الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
151

الجوهري: وبعضهم يقول: سدى بالفتح. وأسديتها: أهملتها. (1)

و (مهملين): خبر بعد الخبر على ضرب من التجريد، أي لئلّا يكونوا بلا راع مهملين.

و (ليعظّموه) أي بالمعرفة الدينيّة التي لا تحصل إلّابإخبار الحجج المعصومين العاقلين عن اللَّه.

(ويوحّدوه) أي يقرّوا له تعالى بالوحدانيّة في جميع خصوصيّاته حتّى وحدانيّة الوحدة بأنّها ليست من باب وحدة العدديّة، تلزمها الاثنينيّة، ووحدانيّة الوحدة فردانيّة القدم، ولا قديم في باب القدم سواه تبارك وتعالى.

(ويقرّوا له بالربوبيّة) أي للعالمين بالخصوصيّات التي عرّف بها نفسه تبارك وتعالى.

(إذ شواهد ربوبيّته دالّة ظاهرة): تعليل لمقدّر مفهوم من التعليلات السابقة، مثل:

«وقد تمّت عليهم الحجّة»؛ فإنّ شواهد ربوبيّته من عجائب الآثار والتقادير، وغرائب الصنائع والتدابير التي تحصل بها المعرفة الفطريّة لكلّ ذي شعور البتّة دالّة ظاهرة، وحججه المعصومين المنصوصين الذين لا تحصل المعرفة الدينيّة إلّابهم.

(نيّرة واضحة) وهم أعلامه اللّائحة.

(تدعوهم إلى توحيد اللَّه) أي الحجج، الإعلام إلى ذلك بالمعرفة الدينيّة.

(وتشهد) أي شواهد ربوبيّته من الأرض والسماء وما بينهما من سائر آثار الصنع وعجائب التدبير سيّما خلقة الإنسان، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.

(فندبهم إلى معرفته). ندبه لأمر بالمفردة، كنصر فانتدب: دعاه له فأجاب.

(لئلّا يبيح لهم أن يجهلوه) أي لئلّا يجوّز لهم بترك ندبتهم إلى المعرفة الدينيّة أن يجهلوه جهلًا بخصوصيّاته المعلومة بالمعرفة الدينيّة؛ لأنّ الحكيم قبيحٌ عليه تجويز الجهل به كذلك.

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2374 (سدا).

152

والآية الاولى في سورة الأعراف‏ (1). وفي التفسير: ألم يؤخذ على العباد ميثاق كلّ كتاب مُنزلٍ من لدن آدم إلى آخر الزمان أن لا يقولوا على اللَّه في المختلف فيه بلا تعصّب وعناد إلّاالحقّ الواقعي الذي لا يجري فيه الشكّ أصلًا؛ لأخذه عن الحجّة المعصوم الممتاز العاقل عن اللَّه سبحانه.

والآية الثانية في سورة يونس‏ (2). والثالثة في سورة التوبة. (3)

(فكانوا محصورين بالأمر والنهي) أي مضيّقين عليهم في قبول التكليف، أو محفوظين في حِصار الدِّين‏ (4).

حصره حصراً كنصر: جعله في حصار وضيّق عليه.

(مأمورين بقول الحقّ) أي المأخوذ عن المعصوم، أو بإطاعة قول المعصوم، وهو العلم واليقين الذي لا سبيل للشكّ إليه أصلًا.

(ولم يكن يحتاج) يحتمل المعلوم وخلافه. والمستتر على الأوّل لِفاعل «أمرهُم».

(لَما بقوا طرفة عين)؛ لمكان الفساد في معاشهم مكان الصّلاح فيه إذا كان لا شريعة في الدنيا ولا طلب الرحمة أصلًا، وقد قدّر اللَّه تعالى بقاء الدنيا في مدّتها بالمؤمن باللَّه واليوم الآخر ولو كان شخصاً واحداً كما كان إبراهيم (عليه السلام) مدّة امّة بانفراده، وللزوم بطلان الحكمة والتدبير كما قيل.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة» أي على الحكم ظنّاً بغير حكم اللَّه سبحانه فيما يجري فيه الاختلاف وفي دليله بلا مكابرة، كمضامين الآيات المتشابهة، سواء كان ذلك الحكم من دليل يجري فيه الشكّ فيه بلا مكابرة، أو بادّعاء صفاء الباطن بالرياضة كما يدّعون الصوفيّة.

____________

(1). الأعراف (7): 169.

(2). يونس (10): 39.

(3). التوبة (9): 122.

(4). في «الف»:+/ «والدنيا ولاطلب الراحة».

153

و «الأروز» بتقديم الرّاء وتأخير الزّاي: مصدر باب ضرب ونصر وعلم، يعني أن يصير صغيراً ويختفي.

وفي «كاد» إشارة إلى ما في كتاب الحجّة في الثالث في الباب الثامن والسبعين، والثالث عشر في الباب التاسع والسبعين من قوله: «إنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز كلّه ولا تنقطع موادّه». (1)

وهذه الشكاية مذكورة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة في خطبته الّتي أوّلها:

«أمّا بعد، فإنّ اللَّه لم يقصم جبّاري دهر [قطّ] إلّابعد تمهيلٍ ورخاءٍ». (2)

«بجميع اموره»، أي بجميع ضروريّاته من الصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة وغير ذلك، فيحكمون فيها «على جهة الاستحسان» ويسمّون أحكامهم كذلك بضروريّات الدِّين.

و «النشوء»: الطلوع على صفة.

و «الأدب»: الطريقة الحسنة فعلًا، أو تركاً.

و «الفاء» في «فلو كانت الجهالة جائزة» بيانيّة، أو للترتيب الذكري، كما تكون عند الانتقال من مقدّمة تمهيديّة إلى الاستدلال؛ أو من استدلال إلى آخر «والرجوع على قول أهل الدهر» وهو إنكارهم اختيار الصانع، وحدوث العالم على زعمهم امتناع تخلّف المعلول عن علّته التامّة، وأنّ ظهور الأشياء فقط في الدنيا أزلًا وأبداً بالدّهر، كما حكى اللَّه سبحانه في سورة الجاثية قولهم: «ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ» (3).

«فوجب في عدل اللَّه وحكمته أن يخصّ من خلق من خلقه» أي كلّ من خلق من جملة أهل الصحّة والسلامة أهلًا للإبلاغ أيضاً بأمره ونهيه.

«فكانوا محصورين بالأمر والنهي» أي في حصار الأمر والنهي.

«ولم يكن يحتاج» على المعلوم. والفاعل هو «اللَّه» يعني إلى وجوب «بعثة الرُّسل» عليه؛ رعايةً للمصالح، ودفع اعتراض الناس بحجّتهم عليه، كما قال سبحانه في سورة النساء: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ‏

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 335، باب نادر في الغيبة، ح 3.

(2). نهج البلاغة، ص 121، الخطبة 88.

(3). الجاثية (45): 24.

154

اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» (1).

«لما بقوا طرفة عين» أي لو لم يكن حكمة التكليف والمنع من العمل بالظنّ فيما يجري فيه الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة لكان خلقه العالم عبثاً تعالى عن ذلك عُلوّاً كبيراً، قال اللَّه تعالى: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً» (2).

وقال الفاضل الإسترآبادي (رحمه الله) بخطّه:

«أنّ يأرز كلّه» سيجي‏ء في باب الغيبة: «فيأرز العلم كما يأرز الحيّة في جحرها». وفي النهاية لابن الأثير، وفي الصحاح للجوهري: «إنّ الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها» أي ينضمّ إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها. (3)

ثمّ قال بخطّه:

وأقول: كأنّه إشارة إلى ما وقع بعده (صلى الله عليه و آله) في ابتداء الأمر حيث انحصر الإسلام في أهل الكساء وفي جمع قليل من أتباعهم. (4)

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

«أن يأرز كلّه»، «الأرز» بتقديم المنقوطة على غيرها جاء بمعنى القوّة وبمعنى الضعف، وهنا بمعنى الضعف. ويحتمل أن يكون «يأرز» بتقديم الغير المنقوطة عليها. وسيجي‏ء في باب الغيبة: «فيأرز العلم كما تأرز الحيّة في جحرها».

وقال الجوهري في معنى: «إنّ الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها، أي ينضمّ إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها». (5)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله) بعد ضبطه: «أنّ يأرز» كالأكثر:

واحتمال «أن يأزر» بتقديم الزّاي على الرّاء بمعنى: أن يضعف كما ترى، و «الأزر» القوّة والضعف؛ ضدّ.

____________

(1). النساء (4): 165.

(2). المؤمنون (23): 115.

(3). النهاية لابن الأثير، ج 1، ص 41 (أرز)؛ الصحاح، ج 3، ص 864 (أرز).

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 82.

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 35.

155

ثمّ قال:

«أن يخصّ من خلق من خلقه» في بعض النسخ: «أن يحصر» أي أن يضيّق عليهم، من حصره كنصر: ضيّق عليه وأحاط به، وهو يناسب قوله بعد: «فكانوا محصورين بالأمر والنهي»، والمضبوط أكثر وأنسب بالمقام.

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ بَقاؤُهُمْ إِلَّا بِالْأَدَبِ وَالتَّعْلِيمِ، وَجَبَ أَنَّهُ لَابُدَّ لِكُلِّ صَحِيحِ الْخِلْقَةِ، كَامِلِ الْآلَةِ مِنْ مُؤَدِّبٍ وَدَلِيلٍ وَمُشِيرٍ، وَآمِرٍ وَنَاهٍ، وَأَدَبٍ وَتَعْلِيمٍ، وَسُؤَالٍ وَمَسْأَلَةٍ.

فَأَحَقُّ مَا اقْتَبَسَهُ الْعَاقِلُ، وَالْتَمَسَهُ الْمُتَدَبِّرُ الْفَطِنُ، وَسَعى‏ لَهُ الْمُوَفَّقُ الْمُصِيبُ، الْعِلْمُ بِالدِّينِ، وَمعرِفَةُ مَا اسْتَعْبَدَ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَشَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَزَوَاجِرِهِ وَآدَابِهِ؛ إِذْ كانَتِ الْحُجَّةُ ثَابِتَةً، وَالتَّكْلِيفُ لَازِماً، وَالْعُمْرُ يَسِيراً، وَالتَّسْويفُ غَيْرَ مَقْبُولٍ.

الهديّة الثامنة:

(بقاؤهم) أي بقاء أهل الصحّة والسلامة بصلاح معاشهم.

(من مؤدّب) من الحقّ.

(ودليل) إلى الحقّ.

(ومشير) إلى الخير، وحسن العاقبة لصلاح المعاش والمعاد.

(وآمر) بالمعروف.

(وناهٍ) عن المنكر.

وطريقة مستقيمة بتعريفهم وتعليمهم إيّاها، وسؤاله المتشابهات، ومسألته الأحكام عنهم.

(فأحقّ ما اقتبسه العاقل) أي بعدما أعطاه اللَّه من المعرفة الفطريّة الحاصلة بالشواهد الأوّليّة للربوبيّة من الأرض والسماء وما بينهما من سائر الآثار العجيبة المعلنة، والصنايع الغريبة المتقنة. وأوّليتها بالنسبة إلى خواتيم شواهد الربوبيّة من الحجج المعصومين ودلالاتهم، والكتب الإلهيّة وآياتها.

156

(العلم بالدِّين) أي المعرفة الدينيّة، وهي (معرفة ما استعبد اللَّه به خلقه من توحيده) على ما عرّف به نفسه، بحيث لا يتمّ إلّابمعرفة الرسالة والإمامة.

(إذا كانت الحجّة ثابتة). ناظر إلى ما سبق من قوله طاب ثراه: «فوجب في عدل اللَّه جلّ وعزّ وحكمته أن يخصّ» إلى آخره.

(والتكليف لازماً) إلى مثل قوله: «فندبهم إلى معرفته».

(والعمر يسيراً) تشييد لتأثير النصيحة والموعظة، وإيقاظ للنائم من نوم الغفلة عن قِصَر العمر في دار العمل، وطول زمان الخلود في دار المكآفأة.

(والتسويف غير مقبول)؛ لما ذكر.

قال برهان الفضلاء:

«صحيح الخلقة»، عبارة عن المقابل للتكليف من جملة الرعيّة. وكلّ من «المؤدّب» و «الدليل» و «المشير» و «الآمر» و «الناهي» عبارة عن الإمام العالم بجميع الأحكام في كلّ زمان، نبيّاً أو وصيّاً.

و «الإشارة»: إخراج العسل من الكندوج، استُعيرت هنا لبيان الأدب الخالص.

و «الأدب» و «التعليم»: إشارة إلى قسم من الأدب، وهو الذي علّم قبل السؤال بمحكمات الكتاب.

و «السؤال» و «المسألة»: إلى قسم آخر من الأدب، وهو الذي ليس في محكمات الكتاب، وعِلْمُه يحتاج إلى سؤال أهل الذِّكر.

و «المسألة»: مصدر ميمي، من باب مَنَع بمعنى التوقّف عند السؤال لفهم المسؤول عنه حَسَناً.

و «الفاء» في «فأحقّ» للتفريع.

و «إذ كانت الحجّة»: تعليل للأحقّية المذكورة.

وقال الفاضل الاسترآبادي: «وجب أنّه لابدّ لكلّ صحيح الخلقة» الدلالة على بطلان الاجتهاد الظنّي. (1)

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، 82.

157

فإن أردت البيان لإجماله، فخُذ معياراً ممّا بيّناه في الهدية الاولى بعد نقل كلام برهان الفضلاء وحكايته كلام شيخ الطائفة في كتاب عدّة الاصول.

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

وَالشَّرْطُ مِنَ اللَّهِ- جَلَّ ذِكْرُهُ- فيمَا اسْتَعْبَدَ بِهِ خَلْقَهُ أَنْ يُؤَدُّوا جَمِيعَ فَرَائِضِهِ بِعِلْمٍ وَيَقِينٍ وَبَصِيرَةٍ؛ لِيَكُونَ الْمُؤَدِّي لَهَا مَحْمُوداً عِنْدَ رَبِّهِ، مُسْتَوْجِباً لِثَوَابِهِ وَعَظِيمِ جَزَائِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَدِّي بِغَيْرِ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ لَايَدْرِي مَا يُؤدِّي، وَلَايَدْرِي إِلى‏ مَنْ يُؤَدِّي، وَإذا كانَ جَاهِلًا، لَم يَكُنْ عَلى‏ ثِقَةٍ مِمَّا أَدّى‏، وَلَا مُصَدِّقاً؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ لَايَكُونُ مُصَدِّقاً حَتّى‏ يَكُونَ عَارِفاً بِمَا صَدَّقَ بِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا شُبْهَةٍ؛ لأَنَّ الشَّاكَّ لَايَكُونُ لَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّقَرُّبِ مِثْلُ مَا يَكُونُ مِن الْعَالِمِ الْمُسْتَيْقِنِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ مَقْبُولَةً لِعِلَّةِ الْعِلْمِ بِالشَّهَادَةِ، وَلَوْ لَاالْعِلْمُ بالشَّهَادَةِ، لَمْ تَكُنِ الشَّهَادَةُ مَقْبُولَةً.

وَالْأَمْرُ فِي الشَّاكِّ- المُؤَدِّي بِغَيْرِ عِلْمٍ وَبَصِيرَة- إِلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، إِنْ شَاءَ تَطَوَّلَ عَلَيْهِ، فَقَبِلَ عَمَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَفْرُوضَ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَيَقِينٍ؛ كَيْ لَايَكُونَ مِمَّنْ وَصَفَهُ اللَّهُ، فَقَالَ تَبارَكَ وَتَعَالَى‏: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ»؛ لِأَنَّهُ كانَ دَاخِلًا فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا يَقِينٍ، فَلِذلِكَ صَارَ خُرُوجُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا يَقِينٍ.

وَقَدْ قَالَ الْعَالِمُ (عليه السلام): «مَنْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ بِعِلْمٍ، ثَبَتَ فِيهِ، وَنَفَعَهُ إِيمَانُهُ، وَمَن دَخَلَ فِيهِ بِغَيرِ عِلْمٍ، خَرَجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ فِيهِ».

وَقَالَ (عليه السلام): «مَنْ أَخَذَ دِينَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ- (صلوات اللَّه عليه) وَآلِهِ- زَالَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ، وَمَنْ أَخَذَ دِينَهُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ، رَدَّتْهُ الرِّجَالُ».

وَقَالَ (عليه السلام): «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَمْرَنَا مِنَ الْقُرْآنِ، لَمْ يَتَنَكَّبِ الْفِتَنَ».

158

الهديّة التاسعة:

كاد أن توجب هذه الفقرات خاصّة القطع بأنّ خطبة الكافي من أمالي الصاحب (عليه السلام)، كما يوجب ساير فقراتها ظنّاً بذلك. وإنّما الشرط من اللَّه جلّ ذكره على خلقه فيما ذكر كما ذكر؛ لأنّ عظمته جلّت جلالته لن ترضى إلّابأن يُخبر عباده بما يحصل لهم به المعرفة الدينيّة بحيث يكون اعتقاد الجميع بجميع ضروريّات الدِّين على السواء، كالشمس بالنظر إلى جميع الأنظار، فكما أنّ الشمس في كلّ نظر خال عن الآفة هي بعينها في جميع الأنظار السليمة، كذلك الاعتقاد بضروريّات الدِّين لجميع المؤمنين، ولذا اعتقاد أبناء السبع منهم بتسوية الأرض بزلزلة الساعة- مثلًا- بحيث يرى من في المغرب البيضة التي في المشرق كما سمعوا من آبائهم ومعلّميهم هو بعينه أصل اعتقاد السبعين منهم وإن كانوا فضلاء متبحّرين. وهل تفاوت عند المؤمنين صبيانهم وكبرائهم، مبتديهم ومنتهيهم في الاعتقاد بجسمانيّة نكير ومنكر وعموديهما الموصوفين، وسؤالهما عن الربّ تعالى، والنبيّ، والإمام، والكتاب وغير ذلك، وإحياء الميّت في القبر وجلوسه حيّاً، ثمّ قبضه ثانياً، والحشر الجسماني لجميع الأوّلين والآخرين، والميزان والصراط الجسمانيّين‏ (1)، وتطاير الكتب الجسمانيّة، وكذا النار ودركاتها بعقاربها وحيّاتها، والجنّة بدرجاتها وحورها وقصورها وعيونها، وغير ذلك ممّا لا عين رأيت ولا اذن سمعت؟! (2)

ولانحصار القطع بحقّيّة حكم ممّا يجري فيه الاختلاف وفي دليله بلا مكابرة في حكم الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه؛ لانحصار الأعلميّة بما في هذا النظام في مدبّره سبحانه، انحصر حصول المعرفة الدينيّة على «علمٍ ويقين وبصيرةٍ» في الفرقة الإماميّة، بطاعة مفترض الطاعة، وهو الذي لعصمته وامتيازه عن الجميع في جميع المكارم، ودلالات حجّيّته، ومعجزات حقّيّته لا يتطرّق الشكّ إلى حكمه أصلًا، فيكون المؤدّي‏

____________

(1). في «الف»: «الجسماني».

(2). اقتباس من المرويّ في الفقيه، ج 1، ص 295، ح 905.

159

للفرائض بطاعته وحكمه «محموداً عند ربّه، مستوجباً لثوابه وعظيم جزائه»؛ لأنّه الذي يؤدّي بعلمٍ ويقين وبصيرةٍ.

أمّا الجاهل بالحجّة المعصوم فلا يؤدّي إلّاعلى شكّ وشبهة؛ لامتناع أن لا يتطرّق إلى مثله الشكّ؛ لما صحّ من الانحصار المذكور بالإجماع الحقّ من غير المكابرين، والشاكّ لا يكون له ممّا ذكر مثل ما يكون من العالم المستيقن، وقد قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة الزخرف: «وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» (1).

(والأمر في الشاكّ المؤدّي بغير علم وبصيرة إلى اللَّه عزّ وجلّ): جواب عن سؤال مقدّر ينبغي الجواب عنه؛ لكثرة خطوره على الأفكار في أكثر الأعصار، أو عن سؤال محقّق في جملة شكاية ذلك الأخ إلى ثقة الإسلام ومسائله عنه طاب ثراه. وهو مثل، فما أمر أكثر الناس في أكثر الأعصار وهم منتمين‏ (2) إلى الإماميّة بإيمانهم بولاية الاثني عشر (عليهم السلام) وإنكارهم الفلان والفلان والفلان، إلّاأنّهم متوقّفون في طعن طائفة من مشائخ وكبراء الصوفيّة القدريّة ولَعنِهم؛ لجهلهم بأصل طريقتهم، المحفوف بفنون خادعة ورسوم رائعة من خدع الشيطان بفكره في أواخر عمره، وميلهم بالاستحسان إلى ظواهر من مخادعتهم في الأقوال، ومطايبتهم في الأمثال، ومجاهدتهم في الأعمال، وإلى هذا صرّح طاب ثراه بقوله بعد: «لأنّه كلّما رأى كبيراً من الكبراء مالَ معه، وكلّما رأى شيئاً استحسن ظاهره قَبِله».

وخلاصة الجواب: أنّ مثل المنتمي الموصوف منتحل شاكّ لا يؤدّي ما عليه بعلمٍ‏ (3) ويقين وبصيرة فأمره إلى اللَّه عزّ وجلّ، وللَّه فيه المشيئة، إن شاء تفضّل عليه بالتوفيق للتوبة وقبول توبته فقبل عمله، وإن شاء ردّ عليه بالخذلان؛ لأنّ الشرط على كلّ شيعة

____________

(1). الزخرف (43): 86.

(2). في «ب» و «ج»: «منتهين».

(3). في «ب، ج»: «بعين».

160

من اللَّه في الميثاق أن يؤدّي ما عليه بعلمٍ وبصيرة ويقين كما حكم به الحجّة المعصوم المبين.

وقد قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «القدريّة مجوس هذه الامّة». (1)

وقال الهادي أبو الحسن الثالث (عليه السلام): «إنّ أخسّ الطوائف: الصوفيّة، والصوفيّة كلّهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلّانصارى ومجوس هذه الامّة»، (2)

الحديث. وقد ذكر في أواخر الهديّة الاولى.

وإلّا فكان ممّن وصفه اللَّه تعالى في سورة الحجّ فقال تبارك وتعالى: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ» (3) الآية، أي على شكّ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «نزلت هذه الآية في قوم وحّدوا اللَّه وخرجوا من الشرك، ولم يعرفوا أنّ محمّداً (صلى الله عليه و آله) رسول اللَّه، فهم يعبدون اللَّه على شكّ في محمّد وما جاء به (صلى الله عليه و آله)، فأتوا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فقالوا: ننظر، إنّ كثرت أموالنا وعوفينا في أبداننا (4) وأولادنا علمنا أنّه صادق وأنّه رسول اللَّه، وإن كان غير ذلك نظرنا، فأنزل اللَّه تعالى: «فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ» مشركاً يدعو غير اللَّه ويضلّ. ومنهم مَن عرف فدخل الإيمان على قلبه، فهو مؤمن مصدّق ونزوله عن منزلته من الشكّ إلى الإيمان. ومنهم من يلبث على شكّه. ومنهم مَن ينقلب إلى الشرك». (5)

(وقد قال العالم (عليه السلام))، يعني الكاظم، أو الصاحب (عليهما السلام)، أو واحداً من الأئمّة (عليهم السلام): (مَن دخل في الإيمان بعلم) الحديث، أي في التشيّع، بعلمٍ ويقين لا يجري فيه الشكّ أصلًا كما وصف.

____________

(1). التوحيد، ص 382، باب القضاء والقدر و ..، ح 29؛ بحارالأنوار، ج 5، ص 6، ذيل الحديث 4؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 634، ح 4691.

(2). حديقة الشيعة، ص 602- 603؛ ورواه عن قرب الإسناد في إكليل المنهج، ص 129.

(3). الحجّ (22): 11.

(4). في المصدر: «في أنفسنا».

(5). تفسر القمّي، ح 2، ص 79، ذيل الآية 11 من الحج (22).

161

(وقال (عليه السلام): مَن أخذ دينه من كتاب اللَّه وسنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله)) الحديث، أي من محكمات الكتاب، أو من كتاب اللَّه الخاصّ علمه بقيّميّة المعصومين، وسنّة نبيّه المحفوظة المضبوطة بأوصيائه المنصوصين (صلوات اللَّه عليهم).

(وقال (عليه السلام): من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكّب الفتن) أي فرض طاعتنا من محكمات القرآن، أو من القرآن المخصوص علمه بالحجّة المعصوم المنصوص؛ لم يتباعد عن الفتن ومضلّاتها، كالمنتمي إلى الإماميّة وهو شاكّ في بطلان طريقة التصوّف، ومتوقّف في طعن أهله ولعن طواغيتهم ومشايخهم لعنهم اللَّه.

«تنكّبه» على المعلوم من التفعّل: تجنّبه وتباعد عنه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

و «الشرط من اللَّه جلّ ذكره»: عاطفة على جملة «كانت الحجّة»، أو حاليّة.

والمراد بالفرائض هنا: الواجبات التي أوعد اللَّه تعالى على تركها بالنار.

وب «العلم»: القطع ببراءة الذمّة من الفريضة، فلا ينافي جواز العمل بالخبر الواحد بشروطه المقرّرة؛ فإنّ البرهان الدال على جوازه يفيد العلم ببراءة الذمّة به. وهذا احتراز عن التأدية ظنّاً ببراءة الذمّة، كطاعة واحدٍ من المدّعين للإمامة من دون علمٍ بأنّه بخصوصه مفترض الطاعة، وكتأدية صيام شهر رمضان بلا صيام يوم الشكّ، وبلا دليل من الخارج دالّ على الإجزاء.

وذكر اليقين بعد العلم، إشارة إلى أنّ العلم قد يُطلق على الأعمّ من اليقين والظنّ، وليس المراد هنا.

وذكر البصيرة بعد اليقين إشارة إلى أنّ اليقين قد يُستعمل فيما صاحبهُ معرضٌ عن مقتضاه، كما في آية سورة النمل: «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ» (1)، وليس المراد هنا.

فظهر أنّ عطف اليقين والبصيرة من قبيل عطف التفسير؛ لأنّ «الذي يؤدّي بغير علم وبصيرة» استدلال بدليل عقلي على الشرط المذكور.

____________

(1). النمل (27): 14.

162

و «الباء» في «بغير علم» للسببيّة. والمراد «بغير العلم» القدر المشترك بين الظنّ، والتقليد، واعتقاد المبتدي.

وصدر الآية في سورة الزخرف: «وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا» (1) الآية. ولا يخفى ما في هذه الآية من الدلالة على أنّ العمل بفتوى رجل من الرعيّة على ثلاثة أقسام: الأوّل: أن لا يكون الفتوى من اليقين بالحكم الواقعي. والثاني: أن يكون من اليقين به مع تجويز السائل خلافه، والثالث: أن يكون من اليقين به مع علم السائل بأنّه من اليقين به. والفتوى على الأوّلين لا يقبل ولا يجوز العمل به بخلاف الثالث، فإنّه يقبل ويجوز العمل به.

وأشار المصنّف طاب ثراه بذكر آية سورة الحجّ: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ» الآية، إلى أنّ أهل الشكّ لهم خطران: أحدهما: في الدنيا، والآخر. في الآخرة، وأهل الشكّ على ثلاثة أقسام؛ فإنّ المكلّفين في كلّ زمانٍ إمّا المؤمنون حقّاً و «الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» في الفاتحة عبارة عنهم. وإمّا الكافرون قلباً، سواء كان جحدهم لساناً أيضاً أو لا، كالمنافقين و «الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» فيها عبارة عنهم. وأمّا الواسطة بين المؤمنين والكافرين والضالّين عبارة عنهم. والضّالون قسمان: أهل الشكّ، وغير أهل الشكّ. والأوّل أقسام ثلاثة: من يعبد اللَّه على حرفٍ، والمُعارون، والمؤلّفة قلوبهم.

والثاني، يعني غير أهل الشكّ من الضالّين أقسام أربعة: أهل خلط العمل الصالح بالعمل السيئ، والمُرْجَون لأمر اللَّه، والمستضعفون، وأصحاب الأعراف.

وسيبيّن تداخل بعض هذه الأقسام في بيان الأوّل والثاني في الباب الرابع والستّين والمائة من كتاب الإيمان والكفر، كبيان الأقسام السبعة للضالّين، كلٌّ في باب على حدة منه، إلّاأهل الخلط وذكرهم في باب أصحاب الأعراف، لما سيذكر هناك إن شاء اللَّه تعالى.

والمراد من «العالم» في الأحاديث الثلاثة خصوص صاحب الزمان (صلوات اللَّه عليه) بتوسّط السُّفراء أو مشافهة، أو المراد واحدٌ من الأئمّة (عليهم السلام)، أو الكاظم (عليه السلام).

____________

(1). الزخرف (43): 86.

163

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ومن الناس من يعبد اللَّه على حرفٍ» أي على وجهٍ واحدٍ، كأن يعبدهُ على السرّاء لا الضرّاء، أو على شكّ، أو على غير طمأنينة. والحاصل: أنّه لا يدخل في الدِّين متمكّناً مستقرّاً. (1)

وقال السيّد الداماد ثالث المعلّمين (قدس سره):

«وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ» (2)، «الحرف» في الأصل: الطرف والجانب، وبه سمّي حروف التهجّي، أي على حرف من الاعتقاد يُميله كلّ مميل، ويُزعجه كلّ مُزعج، لا قارّ البصيرة، ثابت التبصّر على حاقّ اليقين، ومستقرّ العلم، ومتن العقل المضاعف كالجبال الرواسي، فلا يستطيع أن يقلقله صوت هايل. ولا أن يزلزله ريحٌ عاصف. (3)

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

وَلِهذِهِ الْعِلَّةِ انْبَثَقَتْ عَلى‏ أَهْلِ دَهْرِنَا بُثُوقُ هذِهِ الْأَدْيَانِ الْفَاسِدَةِ، وَالْمَذَاهِبِ المُسْتَشْنَعَةِ (4)، الَّتِي قَدِ اسْتَوْفَتْ شَرَائِطَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ كُلَّهَا، وَذلِكَ بِتَوفِيقِ اللَّهِ تَعالى‏ وَخِذْلَانِهِ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَأَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً، سَبَّبَ لَهُ الْأَسْبَابَ الَّتِي تُؤَدِّيهِ إِلى‏ أَنْ يَأَخُذَ دِينَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ- (صلوات اللَّه عليه) وَآلِهِ- بِعِلْمٍ وَيَقِينٍ وَبَصِيرَةٍ، فَذَاكَ أَثْبَتُ فِي دِينِهِ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي. وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ خِذْلَانَهُ وَأَنْ يَكُونَ دِينُهُ مُعَاراً مُسْتَوْدَعاً (5)، سَبَّبَ لَهُ أَسْبَابَ الاسْتِحْسَانِ وَالتَّقْلِيدِ وَالتَّأْوِيلِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، فَذَاكَ فِي الْمَشِيئَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- أَتَمَّ إِيمَانَهُ، وَإِنْ شَاءَ، سَلَبَهُ إِيَّاهُ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يُصْبِحَ مُؤْمِناً وَيُمْسِيَ كَافِراً، أَو يُمْسِيَ مُؤْمِناً وَيُصْبِحَ كَافِراً؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا رَأى‏ كَبِيراً مِن الْكُبَرَاءِ، مَالَ مَعَهُ، وَكُلَّمَا رَأى‏ شَيْئاً اسْتَحْسَنَ ظَاهِرَهُ، قَبِلَهُ؛ وَقَدْ قَالَ الْعَالِمُ (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ النَّبِيِّينَ عَلَى‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 37.

(2). الحجّ (22): 11.

(3). الرواشح السماوية، ص 59.

(4). في «ب» و «ج»: «المستبشعة».

(5). في الكافي المطبوع:+/ «نعوذ باللَّه منه».

164

النَّبُوَّةِ، فَلَا يَكُونُونَ إِلَّا أَنْبِيَاءَ، وَخَلَقَ الْأَوْصِيَاءَ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَلَا يَكُونُونَ إِلَّا أَوْصِيَاءَ، وَأَعَارَ قَوْمَاً إِيمَانَاً، فَإِنْ شَاءَ تَمَّمَهُ لَهُمْ وإِنْ شَاءَ، سَلَبَهُمْ إِيَّاهُ»، قالَ: «وَفِيهِمْ جَرى‏ قَوْلُهُ تَعَالى‏: «فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ»»).

الهدية العاشرة:

(ولهذه العلّة) أي الدخول في الدِّين بغير علم ويقين وأخذه من أفواه الرِّجال لا من كتاب اللَّه الخاصّ علمه، وسنّة نبيّه المضبوطة بأوصيائه المنصوصة من أهله (صلى الله عليه و آله).

و «الانبثاق» بتقديم النون على المفردة: الانفجار. بثق السيل موضع كذا، كنصر بثقاً بالفتح وبثقاً بالكسر، أي خرقه وشقّه فانبثق، أي انفجر. القاموس: انبثق عليهم السيل:

أقبل وهم غافلون‏ (1).

و «البثوق»: جمع البثق بمعنى الشقّ والخرق، يعني تغور هذه الأديان الفاسدة وخلالها.

و «الاستبشاع»: الاستكراه والاستقباح. شي‏ء بشع- بالشين المعجمة بين المفردة والمهملة- كصفق‏ (2): كريه الطعم، يأخذ في الحلق، بيّن البشاعة، واستبشع الشي‏ء: عدّه بشعاً.

(التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلّها) إشارة إلى تحقّق ما أخبر به (صلى الله عليه و آله) في حديث الافتراق‏ (3) في زمانه طاب ثراه، أو دلالة على أنّها بدخول طريقة التصوّف فيها مستكملة لجميع شرائط الكفر، مستجمعة لتمام أسباب الشرك. وكفر التصوّف كفر ملتئم من جميع شعوب الكفر وصنوف الشرك كبيت العنكبوت، ومن جميع شعوبه طرق إلى جميع ثقوبه.

____________

(1). القاموس المحيط، ج 3، ص 210 (بثق).

(2). في «ب» و «ج»: «كصعق».

(3). روى الخاصّة والعامّة حديث الافتراق. راجع: بحارالأنوار، ج 28، ص 2- 36، باب افتراق الامّة بعد النبيّ علي ...؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 608، ح 45966؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 25، ح 2640؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1321، ح 3991؛ مسند أحمد، ج 2، ص 332، ح 8377.

165

والمشار إليه ل «ذلك» في قوله: (وذلك بتوفيق اللَّه وخذلانه)، أمّا الدخول في الدِّين بعلم والدخول فيه لا بعلم، أو مضمون قوله: «إن شاء تطوّل عليه فَقَبِل عمله، وإن شاء ردّ عليه»، والمآل واحد، أو لا يبعد أن يكون واحداً.

(سبّب له الأسباب) كما أنّ الأصل في أسباب التوفيق الحيلولة المبتنية على محبّة اللَّه تبارك وتعالى، كذلك الأصل في أسباب الخذلان التخلية المنبئة عن سخط اللَّه عزّ وجلّ، وفي الحديث كما سيذكر في أواخر كتاب التوحيد في الثاني في الباب الثامن والعشرين، باب السعادة والشقاء: «أنّ وجه محبّته تعالى وسخطه سرٌّ من أسراره، وحكم اللَّه عزّ وجلّ لا يقوم له أحد من خلقه بحقّه» (1) من كتاب اللَّه وسنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله) على ما وصف في الهدية السابقة.

و (الرواسي) من الجبال: الثوابت الرواسخ. قال الأخفش: واحدتها راسية.

في بعض النسخ بزيادة: «نعوذ باللَّه منه» بعد «مستودعاً» وقبل «سبّب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل»، كالمنتمي إلى الإماميّة بدخوله في الدّين بغير علم ويقين؛ لتوقّفه في طعن الصوفيّة القدريّة ولعنِهم، فذاك في المشيئة إن شاء اللَّه تبارك وتعالى أتمَّ إيمانه بالحيلولة والتوفيق، وإن شاء سلبه إيّاه بالتخلية والخذلان.

(كبيراً من الكبراء) أي كلباً كبيراً من كبراء كلاب جهنّم، كالبصري، والشامي، والرومي، والبغدادي، والبسطامي، والشبستري وأمثالهم من مشايخ الصوفيّة والقدريّة وطواغيتهم لعنهم اللَّه، ثمّ لعنهم اللَّه.

(وكلّما رأى شيئاً استحسن ظاهره قبله) المستحسن ظاهره فقط عند كثيرٌ من عوام الناس كثيرٌ في دار الامتحان بهذا النظام العظيم، لا سيّما في أقوال الصوفيّة القدريّة وأمثالهم، وأعمالهم.

(وقد قال العالم (عليه السلام)) أو واحد من الأئمّة (عليهم السلام)، أو خصوص الصاحب (عليه السلام) على ما مرَّ

____________

(1). راجع: الكافي، ج 1، ص 153، باب السعادة والشفاء، ح 2.

166

آنفاً. وهذا الحديث سينقل عن الكاظم (عليه السلام) في كتاب الإيمان والكفر، وهو الرابع من الباب الثاني والثمانين والمائة، باب المعارين، وهناك مكان: «وخلق الأوصياء على الوصيّة فلا يكونون إلّاأوصياء»: «وخلق المؤمنين على الإيمان فلا يكونون إلّا مؤمنين» (1). وهو أولى لِما ستعرف في نقل كلام برهان الفضلاء.

والآية في سورة الأنعام: «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ» (2).

قال برهان الفضلاء:

جملة: «ولهذه العلّة» إلى قوله «والشرك كلّها» معترضة؛ تبياناً لمذمّة الدخول في الدين بغير علم ويقين، وليست من هذا البحث؛ لعدم دخول أهل دهره في محلّ سؤال الأخ كما عُلِمَ من قوله: «وسألت هل يسع» إلى آخره.

و «التوفيق»: رأفة اللَّه تعالى لعبده بعد إعطاء جميع أسباب الطاعة التي يمتنع الطاعة بدونها، ويسمّى الجميع بالعلّة التامّة للطاعة.

و «الخذلان»: ترك ذلك الرأفة بعد تهيُّوء جميع أسباب المعصية التي يمتنع المعصية بدونها، و يسمّى الجميع بالعلّة التامّة للمعصية. (3)

فلمّا ليست رأفته تعالى داخلة في العلّة التامّة للطاعة، وكذا تركها داخلة في العلّة التامّة للمعصية، فأهل الطاعة لا يعصون مع استطاعتهم للمعصية، وأهل المعصية، لا يطيعون مع استطاعتهم للطاعة، فلا تبطل حجّة اللَّه سبحانه في ثواب أهل الطاعة وعذاب أهل المعصية، لكن وجه المصلحة في الرّأفة بعبد دون عبد سرٌّ من أسراره تعالى لا عالم به سواه، كما في الحديث عنهم (عليهم السلام)، وسيذكر- في الباب الحادي والثلاثين في كتاب التوحيد في شرح: «عَلَم منهم فعلًا فجعل فيهم آلة الفعل» في الحديث الثاني‏ (4)- ما يوجب القناعة بطاعة مفترض الطاعة في جميع ما أخبر به، فلا بأس بهذه الوسوسة ولم يفرغ قلب منها.

____________

(1). راجع: الكافي، ج 2، ص 418- 419، باب المعارين، ح 4 و 5.

(2). الأنعام (6): 98.

(3). في «ب» و «ج»-/: للمعصية.

(4). الكافي، ج 1، ص 161، باب الاستطاعة، ح 2.

167

«كبيراً من الكبراء»، أي شيخاً كبيراً من مشايخ أهل الضلالة، أو فاضلًا من فضلاء العامّة، أو خليفةً من خلفاء بني اميّة أو بني العبّاس. «استحسن ظاهره» كمواظبة العامّة على أوقات الصلوات جماعةً في المسجدين و المشاعر و نحوهما.

«وقد قال العالم (عليه السلام): إنّ اللَّه عزّوجلّ خلق النبيّين» الحديث‏ (1).

ويمكن أن يكون هنا سهوٌ من نسّاخ الكافي؛ فإنّ في باب المعارين في كتاب الإيمان والكفر قد ذكر هذا الحديث وفيه: «وخلق المؤمنين على الإيمان، فلا يكونون إلّا مؤمنين» مكان: «وخلق الأوصياء على الوصيّة، فلا يكونون إلّاأوصياء (2)». وما هناك أولى. والتقدير: «وخلق بعض المؤمنين». وفيهم، أي في المؤمنين الذين على قسمين جرى قوله تعالى في سورة الأنعام.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله): «لأنّه كلّما رأى كبيراً من الكبراء» الدلالة على أنّه لا يؤخذ الدِّين من كتاب اللَّه وسنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله) إلّابوسيلة الأئمّة (عليهم السلام). (3)

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

وَذَكَرْتَ أَنَّ أُمُوراً قَدْ أَشْكَلَتْ عَلَيْكَ، لَاتَعْرِفُ حَقَائِقَهَا؛ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهَا، وَأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوايَةِ فِيهَا لِاخْتِلَافِ عِلَلِهَا وَأَسْبَابِهَا، وَأَنَّكَ لَاتَجِدُ بِحَضْرَتِكَ مَنْ تُذَاكِرُهُ وَتُفَاوِضُهُ مِمَّنْ تَثِقُ بِعِلْمِهِ فِيهَا.

وَقُلْتَ: إِنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عِندَكَ كِتَابٌ كَافٍ يُجْمَعُ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ فُنُونِ عِلْمِ الدِّينِ، مَايَكْتَفِي بِهِ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ الْمُسْتَرْشِدُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَنْ يُرِيدُ عِلْمَ الدِّينِ وَالْعَمَلَ بِهِ بِالْآثارِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّادِقِينَ (عليهم السلام) وَالسُّنَنِ الْقَائِمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْعَمَلُ، وَبِهَا يُؤَدَّى‏ فَرْضُ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَسُنَّةُ نَبيِّهِ (صلى الله عليه و آله).

وَقُلْتَ: لَوْ كَانَ ذلِكَ، رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ سَبَباً يَتَدَارَكُ اللَّهُ تَعَالى‏ بِمَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِخْوَانَنَا وَأَهْلَ مِلَّتِنَا، وَيُقْبِلُ بِهِمْ إِلى‏ مَرَاشِدِهِمْ.

____________

(1). في «الف»:-/ «استحسن ظاهره- إلى- الحديث».

(2). الكافي، ج 2، ص 418، باب المعارين، ح 4.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 82.

168

فَاعْلَمْ يَا أَخِي- أَرْشَدَكَ اللَّهُ- أَنَّهُ لَايَسَعُ أَحَداً تَمْيِيزُ شَيْ‏ءٍ مِمَّا اخْتَلفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنِ الْعُلَمَاءِ (عليهم السلام) بِرَأْيِهِ، إِلَّا عَلى‏ مَا أَطْلَقَهُ الْعَالِمُ (عليه السلام) بِقَوْلِهِ: «اعْرِضُوهَا عَلى‏ كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ- عَزَّوَجَلَّ- فَخُذُوهُ، وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فرُدُّوهُ».

وَقَوْلِهِ (عليه السلام): «دَعُوا مَا وَافَقَ القَوْمَ؛ فَإِنَّ الرُّشْدَ فِي خِلَافِهِمْ».

وَقَوْلِهِ (عليه السلام): «خُذُوا بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَارَيْبَ فِيهِ».

وَنَحْنُ لَانَعْرِفُ مِنْ جَمِيعِ ذلِكَ إِلَّا أَقَلَّهُ، وَلَا نَجِدُ شَيْئاً أَحْوَطَ وَلَا أَوْسَعَ مِنْ رَدِّ عِلْمِ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الْعَالِمِ (عليه السلام)، وَقَبُولِ مَا وَسَّعَ مِنَ الْأَمْرِ فِيهِ بِقَوْلِهِ (عليه السلام): «بِأَيِّمَا أَخَذْتُمْ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ وَسِعَكُمْ».

الهديّة الحادية عشرة:

(وأنّك تعلم) بفتح الهمزة، أي وذكرت فيما سألت أنّك تعلم أنّ اختلاف الرواية عن أئمّتنا (عليهم السلام) في تلك الامور ليس من اختلافهم (عليهم السلام) في العلم، ومعدنه واحدٌ، وكلّهم (عليهم السلام) عاقل عن اللَّه، ولا يمكن الاختلاف في علم اللَّه سبحانه، بل من اختلاف عللها وأسبابها من التَقايا وغير ذلك؛ لحِكَمٍ ومصالح شتّي، واختلاف السائلين مذهباً وفهماً واستطاعةً للعمل، وغير ذلك من الحِكَم والمصالح، وهم (عليهم السلام) أعلمُ بها.

و «المفاوضة»: الاشتراك في كلّ شي‏ء كالتفاوض، ومنه: مفاوضة القوم في الأمر، بمعنى تكلّمهم فيه بالمجاراة، والمتابعة، والمشاركة، و «الشِركة المفاوضة»: مشاركة الشريكين في المال أجمع.

والظاهر أنّ المراد ب «المتعلّم»: المبتدي من المقلّدين، وهو يكتفي بظاهر حكم الحديث بسماعه من منتهبهم. وب «المسترشد»: المنتهي منهم. وبالأخير (1): المفتي بعلمه، أو ظنّه المرخّص فيه في علمه وعمل غيره بحكمه على ما سيفصّل إن شاء اللَّه تعالى.

____________

(1). يعني: «من يريد علم الدين و ...».

169

و «الباء» في (ويقبل بهم إلى مراشدهم) للتعدية.

والمراد (بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)): الأخبار المضبوطة المتواترة بالثقات من أصحابنا الإماميّة، وكتبهم المحفوظة المتواترة بضبطهم (رضوان اللَّه عليهم).

وب (السُّنن القائمة): مضامين تلك الأخبار. وأحكام تلك الآثار متواترة بتواترها، مضبوطة مثلها بحيث عليها العمل دائماً. وبها يؤدّى ما فرض اللَّه وما سنّه الرسول (صلى الله عليه و آله)، وتواتراً بتواترها كتواترها بتواتر تلك الأخبار.

ولاختلاف الأشخاص في الأعصار حفظاً وضبطاً يحتاج تواتر مضامين الأخبار في الصدور إلى تواتر كتبها في الدّهور، كتواتر الكتب بتواتر الثقات في السنين والشهور.

فلا يقال: إذا تواترت المضامين فما الحاجة إلى تأليف الكتاب المبين للمتعلّم، والمسترشد، ومن يريد علم الدِّين؟

ولمّا لم يكن جميع الأحكام مضبوطة متواترة بحيث لا يشذّ عنها حكم؛ وكان في المضبوط المتواتر محكم متواتر ومتشابه متواتر، وكذا ناسخ ومنسوخ، وعامّ وخاصّ، كما في القرآن الخاصّ علمه بقيّمه المعصوم المنصوص، العاقل عن اللَّه، وهو متواتر بأجمعه، ومحكماته متواترةٌ بتواتر محكمات السنّة المتواترة بأجمعها.

والحكم في متشابهاته المتواترة موقوف على معالجات الحكم في متشابهات السنّة؛ إذ المعنى لقوله (عليه السلام): «اعرضوها على كتاب اللَّه» وازنوهما أحكام محكماته المضبوطة المتواترة بتواتر محكمات السنّة المضبوطة بأجمعها بالكتب المضبوطة بالثقات من أصحابنا.

صارت‏ (1) الأحكام المضبوطة المتواترة بتواتر الكتب المضبوطة بالثقات منّا على قسمين:

أحدهما: ما خصّ باسم المتواتر والمحكم؛ لعدم ما يخالفه في حكمه ويعارضه في تواتره، وانتفاء التشابه الموجب للاختلاف في متنه، وثبوت كثرة رواته بحيث يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب.

____________

(1). جواب لقوله: «لمّا لم يكن».

170

والثاني: ما خصّ باسم الخبر الواحد؛ لثبوت ما يخالفه ويعارضه كذلك، أو التشابه الموصوف في متنه، فلا يفيد للقطع لذلك، ولذلك لا يسمّى بالمتواتر. ويفيد الظنّ؛ لتواتره كمعارضه، فيسمّى كمعارضه بالخبر الواحد، فلابدّ ولا حرج في الدِّين من العلاج المشافهي من الحجّة المعصوم، أو المضبوط المتواتر (1) بالمحكمات من الأخبار المضبوطة المتواترة بكتبها المضبوطة كذلك بالثقات من أصحابنا الإماميّة (قدس سرهم)، كما صرّح به وأفاد طاب ثراه هنا وغيره من أصحابنا في كتبهم الأخباريّة والاصوليّة، وسيذكر أحاديث العلاج في أواخر (2) أبواب كتاب العقل إن شاء اللَّه تعالى.

وأمّا ما لم يكن من الأحكام مذكوراً أصلًا، أويكون وهو غير مضبوط ومتواتر بثقات منّا، وغير مردود بمعارض مقبول عندنا، فمشكوكُه ساقط كَمَوْهُومِه إذا كان في غير العبادات، وأمّا في العبادات، فالعامل به مأجور للنصّ، وقد تواتر قولهم (عليهم السلام): «من بلغه ثواب من اللَّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب اوتيه، وإن لم يكن الحديث كما بلغه». (3) وسيذكر بنظائره في بابه من أبواب كتاب الإيمان والكفر.

فظهر أنّ الحكم بعدم التنافي بين قطعيّة الحكم للعلاج المضبوط المتواتر، وظنّية، الطريق لمكان التواتر ووجود المعارض إنّما هو في غير العبادات، وأنّ في العبادات لا منافاة بين قطعيّة الحكم ووهميّة الطريق فضلًا عن شكّيّته، فضلًا عن ظنّيته، وأمّا مظنونه فحكمه في العلاج حكم المتشابه المضبوط المتواتر على ما وصف. وقد صرّح طاب ثراه في الجملة بالعلاجات المضبوطة المتواترة بقوله: «فاعلم يا أخي أرشدك اللَّه» إلى آخره.

(تمييز شي‏ء) أي تحقيقه وتبيينه والعمل به، أو الحكم به برأيه، إلّاعلى إطلاق‏

____________

(1). في «الف»: «التواتر».

(2). في الأصل:+/ «من»، والمناسب ما اثبت.

(3). الكافي، ج 2، ص 87، باب من بلغه ثواب من اللَّه علي عمل، ح 2. وراجع أيضاً ح 1؛ والمحاسن، ج 1، ص 25، باب ثواب من بلغه ثواب شي‏ء ...، ح 1 و 2.

171

الحجّة المعصوم و رخصته بقوله (عليه السلام):

(اعرضوهما): أي الروايتين المختلفتين عنّا.

(على كتاب اللَّه) يعني على محكمات كتاب اللَّه المضبوطة بمحكمات السنّة المضبوطة المتواترة.

(فما وافق) منهما (كتاب اللَّه) الموصوف (فخذوه). الظاهر يعني لعملكم به، ولعمل غيركم بإفتائكم بشرط استجماع شرائط الإفتاء من العدالة، والفضل الممتاز، وغيرهما المضبوط في كتب أصحابنا الاصوليّين.

(وقوله (عليه السلام): دعوا ما وافق القوم) أي منهما، إذا لم يكن لأحدهما موافق من محكمات الكتاب المضبوطة بمحكمات السنّة القائمة ما وافق مذاهب العامّة أو مذاهب مطلق غير الخاصّة، (فإنّ الرُّشد) وإصابة الصواب (في خلافهم).

و «الرشد»: خلاف الغيّ، ومنه: سر راشداً مهديّاً.

(وقوله (عليه السلام): خذوا بالمجمع عليه): بيان لعلاج ما لم يكن من الأحكام له مأخذ من السنّة القائمة لا من محكماتها ولا من متشابهاتها، سواء كان له معارض كذلك أو لا، فالأخذ بالمجمع عليه على الأوّل، وبه على الثاني إذا كان مجمعاً عليه؛ (فإنّ المجمع عليه) في الفرقة الناجية (لاريب) في استقامته؛ لدخول الحجّة المعصوم بتقديرٍ من اللَّه سبحانه في إجماعهم ألبتّة؛ لمثل قوله (صلى الله عليه و آله): «لا تجتمع امّتي على الخطأ» (1)، واجتماع الهالكة من الامّة ليس على الصواب بالاتّفاق.

وللمجمع عليه الذي لا مأخذ له من السنّة القائمة- لا من محكماتها ولا من متشابهاتها- أمثلة كثيرة، منها: إجماع الفرقة (2) على كراهة الصلاة في قباء مشدود إلّافي الحرب.

____________

(1). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 34؛ المحصول للرازي، ج 4، ص 207؛ المستصفى، ج 1، ص 138.

(2). في هامش المخطوطة: «قوله: منها إجماع الفرقة على كراهة الصلاة في قباء مشدود، قال المفيد في المقنعة: ولا يجوز لأحد أن يصلّي وعليه قباء مشدود إلّاأن يكون في الحرب، فلا يتمكّن أن يحلّه، فيجوز ذلك لاضطرار. وقال الشيخ بعد نقله عبارة المفيد: ذكر ذلك عليّ بن الحسين بن بابويه، وسمعناه من الشيوخ مذاكرة، ولم أعرف به خبراً مستنداً. وقال صاحب المدارك بعد نقله العبارتين: وحاول الشهيد في الذكرى الاستدلال عليه بما رواه العامّة عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: «لا يصلّي أحدُكم وهو متحزّم»، و هو فاسد؛ لأنّ شدّ القباء غير التحزّم». وانظر: المقنعة، ص 152؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 94؛ مدارك الأحكام، ج 3، ص 208.

172

(ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلّاأقلّه). بيان لعلاج توهّم من توهّم أنّ العلاجات المذكورة لا تنفع- كما ينبغي- الرعيةُ؛ لأنّ فضلاءهم وإن كانوا ممتازين في الفضل لا معرفة لهم بجميع الروايات عنهم (عليهم السلام)، ولا بجميع المذاهب في الأديان المختلفة، ولا بجميع المُجْمَع عليه عند أصحابنا الإماميّة؛ بأنّ الأحوط والأوسع ردّ علم ذلك كلّه إلى الإمام (عليه السلام) إن أمكن، أو التوقّف إذا لم يلزم حرج في الدِّين، وإلّا فقبول ما وسّع (عليه السلام) من الأمر والعلاج فيه بالعَرضْ على محكمات الكتاب المضبوطة بمحكمات السنّة القائمة، فإن لم ينفع للعلّة المعلومة فبالمخالفة للمذاهب الباطلة، فإن لم ينفع لما علم فبالأخذ بالمجمع عليه، فإن لم ينفع لمكان الحكمين المختلفين المضبوطين المتواترين المخالفين للمذاهب الباطلة، وهما مجمعٌ عليهما في أصحابنا الإماميّة فبالأخذ بأيّهما شاء المفتي من باب التسليم، فوَسِعَه لعمله وعمل غيره بفتواه بشرط استجماعه شرائط الإفتاء، ومنها قطعُه لزومَ الحرج في سكوته أو ظنّه ذلك. واللَّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«وذكرت أنّ اموراً قد أشكلت عليك» شروع بعد الجواب عن السؤال الأوّل في الجواب عن السؤال الثاني من تذاكره عبارة عن سفراء صاحب الزمان (عليه السلام) و «مَنْ» في «ممّن تثق ابتدائيّة، و «من تثق»: عبارة عن صاحب الزمان (عليه السلام).

«من جميع فنون علم الدِّين» أي من جميع أقسام المسائل التي ينفع علمها أو الاعتراف بها أكثر الناس في يوم الدِّين، وهي ثلاثة:

القسم الأوّل: مسائل اصول الدِّين، ومنكرها كافر بمحض الإنكار، ومخلّد في النار كمَن أنكر توحيده تعالى.

173

القسم الثاني: مسائل فروع الفقه وهي التي يبيّن فيها بلا واسطة حلال الأفعال الشخصيّة وحرامها، وليست من اصول الدِّين، فمنكر واحدة منها ليس بكافر بمحض الإنكار إلّا أن تكون من ضروريّات الدِّين، ويكون إنكارها مستلزماً لإنكار واحد من اصول الدِّين، كوجوب الحجّ على مَن استطاع إليه سبيلًا.

والقسم الثالث: مسائل اصول الفقه، وهي التي يبيّن فيها حلال الأفعال الكلّيّة وحرامها؛ ليبيّن بواسطة بيانها حلال الأفعال الشخصيّة وحرامها، كوجوب العمل في الغير المعلوم من مسائل فروع الفقه بظاهر القرآن بلا إفتاء وقضاءٍ، والعملُ بظاهر القرآن فعل كلّي. وبهذه المسألة يعلم كلّ فعل شخصيّ يبيّنه ظاهر القرآن. وبيان هذه الأقسام الثلاثة سيجي‏ء بطريق آخر في الأوّل من باب صفة العلم في كتاب العقل إن شاء اللَّه تعالى.

ثمّ اعلم أنّ الإقرار باصول الدِّين، والعلم باصول الفقه إنّما يحصل لمن كان علمه بظاهر القرآن ونحوه موافقاً للعهد والميثاق الذي أخذه اللَّه على العباد من الدخول في الدِّين بعلمٍ وبصيرةٍ ويقينٍ- كما بيّنه المصنّف طاب ثراه في الجواب عن السؤال الأوّل- في‏المسائل‏ (1) التي لا تكون من الأقسام الثلاثة، وتكون لها تعلّق بمسائل فروع الفقه، ككون‏ (2) القبلة في مصر فلان إلى جبل فلان، وفلان عادل أم لا، ونحو ذلك من المسائل التي لا حاجة لأكثر الناس إلى علمها، وتسمّى بالمحالّ للحكم الشرعي، والاختلاف ظنّاً يجوز في محلّ الحكم الشرعي ولايجوز في‏ (3) نفس الحكم الشرعي.

والمراد ب «الآثار الصحيحة» الأخبار التي تعمل بها الإماميّة من لدن ظهور الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) وإن لم يكن القطع بصحّتها حاصلًا لهم، فالخبر إن كانت رواته في الكثرة بحيث لا يجوّز العقل معها كذبه كوجود مكّة يسمّى بالمتواتر، وإن كانت رواته في الكثرة لا بهذه الحيثيّة يسمّى بالخبر الواحد، والخبر الصحيح يكون من كلا القسمين.

وقال جمعٌ من الأصحاب: إنّ صحّة الخبر الواحد قد تعلم بالقرائن. وهذا محلّ إشكال‏

____________

(1). متعلّق بقوله: «إنّما يحصل».

(2). في «ب» و «ج»:+/ «سمت».

(3). في «ب» و «ج»:-/ «محلّ الحكم الشرعي ولايجوز في».

174

عند شيخ الطائفة (1) وعلم الهدى 0 (2).

والمراد ب «السنن القائمة» مسائل اصول الفقه، أي المعلومة منها القائمة لغير المعلومة منها. وب «فرض اللَّه»: بيان المسألة من مسائل فروع الفقه.

ويظهر ممّا قلنا: أنّ القول بأنّ «بالآثار الصحيحة» دلالة على صحّة أحاديث الكافي‏جميعاً، بمعنى أنّ لنا علماً بأنّها عن الحجج المعصومين (عليهم السلام) لا يحسن، كما يظهر جدّاً من شرح «فمهما كان فيه من تقصير» إلى آخر الخطبة.

فإن قلت: فعلى هذا لا علم لأحدٍ بمسائل اصول الفقه التي في كتاب الكافي؛ لأنّها أخبار آحاد، وذكرت أنّه لا يجوز العمل بها بدون العلم بها.

قلنا: مسألة واحدة من مسائل اصول الفقه حاكمة على سائرها؛ لأنّها معلومة بالتواتر لمن له تتبّع مّا للأحاديث، وتلك المسألة هي أنّ العمل بظاهر القرآن وبالحديث الصحيح جائز في مسائل اصول الفقه، والعلم بهذه المسألة بمنزلة العلم بسائر مسائل اصول الفقه التي لم تكن معلومة على حدةٍ، وهذا معنى حكومة هذه المسألة.

و «التمييز»: الترجيح.

والمراد هنا الإفتاء، والحكم بمضمون شي‏ء وليس شاملًا للعمل المحض؛ بقرينة «فردّوه».

و «ما» في «ممّا اختلف» موصولة، وعبارة عن حقوق اللَّه تبارك وتعالى، كالوضوء والصلاة من العبادات المحضة الشاملة للتصديق بإمامة الإمام الحقّ أيضاً مع عدم دخول ذلك في محلّ سؤال الأخ.

والمراد ب «العلماء» رسول اللَّه وأوصياؤه (عليهم السلام).

و «إلّا» استثناء متّصل من «برأيه».

و «ما» موصولة أيضاً.

و «الإطلاق»: التحليل. من «الطلق» بالكسر، بمعنى الحلال.

والمراد ب «العالم» هنا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كان عالماً بأنّ القوم بعده يفترون عليه الكذب‏

____________

(1). عدّة الاصول، ج 1، ص 126.

(2). الذريعة، ج 2، ص 518.

175

بالرواية في الإمامة مثل: «اقتدوا باللّذَين من بعدي أبي بكر وعمر». (1)

فلإرشاد المؤمنين إلى الإمام الحقّ قرّر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ثلاثة أوجه للتمييز بين الأحاديث المختلفة في الإمامة بلا بيان ترتيب بينها؛ إشارةً إلى أنّ كلّاً منها برهان برأسه. فهذه الوجوه الثلاثة ليست من قبيل الوجوه المذكورة في مقبولة عمر بن حنظلة، وستذكر في آخر باب اختلاف الحديث، الباب الثاني والعشرين من كتاب العقل، والترتيب فيها منظور ومخصوص بصورة التنازع في الدِّين والميراث ونحو ذلك. وهذه الوجوه الثلاثة مخصوصة بمسألة التصديق بإمامة الإمام الحقّ، وهو من العبادات المحضة:

بيان‏ (2) [الوجه‏] الأوّل: عرض الروايات المختلفة في الإمامة على محكمات الكتاب من آية الولاية (3)، والتطهير (4) وغيرهما (5).

وبيان [الوجه‏] الثاني: ملاحظة موافقة القوم؛ يعني أكثر قريش أو أكثر الأصحاب، ومخالفتهم لمحكمات الكتاب في الولاية، فإنّ من المحكمات ما يدلّ على أنّ أكثر قومه (صلى الله عليه و آله) يرتدّون بعده، ويختارون الباطل والعمل بظنّهم في الإمامة وسائر الأحكام، قال اللَّه تعالى في سورة الأنعام: «إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» (6)، وفي سورة الزخرف: «وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ* وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» (7).

ومن روايات العامّة الموافقة لمثل الآيتين رواية البخاري في صحيحه في باب‏ «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ

____________

(1). الدرّ المنثور، ج 2، ص 23؛ ذيل الآية 257 من البقرة (2)؛ الصواعق المحرقة، ج 1، ص 219؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 484، ح 15606.

(2). في «ب، ج»:-/ «بيان».

(3). المائدة (5): 55.

(4). الأحزاب (33): 33.

(5). كآية اولي الأمر، النساء (4): 59.

(6). الأنعام (6): 116.

(7). الزخرف (43): 57 و 58.

176

شَهِيدٌ» (1) عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «ألا وأنّه يُجاء برجال من امّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: ياربّ اصيحابي، فيُقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ»، فيُقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا (2) مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم». (3)

بيان [الوجه‏] الثالث: موافقة المجمع عليه.

والروايات في الثلاثة خاصّة بالعامّة، والتي في إمامة أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه) مجمعٌ عليها في الفريقين، كحديث الثقلين‏ (4)، وحديث غدير خمّ‏ (5)، «وأقضاكم عليّ».

ومناقبه (عليه السلام) في رواياتهم أكثر من أن يُحصى، كروايات مطاعن الثلاثة عند الخاصّة.

«ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلّاأقلّه». «نحن»: عبارة عن أخباري الإماميّة. و «من»:

تعليليّة. و «الجميع»: عبارة عن الوجوه الثلاثة وأمثالها ممّا سيذكر في كتاب العقل في باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب. و «إلّا»: للاستثناء المفرّغ. وضمير «أقلّه» لما اختلف الرواية فيه عن العلماء، وهو مسألة الإمامة التي اختلاف الرواية فيه أوّلًا.

يعني: ونحن لا نعرف ولا نميّز بوسيلة جميع ما ذكر من الوجوه الثلاثة إلّاأقلّ ما اختلف الرواية فيه، وهو مسألة الإمامة، «ولا نجد شيئاً أحوط، ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه»؛ أي علم كلّ ما سألت عنه «إلى العالم»؛ يعني: الصاحب (عليه السلام).

«وقبول ما وسّع من الأمر فيه» أي بعض الأمر فيه.

«بقوله بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» أي بأيّ الروايتين المختلفتين في باب العبادات المحضة.

واعلم أنّ هذا التخيير باختصاصه بالعبادات المحضة لا ينافي ما يجي‏ء في كتاب العقل‏

____________

(1). المائدة (5): 117.

(2). في «ب» و «ج»:-/ «لم يزالوا».

(3). صحيح البخاري، ج 4، ص 1691، ح 4349. وفي صحيح مسلم، ج 4، ص 2194، ح 2860؛ و سنن الترمذي، ج 5، ص 321، ح 3167.

(4). صحيح مسلم، ج 4، ص 1873، ح 2408؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 663، ح 3788؛ مسند أحمد، ج 5، ص 181، ح 21618، و ص 189، ح 21697؛ و ج 3، ص 17، ح 11147. وراجع: شرح إحقاق الحقّ، ج 9، ص 309- 375.

(5). راجع: الغدير، ج 1، ص 5- 157.

177

في التاسع والعاشر والحادي عشر من الباب الثاني والعشرين، باب اختلاف الحديث من العمل بترجيح قول الأخير في صورة اختلاف الرواية عن الإمامين، أو عن إمامٍ واحد في زمانين. وقد استند الصدوق في الفقيه في باب الرجلين يوصى إليهما، فينفرد كلّ واحدٍ منهما بنصف التركة إلى ذلك الترجيح‏ (1).

ووجه عدم المنافاة: أنّ ذلك الترجيح إنّما هو في صورة العلم بقول الإمام الحيّ، أو ببقاء دولة ظالم كان قول الأخير في زمانه، وذلك الترجيح لا يجري في مثل عصرنا. واللَّه أعلم.

ولتمام بيان برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى هنا طُول ذكرنا طَرَفاً ليظهر خلاصة مطلبه، ولم نذكر تمامه؛ لنبوّه‏ (2) جدّاً عن ظاهر ثقة الإسلام من أوّل بيان السؤال بجوابه إلى آخره؛ ولإجماع الأصحاب على أنّ المعالجات المذكورة هنا وفي مثل مقبولة عمر بن حنظلة إنّما هي لدفع عامّة علّة الاختلاف، وقلع تمام مادّة النزاع، ونفي الحرج المنفيّ في الدِّين في محكمات الكتاب المبين على ما بيّناه أوّلًا في بيان المتن المتين.

الحمد للَّه‏ربّ العالمين وصلّى اللَّه على محمّدٍ وآله الطاهرين.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله) بخطّه:

قوله: «وذكرت» إلى آخره، قلت في قوله طاب ثراه: «وذكرت أنّ اموراً قد أشكلت عليك لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها»: تصريح بأنّه طلب منه ما يرتفع به إشكاله وحيرته، فلو فرضنا أنّ كتاب الكافي مشتمل على ما علم وروده عنهم (عليهم السلام) وعلى ما لم يعلم- ولا يخفى أنّ المصنّف لم يذكر هنا قاعدة بها يميّز بين البابين- لزاد هذا الكتاب إشكالًا وحيرة، وكلام المصنّف- طاب ثراه- صريح في أنّه صنّف له ما يرتفع به إشكاله وحيرته. فعلم من ذلك أنّ قصده- طاب ثراه- من قوله: «بالآثار الصحيحة»: أنّ كلّ ما في كتابه كذلك. وأيضاً في قوله (رحمه الله): «ما يكتفي به المتكلّم، ويرجع إليه المسترشد» دلالة صريحة على ما ذكرناه؛ فإنّ المتعلّم كيف يكتفى بما يتحيّر فيه‏

____________

(1). الفقيه، ج 4، ص 204، ذيل الحديث 5472.

(2). نبابصره عن الشي‏ء نُبُوّاً ونُبِيّاً ... يقال: نبا عنه بَصَره ينبو، أي تجافى و لم ينظر إليه. لسان العرب، ج 15، ص 301 (نبا).

178

فحول العلماء المتبحّرين، وفيما نقلناه في حواشي تمهيد القواعد من السيّد المرتضى (قدس سره) في حال أحاديث المرويّة في كتبنا تأييد لما ذكرناه، فافهم.

وقوله: «فاعلم يا أخي أرشدك اللَّه» إلى آخره؛ الدلالة على أنّه لا يجوز في باب التراجيح رعاية الوجوه العقلية المذكورة في كتب الخاصّة والعامّة، بل يجب فيه أيضاً التمسّك بما وضعوه (عليهم السلام) لخلاصنا من الحيرة، وهي أربعة أبواب.

«أعرضوهما على كتاب اللَّه». قلت: المستفاد من الروايات المتواترة عنهم (عليهم السلام)- كما سيجي‏ء في أبواب متفرّقة من هذا الكتاب، وهي مذكورة أيضاً في غير هذا الكتاب، ككتاب الاحتجاج وكتاب كمال الدِّين وتمام النِّعمة وكتاب المحاسن وغيرها- أنّ وجه الخلاص من الحيرة في باب الروايات المتخالفة أحد الوجوه الخمسة، والمذكور في كلام المصنّف- طاب ثراه- هنا أربعة منها وترك الخامس؛ اعتماداً على مجيئه بعد ذلك في مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها، وهو التوقّف والتثبّت، أو لأنّه بصدد بيان الوجوه المجوّزة للعمل، والوجه الخامس ليس كذلك.

وأمّا قولهم (عليهم السلام): «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» فالمراد به ما بيّناه في حواشي تمهيد القواعد، وهو أن يكون العمل من باب التسليم لأمر أهل البيت (عليهم السلام)؛ أي أنّهم مفترضوا (1) الطاعة، فيُقال: هذا ورد منهم (عليهم السلام) وكلّ ما ورد عنهم‏ (2) يجوز العمل به، لا من باب أنّ هذا حكم اللَّه في الواقع؛ لجواز أن يكون وروده من باب التقيّة. وقد نقلنا في الحواشي المذكورة روايات فيها دلالة على أنّ المراد ما ذكرناه، إن شئت فارجع إليها. (3) انتهى كلام الفاضل الاسترآبادي رحمة اللَّه عليه.

ولقد أنصف وأظهر ما هو الحقّ في بيان علاج الحيرة الناشئة من الاختلاف في الرواية عموماً من غير التخصيص بمحالّ الأحكام الشرعيّة والعبادات المحضة، وإن كان هو الأحوط لولا لزوم الحرج المنفيّ بالسكوت والتوقّف والتثبّت مع تأليفه الفوائد المدنيّة في ردّ الاجتهاد، واجتهاده في بيان إبطال الاجتهاد

____________

(1). ما أثبتناه هو الصحيح وفي النسخ: «مفترضون».

(2). في «ب» و «ج»:-/ «وكلّ ما ورد عنهم».

(3). الحاشية علي اصول الكافي، المطبوع ضمن ميراث حديث شيعه، الدفتر الثامن، ص 278- 279.

179

بروايات متواترة من المتواترة والآحاد. جزاه اللَّه خيراً في خير مواقف المعاد على رؤوس الأشهاد.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

قوله طاب ثراه: «ممّا اختلفت الرواية فيه». المراد بالروايات المختلفة: التي لا يحتمل الحمل على معنى يرتفع به الاختلاف بملاحظتها جميعها، وكون بعضها قرينة على المراد من البعض، لا التي يترآءى فيه الاختلاف في بادئ الرأي. وطريق [العمل‏] (1) في المختلفات الحقيقيّة كما ذكره- بعد شهرتها واعتبارها- العرض على كتاب اللَّه، والأخذ بموافقه دون مخالفه، ثمّ الأخذ بمخالف القوم وحمل الموافق على التقيّة، ثمّ الأخذ من باب التسليم بأيّهما تيسّر (2).

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

«من باب التسليم» أي من باب الانقياد؛ لروايتهم (عليهم السلام) لا من جهة أنّه مطابق لحكم اللَّه كما ذهب إليه المصوّبة وقالوا: إنّ حكم اللَّه تابع لرأي المجتهد؛ إذ لو طابقت إحدى الروايتين لحكم اللَّه تخالفه الاخرى لا محالة. فهذه أربعة من الوجوه مجوّزة للعمل بالروايات المختلفة، ووجه خامس سيجي‏ء ذكره، وهو التوقّف والتثبّت.

والحقّ أنّ اختلاف الرواية إن كان في حقّ اللَّه المحض فالوجه العمل بأحد الوجوه الأربعة؛ وإن كان في حقّ الناس كالحدود والمعاملات فالوجه التوقّف.

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ- وَلَه الْحَمْدُ- تَأْلِيفَ مَا سَأَلْتَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ تَوَخَّيْتَ، فَمَهْمَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَقْصِيرٍ فَلَمْ تُقَصِّرْ نِيَّتُنَا فِي إِهْدَاءِ النَّصِيحَةِ؛ إِذْ كَانَتْ وَاجِبَةً لِإِخْوَانِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا، مَعَ مَا رَجَوْنَا أَنْ نَكُونَ مُشَارِكِينَ لِكُلِّ مَنِ اقْتَبَسَ مِنْهُ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ فِي دَهْرِنَا هذَا، وَفِي غَابِرِهِ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا؛ إِذِ الرَّبُّ- عَزَّوَجَلَّ- وَاحِدٌ، وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ- (صلوات اللَّه وسلامه عليه وآله)- وَاحِدٌ، وَالشَّرِيعَةُ وَاحِدةٌ، وَحَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ، وَحَرَامُهُ حَرَامٌ إِلى‏

____________

(1). أثبتناه من المصدر.

(2). الحاشية علي اصول الكافي، ص 39.

180

يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَوَسَّعْنَا قَلِيلًا كِتَابَ الْحُجَّةِ وَإِنْ لَمْ نُكَمِّلْهُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ؛ لِأَنَّا كَرِهْنَا أَنْ نَبْخَسَ حُظُوظَهُ كُلَّهَا.

وَأَرْجُو أَنْ يُسَهِّلَ اللَّهُ- عَزَّوَجَلَّ- إِمْضَاءَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ النِّيَّةِ، إِنْ تَأَخَّرَ الْأَجَلُ صَنَّفْنَا كِتَاباً أَوْسَعَ وَأَكْمَلَ مِنْهُ، نُوَفِّيهِ حُقُوقَهُ كُلَّهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى‏، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ، وَإِلَيْهِ الرَّغْبَةُ فِي الزِّيَادَةِ فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ. وَالصَّلَاةُ عَلى‏ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ‏ (1) الْأَخْيَارِ.

وَأَوَّلُ مَا أَبْتَدِئُ بِهِ وَأَفْتَتِحُ بِهِ كِتَابِي هذَا كِتَابُ الْعَقْلِ وَفَضَائِلِ الْعِلْمِ، وَارْتِفَاعِ دَرَجَةِ أَهْلِهِ، وَعُلُوِّ قَدْرِهِمْ، وَنَقْصِ الْجَهْلِ، وَخَسَاسَةِ أَهْلِهِ، وَسُقُوطِ مَنْزِلَتِهِمْ؛ إِذْ كَانَ الْعَقْلُ هُوَ الْقُطْبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَدَارُ، وَبِهِ يُحْتَجُّ، وَلَهُ الثَّوَابُ، وَعَليْهِ الْعِقَابُ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ.

الهديّة الثانية عشر:

(قد يسّر اللَّه- وله الحمد- تأليف ما سألت) دلالة على أنّ نظم خطبة الكافي بعد تأليفه كسائر الفقرات بعدُ.

و «التوخّي» تفعّل من باب وعَدَ، وخيتُ وَخْيكَ: قصدتُ قصدكَ. وتوخّيت مرضاتك: تحرّيتُ وقصدتُ.

و «الإهداء»: إرسال الهدية، أهديت له وإليه.

(أن نكون مشاركين) أي في الثواب.

أشار- طاب ثراه- إلى أنّ أجر الأخ الباعث كأجره.

(وعمل بما فيه) دلالة على صحّة الجميع وجواز العمل به. وأمّا بمحكماته فبحكم المستجمع لشرائط الإفتاء، وأمّا بمتشابهاته فكذلك بعد علاجه الاختلاف بالوجوه المقرّرة عنهم (عليهم السلام).

و (في دهرنا هذا): في مبادئ زمن الغيبة.

____________

(1). في «ب، ج»:+/ «الطيّبين».

181

و «الغابر»: من لغات الأضداد، أي وفي مستقبله.

(إذ الربّ جلّ وعزّ واحدٌ): تعليلٌ لاختياره.

(إلى انقضاء الدنيا): مكان إلى وقت ظهور صاحب الزمان (عليه السلام)؛ للإشارة إلى وحدة الحكم المجزي لرفع الحرج المنفيّ في الزمانين.

(وحلال محمّد صلّى اللَّه عليه وآله حلالٌ وحرامه حرامٌ إلى يوم القيامة) كما ورد في النصّ‏ (1). وسيذكر مثله في التاسع عشر في باب البدع من كتاب العقل، إنّما التفاوت بالحاجة إلى العلاج وعدمها يجوز فتح التاء في «الخاتم» الذي يُخْتَم‏ (2) به، وكسرها.

وقرئ‏بهما «خاتَمَ النَّبِيِّينَ» (3).

(وإن لم نُكمِله)، من باب الإفعال أولى؛

(لأنّا كرهنا): وجه التجاوز عن الاختصار بالتوسيع القليل.

و «البخس» بسكون المعجمة الناقص. بخسه حقّه- كمنع- بخساً: نقصهُ.

(وأرجو): معذرة لترك إكمال التوسيع كما هو حقّه.

(كتابي هذا): يعني الكافي.

(كتاب العقل): خَبَرُ (وأوّل ما أبدأ به).

(وفضائل العلم) ونظائره: عطف على «العقل»، يعني كتاب بيان العقل، وبيان فضائل العلم وهكذا.

(وبه يحتجّ) على ما لم يُسمّ فاعله ليس في بعض النسخ المضبوطة، واللَّه الموفّق.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«التقصير»: ترك الفعل الضروري، وإعطاء ما لا وقع له في الأنظار. والمعنى الثاني أنسب هنا؛ فإنّ أغلب استعماله في المعنى الأوّل. وأيضاً الأنسب على الأوّل «إذ كان واجباً» مكان «واجبة». يعني: فكلّ ما كان في كتاب الكافي فليس من تقصيرنا؛ إذ لم تقصّر نيّتنا

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 58، باب البدع والرأي والمقاييس، ح 19؛ بصائر الدرجات، ص 168، الباب 13، ح 7.

(2). في «ب» و «ج»: «يتختّم».

(3). الأحزاب (33): 40.

182

في إهداء الخاصّ. وغرضه أنّ التقصير إن كان منّا، فالخطأ منّا وإن كان من سلف الرواة أو من النسّاخ من بعدنا فالخطأ منهم بلا تقصير منّا.

«والرسول»: مبتدأ و «محمّد»: عطف بيان، أو بدل. «صلّى اللَّه عليه وآله»: معترضة دعائيّة «خاتم النبيّين»: نعت ل «محمّد».

«واحد»: خبرُ «كتاب العقل وفضائل العلم».

يعني كتاب العقل الذي هو بيان فضائل العلم وكذا وكذا.

وكتاب الكافي- على الظاهر، وعلى ما نقل عن الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي عامله اللَّه بلطفه: من أنّ كتاب الروضة ليس داخلًا في أجزاء الكافي، بل كتاب برأسه صنّف قبل الكافي أو بعده- مشتمل‏ (1) على ثلاثة وثلاثين كتاباً: كتاب العقل، كتاب التوحيد، كتاب الحجّة، كتاب الإيمان والكفر، كتاب الدعاء، كتاب فضل القرآن، كتاب العشرة، كتاب الطهارة، كتاب الحيض، كتاب الجنائز، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الحجّ، كتاب الجهاد، كتاب المعيشة، كتاب النكاح، كتاب العقيقة، كتاب الطلاق، كتاب العتق والتدبير والكتابة، كتاب الصيد، كتاب الذبائح، كتاب الأطعمة، كتاب الأشربة، كتاب الزيّ والتجمّل والمروّة، كتاب الدواجن، كتاب الوصايا، كتاب المواريث، كتاب الحدود، كتاب الديات، كتاب الشهادات، كتاب القضايا والأحكام، كتاب الأيمان والنذور والكفّارات.

وشيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (قدس سره) عدّ في فهرسته كتاب الروضة من أجزاء الكافي، فَكتُبُ كتاب الكافي على هذا أربعة وثلاثون. وصرّح فيه ب: أنّ الكافي أجزائه- يعني كتبه- ثلاثون؛ لأنّه لم يذكر كتاب العشرة، وكتاب العقيقة، وعدّ كتاب الطهارة والحيض كتاباً واحداً، وكذا كتاب الأطعمة وكتاب الأشربة، وذكر الكتاب الأوّل فيه باسم كتاب العقل وفضل العلم، وغيّر فيه بعض ترتيب ما بعد كتاب الطهارة والحيض‏ (2). وإنّما ذكر ثقة الإسلام- طاب ثراه-: «فضائل العلم» على الجمع، ونقص الجهل على الإفراد؛ للإشارة بتغيير الاسلوب إلى أنّ المراد بالجهل هنا ليس ضدّ العلم بل المراد ضدّ العقل، أي الإخلال بتلك الآداب الحسنة.

____________

(1). «مشتمل» خَبَرُ «وكتاب الكافي».

(2). الفهرست، ص 135، الرقم 591.

183

انتهى كلام برهان الفضلاء.

وفي قوله: «يعني فكلّ ما كان في كتاب الكافي»؛ وفاءً بما وعد سابقاً من بيانٍ، فمهما كان تأمّل ونُبُوّه‏ (1) عن ظاهر ثقة الإسلام ظاهر، وكذا في تفسيره «وفضائل العلم» بقوله:

«يعني كتاب العقل الذي هو بيان فضائل العلم»، إلّاأنّ أمر التقدير فيه سهل، على أنّ اشتهار الكتاب ببعض اسمه ك «الإكمال» ل «إكمال الدِّين وإتمام النِّعمة» أشهر من أن يُقال، فلا حاجة إلى تجشّم تقدير.

وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه (رحمه الله):

قوله: «وقد يسّر اللَّه» إلى آخره.

قلت: في قوله طاب ثراه: «وقد يسّر اللَّه وله الحمد تأليف ما رجوت» مع ما مضى في كلامه من قوله: «ويأخذ منه من يريد علم الدِّين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)»- إلى آخره-: تصريح بنظير ما ذكره شيخنا الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه- رحمهم اللَّه- في أوائل كتاب من لا يحضره فقيه: من أنّ ما ذكره فيه حجّة بينه وبين اللَّه‏ (2). والسرّ في ذلك أنّ الصحيح عند قدماء أصحابنا الاخباريّين ما علم بقرينة وروده عن المعصوم، وتلك القرائن كانت عندهم وافرة؛ لقرب عهدهم بهم (عليهم السلام)، لا المعنى المصطلح عليه بين أصحابنا المتأخّرين الاصوليّين الموافق لاصطلاح العامّة المذكور في فنّ الدراية. وقد صرّح المحقّق في اصوله ب: أنّ رئيس الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي- (رحمه الله)- يعمل بخبر الواحد المعلوم وروده عن المعصوم بقرينةٍ ولو لم يكن عدلًا إماميّاً، ولا يعمل بخبر الواحد العدل الإمامي غير المحفوف بقرينةٍ (3).

ويعلم من ذلك أنّ طريقة رئيس الطائفة في هذا الباب طريقة قدماء أصحابنا الاخباريّين (رضوان اللَّه عليهم). (4)

____________

(1). كذا في النسخ.

(2). الفقيه، ج 1، ص 3.

(3). معارج الاصول، ص 147.

(4). الحاشية علي اصول الكافي، 83- 84.

184

وهذا آخر ما حرّرناه بعون اللَّه وحسن توفيقه في بيان خطبة الكافي حامداً مصلّياً، ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى الجزء الأوّل، كتاب العقل وفضل العلم من كتاب الهدايا، الحمد للَّه ربّ العالمين، وصلّى اللَّه على محمّد وآله الأئمّة الطاهرين.

فهرس أبواب كتاب العقل وفضل العلم من أجزاء كتاب الهدايا على نسق أبواب الكافي وهى ثلاثة و عشرون:

الأوّل: باب العقل والجهل.

الثاني: باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثّ عليه.

الثالث: باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.

الرابع: باب أصناف الناس.

الخامس: باب ثواب العالم والمتعلِّم.

السادس: باب صفة العلماء.

السابع: باب حقّ العالم.

الثامن: باب فقد العلماء.

التاسع: باب مجالسة العلماء ومصاحبتهم.

العاشر: باب سؤال العالم وتذاكره.

الحادي عشر: باب بذل العلم.

الثاني عشر: باب النهي عن القول بغير علم.

الثالث عشر: باب من عمل بغير علم.

الرابع عشر: باب استعمال العلم.

الخامس عشر: باب المستأكل بعلمه والمباهي به.

السادس عشر: باب لزوم الحجّة على العالم وتشديد الأمر عليه.

السابع عشر: باب النوادر.

الثامن عشر: باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسّك بالكتب.

185

التاسع عشر: باب التقليد.

العشرون: باب البدع والرأي والمقاييس.

الحادي والعشرون: باب الردّ إلى الكتاب والسنّة وأنّه ليس شي‏ء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس إليه إلّاوقد جاء فيه كتاب أو سنّة.

الثاني والعشرون: باب اختلاف الحديث.

الثالث والعشرون: باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب.

186

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

187

كتاب العقل و فضل العلم‏

188

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

189

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الجزء الأوّل من كتاب الهدايا

كتاب العقل و فضل العلم‏

و أبوابه كما في الكافي ثلاثة و عشرون‏

الباب الأوّل باب العقل و الجهل‏

وأحاديثه كما في الكافي أربعة وثلاثون‏

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي وقال: أخبرنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني طاب ثراه قال: حدّثني عدّة من أصحابنا منهم محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقَاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَلَا أَكْمَلْتُكَ‏ (1) إِلَّا فِي مَنْ أُحِبُّ، أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وَإِيَّاكَ أَنْهى‏، وَإِيَّاكَ أُثِيبُ وَإِيَّاكَ أُعَاقِبُ».

الهديّة الثالثة عشر:

قد سبق في المقدّمة الاولى بيان «عدّة من أصحابنا».

____________

(1). في «الف»: «اكملنّك».

190

و (العقل) لغةً له معان، منها: الفهم؛ أي الإدراك البشري مطلقاً. وشرعاً: ما هو مناط التكاليف الشرعيّة، والثواب والعقاب.

وفي عرف المعصومين (عليهم السلام) يُطلق على أشياء: فتارةً على المخلوق الأوّل من مخلوقات اللَّه تبارك وتعالى‏، وهو نور نبيّنا سيّد المرسلين وخاتم النبيّين (صلى الله عليه و آله).

واخرى على حالة ذلك النور ومعرفته.

وكذا تارةً على نور آله المنشعب من نوره، وعلى نور شيعتهم المنشعب من نورهم، كنور سائر (1) الأنبياء والمرسلين وشيعتهم.

واخرى على حالة تلك الأنوار ومعرفتها.

و (الجهل) ضدّه بمعانيه.

وقد جرت عادة السلف بذكر قولهم: (أخبرنا)، ويذكرون أسامي أنفسهم، كأنّهم يريدون تعليم رواة أحاديثهم.

و (أحمد بن محمّد) إمّا ابن عيسى، كما هو في الطريق إلى الحسن بن محبوب، أو ابن خالد، كما في طائفة من الأسانيد في الكافي.

وهذا الحديث روته العامّة أيضاً بطرق متعدّدة وألفاظ مختلفة.

والمراد ب (العقل) فيه: نور النبيّ (صلى الله عليه و آله) المخلوق منه سائر العقول المتفاوتة، سواء قلنا بوحدة الخطاب أو تعدّده، وقد قال (صلى الله عليه و آله): «أوّل ما خلق اللَّه نوري». (2) وفي حديث آخر:

«روحي» (3).

وفي حديث المفضّل عن الصادق (عليه السلام): «إنّا خلقنا أنواراً، وخلقت شيعتنا من شعاع ذلك النور، فلذلك سمّيت شيعة، فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا. (4)

____________

(1). في «ب» و «ج»:-/ «سائر».

(2). عوالي اللآلي، ج 4، ص 99، ح 140؛ الغدير، ج 7، ص 38؛ المواقف، ج 2، ص 686.

(3). بحار الأنوار، ج 54، ص 309.

(4). بحار الأنوار، ج 26، ص 350، ح 24.

191

(استنطقه) و «أنطقه» بمعنى. ولعلّ معنى (أقبل، فأقبل)- بتأييد ظاهر قوله (عليه السلام): في الحديث الرابع عشر من هذا الباب‏ (1): «ثمّ خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانيّاً فقال له:

أدبر، فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فلم يقبل، فقال له: استكبرت، فلعنه»-: انظر إلى عظمة الخالق تعالى شأنه، فنظر، فأقرّ بأنّه جلّت عظمته مستحقّ لعبوديّة جميع ما سواه له.

(ثمّ قال له: أدبر فأدبر) أي انظر إلى نفسك وعجزك وحاجتك في وجودك في جميع حالاته إلى خالقك‏ (2)، فنظر فاعترف بعجزه وحاجته‏ (3) وعبوديّته.

وحديث تعليم أمير المؤمنين جبرئيل (عليه السلام) مشهور ومؤيّد لشرحه. (4)

و «الإكمال» و «التكميل» بمعنى أمر.

والمخاطب في (إيّاك) الاولى والثانية: عقل المعصوم بالذات، والعقل الذي هو مناط التكليف بالتّبع. وفي الثالثة والرابعة: على التعريض على من افترض اللَّه عليه طاعة المعصوم.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

المراد ب «العقل» في هذا الحديث: ما به يراعى الآداب الحسنة في تحصيل علم الدِّين والعمل بمقتضاه على قدر الوسع والطاقة، لا العقل الذي شرط التكليف وهو ضدّ الجنون.

«استنطقه» أي عدّه ناطقاً.

وعبّر (عليه السلام) عن الأمر بإطاعة المعصوم في أحكام الدِّين ممّا يجري الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة ب «الإقبال». وعن الرخصة في العمل بما لا خلاف فيه عقلًا ولا منع منه شرعاً ب «الإدبار»؛ إذ الإقبال إلى غير المعصوم خلاف الإقبال إلى غيره.

____________

(1). في «ب» و «ج»:-/ «في الحديث الرابع عشر من هذا الباب».

(2). «ب» و «ج»:-/ «وحاجتك في وجودك في جميع حالاته إلى خالقك».

(3). في «ب» و «ج»:-/ «وحاجته».

(4). في «ب» و «ج»:-/ «مؤيّد لشرحه».

192

والحكم المرخّص فيه قد يكون بالظنّ، كالحكم في قِيَم المتلفات، ومقادير الجراحات الموجبة للديات، وعدالة الرواة وأمثالها؛ وقد يكون بالعلم، كالحكم على المقرّ بشي‏ء، كمن يقول: أنا مستطيع للحجّ.

و «إكمال العقل» عبارة عن كونه مستجمعاً لجنوده التي سيذكر إن شاء اللَّه تعالى.

و «إيّاك» في المواضع الأربعة: ضمير منفصل منصوب محلّاً، ومفعول به للفعل المؤخّر، ومن قبيل وضع السبب موضع المفعول به على نوع من التجوّز؛ أي لأجلك. والعقل لا يخاطب حقيقة، بل الكلام على التشبيه فاستعارة تمثيليّة.

والمراد: أنّ الذين يدّعون كشف الحقائق بالرياضة كالصوفيّة، أو بالتفكّر والدليل وذكاء الفهم كالفلاسفة إنّما هم أهل الجهل والضلالة.

وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه (رحمه الله):

المراد بالعقل في بعض مواضع هذا الباب: الغريزة، وفي بعضها: ما يترتّب على الغريزة، كفهم المقصود، وكالتمييز بين الصواب والخطأ، وكالاجتناب عن المضارّ وجلب المنافع. وتلك الغريزة نور يفيضه اللَّه على القلوب، ولها أفراد مختلفة بالقوّة والضعف.

والهداية التي هي صنع اللَّه تبارك وتعالى هي خلق هذا النور. صرّحت الأحاديث بذلك.

والتي صنع الأنبياء ومن يحذو حَذْوهم (عليهم السلام) هي بيان المدّعى، وبيان الدليل عليها. وقع التصريح بهما في الأحاديث. (1)

وسمعت استاذي الفاضل المحقّق ميرزا محمّد الاسترآبادي (رحمه الله) يقول:

كان الطلبة المتردّدين على المصنّف كتبوا في أوّل الخبر: «أخبرنا محمّد بن يعقوب»، وبقّى تلك الكتابة، واستمرّ الأمر على هذا.

و «العقل» جاء بمعانٍ كثيرة. و «الجهل» جاء بمعاني تضادّ معاني العقل. والمراد هنا الغريزة الباعثة صاحبها على تمييز الصواب عن الخطأ، وعلى دفع المضارّ وجلب المنافع، وهو مقول بالتشكيك، وأضعف أفراده مناط التكليف، وأقوى أفراده مناط السعادة.

«أما إنّي إيّاك آمر»، يعني جعلتك مناط التكاليف، ومناط الثواب والعقاب.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 85.

193

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

العقل يطلق على حالة في النفس داعيةٍ على اختيار الخير والنّافع، بها يدرك الخير والشرّ، ويميّز بينهما، ويتمكّن من معرفة أسباب المسبّبات وما ينفع فيها وما يضرّ، وبها يقوى على زجر الدواعي الشهوانيّة والغضبيّة ودفع الوساوس الشيطانيّة.

ويقابله الجهل، ويكون بفقد أحد الامور، وبفقد أكثرها، وبفقد جميعها.

وقد يُطلق العقل ويُراد به قوّة إدراك الخير والشرّ والتميّز بينهما، والتمكّن من معرفة أسباب الامور ذوات الأسباب، وما يؤدّي إليها، وما يمنع منها. والعقل بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب. والعقل بالمعنى الأوّل «ما عُبد به الرحمان واكتسب به الجنان». ولعلّ الأوّل هو الكامل من الثاني، فتبادر عند الإطلاق، وشاع استعماله فيه.

وفي الحديث الأوّل من هذا الباب استعمل في الثاني واشير إلى أنّ كماله لا يكون إلّا فيمن أحبّ. وفي الحديث الثاني والثالث استعمل في الكامل، يعني المعنى الأوّل. وفي بعض الأحاديث التالية لها استُعمل في الأوّل، وفي بعضها في الثاني، يعرف بالتدبّر.

وقد يُطلق العقل على أوّل مخلوق من الرّوحانيّين كما ينطق به الأحاديث الواردة عن المعصومين ووافقها كلمة الكَلَمَة من الحكماء المحقّقين.

فإن صحَّ القول بثبوته للنفس- على ما قاله المحقّقون من أنّ نسبته إلى النفس كنسبة النفس إلى البدن، وقالوا للنفس: إنّها صورة البدن، وأنّ «الناطق» الذي هو فصل الإنسان، وصورته التي هي «النفس» مختلفان باعتبار اللابشرطيّة وشرط اللائيّة، كما أنّ الحيوان الذي هو الجنس، والبدن الذي هو المادّة مختلفان بالاعتبارين المذكورين، وإذ لم يبالوا بإطلاق التوصيف مع الاختلاف بالمفارقة والمقارنة بين النفس والبدن لمجرّد التعلّق الخاصّ بينهما، فكيف مع الاتّفاق في التجرّد الذاتي كما في النفس والعقل- فلا يستبعد (1) حمل العقل في الأحاديث الدالّة على اتّصاف النفس به، وكونِه حالة لها على ذلك الروحاني المخلوق أوّلًا. وكثير من أحاديث هذا الباب يؤيّد ذلك ويقوّيه ....

و «إقبال العقل» عبارة عن توجّهه إلى المبدأ، و «إدباره» عبارة عن توجّهه إلى‏

____________

(1). جواب لقوله: «فإن صحّ القول ...».

194

المقارنات، ويصحّ إطلاقهما في أوّل خلق من الرّوحانيّين، وفي الغريزة (1) النفسانيّة الداعية إلى اختيار الخير والنافع، وفي قوّة إدراك الخير والشرّ والتميّز بينهما.

«ولا أكملتك‏ (2) إلّافيمن احبّ»، يلائم الأخيرين، وإن كان يصحّ في الأوّل باعتبار الارتباط والإشراق على النفس بعناية، فيكون المراد بإكمال ذلك العقل فيمن احبّ إكمال ارتباطه وإشراقه.

«وإيّاك آمر، وإيّاك أنهى، وإيّاك اعاقب وإيّاك اثيب» (3) يناسب الأخير؛ فإنّه مناط التكليف.

ولمّا كان سبباً لصحّة تعلّق التكليف بالنفس وكان النفس مكلّفاً لكونها عاقلًا، فكأنّه مكلّف، قال: «إيّاك آمر». وإن كان يصحّ في الثاني بعناية، وفي الأوّل بزيادتها. (4)

وقال الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي:

المراد ب «إقبال العقل» إقباله إلى الدنيا، وب «إدباره» إدباره عنها، فإقباله في جميع المراتب إيجابيّ تكوينيّ لا يحتمل العصيان، وأمريّ دفعي لا يدخل تحت الزمان، ولا يتطرّق إلى السابق عند وجود اللّاحق بطلان ولانقصان، وإدباره في الأواخر تكليفي تشريعي، وكلّه خُلقي تدريجي مقيّد بزمان يبطل السابق عند حدوث اللاحق شخصاً وجسماً لا حقيقةً وروحاً، وكلّ مرتبة منهما عين نظيرته من الآخر حقيقة، وغيره شخصاً. (5)

وقال بعض المعاصرين:

«أقبل» أي إلى الدنيا ... «فأقبل» فنزل على هذا العالم، فأفاض النفوس الفلكيّة [بإذن ربّه‏] (6) ثمّ الطبائع، ثمّ الصور، ثمّ الموادّ، فظهر في حقيقة كلّ منها وفعل فعلها، فصار كثرةً وأعداداً، وتكثّر أشخاصاً وأفراداً.

ثمّ قال له: «أدبر»؛ أي ارجع إلى ربّك «فأدبر» فأجاب داعي ربّه وتوجّه إلى جناب‏

____________

(1). في المصدر: «القوّة» مكان «الغريزة».

(2). في «الف»: «اكملنّك».

(3). في «ب» و «ج»:-/ «وإيّاك اثيب».

(4). الحاشية علي اصول الكافي، ص 41- 44.

(5). توجد العبارة بعينها في الوافي، ج 1، ص 54 من دون أن تنسب إلى صدر الدين محمّد الشيرازي.

(6). أضفناه من المصدر.

195

قدسه. بأن صار جسماً مصوّراً من ماء عذب وأرض طيّبة، ثمّ نبت نباتاً حسناً، ثمّ صار حيواناً ذا عقل هيولاني، ثمّ صار عقلًا بالملَكَة، ثمّ عقلًا مستفاداً، ثمّ عقلًا بالفعل، ثمّ فارق الدنيا ولحق بالرفيق الأعلى، وكذلك فعل كلّ مَن شيّعه وتبعه من الأرواح المنشعبة منه المقتبسة من نوره أو المنبجسة من شعاعه، ويلحق به الجميع، ويحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى ورجوعه إلى اللَّه تعالى‏.

فإقباله، عبارة عن توجّهه إلى هذا العالم الجسماني وإلقائه عليه من شعاع نوره، وإظهاره الأعيان فيه، وإفاضته الشعور والإدراك والعلم والنطق على كلّ منها بقدر استعداده له وقبوله منه، من غير أن يفارق معدنه ويخلّي مرتبته ومقامه في القرب، بل يرشّح بفضل وجوده الفائض من اللَّه على وجود ما دونه.

وإدباره، عبارة عن رجوعه إلى جناب الحقّ وعروجه إلى عالم القدس باستكماله لذاته بالعبوديّة الذاتيّة شيئاً فشيئاً من أرض المادّة إلى سماء العقل حتّى يصل إلى اللَّه تعالى، ويستقرّ إلى مقام الأمن والراحة، ويُبعث إلى المقام المحمود الذي يغبطه به الأوّلون والآخرون ... وفي هذا المقام أسرار لا يحتملها أفهام الجمهور، فلنذرها في سنابلها. (1)

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ‏ (2) بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: «هَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلى‏ آدَمَ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا آدَمُ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ، فَاخْتَرْهَا وَ دَعِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ (عليه السلام): يَا جَبْرَئِيلُ، وَمَا الثَّلَاثُ؟ فَقَالَ: الْعَقْلُ، وَالْحَيَاءُ، وَالدِّينُ، فَقَالَ آدَمُ (عليه السلام):

إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) لِلْحَيَاءِ وَالدِّينِ: انْصَرِفَا وَدَعَاهُ، فَقَالَا: يَا جَبْرَئِيلُ، إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ، قَالَ: فَشَأْنَكُمَا، وَعَرَجَ».

الهديّة الرابعة عشرة:

هذا الخبر رواه الصدوق أيضاً في الفقيه في أواخر باب نوادر الكتاب عن أبي جميلة

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 53- 56.

(2). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

196

مفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1).

وعليّ بن محمّد هذا هو أبو الحسن بن محمّد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف ب «علّان»؛ ثقةٌ عينٌ.

(واحدةٌ) أي في خصلةٍ واحدةٍ من خصالٍ ثلاث.

و «الشأن»: الأمر والحال. (فشأنكما) نصب على المفعوليّة.

وفي الصحاح: الشأن شأنك، أي اعمل ما تحسنه‏ (2).

(عرج) فيه وبه،- كنصر-: ارتقى.

ولا شكّ أنّ المعرفة الدينيّة شأن العقل، وأنّها لا تحصل إلّابإخبار الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه. والقطع بحقّيّة شي‏ء مختلف فيه‏ (3)، منحصر فيما أخبر هو به؛ لانحصار الأعلميّة فيمن هو عاقل عنه‏ (4). ولا أعلم بالاتّفاق بنظام الأنفس والآفاق‏ (5) من مدبّره الحكيم تعالى شأنه، فلا معرفة إلّاللمعصوم العاقل عنه‏ (6) المحصور عدده بالحكمة البالغة ومن تبعه، وقد قال اللَّه تبارك وتعالى لنبيّنا (صلى الله عليه و آله): «وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» (7).

فالحديث ردّ على غير الناجية من البِضْع والسبعين، لا سيّما على الصوفيّة القدريّة؛ لقولهم بأنّ المعرفة الحقيقيّة (8) إنّما تحصل لكلّ أحد بالمكاشفات الحاصلة من الرياضات‏ (9)، لا بما أخبر به المعصوم العاقل عن العالم بالسرّ والخفيّات.

____________

(1). الفقيه، ج 4، ص 416، ح 5906.

(2). الصحاح، ج 5، ص 2142 (شأن).

(3). في «ج»:-/ «مختلف فيه».

(4). في «ج»:-/ «لانحصار الأعلميّة فيمن هو عاقل عنه».

(5). في «ج»: «بهذا» بدل «بالاتّفاق بنظام الأنفس و الآفاق».

(6). في «ج»:-/ «العاقل عنه».

(7). النساء (4): 113.

(8). في «ج»:-/ «الحقيقيّة».

(9). في «ب»: من غير الرياضات.

197

وقال برهان الفضلاء:

المراد بالحياء هنا عدم التجاوز عن الحدّ بالحكم رأياً وظنّاً وقياساً فيما يجري الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة، أو بادّعاء المكاشفة كالصوفيّة، قال اللَّه تعالى في سورة الزمر: «قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ». (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

الظاهر أنّ آدم (عليه السلام) حين هبوط جبرئيل (عليه السلام) كان ذا عقل وحياء ودين، والأمر باختيار واحدة من ثلاث لا ينافي حصولها. وقول جبرئيل (عليه السلام) للحياء والدِّين بعد اختيار العقل:

«انصرفا» لإظهار ملازمتهما للعقل بقولهما (2): «إنّا امرنا أن نكون مع العقل». ولعلّ الغرض من ذلك أن يتنبّه آدم (عليه السلام) لعظمة (3) نعمة العقل، ويشكر اللَّه على إنعامه. (4)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي بإسناده عن: أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، رَفَعَهُ إِلَى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا الْعَقْلُ؟ قَالَ: «مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمنُ، وَاكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ». قَالَ: قُلْتُ: فَالَّذِي كَانَ فِي مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ: «تِلْكَ النَّكْرَاءُ، تِلْكَ الشَّيْطَنَةُ، وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ وَلَيْسَتْ بِالْعَقْلِ».

هديّة:

لا يُعبد الرحمن إلّابالمعرفة الدينيّة، وقد عرفت أنّها لا تحصل إلّابطاعة مفترض الطاعة العاقل عن اللَّه سبحانه. فردّ كسابقه على المذكور (5) في بيانه.

والمشار إليه ل (تلك): الخصلة، أو الطبيعة، أو ما تنا كلهما (6).

____________

(1). الزمر (39): 46.

(2). ما أثبتناه من المصدر و هامش «الف». و في «الف» و «ب»: لقولهما.

(3). في المصدر: «بعظم».

(4). الحاشية على أصول الكافي، ص 45.

(5). في «ب» و «ج»: على ما ذكر.

(6). في «ب» و «ج»:- «أو الطبيعة أو ما تناكلهما».

198

و (النكراء) بالفتح والمدّ في الكافر (1): بمنزلة الكياسة في المؤمن. و «الفطنة» بمعنى حدّة الإدراك‏ (2) إذا كانت نورانيّة: تسمّى بالكياسة والفراسة، وإذا كانت ظلمانيّة: تسمّى بالنكراء، والجربزة. و «النّكراء» و «النكر» كعُسْر وعُسُر بمعني. قال الجوهري: والنّكر:

المنكر. قال اللَّه تعالى: «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً» والنكراء مثله‏ (3). و هي شبيهة، أي لعلاقة حدّة الإدراك‏ (4).

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

«النكراء»: الفطنة المتجاوزة عن حدّ الاعتدال إلى الإفراط الباعث صاحبه على المكر والخديعة، والاستبداد بالرأي والمقاييس، وطلب فضول الدنيا من أيّ وجه كان. يقال:

ما أشدّ نكراؤه، وكذا نكُره بالضمّ والفتح. وهي شبيهة، أي في الدقّة.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: «النكراء»: ما يجب الفرار منه من آراء أهل البدع.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«ما عُبد به الرحمن»: الظاهر أنّه تفسير للعقل، بمعنى القوّة الداعية إلى اختيار الخير والنافع، أو الارتباط بالعقل المجرّد المُشرِق عليه.

ويحتمل أن يكون المراد بالعقل المسؤول عنه هنا: ما يعدّ به المرء عاقلًا عرفاً، وهو قوّة التمييز بين الباطل والحقّ، والضارّ والنافع التي لا تكون منغمرة في جنود الجهل، فعند غلبة جنوده لا يسمّى الفطن المميّز عاقلًا؛ حيث لا يعمل بمقتضى التمييز والفطانة.

ويستعمل في مشتهيات جنود الجهل. و «النكراء»: الدّهاء والفطنة، وهي جودة الرأي وحسن الفهم. وإذا استعمل في مشتهيات جنود الجهل يقال له: الشيطنة. ونبّه (عليه السلام) عليه بقوله: «تلك الشيطنة» بعد قوله: «تلك النكراء». (5)

____________

(1). في «الف» بدل «الكافر»: «أصحاب الشمال». وبدل «المؤمن»: «أصحاب اليمين».

(2). في «ب» و «ج»:-/ «بمعنى حدّة الإدراك».

(3). الصحاح، ج 2، ص 837 (نكر). والآية في الكهف (18): 74.

(4). في «ب» و «ج»:-/ «وهى شبيهه، أي‏لعلاقة حدّة الإدراك».

(5). الحاشية على أصول الكافي، ص 45- 46.

199

الحديث الرابع‏

وروى في الكافي عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ ابن عِيسى‏، (1) عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ: «صَدِيقُ كُلِّ امْرِىً عَقْلُهُ، وَعَدُوُّهُ جَهْلُهُ».

هديّة:

(عقله) أي ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، وهو (2) نور تابع لنور عقل المعصوم العاقل عن اللَّه، كما أنّ جهله ظلمة تابعة لظلمة جهل إبليس رئيس أهل البدع والمقاييس.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

المراد أنّ العاقل الآخذ عن العاقل عن اللَّه لا يضرّه عداوة عدوٍّ، والجاهل وجوب طاعة مفترض الطاعة لا ينفعه صداقة أهل الجهل إيّاه.

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

«صديق كلّ امرى‏ءٍ عقله»؛ لأنّ الصديق يحبّ للصديق الخير والنافع ويوصله إليهما، والعدوّ يريد للعدوّ الشرّ والضارّ (3) ويوصله إليهما، والموصِل إلى الخير والنافع هو العقل، والموصل إلى الشرّ والضارّ هو الجهل، وهما يستقلّان بالإيصالين، ولا يستقلّ بهما غيرهما، إنّما من الغير المعاونة لا غير (4).

الحديث الخامس‏

روى في الكافي عنه، عن أحمد، (5) عن ابن فضّال، عن الحسن بن الجهم، قال: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام): إِنَّ عِنْدَنَا قَوْماً لَهُمْ مَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْعَزِيمَةُ، يَقُولُونَ بِهذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ:

«لَيْسَ أُولئِكَ مِمَّنْ عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالى‏، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» (6)».

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عن احمد بن محمد بن عيسى».

(2). في هامش «الف»: «وله».

(3). في «الف»: «المضارّ».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 46.

(5). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد».

(6). الحشر (59): 2.

200

هديّة:

يعني أبا الحسن الثاني (عليه السلام).

(لَهُمْ مَحَبَّةٌ) أي لكم الأئمّة من أهل البيت.

(تِلْكَ الْعَزِيمَةُ) أي تلك المعرفة الثابتة التي لن تزول بتشكيك مشكّك، أو المراد بالعزيمة: العقل المتّصف بقدر من أقدار الكمال بدليل السابع، وهو التالي للتالي.

والمحجور عليه شرعاً لسفهه داخل في الذين (ليست لهم تلك العزيمة)، وللَّه فيهم المشيئة.

و (يقولون) حاليّة، أو مستأنفةٌ في جواب مقدّرٍ. كأنّه قيل: هل محبّتهم لمجرّد فضائلهم، أو فضائل إمامتهم.

(ممّن عاتب اللَّه) أي عاتبهم اللَّه، أو إيّاهم. (1)

و «العتاب»: الملامة وشدّة الأخذ؛ أي ليس اولئك ممّن لامهم اللَّه بترك ما يستطيعون، أو ممّن أخذ اللَّه عليهم بالشدّة لشدّة استطاعتهم.

(إنّما قال اللَّه)، يعني إنّما خاطب اللَّه اولي الألباب، وقال في سورة الحشر: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ».

قال برهان الفضلاء:

«تلك العزيمة» أي الجدّ في المحبّة لموافقتهم المخالفين في العمل بالاجتهاد من دون الحكم في أحكام الدِّين بالعلم والبصيرة واليقين، يقرّون على الرسم بما أقررنا به، فإيمانهم رسميّ لا حقيقيّ.

«ممّن عاتب اللَّه»، أي ممّن علّمهم اللَّه الأدب، وأدّبهم كما خاطب اولي الألباب. والمراد:

أنّ هؤلاء ليس بالمؤمنين حقيقة، بل هم من أهل الشكّ، وللَّه فيهم المشيئة، كما مرّ في بيان: «والأمر في الشاكّ» إلى آخره في شرح الخطبة.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله) بخطّه:

____________

(1). في «ب» و «ج»:-/ «أو مستأنفة في جواب ... عاتبهم اللَّه أو إيّاهم».