح، ودمعة العين وصفرة اللّون، وكثرة الفكر، ودوام الذِّكر، وقلّة النوم، وعزلة القوم. فطوبى لمَن عرف عدوّ دينه، وحذر من مصاحبته المهلكة، وقطع عن مجالسته المردية. (2)

وفي الحديث بعدّة طرق عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال ذات ليلة في بعض أسفاره لأبي ذرّ الغفاري: «يا أبا ذرّ، يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرون الفضل لهم بذلك على غيرهم، اولئك يلعنهم ملائكة السماء والأرض». (3)

وكان من مشاهير رؤسائهم وطواغيتهم الحسن البصري، وذمّه ولعنه صريح من المعصومين في مواضع من الكافي وغيره من كتب الأحاديث. (4)

وكذا السفيان الثوري، وأبو يزيد البسطامي كان في الظاهر مالكيّاً وفي الباطن فرعونيّاً. والمشهور في العامّة أنّه خدم جعفر بن محمّد (عليه السلام) وكان سقّاءً لبابه.

وذكر أبو المعالي محمّد بن نعمة اللَّه بن عبيداللَّه بن عليّ بن الحسن بن الحسين بن جعفر بن عبيداللَّه بن الحسين الأصغر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليهم) في كتاب بيان الأديان، والشيخ المفيد في الحدائق، والسيّد المرتضى الرازي في الفصول التامّة، ومولانا أحمد الأردبيلي في حديقة الشيعة:

أنّ ذاك الزنديق الملعون كان في زمن أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، ولزم أيّاماً باب جعفر

____________

(1). في «ب» و «ج»:+/ «في».

(2). في «ب»: «المؤذية».

(3). الأمالي للطوسي، ص 539، المجلس 19، ح 1162؛ بحار الأنوار، ج 74، ص 91، ح 3.

(4). الكافي، ج 1، ص 51، باب النوادر من كتاب فضل العلم، ح 15؛ و ج 2، ص 223، باب الكتمان، ح 5؛ و ج 4، ص 197، باب ابتلاء الخلق و ...، ح 1؛ و ج 5، ص 114، باب الصناعات، ح 1؛ الفقيه، ج 3، ص 159، ح 3583؛ التهذيب، ج 6، ص 363، ح 1040.

106

الكذّاب، وكان من كلمات كفره وزندقته: ليس في جبّتي سوى اللَّه، وسبحاني ما أعظم شأني، ورأيت اللَّه في المنام واليقظة، ورأيت اللَّه في صورة شيخ هرم. (1)

والزنديق لم يشعر بأنّ العدوّ المبين الغير المبين قد يظهر بالصور والأشكال للإغواء والإضلال.

وكان ذو النون المصري من تلامذة مالك وعاملًا في الفروع بمذهبه.

والحسين بن منصور الحلّاج الشهير بالمنصور الحلّاج من تلامذة الشافعي وعاملًا في الفروع بمذهبه، وقد خرج التوقيع في ذمّه ولعنه، وكان في الآمرين بقتله أبو القاسم الحسين بن روح من سفراء صاحب الزمان (صلوات اللَّه عليه). (2)

وروى ثقة الإسلام في كتاب العقل في باب البدع والرأي والمقاييس بإسناده في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): إنّ عند كلّ بدعة يكون من بعدي يُكاد بها الإيمان وليّاً من أهل بيتي موكّلًا به يذبّ عنه، ينطق بإلهامٍ من اللَّه، ويعلن الحقّ، وينوّره، ويردّ كيد الكائدين، يعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اولي الأبصار، وتوكّلوا على اللَّه». (3)

قوله (صلى الله عليه و آله): «يعبّر عن الضعفاء» أي في دفع الشُبَه والإشكالات.

قال الفاضل الاسترآبادي: أي يفصح، والمراد دفع الإشكال عنهم.

والأحاديث من طرق الإماميّة في مذمّة الصوفيّة القدريّة ولعنهم وطعنهم كثيرة، أوردنا نبذاً منها في جملة مقدّمات الكتاب لهدايا اولي الألباب.

وروى الشيخ المفيد (رحمه الله) بإسناده عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) قال: كنت مع الهادي عليّ بن محمّد (عليهما السلام) في مسجد النبيّ (صلى الله عليه و آله) فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان رجلًا بليغاً، وكانت له منزلة عظيمة

____________

(1). حديقة الشيعة، ص 561.

(2). حديقة الشيعة، ص 561.

(3). الكافي، ج 1، ص 54، باب البدع والرأي والمقاييس، ح 5.

107

عنده (عليه السلام)، ثمّ دخل المسجد جماعة من الصوفيّة وجلسوا في جانبه مستديراً، وأخذوا بالتهليل، فقال (عليه السلام): «لا تلتفتوا بهؤلاء الخدّاعين؛ فإنّهم خلفاء الشياطين، ومخرّبوا قواعد الدِّين، يتزهّدون لإزاحة الأجسام، ويتهجّدون لتصيّد الأنعام، يتجوّعون عُمراً حتّى تدبّخوا للإكاف حُمُراً، لا يهلّلون إلّالغرور الناس، ولا يقلّلون الغذاء إلّالِمَلأ العِساس واختلاس قلب الدِفناس‏ (1)، يُكلّمون بأمليلائهم‏ (2) في الحبّ، ويطرحونهم بأدليلائهم‏ (3) في الجبّ، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية، فلا يتبعهم إلّاالسفهاء ولا يعتقدهم إلّاالحمقاء، فمَن ذهب إلى زيارة أحدٍ منهم حيّاً أو ميّتاً فكأنّما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومَن أعان أحداً منهم فكأنّما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان». فقال رجل من أصحابه: وإن كان معترفاً بحقوقكم؟ قال: فنظر إليه شبه المُغضب وقال: «دع ذا عنك، مَن اعترف بحقوقنا لم يذهب إلى عقوقنا، أما تدري أنّ أخسّ الطوائف الصوفيّة والصوفيّة كلّهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا؟! وإن هم إلّانصارى‏ (4) ومجوس هذه الامّة، اولئك يجهدون في إطفاء نور اللَّه واللَّه متمّ نوره ولو كره الكافرون».

قوله (عليه السلام): «لإزاحة الأجسام» بالزاي والمهملة بعد الألف؛ أي إزالتها بإذابتها بالرياضات المخترعة لتغريرهم الناس باصفرار الألوان وهزال الأبدان. «حتّى تُدَبّخوا» بالمفردة والحاء المهملة والمعجمة معاً على المعلوم من التفعيل، دَبّخ الرجل تدبيخاً- بالخاء والحاء جميعاً-: قبّب ظهره وطأطأ رأسه‏ (5)، ودبّخه غيره كذلك، يتعدّى ولا يتعدّى.

و «الإكاف» بالكسر وتخفيف الكاف للحمار، كالوِكاف، أكفتهُ وأوكفته: شددتُ عليه الإكاف‏ (6).

____________

(1). «الدِفناس»: الأحمق. وقيل: الأحمق البذيّ. لسان العرب، ج 6، ص 85 (دفنس).

(2). كذا في جميع النسخ، وفي المصدر: «بإملائهم».

(3). كذا في جميع النسخ، وفي المصدر: «بإذلالهم».

(4). حديقة الشيعة، ص 602- 603.

(5). لسان العرب، ج 2، ص 14 (دبخ).

(6). لسان العرب، ج 9، ص 8 (أكف).

108

و «المَلأ» بالفتح والهمز كالمنع: مصدر ملأ الإناء فامتلأ و «العِساس» كنصاب: جمع العُسّ- بضمّ المهملة الاولى وتشديد الثانية: القدح العظيم‏ (1).

و «الاختلاس»: الأخذ الشديد والانتزاع.

و «الدّفناس» بكسر الدال المهملة وسكون الفاء والنون: الأحمق، كذا الدفنس كزبرج.

و «الامليلاء»: افعيعال للمبالغة في طلاقة اللِّسان وحسن الكلام، من الإملاء أمليت الكتاب، وأمللته بمعنىً.

و «الادليلاء»: أيضاً افعيعال للمبالغة من دلّاه بغرور. قال الجوهري: ادلولى: أسرع، ودلّاه بغرور: أوقعه فيما أراد من تغريره، وهو من إدلاء الدلو (2). انتهي. أي إرساله إلى «الجبّ»- بضمّ الجيم- أي البئر.

و «التصدية»: التصفيق، وفي التنزيل: «وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً» (3).

و «المُكاء»- بالضمّ والمدّ-: الصفير.

قيل لي: فما بال الصوفي المتشرّع؟ قلت: لا يُقال ملحد صالح.

وفي الحديث بإسناد الشيخ المفيد (رحمه الله) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «لا يقول بالتصوّف أحد إلّالخدعة، أو ضلالة، أو حماقة. وأمّا من سمّى نفسه صوفيّاً للتقيّة فلا إثم عليه». (4)

وفي رواية اخرى: «فلا إثم عليه، وعلامته أن يكتفي بالتسمية ولا يقول بشي‏ءٍ من عقائدهم الباطلة، لعنهم اللَّه». (5)

____________

(1). كتاب العين، ج 1، ص 75 (عس).

(2). الصحاح، ج 6، ص 2339 (دلو).

(3). الأنفال (8): 35.

(4). حديقة الشيعة، ص 605.

(5). حديقة الشيعة، ص 605.

109

المقدّمة الحادية عشر:

في فهرس أجزاء الهدايا، وأبوابه البيضاء على نسق كتب الكافي وأبوابه الغرّاء:

الجزء الأوّل: كتاب العقل.

الجزء الثاني: كتاب التوحيد.

الجزء الثالث: كتاب الحجّة.

الجزء الرابع: كتاب الإيمان والكفر.

الجزء الخامس: كتاب الدُّعاء.

الجزء السادس: كتاب فضل القرآن.

الجزء السابع: كتاب العشرة.

الجزء الثامن: كتاب الطهارة والحيض.

الجزء التاسع: كتاب الجنائز.

الجزء العاشر: كتاب الصلاة.

الجزء الحادي عشر: كتاب الزكاة.

الجزء الثاني عشر: كتاب الصيام.

الجزء الثالث عشر: كتاب الحجّ.

الجزء الرابع عشر: كتاب الجهاد.

الجزء الخامس عشر: كتاب المعيشة.

الجزء السادس عشر: كتاب النكاح والعقيقة.

الجزء السابع عشر: كتاب الطلاق.

الجزء الثامن عشر: كتاب العتق والتدبير والكتابة.

الجزء التاسع عشر: كتاب الصيد والذبائح.

الجزء العشرون: كتاب الأطعمة والأشربة.

الجزء الحادي والعشرون: كتاب الزيّ والتجمّل والمروّة.

110

الجزء الثاني والعشرون: كتاب الدواجن.

الجزء الثالث والعشرون: كتاب الوصايا.

الجزء الرابع والعشرون: كتاب المواريث.

الجزء الخامس والعشرون: كتاب الحدود.

الجزء السادس والعشرون: كتاب الديات.

الجزء السابع والعشرون: كتاب الشهادات.

الجزء الثامن والعشرون: كتاب القضايا والأحكام.

الجزء التاسع والعشرون: كتاب الأيمان والنذور والكفّارات.

الجزء الثلاثون: كتاب الروضة.

111

خطبة الكافي‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

المقدّمة الثانية عشر في بيان خطبة الكافي بما يتيسّر، وهداياه اثنا عشر:

قال ثقة الإسلام طاب ثراه في خطبة الكافي:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ لِنِعْمَتِهِ، الْمَعْبُودِ لِقُدْرَتِهِ، الْمُطَاعِ لِسُلْطَانِهِ‏ (1)، الْمَرْهُوبِ لِجَلَالِهِ، الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ فِيمَا عِنْدَهُ، النَّافِذِ أَمْرُهُ فِي جَميعِ خَلْقِهِ؛ عَلَا فَاسْتَعْلى‏، ودَنَا فَتَعَالى‏، وَارْتَفَعَ فَوْقَ كُلِّ مَنْظَرٍ؛ الَّذي لَابَدْءَ لِأَوَّلِيَّتِهِ، وَلَاغَايَةَ لِأَزَلِيَّتِهِ، القَائِمُ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ، وَالدَّائِمُ الَّذِي بِهِ قِوَامُهَا، وَالْقَاهِرُ الَّذِي لَايَؤُودُهُ حِفْظُهَا، وَالْقَادِرُ الَّذِي بِعَظَمَتِهِ تَفَرَّدَ بِالْمَلَكُوتِ، وَبِقُدْرَتِهِ تَوَحَّدَ بِالْجَبَرُوتِ، وَبِحِكْمَتِهِ أَظْهَرَ حُجَجَهُ عَلى‏ خَلْقِهِ.

الهديّة الاولى‏

اسوته طاب ثراه بنسق القرآن المجيد في التعبير عن أعظم نِعم اللَّه العزيز الحميد؛ حيث عبّر- كما في القرآن- عن التشيّع بالنعمة، وهو أعظم نِعَم اللَّه؛ ولا نجاة، ولا تقرّب، ولا نعيم الجنّة، ولا نعمة خلودها إلّابه، قال اللَّه تبارك وتعالى في الفاتحة:

«صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» (2)، وفي المائدة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» (3)، وفي الضحى: «وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (4)، وفي التكاثر: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «في سلطانه».

(2). الفاتحة (2): 7. راجع: معاني الأخبار، ص 32، باب معنى الصراط؛ شواهد التنزيل، ج 1، ص 85، ح 105.

(3). المائدة (5): 3.

(4). الضحي (93): 11. راجع: المناقب، ج 3، ص 100؛ وعنه في البحار، ج 35، ص 425.

112

النَّعِيمِ» (1)، وفي النحل: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها» (2)، وفي الحجرات: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ* فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (3) وأمثالها في الآيات كثيرة. قد عبّر تبارك وتعالى في هذه الآية عن الأئمّة الاثني عشر (صلوات اللَّه عليهم) بالإيمان بدليل «اولئك» ولا مشار إليه لها فيها سواها؛ إشارةً إلى أنّهم (عليهم السلام) من نور واحدٍ، وأنّهم شخص الإيمان.

وعن الأوّل بالكفر، (4) ونسق القرآن كذلك، وقد نزلت فيه: «قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» (5)، وكانت مدّة طغيانه سنتين.

وفي المائدة: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» (6)، ثمّ: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (7)، ثمّ: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» (8).

وعن الثاني بالفسوق، والفسق لغةً الظلم، والفسوق مصدر وجمع، فإفراده للتناظر وطرفيه على الإفراد، وجمعيّته للإشارة على كثرة ظلمه، وأنّه مصدر كلّ ظلم.

وعن الثالث بالعصيان، وهو مشهور في المخالفين أيضاً بذلك كشهرة شيخيهم بالاعتبار.

____________

(1). التكاثر (102): 8. راجع: الكافي، ج 6، ص 281، باب آخر في التقدير و ...، ح 5؛ الأمالي للطوسي المجلس 10، ح 48؛ المناقب، ج 2، ص 153.

(2). النحل (16): 83.

(3). الحجرات (49): 7 و 8.

(4). راجع: الكافي، ج 1، ص 426، باب فيه نكت ونتف ...، ح 71؛ المناقب، ج 3، ص 94؛ تفسير القمّي، ج 2، ص 319.

(5). الزمر (39): 8. راجع: الكافي، ج 8، ص 204، ح 246.

(6). المائدة (5): 44.

(7). المائدة (5): 45.

(8). المائدة (5): 47.

113

ولمّا علم اللَّه تعالى أنّهم بعد انقراض زمان خلفائهم يلقّبونهم بالخلفاء الراشدين أنزل اللَّه تعالى‏ «أُولئِكَ هُمُ‏ (1) الرَّاشِدُونَ» يعني الذين عبّر عنهم بالإيمان، لا الذين عبّر عنهم بالكفر والفسوق والعصيان.

وأشار- طاب ثراه- بإضافة النِّعمة إلى أنّ الهداية والتوفيق الإيمان من اللَّه سبحانه كما سيبيّن في بابه، وهو آخر أبواب كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى.

(المعبود لقدرته). ردّ على القائلين بالإيجاب كزنادقة الفلاسفة والذين يلزمهم القول به كالصوفيّة القَدَريّة لعنهم اللَّه.

(المطاع لسلطانه) أي لجميع ما سواه فدلالة على قدم ربوبيّته، ووحدانيّة أزليّته، وعموم سلطنته؛ ردّاً على القائلين بتعدّد القديم كالأشاعرة، وهم زعموا قيام الصفات الحقيقيّة بأنفسها زائدة على الذات، وعلى المفوّضة من المعتزلة حيث توهّموا استقلال العبد في القدرة على الفعل والترك. وسيبيّن الحقّ وبطلانهم في الأواخر من أبواب كتاب التوحيد كتاب الخير والشرّ، وباب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، وباب الاستطاعة إن شاء اللَّه.

وفي بعض النسخ: «في سلطانه» بمعنىً. (2)

(المرهوب لجلاله المرغوب إليه فيما عنده) دلالةً على ما دلّت عليه الفقرتان السابقتان عليها من وجههما ووجه آخر؛ إذ لا رهبة وخوف للجميع، ولذا لا رغبة ورجاء إلّامن السلطان القادر القاهر القديم ربوبيّته، الوحيد أزليّته؛ وإشارةً إلى أنّ الخائف الراجي من اللَّه تعالى إنّما جزاؤه الجزاء الأوفى.

وفي بعض النسخ: «بجلاله» بالمفردة بمعنىً. (3)

(النافذ أمره في جميع خلقه) دلالة على مادلّت عليه الفقرات الثلاث من وجهها ووجهٍ آخر على ما لايخفى بيانه من بيانها.

____________

(1). في «الف»:-/ «هم».

(2). في «ب» و «ج»:-/ «بمعنى».

(3). في «ب» و «ج»:-/ «بمعنى».

114

(علا): كان ذا المجد والعُلى قبل خلقه‏ (1) الأشياء. (فاستعلى) فشاء إظهار المجد والعُلى، فخلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه.

وفي الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفيّاً أحببت أن اعرف، فخلقت الخلق ليعرفون». وفي رواية: «ليعبدون». وفي اخرى: «كي أعرف». (2)

(دنا)؛ لإحاطته بالجميع، (فتعالى) لكون إحاطته بالجميع كإحاطته بالجميع، جميع المكانيّات والزمانيّات والعقليّات والوهميّات، فَدَهَش‏ (3) كلّ واحد من المجموع في تعاليه- تعالى شأنه- كدَهْش المجموع من حيث المجموع. فنِعم ما عَطَف:

(وارتفع فوق كلّ منظر) على «تعالى»، يعني جميع المناظر: حسيّها ووهميّها وعقليّها.

(الذي لا بدء لأوليّته)؛ لوحدانيّة قدمه.

(ولا غاية لأزليّته)؛ للعينيّة بين أزليّة أوّليّته وديموميّة آخريّته.

(القائم) بذاته (قبل) خلقه (الأشياء، والدائم) الربوبيّة الذي بتدبيره‏ (4) قوام الأرض والسماء وما بينهما وما تحت الثرى.

(والقاهر الذي لا يؤده حفظها) أي المسخّر القويّ الذي لا يَتَكَأّده ولا يثقله حفظها عرشه وحلمته وما أحاطا به‏ (5) وكرسيّه وحَفَظَته، وما أطافا عليه‏ «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ‏

____________

(1). في «الف»: «خلقه».

(2). هذا الحديث مشهور على الألسنة وفي كتب العرفاء والصوفيّة، ولكن لم يثبت عند المحدّثين ولا أصل له وإن كان معناه صحيح ظاهراً. راجع: بحارالأنوار، ج 84، ص 199، باب كيفية صلاة الليل، ذيل الحديث 6؛ مفاتيح الغيب لفخرالدين الرازي، ج 28، ص 194 ذيل الآية: 56 من سورة الذاريات (51). ولفظ الحديث على ما في تعليقة تفسير المحيط الأعظم ...، ج 1، ص 324 هكذا: «قال داود (عليه السلام): يا ربّ، لما ذا خلقت الخلق؟ قال: كنتُ كنزاً مخفيّاً، فأحببت أن اعرف، فخلقتُ الخلق لكي اعرف».

(3). «الدَهَش»: ذهاب العقل من الذَهَل والوَلَه، وقيل: من الفزع ونحوه. لسان العرب، ج 6، ص 303 (دهش).

(4). في «الف»: «تدبيره».

(5). في «الف»:-/ «وما أحاطا به».

115

وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ». (1)

(القادر الذي بعظمته تفرّد بالملكوت، وبقدرته توحّد بالجبروت) دلالةً على وحدانيّة قدرته وفردانيّة عظمة سلطنته وقدرة جبّاريّته، فكما أنّ توحّده بالعظمة دليل تفرّده بالسلطنة، كذلك تفرّده بالقدرة دليل توحّده بالجبّاريّة، فمعنى ثنائه تبارك وتعالى بقولنا: له وحدانيّة الشيئيّة أنّه ليس كمثله شي‏ء، فشيئيّته خاصّة؛ وله فردانيّة القدرة أنّه على كلّ شي‏ءٍ قدير، فقدرته قدرته.

ومعنى قوله (عليه السلام) في الصحيفة الكاملة السجّادية: «لك وَحْدانيّةُ العدد، ومَلَكَة القدرةِ الصَّمَد» (2) أنّ وحدانيّة وحدته خاصّة. ووجه التعبير عن الوحدة بالعدد ظاهر.

أو المعنى أنّ وحدانيّته تعالى بحسب العدد؛ يعني باعتبار (شماره).

وما «مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ» (3) ليس من قبيل الوحدة العدديّة، كيف؟! وهذه يلزمها الاثنينيّة، وتلك قبل الأعداد والمعدودات ومحيطة بما أوجد منها مع العينيّة بين أوّليّته قبل كلّ أوّل وآخريّته بعد كلّ آخر؛ لتوحّده بالقدم والأزليّة، وتفرّده بالبقاء والديموميّة.

(وبحكمته أظهر حججه على خلقه) أي بعلم شرائعه، أو بأن عرّف لهم أوّلًا عظمة ربوبيّته وجلالة صانعيّته بشواهد الربوبيّة من الأرض والسماء وسائر عجائب الآثار وغرائب الصنائع بهذا (4) النظام والتقدير، وهذا النسق والتدبير؛ لتعمّ بفضله العظيم ولطفه العميم معرفته الفطريّة التي فطر الناس عليها- وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«الحمد للَّه‏ (5) المُلْهِم عبادَه حَمْدَه، وفاطِرهم على معرفة ربوبيّته». (6) وسيجي‏ء في‏

____________

(1). البقرة (2): 255.

(2). الصحيفة السجادية، ص 135، الدعاء 28.

(3). المجادلة (58): 7.

(4). في «الف»: «لهذا».

(5). في «الف»:- «الحمد للّه».

(6). الكافي، ج 1، ص 139، باب جوامع التوحيد، ح 5؛ و رواه الصدوق في التوحيد، ص 56، باب التوحيد و نفي التشبيه، ح 14 عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

116

الخامس في باب جوامع التوحيد في كتابه في التوحيد- لتحصل لهم بعدها المعرفة الدينيّة التي لا تحصل إلّابإرسال الرُّسل وإنزال الكتب؛ للقطع بأنّ الأعلم بهذا النظام هو مدبّره، فانحصر القطع بحقّيّة شي‏ء في إخباره، فتجب الواسطة؛ لامتناع الرؤية والمعاشرة بالملامسة ونحوها، فيقول الرسول إليهم للمعرفة الدينيّة الّتي هي معرفة خصوصيّات الربوبيّة كما عرّف اللَّه به نفسه بالآيات البيّنات وخصائص النبوّة والإمامة، كما ورد به الكتاب والسنّة ودلّت عليه المعجزات والدلالات: أنا رسول إليكم من الذي قطعتم بوجوده من شواهد ربوبيّته؛ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1)، فمن أقبل وقبل هُدي بتوفيق اللَّه، ومَن أدبر وأنكر ضلّ بخذلانه، واللَّه يهدي مَنْ يشاء ويضلّ من يشاء (2)، ولا جبر كما سيفصّل في الأواخر من أبواب كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى في مثل قوله تعالى في سورة الزخرف: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ»، (3) وفي آخرها: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (4) إشارةً إلى ما صحّ من أنّ أوّليّة شواهد الربوبيّة موجبات لحصول المعرفة الفطرية، وخواتيمها من الحجج المعصومين والكتب الإلهيّة شروط لحصول المعرفة الدينيّة.

وسمعت السيّد السند أمير حسن القائيني (رحمه الله) يقول:

مظنوني أيضاً كما ظنّ معظم الأصحاب أنّ خطبة الكافي لمكان شأن نظامه بهذه المكانة، ونظام شأنه بهذه المتانة والرزانة من منشآت الصاحب (عليه السلام)، وقد ثبت أنّ تأليف الكافي لجميع أحاديث الأئمّة (عليهم السلام) إنّما كان في الغيبة القُصْرى بالأمر المشافهي من صاحب الأمر (عليه السلام).

وقال برهان الفضلاء مولانا خليل اللَّه القزويني سلّمه اللَّه تعالى:

حقّ أنّ كتاب الكافي عمدة كتب أحاديث الأئمّة (عليهم السلام) ألّفه ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد

____________

(1). الأنفال (8): 42.

(2). اقتباس من الآية 93، سورة النحل (16)؛ والآية 8، سورة فاطر (35).

(3). الزخرف (43): 9.

(4). الزخرف (43): 87.

117

بن يعقوب بن إسحاق الرازي الكليني- طاب ثراه- في الغيبة الصغرى باحتياط تامّ في عرض عشرين عاماً، وكانت مدّة هذه الغيبة تسعاً وستّين سنة بناءً على أنّ مبدأها من مضيّ أبي محمّد (عليه السلام)، وأربعاً وسبعين سنة إذا كان مبدؤها من مولد الصاحب (عليه السلام).

وعاشر ثقة الإسلام أكثر سفرائه (عليه السلام) في بغداد وغيرها أكثر الأوقات، فامر مشافهة- كما هو المشهور- أو بتوسّط السفراء بجمع الأحاديث المخزونة لشدّة التقيّة وتأليف الكافي. فيقرب أن يكون المراد بالعالم في هذا الكتاب في كلّ حديث كان في عنوانه «وقد قال العالم (عليه السلام)» أو «في حديث آخر» الصاحب (عليه السلام) بلا واسطة، أو بواسطة السفراء، إلّا أن تكون قرينة صارفة. والمظنون أنّ الكافي شرّف بنظره‏ (1) (عليه السلام) وكان مضيّ ثقة الإسلام- طاب ثراه- سنة مضيّ الأخير من سفرائه (عليه السلام) أبي الحسن عليّ بن محمّد السمري رضى الله عنه، وهي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة هجريّة أو بعدها بسنة واحدة.

ثمّ قال برهان الفضلاء:

«المحمود» ونظائره إمّا بالجرّ على الوصف، أو الرفع بتقدير «هو» واللام في «لنعمته» ونظائرها للسببيّة. والسبب على قسمين؛ إمّا فائدة أو غيرها، والأوّل يسمّى بالعلّة الغائيّة، و «لنعمته» على الأوّل إشارة إلى أنّ الابتداء في سورة الفاتحة بالحمد بعد البسملة؛ لأنّه سبب لاستجابة الدعاء وطلب النِّعمة. ونعمته عبارة عن توفيقه للصراط المستقيم المطلوب في‏ «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» وهو الإيمان بولاية الأئمّة الاثني عشر (صلوات اللَّه عليهم) وحقّيّة طريق النبيّين (عليهم السلام)، والتبعيّة الحقّة منحصرة في طريقهم، في تبعيّة العلم في نفس أحكام اللَّه عزّ وجلّ إلى آخر العمر. وهذا هو المراد في الآيتين في سورة يونس، قال اللَّه تعالى: «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» (2)، وقال:

«أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (3).

واستقامته باعتبار أنّ الاختلاف والتعدّد لا يكون في تبعيّة العلم، بل هو ثابت راسخ‏

____________

(1). في «الف»: «بمنظره».

(2). يونس (10): 32.

(3). يونس (10): 35.

118

بخلاف تبعيّة الظنّ، نظيره أنّ الخطّ المستقيم بين النقطتين لا يكون إلّاواحداً بخلاف الخطّ المعوجّ، فظهر أنّ تبعيّة الظنّ في نفس أحكام اللَّه صراط المغضوب عليهم والضالّين، قال اللَّه تعالى في سورة يونس و سورة النجم: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (1).*

وفي قول المصنّف «المحمود لنعمته» إشارة إلى أنّ سورة الفاتحة أوّل براهين القاطعة القرآنيّة على حقّيّة مذهب الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، ووجوب وجود إمام معصوم مفترض الطاعة، عالم بجميع نفس أحكام اللَّه في كلّ زمان إلى انقراض الدنيا، وما أظهر أنّ الناس في كلّ زمان لابدَّ لهم من المُفتين والقُضاة فيما بينهم، وأنّ الإفتاء علماً، وكذا القضاء يمتنع في أكثر الامور والقضايا بدون ظهور ذلك الإمام، فلو أنّ المفتين والقضاة بالظنّ منعوا أنفسهم وكفّوا أيديهم عن الإفتاء والقضاء بالظنّ في زمن الغيبة، فإمّا أن تنقرض الدنيا أو يظهر الإمام (عليه السلام)، والدنيا لا تخرب قبل ظهور المهدي باتّفاق أهل الإسلام.

وقد روى البخاري في صحيحه في باب مناقب قريش بعدّة من الطرق عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «الأئمّة الحقّ بعدي إلى انقراض الدنيا اثنا عشر كلّهم من قريش». (2)

فإن قيل: فيلزم أن لا يكون العمل بظاهر القرآن والخبر الواحد المستجمع للشرائط جائزاً في زمن غيبة الإمام أيضاً؛ لأنّهما لا يفيدان ما خلا الظنّ.

قلنا: جواز العمل بهما ليس مستلزماً لجواز العمل بالظنّ في نفس أحكام اللَّه سبحانه؛ إذ الممنوع الإفتاء والقضاء بمضمونهما، لا محض عمل كلّ أحد لنفسه بمضمونهما، سواء حصل الظنّ بمضمونهما أو لا، كما هو مذهب الأخباريّين من أصحابنا (رضوان اللَّه عليهم)؛ وذلك لأنّ هذا العمل استناده إنّما على دليل قطعيّ على جوازه، نظيره حكم القاضي بشهادة العدلين، سواء كان المشهود به مظنوناً أو لا. وشيخ الطائفة أبو جعفر

____________

(1). يونس (10): 36، النجم (53): 28.

(2). لم أجد لفظ الحديث كما في المتن في المجاميع الحديثيّة العامّة والخاصّة، ولفظ الحديث في صحيح البخاري، ج 6، ص 2640، ح 6796 هكذا: «سمعت جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه و آله) يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش». وللمزيد راجع: صحيح مسلم، ج 3، ص 1452- 1453، ح 1821- 1822.

119

محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ، قال في كتاب عدّة الاصول في فصل ذكر خبر الواحد وجملة من القول في أحكامه: «وليس من عمل بخبر الواحد يضيف إليه أنّ اللَّه تعالى قد قال ما تضمّنه الخبر، وذلك معلوم عنده بدليل دلّ عليه» (1). انتهى.

وهذا لا ينافي جواز تبعيّة الظنّ في الجملة في غير نفس أحكام اللَّه تعالى، كثبوت عدالة الشاهدين، وتعيين القبلة في مكان معيّن، وتعيين مقادير الجنايات وقيم المتلفات، ونحو ذلك ممّا لا يكون التنازع فيه مستمرّاً في الأزمنة بعده، وأمثال المذكورات تسمّى بمحالّ أحكام اللَّه.

وما ذكرنا يوافق قوله تعالى في سورة الحجرات: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» (2) بناءً على أن يكون كلّ من كثير الظنّ وبعضه في هذه الآية عبارة عن المذكور في آية سورة يونس وسورة النجم‏ (3)، وقد مرّ ذكرهما.

أقول: كما لا شكّ في ثبوت الرخصة عنهم (عليهم السلام) لا سيّما في زمن الغيبة في العمل بالظنّ للإماميّ المستجمع لشرائط الإفتاء والقضاء، إمّا مطلقاً كما عليه معظم الأصحاب بل جميع متأخّريهم، ما عدا قليل منهم كالفاضل مولانا محمّد أمين الاسترآبادي نزيل مكّة ثمّ المدينة، صاحب [ال] فوائد المدنيّة (رحمه الله)، وبرهان الفضلاء سلّمه اللَّه؛ أو في الجملة بالاتّفاق؛ للاتّفاق على أنّ ظنّية الطريق- كما في الخبر الواحد المقرون بشرائط الصحّة- لا تنافي قطعيّة الحكم، لا شكّ‏ (4) أنّ وقت ظهور الصاحب (عليه السلام) من المقدّرات المحتومة لا بداء فيه، إذا جاءهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون، وأنّ المفتين والقضاة لا يتّفقون قطّ على منع أنفسهم من الإفتاء وكفّ أيديهم من القضاء، وأنّ غير المستجمع شرائطهما (5) كقضاة العامّة ومفتيهم بالآراء والمقاييس مؤاخذون بهما كما بمذاهبهم،

____________

(1). عدّة الاصول، ج 1، ص 102.

(2). الحجرات (49): 12.

(3). يونس (10): 36؛ النجم (53): 28.

(4). عطف على قوله قبيل هذا: «كما لاشكّ».

(5). في «الف»: «لشرائطها».

120

فلم يبق كلام مثل الفاضلين مع سائر أصحابنا المتأخّرين إلّافي عموم الرخصة في العمل بالظنّ للإماميّ الموصوف وخصوصها.

وظاهر أنّ ظاهر أحاديث الرخصة كمنطوق لفظ الإفتاء والقضاء من أدلّة العموم، وهو ظاهر ثقة الإسلام في أواخر الخطبة كما سيفصّل في الهديّة الحادية عشرة.

ثمّ قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«المعبود لقدرته» ردّ على القائلين بالإيجاب المنكرين لقدرته تعالى، كزنادقة الفلاسفة ومن يقتفي أثرهم؛ حيث قالوا: ما يفعله ليس له أسباب تركه، وما لا يفعله ليس له أسباب فعله، فأنكروا كونه سبحانه مستحقّاً للعبادة، بل كونه مستحقّاً للحمد أيضاً.

و «الاستعلاء» إظهار العلوّ.

و «التعالي» كمال التنزّه عن أن يشكّ فيه، فإنكار الجاحدين بمجرّد اللسان والمكابرة.

و «الفاء» في الفقرتين للتعقيب. و «ارتفع» عطف على «تعالى‏» أو حاليّة بتقدير «قد».

و «المنظر» بفتح الميم مصدر ميميّ بمعنى الإبصار، إبصار الأبصار أو القلوب، (1) واسم مكان يطلق على العين والغرفة وكلّ مكان مرتفع. و «القوام» بالكسر: الوجود والبقاء، وقوام الخيمة عمادها. و «القوام» بالفتح: العدل.

و «القاهر» أي الغالب على‏ كلّ ما يريد.

«تفرّد بالملكوت» أي بسلطنة القدرة على شي‏ء بمحض نفوذ الإرادة من دون حركةٍ لاستعمال آلة وعضو، فردّ على اليهود والفلاسفة ومن تبعهم في القول بتجرّد العقول العشرة والنفوس الناطقة.

و «الجبروت» مبالغة في الجبر بمعنى أنّ كلّ ممكن باق محتاج في بقائه بقوّته وحفظه سبحانه.

و «بحكمته أظهر حججه على خلقه» أي الأنبياء والأوصياء، بمعنى أنّه لم يُظْهِرهم بحيث لا يكون لوسوسة الشيطان إلى حقّيتهم سبيل؛ ليفوز المؤالف فوزاً عظيماً، ولم‏

____________

(1). في «الف»: «والأبصار والقلوب».

121

يُخْفِهم بحيث يكون المخالف معذوراً بعدم إتمام الحجّة عليه.

أقول: أراد سلّمه اللَّه تعالى بقوله: «ومن يقتفي أثرهم» الصوفيّة والقدريّة لعنهم اللَّه، وهم يقولون بناءً على طريقتهم المبتنية في الأكثر على اصول زنادقة الفلاسفة: إنّه تعالى ليس مستحقّاً لجميع المحامد، بل لحمد إفاضة الوجود فقط.

قال بعض المعاصرين في كتابه في بيان الحديث الثاني في الباب الثامن والعشرين في كتاب التوحيد، وهو باب السعادة والشقاء:

ما قدّر اللَّه تعالى على الخلق الكفر والعصيان من نفسه بل باقتضاء أعيانهم وذواتهم، وطلبهم بألسنة استعداداتهم أن يجعلهم كافراً أو عاصياً، فما كانوا في علمه تعالى ظهروا به في وجوداتهم العينيّة، فليس للحقّ إلّاإفاضة الوجود عليهم والحكم لهم وعليهم، فلا يحمدوا إلّاأنفسهم، ولا يذمّوا إلّاأنفسهم، ولا يبقى للحقّ إلّاحمد إفاضة الوجود؛ لأنّ ذلك له لا لهم. (1) انتهى.

وفي توحيد الصدوق في باب القضاء والقدر بإسناده عن أبي عبداللَّه (عليه السلام): «إنّ القدريّة مجوس هذه الامّة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللَّه بعدله، فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»» (2).

وعن السيّد المرتضى علم الهدى وابن حمزة عن المفيد بإسناده المتّصل عن الهادي أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ أخسّ الطوائف الصوفيّة، والصوفيّة كلّهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلّانصارى ومجوس هذه الامّة، اولئك الذين يجهدون في إطفاء نور اللَّه، واللَّه يتمّ ولو كره الكافرون». (3)

وقال السيّد الأجلّ النائيني ميرزا رفيعا (رحمه الله) في شرح خطبة الكافي- وهو (قدس سره) من المائلين من متأخّري أصحابنا الإماميّة (رضوان اللَّه عليهم) إلى استقامة نَبْذٍ من اصول‏

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 530، ح 2433. بتفاوت.

(2). التوحيد، ص 382، باب القضاء والقدر و ...، ح 29. والآية في القمر (54): 48- 49.

(3). حديقة الشيعة، ص 602- 603؛ و رواه عن كتاب قرب الإسناد في إكليل المنهج، ص 129.

122

الفلاسفة، كتجرّد العقول والنفوس الناطقة؛ وتأويل نَبْذٍ اخر منها، كإيجاب الصانع، وقِدَم العالَم بالإيجاب الخاصّ والقدم الزماني ولن ترضى الفلاسفة فقط، وذلك لصرفهم من العمر مدّة في مطالعة كتبهم وتدريسها باقتضاء كثير من الطبائع في عصرهم ذلك-:

لمّا كان إنعامه تعالى باعثاً لأن يُحمد شكراً لما وقع، وقدرته على ما يشاء سبباً للتذلّل والعبوديّة له، أسند المحموديّة بالنعمة والمعبوديّة بالقدرة. ولعلّ المراد بكونه «مطاعاً في سلطانه» أنّ المبرم من قضائه وحكمه لا يتمكّن أحدٌ من مخالفته ونقضه؛ حيث اضمحلّ كلّ تمكّن وسلطنة في جنب سلطانه، فالمطلوب‏ (1) على طريق السلطنة لا يُقاوَم ولا يُعارضُ. وأمّا الأوامر والنواهي التي ربّما لا يطاع فيها فليست من هذا القبيل، ولذا قال: «المطاع في سلطانه» لا «المطاع في أوامره ونواهيه».

«المرهوب لجلاله» إمّا متعدّ بالحرف، والمعنى مرهوب منه، فحذفت أداة النفي المتعدّية في اللفظة، كما يقال: المصطلح ويراد المصطلح عليه؛ وإمّا متعدّياً بنفسه.

قال المطرّزي: رهبه: خافه، واللَّه مرهوب [ومنه‏] لبّيك‏ (2) مرهوب ومرغوب إليك.

و «الاستعلاء» استفعال من العلوّ بمعنى فعل.

وعن عبد القاهر: أنّ المعنى في لفظ «استفعل» يتغيّر قليلًا، وأنّ استقرّ واستعلى أقوى من قرّ وعلا.

فالتفريع في قوله: «فاستعلى» على تقدير المغايرة يصحّ على كونهما متعدّيين أو لازمين، وعلى كونه بمعنى فعل بلا مغايرة يبنى على كون أحدهما متعدّياً والآخر لازماً، والأخير أولى باللّزوم.

و «الملكوت» فعلوت من الملك، كالرّغبوت من الرغبة، والرهبوت من الرّهبة، والرّحموت من الرحمة، والجبروت من الجبر. وعالم الملكوت يُطلق على المجرّدات والمفارقات، كما أنّ عالم الملك يُطلق على الجسمانيّات والمقارنات. (3)

____________

(1). في المصدر: «فالمطاع».

(2). في النسخ: «إنّك» وما أثبتناه من المصدر، وهو الصحيح.

(3). الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيع النائيني، ص 31- 32.

123

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«علا» أي كان متفرّداً بالعلوّ الذي لا علوّ فوقه «فاستعلى» فأظهره بعجائب آثار الصنع وغرائب صنايع القدرة.

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

أي علا بالذات علوّاً مطلقاً لا إضافيّاً «فاستعلا» أي فاستحقّ العلوّ والعبودية على الإطلاق؛ من باب استحصد الزرع، أي استحقّ الحصاد. (1)

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

اخْتَرَعَ الْأَشْيَاءَ إِنْشَاءً، وَابْتَدَعَهَا ابْتِدَاءً بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، لَامِنْ شَيْ‏ءٍ؛ فَيَبْطُلَ الاخْتِرَاعُ، ولَالِعِلَّةٍ؛ فَلَا يَصِحَّ الْابْتِدَاعُ. خَلَقَ مَاشَاءَ كَيْفَ شَاءَ مُتَوَحِّداً بِذلِكَ؛ لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ، وَحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّتِهِ.

لَا تَضْبِطُهُ الْعُقُولُ، وَلَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ مِقْدَارٌ. عَجَزَتْ دُونَهُ الْعِبَارَةُ، وَكَلَّتْ دُونَهُ الْأَبْصَارُ، وضَلَّ فِيهِ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ.

احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ، وَاسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ، عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَوُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ، وَنُعِتَ بِغَيْرِ جِسْمٍ، لَاإِلهَ إلّا هو (2) الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. ضَلَّتِ الْأَوْهَامُ عَنْ بُلُوغِ كُنْهِهِ، وَذَهَلَتِ الْعُقُولُ أَنْ تَبْلُغَ غَايَةَ نِهَايَتِهِ، لَايَبْلُغُهُ حَدُّ وَهْمٍ، وَلَا يُدْرِكُهُ نَفَاذُ بَصَرٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

الهديّة الثانية:

(إنشاء) مفعول مطلق بغير لفظ فعله للتأكيد، أو للنوع وللإشارة إلى معنى فعله، يعني أنشأ وأوجد جميعها على أن يكون الألف واللّام للاستغراق، الاستغراقي الشامل‏

____________

(1). له حواش على الكافي، نقل عنه بعض الفضلاء والشارحين كالمصنّف في هذا الشرح والملّا خليل القزويني في شرحيه وغيرهما، لكن حواشيه على الكافي غير مطبوع و لم عثر على مخطوطة منه.

(2). في الكافي المطبوع: «إلّا اللَّه».

124

للأفرادي والمجموعي.

وكذا «ابتدأ» و «اخترع» دلالةً على بطلان قول التناسخيّة بقدم نوع العالم وعود أجزاء كلّ عالم بعد إتمام دوره إلى الوضع السابق بعينه، والصوفيّة القدريّة أيضاً لا يستقيم طريقتهم عندهم إلّابالقول بالتناسخ.

«والأشياء» دلالةً على بطلان مطلق من قال بقدم العالم كزنادقة الفلاسفة ومن تبعهم من الصوفيّة وأهل التناسخ وملاحدة اليهود لعنهم اللَّه.

وكذا «ابتدعها» بتأكيدها لسابقها بعد التأكيد بلفظة القدرة والحكمة؛ لدلالتهما على بطلان مطلق القائلين بالإيجاب والمثبتين للاقتضاء، وقد سمعت قول بعض المعاصرين آنفاً حيث أنكر حكمة الإيجاد وتدبير الصنع بنسبته التقادير والتدابير إلى استعدادات الماهيّات واقتضاء الطبائع، ونسبة إفاضة الوجود فقط إلى الربّ سبحانه.

وفقرة (لا من شي‏ء) كالتفسير للفقرة الاولى كتاليها للثانية.

و «الشي‏ء» عبارة عن الحقائق الثابتة قبل الوجود عند الزنادقة، والعلّة عند الاقتضاء، والطلب بألسنة الاستعدادات.

(خلق ما شاء كيف شاء) دلالة على ما دلّت عليه الفقرات السابقة؛ يعني كيف شاء بحكمته وتدبيره من كيفه وكمّه ووضعه وأينه وأجله وغير ذلك من أحوال الممكنات وأوصافها.

(متوحّداً بذلك) أي بجميع ذلك من دون حاجة إلى شي‏ء من المُعِين والمقتضي والواسطة والآلة وسبب قديم وموجب سهيم، فدالّة مع الدلالة على وحدانيّة وحدته وقدمه وقدرته على ما دلّ عليه ما سبق من الدلالات ومن البراهين القاطعة على بطلان مذاهب هؤلاء المذكورين، بل مذهب كلّ من ليس له مستند من قول الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه أنّ من له حجّة قاطعة له حجّة على من ليس له ذلك ولا عكس، فمذهب غير القائل بوجود المعصوم الذي لا شكّ لعصمته وامتيازه عن الجميع حسباً ونسباً في حقّيّة قوله وحقّيّة حجّيّته، إمّا قطعيّ البطلان كما عند أهل الحقّ، أو محتمله كما عند غيرنا، فليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ولا

125

حجّة للجاهل، وهذا قول الصادق (عليه السلام) لذلك الزنديق المذكور في الحديث الأوّل في كتاب التوحيد. (1)

ومن الحجج القاطعة على وجوب وجود حجّة معصوم عاقل عن اللَّه تعالى في مثل هذا النظام العظيم بهذا النسق القويم أنّ الأعلم بهذا قطعاً إنّما هو مدبّره، فانحصر القطع بحقّيّة شي‏ء فيه في إخباره فوجب الواسطة، ووجبت لوجوه شتّى عصمته وامتيازه عن الجميع في جميع المكارم والأخلاق كحسبيّة في الأحساب ونسبيّة في الأنساب.

والقادر على مثل الآثار العجيبة والصنايع الغريبة، قادر على خلق المعصوم لخلاص خلقه من ورطات الحيرة والضلالة بمنّ لطفه العميم وفضل وجوده المعلوم.

(لإظهار حكمته) أي لإظهار أشياء من آثار قدرته على كلّ شي‏ء، وتدبير صنعه المتقن؛ إقامةً لشواهد ربوبيّته.

إنّما قلنا: «الأشياء» لعدم تناهي الآثار.

والمراد ب «حقيقة الربوبيّة» خصوصيّاتها؛ لامتناع المعرفة بالكنه بالاتّفاق، يعني ولإظهار خصوصيّات ربوبيّته بإظهار حججه على خلقه، وإظهارهم إنّما هو لتعريفهم عن اللَّه تبارك وتعالى المعرفة الدينيّة، وقد عرفتها في الهديّة الاولى.

(لا تضبطه العقول) بالإحاطة (ولا تبلغه الأوهام) بالجدّ والسعي.

(و لا تدركه الأبصار) بالحدّة لا أبصار العيون، ولا عيون القلوب «ولا تدركه الأبصار» مفسّرة في الحديث- وسيجي‏ء في كتاب التوحيد في الباب التاسع باب إبطال الرؤية (2)- بأبصار القلوب والرؤية بحقيقة الإيمان، ليس دركها متعلّقاً بالكنه.

(ولا يحيط به مقدار) كيف!؟ وهو خالق المقادير ومقدّرها.

(عجزت دونه العبارة) أي دون وصفه وشأنه كما يليق بشأنه تعالى شأنه، وقد قال‏

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 72، باب حدوث العالم وإثبات المحدث، ح 1.

(2). الكافي، ج 1، ص 95، باب في إبطال الرؤية.

126

خاتم الأنبياء والمرسلين وسيّدهم صلّى اللَّه عليه وآله وعليهم أجمعين: «لا احصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». (1)

(وكلّت دونه الأبصار): دون دركه ومعرفته.

(وضلَّ فيه تصاريف الصفات) أي الصفات المتغيّرة بكونها زائدة.

(احتجب بغير حجاب محجوب) لها معان:

فعلى إضافة الحجاب إمّا المعنى: امتنعت رؤيته مع عدم حجاب شي‏ء محدود بالمحجوبيّة، أو: امتنعت بحجاب ذلك الامتناع لا بالحجاب الموصوف، أو: امتنعت بحجاب غير المحجوب بالحجاب، أو لا بحجاب يمكن أن يكون حجاباً لما يمكن أن يكون محجوباً.

وأمّا على التوصيف فالمعنى: احتجب بلا حجاب محدود، أو بحجاب غير محدود، أو غير مستور، وكذا الفقرة التالية.

و «الستر» بالكسر الحجاب، وبالفتح مصدر ستره كنصر.

(عرف بغير رؤية) بل بآثار القدرة والتدبير معرفة فطريّة، وبالحجج المعصومين (صلوات اللَّه عليهم) معرفة دينيّة.

(ووصف بغير صورة) لامتناع المحدوديّة.

(ونعت بغير جسم) لذلك؛ ولامتناع الحدوث.

في بعض النسخ: «لا إله إلّااللَّه الكبير المتعال» بلفظة الجلالة مكان «هو».

(ضلّت الأوهام عن بلوغ كنهه) وَهْمَ أيِّ فهمٍ كان، ودركُ أيّ عقلٍ كان.

و «الذّهول» مصدر باب منع: الغفلة والنسيان عن الشي‏ء باليأس منه.

في بعض النسخ: «عن أن تبلغ» بزيادة «عن» يعني كنه حقيقته.

____________

(1). مصباح الشريعة، ص 55، الباب 24؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 59، ذيل الخطبة 1؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 231، ح 4784.

127

(لا يبلغه حدّ وهم) أي قوّته وحِدَّته. و (نفاذ بصر) بالفتح في بعض النسخ.

(وهو السميع العليم).

قال برهان الفضلاء:

هذه العبارات ستنقل عن الرضا (عليه السلام) بتفاوت يسير في أوّلها في الثالث من الباب الحادي عشر في كتاب التوحيد (1).

و «الاختراع والإنشاء»: خلق الشي‏ء بلا مادّة قديمة.

و «الابتداع والابتداء»: فعل شي‏ء لم يفعل فاعله قبله فعلًا مثله.

«بقدرته» ناظر إلى «اخترع»؛ للإشارة إلى الفرق بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق بأنّ فعل قدرة المخلوق لنقصها موقوف على مادّة سابقة بخلاف قدرة الخالق.

و «حكمته» ناظر إلى «ابتدعها»؛ إبطالًا لخيال القائلين بأنّ قبل حدوث العالم لولا يكون فعل للزم التعطيل.

«لا من شي‏ء» ناظر إلى «اخترع» و «لا لعلّة» إلى «ابتدعها».

فإذا قرئ «لعلّة» بكسر العين وبمعنى السبب ف «لا من شي‏ء» إبطال لما ذهب إليه طائفة من المشّائين من الفلاسفة من أنّ كلّ حادثٍ مسبوق بمادّة قديمة، و «لا لعلّة» إبطال لما ذهب إليه طائفة الإشراقيّين منهم من أنّ كلّ حادث مسبوق بحدوث آخر وهو شرطه.

وإذا قرى‏ء بفتح العين بمعنى شرب واحد بعد شرب آخر، وهنا بمعنى العود إلى الإيجاد بعد الإيجاد والإفناء ف «لا من شي‏ء» إبطال لمذهب المشائين وقد ذكر، و «لا لعلّة» لمذهب الإشراقيّين وسيذكر في كتاب التوحيد في شرح كلام المصنّف لتوضيح الأوّل من باب جوامع التوحيد، وهو الباب الثاني والعشرون، واللّام في «لعلّة» على هذا توقيتيّة، أو سببيّة.

و «الحقيقة» ضدّ المجاز. والمراد هنا الخالص، يعني ولإظهار ربوبيّته على الحقيقة.

و «التصاريف» أقسام الشي‏ء.

و «الصفات» جمع الصفة، بمعنى التشبيه.

و «الحجاب» البوّاب، والحاجز بين الشيئين، يعني احتجب بغير حجاب يكون له‏

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 105، باب النهي عن الجسم والصلاة، ح 3.

128

حجاب آخر، فقياسه على المخلوق باطل؛ إذ الملوك من الخلق يكون كثرة احتجابهم بكثرة الحُجّاب‏ (1) والحِجاب.

والمراد ب «الصورة» الجسد المجوّف كما للآدمي.

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

الاختراع والابتداع متقاربان في المعنى، وكثر استعمال «الاختراع» في الإيجاد لا بأخذ شي‏ء مماثل الوجود ومشابهه. و «الابتداع» في الإيجاد لا لمادّة وعلّة.

«لا من شي‏ء» أي لا بالأخذ من شي‏ء فيبطل الاختراع و «لا لعلّة» أي لمادّة وعلّة، فيبطل الابتداع.

«لا تضبطه العقول» أي تبلغ العقول إدراكه بنحو قاصر عن الإحاطة به وضبطه، فهو غير محدود وغير منضبط الحقيقة، ولكنّه مصدّق لوجوده منفيّاً عنه جميع ما يحيط به العقول والأفهام «ولا تبلغه الأوهام»؛ حيث يتعالى من أن يحسّ به، «ولا تدركه الأبصار»؛ حيث لا صورة له ولا مثال، ولا يتشكّل بشكل، ولا يحاط بحدّ، ولا يتقدّر بمقدار.

«احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور»؛ المحجوب والمستور إمّا بمعنى الحاجب والساتر، والحجاب حاجب والستر ساتر.

وإمّا بمعنى المفعول؛ فإنّ الحجاب والستر إذا لم يكن مستور الباطن ومحجوبه لم يكن حاجباً ساتراً. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله): «محجوب» أي جسمانيّ.

في بعض النسخ: «وهو السميع البصير».

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

احْتَجَّ عَلى‏ خَلْقِهِ بِرُسُلِهِ، وَأَوْضَحَ الأُمُورَ بِدَلَائِلِهِ، وَابْتَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»، وَلِيَعْقِلَ الْعِبَادُ عَن رَبِّهِمْ مَا جَهِلُوا (3)؛ فَيَعْرِفُوهُ بِرُبُوِبِيَّتِهِ بَعْدَ مَا أَنْكَرُوهُ، وَيُوَحِّدُوهُ بِالْإِلهِيَّةِ بَعْدَ مَا أَضَدُّوهُ.

____________

(1). جمع حاجب.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 32- 33.

(3). في الكافي المطبوع: «ماجهلوه».

129

الهديّة الثالثة:

(احتجّ على خلقه برسله) يعني بعد حصول المعرفة الفطريّة لهم بشواهد الربوبيّة من عجائب آثار القدرة والتقدير وغرائب أفاعيل الحكمة والتدبير. (وأوضح [الامور] بدلائله) من المعجزات وبيّنات الآيات والدلالات؛ لتحصل لهم بتوفيق اللَّه تعالى المعرفة الدينيّة التي هي مناط تعلّق التكليف والثواب والعقاب.

وفقرة (وابتعث الرُّسل) ناظر إلى قوله تعالى في سورة النساء: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» (1).

و «الابتعاث» افتعال من البعث للمبالغة. وتعليلها الأوّل اقتباس من سورة الأنفال. (2)

(ما جهلوا) من المعارف الدينيّة.

(بربوبيّته) أي بخصوصيّات وحدانيّة ربوبيّته، أو بوحدانيّة خصوصيّات ربوبيّته.

(بعد ما أنكروه) متّصفاً بها.

(ويوحّدوه بالإلهيّة) بعد إضدادهم، أي احتمالهم الأضداد والأنداد في معرفتهم الفطريّة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

ضمير «بدلائله» كضمير «خلقه» و «برسله». والمراد الأئمّة الاثنا عشر (عليهم السلام) أو الآيات البيّنات محكمات الكتاب، وبها يوضح متشابهاته بالسؤال عن أهل الذِّكر (عليهم السلام).

و «اللّام» في «ليعقل» للعاقبة. والماآت الثلاث‏ (3)، أوّلها موصولة، والأخيرتين مصدريّة.

و «الأضداد» جعل الشي‏ء وتقريره ضدّ الشي‏ء، كجعل المجوّزين للحكم بالظنّ والاجتهاد في نفس الأحكام الشرعيّة أضداداً من المجتهدين والقضاة والمفتين للَّه تبارك وتعالى ولحججه المعصومين (صلوات اللَّه عليهم) كما هو دأب المخالفين.

وقد ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه المسمّى ب فتح الباري في شرح صحيح‏

____________

(1). النساء (4): 165.

(2). أي قوله: «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ». الأنفال (8): 42.

(3). أي «ما» في «ماجهلوا» و «ماأنكره» و «ما أضدّوه».

130

البخاري في مقام دفع الطّعن عن عُمَرِهم لزجره رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عند طلب الدواة والقلم لكتابة الوصيّة: أنّ النووي شارح صحيح المسلم قال: اتّفق العلماء على أنّ قول عمر عند طلب النبيّ (عليه السلام): حسبنا كتاب اللَّه، من قوّة فقهه ودقيق نظره؛ لأنّه خشي أن يكتب اموراً ربّما عجزوا عنها فاستحقّوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا ينسدّ باب الاجتهاد على العلماء ... (1).

وأمثال هذه الخرافات في كتب محقّقيهم كثيرة، منها: أنّ عُمَرهم أفتى بأنّ الجنب إذا لم يجد الماء ولو أيّاماً فعليه ترك الصلاة في تلك الأيّام، فلمّا قرأ عليه عمّار بن ياسر قوله تعالى في المائدة: «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (2) هدّده ولم يرجع عن فتواه، ثمّ أفتى ابنه عبداللَّه بما أفتى به، فذكروا له قصّة عمّار؛ وما جرى بينه وبين أبيه فقال: إنّما لم يرض عمر بقول عمّار؛ لأنّ في العمل بآية التيمّم في سورة المائدة مخافة أن يتيمّم الناس عند يسير من برودة الماء. وتفصيل روايتهم هذه ثابت في صحيح مسلمهم‏ (3) أيضاً بعد إتمام الثمن الأوّل منه.

أقول: لو كان كتاب اللَّه تعالى بدون قيّم معصوم منصوص عاقل عن اللَّه كافياً للُامّة كما قال عُمَرُهم فجميعها ناجية، والجميع أجمعوا على أنّ من البضع والسبعين واحدةٌ ناجية والباقية هالكة؛ لحديث الافتراق المتواتر عند الجميع‏ (4)، كحديث: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي، لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض». (5)

____________

(1). فتح الباري، ج 8، ص 134، ح 4168؛ شرح صحيح مسلم للندوي، ج 11، ص 90، ح 1637.

(2). المائدة (5): 6.

(3). صحيح مسلم، ج 1، ص 280، ح 368.

(4). حديث الافتراق مشهور بين الخاصّة والعامّة. راجع: بحارالأنوار، ج 28، ص 2- 37، باب افتراق الامّة بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله) علي ثلاث و سبعين فرقة و ...، سنن أبي داود، ج 2، ص 608، ح 4596؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 26، ح 2641؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1321، ح 3991، و ص 1322، ح 3992. المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 47، ح 10، و ص 217، ح 441 و 442، وص 218، ح 444.

(5). حديث الثقلين رواه الخاصّة والعامّة بطرق عديدة وألفاظ مختلفة، وهو من الأحاديث المتواترة عند الفريقين. راجع: عبقات الأنوار، ج 1، قسم حديث الثقلين؛ بحار الأنوار، ج 23، ص 104، باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و ...؛ مسند أحمد، ج 3، ص 14، 17، 26، ح 11119، 11147، 11227؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، 160، ح 4576، 4711؛ كنزل العمّال، ج 1، ص 333، ح 952- 953.

131

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

(أَحْمَدُهُ حَمْدَاً يَشْفِي النُّفُوسَ، وَيَبْلُغُ رِضَاهُ، وَيُؤَدِّي شُكْرَ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ سَوَابِغِ النَّعْمَاءِ، وَجَزِيلِ الْآلَاءِ، وَجَميلِ الْبَلَاءِ).

الهدية الرابعة:

يعني أحمده معترفاً بالعجز عن أداء حقّ حمده، وحقيقة شكره سيّما على توفيق التشيّع أعظم النِّعم، وحمده لا يشفي النفوس ولا يرضيه ولا يؤدّي شكره إلّابهذا الاعتراف؛ فإنّ التوفيق لكلّ حمد نعمةٌ اخرى.

و «السوابغ» جمع السابغة، أي الكاملة التامّة.

و «النّعماء» بالفتح والمدّ، و «النُعمي» بالضمّ والقصر، و «النِعمة» بالكسر، و «النّعيم» على فعيل كلّه بمعنى، و «النعمة» بالفتح التنعيم.

و «الآلاء»: النعم، واحدها «ألى» بالفتح، وقد يكسر ويكتب بالياء. مثاله: معاً وأمعاء، قاله الجوهري. (1)

وفي شرح المطالع:

«الآلاء»: هي النّعم الظاهرة، و «النّعماء»: هي النّعم الباطنة كالحواش وملايماتها.

والبلاء والإحسان والنّعمة نظائر، و «البلاء» في الأصل اسم من الابتلاء، ومنه أبلاه اللَّه بلاءً حسناً.

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

وَأَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، إِلهاً وَاحِداً أَحَداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) عَبْدٌ انْتَجَبَهُ، وَرَسُولٌ ابْتَعَثَهُ عَلى‏ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَانْبِسَاطٍ مِنَ الْجَهْلِ، وَاعْتِرَاضٍ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ، وَعَمىً عَنِ‏

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2270 (ألا).

132

الْحَقِّ، وَاعْتِسَافٍ مِنَ الْجَوْرِ، وَامْتِحَاقٍ مِنَ الدِّينِ.

وَأَنْزَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فِيهِ الْبَيَانُ والتِّبْيَانُ‏ «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» قَد بَيَّنَهُ لِلنّاسِ وَنَهَجَهُ بِعِلْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ، وَدِينٍ قَدْ أَوْضَحَهُ، وَفَرَائِضَ قَدْ أَوْجَبَهَا، وَامُورٍ قَدْ كَشَفَهَا لِخَلْقِهِ وَأَعْلَنَهَا، فِيهَا دَلَالَةٌ إِلَى النَّجَاةِ، وَمَعَالِمُ تَدْعُو إِلى‏ هُدَاهُ. (1)

فَبَلَّغَ (صلى الله عليه و آله) مَا ارْسِلَ بِهِ، وَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ، وَأَدَّى‏ مَا حُمِّلَ مِنْ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ، وَصَبَرَ لِرَبِّهِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الذِّكْرِ، وَدَلَّهُمْ عَلى‏ سَبِيلِ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِهِ، بِمَنَاهِجَ وَدَوَاعٍ أَسَّسَ لِلْعِبَادِ أَسَاسَهَا، وَمَنَائِرَ رَفَعَ لَهُمْ أَعْلَامَهَا؛ لِكَيْ لَايَضِلُّوا مِنْ بَعدِهِ، وَكَانَ (صلى الله عليه و آله)(2) بِهِمْ رَؤُوفاً رَحِيماً.

الهديّة الخامسة:

(إلهاً واحداً) له وحدانيّة صفات الربوبيّة.

(أحداً) لا ينقسم أجزاء، ولا شريك له؛ لامتناع التركّب ذاتاً والتعدّد مصداقاً.

صمد إليه كنصر: قصد، واللَّه صمد: سيّد مصمود (3) إليه للجميع في جميع الحوائج.

وسيفصّل معاني الصمد في الباب الثامن عشر، باب تأويل الصمد وما قبله في كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى.

و «الانتجاب» بالجيم والخاء المعجمة والاصطفاء والاختيار والصفوة والخيرة والارتضاء والاجتباء؛ نظائر.

و «الفترة» بالفتح: الانكسار والضعف.

و «الفترة» أيضاً: ما بين الرسولين من رسل اللَّه عزّ وجلّ كخمسمائة عام أو ستّمائة فيما بين عيسى‏ (عليه السلام) ونبيّنا (صلى الله عليه و آله).

و «الهجعة» بالفتح والجيم والعين المهملة: الغفلة، وبالكسر للنوع، فلعلّ الكسر أولى.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «هداةٍ».

(2). في الكافي:-/ «صلي اللَّه عليه وآله».

(3). في «الف»: «مضمود».

133

و «الهجوع»: النوم قليلًا، ويُقال: رجل هُجَعَةَ كَلُمَزَة للغافل الأحمق.

(وانبساط من الجهل) أي بالدِّين ومعالمه، وانبساطه كناية عن غاية كثرته؛ فإنّ الدِّين القويم والصراط المستقيم لم يفقد معالمه قطّ، ولن يفقد من لدن آدم إلى آخر عمر الدنيا، ذلك تقدير العزيز العليم.

كان إيمان آدم (عليه السلام) بربّ العالمين على ما عرّف به نفسه وبما أخبر به من المغيّبات من سؤال القبر، وواقعات عقبات البرزخ عقوباتها وسهولاتها والحشر الجسماني وسائر أحوال اليوم الآخر مع وصيّه هبة اللَّه شيث (عليه السلام) ومِن بعده مع ابنه شَبّان، وهو ابن نَزْلة عالية حوراء التي أنزلها اللَّه تعالى على آدم من الجنّة فزوّجها ابنه شَيثاً ومن بعد شَبَّان مع الأوصياء بلا فصل بينهم إلى نوح (عليه السلام) كما في حديث مقاتل بن سليمان عن أبي عبداللَّه (عليه السلام)، ورواه الصدوق (رحمه الله) أيضاً في الفقيه في باب الوصيّة من لدن آدم (عليه السلام)(1).

وهكذا مع إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) إلى خاتم الأنبياء وأفضلهم (صلى الله عليه و آله) مع أوصيائه الاثني عشر (عليهم السلام): أبي الحسنين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، والمجتبى الحسن بن عليّ، وسيّد الشهداء الحسين بن عليّ، وزين العبّاد عليّ بن الحسين، وأبي جعفر باقر العلوم محمّد بن عليّ، وأبي عبداللَّه الصادق جعفر بن محمّد، وأبي الحسن الأوّل الكاظم موسى بن جعفر، وأبي الحسن الثاني الرضا عليّ بن موسى‏، وأبي جعفر الثاني الجواد محمّد بن عليّ، وأبي الحسن الثالث الهادي العسكري عليّ بن محمّد، وأبي محمّد الخالص الزكيّ العسكري الحسن بن عليّ، وأبي القاسم المهدي المنتظر صاحب الزمان الحجّة بن الحسن (صلوات اللَّه عليهم أجمعين).

وكما حقّ أنّ حقيقة الإيمان باللَّه واليوم الآخر معاً كما في نسق القرآن المجيد سلسلة واحدة نورانيّة ممتدّة من لدن آدم إلى فريقٍ في الجنّة قائمةٍ في كلّ عصر من أعصار الدنيا إلى حجّة معصوم عاقل عن اللَّه تبارك وتعالى، كذلك ثابت أنّ‏

____________

(1). الفقيه، ج 4، ص 174- 175، ح 5402.

134

أنواع الكفر بهما سلاسل ظلمانيّة جارية من عند قابيل إلى فريقٍ في السعير، قائمة بالمارد الرجيم، المُنْظَر إلى يوم الوقت المعلوم، وأنّ في شيعة كلّ حجّة نبيّ أو وصيّ في كلّ دهر من دهور الدنيا فضلاء فقهاء في العلوم الدينيّة والمعارف اليقينيّة، يذكّرون سائر المؤمنين معالمهم في الدِّين، ويعرّفون إخوانهم خدايع عدوّهم المبين، وفي أشياع الشيطان طواغيت رؤساء ومشايخ مُهَراء في فنون الشيطنة والنكراء، يخدعون الناس بِمُمَوّهات تُرّهاتهم، ويضلّونهم بمزخرفات مقالاتهم؛ لأنّ الكفر الممزوج بِسِمات الحقّ أكثر تصرّفاً في عوام الناس من بَحْته المطلق. وفي الحديث: «أنّ اليهود تفرّقوا بعد موسى (عليه السلام) على إحدى وسبعين فرقة، كانت إحداها ناجية والباقية هالكة» (1) مع اعتراف الجميع بأنّ التوراة كتاب اللَّه انزل إلى نبيّهم موسى‏ (عليه السلام)، ثمّ النصارى تفرّقوا بعد عيسى‏ (عليه السلام) على اثنتين وسبعين فرقة، كانت إحداها ناجية والباقية باغية هالكة، مع إقرار الجميع بأنّ الإنجيل كتاب اللَّه أنزله إلى نبيّهم عيسى‏ (عليه السلام)، وهذه الامّة تفرّقوا بعد نبيّنا (صلى الله عليه و آله) على بضع وسبعين فرقة، إحداها ناجية والباقية باغية طاغية هالكة، مع إقرار الجميع بأنّ القرآن كتاب اللَّه أنزله إلى خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم (صلى الله عليه و آله).

فلمّا كان امتحان اللَّه تبارك وتعالى كلّ امّة من سننه التي لا تتبدّل ولا تتغيّر، وقال سبحانه في سورة الفاطر: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا» (2) وفي سورة العنكبوت: «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (3)؛ كامتحان بني إسرائيل بفرعون وعمَّره وسلّطه على مشارق الأرض ومغاربها، ثمّ بالسامريّ وعِجْله، وكان دين نبيّنا (صلى الله عليه و آله) أفضل الأديان، ورسوله أفضل الأنبياء وسيِّد

____________

(1). تقدّم تخريج حديث الافتراق قبيل هذا.

(2). فاطر (35): 43.

(3). العنكبوت (29): 2 و 3.

135

المرسلين، وكذا أوصياؤه (عليهم السلام) وكتابه أفضل الكتب؛ كان‏ (1) الامتحان فيه أعظم الامتحانات وأصعبها. وجميع حاضري المدينة لقد ارتدّوا يوم مضيّه (صلى الله عليه و آله) إلّافريقاً (2)، قال اللَّه تعالى في سورة السبأ: «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (3)، قال الصادق: «سلمان وأبا ذرّ والمقداد»، فسُئِلَ (عليه السلام): فأين عمّار؟ فقال:

«جاض جيضة (4) ثمّ رجع». (5)

ثمّ بعد ذلك الارتداد ورجوع جماعة منهم صارت الامّة بفنون مكر الشيطان وكدِّ كيده ثلاثاً وسبعين فرقة، كلّهم معترفون بأنّ القرآن كتاب اللَّه المُنزل على نبيّنا (صلى الله عليه و آله)، ثمّ سعى اللّعين في إضلال الناجية منها وجدّ في المكر والخديعة؛ لعلمه بمكان الزيارات والشفاعات من الشيعة، وانفتاح أبواب التوبة لهم ولو عن كبائرهم إلى المعاينة، وأنّ محبّة عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليه) حسنة لا تضرّ معها سيّئة (6)، وأنّ تهوّدهم بوسوسته أو تنصّرهم‏ (7) أو تمجّسهم أو غير ذلك من المذاهب الباطلة ليس بسهولة بل‏

____________

(1). جواب «لمّا» في قوله قبل أسطر «فلما كان امتحان ...».

(2). راجع: الاختصاص، ص 6؛ رجال الكشّي، ص 11، ح 24.

(3). سبأ (34): 20.

(4). في «الف»: «حاض حيضة».

(5). الاختصاص، ص 10؛ رجال الكشّي، ص 11، ح 24.

(6). إشارة إلى الحديث المرويّ في المناقب، ج 3، ص 197؛ كشف اليقين، ص 225؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 93؛ إرشاد القلوب، ج 2، ص 234. ولفظ الحديث على ما في المناقب: «حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لاتضرّ معها سيّئة، وبغضه سيّئة لاتنفع معها حسنة». وفي تفسير المنسوب إلى العسكري، ص 305، ح 148: «إنّ ولاية عليّ حسنة لايضرّ معها شي‏ءٌ من السيّئات وإن جلّت و ...».

وهذا الحبّ ليس حبّاً عاديّاً، لأنّه لايستدعي عدم إضرار المعصية معه. قال الشيهد الثاني في رسالة العدالة، ص 227: «على تقدير صحّة الخبر مفتقر إلى التأويل، وأقرب التأويلات حمله على المحبّة الحقيقيّة الكاملة، وهي توجب عدم ملابسة شي‏ء من الذنوب ألبتّة؛ لأنّ المحبّ الحقيقي يؤثر رضا المحبوب كيف كان. ولاشكّ أنّ رضا عليّ (عليه السلام) في ترك المحرّمات والقيام بالواجبات محبّة على الحقيقة تؤثر لأجله ذلك، فلا يفعل موجب النار فيدخل الجنّة، ومن خالف هوى محبوبه فمحبّة معلولة».

(7). في «الف»: «وتنصّرهم».

136

أمر كالمحال، فانتهى جَدُّ جَهْد فِكْرهِ وكدُّ كَيْدِ مَكْرهِ إلى طريقة التصوّف، منظومة اصولها من جميع صنوف الكفر والضلال، محفوفة فروعها بطائفة من محاسن الأقوال والأفعال، كتلاوة القرآن، وذكر الحديث، وحكاية الأمثال، والعزلة والسهر والبكاء في كثير من الأحوال، والعفّة والزهد حتّى الاجتناب عن الحلال، وكثرة الصوم والصلاة والذِّكر وسائر مكارم الفعال، كلّ ذلك للوصول بنفوذ الشيطان إلى صلاة المكاء والتصدية (1)، والوجد والحال. وقد كانت كفَرَةُ قريش يباهون بتكلّم هُبَلهم وصنمهم في جوف الكعبة على سائر المشركين ولم يكن تنطّقهما (2) إلّابنفوذ العدوّ المبين الغير المبين، وكانت شجرة أصحاب الرسّ وصنوبرتهم تتكلّم معهم في الأعياد، فسهل عليه حلوله ونفوذه في الأجساد ليرقص بسخرية من المشايخ ومريديهم على رؤوس الأشهاد، كالرومي في الروم، وابن العربي في الشام، والجنيد في بغداد، وأبي يزيد في البسطام.

وقد استحبّت حضور من يقرأ القرآن عند الميّت والإسراج عنده إن مات ليلًا؛ لئلّا يدخل الشياطين جوفه، ولا يلعبوا؛ فقد يرى بعد مضيّ ساعات من موته قيامه محمرّة العين، وحركاته الموحشة كالمجانين والصوفيّة، ثمّ سقوطه على الأرض ميّتاً كما كان.

ومن الحكايات طيران طائفة من الجواكي في الهند من جبلٍ إلى جبل.

(واعتراض من الفتنة) يعني فتنة طغيان الطواغيت.

(وانتقاض من المبرم) أي الحكم المحكم بظهور الحجّة وتمكّنه من إجراء الحكم.

(وعمى عن الحقّ): عن الصراط المستقيم ومعالمه؛ دلالةً على أنّ المنعدم بِصارةُ جهلاء الجاهليّة لا علم علماء الحقّة.

____________

(1). اقتباس من الآية: 8، الأنفال (35) «وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً».

(2). في «الف»: «منطقهما».

137

و «الاعتساف»: الأخذ على غير الطريق. والمراد هنا: نهاية التعدّي من قِبَل الجور والظلم.

و «الامتحاق»: افتعال للمبالغة من المحق بمعنى الإبطال والإزالة. والمراد هنا الاختفاء.

و «التبيان»: مبالغة في البيان، وهو شاذّ؛ لأنّ المصدر إنّما يجي‏ء بفتح التاء كالتَذْكار والتَكرار، ولم يجي‏ء بالكسر إلّاحرفان: التِبيان والتِلقاء.

والمستتر في «بيّنه» للربّ تبارك وتعالى، والبارز للقرآن.

و «النهج» بالفتح: الطريق الواضح، وبالتحريك: البُهر وتتابع النَفس. نهج اللَّه الطريق كمنع: أبانه وأوضحه، وأنهج الطريق: استبان وصار واضحاً.

(بعلم) أي بعلم عظيم خاصّ بقيّمة المعصوم المنصوص العاقل عن اللَّه.

(فيها دلالة إلى النجاة) أي في تلك الامور التي (قد كشفها لخلقة وأعلنها) وهي الآيات البيّنات، الدلالات على الإمامة، كآية الولاية (1)، والإطاعة (2)، والتطهير (3)، ونظائرها.

و «المعالم» جمع مَعلَم، كمنصب: موضع العلامة، أي ما يعلم به الشي‏ء. ويُطلق على العلامة والعَلَم، و «المعالم» على العلامات والأعلام. أي وفيها معالم ودلائل دالّة على معالم الدِّين والهُداة المعصومين.

والتنوين في «هداة» للتعظيم. وقرئ «هداه» بالضمير، أي هدى اللَّه تعالى؛ رعايةً للسجع على الوقف على النجاة.

«صدع بالحقّ» كمنع: تكلّم به جهاراً، قال الفرّاء (رحمه الله) في قوله تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» (4): أراد فاصدع بالأمر، أي أظهر دينك.

(وحثّهم على الذِّكر) أي على طاعة الذكر الصامت بطاعة الذكر الناطق. و «الذِّكر» من أسماء القرآن، والرسول، ومطلق حجّة اللَّه كتاباً أو نبيّاً أو إماماً. وفي سورة الطلاق: «قَدْ

____________

(1). المائدة (5): 55.

(2). النساء (4): 59.

(3). الأحزاب (33): 33.

(4). الحجر (15): 94.

138

أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً* رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ» (1) الآية.

(ودلّهم‏ (2) على سبيل الهدى): على وجوب طاعة مفترض الطاعة.

(ومنائر) جمع المنارة (3) بالفتح: عَلَم الطريق. والمراد هنا: الدلائل الواضحة كما من نظائرها. قال الجوهري: والجمع: المناور، بالواو؛ لأنّه من النور، ومن قال منائر وهَمز فقد شبّه الأصليّ بالزائد، كما قالوا مصائب، وأصله مصاوب. (4)

والمراد بالأعلام: الثقلان، كتاب اللَّه وعترته المعصومين (صلى الله عليه و آله)، أو العترة خاصّة، يعني الأئمّة الاثني عشر (صلوات اللَّه عليهم).

(وكان بهم (صلى الله عليه و آله) رؤوفاً رحيماً) يعني أرأف وأرحم من أن ضيّع بتركه تعيين الخليفة امّته، ومن الأصلاب والأرحام إلى يوم القيامة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

جملة «فيه البيان»: حاليّة وناظر إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ» (5) و «التبيان»: مبالغة البيان، وناظر إلى قوله تعالى في سورة النحل: «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» (6) و «قرآناً»: بدل من «الكتاب» أو حال عنه، أو منصوب بالاختصاص، بتقدير أعني. «غير ذي عوج»؛ أي اختلاف. «ونهجه بعلم» أي بمعلوم، وهو مضمون محكمات الآيات، وناظر إلى قوله تعالى في الأعراف: «وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى‏ عِلْمٍ هُدىً» (7)، والذي يحتمل خلافه يسمّى بالعلم، كالاعتقاد بأنّ الاثنين‏ (8) نصف الأربعة، والذي يحتمل خلافه يسمّى ظنّاً إن لم يكن من هوى النفس، كالاعتقاد بطهارة

____________

(1). الطلاق (15): 10 و 11.

(2). في «ب» و «ج»: «حثّهم».

(3). في «ب» و «ج»: «منار».

(4). الصحاح، ج 2، ص 839 (نور).

(5). آل عمران (3): 138.

(6). النحل (16): 89.

(7). الأعراف (7): 52.

(8). في «الف»: «اثنين».

139

ما في سوق المسلمين؛ فإن كان من هوى النفس يسمّى بالاعتقاد المبتدئ، كاعتقاد أكثر العوامّ بأنّ مذهب أبيهم حقّ.

و «المعلم» كمنصب: اسم الموضع، أي موضع العلامة. ويطلق على العلامة، والجمع معالم.

و «هداه» بالضمير، أي هدى اللَّه. والمراد: الإمام الهادي إلى الصراط المستقيم.

و «الدواعي»: جمع داعية؛ أي الداعي جدّاً، فالتاء للمبالغة. والمراد بالدّواعي:

متشابهات القرآن؛ فإنّها تدعو الناس إلى الإقرار باحتياجهم إلى إمام مفترض الطاعة.

و «المنائر»: جمع المنار. والمراد: أقوال الرسول (صلى الله عليه و آله) وأفعاله الدالّة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده بلا فاصلة.

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله): الهاء في «هُداه» إمّا ضمير راجع إلى اللَّه سبحانه اضيف إليه الهدى، وإمّا زائدة في الوقف. (1)

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وَاستُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ، تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَقَبَضَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٌّ عَمَلُهُ، وَافِرٌ حَظُّهُ، عَظِيمٌ خَطَرُهُ. فَمَضى‏ (صلى الله عليه و آله) وَخَلَّفَ فِي أُمَّتِهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَوَصِيَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ (صلوات اللَّه عليه)، صَاحِبَيْنِ مُؤْتَلِفَيْنِ، يَشْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِالتَّصْدِيقِ. يَنْطِقُ الْإِمَامُ عَنِ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ بمَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ عَلَى الْعِبادِ مِنْ طَاعَتِهِ، وطَاعَةِ الإِمَامِ وَوِلَايَتِهِ، وَوَاجِبِ حَقِّهِ، الَّذِي أَرَادَ مِنِ اسْتِكْمَالِ دِينِهِ، وَإِظْهَارِ أَمْرِهِ، وَالْاحْتِجَاجِ بِحُجَجِهِ، وَالْاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهِ، فِي مَعَادِنِ أَهْلِ صَفْوَتِهِ، وَمُصْطَفَيْ أَهْلِ خِيَرَتِهِ.

فَأَوْضَحَ اللَّهُ تَعَالى‏ بِأَئِمَّةِ الْهُدى‏ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ، وَأَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ مَنَاهِجِهِ، وَفَتَحَ بِهِمْ عَنْ بَاطِنِ يَنَابِيعِ عِلْمِهِ، وَجَعَلَهُمْ مَسَالِكَ لِمَعْرِفَتِهِ، وَمَعَالِمَ لِدِينِهِ، وَحُجَّاباً بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَالْبَابَ الْمُؤَدِّيَ إِلى‏ مَعْرِفَةِ حَقِّهِ، وَ أَطْلَعَهُمْ عَلَى الْمَكْنُونِ مِنْ غَيْبِ سِرِّهِ.

كُلَّمَا مَضى‏ مِنْهُمْ إمَامٌ نَصَبَ لِخَلْقِهِ مِنْ عَقِبِهِ إِمَاماً بَيِّناً، وَهادِياً نَيِّراً، وَإِمَاماً قَيِّماً، يَهْدُونَ‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 36.

140

بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ. حُجَجُ اللَّهِ وَدُعَاتُهُ وَرُعَاتُهُ عَلى‏ خَلْقِهِ، يَدِينُ بِهُداهُمْ‏ (1) الْعِبَادُ، وَتَسْتَهِلُّ بِنُورِهِمُ الْبِلَادُ. جَعَلَهُمُ اللَّهُ حَيَاةً لِلأَنَامِ، وَمَصَابِيحَ لِلظَّلَامِ، وَمَفَاتِيحَ لِلْكَلَامِ، وَدَعَائِمَ لِلْإِسْلَامِ. وَجَعَلَ نِظَامَ طَاعَتِهِ وَتَمَامَ فَرْضِهِ التَّسْلِيمَ لَهُمْ فِيمَا عُلِمَ، وَالرَّدَّ إِلَيْهِمْ فِيمَا جُهِلَ، وَحَظَرَ عَلى‏ غَيْرِهِمُ التَّهَجُّمَ عَلَى الْقَوْلِ عَلَى اللَّه‏ (2) بِمَا يَجْهَلُونَ، وَمَنَعَهُمْ جَحْدَ مَا لَايَعْلَمُونَ؛ لِمَا أَرَادَ اللَّه‏ (3)- تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏- مِنِ اسْتِنْقَاذِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ مُلِمَّاتِ الظُّلَمِ، وَمَغْشِيَّاتِ الْبُهَمِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً).

الهديّة السادسة:

(واستكملت أيّامه) على ما لم يسمّ فاعله: توفّاه اللَّه وقبضه للنسق المحتوم في الأوّلين والآخرين إلّانادراً لوجوهٍ علمها اللَّه ربّ العالمين، فلعلّ منها إظهار عموم القدرة للشاكّين.

(مرضيّ عمله) وبرضائه (صلى الله عليه و آله) يرضى اللَّه عن العاملين.

(وافرٌ حظّه) ونصرته عليّه في دينه خيرٌ من عبادة الثقلين. (4)

(عظيم خطره) وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيّد الكائنات والعالمين، ومن تلامذة وصيّه الروح الأمين سيِّد الملائكة المقرّبين.

و «خَطَرُ الرجل»- بالتحريك-: قدره، وشأنه، ومنزلته.

(كتاب اللَّه ووصيّه أمير المؤمنين وإمام المتّقين (صلوات اللَّه عليهم)) ناظرٌ إلى حديث:

«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي، لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض».

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بهَدْيِهِمْ».

(2). في الكافي المطبوع:-/ «على اللَّه».

(3). في الكافي المطبوع:-/ «اللَّه».

(4). إشارة إلى الخبر المرويّ في عوالي اللآلي، ج 4، ص 86، ح 102؛ إقبال الأعمال، ص 485؛ بحار الأنوار، ج 39، ص 1، ح 1.

141

والتقوى في هذا الدّين ظاهريّة. الاجتناب بالجوارح عن المناهي؛ وباطنيّة: التبرّي من ولاية كلّ وَليجة دون اللَّه ورسوله وأئمّته المعصومين المنصوصين، ومن محبّة كلّ من ليس من أهل ولايتهم (صلوات اللَّه عليهم أجمعين).

(صاحبين مؤتلفين): من الايتلاف، مبالغة في الالفة، إشارة إلى أنّه لن يقع المفارقة بينهما لَمْحةً إلى ورودهما الحوض، وإلى أنّ قيّميه الاثني عشر حكمهم واحد في الأمر، وأمرهم واحد في الحكم، ونورهم نورٌ واحد.

(يشهد كلّ واحد منهما) من القرآن الناطق والصامت (بالتصديق) بإظهار كلّ منهما صدق الآخر وحقّيّته.

فالإمام بعقله عن اللَّه سبحانه للعصمة، والمنصوصيّة، والامتياز عن الجميع في جميع الفضائل والمكارم حسباً ونسباً إلى آدم (عليه السلام): ما في الكتاب من رطبه ويابسه‏ (1)، أحوال الحقّ والباطل وأحكامهما.

والكتاب، بمحكمات الآيات في الإمامة، وافتراض الطاعة كآية الولاية (2)، والإطاعة (3)، والتطهير (4)، وأمثالها. وهذا ما بيّن طاب ثراه من التصديقين بقوله: «ينطق الإمام» إلى قوله «ومغشيّات البُهم». وبيان «من استكمال دينه» بيان أنّ استكمال الدِّين واستتمام النِّعمة إنّما هو بمعرفة الإمام المفترض الطاعة حقّ المعرفة الواجبة بنصّ القيّمين المعصومين، وتصديق محكمات الكتاب المبين.

و «في» في «معادن أهل صفوته» سببيّة، يعني الاستضاءة بنوره: بنور علوم الحجج المعصومين، ونور عصمتهم. على عطف «ومصطفي على الإفراد على «المعادن»، وأمّا على عطفه على «أهل صفوته»، فالمراد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله). فمن عطف الخاصّ؛ للاهتمام‏

____________

(1). في «الف»: «رطبة و يابسة».

(2). المائدة (5): 55.

(3). النساء (4): 59.

(4). الأحزاب (33): 33.

142

والإشارة إلى عدم التفاوت في العلم، وأصالة علمه (صلى الله عليه و آله)؛ وأمّا على الجَمع، في الأصل:

«مصطفيون» فلا خدشة.

و «الباء» في «بأئمّة الهدي» و «بهم» في الموضعين سببيّة.

(عن سبيل مناهجه): عن معرفة سنن الأوّلين والآخرين، أو عن طريق المعارف الحقّة، أو توضيح المحكمات وتبيين المتشابهات.

و «الينبوع»: عين الماء، ومنه قوله تعالى: «حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» (1)، والجمع: ينابيع.

(وحجّاباً بينه وبين خلقه)، على الجمع، واحتمال الإفراد هنا بمعنى البوّاب للإشارة إلى وحدة الأمر كما في «الباب» ليس هذا مع وروده في بعض الأحاديث.

(من غيب سرّه) أي من غيب علمه، أو الإضافة بيانيّة.

وكلا الإمامين- بكسر الهمزة، أو أحدهما بفتحها-: يعني الإمام عند اللَّه سبحانه.

(يهدون بالحقّ وبه يعدلون) أي يهدون إلى الحقّ بالحقّ، يعني بالعصمة، وهو شرط الهادي عن اللَّه إلى اللَّه، وبه يحكمون بالعدل بين الناس.

(حجج اللَّه) بالرفع، أي هم حجج اللَّه حال كونهم دعاته ورعاته.

(ودعاته) يعني إليه، حاليّة، وكذا (رعاته) يعني لدينه وأهل توحيده؛ بدليل تعلّق «على خلقه» على «حجج اللَّه».

(يدين بهداهم العباد) أي يتّصفون بالإطاعة في الدِّين، من دانه: أطاعه. ونسخة «بهديهم» أي بسيرتهم، مكان «بهداهم» ما أشبه بالتصحيف.

(ويستهلّ بنورهم البلاد) على المعلوم، أي يستضي‏ء. استهلّ البرق وتهلّل بمعنى، أي تلألأ وجه الرجل من فرحه، والاستضاء يتعدّى ولا يتعدّى، كالإضاءة.

(حياة للأنام) أي بعلمهم.

____________

(1). الإسراء (17): 90.

143

(ومصابيح للظلام) أي بنورهم. و «الظلام» بالفتح: ظلمة أوّل الليل، ويُطلق على مطلق الظلمة.

(ومفاتيح للكلام) أي كلام اللَّه، أو علم الكلام، أو مطلق الكلام الحقّ.

و «الدّعامة» بالكسر: عماد البيت. والمستفاد من الأحاديث عينيّة الإسلام والإيمان حقيقة، ومغايرتهما باعتبار إطلاقات كما سيفصّل في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.

(التسليم): مفعول ثان ل «جعل».

(فيما علم) على ما لم يسمّ فاعله، وكذا (فيما جهل).

(وحظر) بالحاء المهملة والظّاء المعجمة، كنصر: من الحظر، وهو المنع والتحريم.

و (التهجّم): تفعّل من الهجوم، وهو الدخول على شي‏ء بغتةً من غير رويّة. وفي بعض النسخ بزيادة «من الحقّ» بعد (ما لا يعلمون).

(لما أراد اللَّه تبارك وتعالى) بكسر اللّام التعليليّة.

و «الاستنقاذ»: الاستخلاص.

و «الملمّة» على اسم الفاعل من الإفعال: البليّة الحادثة.

و (الظلم): جمع الظّلمة.

و «المغشيّات»: المستورات بالأستار؛ أي المخفيّات على الأفكار. ونسخة «المغيبات» بالتصحيف أشبه.

و (البُهم): جمع البهمة، كالظّلم والظلمة، أي المشكلات.

(الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً): ناظر إلى آية التطهير في سورة الأحزاب. (1)

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«يشهد كلّ واحدٍ منهما لصاحبه بالتصديق»؛ أي بالتعديل، بمعنى أنّ القرآن لو لم يكن له قيّم معصوم منصوص عاقل عن اللَّه لعطّل حكمه؛ لأنّ النهي في القرآن عن الاختلاف‏

____________

(1). الأحزاب (33): 33.

144

ظنّاً كثير، فلو لم يكن إمام معصوم عالم بجميع الأحكام فليس بدّ من الاختلاف ظنّاً، وأيضاً البضع والسبعون متمسّكون به والناجية إحداها. والإمام أيضاً لو لم يكن له القرآن لاستنباط الأحكام المتشابهة علماً وعقلًا عن اللَّه لَعجز عن الحكم علماً في المختلف فيه، الذي يجري الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة وعناد.

و «ولايته»: ولاية اللَّه، أو ولاية الإمام. والمآل واحد، وسائر الضمائر بعد اللَّه سبحانه.

و «الاستضاءة»: كسب الضياء بنوره، أي بعلم الإمام العالم بجميع المتشابهات. وفي الأوّل في الباب الثالث عشر، باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) نور اللَّه عزّ وجلّ، في كتاب الحجّة:

«لَنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار». (1)

«في معادن أهل صفوته»: حاليّة من «نوره»، يعني المعادن لعلم الرسول (صلى الله عليه و آله)، وهم أوصياؤه الاثنا عشر (صلوات اللَّه عليهم)، وهم المراد من المصطفى على الجمع. فالمراد من أهل الصفوة، وأهل الخيرة- بكسر الخاء وفتح الياء-: المؤمنون بالرسول (صلى الله عليه و آله). يعني المعادن من جملة أهل صفوته، والمصطفين من جملة أهل خيرته.

وتعدّية «الإيضاح» ونظيريه‏ (2) ب «عن» على تضمين معنى الكشف. والمراد ب «المناهج هنا: محكمات الآيات، وب «الينابيع»: متشابهاتها.

و «الحُجّاب» بالضمّ والتشديد. والمراد ب «المكنون»: متشابهات الكتاب.

و «من» في «من غيب سرّه»: للتبعيض، أي من جملة غيبه، من جملة سرّه.

و «الغيب»: ما لم يكن معلوماً بأحد من الطريقين: الأوّل: الضرورة المشتركة بين جميع العقلاء. والثاني: البرهان العقلي المحض المنتهي إلى الضروريّات المشتركة في جانب المادّة والصورة.

والضروريّات المشتركة بين جميع عند جماعة على قسمين: الأوّل: ما هو مقتضى بداهة العقل، مثل الواحد نصف الاثنين. والثاني: ما هو المحسوس بحسّ خال عن الآفة، مثل:

الشمس مضيئة، والنار حارّة، وقال زيد كذا، والتمر حلو، والمسك طيّب الرائحة.

واختصاص علم الغيب باللَّه سبحانه عبارة عن عدم صيرورة شي‏ء لا يكون ضروريّاً

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 194، ح 1.

(2). يعني «أبلج» و «فتح».

145

مشتركاً ولا معلوماً ببرهان عقلي محض ضروريّاً لأحد من الإنس والجنّ، فطريق العلم به منحصر في توقيف‏ (1) اللَّه تعالى وإعلامه رسوله (عليه السلام) لتأخذ الامّة عنه بواسطة أو بدونها.

والإيمان بالغيب عبارة عن الإقرار بهذا الاختصاص وتصديقه، وهو مناط الانتفاع بالكتاب الإلهي وأنبياء اللَّه ورسله، كما قال تبارك وتعالى في سورة البقرة: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» (2)؛ إبطالًا لقول زنادقة الفلاسفة والصوفيّة ومن قال بمقالتهما. وهم بعد جعلهم من عندهم أربع مراتب للنفس الناطقة:

العقل الهيولائي، والعقل بالملكة، والعقل المستفاد، والعقل بالفعل: زعموا أنّ غير الضروريّات المشتركة، وكذا غير المعلوم ببرهان عقليّ محض يصير ضروريّاً عند صاحب النفس القدسيّة وأهل المكاشفة (3) بالرياضة، ولإبطال زعمهم قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة النمل: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» (4)، وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام) كما يجي‏ء في كتاب الحجّة في باب الخامس والأربعين، باب نادر فيه ذكر الغيب: «يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب؛ لا يعلم الغيب إلّااللَّه، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي، فما علمت في أيّ بيوت الدار هي». (5)

ويظهر من هذا التقرير: أنّ غير البديهي إن لم يكن محسوساً أو مبرهناً ببرهان عقليّ محض في وقت ثمّ يصير كذلك، ففي الوقت الأوّل غيب‏ (6) لا في الوقت الثاني، وكذا إذا لم يكن كذلك عند شخص دون شخص، فغيب للأوّل دون الثاني، والمعلوم بتوقيف‏ (7) اللَّه وإعلامه حججه (عليهم السلام) قد يطلق عليه الغيب في الوقتين، وقد يُطلق عليه الغيب في الوقت الأوّل، والأوّل يوافق قوله تعالى في سورة آل عمران، وسورة يوسف: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ*

____________

(1). في «الف»: «توفيق».

(2). البقرة (2): 2 و 3.

(3). في «الف»: «المكاسبة».

(4). النمل (27): 65.

(5). الكافي، ج 1، ص 257، ح 3.

(6). في «الف»: «غيبه».

(7). في «الف»: «بوقتين».

146

الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» (1)*، والاستثناء على هذا في قوله تعالى في سورة الجنّ: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ» (2) متّصل. و «لا يعلم الغيب إلّااللَّه»، بمعنى لا يعلم الغيب بدون توقيف إلّااللَّه. والمراد ب «السرّ»: الكلام المنزّل منه تعالى إلى أنبيائه ورسله، وهو المستور عن غير المنزل عليه عند نزوله.

وبيان ذلك أنّ مضمون الكلام الإلهي الذي هو من أسراره قسمان: ما هو الغيب، مثل‏ «وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» (3)؛ وما ليس هو بالغيب، مثل: «سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ» (4). والغيب أيضاً قسمان: ما في متشابهات الكتاب؛ وما في المحكمات.

«إماماً بيّناً» بكسر الهمزة. «وأماماً قيّماً» بفتحها، بمعنى سيّد القوم ومقدّمهم.

«حجج اللَّه»، بتقدير: «هُمْ حجج اللَّه».

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

أَمَّا بَعْدُ، فَقَد فَهِمْتُ يَا أَخِي مَا شَكَوْتَ مِنِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ دَهْرِنَا عَلَى الْجَهَالَةِ، وَتَوَازُرِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي عِمَارَةِ طُرُقِهَا، وَمُبَايَنَتِهِمُ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ، حَتّى‏ كَادَ الْعِلْمُ مَعَهُمْ أَنْ يَأْرِزَ كُلُّهُ، وَتَنْقَطِعَ مَوَادُّهُ؛ لِمَا قَدْ رَضُوا أَنْ يَسْتَنِدُوا إِلَى الْجَهْلِ، وَيُضَيِّعُوا الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ.

وَ سَأَلْتَ: هَلْ يَسَعُ النَّاسَ الْمُقَامُ عَلَى الْجَهَالَةِ، وَالتَّدَيُّنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، إذْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي الدِّينِ، مُقِرِّينَ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى‏ جِهَةِ الْاسْتِحْسَانِ وَالنُّشُوءِ (5) عَلَيْهِ، والتَّقْلِيدِ لِلْآبَاءِ وَالْأَسْلَافِ وَالْكُبَرَاءِ، وَالْاتِّكَالِ عَلَى‏ عُقُولِهِمْ فِي دَقِيقِ الْأَشْيَاءِ وَجَلِيلِهَا؟

فَاعْلَمْ يَا أَخِي- رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- خَلَقَ عِبَادَهُ خِلْقَةً مُنْفَصِلَةً مِنَ الْبَهَائِمِ فِي الْفِطَنِ وَالْعُقُولِ الْمُرَكَّبَةِ فِيهِمْ، مُحْتَمِلَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَجَعَلَهُمْ- جَلَّ ذِكْرُهُ- صِنْفَيْنِ: صِنْفاً مِنْهُمْ أَهْلَ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، وَصِنْفاً مِنْهُمْ أَهْلَ الضَّرَرِ وَالزَّمَانَةِ؛ فَخَصَّ أَهْلَ الصِّحَّةِ

____________

(1). آل عمران (3): 44؛ يوسف (12): 102.

(2). الجن (72): 26 و 27.

(3). الروم (30): 3.

(4). الرعد (13): 2.

(5). في «ب» و «ج»: «والسبق».

147

وَالسَّلَامَةِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، بَعْدَ مَا أَكْمَلَ لَهُمْ آلَةَ التَّكْلِيفِ، وَوَضَعَ التَّكْلِيفَ عَنْ أَهْلِ الزَّمَانَةِ وَالضَّرَرِ؛ إِذْ قَدْ خَلَقَهُمْ خِلْقَةً غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ لِلْأَدَبِ وَالتَّعْلِيمِ، وَجَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ سَبَبَ بَقَائِهِمْ أَهْلَ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، وَجَعَل بَقَاءَ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ بِالْأَدَبِ وَالتَّعْلِيمِ. فَلَوْ كَانَتِ الْجَهَالَةُ جَائِزَةً لِأَهْلِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، لَجَازَ وَضْعُ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ، وَفِي جَوازِ ذلِكَ بُطْلَانُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْآدَابِ، وَفِي رَفْعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْآدَابِ فَسَادُ التَّدْبِيرِ، وَالرُّجُوعُ إِلى‏ قَوْلِ أَهْلِ الدَّهْرِ؛ فَوَجَبَ في عَدْلِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَحِكْمَتِهِ أَن يَخُصَّ مَنْ خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ خِلْقَةً مُحْتَمِلَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ لِئَلَّا يَكُونُوا سَدًى مُهْمَلِينَ؛ وَلِيُعَظِّمُوهُ، وَيُوَحِّدُوهُ، ويُقِرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ؛ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّهُ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ؛ إِذ شَوَاهِدُ رُبُوبِيَّتِهِ دَالَّةٌ ظَاهِرَةٌ، وَحُجَجُهُ نَيِّرَةٌ وَاضِحَةٌ، وَأَعْلَامُهُ لَائِحَةٌ تَدْعُوهُمْ إِلى‏ تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَشْهَدُ عَلى‏ أَنْفُسِهَا لِصَانِعِهَا بِالرُّبُوبِيَّةِ وَاه‏ضِ‏لهِيَّةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ آثَارِ صُنْعِهِ، وَعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ، فَنَدَبَهُمْ إِلى‏ مَعْرِفَتِهِ؛ لِئَلَّا يُبِيحَ لَهُمْ أَنْ يَجْهَلُوهُ وَيَجْهَلُوا دِينَهُ وَأَحْكَامَهُ؛ لِأَنَّ الْحَكِيمَ لَايُبِيحُ الْجَهْلَ بِهِ وَالْإِنْكارَ لِدِينِهِ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: «أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ»، وَقَالَ: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ»، فَكَانُوا مَحْصُورِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، مَأْمُورِينَ بِقَوْلِ الْحَقِّ، غَيْرَ مُرَخَّصٍ لَهُم فِي الْمُقَامِ عَلَى الْجَهْلِ؛ أَمَرَهُمْ بِالسُّؤَالِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، فَقَالَ عَزَّوَجَلَّ: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ»، وَقَالَ: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»*.

فَلَوْ كَانَ يَسَعُ أَهْلَ الصِّحَّةِ والسَّلَامَةِ الْمُقَامُ عَلَى الْجَهْلِ، لَمَا أَمَرَهُمْ بِالسُّؤَالِ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلى‏ بَعْثَةِ الرُّسُلِ بِالْكُتُبِ وَالْآدَابِ، وَكَانُوا يَكُونُونَ عِندَ ذلِكَ بِمَنْزِلةِ الْبَهَائِمِ، وَمَنْزِلةِ أَهْلِ الضَّرَرِ وَالزَّمَانَةِ، وَلَوْ كَانُوا كَذلِكَ لَمَا بَقُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ.

الهديّة السابعة:

(من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة) أي من اتّفاق أهل عصرنا في الغيبة الصغرى على طلب الجهالة وزيادتها مصرّين فيه ومبالغين في شهرتها.

ولانحصار حصول العلم والقطع بما هو الحقّ في الامور التي يجري فيه الاختلاف‏

148

من غير مكابرة واعتساف فيما مأخذه المعصوم المنصوص الممتاز عن الجميع في الجميع حسباً ونسباً عاقلًا عن اللَّه؛ لانحصار الأعلمية بما في هذا النظام في صانعه ومدبّره، اختصّ اسم العلم بما مأخذه المأخوذ عن الحجّة المعصوم، واسم الجهل بخلافه.

و «التوازر»: التعاون.

و «عمارة الطريق»: عبارة عن كونه شارعاً لعامّة الناس.

(ومباينتهم العلم وأهله) أي مفارقتهم، وعدم طلبهم ما هو الحقّ. وأهله الإمام وشيعته.

(كاد العلم معهم) أي مع وجود اولئك المصطلحين على الجهالة.

(أن يأرز كلّه)، على المعلوم بتقديم المهملة، كنصر، وضرب، وعلم، يعني أن يخفى ويستتر بتمامه. قال ابن الأثير في نهايته: فيه: «إنّ الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها» أي ينضمّ إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها (1). (2)

(وتنقطع موادّهُ) أي باختفاء علماء الشيعة وكتب أحاديث أئمّتهم (عليهم السلام)؛ لاشتداد التقيّة في الغيبة الصغرى، فإنّ الاصول الأربعمائة المتعارفة المتداولة فيما بينهم اخفيت تمامها على التدريج؛ لاشتداد التقيّة كذلك من زمن المتوكّل عاشر الخلفاء العبّاسية إلى زمن استيصالهم.

(لما قد رضوا)، بكسر اللّام للتعليل.

في بعض النسخ: «ويضيّعوا» من التضييع مكان: «ويضعوا» من الوضع بمعنى الحطّ. وضع فلان كحسن: صار وضيعاً. ووضعه غيره، كعلم وضعاً، وَضَعةً وضِعة بالفتح والكسر، والهاء عوض الواو.

و (المقام) بالفتح: مصدر ميميّ بمعنى الإقامة، واسم المكان أيضاً، أي موضع القيام؛

____________

(1). في «الف»:-/ «فيها».

(2). النهاية لابن الأثير، ج 1، ص 41 (أرز).

149

وكذا «المقام» بالضمّ. [قال‏] الجوهري:

وأمّا «المَقام» و «المُقام» فقد يكون كلّ واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام؛ لأنّك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، وإن جعلته من أقام يقيم فمضموم؛ لأنّ الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم؛ لأنّه مشتبه ببنات الأربع، نحو دحرجَ، وهذا مُدحرجُنا، وقوله تعالى: «لا مُقامَ لَكُمْ» (1) بالضمّ، أي لا إقامة لكم و «حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً»، (2) أي موضعاً. (3)

(بجميع اموره)، بأنّ جميعها ما جاء به النبيّ (صلى الله عليه و آله).

(على جهة الاستحسان)، حالية، يعني استحسان الأنفس بأهوائها، آرائها، وقياساتها.

(والنشوء عليه) يعني وتجدّد الاتّصاف‏ (4) بالاستحسان الموصوف في كلّ زمان للأحكام بل لحكمٍ واحد بعد الاتّصاف به سابقاً، و «النشوء» بالضمّ: مصدر نشأ كمنع؛ أي الحدوث ابتداءً.

(والكبراء) أي الرؤساء الغير المستندين إلى العلم الموصوف آنفاً.

(في دقيق الأشياء وجليلها): حقيرها وعظيمها، أو غامضها وواضحها.

(خِلقة) بالكسر: للنوع، منفصلة ممتازة.

(محتملة للأمر والنهي) أي قابلة بالاستطاعة المخلوقة فيها للإطاعة في الأمر والنهي.

(والزمانة) بالفتح: آفة معروفة [قال‏] الجوهري: رجل زمن، أي مبتلى بيّن الزمانة. (5)

(بعد ما أكملهم آلة التكليف) من قدر العقل والاستطاعة والتمكّن من الفعل والترك، بصحّة الجوارح وانتفاء الموانع.

(ووضع التكليف عن أهل الزمانة والضرر) أي بقدرهما.

____________

(1). الأحزاب (33): 13.

(2). الفرقان (25): 76.

(3). الصحاح، ج 5، ص 2017 (قوم).

(4). في «الف»: «الإنصاف».

(5). الصحاح، ح 5، ص 2131 (زمن).

150

(غير محتملة للأدب والتعليم) يعني كاحتمال أهل الصحّة والسلامة.

(سبب بقائهم) أي سبب صلاح معاشهم ومعادهم.

(فلو كانت الجهالة جايزة) أي الجهالة الموصوفة التي يوجبها القول بعدم الحاجة لمكان العقل في مثل هذا النظام العظيم بهذه الآراء المختلفة وهذه الاختلافات إلى الحجج المعصومين العاقلين عن اللَّه، المنحصر فيه الأعلميّة بتدبيره.

و (الآداب): عبارة عن السنن والشرائع، وإنّما في رفعها (فساد التدبير) أي في الامور ونظامها؛ لمكان الآراء المختلفة الداعية إلى الاختلاف. أو المعنى: وفي رفعها لزوم القول ببطلان حقّية بداهة الحكم بأنّ الأعلميّة بما في العالم منحصرة في مدبّر نظامه بهذا النسق.

فالمراد من قول أهل الدهر على الأوّل: قول الملاحدة الدهريّة، من البراهمة وغيرهم بعدم الحاجة إلى الأنبياء والحجج؛ لاستقلال العقل في معرفة الأشياء وحقايقها.

وعلى الثاني: قول الصوفيّة القدريّة التابعين للدهريّة في نسبة التقادير والتدابير إلى أعيان الأشياء وحقائقها، ثمّ قالت الدهريّة: إنّما ظهورها بالدهر، وقالت الصوفيّة: ليس للوجود إلّاإفاضة الوجود، على ما نقلنا عن بعض المعاصرين في أواخر الهديّة الاولى.

(أن يخصّ من خلق من خلقه) أي بالآمريّة والزاجريّة من عنده كلّ من خلق من جملة خلقه (خلقة محتملة) لأمر اللَّه ونهيه له، ولا لآمريّة والزاجريّة لغيره من عنده سبحانه.

وبعبارة اخرى: أن يخصّ الذين خلقهم من خلقه‏ (1) خلقة محتملة للمطيعيّة والمطاعيّة بالحجّيّة من عنده آمرين وزاجرين.

و «السّدى بالضمّ والقصر وينوّن كالهدى: المهمل. غنم سدى: مهملة بلا راع. [قال‏]

____________

(1). في «الف»:-/ «خلقه».