الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
351

الحديث الخامس‏ (1)

روى في الكافي عَن الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، لَطَلَبُوهُ وَلَوْ بِسَفْكِ الْمُهَجِ، وَخَوْضِ اللُّجَجِ، إِنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- أَوْحى‏ إِلى‏ دَانِيَالَ: أَنَّ أَمْقَتَ عَبِيدِي إِلَيَّ الْجَاهِلُ الْمُسْتَخِفُّ بِحَقِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، التَّارِكُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ؛ وَأَنَّ أَحَبَّ عَبِيدِي إِلَيَّ التَّقِيُّ الطَّالِبُ لِلثَّوَابِ الْجَزِيلِ، اللَّازِمُ لِلْعُلَمَاءِ، التَّابِعُ لِلْحُلَمَاءِ، الْقَابِلُ عَنِ الْحُكَمَاءِ».

هديّة:

(ما في طلب العلم) أي العلم النافع في الدِّين. و «السفك»: الإراقة. وربّما يخصّ بالدّم.

و (المهج) كصرد: جمع مهجة بضمّ الميم وسكون الهاء، وهي دم القلب.

و «الخوض»: الدخول في الماء.

و «اللّجج»: جمع لُجّة، وهي معظم الماء. يعني ودخول الورطات الهائلة.

و «المقت» بالفتح: البغض‏

(التارك للاقتداء بهم) يعني وهم ورثة الأنبياء (عليهم السلام).

و (التقيّ): بَيِّنُ التقوى. وباطنيّه أصل الظاهريّة، فإنّ ظاهريّه- وهو الاجتناب بالجوارح عن المحرّمات- لا ينفع مثقال ذرّة بدون التبرّي من صميم القلب من جميع الفرق الهالكة، طواغيتهم وأشياعهم.

والمراد علماء العاملون بعلم الدِّين عقلًا عن اللَّه ابتداءً أو بالواسطة.

و ب «الحلماء»: العقلاء العاقلون عن العاقل عن اللَّه. من «الحلم» بالكسر، بمعنى العقل.

و ب «الحكماء»: الأفاضل من العقلاء. و (القابل) يحتمل المفردة والخاتمة.

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث الخامس».

352

والمضبوط (عن) بالعين.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«ولو بسفك المهج» أي دماء المخالفين المانعين من طلب علم الدِّين.

«وخوض اللّجج» أي الدخول في صفوف سيوفهم. و «الثواب الجزيل» عبارة عن الثواب الاخرويّ‏

«التابع للحلماء» أي العقلاء. «القابل» بالمفردة. «عن الحكماء» أي الكافين أنفسهم عن أهوائها. ومنها العمل بالظنّ في المشتبهات.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله): «اللّازم للعلماء». هذه الصفات الثلاث إشارة إلى الأنبياء وأوصيائهم (عليهم السلام). (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لو يعلم» الناس ما في طلب العلم» أي من حصول الفضل والشرف والأجر «لطلبوه ولو بسفك المهج» أي بإراقة الدّماء «وخوض اللّجج» أي دخول اللّجج، وهي جمع لجّة، أي معظم الماء.

«وأنّ أحبّ عبيدي إليَّ التّقي» قابَلَه بالجاهل؛ لأنّ التقوى من آثار كمال العقل المقابل للجهل.

والمراد بطالب الثواب الجزيل: العامل لما يوصله إليه، سواء قصد به حصوله أو لا.

والمراد بملازمة العلماء: كثرة مجالستهم ومصاحبتهم.

والمراد بالحلماء: العقلاء. ومتابعتهم: سلوك طريقه‏ (2) الذي سلكوه.

«والقابل عن الحكماء»: الآخذ عنهم ولو بواسطة أو وسائط. والمراد بالحكماء: العدول الآخذون بالحقّ [والصواب‏ (3)] قولًا وعملًا.

والظاهر أنّ المراد بالحلماء والحكماء: الأنبياء والأوصياء، والقريب منهم كلقمان وآصف؛ فإنّ كمال العقل والحكمة لهم. والعلماء يشمل غيرهم ومن لا يدنوهم من أهل العلم. (4) انتهى.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 93.

(2). في المصدر: «طريقتهم».

(3). أضفناه من المصدر.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 109- 110.

353

الظاهر كلقمان واسكندر.

الحديث السادس‏ (1)

روى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقري‏ (2) عن حفص بن غياث، قال: قال لي أبو عبداللَّه (عليه السلام): «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَمِلَ بِهِ وَعَلَّمَ لِلَّهِ، دُعِيَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عَظِيماً، فَقِيلَ: تَعَلَّمَ لِلَّهِ، وَعَمِلَ لِلَّهِ، وَعَلَّمَ لِلَّهِ».

هديّة:

الظرف في (وعلّم للَّه) الاولى متعلّق بكلّ واحدٍ من الأفعال الثلاثة.

(دُعي) على ما لم يسمّ فاعله، أي سمّي من عظماء الشيعة، ف «الفاء» في (فقيل) للتعقيب. ويحتمل التفسير.

قال برهان الفضلاء:

«العلم»: مفعول به، وعبارة عن بيّنات محكمات الآيات الصريحة في النّهي عن اتّباع الظنّ، (3) والأمر بسؤال أهل الذِّكر (4) عند كلّ مشتبه‏ (5) محتاج إليه في الدِّين. و «تعلّم العلم» وتفهّمه عبارة عن استنباط النتيجة من ذلك، وهي إمامة أمير المؤمنين وأوصيائه المعصومين إلى انقراض التكليف، بناءً على اتّفاق الامّة على أنّ المعارضين لهذه الامّة يتّبعون الظنّ. «وعلّم للَّه» بتقدير علّمه للَّه، و «للَّه» متعلّق بالأفعال الثلاثة.

«دُعي» على المجهول بمعنى سمّي.

و «الملكوت»: مبالغة في الملك، يعني كمال السلطنة والتسخير لكلّ شي‏ء. وهنا عبارة عن الملائكة، وآثار السلطنة الكاملة فيهم أظهر؛ لفقدان الباطل فيهم.

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث السادس».

(2). في الكافي المطبوع: «عن سليمان بن داود المنقري».

(3). منها في الأنعام (6): 16 و 148؛ و يونس (10): 36 و 66؛ والجاثية (45): 24؛ والنجم (53): 23.

(4). النحل (16): 43؛ الأنبياء (21): 7.

(5). في «الف»: «مشيئة».

354

و «الفاء» في «فقيل» للبيان يعني دُعي فيها بهذه الأسماء نظير ما يجي‏ء في كتاب التوحيد أنّ جملة «لا تأخذه سنة ولا نوم» من أسماء اللَّه تبارك وتعالى.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«وعلّم للَّه» أي يكون كلّ من التعلّم والعمل والتعليم للَّه، كما صرّح به في آخر الحديث.

«دُعي» أي سمّي عظيماً؛ أي بالعظمة في ملكوت السماوات.

والملكوت مبالغة الملك، أي أعلى مراتبه الجامعة لتوابع الملك ولوازمه من كثرة الجنود والأتباع المسخّرين القائمين بأوامر الملك المطيعين له وكثرة آيات العظمة والجلالة، فيُطلق ويُراد به عزّ الملك وسلطانه، ويُطلق ويُراد به آيات العظمة والجلالة وآثار الملك والسلطنة، ويُطلق ويُراد به الجنود المسخّرين.

والمراد بملكوت السماوات إمّا الآيات كما قيل، أي سمّي في الآيات [السماويّة] (1) وهي أعظم الآيات الظاهرة، ويسمّيه أهلها- وهم الملائكة والأرواح العلويّة- عظيماً. أو المراد به الجنود السماويّة وهم الملائكة والأرواح، أي يسمّى بينهم عظيماً، ويذكر بالعظمة بينهم. (2)

____________

(1). ما بين المعقوفين من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 110- 111.

355

الباب السادس باب صفة العلماء

و أحاديثه كما في الكافي سبعة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عن محمّد، عن ابن عيسى، عن السّراد، عن ابن وهب، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «اطْلُبُوا الْعِلْمَ، وَتَزَيَّنُوا مَعَهُ بِالْحِلْمِ وَالْوَقَارِ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ الْعِلْمَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ طَلَبْتُمْ مِنْهُ الْعِلْمَ، وَلَا تَكُونُوا عُلَمَاءَ جَبَّارِينَ؛ فَيَذْهَبَ بَاطِلُكُمْ بِحَقِّكُمْ».

هديّة:

وجه الحكمة في الأمر بتواضع المعلّم للمتعلِّم منه أكثر من وجهها في الأمر بتواضع المتعلّم لمعلّمه.

و «الجبّار»: المتكبّر. والتكبّر حقّ اللَّه سبحانه، والتواضع حقّ العباد.

(فيذهب باطلكم) أي تكبّركم بحقّكم، أي بتواضعكم. بيّنا الغرض من الكلام ببيان لطفه، ولا يخفى لطفه.

قال برهان الفضلاء:

يعني اطلبوا علم الدِّين وتزيّنوا بالعلم والحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم زيادةً في رغبته بالتأليف والتأنيس، يعني تأليف القلب.

«وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم» أداءً لواجب حقّه.

والغرض من قوله: «فيذهب باطلكم بحقّكم»: إنّ تكبّر العالم يوجب عدم الرغبة إلى‏

356

تحصيل العلم، فيوجب حرمان المعلّم من ثواب التعليم.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم» [أي في أوان اشتغاله بالطلب.

«و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم» أي عند الطلب و بعده.

«ولا تكونوا علماء جبّارين» أي متكبّرين «فيذهب باطلكم» أي تكبّرتم «بحقّكم» أي بعلمكم، فلا يبقى العلم‏] (1) عندكم، ويرتحل عن قلوبكم، أو بفضلكم وشرفكم بالعلم؛ فإنّه لا يبقى فضل وشرف بالعلم مع التكبّر به، أو بفضلكم وثوابكم على التعليم والتعلّم؛ حيث لا فضيلة ولا استحقاق للثواب بهما مع التكبّر بالعلم. (2)

الحديث الثاني‏ (3)

روى في الكافي عن عليّ، عن العبيدي؛ عن يونس، عن حمّاد بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) في قول اللَّه عزّ وجلّ: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (4) قال: «يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله؛ فمن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم».

هديّة:

الآية في سورة الفاطر.

والظاهر أنّ الإمام (عليه السلام) أفاد بالتفسير أنّ المراد ب «العلماء» في هذه الآية خصوص الحجج المعصومين العاقلين عن اللَّه. فالمراد ب «الفعل» على فاعليّة المعجزة، وكذا ب «القول» يعني من صدّق معجزه دعواه، أو من صدّق قوله في أحكام اللَّه بعلمه المعجز صحّة جميع أفعاله. وتفسير الصدِّيق- وأكثر إطلاقه في المعصوم- بمن يصدّق فعله قوله مؤيّد.

____________

(1). في «ب» و «ج»:-/ «أي في أوان ... فلا يبقى العلم».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 111- 112.

(3). في «الف»:-/ «الحديث الثاني».

(4). فاطر (35): 28.

357

ولمّا ليس حقّ الخشية إلّامع الحجّة المعصوم؛ لأنّ حقّ اليقين معه، وكلّما يزداد اليقين يزداد الخوف والرّجاء نطق‏ (1) القرآن بأداة الحصر.

ويحتمل أن يكون غرضه (عليه السلام) أنّ المراد بالعلماء في الآية أعمّ من المعصوم ومن العدول من علماء الشيعة، فالمراد بحقّ الخشية مراتب كمالها وحقّها في الرعيّة مع العلماء المتّقين، وفي الامّة أو مطلق العباد مع الأوصياء من الحجج المعصومين، والحجج المعصومين (صلوات اللَّه عليهم أجمعين).

وما أظهر أنّ وقاحة الصوفيّة القدريّة وجسارتهم في دعاويهم الباطلة شرعاً، وأقاويلهم المردودة قطعاً إنّما هي من قلّة خوفهم من العذاب الموعود؛ لعدم يقينهم بجميع ما جاء به النبيّ (صلى الله عليه و آله). وإنّما قلنا من قلّة خوفهم؛ لأنّ خوف الاحتمال الذي ليس باحتمال سهل لن ينفكّ عن الجاحدين الملحدين، ولا يمنعه خيال عن إذابة قلوبهم.

هشدار كه منكر قيامت‏* * * از شايد آن دلش دو نيم است.

وبناء حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الزنديق الذي أسلم على‏ يده‏ (2) إنّما هو على امتناع منع الجاحد ذلك الاحتمال بشي‏ء من قلبه إن كان الأمر كما قلتم، وليس كما قلتم فنحن وأنتم سواء. وإن كان كما قلنا و هو كما قلنا فمن ينجيكم، وإلى أين تفرّون، وإلى مَن تفزعون. فزع إليه، كعلم: لجأ

(فليس بعالم) أي من المعصومين، أو من علماء الدِّين في عرف أهل الدِّين.

قال برهان الفضلاء:

معنى «العلماء» هنا ظاهر ممّا مرّ في الحديث الثاني عشر من الباب الأوّل في شرح: «يا هشام، إنّ العقل مع العلم» وممّا مرّ في شرح الحديث الآخر من الباب السابق.

يعني «إنّما يخشى اللَّه» ويترك اتّباع الظنّ «من عباده العلماء».

ولمّا كان العلم الذي لا عمل معه أسوء من الجهل قال (عليه السلام): «فمن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم».

____________

(1). جواب لقوله: «و لمّا».

(2). المرويّ في الاحتجاج، ج 1، ص 240- 258.

358

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

المراد ب «من صدّق فعله قوله»: من يكون ذا علم ومعرفة ثابتة مستقرّة في قلبه استقراراً لا يغلبه معه هواه. والمعرفة الثابتة المستقرّة كما تدعو إلى القول والإقرار باللِّسان، تدعو إلى الفعل والعمل بالأركان، فيكون فعله مصدِّقاً لقوله، والعالم لهذا المعنى الحقيق بذلك الاسم له خشيةٌ من ربّه ليست لغيره، وهذه الخشية تؤدّيه إلى الإطاعة والانقياد قولًا وفعلًا؛ فإنّ الجرأة على العصيان لا يجامع الخشية الحقيقيّة. (1)

الحديث الثالث‏ (2)

روى في الكافي عن العدّة، عن البرقي، (3) عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيدٍ القمّاط، عن الحلبي، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقِّ الْفَقِيهِ؟

مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلى‏ غَيْرِهِ؛ أَلَا لَاخَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ، أَلَا لَاخَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ، أَلَا لَاخَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَكُّرٌ».

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى‏: «أَلَا لَاخَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ، أَلَا لَاخَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ، أَلَا لَاخَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَافِقْهَ فِيهَا، أَلَا لَاخَيْرَ فِي نُسُكٍ لَاوَرَعَ فِيهِ».

هديّة:

(القمّاط): بنّاء بيت القصب، و «القمط» بالكسر: ما يشدّ به قصبات بيت القصب.

وككتاب: الخرقة التي تلفّ على الصبيّ، وحبل يشدّ به رِجْل الدواب.

(لم يقنّط) على المعلوم من التفعيل. وكذا لم يؤمّنهم. أمن من كذا كعلم، وأمنه غيره كنصر، كآمنه إيماناً، وأمّنه تأميناً. وللتأمين معنى آخر، وهو التكلّم بعد الدّعاء بكلمة «آمين» من أسماء الأفعال، بمعنى استجب.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 112- 113.

(2). في «الف»:-/ «الحديث الثالث».

(3). في الكافي المطبوع: «عن أحمد بن محمّدٍ البرقي».

359

لعلّ (عليه السلام) أشار بكلّ فقرة من الفقرات الأربع إلى بطلان مذهب من المذاهب الباطلة، أو أكثر في الاصول والفروع.

فبالاولى: إلى بطلان مذهب المعتزلة في قولهم بإيجاب الوعيد، وتخليد صاحب الكبيرة في النار. ومذهب الخوارج المضيّقين على أنفسهم في التكاليف الشرعيّة، كالصوفيّة القدريّة بالرياضات المخترعة، والرهبانيّة المبتدعة.

وبالثانية: إلى بطلان مذهب المرجئة القائلين بتأخير العمل عن الإيمان، بأنّ الإيمان مجرّد التصديق بما جاء به النبيّ (صلى الله عليه و آله). ومن يجري مجراهم، كمن يقول: صحّة الاعتقاد تكفي للنجاة ومن ورائي الشفاعات. نعم، صحّة الاعتقاد بدون العمل- مع أنّ العمل من الإيمان باتّفاق أصحابنا الإماميّة- توجب النجاة لو لم يوجد فرصة للعمل، كمن أسلم ومضى. وأمّا التارك أصلًا مع الفرصة، فإن وفّق للتوبة ولو قبل المعاينة بنَفَسٍ فلا يدخل النار، ويعلم اللَّه حاله في عقبات البرزخ. وإن لم يوفّق للتوبة ومضى بصحّة الاعتقاد، فإمّا من الداخلين في النار بغير الخلود فيها كما قيل، أو من المخلّدين؛ لأنّ عدم التوفيق للتوبة علامة الخذلان، وزوال الإيمان التصديقي بغلبة الشيطان. أو من الذين للَّه‏فيهم المشيئة، إن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم.

وبالثالثة: إلى بطلان مذهب الأشاعرة والحنابلة ومن يشبههم شبه الملامتيّة من الصوفيّة القدريّة وسائر أصنافهم.

وبالرابعة: إلى بطلان مذهب المتفلسفة الذين أعرضوا عن القرآن وحملة علمه، وحاولوا اكتساب العلم والعرفان من كتب قدماء الفلاسفة، ومذهب أصحاب الآراء والمقاييس، كالحنفيّة وغيرهم من فرق العامّة.

(ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهّم) أي تيقّن، بأنّ العلم بالمتشابهات لا يحصل إلّا بتوسّط الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه؛ لانحصار الأعلميّة في اللَّه، فلا قطع في مشتبه في هذا النظام العظيم إلّابما أخبر به مدبّره الحكيم، والحكيم لئلّا يكون على اللَّه حجّة بعد الرّسل لا يحتجّ على عباده إلّابالمعصوم الممتاز عن الجميع حسباً ونسباً.

360

(ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر) من التدبّر فيه: أنّ حجّيّة القرآن- والبضع والسبعون متمسّكون به- لا تستقيم إلّابقيّم له من اللَّه معصوم عاقل عن اللَّه ممتاز عن الجميع في جميع المكارم والأخلاق حسباً ونسباً؛ فإنّ كلّ إمام من الاثني عشر (عليهم السلام) في زمانه كان كذلك باتّفاق المؤالف والمخالف، «وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ». (1) وحديث: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين» (2) قد صحّ عند البضع والسبعين.

(ألا لا خير في عبادةٍ ليس فيها تفكّر) أي التفكّر المبني على استحكام هذا النظام المحيّر للعقلاء، من التفكّر فيها أنّها لا تصحّ إلّابالوجه الصحيح المقطوع بصحّته، ولا قطع إلّابما ثبت عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه. ألا يرى أنّ الرسوم المخترعة في العبادة من عبّاد الصوفيّة القدريّة لا يفضي إلّاإلى ترك العبادة والارتداد بخيالات واهية صادرة من ملكة الاختلاف، وأفكار باطلة ناشئة من سنخ الكفر والنفاق.

(وفي رواية اخرى) كلام ثقة الإسلام.

(ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها) بيانه بَيِّنٌ ممّا بيّنا.

وجواب شيخ كبير من مشايخ الصوفيّة عن مسألة الشكّ بين الثلاث والأربع وحكمه بالاستئناف على الاستحسان مشهور.

وفي «النّسك» بمعنى العبادة لغات. فتح النون، وضمّها، وكسرها وسكون السين، وبضمّتين‏

(لا ورع فيه) أي عمّا نهي عنه في الشريعة الغرّاء، القائمة إلى قيام الساعة، القاصمة ظهر الزنادقة والملاحدة لعنهم اللَّه، كسّر اللَّه ظهرهم بقهره بأيدي شيعة آل محمّد (صلى الله عليه و آله).

____________

(1). الزمر (39): 71.

(2). حديث الثقلين متواتر بين الفريقين و تعرّض لنقله أرباب الصحاح و السنن و المسانيد، و رووه بأسانيد مختلفة و ألفاظ متفاوته عن كثير من الصحابة. راجع: نهج الحقّ، ص 225- 228؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1873، ح 22408. مسند أحمد، ج 4، ص 366، ح 19285؛ سنن البيهقي، ج 2، ص 148، ح 2679؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 315، ح 898.

361

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«العدّة» في سند هذا الحديث عبارة عن: عليّ بن إبراهيم، وعليّ بن محمّد بن عبداللَّه بن اذينة، وأحمد بن عبداللَّه بن اميّة، وعليّ بن الحسن.

و «برقة رود»: قرية من قرى قمّ، والنسبة إليها «برقيّ» بسكون الرّاء.

و «مهران» بكسر الميم، ولا ينصرف.

و «القمّاط»: بيّاع القِماط ككتاب، وهو ما يلفّ على الصبيّ قبل زمان المهد.

و «الحلبي» هو عبيد اللَّه بن عليّ بن أبي شعبة الحلبي.

«ألا اخبرّكم» من التخبير: بسيار دانا كردن كسى را به چيزى به نشان‏هاى درست.

و «لم يقنّط» على المعلوم من التفعيل، من القنوط، وهو ضدّ الرجاء. ويجي‏ء في باب الكبائر في كتاب الإيمان والكفر: «الكبائر: القنوط من رحمة اللَّه، والإياس من روح اللَّه، والأمن من مكر اللَّه»، الحديث.

وقد يُفرَّق بين «الرحمة» بإيصال النفع، كإعطاء الولد على إبراهيم (عليه السلام) في أواخر سنّ سارة؛ وبين «الرَوْح»- بالفتح- بدفع الضرر، كإزالة حزن يعقوب برؤية يوسف (عليهما السلام).

ويمكن أن يكون المراد من «عذاب اللَّه» هنا: مكر اللَّه المذكور في سورة الأعراف؛ قال اللَّه تعالى: «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» (1).

وقد يستعمل «الرحمة» في إمام الهدى، و «العذاب» في إمام الضلالة؛ قال اللَّه تعالى في سورة الأعراف: «قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ». (2)

والترخيص في المعاصي يلزم على عدّة طائفة من الفِرَق الهالكة، منها: المرجئة القائلون بأنّ الإيمان محض التصديق بما جاء به النبيّ (صلى الله عليه و آله)، والعمل ليس منه ولا يلازم له؛ وأنّ قوّة إيمان فسق الفسّاق رتبةً كقوّة إيمان جبرئيل وميكائيل.

«رغبةً عنه»: مفعول له. و «الرغبة» إذا تعدّت ب «عن» بمعنى النفرة. وترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره صنيعة طائفتين من أهل الضلال: أهل الآراء وأهل‏ (3) المقاييس القائلون بالظنون، وهم عامّة العامّة ومن يجري مجراهم في القضاء والإفتاء؛ والصوفيّة القائلون‏

____________

(1). الأعراف (7): 99.

(2). الأعراف (7): 156.

(3). في «ب» و «ج»:-/ «أهل».

362

بأنّ العلم الحاصل بالمكاشفة أعلى وأقوى من العلم الحاصل من قول الأنبياء.

و «ألا» في المواضع حرف الاستفتاح والتنبيه.

و «في» فيها بمعنى «مع».

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«حقّ الفقيه» أي حقيقة الفقيه. و «حقّ الفقيه» بدل عن «الفقيه» وما بعده خبرُ مبتدإٍ محذوف؛ أي هو «من لم يقنّط الناس». ويحتمل أن يكون «حقّ الفقيه» مبتدأ وما بعده خبر.

والمراد أنّ الفقيه حقيقةً ليس إلّامن هو عالم بالمراد بما ورد في الوعيد والوعد والعفو بملاحظة بعضها مع الآخر حتّى يتبيّن له المراد. ومن يقتصر على ملاحظة البعض دون الباقي ويعتمد على ما يفهمه بتلك الملاحظة فيؤدّيه إلى أن يقنّط الناس من رحمة اللَّه، أو يؤمّنهم من عذاب اللَّه، أو يرخّص لهم في معاصي اللَّه، فبمجرّد علمه بالمسائل الشرعيّة الفروعيّة لا يكون فقيهاً.

وكذا حقيقة الفقيه لا يكون إلّالمن أخذ بكتاب اللَّه وتفكّر فيه ولم يرغب عنه إلى غيره؛ فإنّ التارك لكتاب اللَّه لا يكون فقيهاً وإن كان حافظاً للأحاديث، ضابطاً لها، فإنّ معرفة الأحاديث وفهمها لا يتمّ إلّابمعرفة كتاب اللَّه والتفكّر فيه. وأمّا مَن ترك التفكّر في كتاب اللَّه، ثمّ قاس على الأحاديث، فعدوله عن الحقّ أكثر.

ويحتمل أن يكون قوله: «ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهّم» ناظر إلى ما ذكره أوّلًا؛ فإنّ مَنْ كان يتفهّم يعلم أنّ الوعيد للتقريب من الإطاعة، والتقنيط يبعّد عنها، فمن يقنّط لم يكن في علمه تفهّم.

و «ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر» ناظر إلى ما ذكره ثانياً؛ فإنّ من يتدبّر في قراءته للكتاب والقصص المذكورة فيه- من نزول العذاب عند المعاصي- علم أنّها نزلت لئلّا يأمنوا من عذاب اللَّه، ولم يجترئوا على المعاصي، ولم يرخّصوا لأنفسهم فيها.

و «ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر» ناظر إلى ما ذكره ثالثاً من قوله: «ولم يترك القرآن رغبةً عنه»؛ فإنّ من تمسّك بالقرآن وعمل بما فيه كان آخذاً بما يتعبّد به من مأخذه بالتفكّر، ومَن ترك التمسّك به ورغب عنه إلى غيره كان آخذاً له من غير مأخذه الذي كان يجب أن يأخذ منه تاركاً لأخذه كما ينبغي بالتفكّر.

363

«وفي رواية اخرى». اختلاف هذه الرواية مع الرواية السابقة في الفقرة الثالثة هو اختلاف في العبارة، والمراد واحد. وزيادة الفقرة الرابعة هنا تدلّ على أنّ الفقرة الثانية ناظرة إلى الأمن من عذاب اللَّه، والرابعة ناظرة إلى الرخصة في المعاصي‏

و «النسك»: الطاعة والعبادة، وكلّ ما يتقرّب به.

و «الورع» في الأصل: الكفّ عن المحارم و التحرّج منه، ثمّ استعمل في الكفّ عن التسرّع إلى تناول أعراض‏ (1) الدنيا حسب ما يليق بالمتورّع، فمنه واجب، و هو الكفّ عن المحرّمات، وهو ورع العامّة؛ لأنّ الاجتناب عن المحرّم على الكلّ؛ ومنه ندب، وهو الوقوف عند الشبهات، وهو ورع الأوساط؛ ومنه فضيلة، وهو الاقتصار على الضروريّات، وهو ورع الكاملين. والمراد به هنا الأوّل، ويحتمل الثاني؛ فإنّه مع فقدانه لا يكون خير يعتدّ به. (2) انتهى.

قال اللَّه تبارك وتعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً». (3) لا شكّ أنّ كلمات قيّم القرآن، وهو القرآن الناطق إنّما هي بأمر اللَّه، وهو لسان اللَّه الناطق في خلق اللَّه.

الحديث الرابع‏ (4)

روى في الكافي عن محمّد، عن ابن عيسى والنيسابوريّين جميعاً، عن صفوان، (5) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «إنّ مِنْ عَلاماتِ الفِقْه‏ (6) الحِلْمُ والصَّمْتُ».

هديّة:

يعني من علامات العالم بعلم الدِّين العامل به أن يكون حليماً ذا وقار كافّاً لسانه عمّا

____________

(1). في «ب» و «ج»: «أغراض».

(2). الحاشية على اصول الكافى، ص 113- 115.

(3). الكهف (18): 109.

(4). في «الف»:-/ «الحديث الرابع».

(5). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى؛ و محمّد بن إسماعيل، عن‏الفضل بن شاذان النيسابوريّ جميعاً، عن صفوانَ بنِ يحيى».

(6). في الكافي المطبوع: «الفقيه».

364

لا طائل فيه، وإلّا فلا عامل فلا فقيه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«الحلم» يعني العفو والصفح عمّن لا أدب له. و «الصمت» يعني كفّ اللِّسان عمّا لا علم به، وعن التكلّم بما علم في غير موضعه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): «الحلم»: الأناة، وترك النزاع والجدال. و «الصّمت»:

السكوت عمّا لا يحتاج إليه. (1)

الحديث الخامس‏ (2)

روى في الكافي عن أحمد بن عبداللَّه، عن البرقي، (3) عن بعض أصحابه رفعه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يَكونُ السَّفَهُ والغِرَّةُ فِي قَلْبِ العالِمِ».

هديّة:

مضمونه كسابقه. و (السفه): الخفّة والطيش، وهو ضدّ الحلم بمعنى الأناة.

و (الغرّة) بكسر المعجمة وتشديد المهملة: الغفلة، وقلّة الفطنة بمكائد الشيطان فأعمّ من الاغترار ومصائده. والظاهر أنّ المراد لا يكون أصلًا، فالمراد ب «العالم» الحجّة المعصوم.

قال برهان الفضلاء: يعني عالم علم الدِّين لا ينزعج من مكانه بسهولة، ولا يغترّ بمكائد الشيطان. (4)

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

الظاهر أنّ «أحمد بن عبداللَّه» في سند هذا الحديث هو أحمد بن عبداللَّه بن بنت أحمد بن محمّد البرقي بقرينة ما في الفهرست. (5) والظاهر أنّه المراد من المذكور في العدّة،

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 113.

(2). في «الف»:-/ «الحديث الخامس».

(3). في الكافي المطبوع: «عن أحمدبن محمدٍ البرقي».

(4). في «ب» و «ج»:+/ «بسهولة».

(5). الفهرست للطوسي، ص 22، في ترجمة أحمدبن محمّد بن خالد البرقى، الرقم 55.

365

والمراد بالعالم هنا الإمام (عليه السلام). (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): «السفه»: قلّة الحلم أو عدمه. و «الغرّة» بالكسر:

الغفلة. (2) انتهى. أشار بالترديد إلى احتمال التعميم في «العالم».

الحديث السادس‏ (3)

روى في الكافي بهذا الإسناد، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان رفعه، قال: «قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام): يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ اقْضُوهَا لِي، قَالُوا: قُضِيَتْ حَاجَتُكَ يَا رُوحَ اللَّهِ، فَقَامَ، فَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ، فَقَالُوا: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهذَا يَا رُوحَ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِدْمَةِ الْعَالِمُ، إِنَّمَا تَوَاضَعْتُ هكَذَا لِكَيْمَا تَتَوَاضَعُوا بَعْدِي فِي النَّاسِ كَتَوَاضُعِي لَكُمْ.

ثُمَّ قَالَ عِيسى‏ (عليه السلام): بِالتَّوَاضُعِ تُعْمَرُ الْحِكْمَةُ، لَابِالتَّكَبُّرِ؛ وَكَذلِكَ فِي السَّهْلِ يَنْبُتُ الزَّرْعُ، لَا فِي الْجَبَلِ».

هديّة:

«المعشر» كمنصب: الجماعة، والجمع معاشر.

في بعض النسخ: «فقبّل» من التقبيل، مكان «فغسل» على المعلوم من باب ضرب.

(بالخدمة) أي بالتواضع، و (العالم) مأمور بالتواضع مع المتعلِّم كما مرّ في الأوّل.

ووجه الأحقّيّة: اختصاص التكبّر باللَّه سبحانه، وكمال التواضع حقّ المقرّبين من عباده؛ لتفرّده بالخالقيّة والقِدَم والبقاء، كجميع ما سواه بالمخلوقيّة والحدوث والفناء.

ويجي‏ء في الحديث في الباب التاسع والخمسون وهو باب التواضع في كتاب الإيمان والكفر: «أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى داود (عليه السلام) أنّ أقرب الناس إلى اللَّه المتواضعون وأبعدهم منه المتكبّرون».

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي‏

وفيه:-/ «والمراد بالعالم هنا الإمام (عليه السلام)».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 115.

(3). في «الف»:-/ «الحديث السادس».

366

(إنّما تواضعت) بيان لوجه آخر لمبالغته في التواضع، فمنه قوله: (بالتواضع تُعمر الحكمة) بزيادة التواضع تنموا الحكمة وتزاد.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

روح الإنسان جسم هوائي لطيف غير مرئي يوجب الحياة ما دام في البدن. وبدن غير عيسى‏ (عليه السلام) مخلوق قبل نفخ الروح فيه، وبدنه مخلوق من روح نفخ جبرئيل (عليه السلام) في مريم (عليها السلام) بإذن اللَّه تعالى.

والإضافة في «روح اللَّه» إضافة الاختصاص والتشريف والتكريم، كسمائي وأرضي وملائكتي.

«فغسل» كضرب من «الغسل» بالفتح‏

«تعمر» على المجهول من باب نصر. انتهى.

اعتقاده سلّمه اللَّه بجسميّة النفوس الناطقة.

بناءً على ما هو الحقّ والصدق من تفرّد الربّ تبارك وتعالى بالقِدَم واللّازمانيّة واللّامكانيّة والتنزّه عن الأبعاد اللّازمة الجسمانيّة، هل يمكن لذي حياة أن يعقل نفسه مجرّدة عن البُعد والإمكان بعد مفارقتها البدن؟ احتمال لا يعارض اليقين. نعم، يعقل [المجرّد من البعد والحنّير والمكان والمادة، لكن إمّا معان قائمة بالأذهان أو من ساير الأعراض فجسمانيّ، وهل يتصوّر شي‏ء بدون صورة] (1) اسمه القائمة بالذهن، ولذا بنيت المعرفة الدينيّة على نفي التشبيه والتعطيل.

وروى الشيخ الطبرسي بإسناده في الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الروح لا يوصف بثقلٍ ولا خفّةٍ، وهي جسم رقيق البس قالَباً كثيفاً، فهي بمنزلة الريح في الزقّ، فإذا نفخت فيه امتلأ الزقّ منها، فلا يزيد في وزن الزقّ، وُلُوجها، ولا ينقصه خروجها، وكذلك الروح ليس لها ثقلٌ ولا وزنٌ». قيل له: أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالَبه أم هو باق؟ قال: «بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى، فلا حسّ ولا محسوس، ثمّ اعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، وذلك أربعمائة سنة

____________

(1). ما بين المعقوفتين لم يرد في «الف».

367

تَسْبِتُ فيها الخلق، وذلك بين النفختين». وقال (عليه السلام) أيضاً: «إنّ الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياءٍ وفُسْحَة، وروح المسي‏ء في ضِيقٍ وظلمة، والبدن يصير تراباً». (1) الحديث.

قوله (عليه السلام): «فلا حسّ ولا محسوس- إلى قوله-: وذلك أربعمائة سنة»؛ دلالة على بطلان مثل القول بأنّ الزمان مقدار حركة الفلك.

ونقل بعض المعاصرين هذا الحديث من الاحتجاج، وقال: «أمّا إطلاق الجسم على الروح؛ فلأنّ نشأة الملكوت أيضاً (2) جسمانيّة من حيث الصورة وإن كانت روحانيّة من جهة المعنى غير مدركة بهذه الحواسّ». انتهى.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّ أحقّ الناس بالخدمة العالم» وذلك لشدّة استعداده للفيضان من المبدأ عليه، ولفضله وشرفه وعزّه بالعلم، فبتواضعه وتذلّله بالخدمة يُفاض عليه ما يليق به، ويتزيّن عزّه وشرفه بالتواضع، ولا يلحقه ذلّ بذلك، بخلاف الجاهل؛ فإنّه لقلّة استعداده أو لسوء استعداده إنّما يُفاض عليه ما يليق به ويناسب استعداده، ولِذُلّه و منقصته بالجهل يكون مناسباً للخدمة، ولا يكون في خدمته تواضع، فلا يزيد به إلّاذلًاّ. فالعالم أحقّ بأن يفعل الخدمة؛ حيث له فيها منافع كثيرة وعزّ وشرف، والجاهل لا ينتفع بارتكابه ويزيد به ذُلّاً، إنّما فعل ما هو مناسب لِذُلّه وهو فيه ذلّ ولا عزّ له في ارتكابه وتحمّله. والعالم يعزّ بارتكابه، فهو من هذه الحيثيّة له عزّ. (3) انتهى.

الباعث لما يرد في مواضع على بيانه إنّما هو ما يُستشمّ من بنائه بيانه عليه ولا بأس به؛ إذ الفيضان والاستعداد وغيرهما من آلات اصول الفلاسفة على الإيجاب مع الإيجاب، وعلى الإمكان مع القدرة والاختيار.

____________

(1). الاحتجاج، ج 2، ص 96- 98 .. و عنه في البحار، ج 10، ص 185- 186، ح 2. والحديث طويل اختار المصنّف بعض منه.

(2). في «الف»: «تصير».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 115- 116.

368

الحديث السابع‏ (1)

روى في الكافي عن عليّ، (2) عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عمّن ذكره، عن ابن وهب، (3) عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، إِنَّ لِلْعَالِمِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ:

الْعِلْمَ، وَالْحِلْمَ، وَالصَّمْتَ، و لِلْمُتَكَلِّفِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ: يُنَازِعُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَظْلِمُ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الظَّلَمَةَ».

هديّة:

(إنّ للعالم) أي من الرعية.

(العلم) أي المأخوذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه على ما فصّل فيما سبق مراراً. وبيّن (الحلم والصمت) في هديّة الرابع.

(بالمعصية) أي بالعقوق والتمرّد، كالحسن البصري من الصوفيّة.

(بالغلبة) أي في دولة الباطل، كأبي حنيفة.

و «المظاهرة»: المعاونة.

قال برهان الفضلاء:

«للعالم» أي للعالم الذي يجوز أن يؤخذ عنه علم الدِّين. «العلم» أي العلم بمرتبته عند من هو أعلم منه.

و «الحلم والصمت» قد فسّرا في شرح الحديث الأوّل.

و «يظاهر الظلمة» أي يعاون ظالمي المخالفين في الإفتاء، والقضاء بالظنّ.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله)

يعني ب «العالم» من استقرّ العلم في قلبه كما سبق. ومن علامات هذا العالم المعرفة الظاهرة و «الحلم والصمت».

و ب «المتكلّف»: الذي يدّعي أنّ المعرفة الظاهريّة القوليّة من عقائده المستقرّة الثابتة في‏

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث السابع».

(2). في الكافي المطبوع: «عن عليّ بن إبراهيم».

(3). في الكافي المطبوع: «عن معاوية بن وهب».

369

قلبه، ومن علامته: المنازعة لمن فوقه ومن عليه إطاعته، والأخذ عنه بالمعصية، وترك الإطاعة له، والظلم على من دونه بغلبته عليه وإسكاته بالباطل الذي لا يقدر مَن دونه على حلّه والتخلّص عنه، والمظاهرة والمعاونة للظلمة. (1)

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 116- 117.

370

الباب السابع باب حقّ العالم‏

وفيه كما في الكافي حديثٌ واحد.

روى في الكافي عن عليّ بن محمّد بن عبداللَّه، عن أحمد، (1) عن محمّد بن خالد، عن الجعفري، (2) عمّن ذكره، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ أَنْ لَاتُكْثِرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ، وَلَا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ، وَإِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِ- وَعِنْدَهُ قَوْمٌ- فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً، وَخُصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ دُونَهُمْ، وَاجْلِسْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا تَجْلِسْ خَلْفَهُ، وَلا تَغْمِزْ بِعَيْنِكَ، وَلَا تُشِرْ بِيَدِكَ، وَلَا تُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: قَالَ فُلَانٌ وَقَالَ فُلَانٌ خِلَافاً لِقَوْلِهِ، وَلَا تَضْجَرْ بِطُولِ صُحْبَتِهِ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ الْعَالِمِ مَثَلُ النَّخْلَةِ تَنْتَظِرُهَا مَتى‏ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ، وَالْعَالِمُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ تبارك وتعالى‏».

قوله‏ (3): (أن لا تكثر عليه السؤال) حذراً عمّا يوجب الملال.

(ولا تأخذ بثوبه) اجتناباً عن سوء الأدب. و «التحيّة»: الثناء.

والمراد ب «الجلوس بين يديه»: الجلوس في مجلسه بحيث لا يحوجه إلى التفات كثير منه عند الخطاب.

و ب «الخلف»: ما يقابله.

«غمز» بالعين أو الحاجب، كضرب: أشار، وباليد: نخس.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد».

(2). في الكافي المطبوع: «عن سليمان بن جعفرٍ الجعفري».

(3). في «ب» و «ج»: «هدية».

371

في بعض النسخ: «من قول قال فلان وقال فلان» بلا تعريف «القول» فعلى البدل على الأكثر، أو بتقدير القول.

«ضجر» به ومنه، كعلم: سأم وقلق؛ أي لا تظهر الضجر، أو أمرٌ بالنهوض عن المجلس عند وجدان الضجر.

و (العالم) المنتفع بعلمه في الدِّين (أعظم أجراً من الصائم) بالنهار (القائم) بالليل (الغازي في سبيل اللَّه) في الجهاد الأكبر دائماً، وفي أصغره عنده.

قال برهان الفضلاء:

«إنّ من حقّ العالم» أي العالم بالمسائل الدينيّة.

«ولا تأخذ بثوبه» أي عند إرادته النهوض من المجلس إلتماساً لتوقفه ساعةً اخرى.

وخصّة بالتحيّة دونهم؛ أي لا تثن عنده غيره بمثل ثنائه فضلًا عن الأزيد.

«من قول قال فلان وقال فلان» على الإضافة.

والتمثيل ب «النخلة»: إشارة إلى أنّ كلام العالم من غير سؤال عنه أفضل في جواب سؤال؛ فإنّ ما يسقط من النخلة أنضج وأكمل.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

يحتمل أن يكون المراد بالإكثار عليه: الإكثار المتضمّن للضرّ، (1) بأن يكثر لينفد ما عنده، أو ليظهر (2) خطأه أو عجزه.

ويحتمل أن يكون المراد بالإكثار عليه: الزيادة على القدر الذي يعمل به، أو يحفظه ويضبطه.

ويحتمل أن يكون الظرف متعلّقاً بالسؤال، ويكون المراد بالسؤال عليه الإيراد والردّ عليه. أو يراد ب «على» مفادها، ويراد به السؤال منه، كما في الاحتمال الثاني. وفي كلّ منها ترك رعاية حقّ العالم وتعظيمه وتوقيره.

[والمراد ب «الجلوس بين يديه»: الجلوس حيث يواجهه، ولا يحتاج في الخطاب والمواجهة إلى انصراف إلى جانب السائل.

____________

(1). في المصدر: «للضرر».

(2). كذا في المصدر، وفي الأصل: «ليظهره».

372

والمراد ب «الجلوس خلفه»: ما يكون بخلاف ذلك، فيحتاج في التوجّه و الخطاب إلى الانصراف نحوَه.

والمراد ب «الغمز بالعين»: الإشارة بها.] (1)

وفي كلّ من الغمز بالعين والإشارة باليد والإكثار من نقل قول القائلين بخلاف قوله ترك التعظيم والإجلال للعالم الذي من حقّه أن يعظّم ويُبجّل.

«ولا تضجر لطول صحبته»؛ (2) فإنّ في طول صحبته انتفاعاً ونيلًا للمطلوب عاجلًا وآجلًا. (3)

فكما أنّ في كسر النخلة أو قطعها تفويتاً أكثر ممّا يتوقّع من الانتفاع به بسقوط شي‏ء منها، كذلك في حطّ مرتبة العالم والاستخفاف به تفويت أعظم ممّا يتوقّع حصوله بالسؤال عنه.

«والعالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل اللَّه»؛ لأنّ الصائم يكون صومه مكفّاً لنفسه عمّا امر بالكفّ عنه، ولا يوجب كفّ أحد في الصوم كفّ آخر، وكذا إقامة الصلاة. والعالم يكفّ نفسه عن الاعتقادات الباطلة بالدلائل القاطعة، ويُقيم الاعتقادات الحقّة بالبراهين القاطعة (4) الواضحة. وهذه الدلائل والبراهين توجب كفّ كلّ نفس عن الآراء الباطلة، وقيام كلّ على المذاهب الحقّة.

وكذا الغازي في سبيل اللَّه يدفع طغيان أهل الكفر والضلال، الذين‏ (5) يجاهدهم ويسعى في إزالة باطلهم، فيقاتلهم حتّى يقرّوا بالحقّ أو يعملوا بالذمّة.

والعالم يدفع الشُّبه الموجبة للكفر والضلال، ويسعى في إزالتها، فيهتدي به‏ (6) بذلك كلّ من وصل إليه واستمعه‏ (7) ونظر بعين الإنصاف، فلهذا صار العالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل اللَّه جلَّ جلاله. (8)

____________

(1). ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر.

(2). في المصدر هنا إضافة تركها المصنّف، أو اسقطت من المخطوطة.

(3). في المصدرهنا إضافة تركها المصنّف، أو اسقطت من المخطوطة.

(4). في المصدر: «القطعيّة» بدل «القاطعة».

(5). في «ب» و «ج»: «للدين».

(6). في المصدر:-/ «به».

(7). في‏المصدر: «وسمعه».

(8). الحاشية على اصول الكافي، ص 117- 119.

373

الباب الثامن باب فقد العلماء

وأحاديثه كما في الكافي ستّة:

الحديث الأوّل‏ (1)

روى في الكافي عن العدّة، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلى‏ إِبْلِيسَ مِنْ مَوْتِ فَقِيهٍ».

هديّة:

(فقيه) أي عالم عامل من علماء الدِّين.

ورواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه بدون «من المؤمنين» وذلك؛ لأنّ الفقيه أعلم بأعظم المهلكات المحفوفة بالمنجيات، وهو التصوّف، وهو أخفى المهلكات عند الجهلاء وأظهر عند العلماء، ولا ينجي بالواسطة إلّاالخبير الناجي.

الحديث الثاني‏ (2)

روى في الكافي عن الثلاثة، (3) عن بعض أصحابه عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «إذا مات المؤمن الفقيه ثُلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شي‏ء».

____________

(1). في «الف»:-/ «الحديث الأوّل».

(2). في «الف»:-/ «الحديث الثاني».

(3). يعني: «عليّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

374

(ثلمة) كضرب، فانثلم. وتثلّم وثلّمه تثليماً، شدّد للكثرة. وثلم السيف- بالفتح- وثلم الوادي- بالتحريك- والثّلمة- بالضمّ-: الخلل في الحائط ونحوه.

شبّه الإسلام بالمدينة، وعلماءه الموصوفون بحصنها أو بحصونها.

و «ثلمة» نصب على المصدرية، فلعلّ معنى (لا يسدّها شي‏ء): لا يسدّها إلّامثله؛ للقرينة الدقيقة في الخامس.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«ثلم» على المجهول من باب ضرب، أو التفعيل. «ثلمة» بالضمّ نصب مفعول مطلق، كأنبتُّه نباتاً. والظرف نائب الفاعل، أو فاعل للمبالغة. وبيان «لا يسدّها شي‏ء» يجي‏ء في الحديث التالي.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لا يسدّها شي‏ء»؛ لأنّ الفقهاء الموجودين في كلّ وقت كلّ منهم كحصن الإسلام‏ (1) في ذلك العصر، فإذا مات ثلم ثلمة لا يسدّها شي‏ء؛ لأنّ كلّ واحدٍ من الموجودين حين وفاته كحصن آخر فلا يسدّ هذه الثّلمة التي بزوال هذا الحصن به، وإذا قيل‏ (2) بحصول كمال لآخر عند موته فيصير به ذلك الحصن أشدّ استحكاماً. (3)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عن محمّد، عن أحمد، عن السّراد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، (4) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ، بَكَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَبِقَاعُ الْأَرْضِ، الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ، الَّتِي كَانَ يُصْعَدُ فِيهَا بِأَعْمَالِهِ، وَثُلِمَ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَايَسُدُّهَا شَيْ‏ءٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَهَاءَ حُصُونُ الْإِسْلَامِ كَحِصْنِ سُورِ الْمَدِينَةِ لَهَا».

____________

(1). في المصدر: «للإسلام».

(2). في «ب» و «ج»: «قبل».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 119- 120.

(4). السند فى الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عليّ بن أبي‏حمزة».

375

هديّة:

المراد ب «المؤمن» هنا: المؤمن الفقيه؛ للتصريح به في سابقه، أو الأعمّ، ولا ينافيه لفظة «الفقهاء» في الجملة التعليليّة؛ لأنّها إمّا للإشارة إلى أنّ كلّ مؤمن فقيه بعلمه بضروريّات الدِّين التي ظهرت للأسماع في السنّة القائمة إلى يوم القيام كالشمس في رابعة النهار لجميع الأنظار، أنظار المؤمنين والكفّار، أو لبيان أنّ المؤمن الفقيه كالحصن، وغيره من المؤمنين كعمارة العمارة وأسباب البناء.

وأورد ثقة الإسلام طاب ثراه هذا الحديث بإسناد آخر في كتاب الجنائز في باب نوادر الجنائز بدون لفظة «الفقهاء».

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«المؤمن» هنا بمعنى المؤمن الفقيه، كما في سابقه.

و «الحصون» استعيرت للحَفَظَة. والإضافة في «حصون الإسلام» لاميّة.

«كحصن» خبر مبتدأ محذوف، بتقدير: «كلّ واحد» لبيان وجه الشّبه في الاستعارة.

وإضافة «الحصن» إلى «السور» بيانيّة، واحترازٌ عن المعنى المجازي للحصن. والمراد تشبيه كلّ واحد من الفقهاء بالسور.

ويجي‏ء هذا الحديث في آخر أبواب كتاب الجنائز بسندٍ آخر، وهناك «كحصون» مكان «كحصن».

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«بكت عليه الملائكة» أي الملائكة الموكّلون بالناس وبأعمالهم، أو الملائكة كلّهم.

«وبقاع الأرض التي كان يعبد اللَّه» أي هذا المؤمن «عليها» إن كان البناء للفاعل.

ويحتمل البناء للمفعول، أي كلّ بقعة توقع عبادة اللَّه عليها. والمراد أهل تلك البقاع، من الملائكة والأرواح والناس العابدين للَّه.

ولعلّ المراد ب «أبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله»: ما يوصل الأعمال إلى مقرّها من العِلويّات، ويكون وسيلة لوصولها ودخولها وانضباطها فيها، مَلِكاً كان أو روحاً أو نفوساً كاملة شريفة قدسيّة أو قوّة أو نفساً علويّة.

376

ويحتمل أن يكون المراد بها مواضع مخصوصةً من الفلك، ويكون المراد بكاء الموكّلين على هذه المواضع من الأرواح والملائكة.

وبالجملة: يُراد بالبكاء الحزن الموجب لجري الدموع فينا، سواء كان هناك مع الحزن جري دموع أو لا.

«حصون الإسلام» أي الحافظون له بحفظ العقائد الصحيحة والشريعة القويمة، المانعون عنه بالمنع عن دخول الشُّبه والأباطيل والبدع فيه. (1) انتهى.

قيل في بيانه (رحمه الله) أشياء: منها: أنّ بيانه لأبواب السماء لا يوافق بيانه للحصون، ومن ضروريّات الدِّين الاعتقاد بالمعراج الجسماني من الأبواب المفتّحة له (صلى الله عليه و آله) وجسمانيّة البُراق، والإمامة ليلة المعراج لجميع المقرّبين عند سدرة المنتهى بالبدن الجسمانيّ، واللَّه الذي على كلّ شي‏ءٍ قدير، و جاعل الملائكة اولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع ويزيد في الخلق ما يشاء. (2) إنّ حديث زغب رياش الملائكة (3) وأمثاله من محكمات السنّة.

والإتيان بالمتشابهات في الأخبار عن ضروريّات الدِّين ليس من أفعال الحكيم تعالى شأنه وعظم سلطانه.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي، وقال: وَعَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَرَّازِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلى‏ إِبْلِيسَ مِنْ مَوْتِ فَقِيهٍ».

هديّة:

بيانه كمثله، وهو الأوّل.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 120- 121.

(2). اقتباس من الآية 1، فاطر (35).

(3). راجع: الكافي، ج 1، ص 393، باب أنّ الأئمّة تدخل الملائكة بيوتهم و ...، ج 3؛ بحار الأنوار، ج 18، ص 319- 332، ج 34.

377

الحديث الخامس‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ ابْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ عَمِّهِ‏ (1)، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «إِنَّ أَبِي (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ- تبارك و تعالى- لَايَقْبِضُ الْعِلْمَ بَعْدَ مَا يُهْبِطُهُ، وَلكِنْ يَمُوتُ الْعَالِمُ، فَيَذْهَبُ بِمَا يَعْلَمُ، (فتأمّهم) فَتَلِيهِمُ الْجُفَاةُ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ، وَلَا خَيْرَ فِي شَيْ‏ءٍ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ».

هديّة:

يعني علم اصول الدِّين من لدن آدم (عليه السلام) إلى انقراض زمان التكليف، وأهله من الحجّة المعصوم وشيعته سلسلة نورانيّة ممتدّة من أوّل الدنيا إلى آخرها، لن تخلو الدنيا ما دامت منها إلّاأنّ عالماً من علمائه يقضي نَحْبه أو يغيب بإذن اللَّه.

والمراد ب «العالم»: الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه.

«وليه» صار والياً له، وتناوله بقصد التملّك من الولاية. في القاموس: الولاية بالكسر والفتح لها معان، أو بالفتح مصدر، وبالكسر الخُطّة والإمارة والسلطان. (2)

وفي بعض النسخ «فتأمّهم» من الإمامة مكان «فتليهم». وضمير الجمع عليهما للناس أو العباد. و (الجفاة): جمع الجافي من الجَفاء، وهو الظّلم، والغِلَظُ في المعاشرة، والخُرق في المعاملة ملّة في شي‏ء من المحكم والمتشابه‏

(أصل) أي مأخذ عن الحجّة المعصوم.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«لا يقبض» على المعلوم من باب ضرب.

و «العلم» نصب ومفعول به، وهو عبارة عن الآيات البيّنات المحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ الآمرة بسؤال أهل الذِّكر عند كلّ مشتبه محتاج إليه.

و «ما» في الموضعين مصدريّة. و «العالم» عبارة عن العالم بتلك المحكمات.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه‏يعقوب بن سالم».

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 1732 (ولي).

378

والمراد بموته أنّ به يضعف الباقون ويقلّون، كقلّتهم وضعفهم بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) على التدريج حتّى انتهى إلى غيبة الإمام (عليه السلام).

و «الباء» في «بما» للتعدية، أو للمصاحبة.

«فتأمّهم» بالهمز وتشديد الميم، والضمير ل «الناس» المفهوم سياقاً

«ولا خير في شي‏ء ليس له أصل» يعني من لم يكن له مستند في الأقوال والأفعال من المحكمات فهو ضالّ مضلّ، كما هو شأن مخالفينا.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

يعني لا يقبض العلم من بين الناس بعد هبوطه، (1) بل يبقى فيهم، ويكون فيه من يعلّم، (2) ولكن يموت العالم «فيذهب بما يعلم» أي بعلمه الذي كان له.

«فتأمّهم الجفاة» أي تأخذهم تابعين مطيعين مقرّين بإمامتهم.

وفي بعض النسخ: «فتليهم الجُفاة» أي تملك التصرّف في امورهم. (3)

الحديث السادس‏

روى في الكافي عَنْ العِدَّةٌ عَنْ أَحْمَدَ، (4) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) يَقُولُ: إِنَّهُ يُسَخِّي نَفْسِي فِي سُرْعَةِ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ فِينَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى‏ «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» وَهُوَ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ».

هديّة:

«السخاء» و «السخاوة»: الجود. يُقال: منه سخا يسخو كدعا يدعو، أو سخي يسخى كرضي يرضى. وسخو يسخو- من باب حسن- سخاوة: (5) صار سخيّاً وجاد، وأسخاه غيره.

____________

(1). في المصدر:+/ «و إنزاله».

(2). في المصدر: «يعلّمه».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 121- 122.

(4). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد».

(5). في «الف»: «سخاؤه».

379

يعني (أنّه يسخّي نفسي) فيما ذكر تعظيم اللَّه العلماء وتكريمه إيّاهم بنسبة الإتيان إلى نفسه سبحانه، ف «نفسي» نصب على المفعوليّة. و «قول اللَّه تعالى» رفع على الفاعليّة. والآية في سورة الرعد. (1)

ولعلّ المراد بنقصان الأرض من أطرافها: خلوّها من نور العلم؛ أي خلوّ بعض أطرافها؛ لمكان «من» وشرف المكان بالمكين.

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: «من أطرافها» أي من نفائسها، جمع طريف، بمعنى النفيس.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

وفي بعض النسخ: «يسخّي» من باب التفعيل. وفي بعضها: «تسخى من المجرّد». وعلى الاولى: فاعله «قول اللَّه» ومفعوله «نفسي» و «فينا» متعلّق ب «سرعة الموت والقتل».

وعلى الثانية: فاعلها «نفسي» و «فينا» خبر لقوله: «قول اللَّه». (2)

وقال بعض المعاصرين:

إنّما عبّر عن العلماء بنهايات الأرض؛ لأنّ غاية الحركات الأرضيّة، ونهاية الكمالات المرتّبة عليها من لدن حصول المعادن منها، ثمّ النباتات، ثمّ الحيوانات إلى الوصول إلى الدرجة الإنسانيّة وما فوقها، إنّما هو وجود العلم والعلماء، فالأرض والأرضيّات بهم تنتهي إلى سماء العلم والعقل، فهم بمنزلة نهاياتها. (3) انتهى.

____________

(1). الرعد (13): 41.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 122.

(3). الوافي، ج 1، ص 150.

380

الباب التاسع بَابُ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَ مصاحبتهم‏ (1)

و أحاديثه كما في الكافي خمسة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ العبيدي، عَنْ يُونُسَ، (2) رَفَعَهُ، قَالَ: «قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلى‏ عَيْنِكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، فَاجْلِسْ مَعَهُمْ؛ فَإِنْ تَكُنْ عَالِماً، نَفَعَكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا، عَلَّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظِلَّهُمْ بِرَحْمَتِهِ؛ فَتَعُمَّكَ مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً لَايَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ؛ فَإِنْ تَكُنْ عَالِماً، لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ كُنْتَ جَاهِلًا، يَزِيدُوكَ جَهْلًا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظِلَّهُمْ بِعُقُوبَةٍ؛ فَتَعُمَّكَ مَعَهُمْ».

هديّة:

(على عينك) لعلّ المراد على بصيرتك؛ لما لا يخفى.

(يذكرون اللَّه) أي يكون مبنى مذاكرتهم ومكالمتهم بما أخذ عن الحجّة المعصوم الممتنع خلوّ الدنيا عنه.

(نفعك علمك) من وجوه.

(علّموك) ما نفعك.

قال برهان الفضلاء:

«اختر» من الاختيار بمعنى التفضيل والترجيح.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «صحبتهم».

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بنُ إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس رفعه».

381

و «المَجالس» بفتح الميم: جمع المُجالس بضمّ الميم، أي المصاحب، كما قيل في قوله تعالى في سورة الأنعام: «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ» (1)، إنّ المَفاتح هنا جمع المُفاتح. والمراد الحجج المعصومون، يعني أنّهم لا يعلمون الغيب ولكنّهم هم مفاتحوه بإذن اللَّه.

و «الذِّكر» عبارة عن الخوف من عذاب اللَّه بالتوفيق بين الفعل والقول بالعمل بمحكمات الكتاب التي ناهية في كلّ شريعة عن اتّباع الظنّ في المتشابهات، آمرة بسؤال أهل الذِّكر.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«على عينك» أي على بصيرة منك ومعرفة لك بحالها، ثمّ بيّن معرفة خيرها من شرّها بقوله: «فإن رأيت قوماً يذكرون اللَّه».

«أن يظلّهم». أي يغشيهم. (2)

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ وَمُحَمَّدٌ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏ جَمِيعاً، عَنِ السّراد، عَنْ دُرُسْتَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ (3)، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: «مُحَادَثَةُ الْعَالِمِ عَلَى الْمَزَابِلِ خَيْرٌ مِنْ مُحَادَثَةِ الْجَاهِلِ عَلَى الزَّرَابِيِّ».

هديّة:

أي العالم العاقل عن اللَّه ابتداءً أو بواسطة أو بوسائط. و (الزّرابيّ): جمع «زربيّ» بتثليث الزّاي. قيل هي بسط عراض فاخرة. وقيل هي الطّنافس التي لها خمل رقيق.

وقيل هي النمارق، والنمرقة واحدة النُمْرُق، كهدهد: الوسادة. (4)

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الزّرابيّ» من النبت: ما اصفرّ أو احمرّ وفيه خُضْرة. ويُطلق على البُسُط الملوّنة بالألوان‏

____________

(1). الأنعام (6): 59.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 122.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه؛ و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏جميعاً، عن ابن محبوب، عن درست بن أبي منصور، عن إبراهيم بن عبدالحميد».

(4). راجع: الوافي، ج 1، ص 176؛ لسان العرب، ج 1، ص 477 (زرب).

382

تشبيهاً لها بالزرابي من النبت. أو المراد بها النمارق، والنمرقة: الوسادة. (1)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَنْ العِدَّةِ، عَنْ الْبَرْقِيِ‏ (2)، عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): قَالَتِ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسى‏: يَا رُوحَ اللَّهِ، مَنْ نُجَالِسُ؟ قَالَ: مَنْ تُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَيَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَيُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ».

هديّة:

يعني جالسوا من تكونون قاطعين بإيمانه وعلمه وعمله به، فيذكّركم اللَّه رؤيته وينفعكم علمه وعمله.

قال برهان الفضلاء:

«من تذكّركم» من التفعيل، أي تنذركم من عذاب اللَّه رؤيته، ويزيد في معرفتكم كلامه، ويحرّصكم في ثواب الآخرة طاعته.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي، بإسناده عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مُجَالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».

هديّة:

يعني المطيعين للحجّة المعصوم المفترض الطاعة على ما امروا؛ فإنّ رؤيتهم ذكر، وكذا مجالستهم والمكالمة معهم، ومجالسهم مجالس الذِّكر. وهل الذِّكر إلّاكلّ طاعة صحيحة شرعاً، وكلّ أمر فيه للَّه‏سبحانه رضىً؟

وقد روى الصدوق (رحمه الله) في الفقيه في باب نوادر الكتاب بإسناده، قال: قال رسول‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 123.

(2). في الكافي المطبوع: «أحمدبن محمّد بن البرقي».

383

اللَّه (صلى الله عليه و آله): «بادروا إلى رياض الجنّة»، قالوا: يارسول اللَّه، وما رياض الجنّة؟ قال: «حَلَق الذِّكر»، (1) يعني مجالس العلماء من أهل الدِّين.

قال برهان الفضلاء: «مجالسة أهل الدِّين» يعني العلماء بالمسائل الدينيّة العاملين بعلمهم».

الحديث الخامس‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيّ‏ (2)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ الْمِنْقَرِيِ‏ (3)، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «لَمَجْلِسٌ أَجْلِسُهُ إِلى‏ مَنْ أَثِقُ بِهِ‏أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ».

هديّة:

(مسعر) كمنبر، و (كدام) قيل: ككتاب. وقيل كغراب. وقيل كشدّاد. كدمه كضرب، ونصر: عضّه بأدنى فمه أو أثّر فيه بحديدة، القاموس، (4) وكغراب: أصل المرعى، والرجل الشيخ، وموضع باليمن، وككتاب، وزبير، ومعظم أسماء.

«إلى من أثق به» هل وثوق قطعيّ بلا اشتباه إلى مخلوق لا يكون حجّة معصوماً عاقلًا عن اللَّه، ولا مؤمناً عدلًا عاقلًا عن العاقل عن اللَّه ابتداءً أو بواسطة؟

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«المجلس» هنا مصدر ميميّ، يعني لجلوس أفعله كجلوسي إلى من أثق به من علماء علم الدِّين بتركه تبعيّة الظنّ في الأحكام المشتبهة.

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«مسعر» بكسر الميم وفتح العين بين السين الساكنة والراء غير المعجمات، وقد يفتح‏

____________

(1). الفقيه، ج 4، ص 409، ح 5888. و رواه مسنداً في الأمالي، ص 444، ح 592؛ و معاني الأخبار، ص 321، باب معنى قول النبيّ (صلى الله عليه و آله): «بادروا إلى رياض الجنّة»، ح 1. بحارالأنوار، ج 1، ص 202، ح 12.

(2). في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم».

(3). في الكافي المطبوع: «سليمان بن داود المنقري».

(4). القاموس المحيط، ج 2، ص 1518 (كدم).

384

ميمه تفاؤلًا.

و «كدام» بالكاف المكسورة والدال الغير المعجمة.

و «مسعر» شيخ السفيانين: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة.

«لمجلس أجلسه إلى مَن أثق به» يحتمل أن يكون المجلس مصدراً ميميّاً، ويكون المنصوب في «أجلسه» في موضع المفعول المطلق.

ويحتمل أن يكون اسم مكان، وتقدير الكلام: أجلس فيه. و «إلى» بمعنى «مع»؛ أي مع من أثق به، كما في «إلى المرافق». (1)

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 123- 124.

385

الباب العاشر بَابُ سُؤَالِ الْعَالِمِ وَ تَذَاكُرِهِ‏

و أحاديثه كما في الكافي عشرة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَن الثلاثة، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا (1)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَجْدُورٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، فَغَسَّلُوهُ، فَمَاتَ، قَالَ: «قَتَلُوهُ، أَلَّا سَأَلُوا؛ فَإِنَّ دَوَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ».

هديّة:

الإضافة الاولى في العنوان إلى المفعول به، والمضاف إليه الثاني للأوّل، فالاشتراك بحسب تذكير المسألة من السائل وتذكير حكمها من العالم، أو للعلم المفهوم من العالم.

و «المجدور» من الجدري بفتحتين وبضمّ الجيم: داءٌ معروف.

وإنّما قتلوه؛ لأنّ فرضه التيمّم، فالمفتي ضامن كالمباشر.

و (العيّ) بكسر المهملة وتشديد الخاتمة: الجهل، والعجز عن البيان.

قال برهان الفضلاء:

اضيف السؤال في العنوان إلى المفعول به، والضمير في تذاكره للعلم المفهوم من العالم.

و «ألّا» بفتح الهمزة والتشديد: حرف التنديم.

و «العيّ» بالكسر والتشديد مصدر المعتلّ العين اليائيّ، ومعتلّ اللّام اليائي، من باب علم:

عجز البيان.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا».

386

والمراد هنا عدم العلم بالأحكام.

وقال السيّد الأجلّ النائيني: «ألا» حرف تخصيص. و «العيّ» بكسر العين المهملة:

أن لا يهتدي بوجه المراد ويعجز عنه. (1)

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ زُرَارَةَ وَمُحَمَّدٍ وَ الْعِجْلِيِ‏ (2)، قَالُوا: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) لِحُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ فِي شَيْ‏ءٍ سَأَلَهُ: «إِنَّمَا يَهْلِكُ النَّاسُ؛ لِأَنَّهُمْ لَايَسْأَلُونَ».

هديّة:

يعني عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، أو عن الثقة العاقل عن العاقل عن اللَّه ابتداءً أو بالواسطة الموصوفة. والخبر ردّ على مدّعي الكشف بالرياضة.

قال برهان الفضلاء: يعني لأنّهم لا يسألون عن العالم بالمسائل الدينيّة ويتّبعون الظنّ.

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَن عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ الْقَدَّاحِ‏ (3)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «إِنَّ هذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ، وَمِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ».

هديّة:

أي العلم الذي لا يحصل لأحد من الرعيّة إلّابالأخذ عن الحجّة المعصوم المحصور عدده في الأوّلين والآخرين.

والتنوين في (قفل) للتعظيم؛ إشارةً إلى أنّ مفاتيح خزائنه الأصليّة إنّما هي في أيدي‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 124.

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد بن عيسى، عن‏حريزٍ، عن زرارة و محمّد بن مسلمٍ و بُريد العجلي».

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن محمّد، عن سهل بن زيادٍ، عن جعفر بن محمّدٍ الأشعري، عن عبداللَّه‏بنِ ميمون القدّاح».

387

الحجج المعصومين (عليهم السلام).

قال برهان الفضلاء:

«إنّ هذا العلم» يعني علم المسائل الدينيّة التي يجري الاختلاف فيها وفي دليلها من دون مكابرة. والمراد من قوله (عليه السلام): «ومفتاحه المسألة»: أنّه لا يحصل لأحد بالفكر والرياضة.

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«عليه قفل» تصريح بأنّ علم الحلال والحرام مخزون عند أهل البيت (عليهم السلام) ويجب سؤالهم في كلّ ما يُحتاج إليه. (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله): «أي العلم الذي هو العلم حقيقةً». (2)

الحديث الرابع‏

روى في الكافي، عن عليّ، عَنْ العبيدي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مؤمن الطاق، (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَا يَسَعُ النَّاسَ حَتّى‏ يَسْأَلُوا، وَيَتَفَقَّهُوا وَيَعْرِفُوا إِمَامَهُمْ، وَيَسَعُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِمَا يَقُولُ وَإِنْ كَانَ تَقِيَّةً».

هديّة:

يعني لا رخصة من النبيّ (صلى الله عليه و آله) لمَن أقرَّ بالرسالة أن يأخذ العلم بأحكام الدِّين اصوله وفروعه إلّابالسؤال عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، أو عمّن عقل عن العاقل الموصوف ابتداءً أو بالواسطة على الوجه الصحيح. والتّفقّه بذلك ومعرفة الإمام المعصوم الذي لابدّ من وجوده في هذا النظام العظيم لحِكَمٍ شتّى بأنّ المأخذ إنّما هو قوله وفعله.

ولهم رخصة في الأخذ بما عنه، إن كان ما عنه على التقيّة.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 93.

(2). لم أجده في حاشيته على اصول الكافي.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبدالرحمن، عن أبي جعفر الأحول».

388

ونسخة: «وإن كانت تقيّة» بالتأنيث والرفع- كما ضبط بعض المعاصرين- بمعنى «وإن كانت تقيّة باعثة» تكاد أن تكون غلطاً.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

المراد بالسؤال هنا: سؤال الناس بعضهم بعضاً آخر عن حدود ما أنزل اللَّه على رسوله (صلى الله عليه و آله) و ب «التّفقّه» معرفة تلك الحدود بالسؤال. وذلك إشارة إلى آية سورة التوبة «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ» (1) الآية.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ويسعهم أن يأخذوا» أي قولًا واعتقاداً وعملًا في كلّ زمان.

«بما يقول»؛ أي في ذلك الزمان وإن كان تقيّةً؛ فإنّ ما يقوله الإمام تقيّةً يسع السائل أن يعتقده ويقول به إذا لم يتنبّه للتقيّة، وأمّا العمل به والأمر بالعمل به مع التنبّه للتقيّة أيضاً لازم عند التقيّة. (2)

الحديث الخامس‏

روى في الكافي، عن عَلِيٍّ، عَنْ العبيدى‏ (3)، عَنْ يُونُسَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): أُفٍّ لِرَجُلٍ لَايُفَرِّغُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِأَمْرِ دِينِهِ؛ فَيَتَعَاهَدَهُ وَيَسْأَلَ عَنْ دِينِهِ».

هديّة:

(أفّ) كلمة تَكَرُّهٍ. قال في القاموس: ولغاتها أربعون. (4)

والمراد تفريغ النفس من شواغل الدنيا في كلّ اسبوع يوماً لا أقلّ. ولعلّ هذا في صدر الإسلام للمشتغلين بتحصيل وجه المعاش؛ فإنّ وجوب طلب العلم على كلّ مسلم يجمع دائماً كلّ يوم مع كلّ شغل وصنعةٍ.

____________

(1). التوبة (9): 122.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 124.

(3). في الكافي المطبوع: «محمّد بن عيسى».

(4). القاموس المحيط، ج 3، ص 117 (أفّ).

389

واحتمال عطف «يسأل» على «يفرّغ» غير بعيد.

فالمعنى: أُفٍّ لرجلٍ مسلمٍ لا يتعاهد أمر دينه في كلّ جمعة بكثرة العبادة والإكثار من الاستغفار، وأفّ لرجل مسلم يترك السؤال عن دينه بعدم المبالاة وقلّة التنبّه ليوم المكافأة.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

«لا يفرّغ نفسه» أي من شغل الدنيا في كلّ يوم جمعة، أو في كلّ اسبوع يوماً لعمدة أمر آخرته؛ ليصير عارفاً بها، ويسأل عمّا يُحتاج إليه في دينه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«افّ» كلمة ضجر.

«لا يفرغ» إمّا من المجرّد، أي لا يقصد نفسه كلّ جمعة أمر دينه، وإمّا من المزيد، أي لا يجعل نفسه قاصداً لأمر دينه.

وتعاهد الشي‏ء: تفقّده، وإحداث العهد بالشي‏ء ولقاؤه.

والمراد بالفراغ لأمر الدِّين: ترك الاشتغال بالامور الدنيويّة للتوجّه إلى العبادة والاشتغال بالامور الدينيّة والاخرويّة.

والمراد بتعاهده: طلب ما يفقده منه، وإحداث العهد به ولقاؤه، لا التحفّظ وتجديد الحفاظ؛ لأنّ الشائع المتعارف في التعبير عن التحفّظ، التعهّد لا التعاهد، ولذا يُقال:

«تعهّدت الضيعة» أفصح من «تعاهدت الضيعة» وإن كان قد يستعمل كلّ منهما في المعنى الشائع من الآخر.

وبالجملة، فالمعنى الشائع في التفاعل تشارك الفاعلين، ثمّ ما يكون بين الاثنين كالمفاعلة. وقد يستعمل لمعانٍ اخر، وتلك المعاني الغير المتعارفة بالنسبة إلى ذلك الباب ربّما يكون متعارَفاً في مادّة خاصّة، فلا يضرّ عدم التعارف بالنسبة إلى الباب حينئذٍ. وما نحن فيه ليس من ذلك القبيل؛ فإنّ التحفّظ هنا ليس من الأوّل ولا من الثاني، ولم يتعارف استعمال التعاهد فيه، إنّما شاع استعمال التعهّد فيه، فلا تغفل‏ (1). (2)

____________

(1). في المصدر:-/ «فلا تفعل».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 125- 126.

390

الحديث السادس‏

روى في الكافي وقال: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى‏: «لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

هديّة:

يعني مكان «لرجل».

في باب أعداد أحاديث الأبواب اسوتي في الأكثر ببرهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى.

الحديث السابع‏

روى في الكافي عن الثلاثة، (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ- تبارك و تعالى- يَقُولُ: تَذَاكُرُ الْعِلْمِ بَيْنَ عِبَادِي مِمَّا تَحْيَا عَلَيْهِ الْقُلُوبُ الْمَيْتَةُ إِذَا هُمُ انْتَهَوْا فِيهِ إِلى‏ أَمْرِي».

هديّة:

في بعض النسخ: «تذاكر العالم» فلعلّ المعنى: المذاكرة بين العباد بنقل أقوال العلماء وأفعالهم للاستناد والاستشهاد إنّما هي ممّا تحيا به القلوب الميتة ميتة الجهل وعدم المعرفة، بشرط انتهائهم في ذلك التذاكر إلى حجّة معصوم عاقل عن اللَّه تبارك وتعالى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

المراد بتذاكر العلم: مذاكرة المحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ الآمرة بسؤال أهل الذِّكر، ألا ترى أنّ كلّ فرقة تشنّع على سائرها من الفرق بأنّ مذاهبكم من الظنّ من عندكم ليست من عند اللَّه.

«إذا هم انتهوا فيه إلى أمري» أي في ذلك التذاكر إلى تسليم أمر الإمامة، والإقرار بوجوب معرفة الإمام في كلّ زمان؛ لئلّا يوجب اتّباع الظنّ، والتأويل الغلط، والتخصيص الفاسد؛ وألّا يكون أمر الجهل كما كان.

____________

(1). يعني «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

391

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

أي تذاكر العباد وتشاركهم في ذكر العلم، بأن يذكر كلّ للآخر شيئاً من العلم، ويتكلّموا فيه ممّا تحيا القلوب الميّتة حال كونها ثابتة عليه.

و «تحيا» يحتمل أن يكون من المجرّد، وأن يكون من المزيد المجهول من باب الإفعال.

وذلك الإحياء، أو الحياة بحصول العلم الذي هو حياة قلب البصير، أو بتذكّره، لكن لا يكون العلم حياة القلب إلّاإذا كان علماً مستقرّاً تُحفظ به النفس عن متابعة الهوى، ويؤدّي إلى الإطاعة والانقياد لأمره سبحانه، ولذا قيّده بقوله: «إذا هم انتهوا فيه إلى أمري» أي إذا وصلوا في التذكّر إلى أمري ولم يتجاوزوه، والوصول إلى الأمر وعدم التجاوز عنه عبارة عن إطاعة الأمر والانقياد له. هذا إن كان المراد بالأمر خطاب الإيجاب.

ويحتمل أن يكون «الأمر» واحد «الامور». يُقال: أمر فلان يستقيم، (1) واموره مستقيمة.

وأن يكون أمره عبارة عن الروح الذي كان مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) والأئمّة (عليهم السلام)؛ قال اللَّه تعالى:

«وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا» (2).

فعلى الأوّل يكون المراد بالانتهاء إلى أمره، الوصول إلى صفاته وأسمائه بالمعرفة، وإلى أوامره ونواهيه بالمعرفة والإطاعة والانقياد.

وعلى الثاني يكون الانتهاء في التذاكر إلى أمره عبارة عن استناد ما يتذاكرونه من العلوم الدينيّة وانتهاء أخذه إليهم (عليهم السلام). (3)

الحديث الثامن‏

روى في الكافي عَن مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏ (4)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ:

سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا الْعِلْمَ» قَالَ: قُلْتُ: وَمَا إِحْيَاؤُهُ؟ قَالَ: «أَنْ يُذَاكِرَ بِهِ أَهْلَ الدِّينِ وَأَهْلَ الْوَرَعِ».

هديّة:

(أن يذاكر) إمّا على المعلوم من المفاعلة على الغيبة أو الخطاب، أو المجهول‏

____________

(1). في المصدر: «مستقيم».

(2). الشورى (42): 52.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 126- 127.

(4). في الكافي المطبوع: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى».

392

الغائب منها، أو الخطاب المعلوم من التفاعل بحذف إحدى التائين، وعلى التقادير بتأويل المصدر، ف «أهل» يرفع ويُنصب.

(أهل الدِّين) يعني أهل الطريق المستقيم. (وأهل الورع) أي المحبّين للتحلّي بالورع عن المحرّمات. أو ذكر أهل الورع للإشارة إلى عدم الاعتداد بشأن غير العدول من أهل الدِّين.

قال برهان الفضلاء:

يعني قال (عليه السلام): إحياء العلم بمعنى إنمائه: هو المذاكرة به مع الذين نظرهم في الآخرة والمتورّعين من الذنوب؛ لئلّا ينسى فيحفظ ويكثر العلماء.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«قال: أن يذاكر به أهل الدِّين وأهل الورع» يحتمل أن يكون المراد ذكره لهم وحده، أو مع ذكرهم العلم له.

والمراد بإحياء العلم: جعله محفوظاً بين الناس، سواء كان إحداثاً للحفظ وتجديداً له: أو إبقاءً وتثبيتاً؛ فإنّ الإبقاء لِما في معرض الزوال والفناء يُقال له: الإحياء؛ قال اللَّه تعالى:

«وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً». (1)

والتخصيص بأهل الدِّين، وأهل الورع؛ لكون غيرهم مظنّة أن يغيّروه ويفسدوه، فلا يوجب الذّكر والنقل لهم أو عنهم حفظاً، فلا يكون فيه إحياء. (2)

الحديث التاسع‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ الْحَجَّالِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، رَفَعَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): «تَذَاكَرُوا وَتَلَاقَوْا وَتَحَدَّثُوا؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ جِلَاءٌ لِلْقُلُوبِ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَرِينُ كَمَا يَرِينُ السَّيْفُ، جلاؤه الحديد». (3)

____________

(1). المائدة (5): 32.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 127.

(3). في الكافي المطبوع: «و جلاؤُها الحديث».

393

هديّة:

(تذاكروا) أي علم الدِّين.

(وتلاقوا) ولا تعتزلوا بالعزلة المبتدعة في رهبانيّة التصوّف.

(وتحدّثوا) على التفعّل، بمعنى التفاعل، للمبالغة.

(فإنّ الحديث) أي مذاكرة أحاديث الحجج المعصومين (صلوات اللَّه عليهم).

و «الجلاء» بالكسر والمدّ ويفتح مصدر جلوت السيف: صقلته. وهنا بمعنى الفاعل مبالغة.

(لترين) على المعلوم من باب باع، من الرين- بالفتح- بمعنى الطبع والدّنس، القاموس:

ران ذَنْبُه على قلبه رَيْناً و رُيُوناً: غلب. وكلّ ما غلبك: رانك، وبك وعليك. ورانت النفس: خَبُثَت و غُشِيت. (1) وَرِينَ به- بالكسر-: وقع فيما لا يستطيع الخروج منه. (2)

(جلاؤه الحديد) وصف، أو استئناف بياني.

والمراد بالحديد: الصيقل بمعنى المصقل. وفي بعض النسخ: «الحديث» مكان «الحديد» فالضمير للقلب.

قال برهان الفضلاء:

«اللام» في «الحديث» للعهد الخارجي. والمراد به «أ» العلم.

واستعمال الحديث في آيات القرآن- وبمحكماتها الناهية عن اتّباع الظنّ يزول رين القلوب- موافق لأمثال آية سورة الزمر: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ» (3).

و «الجلاء» في الأوّل- بالفتح والتخفيف والمدّ-: مصدر المعتلّ اللّام الواوي من باب نصر، بمعنى الانكشاف والخروج عن الكدورات. واستعمل هنا في باعث الانكشاف والخروج المذكور مبالغةً.

و «للقلوب»: صفة للجلاء، واللّام للتقوية لا للتعدية؛ إذ «الجلاء» هنا مصدر اللّازم بمناسبة «الجلاء» في الثاني. قال المطرزي: الجلاء بالفتح والمدّ: الخروج عن الوطن أو

____________

(1). في المصدر: «وغثت».

(2). القاموس المحيط، ج 4، ص 230 (رين).

(3). الزمر (39): 23.

394

الإخراج يُقال: جلا السلطان القوم عن أوطانهم وأجلاهم فَجَلَوْا واجْلَوا، أي أخرجهم فخرجوا. كلاهما يتعدّى ولا يتعدّى. (1)

و «الجلاء» في الثاني يحتمل التشديد والتخفيف، فعلى الأوّل مبالغة في الجالي، وعلى الثاني مصدر بمعنى الفاعل مبالغةً، والمآل واحد.

و «الحديد» هنا بمعنى القاطع جدّاً، ويوصف البصر بالحديد كالسّيف. قال اللَّه تعالى:

«فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (2).

وجملة «جلاوة الحديد»: استئناف بياني لتقريب التشبيه المذكور سابقاً؛ يعني بيانه أنّ ذا الجلاء جدّاً من السيف هو حديده، أي قاطعه جدّاً.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الجلاء» بالكسر، هو الصيقل، (3) مصدر قد يستعمل لما يجلى به، فاستعمل فيه، أو حمل على الحديث مبالغةً.

«جلاؤه الحديد» أي جلاء السيف الحديد.

وفي بعض النسخ بدل «الحديد»: «الحديث» أي جلاء القلب الحديث. (4)

الحديث العاشر

روى في الكافي عَنْ العِدَّةِ، عن البرقي، (5) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَضَالَةَ (6)، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «تَذَاكُرُ الْعِلْمِ دِرَاسَةٌ، وَالدِّرَاسَةُ صَلَاةٌ حَسَنَةٌ».

هديّة:

يعني علم الدِّين دراسة، يعني ثوابه كثواب دراسة القرآن.

____________

(1). المغرب في ترتيب المعرب، ج 1، ص 155 (جلو).

(2). ق (50): 22.

(3). في المصدر: «الصَقل».

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 128.

(5). في الكافي المطبوع: «عن أحمدبن محمّد بن خالد».

(6). في الكافي المطبوع: «عن فضالة بن أيّوب».

395

قال ابن الأثير في نهايته: في الحديث: «تَدارَسُوا القرآن» أي اقرؤوه وتعهّدوه؛ لئلّا تنسوه. (1)

(صلاة حسنة) أي طاعة مقبولة، أو إشارة إلى ما ورد عنهم (عليهم السلام) «أنّ صلاة مقبولة تُغني عن سائر الحسنات لأصل النجاة».

وقراءة «الصلاة» بالكسر وسكون اللّام بمعنى الصّلة كما ترى.

قال برهان الفضلاء:

يعني مذاكرة محكمات الآيات ثوابها كثواب تدريسها، وثواب التدريس كثواب صلاة مقبولة، وثوابها خيرٌ من عشرين حجّة.

و «الدّراسة» بالكسر مصدر باب نصر وضرب؛ يعني تعليم الكتاب بمن جهله.

و «صلاة حسنة» إشارة إلى أنّ من قُبِلَتْ له صلاةٌ واحدةٌ لا يعذّب أبداً.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الدراسة»: قراءة الكتاب والعلم. يُقال: درست الكتاب دراسةً؛ أي قرأتُه، و «الدراسة» أي قراءة العلم.

«صلاة حسنة» أي دعاء جميل؛ لأنّه يترتّب عليها ما يترتّب على أكمل الأدعية، وهو الدُّعاء الذي يطلب فيه جميع الخيرات من المطالب الدنيويّة والاخرويّة فيستجاب، أو تعظيم للَّه‏سبحانه جميل؛ لأنّ فيه تعظيماً ظاهريّاً ينشأ عن تعظيم باطني وينبئ عنه، فيثمر (2) تعظيماً باطنيّاً لآخر.

أو المراد بالصلاة معناها الشرعي، وبالصلاة الحسنة: المفروضة، كما قيل في قوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» (3)، يعني الصلوات الخمس تكفِّر ما بينها. (4) والمراد بكونها صلاة مفروضة تَشارُكها في الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل، أو في تكفير ما بينها من السيّئات. (5)

____________

(1). النهاية لابن الأثير، ج 2، ص 250 (درس).

(2). في «الف «: «ليثمر».

(3). هود (11): 114.

(4). مجمع البيان، ج 5، ص 307، ذيل الآية 114 من هود (11).

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 128.

396

الباب الحادي عشر بَابُ بَذْلِ الْعِلْمِ‏

وأحاديثه كما في الكافي أربعة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏، عَنْ ابْنِ بَزِيعٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حازم، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ (1)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْم حَتّى‏ أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ».

هديّة:

يعني في العنوان (بذل العلم) المحتاج إليه في الدِّين.

والظاهر أنّ المراد ب (العلماء) هنا حجج اللَّه المعصومون؛ لظاهر أخذ العهد. ويحتمل التعميم.

والتعليل في المتن للتخصيص في التقديم.

ولعلّ المراد التقدّم في الخلقة، وأوّل ما خلق اللَّه العقل، وأوّل ما خلق اللَّه نور نبيّنا (صلى الله عليه و آله).

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن‏بزيع، عن منصوربن يونس، عن طلحة بن زيد».

397

أو المراد أنّ علم الدِّين كان مع حجج اللَّه قبل جهل الامم به.

وقال الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي:

إنّما كان العلم قبل الجهل مع أنّه يكتسبه الجاهل بعد جهله لوجوه:

منها: أنّ اللَّه سبحانه قبل كلّ شي‏ء، وعلمه عين ذاته.

ومنها: أنّ العلماء كالملائكة وآدم واللّوح والقلم، لهم التقدّم على الجهّال من أولاد آدم.

ومنها: أنّ العلم غاية الخلق كما قال سبحانه: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (1). وثمرة العبادة المعرفة، والغاية متقدّمة على ذي الغاية؛ لأنّها سبب غائيّ.

ومنها: أنّ الجهل عدم العلم، والأعدام إنّما تُعرف بملكاتها.

ومنها: أنّه أشرف، فله التقدّم بالشرف والرتبة.

و منها: أنّ الجاهل إنّما يتعلّم بوساطة العالم وتعليمه. يُقال: علّمه فتعلّم. (2)

وقال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

المراد ب «العلم» في العنوان: محكمات القرآن الناهية عن الاختلاف بالظنّ. و ب «الجهال» أهل الاختلاف بتبعيّة الظنّ.

و «اللّام» في «العلم» هنا في المواضع للعهد الخارجي؛ أي العلم بحرمة الاختلاف في الدِّين ظنّاً، كما نطق به آيات القرآن في محكماتها، ولأنّ الاستدلال بآية سورة آل عمران: «وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ». (3)

والمراد أنّ أخذ العهد على علماء هذا العلم لو لم يكن قبل أخذه على الجهّال في كلّ شريعة لَما يحصل هذا العلم لجميع الجهّال من أهل الكتاب قبل الجهالة، أي الاختلاف ظنّاً.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لأنّ العلم كان قبل الجهل» هذا دليل على سبق أخذ العهد على العالم ببذل العلم للجاهل على أخذ العهد على الجاهل لطلب‏ (4) العلم، أو بيان لصحّته.

____________

(1). الذاريات (51): 56.

(2). راجع: شرح الاصول الكافي، ص 165.

(3). آل عمران (3): 19.

(4). في المصدر: «بطلب».

398

ويمكن أن يقرّر بحمل القبليّة على القبليّة الزمانيّة، وتنزيلها (1) على القبليّة بالرتبة والشرف.

أمّا الأوّل فبأن يُقال: العلم قبل الجهل؛ حيث كان خلق الجاهل من العباد بعد وجود العالَم كالقلم واللّوح وسائر الملائكة المقرّبين، وكخليفة اللَّه في أرضه آدم (عليه السلام) بالنسبة إلى أولاده، فيصحّ كون الأمر بالطلب بعد الأمر ببذل العلم، أو يكون الأمر ببذل العلم سابقاً؛ حيث يأمر بما يقتضيه الحكمة (2) البالغة، وبما هو الأصلح عند وجود من يستحقّ أن يخاطب به، ولأنّ من لم يسبق الجهل على علمه يعلم باطّلاع منه سبحانه حسنَ أن يبذل العلم ومطلوبيّته له تعالى، فيعلم كونه مطلوباً منه البذل، وهذا أخذ العهد ببذل العلم.

وأمّا الثاني فبأن يُقال: العلم أشرف من الجهل، والعالم أقرب من جنابه سبحانه في الرتبة، ولا يصل العهد منه سبحانه إلى الجاهل إلّابواسطة العالم، ويعلم العالم من ذلك أنّ عليه البذل عند الطلب. أو يقال: من جملة علمه وجوب بذل العلم عند الطلب. (3)

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَن العِدَّةِ، عَنْ الْبَرْقِيِ‏ (4)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ (5) وَمُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي هذِهِ الْآيَةِ: «وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ» (6) قَالَ: «لِيَكُنِ النَّاسُ عِنْدَكَ فِي الْعِلْمِ سَوَاءً».

هديّة:

____________

(1). في المصدر: «بتنزيلها».

(2). في المصدر: «حكمته».

(3). الحاشيةعلى اصول الكافي، ص 129- 130.

(4). في الكافي المطبوع: «عن أحمدبن محمّدٍ البرقي».

(5). في الكافي المطبوع: «عن عبداللَّه بن المغيرة».

(6). لقمان (31): 81.

399

الآية في سورة لقمان.

و «تصعير الخدّ»: إمالته تكبّراً في العلم، أي في بذله على قدر عقل المبذول له؛ للحديث المشهور، (1) والرّابع.

قال برهان الفضلاء:

قد بيّن معنى العلم مراراً، فلا منافاة بين هذا الحديث وما يجي‏ء في أوّل باب اختلاف الحديث الباب الثاني والعشرين من تخصيص رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أمير المؤمنين والسبطين (عليهم السلام) بتعليم الأسرار من العلوم.

يعني لا السرّ الذي إذا انكشف كان كفراً، كأسرار الصوفيّة القدريّة لعنهم اللَّه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

تصعير الخدّ: إمالته عن النظر إلى الناس تهاوناً. وقال (عليه السلام): المقصود به التسوية بالنسبة إلى طلّاب العلم، فلا يميل وجهه عن أحدٍ منهم، وذلك لأنّ المقصد الأقصى من بعثة الرُّسل تبليغ الشريعة القويمة، وتعليم الدِّين المبين. والظاهر كونه نهياً عمّا يُخلّ بما هو المقصود الأصلي، ولأنّه ليس النهي عن التصعير لاشتماله على التكبّر والتهاون بالنسبة إلى الناس؛ لأنّ التكبّر لا يكون منه، والتهاون بالنسبة إلى الكلّ غير منهيّ عنه، بل لكونه منعاً عمّا يجب بالنسبة إلى الكلّ، وهو التبليغ والتعليم. (2)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي بِهذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبَادَ اللَّهِ».

هديّة:

يعني زكاة علم الدِّين تعليمه المستحقّ المحتاج إليه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: يعني زكاة علم المحكمات تعليمه عباد اللَّه بأنّها ناهية عن الاختلاف ظنّاً، آمرة بالسؤال عن العالم بها.

____________

(1). و هو قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إنّا معاشر الأنبياء امرنا أن نكلّم الناسَ على قدر عقولهم»، المرويّ في الكافي، ج 1، ص 23، كتاب العقل و الجهل، ح 15؛ و ج 8، ص 268، ح 394.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 130.

400

الحديث الرابع‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ العبيدي، عَنْ يُونُسَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ‏ (1)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهما السلام)، قَالَ: «قَامَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليهما السلام) خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَاتُحَدِّثُوا الْجُهَّالَ بِالْحِكْمَةِ؛ فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا؛ فَتَظْلِمُوهُمْ».

هديّة:

(بالحكمة) أي بعلم الدِّين. وأكثر التعبير عن علم الدِّين بالحكمة؛ للدلالة على أنّ المراد دقائقه من المعارف والمسائل والحِكَم والعلل والنّكت. يعني لا تحدّثوها مَن لم يكن من شأنه فهمها، فلا منافاة بينه وبين الثاني.

قال برهان الفضلاء:

المراد ب «الحكمة»: العلم المذكور في العنوان وقد مرّ بيانه.

والنهي في «لا تحدّثوا» إنّما هو في غير صورة التكليف بإتمام الحجّة، فلا ينافي ما مرّ في الأوّل.

والنهي في «لا تمنعوها» في صورة التكليف بالتقيّة من بعض الحاضرين.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

المراد ب «الجهّال»: من لا علم لهم ولا يطلبونه ولا يحبّونه، فلا يلتفتون إليه ولا يقرّون به.

أو من الجهل مقابل العقل؛ أي الدّاعي إلى اختيار الشرّ وما لا صلاح فيه.

والمراد بأهل الحكمة مقابلهم. (2)

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبدالرحمن، عمّن ذكره».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 131.