الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
251

ويمكن دفع الإشكال بعدم المنافاة بين تعيين العدد قبل التفصيل وتكرار البعض في التعداد؛ لمزيد الاهتمام بمعرفته وضبطه الامّة (1) بالطمع في رحمته تعالى، وبشكر نعمة السلامة من بلائه، ونعمة الفهم الذي به يمتاز المتوحّد المتمسّك بالمعصوم عن الملحد التابع لمثل ابن العربي الشّوم.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

هذا الكلام ليس على الحقيقة، والمراد أنّ أوصافاً كثيرة خلقها اللَّه ليكون بعضها (2) أعواناً للعقل، والمقابل للمقابل.

وقال الشيخ بهاء الملّة والدِّين (رحمه الله):

لعلّ الثلاثة الزائدة إحدى فقرتي الرجاء والطمع، وإحدى فقرتي الفهم، وإحدى فقرتي السلامة والعافية، فجمع الناسخون بين البدلين غافلين عن البدليّة. (3)

وقال الفاضل صدر الدين محمّد الشيرازي:

لعلّ الثلاثة الزائدة: الطمع والعافية والفهم؛ لاتّحاد الأوّلين مع الرجاء والسلامة المذكورين. وذكر الفهم مرّتين في مقابلة اثنين متقاربين. ولعلّ الوجه في ذلك أنّه لمّا كان كلّ منها غير صاحبته في دقيق النظر ذكرت على حِدة. ولمّا كان الفرق دقيقاً خفيّاً والمعنى قريباً لم يحسب من العدد. انتهى.

وقال بعض المعاصرين‏ (4) مثله.

وقال الشارح المازندراني: ليس في العنوان ما يفيد الحصر إلّامفهوم العدد، وهو ليس بمعتبر كما بيّن في الاصول، فالمراد الكثرة. (5)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله): لعلّ العبادات الأربع: الصلاة، والصيام،

____________

(1). في «ب» و «ج»: «كالإهتمام».

(2). في «ب» و «ج»: «نصفها».

(3). حكاه عنه أيضاً المازندراني في شرحه، ج 1، ص 210.

(4). الوافي، ج 1، ص 64.

(5). شرح المازندراني، ج 1، ص 210. وليس في المصدر: «فالمراد الكثرة».

252

والحجّ، والجهاد محسوبة بواحد.

(أضمر له العداوة). ناظر إلى مثل قوله تعالى: «وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» (1). ولا منافاة بين إضماره العداوة وظهورها إلى يوم القيامة من غير أن يظهرها؛ لعدم قدرته على إمضائها، و «لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ» (2).

(هذا خلق مثلي) أي مخلوق مثلي، وخالقنا واحد.

(الخير وهو وزير العقل)؛ لملازمة سائر جنود العقل له كملازمة سائر جنود السلطان لوزيره. وقد روى أنس عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلّااللَّه وكان في قلبه من الخير ما يزن مثقال ذرّة». (3)

ولا خير في مبتدعي الرهبانيّة في الإسلام.

وقد روى الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لا خير فيمن لا يحبّ جمع المال من الحلال فيكفّ به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه». (4)

ولعلّ الفرق هنا بين الإيمان والتصديق، بالتصديق بالقلب وبالقلب واللّسان، أو بالإجمال والتفصيل.

(والرّجاء) بالفتح يمدّ ويقصر. وقد يفرّق بينه وبين «الطمع». وكذا بين «القنوط» و «اليأس» بتخصيص الرجاء والقنوط بامور الآخرة، والطمع واليأس بأمور الدنيا؛ لقوله تبارك وتعالى: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» (5) وقوله جلَ‏

____________

(1). الممتحنة (60): 4.

(2). النحل (16): 99 و 100.

(3). روي هذا الحديث بألفاظ متقاربة في صحيح البخاري، ج 6، ص 2695، ح 6975؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 180، ح 325؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 711، ح 2593؛ مسند أحمد، ج 3، ص 116، ح 12174.

(4). الفقيه، ج 3، ص 166، ح 3615؛ الكافي، ج 5، ص 72، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة، ح 5؛ تهذيب الأحكام، ج 7، ص 4، ح 10؛ الوسائل، ج 17، ص 33، باب استحباب جمع المال من حلال ...، ح 1.

(5). الزمر (39): 53.

253

ذكره: «فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ» (1).

ويمكن الفرق بتخصيص «الرجاء» بما يعطى بالاستحقاق، و «الطمع» بما يتفضّل بدونه.

وقال برهان الفضلاء:

و «الواو» في «والرجاء» بمعنى «مع» للتأكيد الاتّصالي المفهوم من «الفاء» في «فكان».

فالرجاء منصوب. وهو أوّل الخمسة والسبعين. ونظائره منصوبة معطوفة عليه، فإنّا نجعل الخمسة والسبعين خمس طوائف، وكلّ جند كذلك، المقدّمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة. وكلّ طائفة خمسة عشر.

(والتوكّل وضدّه الحرص) في كثير من النسخ المعتبرة ضبط بالصّاد المهملة، كما ضبطه برهان الفضلاء.

وقال السيّد الباقر: ثالث المعلّمين الشهير بداماد (رحمه الله):

إنّه الحرض، بالضاد المعجمة والتحريك، وهو الهمّ بالشي‏ء، والحزن له. والوجد عليه.

و «الحرص» بالمهملة تصحيف، وهو ضدّ القناعة. وفي جعله ضدّ التوكّل يلزم أن يكون جند الجهل أقلّ من خمسة وسبعين. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

من يصحّف «الحرض» ضدّ «التوكّل» فيتوهّمه بالصّاد المهملة كما هو ضدّ القناعة، ولا يفرق بين «البلاء» ضدّ العافية و «البلاء» ضدّ السلامة، فيتوهّهما بمعنى واحد، فيلزمه أن يكون جند الجهل ثلاثة وسبعين.

والحقّ أنّ ضدّ «القناعة»: «الحرص» بالمهملة، وضدّ «التوكّل»: «الحرض» بالمعجمة والتحريك، أي الهمّ بالشي‏ء، والحزن له، والوجد عليه، وتفرّق البال في التوصّل إليه.

رجل حرض: فاسد مريض، والذي أذابه العشق في معنى محرض، أحرضه الحبّ:

أفسده.

____________

(1). يوسف (12): 87.

(2). حكاه عنه في شرح المازندراني، ج 1، ص 224.

254

و «البلاء»: ضدّ العافية، بمعنى البلوى والبليّة، وضدّ السلامة «البلاء» بمعنى الاختبار والامتحان. انتهى.

وهنا إشكال سيذكر بجوابه إن شاء اللَّه تعالى‏.

ولعلّ المراد ب (الجهل) الذي هو من جنود الجهل، ضدّ العلم الذي هو من جنود العقل.

والفرق بين (الرأفة) و (الرحمة) يمكن من وجوه؛ نظراً إلى ذوي الأرحام، والتعميم، والقلب وحده، ومع غيره، ورقّة القلب مع القدرة على الإحسان، والقدرة على الانتقام، والتعميم، وعدم القدرة، والتخصيص.

وكذا الفرق بين (الحمق) و (الغباوة) يمكن بالإطلاق، والتقييد، والتعميم، والتخصيص. وقيل: الفرق بينهما كالفرق بين الجهل المركّب والبسيط. (1)

و (العفّة): حفظ الشهوة من الحرام.

و (الزّهد): عدم الرغبة في الدنيا الحرام.

وقد سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الزّهد فقال: «هو الاجتناب عن الحرام لا الحلال.

ولا رهبانيّة في الإسلام». (2)

و (الرِّفق) بالكسر: التلطّف ولين الجانب.

و (الخرق) بالضم وبضمّتين: الخشونة والثقل على القلوب.

و (الرهبة) بالفتح: الخوف من سخط اللَّه تعالى.

و (الجرأة)- كالجرعة والجماعة- يعني على ارتكاب محارم اللَّه.

و (التؤدة) كلمزة: التأنّي في الامور.

و (السّفه): الخفّة والطيش.

____________

(1). احتمله الفيض في الوافي، ج 1، ص 66.

(2). لم أجده في مظانّه من كتب الحديث.

255

و (الصمت) بالفتح: السكوت عمّا لا طائل فيه.

و (الهذر) بالفتح ويحرّك: الهذيان وما لا فائدة فيه من البيان.

و (الاستسلام): الطاعة والانقياد.

و (التسليم): تصديق جميع ما جاء به الحجّة المعصوم وإن كان لا يدرك عقول الرعيّة وجهه وكيفيّته، كالمعراج، والأحكام المخالفة للقياس.

(والصفح): الإعراض عمّا لا يليق والعفو عنه.

(والغنى) بالكسر والقصر: ضدّ الفقر، فإذا فُتحت مدّدت، وبالكسر والمدّ التغاني.

وقال بعض المعاصرين: يعني الغناء بالحقّ، أو غناء النفس، أو التغاني. (1)

«الفقر» في مقابلة «الغناء»، بمعنى التغاني بالتفاقر؛ حيث قال: «وضدّه الفقر» يعني إلى الخلق، أو فقر النفس، أو التفاقر. (2)

(والتذكّر وضدّه السهو). ونسخة «والتفكّر» مكان «والتذكّر»، كماترى.

(والحفظ)، يعني حفظ قول الحجّة المعصوم وما يطابق قوله (عليه السلام)؛ فإنّه أعظم ألطاف أرحم الراحمين بالعباد، العليم بما في الصدور إلى يوم التناد قبل أن يخلق الصدور والأفئدة ويصدر الأفكار المستقيمة والفاسدة.

(والتعطّف): الرحمة، والميل، والإشفاق.

والفرق بين «المودّة» و «الحبّ» والضدّين: «العداوة» و «البغض» يمكن بالتخصيص، والتعميم، والظهور، والكمون وغير ذلك من الأنحاء.

(والمؤاساة): المداراة مع الإخوان في الدِّين بالمساهمة في المعاش.

و (التطاول): الترفّع والاستحقار.

(والسلامة وضدّها البلاء)، (والعافية وضدّها البلاء) فالفرق إمّا بأنّ السلامة في الدنيا،

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 67.

(2). راجع: الوافي، ج 1، ص 67.

256

والعافية في الدنيا والآخرة.

وفي الصحيفة الكاملة: «عافية الدنيا والآخرة» (1).

أو بأنّ «السلامة»: الأمنيّة من آفات الدِّين، و «العافية» من آفات الدنيا أيضاً. ويمكن بوجوه اخر أيضاً.

وقد أوردوا هنا إشكالًا: أنّه قد ورد في الحديث: «إنّ البلاء موكّل بالأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل» (2)، فكيف يكون من جنود الجهل ما هو يلازم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)؟

فاجيب: بأنّ البلاء مع صحّة الإيمان هو السلامة؛ بمعنى الأمنيّة من الآفات الدينيّة، وهي من جنود العقل. وكذا الفقر مع سلامة الدِّين غير الفقر الذي هو سواد الوجه في الدارين‏ (3)، والفقر الذي كاد أن يكون كفراً (4). ومن خصائص الإمام أنّه لا يكون فقيراً أبداً. وفقر الشاكر الراضي غنى، وفقر غيرهما من جنود الجهل، فلا إشكال أيضاً بما روي عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) أنّه قال: «قال اللَّه تعالى: يا موسى، إذا رأيت الفقر مقبلًا فقل: مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلًا فقل: ذنبٌ عُجّلت عقوبته». (5) يعني آلاته وأسبابه. والمراد أنّ الجهاد الأكبر أشدّه إنّما هو مع الغنى. وأين جهاد أكبر لسلامة الدِّين من الجهاد مع العدوّ المبين الغير المبين بالغناء والعافية من ربّ العالمين؟!

(والإخلاص وضدّه الشّوب). وللإخلاص- سواء كان في الاعتقاد، أو في الأعمال- مراتب أعلاها شأن المعصومين (عليهم السلام). قال أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه): «ما عبدتك‏

____________

(1). الصحيفة السجّاديّة، ص 124، الدعاء 23.

(2). راجع: الكافي، ج 2، ص 252، باب شدّة ابتلاء المؤمن، ح 1- 4.

(3). عوالي اللآلي، ج 1، ص 40، ح 41.

(4). الكافي، ج 2، ص 307، باب الحسد، ح 4؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 40، ح 40.

(5). الكافي، ج 2، ص 263، باب فضل فقراء المسلمين، ح 12؛ وراجع أيضاً؛ بحار الأنوار، ج 13، ص 335- 340، باب ما ناجى به موسى (عليه السلام)، ح 13، 14، 16.

257

خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك». (1)

وقال أبو عبداللَّه (عليه السلام): «العبّاد ثلاثة؛ قومٌ عبدوا اللَّه خوفاً، فتلك عبادة العبيد، وقومٌ عبدوا اللَّه طلباً للثواب، فتلك عبادة الاجراء، وقومٌ عبدوا اللَّه حبّاً له، فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة». (2)

وقال الباقر (عليه السلام): «مَن بلغه ثواب من اللَّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب اوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه». (3) فقول القدريّة: القيد كفر ولو كان باللَّه، كفر مزخرف صدر من سنخ الإلحاد والزندقة، كقولهم: إنّ إبليس رئيس الموحّدين، واللّعين رئيس الملحدين.

(والشهامة): ذكاء الفؤاد، ولها معنى آخر وهو الشجاعة والجلادة. شَهُم الرجل- كحسن- شهامةً بالفتح فهو شَهْم بالفتح وإسكان الهاء، أي جلد ذكيّ الفؤاد.

والمراد ب (المعرفة): معرفة الحجّة المعصوم المحصور عدده في علمه بتقديره تبارك وتعالى كأبراج السماء، والعلم أعمّ. وقد يفرق بأنّها إدراك الجزئيّات، والعلم إدراك الكلّيّات، أو بأنّها إدراك البسائط، وهو إدراك المركّبات، أو هي التصوّر، وهو التصديق. (4)

وقال بعض المعاصرين:

المراد هنا من المعرفة إدراك الشي‏ء ثانياً، وتصديقه بأنّ هذا ذاك الذي قد أدركه أوّلًا؛ لأنّ الإنكار لا يصلح أن يكون ضدّاً إلّالمثل هذا المعنى‏ (5). انتهى.

(والمداراة وضدّها المكاشفة) قيل: أي المكاشفة بالعداوة حالة التقيّة. والأولى‏

____________

(1). بحار الأنوار، ج 67، ص 186؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 404، ح 63؛ و ج 2، ص 11، ح 18.

(2). الكافي، ج 2، ص 84، باب ا لعبادة، ح 5؛ بحار الأنوار، ج 67، ص 236.

(3). الكافي، ج 2، ص 87، باب من بلغه ثواب من اللَّه، ح 2. وراجع أيضاً الوسائل، ج 1، ص 82، باب استحباب‏الإتيان بكلّ عمل مشروع روي.

(4). راجع: الوافي، ج 1، ص 71.

(5). الوافي، ج 1، ص 71.

258

تفسير المداراة بستر عيوب الناس، أو مطلق العيوب، والكفّ عن الأذى بكشف حجاب الحياء؛ لمكان ذكر التقيّة خاصّة من الجنود.

(وسلامة الغيب) هي التخلّي من المخالفة في الغيبة، ولا تكون إلّاللسليم من النفاق في الحضور، فلإخوانه في الدِّين أمنيّةٌ منه في غيبته أيضاً.

(والكتمان): ستر عيوب الإخوان، وهو غير المداراة؛ لما بيّن.

ول «إضاعة الصلاة» مراتب بتركها، أو بترك شي‏ء منها، أو سننها وآدابها، أو عدم المحافظة على أوقاتها، وبحضور القلب في تمامها أو بعضها ونحو ذلك ممّا يوجب نقصانها.

ومن مزخرفات القدريّة أنّ معنى قوله (صلى الله عليه و آله): «صلاة الجماعة خيرٌ من صلاة ألفذّ بخمسة وعشرين درجة» (1): أنّها لجمعيّة الخاطر، وموافقة الباطن الظاهر خيرٌ منها بالظاهر وحده. وهو وهم مموّه؛ إذ لا درجة للصلاة بالظاهر وحده أصلًا، ثبّت العرش ثمّ انقش.

ول «الإفطار» أيضاً مراتب بالأكل- مثلًا- والكذب، والغيبة، والخناء، والجدال وغير ذلك ممّا يضيّعه أو ينقصه.

وكذا ل «الجهاد» أصغره وأكبره، وأعلى مراتب كِبَره مجادلة النفس في هواها ما يخالف الشرع في الأقوال والأعمال، سيّما مع الغنى والعافية والمعاشرة مع الناس.

ولذلك أيضاً مراتب لمكان المعصوم، والعادل، والأعدل. والأشياء تُعرف بأضدادها.

و (نبذ الميثاق) هنا: ترك الوفاء بعهد اللَّه على عباده في الميثاق أن يحجّوا مع الاستطاعة، ويتذكّروا الميثاق الذي أودعه اللَّه في الحجر الأسود من إقرارهم بربوبيّته‏

____________

(1). عوالي اللآلي، ج 1، ص 341، ح 109؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 231، ح 619؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 449، ح 649.

259

تعالى، ونبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) وولاية أمير المؤمنين وأولاده المعصومين (صلوات اللَّه عليهم)، ليشهد يوم العرض الأكبر لكلّ مَن وافاه بالمعرفة الدينيّة كما جاءت به روايات.

وسيذكر في كتاب الحجّ إن شاء اللَّه تعالى‏.

و (النميمة) خاصّة بالقول، فأخصّ من (الإفشاء)، كصون الحديث من الكتمان.

ويظهر بالفرق بين (الشّوب) و (الرياء) من وجوه الفرق بين (الإخلاص) و (الحقيقة).

(والستر) بالفتح: تغطية ما يستهجن كشفه شرعاً أو عرفاً. و (التبرّج): التظاهر بذلك.

و (الإنصاف): إظهار النصف ولو عليه.

و «حميت» عن كذا كرمى حميّة- كعطيّة، ومحميّة كمنزلة-: إذا أنفت منه، وداخلك عار وأنفة أن تفعله، أو تقربه، يُقال: فلان أحمى أنفاً وأمنع ذماراً من فلان. والذِّمار بالذّال المعجمة- ككتاب-: ما يلزمك حفظه وحمايته.

(والتهيئة) بالهمز- كالتفدية، ويشدّد كالتقيّة-: الإصلاح.

(وضدّها البغي) أي الإفساد وطلب الشرّ.

و (الخلع) كالنزع لمنع النزع إلّاأنّ في الخلع مهلة.

ومنه: فلان خليع العذار، أي‏ (1) اللّجام: غير المبالي بارتكاب القبايح.

(والقصد) عدم التجاوز من الوسط بالإفراط أو التفريط.

(والراحة): الفراغ عن التعب بالجدّ، وتشويش الخاطر في هوى النفس للُامور الممنوعة.

(والقوام) بالفتح: التوسط في الإنفاق من غير إسراف وإمساك، قال اللَّه تعالى:

«وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» (2).

و «القوام» بالكسر: نظام الشي‏ء وعماده.

____________

(1). في «الف»: «العذارى».

(2). الفرقان (25): 67.

260

(والحكمة): العلم بأنّ الحقّ من العلوم ما هو من المعصوم.

و (الهوى): غرور النفس برأيها في تحصيل العلوم.

و (التهاون): الاستحقار، والاستخفاف بترك المحافظة على أوقات فعل الخيرات.

(والنشاط) بالفتح: السرور بالإقبال إلى الطاعة كما أمر مفترض الطاعة.

(والالفة): الموانسة مع الخلق على ما امروا به للجهاد الأكبر، وضدّها الوحشة عنهم كما يفعل الصوفيّ القدريّ في أوائل السلوك، ثمّ يألف الناس لإضلالهم بالمقالات المفسدة والعبادات المهلكة.

(أو مؤمن قد امتحن اللَّه قلبه للإيمان). ضروب الامتحان للإيمان أكثر من أن يحصى بالبيان، لكن أعظمها في هذه الامّة الابتلاء بطريقة القدريّة الناشئة من لطايف أفكار الشيطان في أواخر عمره الطويل للإماميّة من البضع والسبعين، وأعظم مراتب ذلك، الأعظم مطالعة كتب الفلاسفة والقدريّة، ثمّ المصاحبة معهم والمجالسة إليهم، ثمّ الإصغاء إلى مكالمتهم المحفوفة بالأحاديث، وآيات القرآن، والحكمة، والموعظة، والتغاني، والأشعار الحسنة، والأمثال اللّطيفة وغير ذلك من أسباب الامتحانات العظيمة، عصمنا اللَّه من خدع الشيطان الرجيم، وحسبنا اللَّه ونِعمَ الوكيل.

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الخير وهو وزير العقل». في المصادر: (خير، از كسى بهتر بودن وبهترين بر گزيدن)، ولعلّه المراد دون غيره، كالمعنى التفصيلي، والشرّ مقابله. «والإيمان»: هو الاعتقاد الجازم الثابت بالمبدأ، وما يتبعه وينسب إليه من المعارف الضروريّة، اعتقاداً لا يجامع الردّ والإنكار، بل ترك الاعتراف والإقرار اختياراً ومقابله الكفر.

والمراد ب «التصديق» أن يصدّق بما يظهر حقيقته عليه من غير تلك المعارف، أو أن يصدّق مدّعي الحقّ إذا عرفه، ومقابله الجحود.

و «الرّجاء» بالقصر وقد يُمدّ. والمراد بها توقّع حصول ما يحصل بالاستحقاق، كالدّرجات الاخرويّة، ويفارقه الطمع بأنّه فيما ليس حصوله بالاستحقاق كالنعمة الدنيويّة.

261

و «القنوط» المقابل للرجاء: الحكم بعدم حصول ما حصوله بالاستحقاق له؛ للجزم بعدم الاستحقاق فلا يسعى له.

و «اليأس» المقابل للطمع المعدود من جنود العقل: القطع بعدم حصول التوسعة الدنيويّة، فيترك طلبها عند الحاجة.

«والتوكّل» هو الاعتماد على اللَّه فيُجمل في الطلب، ويكون الوثوق باللَّه والاعتماد عليه لا على طلبه. ومقابله الحرص.

و «الرأفة» هي العطوفة الناشئة عن الرقّة، ومقابلها القسوة والغلظة.

«والرحمة»: هي الميل النفساني الموجب للعفو والتجاوز، ومقابله الغضب.

«والعلم» يشمل التصوّر والتصديق، ومقابله الجهل، بسيطه ومركّبه.

«والفهم»: إدراك الامور الجزئيّة. ولعلّ المراد به هنا المتعلّقة بالحكمة العمليّة، ومقابله الحمق.

«والعفّة»: الامتناع عن مقتضى القوّة الشهويّة من الملاذّ الحيوانيّة المتعلّقة بالبطن والفرج، فلا يأتي بها إلّابقدر الحاجة للمنفعة آثراً أحسن وجوهه. ومقابله التهتّك.

«والزهد»: الاكتفاء بالزهيد، أي القليل من الدنيا، وهو أقلّ ما يصلح للقناعة رغبةً عنها.

ومقابله الرغبة وشدّة الميل إليها.

«والرّفق» هو حسن الصنيعة والملاءمة. ومقابله الخرق. والأخرق: من لا يُحسن الصنيعة.

«والحُلم»: الأناة وإمساك النفس عن هيجان الغضب. ومقابله السفه؛ يعني التسرّع إلى الإفساد الذي من آثار خفّة العقل.

«والصمت»: وهو هنا السكوت عمّا لا يحتاج إليه. ومقابله الهذر.

«والاستسلام»: هو الانقياد، ويشتمل على شيئين: الخضوع، والتصديق. فبالاعتبار الأوّل عبّر عنه بالاستسلام وجعل مقابله الاستكبار، وبالاعتبار الثاني عبّر عنه بالتسليم وجعل مقابله الشكّ.

«والغنى» كإلى، وإذا فُتح مُدّ. وينبغي أن يحمل على غناء النفس؛ فإنّه من أحوالها وآثارها ومن توابع العقل. وأمّا الغنى بالمال فليس بصنعه، فكم من عاقل لبيب مهذّب‏

262

اللّبّ‏ (1) عنه الرزق منحرف، بل العقل ممّا يضيّق المداخل، والجهل يوسعها. ومقابله الفقر.

«والتفكّر». وفي بعض النسخ بدله «والتذكّر»، وهو يلزم التفكّر، ولا يجامعها السّهو والغفلة. ثمّ ذكر «القنوع» وقابله بالحرص. و «القناعة»: الرضا بما دون الكفاف، وعدم طلب الزيادة.

ولمّا كان الحرص زيادة السعي في الطلب ويشتمل على شيئين، الإفراط في الطلب، والاعتماد على الطلب الذي يلازمه، جعله باعتبار اشتماله على الأوّل مقابل القنوع، وباعتبار اشتماله على الثاني مقابل التوكّل.

«والحفظ» فإنّ العاقل يحفظ ما ينبغي حفظه، والجاهل يتركه وينساه.

ثمّ ذكر «المودّة»: وهي الإتيان بمقتضيات المحبّة والامور الدالّة عليها. ومقابلها «العداوة»: وهي الإتيان بمقتضيات المباغضة وفعل ما يتبعها.

«والوفاء» بالعهد. ومقابله الغدر.

«والطاعة»: وهي متابعة مَن ينبغي متابعته في أوامره ونواهيه.

والمعصية مقابلها.

«والخضوع»: التذلّل لمن يستحقّ أن يُتذلّل له.

ومقابله «التطاول» و هو الترفّع.

«والسلامة»: وهي البراءة من البلايا، وهي العيوب والآفات. والعاقل يتخلّص منها حيث يعرفها، ويعرف طريق التخلّص، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لا يدري.

«والحبّ»: هو الميل النفساني. والعاقل يميل إلى المحاسن ويريدها، وكذا من يتّصف بها، بل العاقل يريد الخير لكلّ أحدٍ ولا يرضى بالشرّ والنقيصة لأحد، فهو يحبّ الكلّ، إنّما يبغض الشرور والمناقص. والبغض مقابله.

ثمّ ذكر «الحقّ». والمراد به اختيار الحقّ. ويقابله الباطل واختياره.

«والشهامة» هي ذكاء الفؤاد وتوقّده ومقابلها البلادة.

«والفهم». ولعلّ المراد به هنا الإدراك المتعلّق بالنظريات بكمال القوّة النظريّة. ويقابلها العبادة.

____________

(1). في «ب» و «ج»:-/ «اللّب».

263

«والمعرفة»: وهي إدراك الشي‏ء بصفاته وآثاره بحيث لو وصل إليه عرف أنّه هو، ومقابله «الإنكار»؛ يعني عدم حصول ذلك الإدراك؛ فإنّ الإنكار يُطلق عليه كما يُطلق على الجحود.

«والمداراة» وضدّها «المكاشفة» وهي المنازعة والمجادلة.

«وسلامة الغيب». والمراد سلامة غيره عنه في غيبته فلا يمكره. «وضدّها المماكرة».

«والكتمان»؛ فإنّ العاقل من حاله وصفته أن يكتم ما يليق به الكتمان. «وضدّها الإفشاء».

«والصلاة»، أي إقامتها، والإتيان بها كما طلب منه. ومقابلها الإضاعة.

«والصوم» بأن يكفّ النفس عمّا امر بالكفّ عنه. «وضدّه الإفطار».

«والجهاد» والإقبال على نصرة الحقّ وبذل النفس فيها. ومقابله النكول.

«والحجّ» وتذكّر العهد والميثاق للَّه‏عزّ وجلّ بالربوبيّة، ولمحمّد (صلى الله عليه و آله) بالنبوّة، ولعليّ (عليه السلام) بالوصيّة؛ حيث جعل الميثاق في الحجر؛ لأنّه كان أوّل مَن أسرع إلى الإقرار بذلك، فاختاره اللَّه لأن يجعل فيه ميثاقهم، فيشهد يوم القيامة لكلّ مَن وافاه وحفظ الميثاق كما هو المرويّ‏ (1).

فمَن أتى بالحجّ راعى الميثاق وتذكّره، ومن تركه لم يكن مراعياً للميثاق ولم يتذكّره، فيكون ناسياً له وتاركاً له.

ولا يبعد أن يجعل العبادات الأربع جنداً واحداً، فلا يزيد الجنود على ما ذكره أوّلًا.

ثمّ قال: «والحقيقة». والمراد بها الخلوص في التوحيد. «وضدّها الرياء».

«والمعروف»، أي الإتيان به واختياره. «وضدّه المنكر» واختياره.

«والستر» أي إخفاء ما ينبغي إخفاؤه. «وضدّه التبرّج» والإظهار.

«والتقيّة»: وهي الستر في موضع الخوف. «وضدّها الإذاعة» والإفشاء.

«والإنصاف» والتسوية بين نفسه وغيره. «وضدّه الحميّة».

«والتهيئة» والموافقة والمصالحة للجماعة وإمامهم.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 186، باب بدء الحجر والعلّة في استلامه، ح 3؛ الفقيه، ج 2، ص 191، ح 2114. وراجع: وسائل الشيعة، ح 13، ص 317- 319، باب استلام الحجر، ح 4- 11.

264

«وضدّها البغي» والمخالفة.

«والنظافة» والطهارة. «وضدّها القذر» والنجاسة.

«والحياء، وضدّه الجلع» (1) وهو عدم الحياء، أو قلّتها.

«والقصد»: لزوم وسط الطريق الموصل إلى المقصود. «وضدّه العدوان» والخروج عن الطريق.

«والراحة» واختيار ما يوجبها بحسب النشأتين. «وضدّها التعب».

«والسهولة» أي اللين، ويُسر المطاوعة، واختيار السهلة السمحاء. (2)

«والبركة»: وهي النماء والزيادة والبقاء والثبات ودوام العطيّة. ومقابلها «المحق»: وهو البطلان والمحو وذهاب البركة. فالعاقل يحصّل من الوجه الذي يصلح له، ويصرف فيما ينبغي الصرف فيه، فينموا ويزيد، ويبقى ويدوم له. والجاهل يحصّل من غير وجهه ويصرف في غير المصرف، فيبطل ماله ويذهب بركته.

«والعافية» من المكاره. «وضدّها البلاء»، فالعاقل بالشكر والعفو يدوم عليه ويعفى عنه، والجاهل بالكفران وشدّة المؤاخذة يبتلى بالمكاره وزوال النِّعم.

«والقوام» كسحاب: هو العدل وما يعاش به. والمراد به هنا التوسّط.

«والرضا بالكفاف، وضدّه المكاثرة»: وهي المغالبة بالكثرة في المال والعدّة.

«والحكمة»: وهي اختيار النافع والأصلح. «وضدّها الهوى» واتّباع الشهوة والغضب.

«والوقار»: وهو النقل والرزانة. «وضدّه الخفّة» فإنّ العاقل لا يزول عمّا هو عليه لكلّ ما يرد عليه، ولا يحرّكه إلّاما يحكم العقل بالحركة له، أو إليه لرعاية خير وصلاح.

والجاهل يتحرّك للتوهّمات، والتخيّلات، واتّباع القوى الشهوانيّة والغضبيّة، فمحرّك العاقل قليل الحصول، عزيز الوجود، ومحرّك الجاهل كثير التحقّق، قلّما يخلو عنه الأوقات والأزمان.

«والسعادة وضدّها الشقاوة»؛ فإنّ العقل يختار ما يوجب حسن العاقبة وينتهي إليه، والجاهل بخلافه.

____________

(1). في «ب» و «ج»: «الخلع».

(2). في ا لمصدر بإضافة: «التي هي الملّة القويمة. «وضدّها الصعوبة» والإباء، وعُسر المطاوعة، أو الخروج عن السهلة السمحاء».

265

«والتوبة وضدّها الإصرار»؛ فالعقل يوجب الندامة على القبيح ويأمر بالانتهاء عنه، والجهل بخلافه.

«والاستغفار وضدّه الاغترار»؛ فالعاقل لا يغترّ لما يعلمه فيستغفره، والجاهل يغترّ لجهله.

«والمحافظة» أي على ما كلّف به. «وضدّها التهاون».

«والدّعاء» والطلب من بارئه على جهة التذلّل. «وضدّه الاستنكاف».

«والنشاط» في العمل للآجل. «وضدّها الكسل».

«والفرح» فلا يحزن للُامور الدنيويّة؛ للعلم بزوالها وعدم ثباتها، وللرضا بالقدر والقضاء فيها. «وضدّه الحزن» فالجاهل يحزن لها ولا يترتّب على حزنه إلّازيادة مكروهٍ.

«والالفة وضدّها الفرقة»؛ فالعاقل يألف الموافق والمخالف بعقله، والجاهل يفارقهما بجهله.

«والسخاء وضدّه البُخل»؛ فالعاقل يسخى ويجود بماله، فيعطي ما يزكو به ماله، والجاهل يمنعه ويبخل به.

«أو مؤمن قد امتحن اللَّه قلبه للإيمان» يقال: امتحن اللَّه قلوبهم، أي شرحها ووسّعها (1).

الحديث الخامس عشر

روى في الكافي بإسناده‏ (2)، عن: الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) الْنّاس‏ (3) بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ».

وَقَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): إِنَّا- مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ- أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلى‏ قَدْرِ عُقُولِهِمْ».

هديّة:

في بعض النسخ المعتبرة- كما ضبط برهان الفضلاء، والسيّد الأجلّ النائيني-:

«العباد» في صدر الحديث مكان «الناس» (4).

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 61- 69.

(2). السند في الكافي المطبوع: «جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى».

(3). في هامش «ب» و الكافي المطبوع: «العباد» بدل «الناس».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 69.

266

و «المعشر» كمنصب: الجماعة، والجمع: معاشر.

والحديث على أنّ إخبار الأنبياء (عليهم السلام) عن ضروريّات الدِّين بالنظر إلى جميع العقول المؤمنين باللَّه واليوم الآخر على السواء، كالشمس إلى جميع الأنظار، فتوهّم القدريّة أنّه بالرموز والكنايات خيال من يتخبّطه الشيطان من المسّ؛ فإنّ المعنى إنّا لم نترك شيئاً ممّا يحتاج إليه الناس ويسعه عقولهم، فمن جاء بشي‏ء ممّا لم نبيّنه، فإن كان ممّا لم يأباه ما بيّناه فهو من فروع ما بيّناه، وإن كان ممّا يمنعه ما قلناه، كاصول القدريّة المأخوذة عن اصول الفلاسفة والتناسخيّة فهو ضلالة، وكلّ ضلالة في النار؛ إذ لا عقل إلّا عن اللَّه، أو عن المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

المراد ب «العباد» غير الأوصياء، وقد بيّن ببيان السابع أنّ للعقل مراتب ودرجات، ولمّا كان الأنبياء (عليهم السلام) مسدّدين بروحٍ من أمرنا، وهي التي عبارة عن جميع ألفاظ القرآن ومعانيها، كما سيجي‏ء في كتاب الحجّة في شرح الأوّل من باب الأرواح التي يسدّد اللَّه بها الأئمّة (عليهم السلام) الباب السادس والخمسون، فلعقول الأنبياء (عليهم السلام) مزيّة علمها اللَّه تبارك وتعالى.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ما كلّم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) العباد بكنه عقله» أي نهاية (1) ما يدركه بعقله.

«امرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم» أي بما يكون على قدرٍ يصل إليه عقولهم. (2)

الحديث السادس عشر

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ بن محمّد، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، قَالَ: «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللَّه عليه): إِنَّ قُلُوبَ الْجُهَّالِ تَسْتَفِزُّهَا الْأَطْمَاعُ، وَتَرْتَهِنُهَا الْمُنى‏، وَتَسْتَغْلِقُهَا (3) الْخَدَائِعُ».

____________

(1). في المصدر: «بنهاية».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 69.

(3). في الكافي المطبوع: «تستعلقها».

267

هديّة:

«استفزّه»: استخفّه، وأخرجه من مقرّه، أو من الأطماع المهلكة، طمع القدري بخيالات فاسدة، وأفكار باطلة، اتّحاده بالاتّصال.

«ارتهنه»: قيّده.

و «المُنى» بالضمّ والقصر جمع المُنية، وهي التشهّي، وتمنّي ما لا يتوقّع حصوله، كتمنّي القدريّة ما يعدهم الشيطان ويمنّيهم، وما يعدهم الشيطان إلّاغروراً.

«استغلقه»: استسخره واستعبده. وفي بعض النسخ- كما ضبط برهان الفضلاء سلّمه اللَّه-: بإهمال العين، أي تربطها بالحبال والمصائد، وفي بعض آخر- كما ضبط السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله)(1)-: بالقافين من القلق: وهو الانزعاج والاضطراب.

و (الخدائع) جمع خديعة (2) بالفتح، اسم من خدعه- كمنعه- خدعاً بالفتح ويكسر:

ختله. وأراد به المكروه من حيث لا يعلم كاختدعه فانخدع. والحرب خدعةٌ، مثلّثةً، وكهمزة. قال في القاموس: وروي بهنّ جميعاً، أي تنقضي بِخُدْعة (3).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): «تستفزّها الأطماع»، أي تستخفّها وتخرجها من مقرّها.

«وترتهنها. المُنى»، وهي إرادة ما لا يتوقّع حصوله. والمراد به ما يعرض للإنسان من أحاديث النفس وتسويل الشيطان، أي تأخذها وتجعلها مشغولة بها، ولا تتركها إلّا بحصول ما يتمنّاه.

«وتستقلقها» بالقافين، أي تجعلها «الخدائع» مزعجة (4) منقطعة عن مكانها.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 70.

(2). في «ب» و «ج»: «الخديعة».

(3). القاموس المحيط، ج 3، ص 16 (خدع).

(4). في المصدر: «منزعجة».

268

وفي بعض النسخ: «تستعلقها» بالعين المهملة قبل اللّام، والقاف بعدها؛ أي تربطها بالحبال كما يعلق الصيد بها. وفي بعضها بالغين المعجمة من استغلقني في بيعته، أي لم يجعل [لي‏] (1) خياراً في ردّه. (2)

الحديث السابع عشر

روى في الكافي بإسناده‏ (3)، عن: إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً».

لعلّ المعنى: أزْيَدهم وصفاً ممدوحاً شرعاً.

قال برهان الفضلاء: أي أحسنهم سلوكاً في الطريق المستقيم.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«أحسنهم خلقاً». «الخلُقُ» بالضمّ، وبضمّتين: الهيئة الحاصلة للنفس بصفاتها، ويُقال لها: السجيّة. ويدلّ عليها الآثار والأفعال. وقد يطلق على الآثار والأفعال الدالّة عليها؛ تسميةً للدال باسم المدلول. (4)

الحديث الثامن عشر

روى عَنْ عَلِيٌّ، عن أبيه، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الرِّضَا (عليه السلام)، فَتَذَاكَرْنَا الْعَقْلَ وَالْأَدَبَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هَاشِمٍ، الْعَقْلُ حِبَاءٌ مِنَ اللَّهِ، وَالْأَدَبُ كُلْفَةٌ؛ فَمَنْ تَكَلَّفَ الْأَدَبَ، قَدَرَ عَلَيْهِ؛ وَمَنْ تَكَلَّفَ الْعَقْلَ، لَمْ يَزْدَدْ بِذلِكَ إِلَّا جَهْلًا».

هديّة:

«الحباء» بالكسر والمدّ: العطاء.

(والأدب) مفسّر بحسن السلوك، ويتعلّق بالطاعات والمعاشرات والأقوال والأفعال.

____________

(1). أضفناه من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 69- 70.

(3). السند في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبيد اللَّه الدهقان، عن‏درست».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 70.

269

و «الكلفة» بالضمّ: ما تكلّفه من مشقّة أو حقّ، ولون الأكلف، أي بَيّن الكلف بالتحريك، وهو شي‏ء يعلو الوجه من الحمرة الكدرة.

(ومن تكلّف العقل) أي ادّعى عقل الحقّ من محتملات المختلف فيه وفي دليله بلا مكابرة برأيه من دون عقله عن اللَّه، أو عن العاقل عن اللَّه، كمدّعي كشف الحقائق بالرياضة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«فتذاكرنا العقل والأدب» أي التفاوت بين الناس بحسب عقولهم والعمل بمقتضى العلم الذي حصّل.

«حباء من اللَّه»، أي إعطاءً منه تعالى لا اختيار لأحد في كسبه، كما أنّه ثابت لكلّ أحد في كسب الأدب.

قال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

يعني العقل غير كسبيّ [والأدب كسبيّ‏ (1)] ومَن أراد أن يكتسب العقل زاد جهله؛ أي حمقه؛ فإنّه يزعم أنّ له قدرة على الحدس، فتظهر منه آثار تضحك منها الثّكلى.

وتوضيح ذلك: أنّ القواعد الكلّيّة يمكن تعلّمها وكسبها، وأمّا تعيين مصداقها والتمييز بين الصواب والخطأ فلا، بل يحتاج إلى جودة الذهن مثال ذلك الواقعتان المشهورتان:

أعني إخفاء حجر الرحى في الكفّ وأكل لحم الحمار. (2) انتهى.

كأنّه جوّز (رحمه الله)- بكمال إصراره في منع الاجتهاد والعمل بالرأي- العملَ بظنّ الإماميّ العدل الممتاز علماً وعملًا، المحتاط جدّاً بحذاقته في المعالجات المأثورة فيما يلزم الحرج المنفيّ لو توقّف.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«العقل حباء من اللَّه»، أي عطيّة منه تعالى.

«والأدب»: وهو الطريقة الحسنة في المحاورات، والمكاتبات، والمعاشرات، وما

____________

(1). أضفنا ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 88.

270

يتعلّق بمعرفتها وملكتها.

«كلفة»: وهي ما يكتسب ويتحمّل بالمشقّة، وكلّ ما هذا شأنه يحصل لمن يتكلّفه ويحتمل المشقّة في طلبه.

«فمن تكلّف الأدب قدر عليه». وما يكون حصوله للشخص بحسب الخلقة وإعطاء من اللَّه سبحانه كالعقل فلا يحصل بتكلّف واحتمال مشقّةٍ.

«فمن تكلّف العقل» لم يقدر عليه، ولم يزدد بتكلّفه إلّاجهلًا. ولا ينافي ذلك القدرةُ على اكتساب العلم وحصوله باحتمال المشاقّ في طلبه. وظهور فعل القوّة العقليّة وكماله بحصول العلم. (1)

الحديث التاسع عشر

روى في الكافي عَنْ عَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ ابن جَبَلَةَ (2)، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ لِي جَاراً كَثِيرَ الصَّلَاةِ، كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، كَثِيرَ الْحَجِّ، لا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا إِسْحَاقُ، كَيْفَ عَقْلُهُ؟» قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ، قَالَ: فَقَالَ: «لا يَرْتَفِعُ بِذلِكَ مِنْهُ».

لعلّ المعنى (لا بأس به) في أدبه في دينه.

(كيف عقله) أي معرفته الإمام الحقّ.

(لا يرتفع بذلك) أي بعدم عقله منه عمل.

في بعض النسخ كما ضبط برهان الفضلاء: «لا ينتفع» مكان «لا يرتفع». قال: أي لا ينتفع بكونه مبرئ عن العيوب من الثواب يوم القيامة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لا بأس به»؛ أي لا يظهر منه عداوة لأهل الدِّين وشدّة على المؤمنين، أو لا يطّلع منه على معصيته.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 70- 71.

(2). في الكافي المطبوع: «عبد اللَّه بن جبلة».

271

فقال: «يا إسحاق، كيف عقله؟» أي قوّة التمييز بين الحقّ والباطل تمييزاً يوجب الانقياد للحقّ والإقرار به، فأجابه إسحاق بقوله: «ليس له عقل»، فقال (عليه السلام): «لا ينتفع بذلك منه»؛ أي لا يقع الانتفاع بما ذكر من كثرة الصدقة والصلاة من غير العاقل.

وفي بعض النسخ: «لا يرتفع بذلك منه»؛ أي لا يرتفع ما ذكرته من الأعمال بسبب قلّة العقل منه.

ويحتمل أن يكون الفعل على البناء للمفعول كالنسخة الاولى. و «الباء» في «بذلك» للتعدية، والظرف في موقع الحال، أي لا يرفع الأعمال حال كونها من غير العاقل. (1) انتهى.

لاحتماله الأخير فائدة بيّنة.

وقيل: يعني لا يرتفع مثل ما ذكره من مثله.

وقال السيّد السند أمير حسن القائني:

في بعض النسخ: «لا ينتفع بذلك منه»، أي بسفهه من عمله. فالضميران المستتر والبارز يتعاكسان؛ إذ معنى لا بأس به على الأكثر؛ أي في الإقرار بالولاية، والمحجور عليه لسفهه شرعاً للَّه‏فيه المشيئة.

الحديث العشرون‏

روى في الكافي عن الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ السَّيَّارِيِ‏ (2)، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيِّ، قَالَ:

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِأَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام): لِمَاذَا بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (عليه السلام) بِالْعَصَا وَيَدِهِ الْبَيْضَاءِ وَآلَةِ السِّحْرِ، وَبَعَثَ عِيسى‏ (عليه السلام) بِآلَةِ الطِّبِّ، وَبَعَثَ مُحَمَّداً- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ‏ (3)- بِالْكَلَامِ وَالْخُطَبِ؟

فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا بَعَثَ مُوسى‏ (عليه السلام) كَانَ الْغَالِبُ عَلى‏ أَهْلِ عَصْرِهِ السِّحْرَ، فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِمْ مِثْلُهُ، وَمَا أَبْطَلَ بِهِ سِحْرَهُمْ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ وَإِنَ‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 71.

(2). في الكافي المطبوع: «عن أحمد بن محمّد السيّاري».

(3). في الكافي المطبوع+/: «وعلى جميع الأنبياء».

272

اللَّهَ بَعَثَ عِيسى‏ (عليه السلام) وأحكامه‏ (1) فِي وَقْتٍ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ الزَّمَانَاتُ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الطِّبِّ، فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالى‏ بِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ، وَبِمَا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتى‏ وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالى‏، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالى‏ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) فِي وَقْتٍ كَانَ الْغَالِبُ عَلى‏ أَهْلِ عَصْرِهِ الْخُطَبَ وَالْكَلَامَ- وَأَظُنُّهُ قَالَ: الشِّعْرَ- فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالى‏ مِنْ مَوَاعِظِهِ وَحكمته‏ (2) مَا أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ».

قَالَ: فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تَاللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ، فَمَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ؟

قَالَ: فَقَالَ (عليه السلام): «الْعَقْلُ؛ يَعْرِفُ بِهِ الصَّادِقَ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ، وَالْكَاذِبَ عَلَى اللَّهِ فَيُكَذِّبُهُ».

قَالَ: فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هذَا وَاللَّهِ هُوَ الْجَوَابُ.

هديّة:

«يعقوب بن إسحاق السكّيت» بكسر المهملة وتشديد الكاف: أبو يوسف صاحب إصلاح المنطق، كان متقدّماً عند الجواد والهادي (عليهما السلام)، قتله المتوكّل لأجل التشيّع، كان صدوقاً عالماً بالعربيّة لا مطعن عليه، ثقة مصدّق.

والمراد ب «أبي الحسن»: الهادي، أبو الحسن الثالث (عليه السلام).

(وآلة السحر) أي ما يبطل به السحر. والتقدير: وآلة دفع السحر.

كما أنّه لا خواصّ للأسماء الحسنى والآيات والدعوات إلّامع الإيمان، لا خواصّ لفنون السحر إلّامع الكفر بما لم يكن في وسعهم مثله، من الكتاب والحكمة والعصمة والعلم بجميع ما يحتاج إليه الناس، وسائر خصائص الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه.

و (الزمانات) بفتح الزاي: هي الآفات الواردة على بعض الأعضاء، فيمنعها عن الحركات الطبيعيّة بإذن اللَّه، كاللّقوة والفلج، وربّما يطلق «المزمن» على مرض طال زمانه، و «الزّمن»- كالصّعق- على من طال مرضه.

و «الكَمَه» بالتحريك: العمى يولد به الإنسان، هو أكمه بيّن الكمه.

____________

(1). في الكافي المطبوع-/: «وأحكامه».

(2). في الكافي المطبوع: «حِكَمه» بدل «حكمته».

273

والظاهر أنّ (وأظنّه) كلام أبي يعقوب.

(قال الشعر) أي ذكر الشّعر أيضاً.

(تاللَّه، ما رأيت مثلك قطّ) توطية للسؤال المقصود منه تصريح الإمام (عليه السلام) بإمامته، يعني واللَّه، أنت أيضاً من الذين أتوا الناس من عند اللَّه بما لم يكن في وسعهم‏ (1) مثله.

والجواب ورد كناية، لأبلغيّته من الصريح؛ فإنّ حجّيّة الحجّة غير خفيّة للعاقل؛ ولنكات اخر، منها أنّ العقل مختصّ بالمؤمنين. ولمّا كان في لفظة «اليوم» إشارة إلى أنّ حجّيّة القرآن بفصاحته وبلاغته لا تنفع اليوم لرفع الاختلاف بين الامّة بدون قيّم معصوم عاقل عن اللَّه، أشار (عليه السلام) بأنّ من دلالات الإمام في كلّ زمان اختصاص علم القرآن لحجّيّته بالقيّم العاقل عن اللَّه. وهذا برهان قاطع لا ينكره العاقل، فقول القدري: إنّ علم الكتاب يحصل لكلّ مرتاض كامل ولو كان جوكيّاً باطل عقلًا، وكفر سمعاً.

(هذا- واللَّه- هو الجواب) أي المشتمل على فوائد شتّى.

قال برهان الفضلاء:

«الآلة» بالهمز والألف المنقلبة عن الواو وتخفيف اللام وتاء التأنيث: الرجعة وعدم الرّواج من الأوّل، كالعول، مصدر آل يؤول. والمراد هنا باعث الرجعة.

و «السّحر»: ما يرى خارقاً للعادة بالتزوير والتلبيس.

«بالكلام والخطب» بتقدير بآلة الكلام والخطب، والحذف للاقتصار؛ اكتفاءً بما سبق.

ويظهر من تتمّة هذا الحديث أنّ ابن السكّيت كان ينبغي له أن يقول: «بالشّعر» مكان باللّام، ولمّا كان القرآن من أعظم المعجزات لتواتره إلى يوم القيام اكتفى (عليه السلام) بذكره من بين معجزاته (صلى الله عليه و آله). والمراد أنّ معجزة القرآن يكفي للعاقل في معرفة الإمام (عليه السلام).

«وأظنّه قال الشعر» كلام السيّاري، والبارز في «أظنّه» والمستتر في «قال» للإمام (عليه السلام) فإشارة إلى أنّ في نقل أبي يعقوب خللًا، والشعر موضع الكلام أولى للتناظر بمنظوميّة الخطبة وغير منظوميّة الشعر.

____________

(1). في «الف»: «وسعه».

274

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«السحر»: ما لطف مأخذه ودقّ. «والآلة»: ما يُعتَمل به من أداة. (1) ويكون السحر بآلة دائماً أو غالباً، فللآلة اختصاص به بخلاف المعجزة، حيث لا حاجة فيها إلى الآلة، فباعتبار ذلك الاختصاص أضاف الآلة إلى السحر. وعطف آلة السحر على العصا من عطف العامّ على الخاصّ.

وإطلاق الآلة في «بآلة الطبّ» إمّا بتبعيّة إطلاقها في السحر، أو باستعمالها فيما يترتّب عليه الفعل، أو يظهر به الصفة مجازاً.

«بالكلام والخطب» أي بالكلام المنتهى بلاغته حدّ الإعجاز. و «الخطبة»: الكلام المنثور المسجّع.

«كان الغالب على أهل عصره السحر». حاصله: أنّ الغالب على أهل العصر ممّا يستعمل‏ (2) صنعته ويبلغ حدّ كماله، فالغلبة فيه وفي شبهه أقوى وأتمّ في إثبات المقصود، حيث عرفوا نهاية المقدور لهم [فيه‏] (3) فإذا جاوزه حصل لهم العلم بأنّه ليس من فعل أشباههم وأمثالهم، بل من فعل خالق القُوى والقدر، أو من فعل مَن أقدره عليه بإعطاء قدرة مخصوصة به له. وأمّا المتروك في العصا (4) فربّما يتوهّم أنّهم لو تناولوه وسعوا فيه واكتسبوه بلغوا الحدّ الذي يتأتّى منهم الإتيان بما أتى به.

«فما الحجّة على الخلق اليوم؟» أي كان الحجّة على الخلق في صدق الرّسل معجزاتهم، فما الحجّة عليهم اليوم في صدق من يجب اتّباعه وتفترض‏ (5) طاعته حيث لا يعرف المعجزة الظاهرة؟ فقال (عليه السلام): «العقل يعرف به الصادق على اللَّه فإنّ بعد نزول الكتاب وانضباط الآثار الثابتة عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) يعرف بالعقل الصادق على اللَّه [فإنّ‏ (6) بعد نزول‏

____________

(1). ما أثبتناه من المصدر، وفي «ب» و «ج»: «إرادة» بدل «أداة».

(2). في المصدر: «يستكمل» بدل «يستعمل».

(3). أضفناه من المصدر.

(4). في المصدر: «العصر» بدل «العصا».

(5). في «ب» و «ج»: «يفترض».

(6). في المصدر: «فإنّه».

275

الكتاب وانضباط الآثار الثابتة عن النبيّ يعرف بالعقل الصادق على اللَّه‏] (1) عن الكاذب عليه؛ فإنّ الصادق على اللَّه عالم بالكتاب، راعٍ له، متمسّك بالسنّة، حافظ لها، والكاذب على اللَّه تارك للكتاب، غير عالم به، مخالف للسنّة بقوله وفعله‏ (2). انتهى.

حمله‏ (3) السحر على ما حمله على خلاف الظاهر والسياق، إلّاأنّ تكلّفه أكثر من تكلّف الحذف. وبقوله وفعله على غير الإماميّ لا سيّما على القدريّ القائل بكشف الحقائق بالرياضة الكاملة ولو كانت على خلاف الشرع، والامتناع بنصّ الشارع عن أكل اللّحم عمداً ثلاثة أيّام دلالة ضعف الإيمان، ويوجب الأذان على الإذن لو امتدّ إلى أربعين يوماً.

الحديث الحادي والعشرون‏

روى في الكافي عن الاثنين‏ (4)، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنِ الْمُثَنَّى الْحَنَّاطِ، عَنْ قُتَيْبَةَ الْأَعْشى‏، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مَوْلىً لِبَنِي شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا، وَضَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَلى‏ رُؤُوسِ الْعِبَادِ، فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وَكَمَلَتْ بِهِ أَحْلامُهُمْ».

هديّة:

«وضع السلطان يده على رؤوس رعيّته»: كناية عن شمول رعايته لهم بالمرحمة وعموم عطوفته لهم بالمعدلة. والإمام الظاهر يد اللَّه الظاهرة.

(فجمع بها عقولهم) عبارة عن رفع الاختلاف فيما بين الناس واتّفاقهم على دين واحد بحيث يعدّ المخالف كالمعدوم، كما في زمن قوّة الإسلام بنور النبيّ (صلى الله عليه و آله).

«كمل عقله» كنصر، وحسن، وعلم، ويتعدّى بالإفعال، والتفعيل، والواسطة.

____________

(1). ما بين المعقوفتين لم يرد في «الف و ب».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 72- 73.

(3). في «ب» و «ج»: «بحمله».

(4). يعني: «الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد».

276

و «الحلم» بالكسر: العقل.

وقال بعض المعاصرين في بيان هذا الحديث: وهاهنا أسرار لطيفة لا يحتملها الأفهام، ولا رخصة في إفشائها (1) [للأنام‏] (2) انتهى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«فجمع» على المعلوم من باب منع، والمستتر للَّه. أو على ما لم يسمّ فاعله. ويؤيّد الأوّل المغايرة بين الفعلين بالتذكير والتأنيث.

و «اليد» عبارة عن الرحمة والتوفيق، ومرويّ: «أنّ كلّ مؤمن في زمن ظهور الصاحب (عليه السلام) يعطى له قوّة أربعين رجلًا». (3)

ف «الأحلام» بمعنى الأبدان أنسب هنا. والمراد ب «جمع العقول» تقويتها بحسب تزايد الوسع لكلّ منها.

وضمير «بها» لليد، و «الباء» للسببيّة، أو للرؤوس، و «الباء» بمعنى «في».

«وكملت» على المعلوم من باب حسن، ونصر، وعلم. وضمير «به» لمصدر «جمع»، أو لمجموع مصدر «وضع» و «جمع».

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«وضع اليد» كناية عن إنزال الرحمة، والتقوية بإكمال النعمة.

«فجمع بها عقولهم»، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعل عقولهم مجتمعين على الإقرار بالحقّ، فلا يقع بينهم اختلاف ويتّفقون على التصديق. والآخر: أنّه يجمع عقل كلّ واحد منهم ويكون جمعه باعتبار مطاوعة القوى النفسانيّة للعقل، فلا يتفرّق لتفرّقها.

«وكملت به أحلامهم». تأسيس على الأوّل، وتأكيد على الثاني. (4)

الحديث الثاني والعشرون‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ‏ (5)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ‏

____________

(1). في «الف»: «إنشائها».

(2). الوافي، ج 1، ص 115.

(3). كامل الزيارات، ص 233- 234، ح 348؛ الخصال، ص 541، أبواب الأربعين، ح 14؛ بحار الأنوار، ج 51، ص 35، ح 4؛ و ص 317، ح 12.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 73- 74.

(5). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

277

إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ النَّبِيُّ (عليه السلام)، وَالْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَبَيْنَ اللَّهِ الْعَقْلُ».

هديّة:

يعني حجّة اللَّه على الإمام في معرفة الإمام إنّما هو النبيّ المبلّغ المصدّق بالمعجزات الظاهرة، والآيات القاهرة، والدلالات الباهرة. والحجّة بينهم وبين اللَّه هو العقل القابل للمعرفة الفطريّة بشواهد الربوبيّة على ما بيّناه مراراً في شرح الخطبة وغيرها، ثمّ المعرفة (1) الدينيّة معرفة الحجّة بالدلالات، وقبول قوله في كلّ ما جاء به من عند اللَّه على ما ضبطه العقول، عقلًا عن العاقل عن اللَّه ربّ العالمين، فامتازت الناجية من البضع والسبعين، فقول بعض المعاصرين في بيان هذا الحديث: إنّ الإيمان بالمعجزة دين اللئام ومنهج العوامّ؛ وأهل البصيرة لا يقتفون إلّابانشراح الصدور وبنور اليقين‏ (2)، اقتباس من مقالات القدريّة المدّعين لحصول الكشف بالرياضة، وسلمان وأبو ذرّ وغيرهما من عظماء الدِّين أسلموا بالمعجزة. وانشراح الصدر من دون معجزة خاصّ من المدبّر الحكيم تعالى تدبيره عن الفسادات والسخافات، وتقدّس تقديره عن السفسطة والخرافات.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

يعني حجّة اللَّه على العباد ظاهراً النبيّ (صلى الله عليه و آله) لما أتى بمعجز القرآن، والحجّة عليهم باطناً العقل الذي به يعرف من نزل عليه القرآن، ومن هو الإمام الحقّ في‏ (3) كلّ زمان من الأزمان بمحكمات القرآن.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

____________

(1). في «ب» و «ج»: «للمعرفة».

(2). الوافي، ج 1، ص 112.

(3). في «الف»: «إلى».

278

«حجّة اللَّه على العباد النبيّ». هنا معنى واحد، وقد عبّروا عنه (عليهم السلام) بعبارات ثلاث: الاولى: أنّ للَّه‏على الخلق حجّتين ظاهرة وباطنة. والثانية: الحجّة على الخلق اليوم العقل، يُعرف به الصادق على اللَّه، والكاذب على اللَّه. والثالثة:

هذه العبارة.

ومعنى الكلّ واحد، وهو أنّ التكاليف إنّما تتعلّق بالمكلّف بعد أن يجتمع فيه أمران:

أحدهما: أن يخلق اللَّه تعالى فيه الغريزة التي لولاها لم يفهم الخطاب، ولم يميّز بين الخطأ والثواب. وثانيهما: أن تصل إليه دعوة النبيّ الخلق إلى اللَّه تعالى.

ثمّ اعلم، أنّه يستفاد من الأحاديث أنّ المرتبة الكاملة من العقل التي قدّرها اللَّه تعالى لكلّ أحد إنّما يفيضها عليه إذا كملت له ثمانية عشر سنة. ويستفاد أيضاً أنّ المرتبة الناقصة التي هي مناط تعلّق التكاليف به إنّما يفيضها عليه إذا كملت له خمسة عشر سنة (1). انتهى.

بيانه: هذا نظير ما بيّناه مراراً في بيان المعرفة الفطريّة والدينيّة، إلّاأنّه لا يوافق ظاهراً بيانه في بيان فقرات الثاني عشر، منها قوله (عليه السلام): «دلّهم على ربوبيّته بالأدلّة». (2)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

أي الحجّة الموصلة للعباد إلى السعادة والنجاة بعد الاعتقاد بإلهيّته تعالى هو النبيّ (صلى الله عليه و آله)، والحجّة فيما بين العباد وبين اللَّه الموصلة للعباد إلى معرفة اللَّه والتصديق به هو العقل.

ويحتمل أن يكون المراد أنّ حجّة اللَّه على العباد- أي ما يقطع به عذرهم فيبكتهم- اللّطفُ بهم بإرسال النبيّ، والمتوسّط في الإيصال إلى معرفته تعالى ومعرفة الرسول، والطريق إلى المعرفة بين العبد (3) وبين اللَّه هو العقل، ويناسب هذا إيراد لفظة «على» أوّلًا وتركها ثانياً (4). انتهى.

«بكته» كنصر: ضربه بالسيف والعصا، واستقبله بما يكره، ك «بَكّته». و «التبكيت»:

التقريع والغلبة بالحجّة.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 88- 89.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 87.

(3). في «ب» و «ج»: «العباد».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 74.

279

الحديث الثالث والعشرون‏

روى في الكافي وقال: عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «دِعَامَةُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلُ، وَالْعَقْلُ مِنْهُ الْفِطْنَةُ وَالْفَهْمُ وَالْحِفْظُ وَالْعِلْمُ، وَبِالْعَقْلِ يَكْمُلُ، وَهُوَ دَلِيلُهُ وَمُبْصِرُهُ وَمِفْتَاحُ أَمْرِهِ، فَإِذَا كَانَ تَأْيِيدُ عَقْلِهِ مِنَ النُّورِ، كَانَ عَالِماً، حَافِظاً، ذَاكِراً، فَطِناً، فَهِماً، فَعَلِمَ بِذلِكَ كَيْفَ، وَلِمَ، وَحَيْثُ، وَعَرَفَ مَنْ نَصَحَهُ وَمَنْ غَشَّهُ، فَإِذَا عَرَفَ ذلِكَ، عَرَفَ مَجْرَاهُ وَمَوْصُولَهُ وَمَفْصُولَهُ، وَأَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ وَالْإِقْرَارَ بِالطَّاعَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذلِكَ، كَانَ مُسْتَدْرِكاً لِمَا فَاتَ، وَوَارِداً عَلى‏ مَا هُوَ آتٍ‏ (1)، ويَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ، وَلِأَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ هاهُنَا، وَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ، وَإِلى‏ مَا هُوَ صَائِرٌ؛ وَذلِكَ كُلُّهُ مِنْ تَأْيِيدِ الْعَقْلِ».

هديّة:

«الدعامة» بالكسر: العماد، وما يعتمد عليه، والأصل الّذي ينشأ منه الفروع. عماد الشي‏ء، ودعامته، وقوامه؛ بمعنى.

يعني إنسانيّة الإنسان العقل.

(والعقل منه الفطنة) أي التفطّن بانحصار الأعلميّة بما هو الحقّ في هذا النظام العظيم بعد مدبّره العليم الحكيم في العاقل عنه؛ لعصمته المقدّرة لحِكَم ومصالح شتّى، وانحصار العمل بقوله فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة، و «فهم» قوله بأنّه في ضروريّات الدِّين بالنظر إلى الجميع على السواء، من دون رموز وكنايات ومعمّيات ومبدعات‏ (2) كالشمس في الضحى بالنظر إلى جميع أنظار الأصحّاء.

و «حفظ حديثه، والعلم به»، أي القطع بما قاله، وأخبر به عن اللَّه سبحانه.

(وبالعقل يكمل) إنسانيّة الإنسان، أي معرفته الدينيّة.

و «المبصر» كمنبر: آلة البصارة والبصيرة. وكمنصب: الحجّة.

(فإذا كان تأييد عقله من النور) أي من نور الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه (كان‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:-/ «و».

(2). في «ب» و «ج»: «خيدعات».

280

عالماً) بما عقل عن العاقل عن اللَّه، قاطعاً بحقّيّته، وبأنّه لا قطع بحقيّة غيره (حافظاً) لما أخذ منه، (ذاكراً) للَّه‏سبحانه على ما أمر به، شاكراً مطيعاً بطاعة مفترض الطاعة، (فطناً) في المعارف الدينيّة التي منها معرفة أعداء الدِّين، (فهماً) أنّه متفرّد بذلّ المخلوقيّة والعبوديّة كسائر المخلوقات، كما أنّ الربّ تبارك وتعالى متوحّد بعزّ الخالقيّة، وتدبير الجميع.

(فعلم بذلك كيف) أي خصوصيّة كلّ شي‏ء على ما عقل عن العاقل عن اللَّه، وكذا «لمّه»، و، وجهه، ومصلحته، و «حيثه» ومنزلته، و (عرف) موافقه ومنافقه.

(فإذا عرف ذلك، عرف مجراه) بأنّ الدنيا إنّما هي مجرى وطريق إلى الآخرة.

و «الموصول» عبارة عن الأعمال الصالحة الباقية. و «المفصول» عن حطام الدنيا والحياة الفانية.

(والإقرار بالطاعة) أي طاعة مفترض الطاعة.

(ووارداً على ما هو آت) أي مسروراً شاكراً، وآخر دعواهم فيها أن الحمد للَّه‏ربّ العالمين.

(ويعرف ما هو فيه) نظير الحديث الذي قد سبق ذكره من أنّ: «للمعرفة أركاناً أربعة؛ معرفة اللَّه، ومعرفة العبد نفسه، ومعرفته أنّه لماذا خُلِق، ومعرفة عدوّ دينه».

فالمعنى: ويعرف ما هو فيه من الأمر الحقّ ويقطع به، ويعرف أنّه خلق للمعرفة والعبوديّة للَّه‏ربّ العالمين، وأنّه خُلق بعد أن لم يكن أصلًا من ماء مهين بصنع أحسن الخالقين، وأنّه صائر إلى الحقّ إلى الموت إلى القبر إلى عقبات البرزخ إلى الموقف محشوراً بعد كونه رميماً، ثمّ إلى منازل الموقف المنتهية إلى الصراط المنتهي بأهل النار إلى النار وبأهل الجنّة إلى الجنّة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«والعقل منه الفطنة»، يعني بعيوب أئمّة الضلال من محكمات القرآن.

«والفهم»، يعني فهم منزلة الإمام الحقّ.

281

«والحفظ»، يعني رعاية الأدب في تناول متشابهات القرآن والسنّة.

«والعلم»، يعني تعلّم المسائل الدينيّة من الإمام الحقّ.

«وهو دليله»، أي مُهديه. (1)

«ومبصره» بفتح ميم، أي حجّته، أو بكسرها، أي آلة البصيرة.

«كان عالماً»؛ أي بمسائل الدِّين.

«حافظاً»، أي راعياً لآدابه في الأحكام بالاجتناب عن العمل بالرأي.

«ذاكراً»، أي مادحاً للإمام الحقّ.

«فطناً»: ذامّاً على أئمّة الضلال.

«فهماً» قول الإمام الحقّ.

«فعلم بذلك»، أي بسبب الاتّصاف بالأوصاف المذكورة «كيفيّة» حال الامّة بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله) وعلّة افتراقها من إيثار الفاني على الباقي ونحو ذلك ومكان الإمامة الحقّة.

«وعرف مَن نصحه»، وهو الإمام الحقّ وشيعته.

«ومن غشّه»، وهو الإمام الباطل وتبعته.

«عَرَفَ مَجْرَاهُ»، أي سلوكه مع الناس ومن ينبغي مواصلته ومن يجب مفارقته.

«وَأَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ»، بنفي الشريك في الحكم، قال اللَّه في سورة الأنعام، وسورة يوسف في آيتين فيها: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» (2).*

«مُسْتَدْرِكاً لِمَا فَاتَ»، أي من الآداب الحسنة من البين بسبب العمل بالظنّ والرأي.

«وَوَارِداً عَلى‏ مَا هُوَ آتٍ»، أي قاطعاً طريق الشيطان القاصد للإتيان للفساد في الدِّين.

«ويَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ» من المذهب الحقّ؛ يعني بشواهد الربوبيّة ومحكمات القرآن، وأنّه «لأيّ شَيْ‏ءٍ هُوَ» في المذهب الحقّ، وأنّ عدوّه المبين من أيّ الطريق يأتيه، وأنّ عدوّه «إِلى‏ مَا هُوَ صَائِرٌ» من الشبهات.

وجميع ما ذكرناه هنا على الاحتمال. وفي الشافي ذكرنا احتمالًا آخر. (3)

____________

(1). في «ب» و «ج»: «هاديه».

(2). الأنعام (6): 57؛ يوسف (12): 40 و 67.

(3). شرحه على الكافي المسمّى ب «الشافي» لم يطبع بعدُ، وسيطبع في مركز بحوث دار الحديث.

282

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الدّعامة» بكسر الدال: عماد البيت، والخشب المنصوب للتعريش. والمراد أنّ قيام أمر الإنسان ونظام حاله بالعقل، فكلّ من لم يكن عاقلًا يكون ساقطاً غير منتظم الأحوال.

ويمكن أن يكون بالنظر إلى النوع، فلولا العقل لما بقي النوع؛ لأنّ الغرض من إيجاد الإنسان المعرفة التي لا تحصل إلّابالعقل، «والعقل» يحصل أو ينشأ «منه» الفطنة، والفهم، والحفظ، والعلم». وهذا إلى قوله: «فإذا كان تأييد عقله» كالدليل لسابقه؛ أي إذا كان تقوية عقله- أي الحالة التي للنفس باعتبار الاتّصال والارتباط بالجوهر المفارق المخلوق أوّلًا- من النّور؛ أي ذلك المخلوق الأوّل الذي ذكر سابقاً أنّه خلقه من نوره، وذلك التأييد بكمال إشراقه عليها.

ولعلّ المراد أنّه إذا كان عقله متقوّياً بذلك الإشراق، كان جامعاً لهذه الصفات بكماله‏ (1) ولو لم يتعلّم، وإذا كان غير متأيّد به كان له بعضها أو بعض المراتب منها. ويبلغ بالتعلّم والاكتساب إلى الكمال المتيسّر له‏ (2). انتهى.

الأصوب في‏ (3) بيانه تعميم التأييد؛ ليشمل تأييد الحجّة المعصوم المحصور عدده، وتأييد العاقل عن العاقل عن اللَّه تبارك وتعالى.

الحديث الرابع والعشرون‏ (4)

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ‏ (5)، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «الْعَقْلُ دَلِيلُ الْمُؤْمِنِ».

هديّة:

____________

(1). في المصدر: «بكمالها».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 74- 75.

(3). في «الف»: «ما».

(4). في «الف»:-/ «الحديث الرابع والعشرون».

(5). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

283

أي (العقل) المؤيّد من عند اللَّه هادي المؤمن إلى معرفة الهادي عن اللَّه إلى النجاة.

قال برهان الفضلاء: يعني هاديه إلى اللَّه والرسول (صلى الله عليه و آله).

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله): يعني لا إيمان لمن لم يعرف الإمام الحقّ.

الحديث الخامس والعشرون‏ (1)

روى في الكافي عن الإثنين عن الْوَشَّاءِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): يَا عَلِيُّ، لا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ، وَلَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ».

هديّة:

«السّرو» من الأشجار، الواحدة: سروة. و «السّرو» أيضاً: سخاء في مروّة، هو سَرِيّ كسخيّ.

يعني، لا فقر أضرّ من الجهل بالمآل، وكذا لا مال أنفع من العقل.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: «لا» لنفي الجنس. و «فقر» مبنيّ على الفتح. و «أشدّ» مرفوع وخبر «لا» و «أعود» من العائدة، وهي المنفعة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

لأنّ الجاهل فاقد ما يوصل إلى المنافع، ويكون دليلًا على معرفتها واختيارها واقتنائها، بل جهله يوصل‏ (2) إلى المضارّ والمناقص ويوجب اختيارها.

«ولا مال أعود»؛ أي أنفع «من العقل»؛ لأنّ المال كالآلة لمن يريد الخير والنافع في الوصول إليهما، والعقل هو الدليل الموصل إلى المنافع والمصالح، وبه معرفتها واختيارها واقتناؤها. (3)

الحديث السادس والعشرون‏ (4)

روى في الكافي بإسناده: عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)،

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث الخامس والعشرون».

(2). في المصدر: «يوصله».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 75- 76.

(4). في «الف»:-/ «الحديث السادس والعشرون».

284

قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ، قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، فَقَالَ لَهُ‏ (1): وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ، إِيَّاكَ آمُرُ، وَإِيَّاكَ أَنْهى‏، وَإِيَّاكَ أُثِيبُ، وَإِيَّاكَ أُعَاقِبُ».

قد سبق بيان نظيره مفصّلًا، وهو الأوّل في الباب.

الحديث السابع والعشرون‏ (2)

روى في الكافي عن العدّة: عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ أَبِي مَسْرُوقٍ النَّهْدِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): الرَّجُلُ آتِيهِ وَأُكَلِّمُهُ بِبَعْضِ كَلَامِي، فَيَعْرِفُهُ كُلَّهُ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ آتِيهِ فَأُكَلِّمُهُ بِالْكَلَامِ، فَيَسْتَوْفِي كَلَامِي كُلَّهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيَّ كَمَا كَلَّمْتُهُ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ آتِيهِ فَأُكَلِّمُهُ بالكلام‏ (3)، فَيَقُولُ: أَعِدْ عَلَيَّ؟

فَقَالَ: «يَا إِسْحَاقُ، وَمَا تَدْرِي لِمَ هذَا؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «الَّذِي تُكَلِّمُهُ بِبَعْضِ كَلَامِكَ، فَيَعْرِفُهُ كُلَّهُ، فَذَاكَ مَنْ عُجِنَتْ نُطْفَتُهُ بِعَقْلِهِ؛ وَأَمَّا الَّذِي تُكَلِّمُهُ، فَيَسْتَوْفِي كَلَامَكَ، ثُمَّ يُجِيبُكَ عَلى‏ كَلَامِكَ، فَذَاكَ الَّذِي رُكِّبَ عَقْلُهُ‏ (4) فِي بَطْنِ أُمِّهِ؛ وَأَمَّا الَّذِي تُكَلِّمُهُ بِالْكَلَامِ، فَيَقُولُ: أَعِدْ عَلَيَّ، فَذَاكَ الَّذِي رُكِّبَ عَقْلُهُ فِيهِ بَعْدَ مَا كَبِرَ، فَهُوَ يَقُولُ لَكَ: أَعِدْ عَلَيَّ».

هديّة:

«نهد» بفتح النون وسكون الهاء: قبيلة من اليمن.

«ببعض كلامي» أي كلامي الحقّ، أو علم الكلام الحقّ. وغرض السائل السؤال عن لِمَ التفاوت في مراتب عقول الخاصّة وتذكّرهم.

«فيستوفي كلامي» أي أخذه فهماً وحفظاً كما سمع.

«وما تدري» على الإخبار، واحتمال الاستفهام كما ترى. «عجنت المرأة» كنصر واعتجنت، بمعنى، أي أخذت عجيناً.

____________

(1). في الكافي المطبوع:-/ «له».

(2). في «الف»:-/ «الحديث السابع والعشرون».

(3). في الكافي المطبوع:-/ «بالكلام».

(4). في الكافي المطبوع:+/ «فيه».

285

«كبر» الرجل كعلم كبراً كصغراً: سنّ.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«الرجل آتيه» من المؤمنين. و «الكلام» هنا أعمّ من اللغوي وغيره. «وما تدري» على الإخبار، أي هذا أيضاً توبيخاً له، وهو من الفطحيّة، إلّاأنّه لا كلام في ثقته. وله أصلٌ معتمد عليه، وتفرّد النجاشي بما قال فيه من: أنّ الأقوى التوقّف فيما ينفرد به.

«عجنت نطفته بعقله»، أي في صلب أبيه.

وقال الفاضل الاسترآبادي:

«من عجنت» يعني من كان عاقلًا في ظهر أبيه، ومَن صار عاقلًا في بطن امّه، ومن اكتسب العقل من الناس.

وقصده (عليه السلام) أن يتكلّم السائل على قدر عقله. والمقصود أنّ هذا يرجع إلى اختلاف الأنفس في الاستعدادات الذاتيّة، وإليه ناظر قوله (صلى الله عليه و آله): «الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة، خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام» (1). (2) انتهى.

لا يخفى ما في قوله: «في الاستعدادات الذاتيّة». وستسمع جوابه في آخر هذه الهديّة.

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

«ببعض كلامي» الذي اريد أن اكلّمه بكلّه فيعرف كلّه، ما كلّمته به وما لم اكلّمه به. ثمّ ذكر القسمين الآخرين، أي الذي يفهم ما كلّمه به ويضبطه.

«ثمّ يردّه»، أي الكلام عليه ويجيبه.

«كما كلّمه»، أي على وفق كلامه عند المباحثة. أو المراد ردّ كلامه عليه، كما هو عند الإعلام والإفهام، والذي لا يفهم ما كلّمه به، أو يفهم ولا يضبطه.

ومقصوده: إظهار خفاء سبب هذا الاختلاف بين الإفهام عليه والسؤال عنه، فأتى (عليه السلام) أوّلًا بإظهار ما هو مقصوده بقوله: «وما تدري لِمَ هذا» بالعاطف على كلامه، فصدّقه السائل بقوله: «لا»، أي لا أدري لِمَ هذا.

____________

(1). بحار الأنوار، ج 64، ص 121؛ كنزل العمّال، ج 10، ص 149، ح 28761. وقريب منه في الكافي، ج 8، ص 177، ح 197.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 89.

286

ويحتمل أن يكون قوله: وما تدري استفهاماً، أي أو ما تدري؟ لكن لا يحسن الواو حينئذٍ، فإنّه لا وجه للعطف، ولا حسن للاستئناف.

ثمّ شرع (عليه السلام) في بيان سبب الاختلاف فقال: «الذي تكلّمه»، وهو أوّل ذكره‏ (1) السائل.

«من عجنت نطفته بعقله»؛ أي خلقت النفس المتعلّقة ببدنه المناسبة له على هيئة كماليّة تناسب العقل، فيشتدّ ارتباطها به، ويقوى إشراقه عليها وتتّصل به.

ثمّ قال (عليه السلام): «وأمّا الذي تكلّمه فيستوفي كلامك، ثمّ يجيبك على كلامك»؛ أي يكلّمك بكلام على طبق كلامك.

«فذاك الذي ركّب عقله فيه‏ (2) في بطن امّه»، أي حصل لنفسه ذلك الارتباط، واستحكم فيه بالإشراق بعد التعلّق بالبدن بالقابليّة الحاصلة لها باعتباره، متضمّنة إلى مالها في نفسها.

ثمّ قال: «وأمّا الذي يكلّمه بالكلام فيقول: أعد عليَّ، فذاك الذي ركّب عقله فيه بعدما كبر»؛ أي استحكم فيه ذلك الارتباط بعد استكمال الحواسّ وحصول البديهيّات والمبادئ، فما للثالث يكون للثاني على الوجه الأتمّ مع زيادة، ومالهما يكون للأوّل على الوجه الأكمل مع زيادة (3). انتهى.

قيل: «الواو» في مثل «أوما تدري» على الاستفهام من الزيادات للتأكيد.

ويستشمّ من سائر بيان السيّد (رحمه الله): ابتناؤه على أصل من اصول الفلاسفة من أنّ الآثار والارتباطات باقتضاء الطبائع وإيجاب الفاعل، إلّاأنّه صرّح في مواضع من إفاداته ببطلان الإيجاب وثبوت اقتضاء الطبيعة، إن شاء اللَّه وأذِن.

الحديث الثامن والعشرون‏ (4)

روى في الكافي عن العِدَّةٌ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ بَعْضِ مَنْ رَفَعَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَلَا تُبَاهُوا بِهِ حَتّى‏ تَنْظُرُوا

____________

(1). في المصدر: «من ذكره».

(2). في «الف»:-/ «فيه».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 76- 77.

(4). في «الف»:-/ «الحديث الثامن والعشرون».

287

كَيْفَ عَقْلُهُ».

هديّة: (1)

أي كثير الطاعة المشروعة، والمباهاة المفاخرة.

(كيف عقله) أي حجّة دينه، وطاعته بطاعة مفترض الطاعة.

قال برهان الفضلاء: أي معرفته للحقّ.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لا تباهوا» من المباهاة، بمعنى المفاخرة، أي لا تفتخروا بكونه كثير العبادة ولا تعدّوه من المفاخر.

ويحتمل أن يكون من بَهَأَ به بهاءً، مهموز اللّام، مخفّف «لا تباهئوا» أي لا تؤانسوا به حتّى تنظروا كيف عقله؛ فإنّه لا فخر بما ليس معه عقل، فإنّ كلّ حُسن مستورٌ بقبح الجهل، مضمحلّ معه. ومؤانسة غير العاقل غير مرضيّ عند العاقل‏ (2). انتهى.

في القاموس بَهَأَ به- مثلّثة الهاء- بهاءً وبُهُوءاً: أنس، ك «ابْتَهَأَ) (3).

الحديث التاسع والعشرون‏ (4)

روى في الكافي عن بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

«يَا مُفَضَّلُ، لَايُفْلِحُ مَنْ لَايَعْقِلُ، وَلَا يَعْقِلُ مَنْ لَايَعْلَمُ، وَسَوْفَ يَنْجُبُ مَنْ يَفْهَمُ، وَيَظْفَرُ مَنْ يَحْلُمُ، وَالْعِلْمُ جُنَّةٌ، وَالصِّدْقُ عِزٌّ، وَالجَهْلُ ذُلٌّ، وَالْفَهْمُ مَجْدٌ، وَالْجُودُ نُجْحٌ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ، وَالْعَالِمُ بِزَمَانِهِ لَاتَهْجُمُ عَلَيْهِ اللَّوَابِسُ، وَالْحَزْمُ مَسَاءَةُ الظَّنِّ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَالْحِكْمَةِ نِعْمَةُ الْعَالِمِ، وَالْجَاهِلُ شَقِيٌّ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ وَلِيُّ مَنْ عَرَفَهُ، وَعَدُوُّ مَنْ تَكَلَّفَهُ، وَالْعَاقِلُ غَفُورٌ، وَالْجَاهِلُ خَتُورٌ؛ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُكْرَمَ، فَلِنْ؛ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُهَانَ، فَاخْشُنْ؛

____________

(1). في «الف»:-/ «هديّة».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 77.

(3). القاموس المحيط، ج 1، ص 43 (بَهَأ).

(4). في «الف»:-/ «الحديث التاسع والعشرون».

288

وَمَنْ كَرُمَ أَصْلُهُ، لَانَ قَلْبُهُ؛ وَمَنْ خَشُنَ عُنْصُرُهُ، غَلُظَ كَبِدُهُ؛ وَمَنْ فَرَّطَ، تَوَرَّطَ؛ وَمَنْ خَافَ الْعَاقِبَةَ، تَثَبَّتَ عَنِ التَّوَغُّلِ فِيمَا لَايَعْلَمُ؛ وَمَنْ هَجَمَ عَلى‏ أَمْرٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، جَدَعَ أَنْفَ نَفْسِهِ؛ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَفْهَمْ؛ وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ، لَمْ يَسْلَمْ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْلَمْ، لَمْ يُكْرَمْ؛ وَمَنْ لَمْ يُكْرَمْ، يُهْضَمْ؛ وَمَنْ يُهْضَمْ، كَانَ أَلْوَمَ؛ وَمَنْ كَانَ كَذلِكَ، كَانَ أَحْرى‏ أَنْ يَنْدَمَ».

هديّة:

(لا يفلح) على المعلوم من الإفعال، أي لا ينجو من لا يعرف أنّ النجاة بدون معرفة الإمام محال؛ يعني الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه- وقد انحصرت الأعلميّة بما هو الحقّ في هذا النظام العظيم في مدبّره العليم الحكيم جلّت ثناؤه وتقدّست أسماؤه- وأنّ الإمام روح لقالب هذا النظام، فامتنع خلوّه- ما دام دَوَرانه- عن الإمام.

(ولا يعقل من لا يعرف يعلم) أي لا معرفة لمن لا علم له بالمسائل الدينيّة بتوسّط الإمام.

(وسوف ينجب من يفهم) أي يعدّ من النجباء في الآخرة من يفهم بإفهام الإمام الأنام ما يحتاجون إليه.

و «النجابة» بالفتح: كرامة الذات، والنجيب، وكهمزة: الكريم الحسب. نجب كحسن، وأنجب: عدّ نجيباً. رجل منجب، وامرأة منجبة، ومنجاب: ولدت النجباء.

(ويظفر من يحلم) أي بأعدائه في الجهاد الأكبر، أو بمطالبه المشروعة في الدنيا والآخرة. «ظفر بعدوّه» كعلم، وأظفره اللَّه، وظفره تظفيراً. و «حلم» كحسن، من الحلم- بالكسر- وهو العقل والأناة. والمعنى الأوّل يناسب التفسير الأوّل للظفر، كالثاني الثاني.

(والعلم جنّة) أي العلم المأخوذ بتوسّط الإمام جنّة للقلب الممتحن بالجهاد الأكبر وفتنه.

(والصدق عزّ) في الدنيا والآخرة، والكذب تقيّة ليس بكذب.

(والجهل) بعدم معرفة الإمام (ذلّ) ومغلوبيّة.

289

(والفهم مجد) أي بإفهام الإمام.

(والجود نجح)؛ في بعض النسخ المعتبرة: «والجود بالمال» و «النّجح» بالضمّ، كالنجاح بالفتح: الظفر بالحوائج، نجح‏ (1) كنصر.

و «المجلبة» بالفتح: من أسماء المكان من باب نصر وضرب للكثرة.

«والعالم بزمانه) أي بأطوار زمانه، وأوضاع أبناء دهره.

«هجم عليه» كنصر دخل بغتةً فأحاطه وغشيه.

و (اللّوابس): الملبسات من الشبهات، والأغاليط، وخطوات الشيطان كالتي ألقت المخالفين في المهالك من المناقب المذكورة في كتبهم لطواغيتهم، كالاصطحاب، والمعاونة والمجاورة وغير ذلك.

(والحزم): إحكام الأمر وضبطه قبل أن يتطرّق إليه فساد «سوء الظنّ» بما هو مخالف ظاهراً لما هو مقطوع بحسنه واجب حتّى تظهر حقيقته، وتظهر؛ إذ لا يدفع اليقين بالشكّ، ومن احتاط فضبط أمره على تقدير مساءة معاشره مثلًا قبل ظهور حقيقة حاله له، وعاشر معه بمقتضى حسن ظنّه به فهو حازم.

ولا منافاة بين مساءة الظنّ بترك الإضرار والاحتياط منه.

(وبين المرء والحكمة نعمة العالم، والجاهل شقيّ بينهما)، يعني الواسطة المصلح الموجب للمواصلة بين المرء وما هو العلم حقّاً إنّما هو التشيّع ومعرفة الإمام، فجرى (عليه السلام) في التعبير عن التشيّع بالنعمة على نسق القرآن، ونظير قوله تبارك وتعالى:

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» (2) كثير في الكتاب الكريم.

ووجه إضافتها إلى العالم بمعنى الإمام ظاهر.

و «الجاهل» أي غير الشيعة أجنبيّ بمعزل عنهما. وللعبارة وجوه سنذكر طائفة منها إن شاء اللَّه تعالى‏.

____________

(1). في «الف»:-/ «نجح».

(2). المائدة (4): 3.

290

(واللَّه وليّ من عرفه) كما عرّف به نفسه، وأخبر به الحجّة المعصوم العاقل عنه سبحانه. والعبارة كناية عن أنّ وليّ اللَّه إنّما هو المؤمن باللَّه واليوم الآخر، على ما هو الحقّ عقلًا عن الحقّ، وأنّ عدوّ اللَّه غير الموصوف حكاية أمر البسطامي من القدريّة بأمر اللَّه سبحانه مريديه أن يضربوه بالسكاكين والخناجر عند وجده وتكلّمه بكلمات الكفر.

وكذا حكاية رؤيا الحلّاج منهم حصناً حصيناً لا خلل فيه إلّابقدر رأسه الذي سيقطع ويوضع في ذلك الخلل لسدّه.

وفي قوله (عليه السلام): (وعدوّ من تكلّفه) إشارة لطيفة إلى تكلّف القدريّة العرفان بالاتّصال والاتّحاد.

(والعاقل غفور). في بعض النسخ المعتبرة: «والعالم» مكان «والعاقل». عبّر (1) (عليه السلام) عن الحليم بالغفور كناية؛ للمبالغة، وأكّد بصيغتها.

و «الختور»: فعول من الختر، وهو الغدر والخديعة. قال في القاموس: أو أقبح الغدر كالختور بالضمّ. (2)

وضبط في بعض النسخ بالثّاء المثلّثة من الخثورة، وهي نقيض الرقّة. لبن خثور خاثر جدّاً، أي غليظ بيّن الغلظة.

(خشن) ككرم.

و «عنصر الشي‏ء» بالضمّ أصله. والمراد هنا السجيّة والطبيعة.

و «الكبد» بالفتح ويكسر، وككتف يذكّر ويُؤنّث. كأنّه هنا تعبير عن القلب؛ إيماءً إلى أنّ الجاهل لا قلب له، وأكثر إطلاق القلب إلى محلّ الإيمان. قال اللَّه تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» (3).

(ومن فرّط تورّط) أي من قصّر في طلب الخير والنجاة بطاعة مفترض الطاعة وقع‏

____________

(1). في «ب»: «عبّر عنه». ولعلّ الصحيح ما أثبتناه.

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 489 (ختر).

(3). ق (50): 37.

291

في ورطات الشرّ والهلاك.

و «التثبّت» كالتوقّف لفظاً ومعنىً.

و (التوغّل): الدّخول في الشي‏ء مستعجلًا بتمام البدن.

(فيما لا يعلم) أي فيما لا علم له به عن الإمام الحقّ.

و «الجدع» بالجيم والمهملتين: قطع الأنف، وهو كناية عن الخزي والذلّ.

(ومن لم يعلم) عن الإمام (لم يفهم) ما هو الحقّ في هذا النظام.

(يهضّم) على المضارع المجهول من التفعيل، أو الماضي المعلوم من التفعّل، أي يهلك أو هلك.

(كان ألوم) أي ملوماً جدّاً.

«ندم» كعلم ندامةً بالفتح، أي كان أحرى أن يكفّ من اهتمامه بالمخالفة، وزيادة الاهتمام بها توجب اشتداد العقوبة وتضاعفها.

قال برهان الفضلاء:

«والجود» بالمال «نجح»؛ أي سيّما في زمن التقيّة؛ دفعاً لضرر الأعداء.

و «المجلبة» بالفتح: للمكان، من باب ضرب ونصر، للكثرة والمبالغة.

و «اللّوابس»: إشارة إلى شبهات المخالفين بخدمات المرتدّين من الأصحاب في إقامتهم وظعنهم وإعانتهم الإسلام بأموالهم وأنفسهم، ومواصلتهم مع النبيّ (صلى الله عليه و آله)، ومضاجعتهم في جوار مقبرته وغير ذلك من مدائحهم المذكورة في كتب أهل الضلال، كما يجي‏ء في كتاب الروضة بعد حديث نوح (عليه السلام): «واللَّه»، ما أعجب ممّن هلك كيف هلك، ولكن أعجب ممّن نجا كيف نجا؟!» (1) يعني ممّن هلك بعد مضيّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، ولكن أعجب ممّن نجا من فتن ذلك الامتحان العظيم. قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة السبأ: «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (2).

«وبين المرء والحكمة» برفع المضاف و «نعمة العالم» بفتح النون، أي تنعّم‏

____________

(1). الكافي، ج 8، ص 275، ح 415. ولايكون بعد حديث نوح.

(2). سبأ (34): 20.

292

الإمام وسروره.

«والجاهل شقيّ بينهما» بإضافة الشقيّ إلى البين، يعني المواصلة بين المرء. والحكمة سرور الإمام.

والمراد بالحكمة، أخذ العلم عن الإمام، وترك العمل بالظنّ فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف من دون مكابرة وتعاند.

والبارز في «تكلّفه» لمصدر «عرفه».

«لم يسلم» على المعلوم من باب علم.

«لم يكرم» على المعلوم من باب حسن، أو المجهول من الإفعال.

«يهضّم» على الماضي المعلوم من التفعّل.

«ألوم»: افعل التفضيل للمفعول.

«أن يندم» في تقدير: بأن يندم.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله) بخطّه:

«بين المرء والحكمة نعمة العالم» قصده (عليه السلام) الإشارة إلى ما سيجي‏ء مفصّلًا في كلامهم (عليهم السلام) من انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: عالمٌ ربّاني، ومتعلّم منه، وصاحب الجهل. وإلى أنّ العالِم نعمة عظيمة بين المتعلّم وبين الحكمة؛ لأنّه يحلّيه بحلية الحكمة، وصاحب الجهل شقيّ بين المرء وبين الحكمة.

ويمكن أن تكون النعمة مضافة إلى العالم إضافة بيانيّة، وأن يكون العالم مبتدأ متأخّراً عن خبره، وهو النعمة.

والموجود في النسخ كلّها: «والجاهل شقيّ بينهما» وهو ضدّ السعيد. ولا يزال يختلج بالبال أنّ هنا سهواً من قلم ناسخ، وأنّ صوابه: «شفيّ عنهما»، وشفا كلّ شي‏ء: حرفه، على وزن نوي.

والمراد أنّ العالم الربّاني نعمة من اللَّه تعالى على المرء الذي يريد تعلّم الحكمة، وصاحب الجهل المركّب كأصحاب الرأي في طرف عنهما (1). انتهى.

ما خطر بباله (رحمه الله) من الاحتمال كما ترى.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 89- 90.

293

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله):

أفاد شيخنا الشيخ محمّد الحائري سبط الشهيد الثاني رحمهما اللَّه: إضافة «النّعمة» إلى «العالم» بيانيّة، يعني وبين المرء والحكمة وجود العالم نعمة؛ لأنّه يرتبط بينهما بالتعليم والترغيب.

وقال الشيخ بهاء الملّة والدِّين (رحمه الله):

«وبين المرء والحكمة نعمة» مبتدأ وخبر، و «النعمة» بمعنى ما يتنعّم به.

وقوله: «العالم والجاهل شقيّ بينهما» كلام آخر مبتدأ وخبر، و «الشقي» بمعنى التعبان كما في قوله تعالى: «وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى» (1).

وحاصل المعنى: أنّ بين المرء والحكمة نعمة، والجاهل والعالم بين هذه النعمة والحكمة في تعب؛ لأنّ العالم يميل إلى النعمة، وهو من الحرمان عن الحكمة في ألم وتعب، والجاهل يميل إلى النعمة، وهو من الحرمان عن الحكمة في كلفة ونصب.

وقال الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي:

لعلّ المراد أنّ الرجل الحكيم من لدن عقله وتمييزه إلى بلوغه حدّ الحكمة يتنعّم بنعمة العلم ونعيم العلماء، فإنّه لا يزال في نعمة من أغذية العلوم وفواكه المعارف؛ فإنّ معرفة الحضرة الإلهيّة لروضة فيها عينٌ جارية (2)، وأشجارٌ مثمرة قطوفها دانية (3)، بل جنّة عرضها كعرض السماء والأرض‏ (4).

والجاهل بين مبدأ أمره ومنتهى عمره في شقاوة عريضة، وطول أمل طويل، ومعيشة ضنك‏ (5)، وضيق صدر (6)، وظلمة قلب إلى قيام ساعته وكشف غطائه، وفي الآخرة عذاب شديد. (7)

____________

(1). الأعلى (87): 11.

(2). إشارة إلى آية 12 من الغاشية (88).

(3). إشارة، إلى آية 23 من الحاقّة (69).

(4). إشارة إلى آية 21 من الحديد (57).

(5). إشارة إلى آية 124 من طه (20).

(6). إشارة إلى آية 125 من الأنعام (6).

(7). شرح الاصول الكافي، ص 116.

294

وقال بعض المعاصرة من تلامذة هذا الفاضل الشيرازي:

نعمة العالم بفتح النون يعني أنّ الموصل للمرء إلى الحكمة تنعّم العالم، بعلمه، فإنّه إذا رآه المرء انبعثت نفسه إلى تحصيل الحكمة، أو إضافة النعمة بكسر النون بيانيّة، أي العالم الذي هو نعمة من اللَّه سبحانه يوصل المرء إلى الحكمة بتعليمه له إيّاها، والجاهل شقيّ بينهما، أي له شقاوة حاصلة من بين المرء والحكمة أو المتعلِّم والعالم؛ وذلك لأنّه لا يزال يتعب نفسه إمّا بالحسد أو الحسرة على الفوت أو السعي في التحصيل مع عدم القابليّة للفهم. (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لا يفلح من لا يعقل». الفلاح: الفوز والنجاة. والمراد بمن لا يعقل: من لا يتبع حكم العقل، ولا يكون عقله مستولياً على قوى نفسه، ولا يعقل ولا يستولي عقله على قوى نفسه من لا يحصّل العلم ولا يصير ذا علم؛ فإنّه بالعلم من جنوده يحصل له الاستيلاء والغلبة.

«وسوف ينجب من يفهم». النجيب: الفاضل النفيس في نوعه. والمراد أنّه من يكون ذا فهم فهو قريب من أن يصير عالماً، ومن صار عالماً فقريب من أن يستولي ويغلب عقله على قوى نفسه وهواه.

وكذا «يظفر من يحلم»، أي يعقل، أو يكون ذا أناة، وهو من آثار غلبة العقل على القوى الغضبيّة والشهوانيّة، فلا يسرع إلى مقتضاهما، فالظفر بالمقصود والفوز يحصل له عن قريب.

«والعلم جُنّة» أي وقاية من غلبة القوى الشهوانيّة والغضبيّة والدواعي النفسانيّة، ومن أن يلبس عليه الأمر ويدخل عليه الشّبه.

وهذا شروع في ذكر محاسن بعض من جنود العقل، فذكر العلم أوّلًا، ثمّ الصدق من جنوده، فقال: «والصدق عزّ»، أي شرف، أو قوّة وغلبة. والمراد بالصدق هنا الصدق في الاعتقاد، ولذا قابله بالجهل؛ فإنّ الاعتقاد الكاذب جهلٌ، كما أنّ الاعتقاد الصادق علم.

«والفهم مجد» والمجد نيل الشرف والكرم.

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 119- 120.

295

«والجود» بالمال «نجح»، والنجح- بضمّ النون والحاء المهملة بعد الجيم-: الظفر بالحوائج.

و «المجلبة»: إمّا مصدر ميمي حمله على حسن الخلق، كما حمل سائر المصادر السابقة على سائر الصفات مبالغة، أو اسم مكان، والأوّل أوفق بنظائره.

ولمّا ذكر أنّ العقل بجنوده من العلم، والفهم والصدق مناط الفلاح والعزّ والمجد، وكان فيه الدلالة على بطلان الطواغيت؛ لجهلهم وخلوّهم من الفهم والصدق والعلم وانقياد العقل، بل اتّبعوا أهواءهم، فادّعوا لأنفسهم ما ليس لهم، وتركوا الحقّ وأهله وظلموهم، فكان مظنّة توهّم أنّه كيف يجوز على الجمع الكثير كثرةً لا يخرج عنها إلّاقليلٌ نادر مثلُ هذا الاتّفاق على ترك الحقّ مع ظهوره عليهم أو على أكثرهم، واتّباع الأهواء والابتداع الآراء الباطلة؟! فأزال (عليه السلام) هذا الوهم بقوله: «والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»، أي لايدخل عليه الشبهات.

أو المراد من الهجوم: الدخول بقوّة وغلبة؛ فإنّ العالم بزمانه يعرف أنّ أهل الزمان مع كثرتهم وبلوغهم أضعاف اولئك قلّما يرى في جماهيرهم ووجوه مشاهيرهم من لا يستكبر عن الإقرار بالحقّ ولا يتّبع هواه، حتّى من يبالغ منهم في السداد وإظهار الصلاح والتقوى والفلاح، فانضمّ فيهم الإضلال إلى الضّلال، وتقوّى ضلالهم بالإضلال.

وعسى أن يكون الإقرار بالحقّ والانقياد له عند القليل النادر المتروك عندهم، المذموم لديهم، المحسود لهم، فيبغضونه للتعازف‏ (1) الذي بينهم، وينكرونه؛ تقويةً لباطلهم، وترويجاً له، كما كان في أسلافهم حذو النعل بالنّعل، بل البَطَلَة من أهل هذه الأزمان أسوء حالًا وأشدّ خسراناً من اولئك الظلمة من السابقين؛ حيث لا ينالون باستكبارهم عن الحقّ ما نالوه من الدنيا، بل شروا الحقّ بثمنٍ بخس؛ تسلية أنفسهم بإخفاء الحقّ والتلبيس على الحمق والوجاهة عندهم.

ثمّ لمّا كان مظنّة أن يقال: الظنّ بالسلف أنّهم مثل أبناء هذه الأزمان بل تجويز ذلك من سوء الظنّ بهم، فقال (عليه السلام): «والحزم مساءة الظنّ». الحزم: إحكام الأمر وضبطه والأخذ

____________

(1). في المصدر: «للتعارف» بالراء المهملة.

296

فيه بالثقة، والمساءة: مصدر ميميّ.

والمراد أنّ إحكام الأمر وضبطه والأخذ بالثقة وتحصيل العلم فيه يوجب سوء الظنّ بهم، أو يترتّب على سوء الظنّ بهم وتجويز كونهم مثل هؤلاء؛ فإنّه لو لم يجوّز ذلك لحسن الظنّ بهم لم يُتّبع ولم يُسْعَ في طلب معرفة الحقّ، فلا يحصل له العلم بالحقّ، فمن يريد تحصيل العلم والاعتقاد الجازم الثابت يبني الأمر على تجويز السوء منهم أوّلًا حتّى يتبيّن‏ (1) الأمر بالبيّنة، ومن يجوّز السوء بهم يوصله ذلك التجويز إلى إحكام الأمر والبناء فيه على الموثوق به الذي يوجب الاعتقاد الجازم الثابت.

ولعلّ المراد بكون الشي‏ء بين المرء والحكمة كونه موصلًا للمرء إلى الحكمة وواسطة في حصولها (2)، كما في رواية جابر عن النبيّ (صلى الله عليه و آله): «بين العبد والكفر ترك الصلاة» (3)؛ أي ترك الصلاة موصل للعبد إلى الكفر.

والغرض أنّ ما أنعم اللَّه به على العالِم من العلم والفهم والصدق على اللَّه واسطة للمرء يوصله إلى الحكمة، فإنّ المرء إذا عرف حال العالم اتّبعه وأخذ منه، فيحصل له الحكمة ومعرفة الحقّ والإقرار به والعمل على وفقه. وكذا بمعرفة حال الجاهل وأنّه‏ (4) غير عالمٍ فَهِمٍ صادقٍ على اللَّه يترك متابعته والأخذ منه، ويسعى في طلب العالم فيطّلع عليه ويأخذ منه.

فالجاهل باعتبار سوء حاله باعث بعيد لوصول المرء إلى الحكمة، فهو شقيّ محروم توصل معرفة حاله المرء إلى سعادة الحكمة، وهذا الكلام كالتفصيل والتأكيد لما سبقه.

ويحتمل أن يحمل البينيّة في الاولى على التوسّط في الإيصال، وفي الثانية على كون الشي‏ء حاجزاً مانعاً من الوصول، والجاهل شقيّ مانع من الوصول إلى الحكمة.

ولا يبعد أن يُقال: المراد بنعمة العالم العالمُ نفسُه، والإضافة بيانيّة، أو يكون «العالم»

____________

(1). كذا في المصدر، وفي «ب»: «يتبنّى».

(2). في المصدر:+/ «له».

(3). جامع الأخبار، ص 73؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 79، ص 202، ذيل الحديث 2. وهذا الحديث مروي في كتب العامة بعبارات مختلفه، راجع: تفسير ابن كثير، ج 3، ص 172، ذيل الآية 60 من سورة مريم (19)؛ الدر المنثور، ج 1، ص 711 ذيل الآية 253 من سورة البقرة (2).

(4). ما أثبتناه من المصدر، وفي «ب» و «ج»: «فإنّه».

297

بدلًا من قوله «نعمة»، فإنّ العالم من أشرف ما أنعم اللَّه بوجوده على عباده.

وقد قيل في معنى هذه العبارة وجوهٌ اخر بعيدة تركناها محافظة (1) الإطناب.

«من تكلّفه»، أي تكلّف العرفان. والمراد (2) إراءة ما ليس له من المعرفة.

و «الغفور» إمّا من غفره، بمعنى غطّى عليه، وعفا عنه. أو من غفر الأمر، أي أصلحه.

و «الختّور» إمّا من الخَتْر بمعنى المكر والخديعة، أو من الخَتْر بمعنى خباثة النفس وفسادها.

و «من فرّط تورّط»، أي من عجّل ولم يتفكّر العواقب، بل عمل بمقتضى القوى الشهوانيّة والغضبيّة وقع في الورطة، أي فيما يعسر الخروج منها.

«ومن خاف العاقبة». وذلك بتفكّره في العواقب.

«ثبّت عن التوغّل فيما لا يعلم»، أي الدخول فيه باستعجالٍ، بل لا يدخل فيه إلّابعد معرفة حاله، والعلم بمآله.

«جدع أنف نفسه»: قطع، أي جعل نفسه ذليلًا غاية الذلّ.

«ومن لم يعلم»، أي لم يكن عالماً بشي‏ء «لم يفهم» لم يميّز بين الحقّ والباطل.

«ومن لم يفهم لم يسلم» أي من ارتكاب الباطل في شي‏ء أصلًا، أمّا في ارتكاب الباطل فظاهر، وأمّا في ارتكابه الحقّ- إن اتّفق- فلأنّ القول به بلا علم هلاكٌ وضلالةٌ.

«ومن لم يسلم لم يكرم» على البناء للمفعول، أي لم يعزّز بل يخذل، أو على البناء للفاعل، أي لم يكن شريفاً فاضلًا.

«ومن لم يكرم يهضم» على البناء للمفعول، أي يكسر عزّه ويُهان، أو يُترك مع نفسه ويوكّل أمره إليه.

وفي بعض النسخ «تهضّم» من التفعّل، أي يكون مطلوباً لنفسه؛ أي ظالماً عليها (3). انتهى.

أنت خبير بأنّ أوجه الوجوه المحتملة فيما هو الصعب المستصعب من كلامهم (عليهم السلام) ما هو الأوفق بمجاري ما هو الأهمّ من مقاصدهم (صلوات اللَّه عليهم).

____________

(1). في المصدر: «لمخافة» بدل «محافظة».

(2). في المصدر:+/ «به».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 78- 84، بتفاوت في بعض الكلمات، وبإسقاط وتلخيص في بعض العبارات.

298

الحديث الثلاثون‏ (1)

روى في الكافي عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ رَفَعَهُ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «مَنِ اسْتَحْكَمَتْ لِي فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، احْتَمَلْتُهُ عَلَيْهَا، وَاغْتَفَرْتُ فَقْدَ مَا سِوَاهَا، وَلَا أَغْتَفِرُ فَقْدَ عَقْلٍ وَلَا دِينٍ؛ لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الدِّينِ مُفَارَقَةُ الْأَمْنِ، فَلَا يَتَهَنَّأُ بِحَيَاةٍ مَعَ مَخَافَةٍ، وَفَقْدُ الْعَقْلِ فَقْدُ الْحَيَاةِ، وَلَا يُقَاسُ إِلَّا بِالْأَمْوَاتِ».

هديّة:

«أحكمت الأمر فاستحكم»: صار محكماً. والمستحكم بكسر الكاف: المحكَم بفتحها، فإن صحّ استحكام الشي‏ء بمعنى إرادة إحكامه صحّ المستحكم- بفتح الكاف- فيجري الوجهان في (استحكمت). والمعنى على التقديرين: من صارت لي فيه خصلة من جنود العقل مستحكمة بحيث تصير خُلقاً له ومَلكة راسخة فيه كما في الخليق والسخيّ.

و (لي): دلالة على أنّ المراد ب «من» من أظهر ولايته (عليه السلام).

(احتملته عليها) أي قبلته لأجلها بأنّه من شيعتي، ورحمتُه في الدنيا، وشَفَعتُ له في الآخرة.

(واغتفر فقد ما سواها)؛ يعني إذا كان ذا عقل قاطع بحقّيّة دينه. وقد مرّ مراراً أنّ القطع لن يُحصل بدين إلّاعن الحجّة المعصوم العاقل عن الربّ الحكيم المنحصر فيه الأعلميّة بما دبّر في هذا النظام العظيم.

وفي عطف (ولا دين) إشارة إلى مضمون الحديث الثاني، وفيه تخيير آدم (عليه السلام) بين العقل والحياء والدِّين؛ لأنّ مفارقة الدِّين مفارقة الأمن الحاصل من القطع، فلا يهنأ بحياة مع مخافة حاصلة من عدم اليقين، ألا يُرى أنّ الجاحد لليوم الآخر على ما أخبر به الحجج (عليهم السلام) لا يمكنه نفي احتماله. (2) ونِعمَ ما قيل: واي بر منكران آن ديوان كه ندارند تاب شايدان.

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث الثلاثون».

(2). في «الف»: «احتمال».

299

و «التهنّؤ» على التفعّل: صيرورة الشي‏ء هنيئاً، أي (فلا يتهنّأ) شي‏ء (1) لمفارق الأمن بسبب حياة تكون مع مخافة من الضلال والعذاب. ويحتمل المجهول، فالباء للتعدية.

(وفقد العقل) أي العقل الموصوف، وهو عقل الإيمان. (ولا يقاس) أي فاقده.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«استحكمت» على المعلوم، أي صارت ثابتة محكمة. «احتملته عليها»، أي عددته لأجلها من شيعتي.

«ولا أغتفر فقد عقل»، أي عقل مستلزم للدِّين.

«فلا يتهنّأ» على المعلوم، والباء للملابسة.

وقال السيّد الأجل النائيني (رحمه الله):

«الخصلة»- بالفتح- يستعمل في الصفات، فضائلها ورذائلها، واستعمالها في الفضائل أكثر. ويُقال: أحكمتها فاستحكمت، أي صارت محكمة. والمراد صيرورتها مَلكة.

و «لي» باعتبار تضمين معنى الثبوت، أو ما شابهه. «احتملته عليها»، أي احتملته كائناً عليها.

«واغتفرت فقد ما سواها» من خصال الخير، وما آخذتُه بفقدها و ارتضيت بحاله هذه له. والحاصل تجويز نجاته بسبب الخصلة الواحدة.

والمراد بخصال الخير الخصال الذي من توابع الخير. وقد سبق أنّ الخير من جنود العقل وزيره، فالعقل خارج من خصال الخير، وكذا الدِّين؛ فإنّه لا يُعدّ خصلة عرفاً.

فالمعنى أنّ من وجدتُه ذا خصلة واحدة محكمة فيه من خصال الخير، قبلتُه ورضيت باحتماله، وتجاوزت عن فقد ما سواها. وأمّا العقل والدِّين فليسا ممّا يُكتفى بأحدهما عن الآخر، أو يكتفى عنهما بغيرهما، بل إنّما يكتفى في القبول بالخصلة الواحدة من خصال الخير بعد العقل والدِّين كما قال (عليه السلام): «ولا أغتفر فقد عقل ولا دين».

ويمكن أن يجعل هذا القول قرينةً على كون المراد بخصال الخير ما عداهما.

ويحتمل أن يكون المراد بخصال الخير هنا ما يشتمل‏ (2) العقل والدِّين، ويكون «ولا

____________

(1). كذا في «ب».

(2). كذا في «ب» وفي المصدر: «يشمل».

300

أغتفر» كالاستثناء.

ثمّ استدلّ على أنّ فقدان العقل والدِّين لا يغتفر، ولا يقبل فاقد أحدهما بقوله: «لأنّ مفارقة الدِّين مفارقة الأمن».

وهذا أقلّ مراتبه التي يجامع العقل التي هي الإقرار ظاهراً والتمسّك تكلّفاً.

والمفارقة (1) حقيقةً كالداعي بلا علم، والمتّبع لغير العالم، الآخذ معالم دينه من الجاهل، فمن كان كذلك كان خائفاً؛ لعدم علمه بإصابة (2) الحقّ، وإجابته لما دعي إليه، ومن كان كذلك يُخاف عليه أن لا يخرج من الدنيا إلّابعد تسلّط الشيطان عليه، واتّباعه لوساوسه المؤدّية إلى الكفر، نعوذ باللَّه من شرّه.

«فلا يتهنّأ بحياة مع مخافة». في المصادر: «التهنّؤ: گوارنده شدن». والبناء للمفعول والباء للتعدية.

ويمكن أن يكون المراد بالحياة هنا المعرفة المتعلّقة باللَّه تعالى، وبالنبيّ (صلى الله عليه و آله)، وبالكتاب المجيد، وحقّيّة الشريعة، فمن لم يحصّل العلم بمعضلات‏ (3) الأحكام من مأخذه الذي ينبغي أن يأخذ منه، وآثر اتّباع الجاهل، وتَرَك اتّباع العالم، كان مخافة أن يزول عنه حياته التي كانت له، ومعرفته التي حصلت له.

«وفقد العقل فقد الحياة؛ فإنّ حياة النفس بالعقل وبالمعرفة، كما أنّ حياة البدن بالنفس.

«ولا يقاس إلّابالأموات»، أي لا يُقدَّر فاقد العقل إلّاعلى مثال الأموات؛ يُقال: قِسْتُ الشي‏ء بالشي‏ء إذا قدّرته على مثاله. (4)

الحديث الحادي والثلاثون‏ (5)

روى في الكافي عن عَلِيُ‏ (6)، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُحَارِبِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسى‏، عَنْ‏

____________

(1). في المصدر: «والمفارق».

(2). في المصدر: «بإصايته».

(3). في المصدر: «بمفصّلات» بدل «بمعضلات».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 84- 86، بتفاوت في بعض الألفاظ.

(5). في «الف»:-/ «الحديث الحادي والثلاثون».

(6). في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم بن هاشم».