الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
301

مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى‏ ضَعْفِ عَقْلِهِ».

هديّة:

«محارب» كمصاحب: أبو قبيلة.

قد سبق قوله (عليه السلام) في الثاني عشر ببيانه: «ويرى الناسَ كلَّهم خيراً منه، وأنّه شرّهم في نفسه وهو تمام الأمر». يعني ينبغي لكلّ أحد أن يظنّ أنّه لا ذلّ منه في مقام العبودية، ولا أكثر تقصيراً منه في العبادة، فبقدر عجب المرء وتكبّره ناقص عقله، وضعيف إيمانه.

قال برهان الفضلاء:

المراد ب «إعجاب المرء بنفسه»: إدباره في مواضع الإقبال بالمعنى الذي ذكرناه في بيان الأوّل، أو الأعمّ منه موافقاً لما يجي‏ء في السابع من باب استعمال العلم، الباب الرابع عشر من قوله (عليه السلام): «فإنّ العلم إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله قدر الشيطان عليه».

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الإعجاب» مصدر مبنيّ للمفعول اضيف إلى المفعول، أي كون المرء معجباً بنفسه.

و «العُجب»: أن يظنّ الإنسان بنفسه منزلة لا يستحقّها ويصدّق نفسه في هذا الظنّ تصديقاً ما، وذلك إنّما يحصل من قلّة التميّز والمعرفة وضعف العقل، فهو دليل على ضعف عقله. (1)

الحديث الثاني والثلاثون‏ (2)

روى في الكافي وقال: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَاصِمِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ أَصْحَابُنَا وَذُكِرَ الْعَقْلُ، قَالَ: فَقَالَ: «لَا يُعْبَأُ بِأَهْلِ الدِّينِ مِمَّنْ لَاعَقْلَ لَهُ».

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ مِمَّنْ يَصِفُ هذَا الْأَمْرَ قَوْماً لَابَأْسَ بِهِمْ عِنْدَنَا، وَلَيْسَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْعُقُولُ؟

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 86.

(2). في «الف»:-/ «الحديث الثاني والثلاثون».

302

فَقَالَ: «لَيْسَ هؤُلَاءِ مِمَّنْ خَاطَبَ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ‏ (1) خَلَقَ الْعَقْلَ، فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، وَقَالَ لَهُ:

أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، مَا خَلَقْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْكَ- أَوْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ- بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي».

هديّة:

أبو عبداللَّه العاصمي، هو أحمد بن محمّد بن أحمد بن طلحة بن عاصم الشهير (2) بالعاصمي، ثقة.

(يصف) أي يعرف.

(لا بأس بهم) أي بحسب الاعتقاد الممدوح، وكونهم من الاثني عشريّة وتولّيهم وتبرّئهم الواجبين.

(وليست لهم تلك العقول) أي التي لعلماء الإماميّة وكمّلهم. وهي أخصّ من التي مناط التكليف. (فقال: «ليس هؤلاء ممّن خاطب اللَّه) أي قصداً بالذات.

والمقصود بالذات من الخطاب المذكور بقوله: (بك آخذ وبك أُعطي): خواصّ الشيعة؛ لقوله (عليه السلام): (لا يعبأ بأهل الدِّين ممّن لا عقل له) أي بحسبك اعاقب واثيب في البرزخ والآخرة.

وقد سبق في السابع: «إنّما يداقّ اللَّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا». والمراد أنّ الدقّة في حساب الشيعة على قدر كمال عقله، وكثرة المساهلة معهم على قدر قلّة كمالهم، إلّاأن يغترّ بطريقة الصوفيّة ويتمادى حتّى يثبت اسمه في كتاب الفجّار وتحقّ‏ (3) عليه كلمة العذاب. (4)

والشكّ من الراوي.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «تعالى‏».

(2). في «ب، ج»: «اشتهر».

(3). في «الف»: «يحقّ».

(4). اقتباس من الآية 19 من الزمر (39).

303

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«أخذ» على المتكلّم وحده من باب نصر. والظاهر أنّ تكرار كلمة «بك» للدلالة على أنّ ذلك الأخذ أخذُ عزيزٍ مقتدرٍ. إنّما هو بالنظر إلى الذين أخلّوا بالعقل ولم يتّصفوا به.

و «الإعطاء» إنّما هو بالنسبة إلى الذين راعوه واتّصفوا به.

وهذا بناءً على أنّ خلق الجنّ والإنس لأجل عبادة المؤمنين موافقاً لاختياره في الآيتين من سورة الذاريات: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ* وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (1).

والاحتمال عود ضمير «يعبدون» إلى المؤمنين.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): قوله (عليه السلام):

«لا يعبأ بأهل الدِّين لمن لا عقل له»: في بعض النسخ: «بمن لا عقل له» فيكون بدلًا عن قوله: «بأهل الدِّين». والمعنى أنّه لا يبالي بمن لا عقل له من أهل الدِّين، أي لا يعدّ شريفاً، ولا يلتفت إليه، ولا يُثاب على أعماله ثواباً جزيلًا.

«انّ ممّن يصف هذا الأمر»، أي إنّ ممّن يقول بقول الإماميّة «قوماً لا بأس بهم» في الاعتقاد والعمل «عندنا» أي في بلادنا، أو باعتقادنا.

«وليست لهم تلك العقول» دلّ بإتيان لفظة «تلك»- وهي للإشارة إلى البعيد- على علوّ درجة العقول المسلوبة عنهم؛ إشارةً إلى أنّ لهم قدراً من العقل اهتدوا به إلى ما اهتدوا به ولكن قريب المنزلة من إدراك الحواسّ والمشاعر.

وغرضه السؤال عن حالهم، أيُعبأ بهم أم لا؟ «فقال: ليس هؤلاء ممّن خاطب اللَّه، إنّ اللَّه خلق العقل» إلى قوله: «ما خلقت شيئاً أحسن منك، أو أحبّ إلىّ منك». هذا ترديد من الراوي.

وفي قوله: «بك آخذ وبك اعطي» دلالة على أنّ المؤاخذة بالمعاصي، والإعطاء بالإطاعة والانقياد بالعقل، وهو مناطهما، فكلّما كمل كثرت المؤاخذة والإعطاء، وكلّما نقص قلّ‏ (2) المؤاخذة والإعطاء، فيصل إلى مرتبة لا يبالي بهم، ولا يهتمّ بأمرهم،

____________

(1). الذاريات (51): 55- 56.

(2). في المصدر: «قلّت».

304

ولا يشدّد ولا يضيّق عليهم. (1)

الحديث الثالث والثلاثون‏

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ البرقى‏ (2)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَيْسَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ إِلَّا قِلَّةُ الْعَقْلِ».

قِيلَ: وَ كَيْفَ ذَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ؟

قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ يَرْفَعُ رَغْبَتَهُ إِلى‏ مَخْلُوقٍ، فَلَوْ أَخْلَصَ نِيَّتَهُ لِلّهِ، لَأَتَاهُ الَّذِي يُرِيدُ فِي أَسْرَعَ مِنْ ذلِكَ».

هديّة:

(رغبته) أي حاجته.

(لأتاه) من الإتيان، أو من الإيتاء بمعنى الإعطاء.

والمشار إليه ل (ذلك) مصدر (يرفع)، يعني أنّ الواسطة التي تفرق الكفر الموجب للنّار من الإيمان الكامل إنّما هي (قلّة العقل).

والغرض أنّ لها كما لطرفها مراتب، ويتفاوت قرباً وبُعداً بحسب تفاوت مراتب العقل كمالًا ونقصاناً. وكما أنّ انتهاء مراتب قلّة العقل عقل الإيمان بالولاية إلى الكفر الموصوف، فانتهاء مراتب كثرته إلى الإيمان الكامل الذي لا أكمل منه. وكفر العاصي حالة العصيان محمول بالاتّفاق على نقص الإيمان إلى الكفر الموجب للنار وإن كان موجباً لعقاب البرزخ لو لم يوفّق للتوبة. وهذا البيان سيفصّل في كتاب الإيمان والكفر إن شاء اللَّه تعالى.

وقال برهان الفضلاء:

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 86- 87.

(2). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد بن خالد» بدل «البرقي».

305

يعني ليس حاجز يمنع الإيمان عن أن يغلب على الكفر سوى قلّة العقل.

والمراد من المثال بيان أنّ قلّة العقل كما توجب مثل هذا الفساد توجب فساداً أسوء منه، وهو الكفر.

والمشار إليه ل «ذلك»: زمان الرفع، أو زمان إعطاء المخلوق حاجة مثله.

وقال السيّد الباقر الشهير بداماد، ثالث المعلِّمين: يمكن أن يكون المراد أنّ بين شكر النعمة وكفرانها ليس إلّاقلّة العقل. (1) وسيجي‏ء أنّ للكفر خمسة معان؛ منها: كفران النّعمة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

أي ليس المخرِج من الإيمان إلى الكفر إلّاقلّة العقل. ولمّا كان الإيمان من الفطرة وبمنزلة الثابت لكلّ أحد، فمن كفر كان خارجاً من الإيمان إلى الكفر، قال: «ليس بين الإيمان والكفر» أي ما يوصل من الإيمان إلى الكفر «إلّا قلّة العقل».

«وكيف ذلك يابن رسول اللَّه؟» أي كيف إيصال قلّة العقل إلى الكفر؟ «قال: إنّ العبد يرفع رغبته» أي مرغوبه ومراده من حوائجه إلى مخلوق؛ لقلّة عقله واعتقاده أنّ الحصول لا يكون إلّابالرفع إليه، فيعظّمه ويتذلّل له ويتّخذه ربّاً معطياً، ولو كان عاقلًا كامل العقل يعرف أنّ في إخلاص النيّة للَّه- تبارك وتعالى- والرّفع إليه دون غيره سرعةَ الوصول إلى المطلوب.

«فلو أخلص نيّته للَّه‏لأتاه» أي جاءه. وفي بعض النسخ «لآتاه» من باب الإفعال، أي أعطاه الذي يريده «في أسرع من ذلك»؛ أي من الحصول بعد رفع الحاجة إلى المخلوق‏ (2). انتهى.

المضبوطة في النسخ التي رأيناها: «كيف ذاك» بدون اللّام، فاللّام في نسخة السيّد مضبوطة واشتباه من ناسخ الكتابة.

الحديث الرابع والثلاثون‏

روى في الكافي عن العِدَّةٌ، عَنْ سَهْلِ، عَنْ الدِّهْقَانِ‏ (3)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ، عَنْ يَحْيَى‏

____________

(1). لم نعثر عليه.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 87- 88.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «العدّة من أصحابنا، عن سهل بن زيادٍ، عن عبيد اللَّه الدهقان».

306

بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: بِالْعَقْلِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْحِكْمَةِ، وَبِالْحِكْمَةِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْعَقْلِ، وَبِحُسْنِ السِّيَاسَةِ يَكُونُ الْأَدَبُ الصَّالِحُ».

قَالَ: «وَكَانَ يَقُولُ: التَّفَكُّرُ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ، كَمَا يَمْشِي الْمَاشِي فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ بِحُسْنِ التَّخَلُّصِ وَقِلَّةِ التَّرَبُّصِ».

هديّة:

(استخرج) على ما لم يسمّ فاعله، واحتمال المتكلّم وحده، أو الأمر كماترى، يعني العقل الذي هو حباء من اللَّه، وهو عقل الإيمان باللَّه واليوم الآخر. ولعلّ المراد كامله الذي له أيضاً مراتب.

والمراد ب «الحكمة» علم الدِّين، وهو علم الإمام الحقّ، وب «استخراج غورها» اتّصاف المؤمن باليقين فيما اعتقد، وكونه على ثقة ممّا أدّى، فبذلك يعرف أنّ العقل جاء من اللَّه، وأنّه لا دين لمن لا عقل له وأنّ له مراتب، وأنّه أخصّ من العقل الذي مناط التكليف، وغير ذلك من خصائص العقل، كما نطق بها أحاديث الباب.

(وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح)؛ يعني كما أنّ العاقل يعرف أنّ حسن السياسة في الناس يوجب شيوع الأدب الصالح فيهم وضياع البُدع الفاسدة المفسدة، كذلك يعرف أنّ أحكام التدبير من الحكيم لهذا النظام العظيم يستلزم شريعة غرّاء بحجّة معصوم ممتاز عن الجميع حسباً ونسباً، ولذا يبني العاقل أفكاره على استحكام نظام العالم وهو بحيث لا يعقل كنهه، وهو تقدير العزيز العليم‏ (1)، فيعقل ويوقن. مثلًا:

أنّ حكمه تبارك وتعالى بأنّ فرعون بادّعائه ما ادّعى مرتدّ نجس مخلّد في النار إذا كان معناه أنّه كذا في الظاهر وفي الحقيقة كليم اللَّه، أو وليّ، اللَّه كان سخيفاً جدّاً يمتنع أن يصدر عن صاحب هذا النظام بهذا الاستحكام، فيقطع بحقّيّة أنّ «حلال محمّد (صلى الله عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» (2)، فيحكم قطعاً من مقالات‏

____________

(1). اقتباس من الآية 96، الأنعام (6)؛ والآية 38 يس (36)؛ و 12 فصّلت (41).

(2). الكافي، ج 1، ص 58، باب البدع والرأي و ...، ح 19.

307

الصوفيّة القدريّة، ومن مقالاتهم: إذا ظهرت الحقائق بطلت الشرائع‏ «وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1).

(التفكّر حياة قلب البصير) يعني التفكّر المبنيّ على عِظَم استحكام هذا النظام، وتنزيه مدبّره الملك العلّام عمّا لا يليق بشأنه تعالى شأنه وعظم سلطانه.

(بحسن التخلّص) أي من الورطات المهلكة.

(وقلّة التربّص) أي بسرعة الوصول إلى المقصود.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

يعني «بالعقل» يملك العاقل كفّ نفسه عن الأهواء، كالحكم بالظنّ في المشتبهات، وبكفّ نفسه عنها يملك كمال العقل، و «بحسن» التدبير في سلوكه واموره يحصل له «الأدب الصالح» الذي أمر اللَّه عباده به في محكمات القرآن، قال: «وكان يقول» يعني قال الصادق (عليه السلام): «وكان يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): التفكّر حياة قلب البصير» أي التفكّر في عواقب الامور حياة قلب المؤمن.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«بالعقل استخرج غور الحكمة» يعني بآلة العقل يمكن الوصول إلى كنه الحكمةٍ، وبظهور الحكمة من العاقل يظهر ما كان مخزوناً في عقله. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القائيني (رحمه الله):

«بحسن السياسة» أي بحسن التدبير فيما هوتحت تصرّف العقل من البدن بتهذيب الأخلاق، ومن غيره بإصلاح الأحوال على ما امر به و نُهي عنه يحصّل أدب المنجي.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«بالعقل استخرج غور الحكمة» أي قعر الحكمة، والبالغ نهاية الخَفاء. والحكمة العلوم الحقّة والمعارف اليقينيّة التي يدركها العقل، فالوصول إلى أخفاها وحقيقة بواطنها بالعقل.

____________

(1). البقرة (2): 213.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 90.

308

«وبالحكمة استخرج غور العقل» أي نهاية ما في قوّته من الوصول إلى العلوم والمعارف؛ فإنّ بالعلم والمعرفة يعرف نهاية مرتبة العقل، أو يَظهر نهاية مرتبته، ويبلغ كماله.

«وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح» أي بحسن الأمر والنهي، أو بحسن التأديب يحصّل الأدب الصالح.

«وكان يقول: التفكّر حياة قلب البصير» أي قلب البصير الفَهِم يصير حيّاً عالماً عارفاً بالتفكّر، وهو الحركة النفسانيّة في المقدّمات الموصلة إلى المطلوب [ومنها إلى المطلوب‏] (1)، فالفَهِم يمشي ويتحرّك بتفكّره في حال جهله بالمطلوب إلى المطلوب بحسن التخلّص والنجاة من الوقوع في الباطل وقلّة التربّص والانتظار في الوصول إلى الحقّ.

«كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور» شبّه الحركة الفكريّة حال الجهل بالمطلوب، بسبب الفهم والبصيرة بمشي الماشي في الظلمات بالنور.

و «يحسن التخلّص» يحتمل تعلّقه بالمشبّه به، وبالمشبّه، وبهما، ويعلم الاشتراك على الأوّلين بالتشبّه‏ (2). انتهى.

قال في الكافي بعد ذكر هذا الحديث: «هذا آخر كتاب العقل، والحمدُ للَّه‏وحده‏ (3)، وصلّى اللَّه على محمّد وآله» فلعلّه من زيادات بعض من تلامذة ثقة الإسلام كالصفواني.

وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه قوله: «هذا آخر كتاب العقل» لا آخر كتاب العقل وما يلحق به، ويؤيّده ما سيجي‏ء، وما في الفهرست‏ (4) من عدّ المجموع كتاباً واحداً. (5)

____________

(1). أضفناه من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 88- 89.

(3). في «الف»:-/ «وحده».

(4). الفهرست للطوسي، ص 135، الرقم 591.

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 90.

309

الباب الثاني بَابُ فَرْضِ الْعِلْمِ وَ وُجُوبِ طَلَبِهِ وَ الْحَثِّ عَلَيْه‏

و أحاديثه كما في الكافي عشرة.

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي وقال: عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ، عَنْ عبدالرحمن‏ (1) بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله):

طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى‏ كُلِّ مُسْلِمٍ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ».

هديّة:

في بعض نسخ الكافي: كتاب فضل العلم، باب فرض العلم.

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

قوله «كتاب فضل العلم، باب فرض العلم» كذا في كثير من النسخ، ويؤيّدها عدّه النجاشي كتاب فضل العلم- بعدما ذكر كتاب العقل- من كتب الكافي‏ (2). وفي كثير منها:

«باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثّ عليه» بلا زيادة ذكر الكتاب قبله، ويوافقها عدّ الشيخ كتاب العقل وفضل العلم كتاباً واحداً من كتب الكافي‏ (3). والأمر فيه سهل.

وقال الفاضل الاسترآبادي:

قوله «باب فرض العلم ووجوب طلبه» المتعارف في كلامهم (عليهم السلام) التعبير بالمعرفة عن‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عبداللَّه» بدل «عبدالرحمن».

(2). رجال النجاشي، ص 377، الرقم 1026.

(3). الفهرست للطوسي، ص 135، الرقم 591.

310

العقائد التي تتوقّف عليها حجّيّة الأدلّة النقليّة، والتعبير بالعلم عن العقائد المتعلّقة بالعمل. والاولى موهبيّة، والثانية كسبيّة، كما سيجي‏ء التصريح به في مواضع من كلامهم (عليهم السلام). (1)

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثّ عليه» أي هذا بيان المفروض في القرآن من العلم، وبيان وجوب طلبه بأنّ وجوب طلبه على جميع المسلمين، أو على بعضهم، وبيان تحريض اللَّه وحججه الناس عليه. انتهى.

فسّر المفروض في القرآن من العلم في موضع آخر بعلم الدِّين.

في بعض نسخ الكافي: أخبرنا محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم.

وقد سبق أنّ ذكر محمّد بن يعقوب في الكافي هكذا في مواضع من زيادات تلامذته طاب ثراه.

(طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ) أي تحصيل العلم بما يحتاج الناس إلى معرفته في الدِّين الحقّ، من أحوال المبدأ والمعاد على نهج قانون الإسلام المقنَّن من الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه، واجب على كلّ مسلم على قدر حاجته، على قدر وسعه.

و (بغاة العلم): طلّابه، جمع باغ كهاد وهداة.

ومثل الخبر ردّ على مثل القدريّة القائلين بحصول العلم بحقيقة كلّ شي‏ء لكلّ أحد بالكشف الحاصل بالرياضة وإن كان جوكياً من الجواكي، وإن كان ارتياضه على خلاف الشرع وتمثيلهم برؤية العكس في الماء الطاهر والقذر سخيف جدّاً؛ إذ لا معنى لوصول عدوّ من أعداء اللَّه بنجاسته وارتداده إلى منزلة وليّ من أولياء اللَّه، وجواب شيخ كبير من الصوفيّة عن مسألة الشكّ بين الثلاث والأربع مشهور. (2)

قال برهان الفضلاء:

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 91.

(2). راجع كلام المصنّف في ذيل الحديث العاشر من نفس هذا الباب.

311

يعني طلب علم الدِّين واجب بحكم اللَّه تعالى في محكمات القرآن على كلّ مسلم.

والمراد أنّه واجب على كلّ مكلّف لكن لا ينقاد هذا الحكم إلّاالمرء المسلم الكافِّ نفسه عن العمل بالظنّ، واللَّه يحبّ طَلَبة علم الدِّين.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«طلب العلم فريضة» المراد بالعلم هنا العلم المتكفّل لمعرفة اللَّه وصفاته وما يتوقّف عليه المعرفة، والعلم المتعلّق بمعرفة الشريعة القويمة.

والأوّل له مرتبتان:

الاولى: مرتبة يحصل فيها الاعتقاد الحقّ الجازم وإن لم يقدر على حلّ الشكوك والشبهات. وطلب هذه المرتبة فرض عين.

والثانية: مرتبة يقدر فيها على حلّ الشكوك ودفع‏ (1) الشبهات. وطلب هذه المرتبة فرض كفاية.

والثاني- أي العلم المتعلّق بالشريعة القويمة- أيضاً له مرتبتان:

إحداهما: العلم بما يحتاج إلى علمه من العبادات وغيرها ولو تقليداً. وطلبه فرض عين.

والثانية: العلم بأحكام الشريعة (2) من أدلّتها التفصيليّة. واصطُلح في هذه الأعصار على التعبير عنها بالاجتهاد. وطلبها فرض كفاية.

وإنّما وجوب هذه المرتبة كفاية في الأعصار التي لا يمكن الوصول فيها إلى الحجّة. وأمّا في العصر الذي كان الحجّة ظاهراً والأخذ منه ميسّراً، ففيه كفاية عن الاجتهاد، وكذا عن المرتبة الثانية من العلم المتكفّل بمعرفة اللَّه وصفاته وتوابعه.

ثمّ نقول: مراده ظاهراً فرض العين وبحسب ذلك الزمان، فيكون المفترض المرتبتين الأوّلتين من العلمين.

ولمّا بيّن فرض العلم رغّب في المرتبة الغير المفروضة، وهو الاشتغال بتحصيل العلوم وضبطها واتّخاذه حرفة بقوله: «ألا إنّ اللَّه يحبّ بغاة العلم» أي طَلَبته. (3)

____________

(1). في المصدر: «رفع».

(2). في المصدر: «بالأحكام الشرعية».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 92.

312

الحديث الثاني‏ (1)

روى في الكافي عن مُحَمَّدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ».

هديّة:

عيسى بن عبداللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللَّه عليه)، له كتاب. والحديث بيانه كسابقه.

الحديث الثالث‏ (2)

روى في الكافي بإسناده عن عليّ عن العبيدي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): هَلْ يَسَعُ النَّاسَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: «لَا».

هديّة:

يعني هل يسعهم (ترك المسألة) مع إمكانها بلا مضرّة لا يجوز تحمّلها شرعاً عمّا يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم؟

قال برهان الفضلاء:

يعني سئل الكاظم (عليه السلام) هل يسع الناس ترك السؤال عن الحكم الذي يحتاجون إليه؟ يعني السؤال واجب عينيّ على كلّ من أسلم عمّا يحتاج إليه في وقت الحاجة إليه، وأمّا تحصيل العلم بالكتب المؤلَّفة بأمر الأئمّة (عليهم السلام) يعمل‏ (3) بما فيها في زمن الغيبة الكبرى فهو واجب كفائي، كما يفهم من الأحاديث الآتية في باب الأخذ بالكتب.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ سَهْلِ وَمُحَمَّدُ عن‏ (4) ابْنِ عِيسى‏ جَمِيعاً، عَنْ‏

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث الثاني».

(2). في «الف»:-/ «الحديث الثالث».

(3). في «ب» و «ج»: «للعمل».

(4). في الكافي المطبوع هكذا: «ومحمّد بن عيسى جميعاً، عن ابن محبوب، عن السرّاد».

313

السرّاد، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، قَالَ:

سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ الدِّينِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلُ بِهِ، أَلَا وَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ الْمَالِ؛ إِنَّ الْمَالَ مَقْسُومٌ مَضْمُونٌ لَكُمْ، قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ، وَضَمِنَهُ، وَسَيَفِي لَكُمْ، وَالْعِلْمُ مَخْزُونٌ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَقَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَاطْلُبُوهُ».

هديّة:

الجوهري: سبيع، كأمير بطن من هَمْدان رهط أبي إسحاق السبيعي. (1)

(كمال الدِّين طلب العلم) يعني الدِّين الكامل بمراتبه خاصّ بطلبة علمه العاملين به، ولا بأس بإرادة التعميم، والحجّة المعصوم عاقل عمّن انحصرت الأعلميّة بما في هذا النظام فيه تعالى شأنه، إلّاأنّه لم يتعارف إطلاق طلبة العلم إلّاعلى خواصّ من الرعيّة.

(أوجب عليكم) ردّ على طريقة الصوفيّة، ولا رهبانيّة في الإسلام، (2) ونصّ في أنّ طلب المال الحلال على الوجه المشروع على قدر الكفاف واجب وإن كان مقسوماً مضموناً، وأمثال حديث: «نِعْمَ العون على الآخرة الدنيا» (3) دلالة على زيادة حسن طلب الزيادة لُامور مهمّة.

(والعلم مخزون عند أهله) يعني حجج اللَّه المعصومين العاقلين عن اللَّه الذين عددهم محصور في هذا النظام، لا يزيد ولا ينقص، كالأفلاك، والأبراج، والثوابت، والسيّار. «وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ». (4)

____________

(1). الصحاح، ج 3، ص 1227 (سبع).

(2). دعائم الإسلام، ج 2، ص 193، ح 701؛ النهاية لأبن أثير، ج 2، ص 280 (رهب).

(3). الكافي، ج 5، ص 72، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة، ح 9. و بتفاوت يسير في الفقيه، ج 3، ص 156، ح 3567.

(4). الرعد (13): 8.

314

(وقد أمرتم بطلبه من أهله) ناظر إلى مثل قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1) كمقسوم إلى قوله تعالى: «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» (2)، ومضمون إلى قوله تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» (3).

قال برهان الفضلاء:

يعني اعلموا أنّ صحّة استكانة العبوديّة وذلّها عنده تعالى طلب العلم بالأحكام الإلهيّة، والعمل بها. «والعلم مخزون عند أهله» يعني الأئمّة (عليهم السلام) وليس بمضمون لكم كما قال اللَّه تعالى في سورة الأنعام: «وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ». (4)

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«والعلم مخزون عند أهله» تصريح بما اشتهر تفصيله في كلامهم (عليهم السلام) من أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) جاء بحكم كلّ ما يحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة، وقد أودع الكلّ عند أهل بيته (عليهم السلام) والناس مأمورون بسؤالهم في كلّ ما يحتاجون إليه. (5)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّ كمال الدِّين طلب العلم والعمل به» المراد بهذا العلم، العلم المتعلّق بالعمل، فمَن طلبه ولم يعمل به [أولم يطلبه‏] (6) كان ناقص الدِّين. ونبّه عليه بالتنبيه على أنّ طلب العلم أوجب من طلب المال، وقال: «إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه» فما قُدّر لكلّ أحد منكم أجراه إليه، ولم يستحسن طلب المال من أحد ولم يحوج أحداً إلى طلب المال من مثله، ولم يرتض له به، بل وسّع لهم طريق الاكتساب.

وأمّا العلوم الشرعيّة فمأخذه واحد، وطريق الأخذ واحد، وقد امرتم بطلبه من أهله. (7) انتهى.

الصواب أن يحمل قوله (رحمه الله): «وأمّا العلوم الشرعيّة» على العلوم الحقّة بأحوال المبدأ

____________

(1). النحل (16): 43.

(2). الزخرف (43): 32.

(3). هود (11): 6.

(4). الأنعام (6): 104.

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 91.

(6). أضفناه من المصدر.

(7). الحاشية على اصول الكافي، ص 93.

315

والمعاد وجميع ما في هذا النظام ممّا يحتاجون إلى معرفته بقدر الوسع والطاقة، وقد نقلنا فيما سبق تصريحه (رحمه الله) بهذا، فقوله هنا في صدر كلامه: «المراد بهذا العلم المتعلّق بالعمل» كماترى. ولا منافاة بين إرادة المطلق وذكر العمل المتعلّق به بعضه. وما أحسن هنا بيان الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله).

الحديث الخامس‏

روى في الكافي وقال: عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عن‏ (1) رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا- رَفَعَهُ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ».

هديّة:

(عن أبي عبداللَّه) اسمه: ميمون البصري. وفي بعض النسخ: «عن أبي عبداللَّه رجلٍ من أصحابنا» بدون كلمة «عن». والحديث بيانه كنظيره، وهو الثاني.

الحديث السادس‏

روى في الكافي وقال: وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله):

طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى‏ كُلِّ مُسْلِم، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ».

هديّة:

بيانه كنظيره، وهو الأوّل، وبين المتنين «واو».

الحديث السابع‏

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ البرقي، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، (2) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «تَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ مِنْكُمْ فِي‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:-/ «عن».

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن محمّد بن عبداللَّه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن‏عيسى، عن عليّ بن أبي حمزة».

316

الدِّينِ، فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ؛ إِنَّ اللَّهَ تَعَالى‏ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»».

هديّة:

لا شكّ أنّ المراد ب «الفقه» العلم بحكم ما يحتاج إليه في الدِّين، من العقائد والأعمال.

ووجوب التفقّه عامّ؛ لانحصار الأعلميّة، فالقطع بالحقّيّة والتفقّه، إمّا بلا واسطة، فهو عقل الحجّة المعصوم المحصور عدداً عن اللَّه سبحانه. أو بواسطة العاقل عن اللَّه. أو بوسائط، كتفقّه العاقل عن العاقل عن العاقل عن اللَّه.

والآية في سورة التوبة (1) استشهاد للقسم الثاني والثالث؛ اكتفاءً بما يظهر منه جميع الأقسام. فنسبة التّارك عمداً إلى الأعراب وهم أشدّ كفراً ونفاقاً (2) كناية عن شدّة الجهل، وإشارة إلى أنّه مع إظهاره الإسلام أقرب من الكفر منه إلى الإيمان فبحكم أسوء الجاهلين، والمفضي إلى الكفر هو الجهل، وصدر الآية: «وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا» الآية. والتالي صريح في أنّ المراد ترك التفقّه مع إمكان التحصيل بقدر الحاجة والوسع.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«التفقّه» تفعّل، مطاوع التفعيل، يعني أخذ الفقه من أهله. و «الفقه» مصدر باب علم، وحسن، واسم المصدر أيضاً، يعني العلم مع العمل به. فالفقه والفهم أخصّ مطلقاً من العلم؛ إذ العلم بلا عمل لا يقال له الفقه والفهم.

والمراد بالدِّين طريق العبودية، وهو على قسمين: حقّ وباطل.

والدِّين الحقّ ما يكون موافقاً لما أنزل اللَّه على رسوله، وهو عبارة عمّا في محكمات القرآن، ومصرّح مكرّراً، كالنهي عن تبعيّة الظنّ، وعن الاختلاف في القضاء والإفتاء ظنّاً. قال اللَّه في سورة البقرة: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ» (3)، وكان هذا

____________

(1). التوبة (9): 122.

(2). اقتباس من الآية 97، التوبة (9).

(3). البقرة (2): 159.

317

النهي في شرائع جميع الأنبياء (عليهم السلام). قال اللَّه تعالى في سورة الشورى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» (1)، وهو المسمّى بالصراط المستقيم في مواضع من القرآن العظيم.

و «الأعرابي»: نسبة إلى الأعراب، كالجنّ والجنّي. والمراد هنا صاحب الكفر والنفاق الذي شأن أكثر الأعراب.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله) بخطّه:

«فإنّ من لم يتفقّه في الدِّين». قد مضى وسيجي‏ء أنّ الإنذار- أي دعوة الخلق إلى الإقرار بالوحدانيّة والرسالة وسائر الطاعات، وتعيين الإمام، وبيان ذلك وأدلّتها- إنّما هي على اللَّه تعالى على لسان رسله.

والمراد هنا أنّ سائر الأفعال التي أوجبها اللَّه كالوضوء، والصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يجب على الخلق طلب العلم بها بسؤال أهل الذِّكر (عليهم السلام) بواسطة أو بدونها. وأمّا الأحكام الشرعيّة [الوصفيّة] (2) كحكم الشكّ في عدد الركعات، وحكم من زاد سجدة سهواً، وأحكام البيع، والنكاح، والميراث، والديات، والحدود، والقصاص. والاقتضائيّة التي هي تحريم بعض الأفعال، كحرمة الغيبة، وشرب الخمر، وغير ذلك، فإنّما يجب طلب العلم بها عند الحاجة إليها.

وأمّا القول بأنّه يجب كفاية في كلّ قطر تعلّم كلّ ذلك فباطل؛ لتصريح الروايات بأنّه يمتنع أن يعلم كلّ ما يحتاج إليه الامّة إلّاالجماعة المنصوبون من عنده تعالى لأجل ذلك، وهم النبيّ والأئمّة (عليهم السلام)، وقد مهّدوا (عليهم السلام) لزمان الغيبة الكبرى كتباً مؤلَّفة بأمرهم (عليهم السلام) لتكون مرجع الشيعة في كلّ الأبواب؛ ففيها أنّ بعض الأبواب التي هي من‏

____________

(1). الشورى (42): 13.

(2). أضفناه من المصدر.

318

خواصّ الحجج (صلوات اللَّه عليهم) كإجراء الحدود، والدعوة إلى الدِّين، موقوف إلى ظهوره (عليه السلام). والأبواب التي ليست كذلك وجدت فيها تصريحات بفتاويهم وأحكامهم (عليهم السلام) ولا يجوز العدول عمّا في تلك الكتب إلى خيالات أحدثوها علماء اصول الفقه العامّة، كحجّيّة الإجماع- يعني اتّفاق ظنون جمعٍ، وكوجوب اتّباع ظنّ صاحب الملَكة المخصوصة بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله)، وككون المراد من اولي الأمر السلطان ولو كان فاسقاً، فيجب اتّباعه فيما حكم به من ضروريّات الدِّين أو ظنون المجتهدين، وكوجوب عالم بالكلام الذي هو مقتضى أفكار جمع من المعتزلة والأشاعرة؛ ليدفع شبه الملاحدة عن القواعد الدينيّة، وكالتمسّك بالأصل المبنيّ عند النظر الدقيق على خلوّ الواقعة عن حكم اللَّه، وكالتمسّك باستصحاب الحكم السابق في موضع مع حدوث حالة يمكن أن يتغيّر الحكم عند اللَّه بسببه، وكالتمسّك بالملازمات المختلف فيها، وكالتمسّك بالقياس الغير المنصوص العلّة، وغير القياس بطريق الأولويّة، وغير ذلك‏

«فهو أعرابيّ» صريح في أنّه يجب كفاية أخذ كتب الأحاديث من أهلها، كما سيجي‏ء تفصيله في باب الأخذ بالكتب. (1) انتهى‏

تحقيق قوله: «وكوجوب اتّباع ظنّ صاحب الملكة المخصوصة بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله)»: أنّ صاحب المَلَكة المخصوصة إن كان إماميّاً عدلًا ممتازاً في العلم، فالرخصة له عنهم (عليهم السلام) في العمل بالظنّ فيما لو ترك للزم الحرج المنفي ثابت بالنصّ وإجماع الإماميّة في زمن الغيبة، وذكرهم (عليهم السلام) معالجات علّة الاختلاف في الأحاديث المضبوطة المتواترة عنهم (عليهم السلام) رخصة لصاحب الملكة الموصوف في الحكم القطعي بالظنّ فيما لو توقّف للزم الحرج المنفيّ بمحكم الكتاب والسنّة.

الحديث الثامن‏

روى في الكافي عن الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ‏مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَلَا تَكُونُوا أَعْرَاباً؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلًا».

هديّة:

بيانه كسابقه. وقد بيّنا أنّه صريح في أنّ المراد أنّ مَن لم يتفقّه في الدِّين الحقّ مع‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 91.

319

إمكان التحصيل على قدر الحاجة والوسع لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة، أي لم يكن ثوابه- لو كان من الناجين- كثواب الساعين بقدر الوسع، وثابت أنّ «من مات في طلب علم الدِّين يعلّمه الملك فيحشر فقيهاً».

قال برهان الفضلاء: «ولم يزكّ له عملًا» أي لم يُقبل منه طاعةً.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ولا تكونوا أعراباً» أي كالأعراب في عدم التفقّه؛ فقد ذمَّ اللَّه تعالى الأعراب بقوله:

«الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» (1) وبيّن وجوب التفقّه في الدِّين وأكّده بقوله: «فإنّه من لم يتفقّه في دين اللَّه لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة، ولم يزكّ له عملًا».

وتفصيل المقام أنّه بيّن (عليه السلام) وجوب التفقّه بوجوه:

الأوّل: أنّ عدم التفقّه جدير بمن هو أشدّ كفراً ونفاقاً، ومن اختاره يكون كمَن آثر الكفر والنفاق.

الثاني: أنّ مَن لم يتفقّه في دين اللَّه لم ينظر إليه يوم القيامة ولم يزكّ له عملًا؛ أي لا يشملهم رحمته، ولا يثابون على أعمالهم؛ لأنّ أعمالهم لم تكن على وجه الانقياد والإطاعة؛ لأنّ الإطاعة والانقياد إنّما يتصوّر فيما يعلم فيه الأمر والنهي، ومَن لم يتفقّه لم يعلم وكلّ، ما لا يكون على وجه الإطاعة والانقياد لم يكن عبادة له تعالى، ومن لم يعبد اللَّه لم يكن محسناً، ولم ينل رحمة اللَّه، ولم يكن مثاباً بعلمه.

الثالث: ما استدلّ به في الحديث السابق على هذا الحديث بقوله: إنّ اللَّه يقول في كتابه:

«لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» فأوجب الخروج للتفقّه، ولو لم يكن التفقّه واجباً لم يكن الخروج له واجباً. (2)

الحديث التاسع‏

روى في الكافي عن النيسابوريّين: عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ‏

____________

(1). التوبة (9): 97.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 94- 95.

320

تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتّى‏ يَتَفَقَّهُوا».

هديّة:

«ودّ» كعزّ، و «السياط» جمع سوط، وهو ما يُجلد به، قُلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها.

قال برهان الفضلاء: المراد شكاية عن الشيعة.

الحديث العاشر

روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ‏ (1)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، رَجُلٌ عَرَفَ هذَا الْأَمْرَ لَزِمَ بَيْتَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّفْ إِلى‏ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «كَيْفَ يَتَفَقَّهُ هذَا فِي دِينِهِ؟!».

هديّة:

نصّ في الحظر من الاعتزال عن زيارة الإخوان في الدِّين، ودلالة على امتناع حصول العلم بالمكاشفة من الرياضة كما ادّعت الصوفية والقدريّة لعنهم اللَّه، وفي الباب الثاني: «إذا أراد اللَّه بعبدٍ خيراً فقّهه في الدِّين». يعني لا خير فيمن لم يتعلّم علم الدِّين من أهله بواسطة أو بلا واسطة.

والمراد أنّ مثله كمَن لا خير فيه، وفي عدادهم إذا ترك مع الإمكان، والمعذور يعلّم في البرزخ. سئل شيخٌ كبير من الصوفيّة الملعونين: ما حكم الشكّ بين الثلاث والأربع؟

فقال: استئناف الصلاة في كلّ صورة أولى، فإنّ الصلاة السليمة خيرٌ من صلاة ذات وصلة.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

321

الباب الثالث بَابُ صِفَةِ الْعِلْمِ وَ فَضْلِهِ وَ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ

وأحاديثه كما في الكافي عشرة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عن مُحَمَّدِ بْنُ الْحَسَنِ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ الدِّهْقَانِ، عَنْ دُرُسْتَ‏ (1)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسى‏ (عليه السلام)، قَالَ:

«دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) الْمَسْجِدَ، فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَا هذَا؟ فَقِيلَ: عَلَّامَةٌ، فَقَالَ: وَمَا الْعَلَّامَةُ؟ فَقَالُوا لَهُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَوَقَائِعِهَا وَأَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَشْعَارِ وَالْعَرَبِيَّةِ».

قَالَ: «فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله): ذَاكَ عِلْمٌ لَايَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله): إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ».

هديّة:

«العلّامة» على صيغة المبالغة: العالم جدّاً.

و «النسّابة»، والتاء للمبالغة، مبالغة في المبالغة. وعطف «الأيّام» محتمل.

و «العربية» أي القواعد المنسوبة بلسان العرب.

وضرر الجاهل ونفع العالم هنا يعلم من قوله (عليه السلام) في الثامن في السابق: «فإنّه من لم‏

____________

(1). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «محمّد بن الحسن و عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن‏عيسى، عن عبيداللَّه بن عبداللَّه الدهقان، عن درست الوسطي».

322

يتفقّه في دين اللَّه لم ينظر اللَّه‏ (1) إليه يوم القيامة ولم يزكّ له عملًا» وذلك في العلم بالأنساب، والوقائع، والتواريخ، والأشعار ظاهر. وأمّا في العربية، فهي قد تقع مقدّمة طالبي علم الدِّين، وليست مقصوده بالذات للنفع الموصوف.

(إنّما العلم ثلاثة) لعلّ المعنى: إنّما علم الدِّين الذي يوجب أن ينظر اللَّه إلى عالمه يوم القيامة بشرط العمل، ويزكّى له عمله ثلاثة بحسب الاسم الذي باعتبار العالم، وهو علم واحد حقيقةً. يدلّ على هذا العطفان بكلمة «أو»؛ فإنّ علم الدِّين ليس إلّاما اخذ عن اللَّه تبارك وتعالى، فإن كان بلا بشر سمّي (آية محكمة)؛ لأنّه من آيات محكمات حجّيّة الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، نبيّاً كان أو وصيّاً، كسائر المعجزات والدلالات، ومعجزة العلم أحكمها وأظهرها.

وإن كان بالواسطة، فإمّا بواسطة الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، أو بواسطة العاقل عن العاقل عن اللَّه، واحداً كانت الواسطة أو أكثر. فعلى الأوّل سمّي (فريضة عادلة) باعتبار أنّ طلبه فريضة، وآخذه عدل مشافهيّ كأنّه هو. ولوصفه حينئذٍ ب «العادلة» إشارة اخرى، وهي اشتراط عدالة الناقل الآخذ مشافهة، ففي صورة الواسطة بطريقٍ أولى.

وعلى الثاني سمّي (سنّة قائمة) أي بين الناس حتّى تقوم الساعة، ووجهه ظاهر كوجه البيان؛ إذ العلم ما فيه القطع واليقين.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

قوله في العنوان؛ يعني هذا باب بيان علامة العلم الذي أمر اللَّه تعالى بطلبه، وبيان فضيلته، وبيان فضيلة علمائه.

وقوله: «وأيّام الجاهليّة» أي تواريخها. «آية محكمة» أي العلم بمضمون محكم من محكمات القرآن إذا لم يكن منسوخاً، كالمحكمات الدالّة على النهي عن الشرك والعمل بالظنّ.

«أو فريضة عادلة» من الفرض بمعنى القطع والإبانة. و «عادلة» من العدل، بمعنى الرجوع عن الشي‏ء.

____________

(1). في «الف»:-/ «اللَّه».

323

والمراد هنا من الفريضة مسائل فروع الفقه، وهي انتهت في الإبانة، وعلم بها حكم الأفعال الشخصيّة. فالمعنى أو العلم بما يكون فيه القطع الإلهيّ وفصله بحكم متعلّق بفعل مخصوص من أفعال المكلّفين بلا واسطة قاعدة كلّيّة يستنبط منه أحكام أفراد الأفعال، و «الفريضة» بهذا المعنى «عادلة» من محكمات القرآن ليست فيها كوجوب الأربع للظهر واستحباب أحد عشر في السَّحَر.

«أو سنّة قائمة» أي طريقة بيّنة، وقواعد أصليّة ظاهرة، يعلم بواسطتها الأحكام المتعلّقة بالأفعال الشخصيّة التي لا يظهر القطع الإلهي وفصله فيها بدون تلك الطريقة، والقواعد الأصليّة، يعني مسائل اصول الفقه، كالعمل في مسألة مشتبهة بظاهر القرآن لو أمكن لكن بدون القضاء والإفتاء، وكالعمل بالخبر الواحد الصحيح لو لم يمكن بظاهر القرآن، وكغير ذلك من الاصول الفقهيّة الثابتة عندنا. والمصنّف طاب ثراه أشار إلى القسم الثالث في الخطبة بقوله: «بالآثار الصحيحة والسنن القائمة».

«وما خلاهنّ فهو فضل» أي زيادة بلا طائل، لا يضرّ من جهله، ولا ينفع من علمه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ذلك علمٌ لا يضرّ من جهله، ولا ينفع من علمه» أي لا يتضرّر أحد بجهله، ولا يكون بفقدانه سَيِّئ الحال، ولا يترتّب نفع على حصول ذلك العلم وإن كان في نفسه نوع فضيلة.

وما هذا شأنه لا يعتدّ به، ولا ينبغي أن يعدّ من العلوم؛ فإنّ ما يُحتاج إليه من العلوم وما ينتفع به كثير لا مجال للاشتغال عنها بمثل ذلك العلم.

«إنّما العلم» أي الحقيق بأن يعدّ علماً هو العلم المحتاج إليه والمنتفع به في الدِّين والدنيا، وهو «ثلاثة» أقسام:

العلم بآية محكمة من الكتاب بمعرفة ما فيها من المعارف والأحكام. و «الآية المحكمة» هي التي لم تكن منسوخة، ولا محتاجة إلى التأويل.

أو العلم بفريضة عادلة. والمراد ب «الفريضة» ما أوجبه اللَّه تعالى بخصوصه، سواء علم وجوبه بالمحكمات من الآيات أو بطريق آخر، أو الفريضة الواجب مطلقاً.

والمراد ب «العادلة»: القائمة، أي الباقية الغير المنسوخة.

وقيل: الفريضة العادلة: المعدّلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنّة. (1)

____________

(1). راجع: شرح المازندراني، ج 2، ص 23.

324

وقيل: ما اتّفق عليه المسلمون. (1) وما ذكرناه أقرب.

أو العلم بسنّة قائمة. والمراد ب «السنّة» الطريقة أي ما يكون ثبوته من جهة الطريقة التي سنّها رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وإذا قوبلت بالفريضة يراد بها ما لا يكون فريضة.

فكلّ من هذه العلوم يغاير الآخرين، ولذا ثلّث القسمة، فلا يضرّ اجتماع بعضها مع بعض في الجملة، ولا حاجة إلى تخصيص الأوّل بالمعارف الاصوليّة بقرينة المقابلة كما ظنّ، ويندرج فيها المعارف الاصوليّة والمسائل الفروعيّة، سواء وجب الفعل أو الترك، أو سنّ الفعل أو الترك.

ويحتمل أن يكون المراد من العلم بآية محكمة الاطّلاع على الآية وفهمها. ومن العلم بالفريضة العادلة ما هو من المعارف الاصوليّة. ويكون «العادلة» حينئذٍ بمعنى القائمة في النفوس أنّها مستقيمة. ومن العلم بالسنّة القائمة العلم بالشريعة كلّها.

والأوّل يغاير الآخَرَين وإن كان قد يوصل إليهما، كالعلم بالدليل يغاير العلم بالمدلول وإن كان موصلًا إليه. (2) انتهى‏

الأمر في‏ (3) ذلك‏ (4) كما في النسخ التي رأيناها، وذلك كما في نسخته (رحمه الله) ضبطاً منه، أو على الاشتباه من ناسخها سهل، ولا شكّ أنّ خير الوجوه ما هو أنسب بلفظ العلم بمعنى القطع واليقين، والوجه الذي ذكرناه وجه وجاهته معه، والقطع بحقّية شي‏ء من الامور الدينيّة منحصر في أخبار من انحصرت الأعلميّة فيه تعالى شأنه.

وقال السيّد الباقر الشهير بداماد (رحمه الله):

علم الآية المحكمة هو العلم النظري الذي فيه المعرفة باللَّه سبحانه، وبحقائق مخلوقاته ومصنوعاته، وبأنبيائه ورسله، وهذا هو الفقه الأكبر.

وعلم الفريضة العادلة هو العلم الشرعي الذي فيه المعرفة بالشرائع والسنن، والقواعد

____________

(1). المصدر السابق.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 95- 97.

(3). في «الف»: «إلى».

(4). في «ب» و «ج»: «ذاك».

325

والأحكام في الحلال والحرام، وهذا هو الفقه الأصغر.

وعلم السنّة القائمة هو علم تهذيب الأخلاق، وتكميل الآداب. (1)

وقال ابن الأثير في نهايته:

فسّر الفريضة بالميراث، والعادلة بتعديل السّهام. ثمّ قال: ويحتمل يريد أنّها مستنبطة من الكتاب والسنّة، فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخذ عنهما، وقيل: الفريضة العادلة ما اتّفق عليه المسلمون. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله):

التعريف في «العلم» للعهد، وهو ما علم من الشارع، وهو العلم النافع في الدِّين، وحينئذٍ «العلم» مطلق، فينبغي تقييده بما يفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر. بيانه: أنّ قوله «آيةٌ محكمة» يشتمل على معرفة كتاب اللَّه وما يتوقّف عليه معرفته؛ لأنّ المحكمة هي التي أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، فتحمل المتشابهات عليها، وتردّ إليها، ولا يتمّ ذلك إلّاللماهر في علم التفسير والتأويل الحاوي لمقدّمات يفتقر إليها من الأصلين وأقسام العربيّة.

ومعنى قيام «السنّة القائمة» ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها، من قامت السّوق، إذا نفقت؛ لأنّها إذا حوفظ عليها كانت كالشي‏ء النافق الذي يتوجّه إليه النفقات، ويتنافس فيه المحصّلون‏ (3) بالطلبات.

ودوامها؛ إمّا أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن والموثّق والضعيف المنشعب منه أقسامٌ كثيرة، وما يتّصل بها من المتمّمات ممّا يسمّى علم الاصطلاح.

وإمّا أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان، وتفهّم معانيها، واستنباط العلوم منها.

«أو فريضة عادلة» أي مستقيمة مستنبطة من الكتاب والسنّة والإجماع.

«وما خلاهنّ فهو فضل»؛ أي لا مدخل لها في اصول علم الدِّين، بل ربّما يستفاد منه‏

____________

(1). التعليقة على الكافي، ص 66- 67.

(2). النهاية لابن الأثير، ج 3، ص 432 (فرض).

(3). في «الف»: «للحصول».

326

خبثاً؛ لقوله (عليه السلام): «أعوذ بك من علمٍ لا ينفع». (1)

ولقلّة الفائدة في نقل تكلّفات الأقوال هنا طويناها بطويها.

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عن مُحَمَّدِ، عن ابى عِيسى‏، عَنْ البَرقي، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَاكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِثُوا دِرْهَماً وَلَا دِينَاراً، وَإِنَّمَا أَوْرَثُوا أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا، فَقَدْ أَخَذَ حَظّاً وَافِراً، فَانْظُرُوا عِلْمَكُمْ هذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ؟ فَإِنَّ فِينَا- أَهْلَ الْبَيْتِ- فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولًا يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ».

هديّة:

(إنّ العلماء) يعني علماء علم الدِّين، وهم الأوصياء، وعلماء شيعتهم (عليهم السلام). وهذا الإطلاق بدلالة فقرات الحديث، وقول بعض المعاصرين.

(ورثة الأنبياء) إمّا ورثتهم من غذاء الروح، فهم أولادهم الروحانيّون؛ أو ورثتهم من غذاء الجسم، وهم أولادهم الجسمانيّون. يوهم ترجيح غير الإمام على الإمام، فلعلّ غرضه أنّ أئمّتنا (عليهم السلام) ورثة جدّهم (صلى الله عليه و آله) بكلا الاعتبارين.

(حظّاً وافراً) لأنّ قليل العلم خيرٌ ممّا طلعت عليه الشمس. (3)

فلمّا لم يكن العلم إلّاما يحصل به اليقين، ولا يحصل إلّابالأخذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه الذي انحصرت فيه الأعلميّة بما في هذا النظام بلا واسطة أو بواسطة عدول علماء الشيعة، قال (عليه السلام): (فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه).

____________

(1). كنز الفوائد، ج 1، ص 385؛ و عنه في بحار الأنوار، ج 83، ص 18، ح 15.

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن أبي‏البَخْتَري».

(3). لعلّه إشارة إلى المرويّ في مستدرك الوسائل، ج 17، ص 300، ح 21405: «و عنه (صلى الله عليه و آله) قال: سارعوا في طلب العلم، فلحديث صادقٍ خير ممّا طلعت عليه الشمس والقمر».

327

و «الخلف» بالتحريك والسكون: كلّ من يجي‏ء بعد من مضى، إلّاأنّه يحرّك في الخير، ويسكن في خلافه. يُقال: خلف صدق وخلف شرّ.

يعني في زمن كلّ خلف عدولًا من شيعته (ينفون عنه) (عليه السلام) أو عن الدِّين المفهوم سياقاً (تحريف الغالين، وانتحال المبطلين) أي ادّعائهم الحقّ. وأفحشهم الصوفيّة القدريّة- لعنهم اللَّه- وهم أفضح المأوّلين الجاهلين، انتحل شعر غيره ادّعى لنفسه.

وفي الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». (1) أي عدول شيعته.

واحتمال تعميم أهل البيت والخلف، وتخصيص العدول بالأئمّة (عليهم السلام) كما يتوهّم من ظاهر العبارة ليس بشي‏ء.

قال برهان الفضلاء:

المراد ب «العلماء» هنا، العالمون بالبيّنات المحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ الآمرة بسؤال أهل الذِّكر (عليهم السلام) على الوجه الذي لا يكون معه غلوّ وانتحال وتأويل.

والمراد ب «الأنبياء» ذووا شريعة على حدة، وهم ستّة: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى‏، وعيسى‏، ونبيّنا محمّد (صلى الله عليه و آله).

«وذاك أنّ» بفتح الهمزة وتشديد النون بتقدير «لأنّ».

و «الأحاديث» عبارة عن الآيات البيّنات المحكمات التي مضمونها مشترك بين مجموع كتب هؤلاء الستّة من الأنبياء (عليهم السلام).

و «من» تبعيضيّة؛ لأنّ في كتبهم غير تلك الآيات أيضاً، لكن تلك الآيات أحسن الحديث، قال اللَّه تعالى في سورة الزمر: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ» (2)، وفي سورة يوسف: «ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» (3).

____________

(1). معاني الأخبار، ص 35، باب معنى الصراط ذيل الحديث 4؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 81، باب ذكر الرغائب في العلم و ....

(2). الزمر (39): 23.

(3). يوسف (12): 111.

328

و «بشي‏ء منها» مبنيّ على أنّ مضمون تلك الآيات واحد، والتكرار إنّما هو لتأكيد إتمام الحجّة، ولذا تسمّى بالمتشابه بمعنى المتوافق و المثاني، فالتمسّك بواحدة منها كما هو حقّه تمسّك بجميعها.

«حظّاً وافراً» مبنيّ على أنّها امّ الكتاب. وأصل الشريعة، والتمسّك بها يفضي إلى ترك اتّباع الظنّ في المتشابهات، والاشتغال بالسؤال عن أهل الذِّكر، والاستعلام من أحاديثهم (عليهم السلام) على ما امروا به، فيوجب صحّة العبادة والفوز بالحظّ الوافر ورضوان اللَّه تعالى. قال اللَّه تعالى في سورة الحديد: «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‏ عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1).

و «علمكم هذا» عبارة عن مضمون تلك المحكمات.

و «في» في «فينا» وفي «كلّ خلف» تعليليّة. والظرف الثانية بدل من الاولى، من قبيل بدل البعض من الكلّ و «الأهل» نصب على الاختصاص.

و «الخلف» عبارة عن الإمام الحيّ من أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ زمان إلى انقراض التكليف.

و «العدول»: جمع عدل، بمعنى عادل؛ يعني المتوسّطين بين الإفراط والتفريط من جملة الإماميّة.

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّ العلماء ورثة الأنبياء». المراد بالوارث هنا هو الباقي بعد المورِّث الذي يصير إليه ما بقي بعد المورّث وتركه، كما في قوله (صلى الله عليه و آله): «اللّهمَّ متّعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث منّي» (2) أي أبقهما بعد انحلال القوى النفسانيّة حتّى يصير إليهما ما بقي بعدها من موادّ تصرّفها ويكون لهما، فمن لم يبق منه إلّاالعلوم ولم يترك سواها، لم يكن له وارث سوى من صار إليه ما تركه وبقي عنه. وبيّنه (عليه السلام) بقوله: «وذاك لأنّ‏ (3) الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم» أي من علومهم التي حدّثوا بها.

____________

(1). الحديد (57): 9.

(2). الكافي، ج 2، ص 577، باب دعوات موجزات، ضمن الحديث 1؛ مصباح المتهجّد، ص 270، الرقم 381.

(3). في «الف»: «أن».

329

وأتى ب «من» التبعيضيّة؛ لأنّ من أحاديثهم أحاديثَ لم يورثوها بل نُسخت، فمن أخذ شيئاً من الأحاديث الموروثة متمسّكاً به «فقد أخذ حظّاً وافراً» لشرف المأخوذ وفضيلته؛ حيث إنّه ممّا آثره خير الناس، ومن مواريثه التي تركها لُامّته، ولا نجاة للُامّة إلّا بها ولا غناء لهم عنها. وما كان شأنه هذا فينبغي أن يُهتمّ بأمره ويُؤخذ من مآخذه، ولا يساهل فيه. فنبّه (عليه السلام) عليه بقوله: «فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه» فإنّ التساهل في معرفة الطريق إلى المأخوذ به تساهل في المأخوذ.

«فإنّ فينا أهل البيت- إلى قوله-: و تأويل الجاهلين» ناظر إلى ما روي عنه (صلى الله عليه و آله): «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (1) أي العدول الذين ذكرهم النبيّ (صلى الله عليه و آله) فينا أهل البيت. يدلّك عليه قوله (صلى الله عليه و آله): «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب اللَّه، وعترتي» (2) الحديث، ثمّ الفحص عن أحوال أهل البيت و أحوال المخالفين لهم.

والمراد ب «كلّ خلف» بكل قرن من القرون بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

و المراد ب «العدول»: الملتزمون‏ (3) للطريقة الفُضلى التي هي التوسّط بين الإفراط والتفريط.

و «التحريف»: صرف الكلام عن وجهه.

و «الغالين»: المجاوزين الحدّ.

و «الانتحال»: أن يدّعي لنفسه ما لغيره، كأن يدّعي الآية أو الحديث في غيره أنّه فيه.

و «المبطلين»: الذين جاؤوا بالباطل و قرّروه، و ذهبوا بالحقّ وضيّعوا الحقّ، وأخفَوه.

و «تأويل الجاهلين»: تنزيلهم الكلام على غير الظاهر، وتبيين مرجعه، وهذا إنّما يجوز من العالم الراسخ‏ (4) في العلم.

____________

(1). معاني الأخبار، ص 35، باب معنى الصراط ذيل الحديث 4؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 81، باب ذكر الرغائب في‏العلم و ....

(2). حديث الثقلين رواه الخاصّة والعامّة بطرق عديدة وألفاظ مختلفة، وهو من الأحاديث المتواترة عند الفريقين. راجع: عبقات الأنوار، ج 1، قسم حديث الثقلين؛ بحار الأنوار، ج 23، ص 104، باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و ...؛ مسند أحمد، ج 3، ص 17، 26، ح 1119- 11147، 11227؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، 160، ح 4576، 4711؛ كنز العمّال، ج 1، ص 333، ح 952- 953.

(3). في «ب» و «ج»: «الملتزمين».

(4). في المصدر: «من العالم، بل الراسخ» بدل «من العالم الراسخ».

330

فإن قيل: إنّما في زمان ظهور الحجّة يتمكّن من الأخذ عنه، وفي زمان الغيبة لا يتمكّن عن الأخذ عن الحجّة فما يصنع الطالب؟

قلنا: في حال الغيبة يتمكّن الطالب من الأخذ عن العدول الظاهرين في القرون السابقة، وإن لم يتمكّن من الأخذ عن النائب فيأخذ عنهم. وما لم يكن له فيه سبيل إلى الأخذ يتوقّف فيه، ولا يصير إلى الأخذ عن الجاهل، وإنّما وقع أهل هذه الأعصار فيما وقعوا فيه من سوء اختيارهم وغلبة الأهواء فيهم على العقول، فجاءهم الضرر من أنفسهم. (1) انتهى.

لعلّ التعبير بالسمع والبصر في الحديث الذي نقله السيّد (رحمه الله) في أوائل بيانه عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) إنّما هو عن السبطين (صلوات اللَّه عليهما).

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَن الاثنين، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

«إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً، فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ».

هديّة:

(خيراً) أي خيراً عظيماً. والمراد أنّه لا خير فيمن لم يتعلّم علم الدِّين بقدر حاجته ووسعه من أهله بواسطة أو بلا واسطة. والمراد ما مرّ في بيان العاشر من الباب الثاني.

قال برهان الفضلاء: «خيراً» أي النجاة، ودخول الجنّة.

«في الدِّين» أي في طريق العبوديّة الحقّة، فيكفّ نفسه عن اتّباع الظنّ في المشتبهات.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي بإسناده عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، (3) عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 97- 99.

(2). لفظ السند في الكافي المطبوع هكذا: «الحُسين بنُ محمّد، عن معلّى بنِ محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن‏حمّاد بن عثمان».

(3). السند إلى هنا في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بْنِ شاذان، عن حمّاد بن عيسى».

331

أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ: التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، وَالصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ، وَتَقْدِيرُ الْمَعِيشَةِ».

هديّة:

(النائبة): المصيبة والحادثة.

و (تقدير المعيشة): تعديلها من دون الإسراف والتقتير. قال اللَّه تعالى: «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» (1).

وفي بعض النسخ: وحسن تقدير المعيشة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: «النائبة»: ما ينزل من شدائد الدنيا. و «تقدير المعيشة»:

الاقتصاد من دون الإتلاف والتضييق.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«النائبة»: ما ينزل بالإنسان من المهمّات والحوادث. و «تقدير الشي‏ء»: التفكّر في تسوية أمره. هذا إذا جعل «وتقدير المعيشة» عطفاً على قوله: «والصبر» وإن جعل عطفاً على «النائبة»، فالمعنى: والصبر على تقدير المعيشة، من قدّر، بمعنى قتّر. (2)

الحديث الخامس‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏ (عليه السلام)(3)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ، وَالْأَتْقِيَاءُ حُصُونٌ، وَالْأَوْصِيَاءُ سَادَةٌ».

هديّة:

يعني علماء الدِّين حقّاً من الرعيّة هم الذين يكونون امناء بعدالتهم المرضيّة عند اللَّه تعالى في حفظ أحاديث الحجج المعصومين (عليهم السلام)، ونقلها، ونشرها، وفي سائر معاملاتهم في الناس.

(والأتقياء): جمع التّقي، بمعنى الأتقى؛ بقرينة «العلماء» المراد بهم عدولهم.

____________

(1). الفرقان (25): 67.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 99.

(3). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى».

332

(الامناء) يعني والأكرمون من هؤلاء العلماء، وأكرمهم عند اللَّه أتقاهم.

(حصون) حصينة للشريعة والمتشرّعين من فِتَن المبتدعين في الدِّين بخدائع الطواغيت والشياطين.

(والأوصياء سادة) يعني حكم اللَّه تعالى إنّما هو حكمهم (عليهم السلام) بلا واسطة أو بواسطة العدول من العلماء الممتازين المحتاطين جدّاً بالتوقّف في الشبهات لو لم يلزم الحرج المنفيّ.

وقال برهان الفضلاء:

يعني العلماء كامناء الحصون فوّضت الحصون إليهم؛ لأمانتهم، وتلك الحصون الأتقياء في الامّة. والسادة المفوّضون الحصون إلى العلماء، هم الأوصياء (عليهم السلام). وفيه إشارة إلى أنّ غير المتّقي خارج من الحصن.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الأمين» هو المعتمد عليه، الموثوق به. والعلماء موثوق بهم فيما آتاهم اللَّه من فضله، وأعطاهم من المعرفة والعلم، فيحفظونه ويوصلونه إلى من يستحقّه.

«والأتقياء حصون»؛ لأنّ بتقواهم واجتنابهم عن المحرّمات يحصل حفظ الامّة عن دخول النوايب ونزول العذاب عليهم، وبهم يُدفع عن غيرهم كالحصن بالنسبة إلى المدينة.

«والأوصياء سادة»، «السيّد»: الجليل العظيم الذي له الفضل على غيره، وهو الرئيس الذي يعظّم ويُطاع في أوامره ونواهيه، ولم يكن لأحد الخروج من طاعته. (1)

الحديث السادس‏

روى في الكافي، وقال: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى‏: «الْعُلَمَاءُ مَنَارٌ، وَالْأَتْقِيَاءُ حُصُونٌ، وَالْأَوْصِيَاءُ سَادَةٌ».

هديّة:

(منارٌ) أي أعلام يعلم بهم معالم الدِّين. في بعض النسخ كما ضبط برهان الفضلاء

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 100.

333

سلّمه اللَّه: «والعلماء سادة» قال: يعني علماء الدِّين من الرعيّة منار؛ لئلّا يضلّوا عن الطريق، والعلماء من أهل البيت (عليهم السلام) سادة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): «العلماء منار»، «المنار»: موضع النّور وعَلَم الطريق.

والمراد به المهتدى به. (1)

الحديث السابع‏

روى في الكافي عَنْ الفتى، (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكِنْدِيِّ، عَنْ بَشِير الدَّهَّانِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَايَتَفَقَّهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، يَا بَشِيرُ، إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِفِقْهِهِ، احْتَاجَ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِمْ، أَدْخَلُوهُ فِي بَابِ ضَلَالَتِهِمْ وَهُوَ لَايَعْلَمُ».

هديّة:

يعني من لا يتفقّه في الدِّين من أصحابنا مع التمكّن فكمَن لا خير فيه وفي عدادهم، كما بيّن في بيان العاشر من الباب الثاني. وضمائر الجمع للمخالفين عدا الأوّل، وما أسهل إدخالهم غيرهم في باب ضلالتهم بمقالات الصوفيّة منهم كالبصري والثوري والشامي والرومي.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«احتاج إليهم» يعني إليهم وإلى كتبهم، فبخيالٍ منه أنّه يأخذ ما هو الحقّ فيها ويترك خلافه، يقع على التدريج فيما كان يفرّ منه وهو لا يشعر. ومنشأ الدخول في باب الضلالة تبعيّة الظنّ فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّ الرجل منهم» أي من أصحابنا

«إذا لم يستغن بفقهه» عن المراجعة إلى غيره في المسائل الضروريّة للعمل.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 100.

(2). في «ج»: «القمّي». و في الكافي المطبوع: «أحمد بن إدريس» بدل «عن الفتى».

334

«احتاج إليهم» عند شدّة التقيّة، أو عدم حضور الفقيه وتيسّر الوصول إليه.

«فإذا احتاج إليهم» راجعهم وجالسهم.

«أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم» أيّ يحسّن الشيطان قولهم وعملهم في نظره ويرغّبه إليه، فيميل إليهم ويدخل في باب ضلالتهم من حيث لا يدري. (1)

الحديث الثامن‏

روى في الكافي عن عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ، (2) عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): لَاخَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ: عَالِمٍ مُطَاعٍ، أَوْ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ».

هديّة:

(العيش): الحياة، يعني لا بقاء لخير حياة الدنيا إلّالرجلين.

(عالم) وكذا (مستمع) يحتمل الجرّ على البدل، والرّفع على الخبر، أي أحدهما عالم مفترض الطاعة بالعصمة المنصوصة، والآخر مستمع قول المعصوم مشافهة أو بالواسطة الموصوفة، حافظ له بالانقياد والتسليم.

«وعاه»: حفظه.

قال برهان الفضلاء: «عالمٌ مُطاع» أي يجب السؤال عنه، والعمل بقوله. «أو مستمع واع» أي حافظ بالعمل.

الحديث التاسع‏

روى في الكافي عن الثلاثة؛ (3) وَمُحَمَّدِ، عَنْ أَحْمَدَ، (4) عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ عَابِدٍ».

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 100- 101.

(2). في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».

(3). يعني: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

(4). في الكافي المطبوع: «و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد».

335

هديّة:

من الانتفاع بالعلم المأخوذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه إرشاد الضالّ المغترّ بطريقة الصوفيّة والقدريّة ومقالاتهم الخادعة بأعمالهم الباطلة المحفوفة بِنَبْذٍ من الأشياء الحقّة، وطريقتهم أفحش المهلكات وأخفاها على الجُهلاء، وأبينها عند العقلاء، ومثل حجرة الصوفي، وإدلاء الزنبيل ليعرج مشهور، ونِعْمَ ما قيل:

صاحبدلى بمدرسه آمد زخانقاه‏* * * بشكست عهدِ صحبتِ اهلِ طريق را

گفتم ميان عابد و عالم چه فرق بود* * * تا اختيار كرد دلت اين فريق را؟

گفت آن شده است غرق بفكر كَليم خويش‏* * * اين جهد مى‏كند كه بگيرد غريق را (1)

قال برهان الفضلاء: يعني من سبعين ألف عابد لا يصل نفع عمله إلّاإلى نفسه.

الحديث العاشر

روى في الكافي عن الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ ابْنِ عَمَّارٍ (2)، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): رَجُلٌ رَاوِيَةٌ لِحَدِيثِكُمْ يَبُثُّ ذلِكَ فِي النَّاسِ، وَيُشَدِّدُهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَ قُلُوبِ شِيعَتِكُمْ، وَلَعَلَّ عَابِداً مِنْ شِيعَتِكُمْ لَيْسَتْ لَهُ هذِهِ الرِّوَايَةُ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ:

«الرَّاوِيَةُ لِحَدِيثِنَا يَشُدُّ بِهِ قُلُوبَ شِيعَتِنَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ».

هديّة:

(راوية) أي كثير الرّواية، والتاء للمبالغة، كما في العلّامة، والنسّابة.

(يبثّ) من باب مدّ، وبثّ الحديث: نشره‏

____________

(1). گلستان سعدى، ص 219، باب دوّم حكايت 38. و فيه:

گفت آن گليم خويش بدر مى‏برد ز موج‏* * * وين جهد مى‏كند كه بگيرد غريق را.

(2). في الكافي المطبوع: «عن معاوية بن عمّار».

336

(ويشدّده) بالشين المعجمة والتشديد: الإحكام والتقوية.

وضبط برهان الفضلاء- كما في بعض النسخ- بالمهملة في «يشدّده» وبالمعجمة في «يشدّ به». قال في شرحه بالفارسي:

«ويسدّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم»؛ يعني ووا مى‏نمايد راستى حديث شما را در دلهاى مخالفان و در دلهاى شيعه شما.

و «يشدّ به» يعنى پا برجا ميكند بحديث ما دلهاى شيعه مارا.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الراوية»: كثير الرواية، والتاء للمبالغة. والمراد ببثّ الحديث في الناس نشره بينهم بإيصاله إليهم. و «السّداد»- بالسين المهملة-: الاستقامة وعدم الميل.

«يسدّده» أي يقرّره سديداً بتضمين معنى التقرير.

«في قلوب الناس وقلوب شيعتكم» من عطف الخاصّ على العامّ؛ لزيادة الاهتمام.

وفي بعض النسخ: «يشدّده» بالمعجمة، أي يوثّقه ويجعله مستحكماً في قلوبهم. وعلى النسخة الاولى يحتمل هذا المعنى أيضاً؛ فإنّ «التسديد» (1) قد يُراد به التوثيق.

ولمّا ذكر السائل هذا القسم والقسم الذي يقابله به- وهو العابد من الشيعة ليست له تلك الرواية- وصرّح بغرضه الذي هو السؤال عن النسبة بينهما في الفضيلة، أجاب (عليه السلام)(2): بأنّ «الرّاوية لحديثنا الذي يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد» وفيه إشعار بأنّ الفضيلة باعتبار النشر بين الشيعة وإخبارهم، لا بالنشر بين غيرهم وإن لم يكن فيه الإخلال بالتقيّة الواجبة. (3)

فإن قيل: لِمَ قال في هذا الحديث: «أفضل من ألف عابد» وفي الحديث السابق [في النسبة بين العالم الذي ينتفع بعلمه و العابد (4)]: «أفضل من سبعين ألف عابد؟»

قلنا: للتفاوت بين العلم ورواية الحديث؛ فإنّ الراوي حافظ للكلام، ناقل له، ولا يلزم أن‏

____________

(1). في «ج»: «التشديد».

(2). في «ج»:+/ «عنه».

(3). في المصدر: «بالواجب من التقيّة».

(4). ما بين الموقوقين أضفناه من المصدر.

337

يكون عالماً، فإنّه لا ينافي روايتُه جهلَه بالمراد ممّا يرويه، «وربَّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه». (1) فبيّن (عليه السلام) التفاوتَ بين العالم المنتفع بعلمه والعابد بأنّه أفضل من سبعين ألف عابد، والتفاوتَ بين الراوية والعابد بأنّه أفضل من ألف عابد، فيفهم منها أنّ العالم المنتفعَ بعلمه أفضل من سبعين راويةً للحديث يشدّ به قلوب الشيعة. (2)

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 403، باب ما أمر النبيّ (صلى الله عليه و آله) بالنصيحة ...، ح 1 و 2؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 80، باب ذكرالرغائب في العلم و ...؛ و ص 378، باب ذكر الأمان.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 101- 102.

338

الباب الرابع بَابُ أَصْنَافِ النَّاسِ‏

و أحاديثه كما في الكافي أربعة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عن عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلٍ، وَمُحَمَّدُ عَنْ ابْنِ عِيسى‏ جَمِيعاً، عَنْ السرّاد، عن الشحّام، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، (1) عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللَّه عليه) يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ آلُوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) إِلى‏ ثَلَاثَةٍ: آلُوا إِلى‏ عَالِمٍ عَلى‏ هُدًى مِنَ اللَّهِ قَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِمَا عَلِمَ عَنْ عِلْمِ غَيْرِهِ، وَجَاهِلٍ مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ لَاعِلْمَ لَهُ، مُعْجَبٍ بِمَا عِنْدَهُ و (2) قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا وَفَتَنَ غَيْرَهُ، وَمُتَعَلِّمٍ مِنْ عَالِمٍ عَلى‏ سَبِيلِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وَنَجَاةٍ، ثُمَّ هَلَكَ مَنِ ادَّعى‏، وَخَابَ مَنِ افْتَرى‏».

هديّة:

«آل إليه»: رجع وصار، يعني صاروا ثلاثة أصناف بدليل ثالثها.

(بما علم) أي عقلًا عن اللَّه بجعله حجّته على الناس. واحتمال المعلوم، أو خلافه من التفعيل كماترى.

(مدّع للعلم) أي في المتشابهات بالأدلّة والمقاييس، أو بالمسموع من الأفواه من‏

____________

(1). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «عليّ بن محمّد، عن سهل بن زيادٍ؛ و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن‏محمّد بن عيسى جميعاً، عن ابن محبوب، عن أبي اسامة، عن هشام بن سالم».

(2). في الكافي المطبوع: «قد» بدل «وقد».

339

غير استناده على الوجه الصحيح على ما وصف من الحجّة المعصوم، إلى الحجّة المعصوم أو بادّعاء المكاشفة بالارتياض، أو التحديث، أو الإلهام من دون أن يكون من الحجج المعصومين المحصور عددهم في تقدير اللَّه وحكمته كالأفلاك وأبراجها، «وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» (1)

(لا علم له) أي بالمختلف فيه على ما وصف.

(معجب بما عنده) من المكتسب بما فصّل. أعجبني فلانٌ لحسنه، وقد اعجب فلان بنفسه، على ما لم يسمّ فاعله، فهو معجَب برأيه، بفتح الجيم.

ولمّا كان في الحقيقة أصناف الناس بحسب علم الدِّين بعد رسول ا (صلى الله عليه و آله) أربعة وكان القسمان منها في النار، وكان لا يتعلّق غرض يعتدّ به ببيان تفاوت مرتبتهما فيها أدرج (عليه السلام) ثانيهما في الأوّل؛ إيماءً إلى أنّهما في النار، ثمّ أومأ إلى تربيع القسمة بقوله: (وفتن غيره).

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله): لم يذكر المتعلّم من جاهل مدّع؛ إمّا لكونه كالمعدوم؛ أو لكونهما غثّاء، كما في التالي، وهما في النار؛ أو للظهور.

وقال برهان الفضلاء:

«آلوا» بالهمزة والألف وضمّ اللّام من باب نصر، يعني صاروا هكذا إلى يوم القيام.

و «المعجب» على اسم المفعول من الإفعال.

«إلى عالم» يعني أمير المؤمنين وأحد عشر من ولده (صلوات اللَّه عليهم).

«ثمّ هلك من ادّعى» تعريض على الأوّل، «وخاب مَن افترى» على الثاني.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«آلو إلى عالم» إلى آخره: تصريح بأنّ الناس ثلاثة أصناف: أصحاب العصمة، ومن التزم السماع منهم بواسطة أو بدونها في المسائل الدينيّة كلّها، وغيرهما. وتصريح بأنّ الصنف الثالث مفترٍ على اللَّه، سواء كان مجتهداً أو مقلِّداً؛ يعني آلو إلى عالم ومتعلّم وصاحب الجهل المركّب. (2)

____________

(1). الرعد (13): 8.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 93.

340

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

يعني رجعوا إلى ثلاثة؛ فإنّه إذا فُتّش عن أحوالهم وُجدت راجعةً إلى ثلاثة، فيكون رجوع الناس باعتبارها إلى ثلاثة أقسام:

«عالم» بالمعارف ومسائل الشريعة «على هدى من اللَّه» أي مستقرّ على هدى من جانب اللَّه وبتأييده. والمراد به الحجّة، وهو أحد الأقسام الثلاثة.

وغير العالم ينقسم قسمين:

أحدهما: الذي لا يتعلّم ولا يرجع في تحصيل المعرفة إلى العالم ابتداءً أو بواسطة، فيرى ما عنده من رأيه أو الآخذ عن الجاهل كافياً له، فهو «مدّع للعلم». (1)

وهذا هو القسم الثاني الذي عبّر عنه بقوله: «وجاهل مدّع للعلم لا علم له، معجب لما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيره. والمراد بالجاهل إمّا مقابل العالم. وقوله: «لا علم له» تأكيد لجهله. وإمّا مقابل العاقل، وجميع ما بعده ممّا يترتّب على جهله.

والآخر: المتعلّم من العالم ابتداءً أو بواسطة.

ولمّا فرغ من ذكر الأقسام قال: «ثمّ هلك من ادّعى» أي بعد ماآل الناس إلى ثلاثة هلك هذا القسم بعمله بمقتضى جهله، أو ادّعائه العلم من اللَّه لنفسه، والبقاء على ضلاله وإضلاله الناس وإضاعته للحقّ وإعلائه للباطل وخاب وخسر بقوله على اللَّه بما لا يعلم، و افترائه بالكذب على اللَّه، والإفتاء في حكم اللَّه من غير دليل. (2)

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عن الاثنين، عَنِ الْوَشَّاءِ، (3) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ سَالِمِ بْنِ مُكْرَمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ، وَمُتَعَلِّمٌ، وَغُثَاءٌ».

هديّة:

يعني بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، أو من أوّل التكليف إلى انقراض الدنيا.

____________

(1). في المصدر بإضافة «فإنّه من الظاهر أنّه لاكفاية إلّابالعلم، فمن يرى الكفاية فيما عنده- من الرأي الفاسد و الأخذِ عن غير العالم- يكون مدّعياً لكونه علماً».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 102- 103.

(3). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ‏الوشّاء».

341

(عالم) أي على‏ هدى من اللَّه قد أغناه اللَّه بعقله عن اللَّه بلا واسطة بشر عن علم غيره.

(ومتعلّم) أي من العاقل عن اللَّه بلا واسطة أو بواسطة.

و «الغثاء» بالمدّ والضمّ»: ما يحمل السّيل من الزّبد والوسخ، يعني سواء كان عالماً مدّعياً أو متعلّماً منه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

المراد من «العالم» الإمام الحقّ، ومن «المتعلّم» شيعته، ومن «الغثاء» هنا الذين سقطوا عن درجة الاعتبار؛ لأنّهم حطب جهنّم وبئس المصير؛ يعني أئمّة الضلالة وتبعتهم.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

المراد ب «العالم» و «المتعلّم» ما ذكر في الحديث السابق.

و «الغثاء» بالضمّ والمدّ: ما يجي‏ء فوق السيل ممّا يحمله من الزّبد والوسخ وغيره.

وغير العالم والمتعلّم- ممّا لا ينتفع به ولا يُدرى إلى ما ينتهي أمره وأين يستقرّ- فهو كالغثاء في عدم الانتفاع به والاطّلاع على منتهى أمره ومستقرّه. أو المراد أنّ غيرهما ليس حركته وجريه في أحواله إلّابإجراء الأهوية وإغواء الأبالسة، بل ليس القصد إلى وجوده إلّاتبعاً وبالعرض، كما أنّ الغثاء ليس حركته إلّابتبعيّة حركة السيل وبالعرض. (1)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عن مُحَمَّدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ الثُّمَالِيِّ، (2) قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «اغْدُ عَالِماً، أَوْ مُتَعَلِّماً، أَوْ أَحِبَّ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَلَا تَكُنْ رَابِعاً؛ فَتَهْلِكَ بِبُغْضِهِمْ».

هديّة:

يعني (اغْدُ) وانظر فإن كنت حجّة معصوماً، وإلّا فكن (متعلِّماً) من العاقل عن اللَّه بلا

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 104. وفي «الف»: «أو بالعرض».

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن عبداللَّه بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن العلاء بْن‏رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي حمزةَ الثُمالي».

342

واسطة أو بواسطة على الوجه الصحيح الموصوف، أو محبّاً (أهل‏ (1) العلم) أي الإمام الحقّ وشيعته.

وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللَّه تبارك وتعالى يغفر الشيعة، ومَن أحبَّ الشيعة، ومَن أحبّ محبّ الشيعة» بمعنى يوفّق ويهدي فيغفر.

وقال بعض المعاصرين: فيه دلالة على أنّ غير الأئمّة (عليهم السلام) يجوز أن يصير عالماً علماً لدُّنيا، فإنّه المراد بالعلم دون حفظ الأقوال وحمل الأسفار. (2) انتهى.

غفلته عن أمثال أحاديث الباب، وحديث: «من حفظ أربعين حديثاً» (3) واغتراره بتوهّم ناشٍ من ظاهر متعارف في المكالمات، وساقط عن درجة الاعتبار، علامةٌ بيّنة لمن يتخبّطه الشيطان من المسّ. والحديث التالي بيّنة عادلة انحصر في حكمته- تبارك وتعالى- العلم اللدنيّ في الحجّة المعصوم المحصور عدده، فبناء الادّعاء إنّما هو على أصل من اصول القدريّة، وهو كشف الحقائق يحصل لأيّ من كان بالرياضة الكاملة ولو كانت ممنوعة شرعاً لا على أحاديث الأئمّة (عليهم السلام)، والمدّعي بغير علم من الهالكين ببغضهم.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«اغد» بالغين المعجمة والدال المهملة على الأمر المعتلّ اللّام، من باب نصر، من الأفعال الناقصة؛ يعني لا يخلو كلّ صباح من إمامٍ حقّ ومتعلّمٍ منه بلا واسطة، أو بواسطة، ومحبّ للإمام الحقّ بانتظاره كلّ صباحٍ ومساء، وترك العمل بالظنّ في المختلف فيه كأعدائه. «ولا تكن رابعاً» بترك السؤال في زمن ظهور الإمام، وعدم الانتظار في زمن الغيبة بالعمل بالظنّ «فتهلك» ببغض هؤلاء الأقسام الثلاثة.

قال لي رجلٌ من المخالفين في المدينة المنوّرة: قول الرافضة فينا بأنّا نبغض عليّاً (عليه السلام) محض افتراء علينا، وهو رابع خلفاء ديننا. قلت: مَن قال مِن النصارى: إنّ اللَّه ثالث ثلاثة

____________

(1). في «ج»: «لأهل».

(2). الوافي، ج 1، ص 153.

(3). الكافي، ج 1، ص 49، باب النوادر من كتاب فضل العلم، ح 7؛ الاختصاص، ص 61، حديث موسى بن جعفرمع يونس بن عبدالرحمن، الأمالي للصدوق، ص 382، ح 488.

343

هو عدوّ اللَّه أو وليّه؟ قال: عدوّه، قلت: كيف يكون عدوّ اللَّه من يحبّ اللَّه ويقول هو الربّ الثالث؟! فسكت مليّاً، ثمّ قال: هذا جواب له الحياة ويُحيي الأموات.

وقال السيّد الأجلّ النايني (رحمه الله):

أي كُن في كلّ غداة عالماً، أو متعلِّماً، أو أحبّ أهل العلم فإنّه يجرّه إلى التعلّم وإن لم يكن متعلِّماً في كلّ غداة. أو المراد بالمتعلّم من يكون التعلّم كالصّنعة له، ومن لم يكن عالماً من اللَّه ولا متّخذاً التعلّم صنعة (1) له وأحبّ أهل العلم يأخذ منهم ويدخل في المتعلّم بالمعنى الأعمّ، ومن لم يحبّهم ويكون ذلك لجهله وحبّه له، فيبغض أهل العلم، ويحبّه الجَهَلَة ويبغضه العلماء فيهلك‏ (2). (3)

الحديث الرابع‏

روى في الكافي عن عَلِيّ، عَنْ العبيدي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ جَمِيلٍ، (4) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَغْدُو النَّاسُ عَلى‏ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: عَالِمٍ، وَمُتَعَلِّمٍ، وَغُثَاءٍ، فَنَحْنُ الْعُلَمَاءُ، وَشِيعَتُنَا الْمُتَعَلِّمُونَ، وَسَائِرُ النَّاسِ غُثَاءٌ».

هديّة:

بيان لِما أجمل في أمثال أحاديث الباب، ومعيار لبياناتها، وبيان البيان: أنّ الناس من لدن آدم (عليه السلام) على ثلاثة أصناف: حجّةٌ معصوم عاقل عن اللَّه، وشيعته، وغيرهما (غثاء) وهم في كلّ عصر من الأعصار من أوّل الدنيا إلى انقراضها فرقٌ شتّى. واليهود، تفرّقوا (5) على إحدى وسبعين فرقة إحداها الشيعة والباقية هالكة، والنصارى على اثنتين وسبعين كذلك، وهذه الامّة إلى بضع وسبعين إحداها ناجية والباقية باغية هالكة. (6)

____________

(1). في المصدر: «صفة له» بدل «صفته». وفي «الف»: «صنعته».

(2). في المصدر: «بحبّه الجَهَلَة و بعضه العلماءَ يهلك».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 104.

(4). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن جميل».

(5). في الأصل: «تتفرّقوا»، والمناسب ما اثبت.

(6). إشارة إلى حديث الافتراق المرويّ بطرق مختلفة و عبارات متفاوته، رواه الخاصّة و العامة. راجع: بحارالأنوار، ج 28، ص 3- 37، باب افتراق الامّة بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله).

344

وكما أنّ في السلسلة النورانيّة الإيمانيّة الممتدّة من لدن آدم إلى آخر الدنيا علماء وفضلاء، ففي سلاسل الظلمانيّة الضلاليّة الجحوديّة الكفريّة الشركيّة الإلحاديّة رؤساء مُهراء في الشيطنة والنَكْراء، وقد مزج الباطل بالحقّ. وقد مرّ في الحديث: أنّ من أركان المعرفة معرفة أعداء الدِّين، لا سيّما الصوفيّة القدريّة لعنهم اللَّه؛ لما عرفت من مقالاتهم السخيفة، واطّلعتَ على أسرارهم من دون كشف بالرياضة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: بيانه كنظائره.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): المراد ب «المتعلّم» هنا: من يأخذ العلم عن أهله ويطلبه في الجملة وعند الحاجة وبقدرها. (1)

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 105.

345

الباب الخامس بَابُ ثَوَابِ الْعَالِمِ وَ الْمُتَعَلِّم‏

وأحاديثه كما في الكافي ستّة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَلِيِّ بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلٍ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ جميعاً، عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ الْقَدَّاحِ؛ وَعَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْقَدَّاحِ، (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِهِ، وَإِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ (2) لِطَالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلى‏ سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ؛ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً، وَلكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ، أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

هديّة:

المراد ب «العالم» في العنوان- بدلالة أحاديث الباب-: العالم المعلّم، سواء كان علمه عقلًا عن اللَّه، أو عن العاقل عن اللَّه بلا واسطة أو بواسطة.

و ب «المتعلّم»: طالب العلم من الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه بلا واسطة أو بواسطة.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّدبن الحسن و عليّ بن محمّد، عن سهل بن زيادٍ، و محمّدبن يحيى، عن‏أحمد بن محمّد جميعاً، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبداللَّه بن ميمونٍ القدّاح. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن القدّاح».

(2). في الكافي المطبوع: «ليستغفر».

346

وبقوله: (علماً) في المتن- بدلالة الإطلاق-: مسألة أو مسائل من المسائل الدينيّة، أو المقدّمات الضروريّة لها؛ نظراً إلى بعض الطالبين، وبعض فنون علم الدِّين، فمعنى من (سلك) أي مؤمن بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وإنّما يسلك (اللَّه به طريقاً إلى الجنّة)؛ لأنّ بالعلم المأخوذ عن المعصوم والعمل به يخلق اللَّه تعالى لعباده في البرزخ نعيمه، وفي دار الخُلد نعيم جنانها من الأطعمة والأشربة، والحور والقصور، والأنهار، وما فيها من عجائب الصنع وغرائب التدبير.

وقد روى في بصائر الدرجات بإسناده عن نصر (1) بن قابوس، قال: سألت أبا عبداللَّه (عليه السلام) عن قول اللَّه عزّ وجلّ: «وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ* وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ* وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ» (2)، قال: «يا نصر، إنّه- واللَّه- ليس حيث يذهب الناس، إنّما هو العالم وما يخرج منه». (3) يعني أنّ الظلّ الممدود ليس معناه حيث يذهب الناس إليه، إنّما هو الإمام الحقّ، وعلمه المنبثّ في شيعته في مشارق الأرض ومغاربها، وبه وبالعمل به يخلق اللَّه تبارك وتعالى في البرزخ نعيمه، وفي الجنّة نعيمها.

قال بعض الأفاضل: لو علم الملوك ما نحن فيه من لذّة العلم لحاربونا بالسيوف، وللآخرة أكبر درجات وأفضل تفضيلًا.

قال برهان الفضلاء:

لا يخفى أنّ استغفار الحيتان لطالب العلم كالذي صدر من الهدهد والنمل عند سليمان (عليه السلام) بإنطاق اللَّه تعالى إيّاهما. والمراد أنّ بركات طلبة علم الدِّين وفوائدهم يصل إلى غير المكلّفين أيضاً.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«مَن سلك طريقاً يطلب فيه علماً» الجملة صفة أو حال، والضمير فيها للطريق أو السلوك. والطريق إلى الشي‏ء إمّا الدخول فيه أو طيُّه يوصل إليه. ومن طرق العلم:

____________

(1). في «ج»: «نضر».

(2). الواقعة (56): 30- 33.

(3). بصائر الدرجات، ص 525، باب النوادر في الأئمّة، ح 3.

347

الفكرة، ومنها: الأخذ من العالم ابتداءً أو بواسطة أو بوسائط.

ويحتمل أن يكون المراد بالطريق معناه المتعارف، وبسلوكه أن يسير فيه للوصول إلى العالم والأخذ منه، أو للوصول إلى موضع يتيسّر له فيه تحصيل العلم.

«سلك اللَّه به طريقاً إلى الجنّة»، أي أدخله اللَّه طريقاً يوصل سلوكه إلى الجنّة.

و «وضع الأجنحة»: حطّها وخفضها وهو هيئة تواضع الطائر. و تواضع الملك عبارة عن التعظيم أو الفعل‏ (1) على وفق مطلوب من يتواضع له، وإعانته. «رضاً به» أي لأنّه يرتضيه أو لإرضائه.

و «الاستغفار»: طلب ستر الزلّات والعثرات، والتجاوز عن السيّئات بنزول الرحمة وشمولها، أو طلب إصلاح الحال والتثبّت على الصراط المستقيم المنجرّ إلى البقاء والنجاة إلى‏ (2) المآل. (3)

الحديث الثاني‏ (4)

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ السَرّادِ، عن جَميلِ بنِ صالحٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إِنَّ الَّذِي يُعَلِّمُ الْعِلْمَ مِنْكُمْ لَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِ الْمُتَعَلِّمِ، وَلَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهِ، فَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، وَعَلِّمُوهُ إِخْوَانَكُمْ كَمَا عَلَّمَكُمُوهُ الْعُلَمَاءُ».

هديّة:

(منكم) أي من الفرقة الإماميّة.

في بعض النسخ: «مثلا أجر المتعلّم» على التثنية، فلقوله (عليه السلام): (وله الفضل عليه) احتمالان على الأكثر، يعني وله زيادة ثواب، أو وله عليه إكرامه وتعظيمه، والتأخّر عنه‏

____________

(1). في‏المصدر: «والفعل».

(2). في المصدر: «في المآل».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 106.

(4). في «الف»:-/ «الحديث الثاني».

(5). السند في الكافي‏المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن‏درّاج، عن محمّد بن مسلم».

348

في المجالس، ومعرفة حقّه، وأداء شكر نعمته، وغير ذلك من الحقوق.

وكذا على البعض، أحدهما: الثاني على الأكثر، والثاني: كون «الواو» للحال بياناً للعلّة من (حملة العلم) أي بلا واسطة أو بواسطة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

يعني معلّم علم الدِّين المتعلّم منه متساويان في الثواب، إلّاأنّ للمعلّم حقّ النعمة على المتعلِّم، وهو غير الثواب الاخرويّ.

«وعلّموه إخوانكم» أي بلا زيادة ونقصان وتصرّف فيه تبعاً للظنّ.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«فتعلّموا العلم من حملة العلم» يعني خذوا العلم من أصحاب العصمة بواسطة أو بدونها. «وعلّموا إخوانكم» من غير تصرّف فيه. (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«له أجر مثل أجر المتعلّم وله الفضل عليه» ظاهر هذه العبارة مساواة أجر التعليم والتعلّم، لكن في الرعيّة حيث قال: «إنّ الّذي يعلّم العلم منكم». وباعتبار نفس التعليم والتعلّم المقيس أحدهما إلى الآخر. وللمعلّم اجرة التعلّم‏ (2) أيضاً مثل اجرة تعليمه، وللمعلّم الفضل على المتعلّم؛ لأنّ المعطي والمفيض أعلى رتبةً وأكثر فضلًا من المعطى له والمفاض عليه. (3)

الحديث الثالث‏ (4)

روى في الكافي بإسناده عن البَرْقي، عن عليِّ بنِ الحَكَمِ، عن عليٍّ، عن أبي بصير (5) قال:

سمعت أبا عبداللَّه (عليه السلام) يقول: «مَن علّم خيراً فَلَه مِثْلُ أجْرِ مَنْ عَمِلَ بِه». قلت: فَإنْ عَلَّمَه غَيْرَه‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 93.

(2). في المصدر: «أجرا لتعلّم».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 107.

(4). في «الف»:-/ «الحديث الثالث».

(5). السند في الكافي المطبوع هكذا: «علىُّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّدٍ البرقي، عن عليّ بن الحَكَم، عن عليّ بن‏أبي حمزةَ، عن أبي بصير».

349

يَجْرِي ذلِكَ لَه؟ قال: «إنْ عَلَّمَه النَّاسَ كُلَّهُم جَرى‏ لَه». قلت: فَإِنْ ماتَ؟ قال: «وإن مات».

هديّة:

(خيراً) أي من العمل، أو علماً كان، أو عملًا.

والظاهر أنّ الفاعل في (فإن علّمه غيره) هو المتعلّم. ويحتمل المعلّم، أو بالعكس كما قيل. والسؤال الثاني بجوابه يؤيّد الأوّل. (إن علّمه الناس كلّهم) يعني ولو بوسائط.

والفعلان‏ (1) من الجَرَيان على المعلوم، لا من الجزاء أو الإجزاء بالجيم والزّاي على خلافه، وإن استقام بالتكلّف؛ للاستقامة بدونه.

ولعلّ فاعل (مات) هو المعلّم لا الخير، كما حمل عليه السيّد الباقر ثالث المعلّمين الشهير بداماد (رحمه الله) حيث قال: «وإن مات» أي وإن مات ذلك وانقرض واندرس ولم يبق ولم يوجد من يتعلّمه، ومن يعمل به. (2)

قال برهان الفضلاء: «فإن علّمه غيره» يعنى فإن علّم المتعلّم شخصاً آخر يجري ذلك الأجر للمعلّم الأوّل.

قال: إن علّم المتعلّم كلّ الناس فله مثل أجر من عمل به؛ أي من المتعلّمين منه.

«فإن علّمه غيره» يحتمل وجهين:

أحدهما: السؤال عن أنّ التعليم يجري فيه ما يجري في العمل، فيكون له مثل أجر من علّمه، كما أنّ له مثل أجر من عمل به. والجواب بأنّ تعليم المتعلّم كما له مثل أجر عمله، وذلك لاستنادهما إلى تعليمه.

والثاني: السؤال عن العمل بتعليم غيره من متعلّميه، أي عمل المتعلّم بواسطة، فكأنّه فهم من كلامه أوّلًا عمل المتعلّم بلا واسطة فسأل عن المتعلّم بواسطة، فأجاب بأنّه يجري له ذلك فيه، وذلك لكونه بتعليمه ولو بواسطة.

ويحتمل أن يكون المراد مَن علّم خيراً ابتداءً وكان منه خروجه وظهوره أوّلًا فله‏

____________

(1). أي «يجري» و «جرى».

(2). التعليقة على الكافي، ص 74.

350

أجر من عمل به، ويكون معنى كلام السائل: «فإن علّمه غيره يجري ذلك له» إن علّمه غيره وعمل بتعليم الغير يكون للمعلِّم أوّلًا مثل ثواب هذا العالم الذي ليس عمله بتعليمه؟ والجواب: أنّ له مثل ثواب من عمل به بتعليم كلّ أحد؛ وذلك لكونه منشأه ومبدأه.

الحديث الرابع‏ (1)

روى في الكافي بهذا الإسناد، (2) عن محمّد بن عبد الحميد، عن العلاء، عن الحذّاء، (3) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ عَلَّمَ بَابَ هُدًى، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَلَا يُنْقَصُ أُولئِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ عَلَّمَ بَابَ ضَلَالٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَلَا يُنْقَصُ أُولئِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً».

هديّة:

(فله مثل أجر من عمل به) أي كلّ من عمل به.

(ولا ينقص) في الموضعين على ما لم يسمّ فاعله.

والإتيان ب «الأوزار» أوّلًا على الجمع، لعلّه للإيماء إلى تعدّد أنواع العذاب.

قال برهان الفضلاء: «فله»، أي للمعلّم الأوّل فالأوّل. وكذا «كان عليه مثل» ما على جميع العاملين به من الثواب والعقاب.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

المراد بتعليم باب الهدى وتعليم باب الضلال تعليم طريق السلوك إلى أحدهما والدخول فيه. ويجري في هذا الحديث ما ذكر في الحديث السابق من الحمل على المعلّم ابتداءً، فيكون له مثل ما لكلّ عامل ولو لم يكن بتعليمه، والحمل على كلّ معلّم، ويكون له مثل ما لكلّ عالم ينتمي عمله إلى تعليمه ولو بواسطة. (4)

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث الرابع».

(2). المراد من بهذا الإسناد: «عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقي». راجع: هامش الكافي المطبوع.

(3). في الكافي المطبوع: «عن العلاء بن رزين، عن أبي عبيدة الحذّاء».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 102.