الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
201

«العزيمة»: إرادة الفعل والقطع عليه، أوالجدّ في الأمر. وكان المراد نفي ذلك عنهم؛ لعدم قوّة تمييزهم‏ (1).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لهم محبّة» أي يحبّون الأئمّة وأهل البيت، وليست لهم قوّة عقلية توجب الاعتقاد الجازم بالإمامة اعتقاداً ناشئاً من الحجّة والبرهان حتّى يقولوا بهذا القول [أي القول‏] (2) بالإمامة، كما يقول الإماميّة عن تنبّهٍ‏ (3) ودليل.

«ليس اولئك»، أي القاصرين العاجزين عن تحقيق الحقّ غير مكلّفين بما عجزوا عنه، إنّما قال اللَّه تعالى‏ «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ». (4)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

«تلك العزيمة»؛ أي ذلك الرسوخ الناشئ من العلم، بل مَثَلهم مَثَل العابد الذي سيجي‏ء ذكره في الحديث الثامن.

«ممّن عاتب اللَّه» يعني بل المخاطب والمعاتب اولوا الأبصار. ويسامح اللَّه تلك الطائفة في القيامة.

الحديث السادس‏

روى في الكافي عَنْ القُمّي، (5) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «مَنْ كَانَ عَاقِلًا، كَانَ لَهُ دِينٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ، دَخَلَ الْجَنَّةَ».

هديّة:

يعني: (من كان عاقلًا) عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه تبارك وتعالى‏. والمراد أنّه لا دين لغير الإماميّة من البضع والسبعين، ولا يدخل الجنّة من هذه الامّة سوى الإماميّة.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 86.

(2). أضفناه من المصدر.

(3). في المصدر: «عن بيّنةٍ».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 47.

(5). في الكافي المطبوع: «أحمد بن إدريس» بدل «القمّي».

202

وقال برهان الفضلاء:

المراد بالدِّين هنا: الذلّ والاستكانة بالعبوديّة، والطاعة عند الأمر بالإقبال والإدبار، كما مرّ في بيان الحديث الأوّل، وهو الإيمان الحقيقي.

و «أبو محمّد الرازي» في سند هذا الحديث قيل: هو الحسن بن الجهم. وقيل: هو مجهول.

الحديث السابع‏

روى في الكافي عن العدّة، عن البرقي، (1) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «إِنَّمَا يُدَاقُّ اللَّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلى‏ قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا».

هديّة:

(يداقّ): على المضارع الغائب المعلوم من المفاعلة، أو على المصدر من التفاعل.

قال الجوهري: المداقّة في الأمر التداقّ. (2)

والحديث بظاهره دلالة على أنّ المداقّة في الحساب إنّما هو مع أهل معرفة الولاية، لكن على التفاوت بتفاوت أنوار عقولهم؛ إذ لا عقل لغيرهم أصلًا. ووجه إطلاق العباد عليهم ظاهر، كوجه إطلاقه على أكثرهم؛ فإنّ الذين ليسوا منهم ممّن عاتبهم اللَّه منهم، وإلّا فيهم المشيّة، كما مرّ في بيان الخامس. وخلق فيهم ما هو في حكم العقل، لمحبتّهم وقولهم بالولاية. (3)

وقال برهان الفضلاء:

يحتمل أن يكون المراد ب «العقول» هنا: عقول رؤساء الدِّين، فالمعنى: أنّ كلّ طائفة كان العقلاء فيهم أكثر يكون المداقّة في حسابهم أشدّ، كما أنّ عذاب الماردين في زمن النبيّ‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد».

(2). الصحاح، ج 4، ص 1475 (دقق).

(3). في «ب» و «ج»:-/ «إذ لاعقل لغيرهم ... وقولهم بالولاية».

203

ضعف عذابهم في غيره.

وقال السيّد الأجلّ النائيني: «التداقّ»: تفاعل من الدقّة، و «المداقّة»: أن تداقّ صاحبك الحساب. (1)

الحديث الثامن‏

روى في الكافي عن عليّ بن محمّد بن عبداللَّه، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن الديلمي‏ (2)، عن أبيه، قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فُلَانٌ مِنْ عِبَادَتِهِ وَدِينِهِ وَفَضْلِهِ كَذَا، فَقَالَ:

«كَيْفَ عَقْلُهُ؟» قُلْتُ: لَاأَدْرِي، فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ الثَّوَابَ عَلى‏ قَدْرِ الْعَقْلِ؛ إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، خَضْرَاءَ، نَضِرَةٍ، كَثِيرَةِ الشَّجَرِ، ظَاهِرَةِ الْمَاءِ، وَإِنَّ مَلَكَاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَرَّ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَرِنِي ثَوَابَ عَبْدِكَ هذَا، فَأَرَاهُ اللَّهُ تَعَالى‏ ذلِكَ، فَاسْتَقَلَّهُ الْمَلَكُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالى‏ إِلَيْهِ أَنِ اصْحَبْهُ، فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ إِنْسِيٍّ، فَقَالَ الرجل‏ (3) لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فقَالَ‏ (4): أَنَا رَجُلٌ عَابِدٌ بَلَغَنِي مَكَانُكَ وعِبَادَتُكَ فِي هذَا الْمَكَانِ، فَأَتَيْتُكَ لِأَعْبُدَ اللَّهَ مَعَكَ، فَكَانَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَمَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ، فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: إِنَّ لِمَكَانِنَا هذَا عَيْباً، فَقَالَ لَهُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ، فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هذَا المَوْضِعِ؛ فَإِنَّ هذَا الْحَشِيشَ يَضِيعُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: وَمَا لِرَبِّكَ حِمَارٌ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ مَا كَانَ يَضِيعُ مِثْلُ هذَا الْحَشِيشِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالى‏ إِلَى الْمَلَكِ: إِنَّمَا أُثِيبُهُ عَلى‏ قَدْرِ عَقْلِهِ».

هديّة:

(عليّ بن محمّد بن عبداللَّه): هو عليّ بن محمّد بن عبداللَّه بن اذينة من مشايخ الكليني. قاله السيّد الأجلّ النائيني‏ (5). أو عليّ بن محمّد بن عبداللَّه بن عمران‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 47.

(2). في الكافي المطبوع: «محمّد بن سليمان الديلمي».

(3). في الكافي المطبوع:-/ «الرجل».

(4). في الكافي المطبوع: «قال».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 47.

204

البرقي كما قيل. (1)

(فلان): مبتدأ محذوف الخبر مثل: «ممدوحٌ له»، «بمكانٍ»، «لَكامِلٌ».

(كيف عقله): سؤال عن قدر عقله الذي مناط التكليف.

(على قدر العقل) أي العقل الذي يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان. (2)

(نضرة): ك «كَلِمَة».

(ظاهرة الماء) أي ماؤها على وجه الأرض. ويحتمل الطاء المهملة.

(استقلّه): عدّه قليلًا.

(أنا رجل) صِدْقٌ وهو بصورة رجلٍ.

(بلغني مكانك) أي منزلتك ومكانتك.

ولا يلزم من تمنّي ذلك العابد بقوله: «فلو كان» ما ينافي [إسلامه‏] (3)، إسلامه بقدر عقله الضعيف، (4) وهو من سفهاء المسلمين، وهم مسلمون ما يسمعون من العقلاء من المعارف الحقّة والتبرّي عن المجسّمة وسائر الكفّار.

فطوبى لأهل الولاية الذين أدناهم بمجرّد طاعة مفترض الطاعة على قدر عقله- كهذا العابد المطيع لنبيّ من الأنبياء- مخلّد في أدنى درجة من درجات الجنّة بمشيئة اللَّه تعالى‏ وفضل جوده، وويل للصوفيّة والقدريّة الذين خواصّهم بمخالفة المعصوم‏ (5) مخلّد في أسفل دَرْكٍ من دركات النار (6).

____________

(1). في الوافي، ج 1، ص 83: «ويحتمل ابن عمران البرقي».

(2). توجد هنا في «الف» عبارة لم تقرأ.

(3). أضفناه لتكميل العبارة.

(4). في «ب» و «ج»:-/ «الضعيف».

(5). في «ب»:+/ «في العقائد والأعمال».

(6). في «ب» و «ج»:+/ «ونجاة غير المتمادي من عوامّهم على الأحتمال». وفي «ب» و «ج»:+/ «في العقائد والأعمال».

205

رعى البعير، رعيتُه أنا، يتعدّى ولا يتعدّى.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«فلان» خبر مبتدأ، و «من» ظرفه. والمراد: أنّ عبادته ودينه وفضله في مرتبة الكمال، كأنّه خلق منها، نظير: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» (1).

و «الدين»: الذلّ والاستكانة بالعبوديّة والطاعة عند الأمر بالإقبال والإدبار كما مرّ.

والمراد بالفضل هنا: ملكة السخاء ونحوه.

«طاهرة الماء» بالمهملة، أي نظيفة الماء.

«أن أصحبه» بفتح الهمزة وسكون النون الساكنة المكسورة لالتقاء الساكنين: مفسّرة؛ لأنّ «أوحي» متضمّن لمعنى «قال».

«يضيع» الاولى على المعلوم من باب ضرب، والثانية على المعلوم من التفعيل أو المجرّد.

ولا يخفى أنّ هذا العابد من المستضعفين الذين للَّه‏فيهم المشيئة، أو من الّذين قد يفرضون محالًا بترك الأدب الناشئ من ضعف العقل من دون اعتقاد الجسميّة.

وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه:

سمعت استاذي الفاضل المحقّق ميرزا محمّد الاسترآبادي يقول: الظاهر أنّ عليّ بن محمّد بن عبداللَّه هو ابن اذينة؛ لأنّه من جملة العِدَّة، وهو مجهول.

«من عبادته ودينه وفضله»؛ أي في المرتبة العليا. (2)

في بعض النسخ «إنّما أثبته» على الماضي.

الحديث التاسع‏

روى في الكافي عن الأربعة (3) عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ، فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ؛ فَإِنَّمَا يُجَازى‏ بِعَقْلِهِ».

هديّة:

(في حُسن عقله) أي ما عبد به الرّحمن، واكتسب به الجنان على ما بيّن في الثالث.

____________

(1). الأنبياء (21): 37.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 86.

(3). وهم: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني.

206

(يجازى) على ما لم يسمّ فاعله، أي يعطى جزاء العمل والثواب.

وقال برهان الفضلاء:

«حُسن حال» من كثرة الصوم والصلاة، وقيام الليل ونحوها فلا تغترّوا، فانظروا في حسن عقله ودينه المأخوذ من المعصوم.

الحديث العاشر

روى في الكافي عن محمّد، عن أحمد عن السرّاد، (1) عن عبداللَّه بن سنان، قال: ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) رَجُلًا مُبْتَلىً بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَقُلْتُ: هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«وَأَيُّ عَقْلٍ لَهُ وَهُوَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ؟!» فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «سَلْهُ: هذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ لك‏ (2): مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ».

هديّة:

(هو رجل عاقل) أي لا نقص له‏ (3) بحسب العقل.

(وأيّ عقلٍ له) أي كامل.

ولمّا كان المشهور في جميع الامم أنّ الوسواس في العبادات ونيّاتها إنّما هو من الشيطان قال (عليه السلام): (سَلْهُ).

قال برهان الفضلاء: «مبتلى بالوضوء والصلاة» أي بالوسواس في نيّتهما.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

قوله: «وهو يطيع الشيطان» ويفعل ما يأمره به، فسأله السائل عن إبانة أنّه يطيع بفعله الشيطان، فنبّه (عليه السلام) بأنّه لو سئل عن مستنده لم يكن له بدّ من أن يسنده إلى الشيطان؛ حيث لا شبهة في أنّه لا مستند له في الشرع ولا في العقل. (4)

____________

(1). السند في الكافي المطبوع: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب».

(2). في «الف»:-/ «لك».

(3). في «الف»: «لا نقص لعقله».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 48.

207

الحديث الحادي عشر

روى في الكافي عن العدّة، عن البرقي، (1) عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ، قَالَ:

«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مَا قَسَمَ اللَّهُ لِلْعِبَادِ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ؛ فَنَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ، وَإِقَامَةُ الْعَاقِلِ في بلده‏ (2) أَفْضَلُ مِنْ شُخُوصِ الْجَاهِلِ، وَلَا بَعَثَ اللَّه نَبِيّاً وَلَا رَسُولًا حَتّى‏ يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلَ، وَيَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ عُقُولِ جَمِيعِ أُمَّتِهِ، وَمَا يُضْمِرُ النَّبِيُّ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرَائِضَ اللَّهِ حَتّى‏ عَقَلَ عَنْهُ، وَلا بَلَغَ جَمِيعُ الْعَابِدِينَ فِي فَضْلِ عِبَادَتِهِمْ مَا بَلَغَ الْعَاقِلُ، وَالْعُقَلاءُ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تبارك و تَعَالى‏: «وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» (3).*

هديّة:

أعقل العقلاء هو الحجّة المعصوم، ثمّ يتفاوتون بحسب العلم بأحكام الدِّين ومعارف اليقين‏ (4) على ما أخبر به العاقل عن ربّ العالمين.

(شخوص الجاهل) أي خروجه من بلده إلى آخَرَ لتحصيل الثواب، كالحجّ، والجهاد، وطلب العلم.

(من اجتهاد المجتهدين) يعني في العبادة. وقد قال النبيّ (صلى الله عليه و آله): «تفكّر ساعة خيرٌ من عبادة سبعين سنة» (5)؛ فإنّ بتفكّر العقل يقطع العبد بوجوب وجود المعصوم العاقل عن اللَّه من طرقٍ منها: برهان الانحصار، وقد سبق بيانه مراراً. (6)

____________

(1). السند في الكافي المطبوع كذا: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد».

(2). في الكافي المطبوع-/: «في بلده».

(3). في الكافي المطبوع: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ»*.

(4). في «الف» هكذا: «بحسب العلم والعمل، والوقوف بمعارف اليقين».

(5). هذه الرواية مرويّة بعباراة مختلفة. راجع تفسير روح المعاني، ج 6، ص 212، ذيل الآية 7، سورة هود (11)؛ آيات‏الأحكام للجرجاني، ج 1، ص 234؛ الكافي، ج 2، ص 54، باب التفكر، ح 2؛ بحارالأنوار، ج 66، ص 293.

(6). في «ج»: «للقطع بأنّ الأعلم بما هو الحقّ في هذا النظام العظيم إنّما هو مدبّره العليم الحكيم حتّى عقل عنه بتوسّط أنحاء العقل عنه أو العاقل عنه» بدل «من طرق منها: برهان الانحصار، وقد سبق بيانه مراراً».

208

(ولا بلغ جميع العابدين) يعني أدنى درجة العاقل من درجات أفكاره المستقيمة أعلى من جميع درجات جميع العابدين.

والآية نقل بالمعنى، أو قراءة أهل البيت (عليهم السلام) أو سهو مضبوط؛ فإنّ في البقرة، وآل عمران: «وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» (1)* بالإدغام، وفي الزمر: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (2) بدونه، وفي ص: «وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» (3) بدونه باللام.

قال برهان الفضلاء:

«النبيّ»: إنسان يكلّمه اللَّه بلا واسطة إنسان آخر. والمراد هنا من النبيّ: الرسول الذي يوصله اللَّه إلى الرسالة بعد النبوّة.

و «الرسول»: إنسان يكلّمه اللَّه بلا واسطة إنسان آخر ويرسله إلى خلقه. والمراد هنا من الرسول: رسول لا يكون نبيّاً قبل رسالته، كما سيجي‏ء تحقيقه في بيان الأوّل من الباب الثالث من كتاب الحجّة إن شاء اللَّه تعالى‏.

وضمير «عنه» للَّه، أو للنبيّ. والمآل واحد. وعلى التقديرين تعدية «العقل» ب «عن» على تضمين معنى الأخذ. والمراد: أخذ العلم بما يحتاج إليه من المسائل برعاية الآداب الحسنة في تحصيله عن اللَّه سبحانه بتوسّط الحجّة المعصوم.

وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه: قوله: «وما يضمر النبيّ»، المراد: مطلق النبيّ (عليهم السلام). (4)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل»؛ أي بعقله؛ فإنّ للعقل فضلًا؛ لأنّه به يحصل المعرفة واختيار الخير. ويتفرّع عليها (5) الخشية، والتذلّل، والإطاعة، والانقياد، والإتيان بالحسن الجميل. وإنّما كمال العبادة بحسن التذكّر والتذلّل والخشية، وقال اللَّه تعالى: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (6)*، وقال عزَّ من قائل: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ‏

____________

(1). البقرة (2): 269؛ آل عمران (3): 7.

(2). الزمر (39): 9.

(3). ص (38): 29.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 86.

(5). في المصدر: «عليهما».

(6). الزمر (39)؛ الرعد (13): 19.

209

عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (1).

الحديث الثاني عشر

روى في الكافي: وقال أبو عبداللَّه الأشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو الحسن موسى‏ بن جعفر (عليهما السلام): «يا هشام، إنّ اللَّه تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: «فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ». يا هشام، إنّ اللَّه تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيّين بالبيان، ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة، فقال: «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (2). يا هشام، قد جعل اللَّه ذلك دليلًا على معرفته بأنّ لهم مدبّراً فقال: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (3)، وقال: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (4)، وقال: «إن في اختلاف الليل و النهار و ما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها و تصريف الرياح و السحاب المسخر بين السماء و الأرض لآيات لقوم يعقلون» (5)، وقال: «يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 49؛ والآية في فاطر (35): 28.

(2). البقرة (2): 163- 164.

(3). النحل (16): 12.

(4). غافر (40): 67.

(5). إشارة و اقتباس من الآية 164 من سورة البقرة (2)؛ و الآية 5 من هذه العبارة سورة الجاثية (45). و في الكافي‏المطبوع أورد بدل هذه العبارة الآية 64 من البقرة (2): «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».

210

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (1)، وقال: «وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (2)، وقال: «وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (3)، وقال: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (4)، وقال: «هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (5).

يا هشام، ثمّ وعظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة فقال: «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (6).

يا هشام، ثمّ خوّف الذين لا يعقلون عقابه فقال: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (7).

وقال: «إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (8).

____________

(1). الحديد (57): 17.

(2). الرعد (13): 4.

(3). الروم (30): 24.

(4). الأنعام (6): 151.

(5). الروم (30): 28.

(6). الأنعام (6): 32.

(7). الصافات (37): 136- 138.

(8). العنكبوت (29): 34- 35.

211

يا هشام، إنّ العقل مع العلم، فقال: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» (1).

يا هشام، ثمّ ذمَّ الذين لا يعقلون فقال: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ» (2).

وقال: «وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (3)، وقال: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ» (4)، وقال: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (5)، وقال: «لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» (6)، وقال:

«وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (7).

يا هشام، ثمّ ذمَّ اللَّه الكثرة فقال: «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (8)، وقال: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (9)، (10) وقال: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (11).

____________

(1). العنكبوت (29): 43.

(2). البقرة (2): 170.

(3). البقرة (2): 171.

(4). يونس (10): 42.

(5). الفرقان (25): 44.

(6). الحشر (59): 14.

(7). البقرة (2): 44.

(8). الأنعام (6): 116.

(9). ما أثبتناه نصّ القرآن، و في النسخ: «لا يعقلون». و لعلّه خطأ من النسّاخ أو تصحيف من الرواة. و قال المجلسي في مرآة العقول، ج 1، ص 50: «و يحتمل أن يكون نقل بالمعنى إشارة إلى ما مرّ من استلزام العقل للعلم».

(10). لقمان (31): 25.

(11). العنكبوت (29): 63.

212

يا هشام، ثمّ مدح القلّة فقال: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (1)، وقال: «وَ قَلِيلٌ ما هُمْ» (2)، وقال: «وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ» (3)، وقال: «وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» (4)، وقال: «وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (5)*، وقال:

«و أَكْثَرُهُمْ لا يَشْعُرُون». (6)

يا هشام، ثمّ ذكر اولي الألباب بأحسن الذِّكر وحلّاهم بأحسن الحلية فقال: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» (7)، وقال:

«وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» (8)، وقال: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ» (9)، وقال: «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (10)، وقال: «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (11)، وقال:

«كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» (12)، وقال: «وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى‏ وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ* هُدىً وَ ذِكْرى‏ لِأُولِي الْأَلْبابِ» (13)، وقال:

____________

(1). سبأ (34): 13.

(2). ص (38): 24.

(3). غافر (40): 28.

(4). هود (11): 40.

(5). الأنعام (6): 37؛ الأعراف (7): 131. وموارد اخرى.

(6). لا توجد في القرآن الكريم آية بهذا اللفظ.

(7). البقرة (2): 269.

(8). آل عمران (3): 7.

(9). آل عمران (3): 190.

(10). الرعد (13): 19.

(11). الزمر (39): 9.

(12). ص (38): 29.

(13). غافر (40): 53- 54.

213

«وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (1).

يا هشام، إنّ اللَّه يقول في كتابه: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» (2)، يعني عقل، وقال:

«وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ» (3). قال: الفهم والعقل.

يَا هِشَامُ، إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: تَوَاضَعْ للنّاس‏ (4) تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ، وَإِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ، يَا بُنَيَّ، إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ، وَحَشْوُهَا الْإِيمَانَ، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ، وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ، وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ، وَسُكَّانُهَا الصَّبْرَ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ دَلِيلًا، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ، وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ؛ وَلِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مَطِيَّةً، وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ؛ وَكَفى‏ بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ.

يَا هِشَامُ، مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلى‏ عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ، فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا، وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلًا أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً، وَحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ، الَّذِي لَايَشْغَلُ الْحَلالُ شُكْرَهُ، وَلَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ.

يَا هِشَامُ، مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى‏ ثَلَاثٍ، فَكَأنَّمَا أَعَانَ عَلَى‏ هَدْمِ عَقْلِهِ: مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ، وَمَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ، وَأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلى‏ هَدْمِ عَقْلِهِ، وَمَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ، أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ.

يَا هِشَامُ، كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ، وَأَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ، وَأَطَعْتَ هَوَاكَ عَلى‏

____________

(1). الذاريات (51): 55.

(2). ق (50): 37.

(3). لقمان (31): 12.

(4). في الكافي المطبوع: «للحقّ».

214

غَلَبَةِ عَقْلِكَ؟!

يَا هِشَامُ، الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ، فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِيهَا، وَرَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ اللَّهُ أُنْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ، وَصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ، وَغِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ، وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ.

يَا هِشَامُ، نُصِبُ الْحَقُّ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ، وَلَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ، وَمَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ.

يَا هِشَامُ، قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ، وَكَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوى‏ وَالْجَهْلِ مَرْدُودٌ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا؛ فَلِذلِكَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ الذُّنُوبَ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا وَ إِلى‏ أَهْلِهَا، فَعَلِمَ أَنَّهَا لَاتُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ، وَنَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ، فَعَلِمَ أَنَّهَا لَاتُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ، فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقَاهُمَا.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَرَغِبُوا فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ، وَالْآخِرَةَ طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ، فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ، طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتّى‏ يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا، طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ، فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.

يَا هِشَامُ، مَنْ أَرَادَ الْغِنى‏ بِلَا مَالٍ، وَرَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ، وَالسَّلامَةَ فِي الدِّينِ، فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ؛ فَمَنْ عَقَلَ، قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ، وَمَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ، اسْتَغْنَى‏، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ، لَمْ يُدْرِكِ الْغِنى‏ أَبَداً.

يَا هِشَامُ، إِنَّ اللَّهَ حَكى‏ عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (1) حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَتَعُودُ إِلى‏ عَمَاهَا

____________

(1). آل عمران (3): 8.

215

وَرَدَاهَا؛ إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ، لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلى‏ مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَيَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً، وَسِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقاً؛ لِأَنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ اسْمُهُ وتعالى- لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَنَاطِقٍ عَنْهُ.

يَا هِشَامُ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ، وَمَا تَمَّ عَقْلُ امْرِىً حَتّى‏ يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتّى‏: الْكُفْرُ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ، وَالرُّشْدُ وَالْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ، وَفَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ، وَفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ، وَنَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ، لَايَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ، وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ، يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ، وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَايَكْذِبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ.

يَا هِشَامُ، لَادِينَ لِمَنْ لا مُرُوءَةَ لَهُ، وَلَا مُرُوءَةَ لِمَنْ لَاعَقْلَ لَهُ، وَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْراً الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً، أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا.

يَا هِشَامُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ:

يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ، وَيَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ، وَيُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْ‏ءٌ؛ فَهُوَ أَحْمَقُ؛ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: لَايَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيهِ هذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ، أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْ‏ءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ، فَهُوَ أَحْمَقُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام): إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ، فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا، قِيلَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَنْ أَهْلُهَا؟ قَالَ: الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ»* قَالَ:

هُمْ أُولُو الْعُقُولِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام): مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلاحِ، وَإِدْآبُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ، وَاسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ، وَإِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ

216

قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ، وَكَفُّ الْأَذى‏ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَفِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلًا وَآجِلًا.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَايُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ، وَلَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ، وَلَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ، وَلَا يتقدّم‏ (1) عَلى‏ مَا يَخَافُ فَوْتَهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ».

هديّة:

(أبو عبداللَّه الأشعري) هو الحسين بن محمّد الأشعري.

وصدر السند في بعض النسخ المعتبرة: «بعض أصحابنا رفعه».

قال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

قوله: «أبو عبداللَّه الأشعري عن بعض أصحابنا رفعه عن هشام»: أوّل السند في النسخ المعتبرة: «بعض أصحابنا رفعه». ويأتي في مواضع من الكافي ككتاب النكاح: «أبو عبداللَّه الأشعري»، وهو الحسين بن محمّد الأشعري «عن بعض أصحابنا رفعه»، وهنا نسخ مختلفة، ففي بعضها ما ذكرناه، وفي بعضها: «بعض أصحابنا رفعه»، وفي بعضها:

«أبو عليّ الأشعري [رفعه‏] (2)»، وفي بعضها: «أبو عبداللَّه الأشعري رفعه». وهو الظاهر (3)؛ لأنّه المتعارف في هذا الكتاب. (4) انتهى.

ما «هو الظاهر» هو الأكثر.

و (أهل العقل): هم الحجج المعصومون وشيعتهم، وغيرهم جهلاء وإن كانوا مهراء في فنون الشيطنة والنَكراء.

والآية في سورة الزمر هكذا: «وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ» (5) الآية. وتبعيّة «أحسن القول» قول اللَّه، أو قول العاقل عن اللَّه: هو الأخذ بالمحكمات، وبالمتشابهات أيضاً بتأويلها بالعلاجات المذكورة عنهم (عليهم السلام).

____________

(1). في «ج» و هامش «ب»: «ولايقدم».

(2). أضفناه من المصدر.

(3). في المصدر: «والظاهر عندي ما ذكرناه أوّلًا» بدل «وهو الظاهر».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 86.

(5). الزمر (39): 17.

217

وقال برهان الفضلاء:

«أحسن القول» يعني المحكمات الناهية عن تبعيّة الظنّ فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة، والدالّة على وجوب إمام عالم بجميع الأحكام إلى انقراض الدنيا. قال اللَّه في سورة الحديد: «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‏ عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1)، وفي سورة آل عمران: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ» (2)، وفي سورة الزمر: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» (3)، وفي سورة الزمر أيضاً: «اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» (4)، والقول مطلق من قول اللَّه والرسول وأوصيائه (عليهم السلام). انتهى.

وقد سبق في بيان الخطبة أنّ العمل بالظنّ في زمن الغيبة منه ما (5) رخّص فيه- لنفي الحرج المنفيّ‏ (6)- للعالم الممتاز العدل الإماميّ الحاذق في المعالجات على ما فصّل.

(أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ): إشارة إلى المعرفة الفطريّة بآثار الصنع وشواهد الربوبيّة.

(وَنَصَرَ النَّبِيِّينَ بِالْبَيَانِ): إشارة إلى المعرفة الدينيّة بالعقل عن الحجج المعصومين العاقلين عن اللَّه سبحانه.

(وَدَلَّهُمْ عَلى‏ رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ) أي العقليّة والسمعيّة.

____________

(1). الحديد (57): 9.

(2). آل عمران (3): 7.

(3). الزمر (39): 23.

(4). الزمر (39): 55.

(5). في «الف»: ممّا.

(6). راجع: المائدة (5): 6؛ الحجّ (22): 78.

218

وقال الفاضل الاسترآبادي:

«أكمل للناس الحجج بالعقول»، يعني خلق في الناس العقل بمعنى الغريزة، ولولا ذلك لما تمّ لأحدٍ حجّة ولا دليل على الآخر؛ لأنّ العاقل الناظر (1) المتفكّر لا يستطيع أن يجحد المقدّمات الواضحة الحقيقة، (2) الواضحة الاستلزام للمدّعى.

«نصر النبيّين بالبيان»، على الأمر (3)، يعني بأن ألهمهم وأوحى إليهم بمقدّمات واضحة الحقيقة، (4) واضحة الدلالة على المدّعى عند الخصم، مؤثّرة في قلبه بحسب استعداده.

وفيه تنبيه على أنّ صنع الأنبياء (عليهم السلام) مجرّد البيان.

وأمّا خلق نور ترتّب عليه قبول الحقّ والاعتراف، فهو صنع اللَّه بالنسبة إلى مَن يشاء، وهو الذي ثبتت منه الطاعة يوم الميثاق، وهو الذي إذا خلّي وإرادته يختار الحقّ وأهله لا هوى‏ نفسه.

«دلّهم على ربوبيّته بالأدلّة» يعني بعد خلق العقل فيهم دلّهم على أنّ لهم مدبّراً على لسان نبيّه (صلى الله عليه و آله) بالأدلّة، فالقول بأنّ معرفته ضروريّة من توهّم بعض الرواة (5). انتهى.

أقول: آخر بيانه غفلة عن قوله تعالى: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» (6)، والمنكر للمعرفة الفطريّة منكر بلسانه، كما يستفاد من الحديث. وقد سبق ذكره، وسيجي‏ء في كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى.

وآية «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» في سورة البقرة.

(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذلِكَ) أي المذكورات في هذه الآية.

وآية «وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ» في سورة النحل. وآية: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ» في سورة المؤمن. و (قال) قبلها عطف على (فقال): «وَ إِلهُكُمْ»» لا على (فقال و سخّر).

____________

(1). في «الف»: «المناظر».

(2). في المصدر: «الحقيّة».

(3). في المصدر: «علي الامّة».

(4). في المصدر: «الحقيّة».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 86- 87.

(6). الروم (30): 30.

219

(أشدكم) أي كمال قوّتكم، وأوان كمال عقلكم.

و آية: «إن في اختلاف الليل و النهار و ما أنزل الله من السماء من رزق» في سورة الجاثية، لكن بمضمونها، فنقل بالمعنى، أو قراءة غير مشهورة، أو سهو من سلف النسّاخ. وفي المصاحف: «واختلال الليل والنهار» بالواو مكان «إنّ» ومكان «لآيات»: «آيات».

وفسّر الرزق بالماء، وهو السبب.

وآية: «يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» في سورة الحديد. وآية: «وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ» في سورة الرعد.

«صِنْوانٌ» أي نخلات تكون من أصل واحد، إذا خرج نخلتان أو أكثر من أصل واحد فكلّ واحدة: «صنو» والاثنتان: «صنوان» بكسر النون والجمع: «صنوان» بالتنوين. وفي حديث العبّاس: «عمّ الرجل صنو أبيه». (1)

«وَ غَيْرُ صِنْوانٍ» متفرّقات مختلفة الاصول.

وآية: «وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً» في سورة الروم. «خوفاً» من نحو الصاعقة والغيث الضارّ، والبداء في الأمطار. و «طمعاً» في الغيث النافع.

وآية: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» في سورة الأنعام. و «الإملاق»: الفقر؛ أي من خوفه. وقد صرّح به في قوله تعالى‏: «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ».

«ما ظَهَرَ مِنْها»* بالعلانية. «وَ ما بَطَنَ»* بالإخفاء عن الناس.

وآية: «هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ» في سورة الروم، «مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من نحو العبيد والإماء، «فِي ما رَزَقْناكُمْ» من الأموال؛ يعني أنّ الذي لكم ليس في الحقيقة، بل هو للَّه‏سبحانه ومن رزقه، فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك من أمثالكم في مالكم من حيث الاسم والإنسانيّة؛ حيث لا تصرّف لكم في أرواحهم وإنسانيّتهم، فكيف يجوز أن يكون له شريك من مخلوقاته في ماله؟!

____________

(1). الأمالي للطوسي، ص 273، ح 518؛ وعنه في بحارالأنوار، ج 22، ص 286، ح 54.

220

«فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ» على الاستفهام، أي ولستم ومماليككم في شي‏ءٍ ممّا تملكون سواء، فليس للَّه‏شريك في شي‏ء ممّا يملكه في ملكه، بل كلّ شي‏ء فهو للَّه.

«تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» أي لستم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؛ إذ ليس لهم حرمة كحرمة الأحرار.

(ثمّ وعظ) أي بعد إكمال الحجج، ونصرة النبيّين، والدلالة على الربوبيّة لم يكتف بها بل وعظ.

وآية: «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ» في سورة الأنعام. وفي التفسير: يعني وما اكتفاؤنا بالحياة الدنيا إذا لم يكن بعدها دار آخرة إلّالهوٌ ولعب‏ (1). وقد قال في سورة الأنبياء: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ* لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ* بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» (2).

وآية: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ* وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ» في سورة الصافّات.

(ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ): أهلكناهم، يعني قوم لوط (عليه السلام).

(لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ)؛ قيل: على منازلهم في متاجركم إلى الشام؛ فإنّ بلدتهم المسمّاة ب «السدوم» في طريقها «مُصْبِحِينَ* وَ بِاللَّيْلِ». وفسّر بالمرور على قصّتهم في القرآن في عدّة مواضع مصبحين بقراءة القرآن وملابسين بقراءته بالليل.

وآية: «إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ» في سورة العنكبوت.

و «الرّجز»: العذاب.

(آية بيّنة): قصّة قوم لوط المشهورة، أو آثار الدِّيار الخربة.

(إنّ العقل مع العلم) أي العقل المتّصف بقدر من أقدار الكمال إنّما هو مع العلم‏

____________

(1). تفسير الثعالبي، ج 1، ص 515. وفيه: «والمعنى أنّها إذ كانت فانية لاطائل لها أشبهت اللعب واللهو الذي لاطائل له‏إذا تقضّى».

(2). الأنبياء (21): 16- 18.

221

المأخوذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه.

وآية: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ» في سورة العنكبوت أيضاً.

وآية: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ» في سورة البقرة.

«أَلْفَيْنا»: وجدنا.

وآية: «وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ» في سورة البقرة أيضاً.

نعق الراعي بالغنم- كضرب-: صاح بها.

وآية: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ»* في سورة يونس لكن في المصاحف‏ «يَسْتَمِعُونَ»*.

و «يستمع» بلا توافق التتمّة في سورة الأنعام، وفي سورة محمّد (1)، فنقل بالمعنى، أو قراءة غير مشهورة، أو سهو مضبوط.

وآية: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ» في سورة الفرقان.

«بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا»؛ لوجوهٍ ظاهرةٍ، منها: عدم اتّصاف الأنعام بالعناد.

وآية: «لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ»؛ في سورة الحشر. أي اليهود، محصّنة بالحيطان والسّيران والخنادق وغير ذلك.

(جميعاً) أي متّفقين.

وآية: «وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» في سورة البقرة.

(ثمّ ذمّ اللَّه الكثرة) أي كثرة أهل الجهل. ومن دلائلهم لمذاهبهم كثرة عددهم وقد يدّعون الإجماع بها.

وآية: «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ» في سورة الأنعام.

وآية: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» في سورة لقمان، لكن في المصاحف: «لا يعلمون» مكان «لا يعقلون»، فنقل بالمعنى، أو قراءة غير مشهورة، أو سهو مضبوط من سلف النسّاخ.

____________

(1). الأنعام (6): 25؛ محمّد (47): 16.

222

وآية: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً» في سورة العنكبوت.

وآية: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» في سورة سبأ.

وآية: «وَ قَلِيلٌ ما هُمْ» في سورة ص. أي ما أقلّ من آمن باللَّه واليوم الآخر وعمل الصالحات.

«وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» في سورة المؤمن.

وآية: «وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» في سورة هود؛ يعني مع نوح (عليه السلام). وفسّر القليل باثنين وسبعين نفراً، سبعة من أهله، ثلاثة منهم أبناؤه: سام وهام ويافث، وأربعة: (1) زوجته، وزوجات أبنائه (عليهم السلام).

«وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ»* في سورة الدخان، ويونس، والقصص.

«وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» في سورة المائدة.

قال الفاضل الاسترآبادي:

ما بعث اللَّه رسله إلى عباده إلّاليعقلوا الدين عن اللَّه على لسان رسله؛ لعلم اللَّه بأنّ غير ذلك من الطريق‏ (2) كالرياضة والمناظرة قد يُخطئ وقد يصيب. كلّ ذلك بتقدير اللَّه وقضائه وللحِكَم المنظورة له في ذلك. (3) انتهى.

قد مرَّ أنّ المعرفة الفطرية بتوسّط العقول، والدّينيّة بتوسّط المعصومين العاقلين عن اللَّه. وبيانه هذا إقرار بما أنكر، وقد ذكر عنه آنفاً.

«و أكثرهم لا يشعرون». ليس في المصاحف، فإمّا نقل بالمعنى، أوقراءةٌ غير مشهورة، أو سهو. ففي سورة المؤمنون‏ «بَلْ لا يَشْعُرُونَ» (4)، وفي سورة يونس والنمل‏ (5) «أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ»*، و «الحِلية» بالكسر: للسيف وحلية الرجل صفته ويفتح فيهما.

____________

(1). في «الف»: «تربعة».

(2). كذا في المخطوطة، وفي المصدر: «الطرق».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 87.

(4). المؤمنون (23): 56.

(5). يونس (10): 60؛ النمل (27): 73.

223

وآية: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ» في سورة البقرة.

و «الحكمة»: علم الدِّين، ولغة العلم الصحيح. واشتقاقها من الحَكَمة بالتحريك، أي حديد اللّجام المانع للدابّة من الوقوع في الورطة.

قال برهان الفضلاء: ذكر المضارع في‏ «وَ مَنْ يُؤْتَ»، وذكر «قد» والماضي في‏ «فَقَدْ أُوتِيَ» نظير «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ» (1) الإشعار بأنّ الخير الكثير مقدَّم على الحكمة وباعثها، كما أنّ الحكمة مقدَّمة على المغفرة والفضل وباعثهما. و «الخير» هنا، ضدّ الفقر المذكور في الآية السابقة على هذه الآية. والمراد الثروة وما يجري مجراها ويكون أفضل منها. انتهى.

وآية: «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» في سورة آل عمران، يعني الأئمّة (عليهم السلام).

وآية: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»* في سورة آل عمران أيضاً.

وآية: «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» في سورة الرعد.

وآية: «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ» في سورة الزمر.

وآية: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ» في سورة ص.

وآية: «وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى‏» في سورة المؤمن.

وآية: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» في سورة الذاريات.

و «الذّكري» و «الذُّكْرَة»: نقيض النسيان، ك «الذّكر» أيضاً بالكسر.

وآية: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» في سورة ق.

وآية: «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ» في سورة لقمان.

(قَالَ: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ)، يعني عن الحجّة المعصوم المضبوط عدده في علم اللَّه، وتقديره من أوّل الدنيا إلى انقراضها.

ولم يكن لقمانُ نبيّاً ولا وصيّاً، قد اشتهر أنّه خدم أربعمائة من الحجج المعصومين.

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

يعني أعطاه اللَّه تعالى الفهم والعقل، وعليهما مدار الحكمة التي هي المعرفة الحقّة

____________

(1). التوبة (9): 40.

224

والتخلّق بالخُلق الحسن الجميل، وباستعمالهما يحصل الحكمة، فكان إعطاؤهما إعطاؤها (1). انتهى.

غرضه من المعرفة الحقّة، المعرفة الدينيّة التي لا تحصل إلّابتوسّط المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه.

(تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ) قال في القاموس: تواضع: تذلّل وتخاشع. (2)

قيل: يعني مع الخلق للَّه‏ (3). أو المعنى أطع لمَن هو حجّة معصوم عاقل عن اللَّه. وفي الحديث: «مَن تواضع للَّه‏رفعه اللَّه» (4). و «الأعقل» مقول بالتشكيك فلا إشكال.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: أي لأحكام كتاب اللَّه تعالى.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

المراد بالتواضع للحقّ، الإقرار به، والإطاعة والانقياد له. والإقرار بالحقّ دليل العقل؛ لأنّ العقلَ يأمر به، والجهل يمنع عنه‏ (5). انتهى.

لا يقطع عقل بحقّيّة شي‏ء من المتشابهات إلّابالعقل عن اللَّه، أو بتوسّط عاقل عن اللَّه؛ لانحصار الأعلميّة بما في هذا النظام العظيم في مدبّره الحكيم تعالى شأنه.

(الْكَيْسَ) بالفتح، والكياسة: خلاف الحمق، فقوله: (وإنّ الكيّس لدى الحقّ يسير) يحتمل ك «سيّد»، يعني أنّ ذا الكيّس العاقل عن العاقل عن اللَّه قليل. وقيل:

يعني أنّ كياسة الإنسان- وهي عقله وفطانته- يسير عند الحقّ لا قدر له، وإنّما الذي له قدر عند اللَّه هو التواضع والمسكنة والخضوع والافتقار إليه. (6)

وقال برهان الفضلاء: أي المعامل بالمحكمات الناهية عن العمل بالظنّ قليل.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 52.

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 95 (وضع).

(3). الوافي، ج 1، ص 97.

(4). الكافي، ج 2، ص 122، باب التواضع، ضمن الحديث 3.

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 52.

(6). الوافي، ج 1، ص 97، نقلًا عن استاذه.

225

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله): يعني أنّ الكيّس عند الحقّ يسير منقادٌ له غير عسير.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

في المصادر: الكيّس والكياسة: «زيرك شدن». والكيس: «به زيركى غلبه كردن».

فيحتمل أن يكون «اليسير» بمعنى القليل، والكيس بأوّل المعنيين؛ وأن يكون اليسير مقابل العسير، والكيس بأحد المعنيين. والمراد: أنّ إدراك الحقّ ومعرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أنّ الغلبة بالكياسة عند القول بالحقّ والإقرار به يسير. ويحتمل أن يكون «الكيّس» بالتشديد، أي ذو الكياسة عند ظهور الحقّ بإعمال الكياسة والإقرار بالحقّ قليل‏ (1). انتهى.

واحتمال لذي الحقّ، أي الإمام، يعني معرفته أوعارفه كماترى.

(قَدْ غَرِقَ فِيهَا) كعَلِمَ (عَالَمٌ كَثِيرٌ)، يُحتمل فتح اللّام وكسرها، وظاهر برهان الفضلاء فتحها، وقد فسّرها بجمع كثير.

«حَشْو السفينة»: متاعها.

و «شراع السفينة» ككتاب: ما يهيّأ للرياح.

(إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ دَلِيلًا) أي هادياً إلى أنّه حقّ أو باطل.

(وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ) أي العقل‏ (2) الصواب، أو إصابة العقل: التفكّر في آلاء اللَّه، وآثار قدرته، واستحكام نظام العام بحكمته وتدبيره بحيث لا يتصوّر ما فوقه، فلابدّ من وجود حجّة معصوم عاقل عن الأعلم به؛ ليرتفع الاختلاف، ولئلّا يكون للناس على اللَّه حجّة بعد الرسل. والعاقل لا يبني فكره إلّاعلى استحكام هذا النظام بهذا الاستحكام فيميّز الفكر السخيف، كما عليه مدار مشايخ القدريّة عن مستقيمه، كما هو ملكة العاقل عن اللَّه تعالى.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 52.

(2). في «الف»: «والعقل» بدل «أي العقل».

226

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«شي‏ء» في الموضعين: مصدر باب عَلِمَ بمعنى المشيئة، ويستعمل في المعنى المتعارف؛ لأنّ كلّ شي‏ء إنّما هو بمشيئة اللَّه سبحانه كما سيجي‏ء في كتاب التوحيد في الباب الخامس والعشرين، باب أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة.

والمراد ب «التفكّر» هنا: التفكّر في عواقب الامور.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): «وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ»؛ فإنّ العقل يصل إلى مطلوبه بالتفكّر. «وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ»؛ فإنّ التفكّر يتمّ به‏ (1)، انتهى.

و «الصمت» بالفتح: مصدر صمت كنصر.

و «المَطِيّة» كالعطيّة: الناقة القويّة التي يركب ويحمل مَطاها- بالفتح والقصر- أي ظهرها.

(وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ) أي التذلّل والانقياد لقول المعصوم العاقل عن اللَّه.

(أَنْ تَرْكَبَ) على المعلوم: من باب عَلِمَ. وارتكاب المنهيّ عنه ينشأ من نقصان العقل.

قال برهان الفضلاء: ما نهيت عنه من تبعيّة الظنّ والاجتهاد بالرأي.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ» يعني التذلّل والانقياد للأوامر والنواهي، فمَن ركب المنهيّ عنه ولم يتواضع للأوامر والنواهي بقي عقله بلا مطيّة، فيصير إلى الجهل‏ (2). انتهى.

أي بقدر نقص عقله.

(فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً) أي لقبول دعوة المعصوم مطيعاً منقاداً.

(وأَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً) يعني دينيّة.

(وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ): بحجّيّة الإمام، وحقّيّة الشرائع والأحكام.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 52.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 53.

227

قال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

لمّا كان غاية البعثة والإرسال حصول معرفة اللَّه، فمَن كان أحسن معرفةً كان أحسن استجابةً، ومَن كان أحسن عقلًا كان أعلم بأمر اللَّه وأعمل به، فالأكمل عقلًا أرفع درجةً؛ حيث يتعلّق رفع الدرجة؛ بكمال ما هو الغاية (1). انتهى.

أي رفع الدرجات‏ (2) في الدنيا بكثرة العزّة، وفي الآخرة في الموقف والجنّة.

(إِنَّ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ) دلالةٌ على أنّ المعرفة الدينيّة لا تطلب إلّاممّن له المعرفة الفطريّة التي حاصلةٌ بشواهد الربوبيّة لكلّ بالغ عاقل بالعقل الذي مناط التكليف.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«إنّ للَّه‏على الناس حجّتين»، يعني يحتجّ اللَّه على عبده يوم القيامة بين الخلق [فيقول‏ (3)]:

أما بيّنت لك الطريقة المرضيّة عندي والغير المرضيّة عندي على لسان النبيّ (عليه السلام). وكذلك يحتجّ عليه في قلبه بأنّه: أما خلقت في قلبك الطريقة المرضيّة والطريقة الغير المرضيّة بوسيلة بيان النبيّ (عليه السلام)(4). انتهى.

لا يخفى غناء أحد الاحتجاجين على بيانه عن الآخر.

(لَا يَشْغَلُ الْحَلالُ شُكْرَهُ)، على المضارع المعلوم، من باب منع أو الإفعال.

و «الشّغل» بفتح الشين ويضمّ: المنع. و «شكره»: مفعول به.

قال برهان الفضلاء:

أي لا يكسب الحلال إلّابقدرٍ لا يمنع فعل ما وجب عليه، كما قال اللَّه تعالى في سورة النور: «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ» (5).

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 53.

(2). في «ب» و «ج»: «الدرجة».

(3). أضفناه من المصدر.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 87.

(5). النور (24): 37.

228

(بِطُولِ أَمَلِهِ)؛ فإنّ طول الأمل للأهواء يُقسي القلب، فيمنع من التفكّر كما ينبغي.

و «الطّرائف»: جمع طريفة، كشرائف وشريفة؛ أي غرائب حكمته.

(كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ) أي كيف يطهر، ويخلص، وينمو. فمَن عقل عن اللَّه بالعصمة، أو بالعاقل عن اللَّه اعتزل أهل الدنيا- وهم الجهلاء- إلّاتقيّةً، والدنيا دنياءان حرام شؤم، وحلال مبارك. و «لا رهبانيّة في الإسلام» (1).

(وَكَانَ اللَّهُ أُنْسَهُ) أي مؤنسه. (فِي الْوَحْشَةِ) أي إذا اتّفقت معاشرته الجهلاء. «الانس» بالضمّ: المصاحب، ويكسر ويُحرّك.

(وَصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ) أي العزلة عن الجهلاء.

و (الْعَيْلَةِ): بالفتح: الفاقة.

(وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ) على اسم الفاعل من الإفعال. وضبط برهان الفضلاء: ومَعَزَّه:

بفتحتين مصدراً ميميّاً، بمعنى العزّة، للتناظر.

(نُصِبُ الْحَقُّ لِطَاعَةِ اللَّهِ) أي الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه.

(وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ)، طاعة مفترض الطاعة.

(وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ) أي طاعة اللَّه المرضيّة إنّما هي باليقين، ولا يحصل اليقين في المختلف فيه إلّابالتعلّم من العاقل عن اللَّه الأعلم بما في نظام العالم، فردٌّ على مبتدعي‏ (2) الرسوم المخترعة في الطاعة وما أكثر في طريقة الصوفيّة القدريّة.

في بعض النسخ المعتبرة: «يعتقد» بالدال مكان «يعتقل» باللّام، بمعنى يضبط.

(ورَبَّانِيٍ‏ (3)): نسبةً إلى الربّ، بزيادة الألف والنون للمبالغة.

قال برهان الفضلاء:

____________

(1). دعائم الإسلام، ج 2، ص 193، ح 701؛ النهاية لابن الأثير، ج 2، ص 669 (رهب).

(2). في «الف»: «مبتدأ».

(3). في «ج»: «الديّانيّ».

229

المراد ب «العالم» الربّانيّ»: من كان بزهده عن الحرام راغباً في ثواب الربّ تعالى، فلا يحكم بظنّه فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة، سواء كان من العلماء أو من المتعلِّمين.

في بعض النسخ: «وَمَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ».

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«نصب الحقّ لطاعة اللَّه»، يعني وضع اللَّه الدين، فأوجب بعض الأفعال كالإقرار القلبي واللّساني بالتوحيد وبالرّسالة، وحرّم بعضها، و استحبّ بعضها، وكرّه بعضها، وخيّر في بعضها؛ ليتميّز المطيع من العاصي. وشرط في طاعته أن يكون بعد علمٍ ويقينٍ بكونها طاعةً، وقدّر أن لا يحصل اليقين بكونها طاعةً إلّابِالتَّعَلُّمِ، يعني السماع من الرُّسل والأئمّة (عليهم السلام)، وقدّر أن لا يحصل التعلّم إلّابالنور المسمّى بالعقل. (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«نصب الحقّ لطاعة اللَّه»، أي اقيم الحقّ بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ ليُطاع اللَّه في أوامره ونواهيه، ولا نجاة إلّابالطاعة، ولا يتحقّق إلّابالعلم والمعرفة، ولا يكفي عقول الناس للإحاطة بالعلوم والمعارف من غير تعلّم، بل يحصل لهم المعرفة بالتعلّم، والتعلّم باستعمال العقل في تحصيل الاعتقاد، ثمّ التعلّم ينتهي لا محالة بعالم ربّانيّ يكون علمه من جانب اللَّه سبحانه، ومعرفة ذلك العلم والعالم به بالعقل، فلا نجاة إلّابعقل يحصل به المعرفة الناشئة عن اللَّه إمّا بلا تعلّم، أو بتعلّم من عالم ربّانيّ يُعرف بالعقل‏ (2). انتهى.

غرضه من قوله: «ولا يكفي عقول الناس»: أنّ اليقين في المختلف فيه لا يحصل إلّا عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، فإنّ غرضه إقامة البرهان القاطع، قال اللَّه تعالى في سورة المؤمنون: «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ». (3)

(قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ)؛ لمكان اليقين.

قال برهان الفضلاء: «من العالم»، أي ممّن لا يحكم بظنّه.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 87.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 53- 54.

(3). المؤمنون (23): 117.

230

أقول: الأولى- أي ممّن لا يحكم بظنّه من عند نفسه، وقد ثبتت الرخصة في زمن الغيبة؛ دفعاً للحرج المنفيّ- الحكمُ بالظنّ بالمعالجات المعهودة عنهم (عليهم السلام) للعالم الإمامي الممتاز العدل المحتاط ما أمكن التوقّف المستلزم للحرج.

قال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«قليلٌ العمل من العالم»، أي صاحب اليقين بأنّ عمله طاعة اللَّه. والمراد بالجاهل، صاحب الجهل المركّب، وهو من زعم أنّ عمله طاعة اللَّه وليس كذلك؛ لأنّه ما أخذه من العالم الربّانيّ الذي أمر اللَّه بالأخذ عنه؛ ولأنّه لم يحصل له جزم بكونه طاعة؛ لأنّه قدّر اللَّه تعالى أن لا يحصل جزم بالطاعات والمعاصي إلّامن جهة السماع عن العالم الربّاني‏ (1). انتهى.

نعم، ما أشار (رحمه الله) بقوله: «لأنّه قدّر اللَّه» إلى حصر عدد الحجج المعصومين بتقدير اللَّه وحكمته البالغة؛ ردّاً على مدّعي الكشف بالرياضة.

(بِالدُّونِ من الدنيا) أي اليسير على قدر الكفاف من حلالها.

و «ترك الدنيا من الفضل» أي فضول حلالها؛ مخافة طول الوقوف للحساب.

والمباح قد يترك لمصلحة، كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام)(2)، وقد لا يترك أيضاً لذلك، كما فعل الحسن بن عليّ (عليهما السلام)(3).

(فطلب بالمشقّة أبقاها) كأنّه بيان لقوله (عليه السلام): (وَلِذلِكَ‏ (4) رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)؛ لاختيارهم الباقي على الفاني يقيناً. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف لاختار العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني» (5).

كيف والأمر على العكس من ذلك؟!

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 87- 88.

(2). راجع: نهج البلاغة، ص 416، الرسالة 45.

(3). راجع: الوسائل، ج 5، ص 21، الباب 8 من أبواب احكام الملابس، ح 2.

(4). كذا في «ب» و «ج»، وفي الكافي المطبوع: «فلذلك».

(5). شرح المازندراني، ج 1، ص 167؛ الوافي، ج 1، ص 100.

231

(أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ) يعني أنّ الدنيا طالبة بحلالها المقدّر المتّقين وغيرهم، مطلوبة بحلالها للمتّقين وبمطلقها لغيرهم.

(وَالْآخِرَةَ طَالِبَةٌ) بأجَلِها كلّ أحد، (وَمَطْلُوبَةٌ) لأهل الجنّة. أو المعنى أنّ الآخرة طالبة بخيرها المؤمنين، ومطلوبة لهم.

قال برهان الفضلاء:

ولعلّ النكتة في ترك الواو في الاولى وذكرها في الثانية، أنّ في الاولى تغاير بين المتعلّقين باعتبار أنّ الدنيا فارغة من طلب الراغبين فيها، فإنّ الرزق وصل إليهم بزيادة فمثل: «خافِضَةٌ رافِعَةٌ» (1) في سورة الواقعة، وفي الثانية اتّحادهما مثل‏ (2): «هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ» (3) في سورة البقرة.

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

ترك الواو في «أنّ الدنيا طالبة مطلوبة» إشارة إلى أنّ تعدّد الخبر فيه نظير قولهم: «حُلْوٌ حامض»، وذلك لأنّ الحلو والحامض شي‏ء واحد وهو المزّ، فكذلك الدنيا حين كونها طالبة مطلوبة، فكأنّ الطالبيّة والمطلوبيّة للدُّنيا شي‏ء واحد؛ لأنّ حين كون الدنيا طالبة لمن طلب الآخرة مطلوبة من جهة استيفاء الرزق منها، بخلاف الآخرة؛ فإنّها حين كونها طالبة لمن طلب الدنيا ليست بمطلوبة؛ لأنّ الآخرة إذا طلب طالب الدنيا يأتيه الموت فيفسد عليه دنياه ودينه، كما هو معلوم من صريح عبارة الحديث.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

لايبعد أن يقال: الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: «الآخرة طالبة ومطلوبة» وتركه في قوله: «الدنيا طالبة مطلوبة»؛ للتنبيه على أنّ الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبيّة، فيكون الطالبيّة- لكونها موصوفة- بمنزلة الذات، فدلّ على أنّ الدنيا من حقّها في ذاتها أن تكون طالبة، وتكون المطلوبيّة (4)- لكونها صفة لاحقة بالطالبيّة (5)- من الطوارئ التي‏

____________

(1). الواقعة (56): 3.

(2). في «ج»: فمثل.

(3). البقرة (2): 185.

(4). في المصدر: «المطبوبة».

(5). في المصدر: «الطالبة».

232

ليس من حقّ الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة، وأمّا الآخرة فلمّا كان الأمران- أي الطالبيّة والمطلوبيّة كلاهما- ممّا تستحقّها وتتّصف بها في ذاتها فأتى بالعاطف.

وإن حمل قوله: «الدنيا طالبة مطلوبة» على تعدّد الخبر؛ ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيّتها بمطلوبيّتها، وأمّا في الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر؛ ولذا أتى بالواو الدالّة على التقارن في أصل الثبوت لها (1). انتهى.

في بعض النسخ بترك العاطف في الثانية أيضاً.

و (الغنى) بالكسر والقصر: ضدّ الفقر، وإذا فتح مدّ. وأمّا الغناء (2) بالكسر والمدّ فمن الصوت.

(فليتضرّع إلى اللَّه في مسألته)، تنبيه بالتحضيض على عظم نعمة العقل.

قال الفاضل الاسترآبادي:

«فليتضرّع إلى اللَّه» صريح في أنّ المراد هنا من العقل الغريزة النورانيّة التي يخلقها اللَّه في القلب ويترتّب عليها الأفعال الحسنة. انتهى.

وكان‏ (3) غرضه الردّ على الفلاسفة.

(إنّ اللَّه حكى عنه عن قوم صالحين)، فسّروا بسلمان وأبي ذرّ والمقداد وأشباههم من اولي الألباب، والآية في سورة آل عمران.

و «الزيغ»: الميل والعدول عن الطريق.

و «الرّدى» بالقصر: الهلاك.

قال الفاضل الاسترآبادي:

و «تعود إلى عماها» وذلك بأن لم يحفظه‏ (4) اللَّه تعالى ما خلق فيها من الغريزة النورانيّة

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 54- 55.

(2). في «الف»:-/ «الغناء».

(3). في «ب» و «ج»: «كأنّ» بدل «وكان».

(4). في المصدر: «لم يحفظ».

233

المسمّاة بالعقل. (1)

قال برهان الفضلاء:

يحتمل أن يكون‏ (2) العلم حاصلًا لقوم صالحين في حياة الرسول بتبليغه (صلى الله عليه و آله) ف «تزيغ» و «تعود» للاستقبال، وعلى هذا يحتمل «عُلِّموا» على المجهول من التفعيل. والمخالفون معترفون بهذا المضمون ويتغافلون. وقد روى البخاري بإسناده في صحيحه عن الرسول (صلى الله عليه و آله) في باب سورة المائدة أنّه قال بعد ذكر طائفة من أحوال القيامة: «ألّا أنّه يُجاء برجال من امّتي فيُؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: ياربّ اصيحابي، فيُقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» (3) فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم». (4) انتهى.

المراد ب «العبد الصالح» هنا: عيسى بن مريم (عليهما السلام).

(إنّه لم يخف اللَّه من لم يعقل عن اللَّه)؛ لعدم أخذه دينه على يقين، ولا يحصل في المختلف فيه إلّاعن العاقل عن اللَّه والعلم معه؛ ولذا «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (5) كما يفسّره الفقرة التالية.

«عقد عليه» كضرب.

قال برهان الفضلاء:

«المعرفة الثابتة» هنا: عبارة عن معرفة المحكمات التي أمر فيها بسؤال أهل الذِّكر، ونهى عن الحكم بالظنّ والرأي والاجتهاد. فهذا الكلام من قبيل‏ (6) قول اللَّه تعالى في‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 88.

(2). في «ب» و «ج»:+/ «هذا».

(3). المائدة (5): 117.

(4). صحيح البخاري، ج 4، ص 1691، ح 4349.

(5). فاطر (35): 28.

(6). في «الف»:-/ «قبيل».

234

سورة النمل: «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ» (1)، وفي سورة آل عمران: «وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» (2).

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«لم يخف اللَّه من لم يعقل عن اللَّه»؛ معناه أنّ من لم يأخذ دينه عن اللَّه، يعني [عن‏ (3)] رسله والأئمّة (عليهم السلام) لم يخف اللَّه حقّ خوفه. ومن أخذ دينه عن رسل اللَّه والأئمّة (عليهم السلام) يخاف اللَّه حقّ خوفه؛ لأنّه يعلم أنّ معرفته مبنيّة على العقل الذي تفضّل‏ (4) اللَّه [به‏ (5)] عليه، ويعلم أنّه بعض الكبائر يتسبّب بتركه تعالى حفظ ذلك العقل، وكذلك من لم يأخذ دينه عن الحجج- (صلوات اللَّه عليهم)- قدّر اللَّه أن لا يحصل له يقين بذلك‏ (6).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّه لم يخف اللَّه من لم يعقل عن اللَّه»، لعلّ المراد أنّه من لم يكن صالحاً لم يخف اللَّه؛ لأنّه من لم يكن صالحاً لم يكن قوله مصدّقاً لفعله، وسرّه موافقاً لعلانيته، ومن لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة ثابتة يجد حقيقتها في قلبه؛ لأنّ اللَّه تبارك وتعالى جعل الظاهر دليلًا على الباطن، فالفعل ظاهر يدلّ على الاعتقاد الذي هو من الخفايا والسرائر ويكشف عنه، والقول ظاهر يعبّر عنه، فإن دلّ العقل على عدم تقرّر الاعتقاد وثبوته ولم يصدّقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل، وأمّا دلالة الفعل على التقرّر والثبوت لحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير متصوّر، فإنّ القول إذن فعل دالّ على عدم ثبوت حقيقة المعرفة وتقرّرها في قلبه، ومن لم يكن يجد حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب اللَّه، ومن لم يكن عاقلًا عن اللَّه لم يخف اللَّه‏ (7). انتهى.

«من لم يكن صالحاً»، أي كما امر.

قال برهان الفضلاء:

____________

(1). النمل (27): 14.

(2). آل عمران (3): 19.

(3). أضفناه من المصدر.

(4). في «ب» و «ج»: يفضّل.

(5). أضفناه من المصدر.

(6). الحاشية على اصول الكافي، ص 88.

(7). الحاشية على اصول الكافي، ص 55- 56.

235

«لأنّ اللَّه تبارك اسمه». استدلال على «ولا يكون أحد كذلك»، والمراد أنّه لا يجوز لغير المتوسّمين‏ (1) الحكم بالظنّ في نفس حكم اللَّه؛ لأنّ العلم بنفس حكم اللَّه خارج عن وسع غير المتوسّمين، لكن يجوز لغير المتوسّمين الحكم بالظنّ في ما هو محلّ حكم اللَّه، كتعيين القبلة وقِيَم المُتْلَفات. انتهى.

نعم، لو لم يلزم الحرج المنفيّ في زمن الغيبة، ولا يدفع على لزومه إلّابتخصيص الرخصة الثابتة على ما عرفت آنفاً.

(ما عُبدَ اللَّه بشي‏ء أفضل من العقل) وخواصّه، وقد قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «يا عليّ، إذا تقرّب الناس إلى خالقهم بأنواع البرّ فتقرّب أنت إليه بالعقل». (2)

قال برهان الفضلاء: سيوضّح هذا في شرح الأوّل في الباب الرابع والعشرين باب البداء في كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«ما عُبد اللَّه بشي‏ءٍ أفضل من العقل»؛ فإنّ حقيقة العبادة التذلّل والخضوع، وإنّما الكاملة البالغة نهايتها بالمعرفة (3). انتهى.

أي بالمعرفة التي فصّلت في هذه الهديّة مراراً.

(وما تمّ عقل امرى‏ءٍ). إمّا من كلام أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه)، أو أبي الحسن موسى (عليه السلام).

(لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ) ولا نهاية للعلم. وفيه إشارة إلى أنّ غذاء الروح وما ينمو به إنّما هو العلم.

(الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ)؛ لعلمه بأنّ العزّة للَّه‏جميعاً. (4)

(وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ)؛ لأنّه أنسب للعبوديّة. فالمراد بالشرف، ما هو لازمه غالباً من العجب والتكبّر ونحوهما. واحتمال أن يكون المعنى: والتواضع مع اللَّه‏

____________

(1). في «ب» و «ج»:+/ «بالعقل عن اللَّه».

(2). مشكاة الأنوار، ص 251؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 384، ح 7061.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 56.

(4). اقتباس من الآية 39، النساء (4)؛ والآية 65، يونس (10).

236

أحبّ إليه من الشرف مع غيره كما ترى، والشريف المتواضع أشرف من المتكبّر.

(قَلِيلَ‏ (1) الْمَعْرُوفِ) أي الإحسان من غيره. وقليل الحقّ عظيم.

(وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ)، ومطلق وضع المنّة محظور.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

المراد بالكفر والشرّ كفران النعمة والإضرار بالخلق، وبالرشد والخير شكر النعمة والإحسان إلى الخلق.

«لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ» تحريص على الحرص في طلب العلم الذي لابدَّ منه في الدِّين، فلا ينافي ما يجي‏ء في أوّل باب المستأكل بعلمه المباهي به، من أنّه لا يحسن الحرص في طلب العلم، فإنّ المراد هناك العلم الذي لا يحتاج إليه في الدِّين وطلبه مانع من طلب ما لابدّ من تحصيله.

«وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ»، أي إظهار الاستكانة أحبّ إليه من إظهار المجد والشرافة. انتهى.

فلأن يستأكل الضعفاء، أي يأخذ أموالهم.

(وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ، وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ). لعلّ المعنى: ويرى جميع معاصريه الذين لا قطع له شرعاً بكفرهم الذي لا نجاة يمكن النجاة بعده (خيراً منه)؛ لإمكان صدور أمر من الامور الباعثة للنجاة عنهم، ولا علم له بعاقبة أمر نفسه.

(وأنّه شرّهم في نفسه)؛ لاطّلاعه على دقائق عيوب نفسه دون خفيّات عيوب غيره، فبذلك لا يغفل غالباً عن عيوبه، فيسعى في تزكية نفسه عنها.

(وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ) إن شاء اللَّه تعالى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

يعني ويكون سلوكه مع الناس بحيث يكون ظنّه أنّ كلّهم خيرٌ منه، وأنّه شرّهم في باطن أمره؛ إذ لا علم لأحد بعاقبة أحد سوى اللَّه عزّ وجلّ، فربّما كافر يؤمن بالتوفيق وبالعكس بالخذلان، كما مرّ في بيان قوله: «يا هشام، إنّ اللَّه حكى» إلى آخره.

____________

(1). في «ب» و «ج»: «يستكثر قليل».

237

«وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ» يعني وهذه الصفة عمدة الصفات الحسنة، أو المعنى أنّها آخرها.

وقال الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي:

«يرى الناس كلّهم خيراً منه»؛ لحسن ظنّه بعباد اللَّه وحمله ما صدر منهم على محمل صحيح بسلامة صدوره، ولِما رأى من محاسن ظواهرهم دون ما خفي من بواطنهم. (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ويرى الناس كلّهم خيراً منه»، وذلك بأن يقال: يحسن ظنّه بهم ويتّهم نفسه، فكلّ ما في غيره- ممّا يحتمل وجهاً حسناً- يحمله عليه، وكلّ ما فيه- ممّا يحتمل وجهاً قبيحاً- يجوّزه في نفسه، فيظنّ بغيره خيراً، ولا يظنّ بنفسه خيراً، فيظنّ بكلّ منهم أنّه خيرٌ منه، ويكون هو عند نفسه شرّاً منهم‏ (2). انتهى.

أقول: خطر ببالي ثانياً أنّ هاتين الفقرتين بيان لحقيقة الاعتراف بالتقصير كنايةً؛ فإنّ حقيقته أن يعترف العبد بتقصيرٍ لا يمكن أن يكون فوقه تقصير، وبِذُلّ لا يتصوّر بعده ذُلٌّ، وجميع العالم كأنّه عبدٌ ذليل واحد، فيستقيم اختصاص كلّ أحد بهذا الاتّصاف، فإنّ اللَّه تبارك وتعالى متفرّد بعزّ الخالقيّة، وجميع ما سواه بذلّ المخلوقيّة، وهو تمام الإقرار بالعبوديّة، والإيمان باللَّه، واليوم الآخر.

(إِنَّ الْعَاقِلَ لَايَكْذِبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ)؛ لأنّ علوّ الهمّة الذي لازم للعقل لا يرضى بخسّة الكذب إلّاتقيّةً.

وقال السيّد الأجلّ النائيني: حذراً من فضيحته عند الظهور. (3)

وقيل: لأنّ الكذب من جنود الجهل.

(لَا دِينَ لِمَنْ لا مُرُوءَةَ لَهُ) يقرأ بالتشديد و «المروءة» على وزن العطوفة. وللتلازم وجوه شتّى، منها الثبات في المجاهدة الباطنيّة والظاهريّة. و «المروّة»: خصال كريمة، وأخلاق حسنة.

____________

(1). شرح الاصول الكافي، ص 63.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 56.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 57.

238

قال برهان الفضلاء: يعني ثواب الآخرة لمن لا إنسانيّة له، ولا إنسانيّة لمن لا عقل له.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«وَلَا مُرُوءَةَ لِمَنْ لَاعَقْلَ لَهُ»، فإنّ من لا عقل له لا يكون عارفاً بما يليق به [ويحسن، وما لايليق به‏ (1)] ولا يحسن، فقد يترك اللّايق ويجي‏ء بما لا يليق، ومن يكون كذلك لا يكون ذا دين‏ (2). انتهى.

أي لا يكون عارفاً عن العارف عن اللَّه سبحانه بكذا وكذا.

(لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً) أي لا يفتخر بالدنيا وشأنه من مجدها وشرفها.

وقال برهان الفضلاء: «خطراً»، أي سَبَقاً، بمعنى أنّه لا يراها أنّ سعيه فيها لها.

و «السبق» بالتحريك: الخطر الذي يوضع بين أهل السّباق، والسُبقة بالضمّ بمعناه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

وذلك لأنّه لا يخطر (3) إلّابمعرفة كاملة بأحواله وأحوالها، وتلك المعرفة لا تكون إلّامع كمال العقل، ومن كمل عقله كان من أعظم الناس قدراً (4). انتهى.

خطر فلان فلاناً جعله ذا خَطَرٍ ومنزلة. (5)

(أَلا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ) أي الممتازة في صنائعه تعالى عن أبدان سائر الحيوانات.

في بعض النسخ: «أما» مكان «ألا».

أو تعبير عن الطاعة بالبدن؛ لأنّه خُلِق للطاعة وتحصيل الثواب، فبمنزلة البضاعة للتاجر. أو المعنى أنّ ثمن الأبدان الجنّة بالخلود فيها وثمن الأرواح لذّاتها بشكره تعالى بعد القطع بالنجاة من الخلود في النار. وآخر دعواهم فيها أن الحمد للَّه‏ربّ العالمين.

____________

(1). ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 57.

(3). في المصدر: «لايحصل» مكان «لايخطر».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 57.

(5). في «ب» و «ج»: «قدر».

239

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

عبّر عن استعمال الأبدان في الاكتسابات ببيعها بالمكتسبات، فالمكتسب ثمن لها فقال (عليه السلام): «لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ»، أي ما يليق بأن يكون ثمناً. «إِلَّا الْجَنَّةُ، فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا» من الدنيا ومهويّات الأنفس‏ (1). انتهى.

«هواه»: أحبّه.

(إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ) أي الإمام العاقل عن اللَّه:

(يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ) أي يكون عالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس ولا يكون عاجزاً عن جواب كلّ ما يسئل عنه حتّى معمّيات السنن وملبّسات الفتن.

(فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْ‏ءٌ؛ فَهُوَ أَحْمَقُ) تعريض وتوبيخ لفلان وفلان وفلان وسائر طواغيت المبتدعين في الدِّين، فضلًا عن تبعتهم الضالّين لعنهم اللَّه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«من» في أوّل الكلام للتبعيض، فبناءً على أنّه كما أنّ المجموع علامةٌ بعضها أيضاً علامة، ونصّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) بوصيّه أيضاً علامة. والمراد هنا اللّازم الخاصّ بقرينة الفاء التفريعيّة في «فمن». والمراد ب «العاقل» هنا المحقّ من مدّعي الإمامة بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فعبارة عن نفسه (عليه السلام)، والخصال الثلاث متلازمة، فالكلام بيان لثلاثة براهين على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام).

«يجيب»، رفع واستئناف بياني لسابقه، أو بتقدير «أن يجيب» وبدل تفصيل للثلاث، فيحتمل الرفع والنصب.

(وَيَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ) إشاره إلى أمثال ما يجي‏ء في كتاب الحجّة في الرابع والسابع من باب الرابع والعشرين والمائة من سؤال حبر من اليهود عن الثاني، وعجزه وإرساله إيّاه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويشير إشارة إلى تدبيراته (عليه السلام) في القضايا، وهي مشهورة بين المؤالف والمخالف.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 57.

240

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«يجيب إذا سُئل» أي يكون قادراً على الجواب عمّا يُسئل، والنطق عند عجز القوم عن الكلام، وَمُشِيراً بِالرَّأْيِ الَّذِي فيه صلاح القوم، وعارفاً بصلاحهم، وآمراً به، فمن لم يكن فيه شي‏ء من هذه الثلاث فهو أحمق، أي عديم الفهم ناقص التمييز بين الحسن والقبيح.

ولعلّ «يجيب» ناظر إلى الفتاوى في النقليّات والشرعيّات.

و «ينطق» إلى تحقيق المعارف والعقليّات.

و «يشير» إلى معرفة التدابير والسياسات في العمليّات، فمن جمع فيه الخصال الثلاث دلَّ على كمال عقله النظري والعملي، ومن لم يكن فيه شي‏ء منها فهو ناقص العقل بقوّتيه‏ (1). انتهى.

أي الحكمة النظريّة والعمليّة.

(لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ) أي مسند الإمامة.

قال برهان الفضلاء:

غرضه (عليه السلام) من هذا الكلام بيان أنّ غرض أمير المؤمنين (عليه السلام) من العاقل في كلام السابق إنّما هو الإمام الحقّ؛ دفعاً لتوهّم العاقل بالمعنى الأعمّ.

وقال السيّد النائيني (رحمه الله):

«لا يجلس في صدر المجلس إلّارجل» كذا؛ لأنّ صدر المجلس مكان مَن يراجع الناس إليه لحوائجهم، فيستحقّ أن يعظّموه ويوقّروه. واصول الحاجات هذه الثلاثة؛ فمن لم يكن فيه شي‏ء منها يوضع‏ (2) نفسه هذا الموضع فهو أحمق فاعل فعل الحمقى‏ (3).

انتهى.

القاموس: هو أحمق: قليل العقل، وقوم ونسوة حُماق وحُمُق بضمّتين، وكسكرى وسكارى، ويضمّ‏ (4).

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 57- 58. حكاه ملخّصاً.

(2). في المصدر: «فوضع» مكان «يوضع».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 58.

(4). القاموس المحيط، ج 3، ص 223 (حمق).

241

(إذا طلبتم الحوائج) أي دينيّتها ودنياويّتها. (الّذين قصَّ اللَّه في كتابه) في سورتين:

سورة الرعد، وسورة الزمر. (1)

قال برهان الفضلاء: يعني حوائجكم من تعلّم العلم ونحوه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«الحوائج» أي اصولها التي هي الدينيّة وفروعها التي هي الدنياويّة، واختصاص طلب الحوائج الدينيّة باولي العقول ظاهر. وأمّا الحوائج الدنيويّة؛ فللذلّ الذي في رفع الحاجة إلى الناقص في الدِّين، ولعدم الأمن من حُمقه، فربّما يمنعه أو يأتي بما ضرّه أكثر من نفعه. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله): يعني حوائجكم لصلاح دينكم ودنياكم.

(مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ) تصريح بتخصيص الاعتزال الشرعيّ بالانقطاع عن الجهّال، ولا خير فيهم وإن كانوا فضلاء؛ يعني مهراء في الشيطنة والنَكراء.

(وآداب العلماء) أي التأدّب بآدابهم، أو رعاية الآداب في طاعتهم المفترضة بالنصّ.

(تمام العزّ) أي الغلبة على أعداء الدِّين، وأشدّهم الشياطين.

(وَاسْتِثْمَارُ الْمَالِ) أي استزادته بالإنفاق الممدوح أو بالكسب الحلال. وفي الحديث: «نِعْمَ العون على الآخرة الدنيا» (3).

قال برهان الفضلاء: «وآداب العلماء» أي ملاحظة سلوكهم في الناس. «واستثمار المال» أي التمتّع من البضاعة بالتجارة ونحوها للإنفاق‏ (4).

وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه: «استثمار المال» أي استنماؤه، وكأنّه كناية عن إخراج الصدقة. (5)

____________

(1). الرعد (13): 19؛ الزمر (39): 9.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 58.

(3). الكافي، ج 5، ص 72، باب معنى الزهد، ح 9؛ وسائل الشيعة، ج 17، ص 29، باب استحباب الاستعانة بالدنيا على الآخرة، ح 2.

(4). في «الف»: «للإنفاد».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 88.

242

وقال السيّد الأجلّ النائيني: «واستثمار المال تَمَامُ الْمُرُوءَةِ» وذلك لأنّه يتمكّن به من أن يأتي بما يليق به من الإنسانيّة. (1)

لا يخفى لطف كلامه (رحمه الله).

(قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ) أي نعمة العقل.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: يعني نعمة الفهم، أو نعمة المستشير، وهي عدّة المستشار قابلًا لذلك.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله) في «إرشاد المستشير» شكر لنعمة العقل. ومعرفة الرشاد والشكر من الحقوق اللازمة. (2)

في بعض النسخ- كما ضبط برهان الفضلاء-: «وفيه راحة للبدن» باللام مكان الألف واللام.

قيل: أمّا عاجلًا فلأنّ مكافاة الايداء بجارحة من الأعضاء كاليد قد يصل إليها في الدنيا قبل البرزخ والعقبي. وأمّا آجلًا؛ فللخلاص من العذاب.

وقال برهان الفضلاء: أمّا في الدنيا؛ فلقلّة أعدائه. وأمّا في الآخرة؛ فللخلاص من العذاب.

و «التعنيف»: التقريع والتوبيخ.

(وَلَا يتقدّمُ عَلى‏ مَا يَخَافُ فَوْتَهُ) أي لا يسعى في طلب الفاني. وفي بعض النسخ- كما ضبط برهان الفضلاء-: «ولا يقدِم» من الإقدام، قال: يعني ولا يتوجّه.

وقال السيّد السند أمير حسن القائيني (رحمه الله):

يعني لا يفعل فعلًا قبل أوانه بادراً إليه خوفاً من أن يفوته في وقته بسبب عجزه عنه، بل يفوّض أمره إلى اللَّه تبارك وتعالى.

ولهذا الحديث ذيل في غير الكافي يُذكر في الخاتمة إن شاء اللَّه تعالى.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 59.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 59.

243

الحديث الثالث عشر

روى في الكافي عن عليّ بن محمّد، عن سهل‏ (1) رفعه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «العَقْلُ غِطَاءٌ سَتِيرٌ، وَالْفَضْلُ جَمَالٌ ظَاهِرٌ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِفَضْلِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ، تَسْلَمْ لَكَ الْمَوَدَّةُ، وَتَظْهَرْ لَكَ الْمَحَبَّةُ».

هديّة:

(غطاء ستير) أي حجيم لمناقص الأخلاقيّة. والمراد من «الغطاء»: ما يحفظ من العدوّ كالتُرس بقرينة «وقاتل».

(والفضل) أي الفضيلة العلميّة.

(خلل خلقك) بالضمّ. واحتمال الفتح ليس بشي‏ء.

والمراد ب «المودّة»: مودّتك لذي القربى، وب «المحبّة»: محبّة الناس لك.

وفي بعض النسخ: «الحجّة» مكان: «المحبّة»، فالمودّة: محبّة الناس لك، والحجّة:

حجّتك على غيرك.

وفي نهج البلاغة: «الحلم غطاء ساتر، والعقل حُسام باتر، فاستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك». (2)

في بعض النسخ: «قاطع» مكان «باتر». والمآل واحد. و «الباتر»: المُهلك.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: «ستير»، أي مستور مخفيّ. و «الفضل»، أي السخاء، وإعطاء المال أمر جميل بيّن. و «الخُلقُ»، بمعنى الأخلاق، و «المودّة»: محبّة الناس باطناً لك. و «المحبّة»: محبّتهم ظاهراً لك.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الغطاء»: ما يستتر به. و «الستير»: المستور. و «الفضل»: ما يعدّ من المحاسن والمحامد. و «الجمال»: حسن الخُلْق والخَلق والفعل‏ (3). والمراد أنّ العقل يستر مقابح‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

(2). نهج البلاغة، ص 551، الحكمه 424.

(3). أثبتناه من المصدر، وفي «ب» و «ج»: «العقل».

244

المرء؛ فإنّ حسنَ العقل يغلب كلّ قبيح، لكنّه من المستورات التي يعسر الاطّلاع عليها.

والفضلَ جمال ظاهر، فينبغي أن يستر خلل الخُلق بالفضل، وأن يستر مقابح ما يهوى بمدافعة العقل للهوى، فلا يظهر ويبقى مستوراً.

«تسلم لك المودّة». يحتمل أن يكون المراد به أنّه إذا سترتَ خلل الخُلق بفضلك تسلم لك المودّة والإحسان إلى الناس، وإذا سترت مقابح ما تهويه بمدافعة عقلك تظهر لك محبّتك لهم، وعدم إرادة سوءٍ بهم.

ويحتمل أن يكون المراد سلامة مودّة الناس له فلا يفعلون به إلّاإحساناً، وظهور محبّتهم له فلا يبغضونه‏ (1).

الحديث الرابع عشر

روى في الكافي عن العدّة: عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ، عَنْ سَمَاعَةَ، (2) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِيهِ، فَجَرى‏ ذِكْرُ الْعَقْلِ وَالْجَهْلِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«اعْرِفُوا الْعَقْلَ وَجُنْدَهُ، وَالْجَهْلَ وَجُنْدَهُ، تَهْتَدُوا».

قَالَ سَمَاعَةُ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَانَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ- تعالى‏- خَلَقَ الْعَقْلَ- وَهُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ- مِنْ نُورِهِ، فَقَالَ لَهُ:

أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏: خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً، وَكَرَّمْتُكَ عَلى‏ جَمِيعِ خَلْقِي».

قَالَ: «ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ظُلْمَانِيّاً، فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَلَمْ يُقْبِلْ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَكْبَرْتَ، فَلَعَنَهُ.

ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُنْداً، فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ الْعَقْلَ وَمَا أَعْطَاهُ، أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ، فَقَالَ الْجَهْلُ: يَا رَبِّ، هذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ وَقَوَّيْتَهُ، وَأَنَا ضِدُّهُ وَلَا قُوَّةَ

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 59.

(2). السند في الكافي كذا: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن سماعة بن مهران».

245

لِي بِهِ، فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذلِكَ، أَخْرَجْتُكَ وَجُنْدَكَ مِنْ رَحْمَتِي، قَالَ: قَدْ رَضِيتُ، فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُنْداً.

فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الْخَمْسَةِ وَالسَّبْعِينَ الْجُنْدَ:

الْخَيْرُ، وَهُوَ وَزِيرُ الْعَقْلِ، وَجَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ، وَهُوَ وَزِيرُ الْجَهْلِ.

وَالْإيمَانُ وَضِدَّهُ الْكُفْرَ؛ وَالتَّصْدِيقُ وَضِدَّهُ الْجُحُودَ؛ وَالرَّجَاءُ وَضِدَّهُ الْقُنُوطَ؛ وَالْعَدْلُ وَضِدَّهُ الْجَوْرَ؛ وَالرِّضَا وَضِدَّهُ السُّخْطَ؛ وَالشُّكْرُ وَضِدَّهُ الْكُفْرَانَ؛ وَالطَّمَعُ وَضِدَّهُ الْيَأْسَ؛ وَالتَّوَكُّلُ وَضِدَّهُ الْحِرْصَ؛ وَالرَّأْفَةُ وَضِدَّهَا الْقَسْوَةَ؛ وَالرَّحْمَةُ وَضِدَّهَا الْغَضَبَ؛ وَالْعِلْمُ وَضِدَّهُ الْجَهْلَ؛ وَالْفَهْمُ وَضِدَّهُ الْحُمْقَ؛ وَالْعِفَّةُ وَضِدَّهَا التَّهَتُّكَ؛ وَالزُّهْدُ وَضِدَّهُ الرَّغْبَةَ؛ وَالرِّفْقُ وَضِدَّهُ الْخُرْقَ؛ وَالرَّهْبَةُ وَضِدَّهَا الْجُرْأَةَ؛ وَالتَّوَاضُعُ وَضِدَّهُ الْكِبْرَ؛ وَالتُّؤَدَةُ وَضِدَّهَا التَّسَرُّعَ؛ وَالْحِلْمُ وَضِدَّهُ السَّفَهَ؛ وَالصَّمْتُ وَضِدَّهُ الْهَذَرَ؛ وَالِاسْتِسْلَامُ وَضِدَّهُ الِاسْتِكْبَارَ؛ وَالتَّسْلِيمُ وَضِدَّهُ الشَّكَّ؛ وَالصَّبْرُ وَضِدَّهُ الْجَزَعَ؛ وَالصَّفْحُ وَضِدَّهُ الِانْتِقَامَ؛ وَالْغِنى‏ وَضِدَّهُ الْفَقْرَ؛ وَالتَّذَكُّرُ وَضِدَّهُ السَّهْوَ؛ وَالْحِفْظُ وَضِدَّهُ النِّسْيَانَ؛ وَالتَّعَطُّفُ وَضِدَّهُ الْقَطِيعَةَ؛ وَالْقُنُوعُ وَضِدَّهُ الْحِرْصَ؛ وَالْمُوَاسَاةُ وَضِدَّهَا الْمَنْعَ؛ وَالْمَوَدَّةُ وَضِدَّهَا الْعَدَاوَةَ؛ وَالْوَفَاءُ وَضِدَّهُ الْغَدْرَ؛ وَالطَّاعَةُ وَضِدَّهَا الْمَعْصِيَةَ؛ وَالْخُضُوعُ وَضِدَّهُ التَّطَاوُلَ؛ وَالسَّلَامَةُ وَضِدَّهَا الْبَلَاءَ؛ وَالْحُبُّ وَضِدَّهُ الْبُغْضَ؛ وَالصِّدْقُ وَضِدَّهُ الْكَذِبَ؛ وَالْحَقُّ وَضِدَّهُ الْبَاطِلَ؛ وَالْأَمَانَةُ وَضِدَّهَا الْخِيَانَةَ؛ وَالْإِخْلَاصُ وَضِدَّهُ الشَّوْبَ؛ وَالشَّهَامَةُ وَضِدَّهَا الْبَلَادَةَ؛ وَالْفَهْمُ وَضِدَّهُ الْغَبَاوَةَ؛ وَالْمَعْرِفَةُ وَضِدَّهَا الْإِنْكَارَ؛ وَالْمُدَارَاةُ وَضِدَّهَا الْمُكَاشَفَةَ. وَسَلَامَةُ الْغَيْبِ وَضِدَّهَا الْمُمَاكَرَةَ؛ وَالْكِتْمَانُ وَضِدَّهُ الْإِفْشَاءَ؛ وَالصَّلَاةُ وَضِدَّهَا الْإِضَاعَةَ؛ وَالصَّوْمُ وَضِدَّهُ الْإِفْطَارَ؛ وَالْجِهَادُ وَضِدَّهُ النُّكُولَ؛ وَالْحَجُّ وَضِدَّهُ نَبْذَ الْمِيثَاقِ؛ وَصَوْنُ الْحَدِيثِ وَضِدَّهُ النَّمِيمَةَ؛ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَضِدَّهُ الْعُقُوقَ؛ وَالْحَقِيقَةُ وَضِدَّهَا الرِّيَاءَ؛ وَالْمَعْرُوفُ وَضِدَّهُ الْمُنْكَرَ؛ وَالسَّتْرُ وَضِدَّهُ التَّبَرُّجَ؛ وَالتَّقِيَّةُ وَضِدَّهَا الْإِذَاعَةَ؛ وَالْإِنْصَافُ وَضِدَّهُ الْحَمِيَّةَ؛ وَالتَّهْيِئَةُ وَضِدَّهَا الْبَغْيَ؛ وَالنَّظَافَةُ وَضِدَّهَا الْقَذَرَ؛ وَالْحَيَاءُ وَضِدَّهُ الْجَلَعَ؛ وَالْقَصْدُ وَضِدَّهُ الْعُدْوَانَ؛ وَالرَّاحَةُ وَضِدَّهَا التَّعَبَ؛ وَالسُّهُولَةُ وَضِدَّهَا الصُّعُوبَةَ؛ وَالْبَرَكَةُ وَضِدَّهَا الْمَحْقَ؛ وَالْعَافِيَةُ وَضِدَّهَا الْبَلَاءَ؛ وَالْقَوَامُ وَضِدَّهُ الْمُكَاثَرَةَ؛ وَالْحِكْمَةُ وَضِدَّهَا

246

الْهَوى‏؛ وَالْوَقَارُ وَضِدَّهُ الْخِفَّةَ؛ وَالسَّعَادَةُ وَضِدَّهَا الشَّقَاوَةَ؛ وَالتَّوْبَةُ وَضِدَّهَا الْإِصْرَارَ؛ وَالِاسْتِغْفَارُ وَضِدَّهُ الِاغْتِرَارَ؛ وَالْمُحَافَظَةُ وَضِدَّهَا التَّهَاوُنَ؛ وَالدُّعَاءُ وَضِدَّهُ الِاسْتِنْكَافَ؛ وَالنَّشَاطُ وَضِدَّهُ الْكَسَلَ؛ وَالْفَرَحُ وَضِدَّهُ الْحَزَنَ؛ وَالْأُلْفَةُ وَضِدَّهَا الْفُرْقَةَ؛ وَالسَّخَاءُ وَضِدَّهُ الْبُخْلَ.

فَلا تَجْتَمِعُ هذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا مِنْ أَجْنَادِ الْعَقْلِ إِلَّا فِي نَبِيٍّ أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ أَوْ مُؤْمِنٍ قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَأَمَّا سَائِرُ ذلِكَ مِنْ مَوَالِينَا فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَايَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ هذِهِ الْجُنُودِ حَتّى‏ يَسْتَكْمِلَ وَيَنْقى‏ مِنْ جُنُودِ الْجَهْلِ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ (عليهم السلام)، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ ذلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعَقْلِ وَجُنُودِهِ، وَبِمُجَانَبَةِ الْجَهْلِ وَجُنُودِهِ؛ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِطَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ».

هديّة:

«الموالي»: جمع المولى، بمعنى المحبّ والناصر.

(جعلت فداك). «الفداء» بالكسر ممدود، وبالفتح مقصور.

و «الروحاني» بالضمّ: نسبة إلى الروح، بزيادة الألف والنون للمبالغة.

قال الجوهري: وزعم أبو عبيدة: أنّ العرب تقول لكلّ شي‏ء فيه روح: روحانيّ بالضمّ. ومكان رَوْحاني بالفتح، أي طيّب‏ (1).

والظرف خبر ثان، أو بيان، أو صفة، أو حال.

و (يمين العرش) لعلّه كناية عن لطفه تعالى، وشماله عن سخطه وقهره.

وقال بعض المعاصرين:

العرش عبارة عن جميع الخلائق، كما ورد في الحديث، ويمينه أقوى جانبيه وأشرفهما، وهو عالم الروحانيّات، كما أنّ يساره أضعفهما وأدونهما، وهو عالم الجسمانيّات‏ (2).

انتهى.

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 367 (روح).

(2). الوافي، ج 1، ص 60.

247

فأمّا الحديث الذي أشار إليه هو أنّ الصادق (عليه السلام) سُئل عن العرش والكرسيّ، ما هما؟

فقال: «العرش في وجه هو جملة الخلق، والكرسيّ وعاؤه. وفي وجه آخر: العرش هو العِلْم الذي أطْلع اللَّه عليه أنبياءه ورسله وحججه (عليهم السلام)، والكرسيّ هو العلم الذي لم يُطْلِع عليه أحداً من أنبيائه ورسله وحججه (عليهم السلام)(1)».

ف «جملة الخلق» سواء قرئ بالجيم، أو بغير المنقوطة: منها الجنّات بحورها وقصورها وأنهارها، وهي روضات جسمانيّة نورانيّة.

والإضافة في «من نوره» للتشريف والتكريم، كما في‏ «نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» (2)*، و «عيسى روح اللَّه». (3) أو كلمة «من» ابتدائيّة للسببيّة؛ إشارةً إلى أنّه خالق من بحت‏ (4) العدم من غير واسطة شي‏ء آخر من مادّة وغيرها.

وقال بعض المعاصرين: أي من نور ذاته الذي هو عين ذاته. (5)

(فقال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فأقبل). قد علم بيانه ببيان الأوّل مفصّلًا. ولا منافاة بين الحديثين بحسب تقديم الأمر بالإقبال في الأوّل، والعكس في الثاني؛ لما سبق ذكره.

بيانه: أنّ الأمر بالنظر إلى عظمة الخالق تعالى بقدر الطاقة، ثمّ بالنظر إلى عجز المخلوق يلزمهما الأمر ثالثاً بما أمر به أوّلًا، للمعرفة والإقرار بالعبوديّة. وكذا الأمر بإدبار الجهل؛ يعني بالنظر إلى مخلوقيّته وعجزه، ثمّ الأمر بملاحظة عظمة خالقه لا يكونان إلّابعد الأمر أوّلًا بملاحظته ما أمر به ثالثاً، فلظهور الأمر اكتفى أبو جعفر (عليه السلام) في الحديث السابق، وأبو عبداللَّه (عليه السلام) في هذا الحديث، وأمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه) في‏

____________

(1). معاني الأخبار، ص 29، باب معنى العرش والكرسي، ح 2؛ وعنه في البحار، ج 55، ص 28، ح 47.

(2). الحجر (15): 29؛ ص (38): 72.

(3). الكافي، ج 2، ص 306، باب الحسد، ضمن ح 3.

(4). في «الف»: «تحت».

(5). الوافي، ج 1، ص 61.

248

الحديث الذي نقلناه فيما سبق من كتاب الخصال بذكر حكاية الأمرين عن ثالثهما في الأوّل وأوّلهما في الثاني.

وقال بعض المعاصرين:

معنى الإدبار هنا بعينه هو معنى الإقبال في الحديث الأوّل، والتعبير عنه بكلّ منهما صحيح؛ فإنّ اللَّه تعالى بكلّ شي‏ءٍ محيط. فالإقبال إليه عين الإدبار عنه وبالعكس، فلا منافاة بين الحديثين في التقديم والتأخير (1). انتهى.

(ثمّ خلق الجهل) إلى مثل قوله سبحانه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» (2). ونور الأنوار في سلسلة المخلوقات من بحت العدم نور نبيّنا (صلى الله عليه و آله)، ورئيس الملحدين في مهالك الظلمات إبليس اللّعين، وهو- لعنه اللَّه- عند الصوفيّة- لعنهم اللَّه- رئيس الموحّدين.

وقال بعض المعاصرين:

وهو- أي الجهل- جوهر نفساني ظلماني خلق بالعرض وبتبعيّة العقل من غير صنع فيه غير صنع العقل‏ (3). انتهى.

«اجاج‏ (4)»: كغراب: مرّ مالح. «استكبرت» بفتح الهمزة على الاستفهام، للتعيّير والتوبيخ. و «اللّعن»: الطرد والإبعاد من الرحمة.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

المراد ب «العرش»: استيلاء حكومة ربوبيّته تعالى على جميع ما سوى اللَّه. وسيجي‏ء في باب العرش والكرسي من كتاب التوحيد أنّ العرش عبارة عن العلم الذي اوحي إلى الرّسل (عليهم السلام).

والمراد ب «يمينه»: الماء العذب الذي خلق منه الجنّة، وأهل الطاعة وما يناسبهما.

____________

(1). لاحظ الوافي، ج 1، ص 61- 62.

(2). الأنعام (6): 1.

(3). الوافي، ج 1، ص 62.

(4). في «ب» و «ج»: «ماء اجاج».

249

والمراد ب «نور اللَّه»: مادّة أهل الطاعة من جملة يمين العرش كما يجي‏ء في الثامن عشر والعشرين في الباب العشرين. قال اللَّه في سورة هود: «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ». (1)

«فقال له»؛ أي للعقل «أدبر فأدبر»؛ أي اذهب، واعلم أحكامنا بواسطة الوحي وغيرها بنفسك من غير حاجة إلى الوحي.

«ثمّ قال له: أقبل»؛ أي إلينا، واعلم أحكامنا بواسطة الوحي وغيرها من عندك، «فأقبل» وآمن بالغيب.

والمراد ب «شمال العرش»: الماء الاجاج الظلماني الذي منه مادّة النار، وأهل المعصية وما يناسبهما.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«وهو أوّل خلق من الروحانيّين». «الروح»- بالضمّ-: ما دقّ ولطف عن إدراك الحواس من الجواهر، فلا يدرك من جهة البصر من خارج، فكلّ من هذا شأنه يكون من عالم الأمر، ومقابله عالم الخَلْق.

ويطلق الروح على النفس الإنسانيّة والمَلَك.

وقد يُطلق على ما به الحياة، فيشمل غير الإنسان من الحيوانات. والنسبة إليه «روحانيّ» بالضمّ.

ويطلق على كلّ واحد باعتبار النسبة إلى الطبيعة، كما يُقال لكلّ واحد من أنواع الحيوان مثلًا: «إنّه نوع حيواني».

ويجوز أن يكون إطلاق الروحاني على المَلَك باعتبار النسبة إلى الروح الإنساني، وهو الغالب إطلاقه عليه بشدّة المناسبة والارتباط. ويحتمل أن يكون باعتبار النسبة إلى الروح الذي هو مَلَك وجهه كوجه الإنسان، فيطلق على كلّ مَلَك سواه، للنسبة إليه وكونه من جنسه، وعليه تغليباً، كالذاتي على النوع.

وبالجملة، فالعقل: «أوّل خلق من الروحانيّين» خلق اللَّه «عن يمين العرش»؛ أي أشرف جانبيه وأقواهما وجوداً «من نوره»؛ أي من نور منسوب إليه تعالى؛ لشرفه، أو من ذاته لا بواسطة شي‏ء، أو عن مادّة، أو فيها.

____________

(1). هود (11): 7.

250

«ثمّ خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانيّاً»؛ أي من المادّة الظلمانيّة الكَدِرَة، أو بواسطتها.

والمراد بالجهل هنا مبدا الشرور والمضارّ والمكايد والآفات والمناقص والمفاسد، كما أنّ العقل مبدا الانكشاف واختيار الخير والنافع.

فإن قيل: في الحديث الأوّل ذكر الأمر بالإقبال أوّلًا بعكس ما في الحديث.

قلنا: لا منافاة لجواز تعدّد (1) الأمر بالإقبال أو الأمر بهما. (2) انتهى.

في بيانه هذا أشياء يستدعي البيان، فغرضه من قوله: «أو من ذاته تعالى‏» الإشارة إلى أنّ اللَّه تعالى خالق الأشياء من بحت العدم لا من شي‏ء من مادّة قديمة وغير ذلك.

ومن قوله: «أو من مادّة أو فيها» الإشارة إلى نفي مطلق الواسطة من المادّة والمحلّ والمكان وغير ذلك ممّا سوى اللَّه.

ومن قوله: «أو بواسطتهما» (3) الإشارة إلى أنّ المادّة الظلمانيّة واسطة مخلوقة من بحت العدم بدليل الإشارتين الأوّلتين.

(ثمّ جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً).

«الجند»: العسكر، ويُطلق على الأعوان، والأنصار، وعلى كلّ واحد من كلّ منهما.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

إطلاق الجند على كلّ واحد باعتبار الأقسام والشّعب والتوابع، فكلّ واحد- لكثرة أقسامه وتوابعه- كأنّه جند (4). انتهى.

غرضه أن يشير أيضاً إلى حلّ الإشكال الوارد لعدم موافقة العنوان للتفصيل.

والمفصَّل عدداً: ثمانية وسبعون، والزائد ظاهراً: الرّجاء وضدّه، أو الطمع وضدّه، أو العافية وضدّه، أو السلامة وضدّه، أوالفهم وضدّه في أحد الموضعين.

____________

(1). في «ب» و «ج»: «تقدّم».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 60- 61.

(3). في «ب» و «ج»: «بواسطتها».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 61.