الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج1

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
664 /
401

الباب الثاني عشر بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏

وأحاديثه كما في الكافي تسعة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏ و أخيه بنان‏ (1)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ مزيد (2)، قَالَ: قَالَ‏ (3) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «أَنْهَاكَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ، فِيهِمَا هُلْكُ الرِّجَالِ: أَنْهَاكَ أَنْ تَدِينَ اللَّهَ بِالْبَاطِلِ، وَتُفْتِيَ النَّاسَ بِمَا لَاتَعْلَمُ».

هديّة:

(بنان) كغراب بتقديم المفردة على النون: ابن محمّد بن عيسى، أخو أحمد بن محمّد بن عيسى. وقيل: هو كشدّاد، وقيل: كسحاب. والأوّل أكثر وأشهر.

«دانه»: أطاعه بالباطل؛ أي بغير طاعة مفترض الطاعة. وكلّ ما لا يقين بحقّيّته هو خلاف الحقّ.

ولانحصار الأعلميّة بما في هذا النظام في مدبّره تعالى شأنه انحصر القطع بحقّيّة ما فيه الاختلاف بلا مكابرة في أخبار الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه، فمَن دان اللَّه بغير طاعة مفترض الطاعة دانه بالباطل.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد و عبداللَّه ابني محمّد بن عيسى».

(2). في الكافي المطبوع: «مفضّل بن يزيد».

(3). في الكافي المطبوع:+/ «لي».

402

ومن البراهين القاطعة على وجوب وجود الحجّة المعصوم في كلّ زمان من أزمنة هذا النظام بهذا العِظَم والشأن أنّ جميع الفرق من هذه الامّة وغيرها عدا الإماميّة إنكارهم لهذا الوجوب عين الاشتراك مع الإماميّة في الإقرار به، ولكن لا يعلمون فإنّ كلّ فرقة يدّعي على خصمائها أنّ دينهم من عندهم لا من عند اللَّه، قال اللَّه تعالى:

«تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ» (1) الآية.

(وتفتي الناس بما لا تعلم) أي لا تعلم مأخذه من قول اللَّه، وقول المعصوم، وفعله قطعاً. والمأخذ بالمعالجات الواردة عنهم (عليهم السلام) التي رخصةٌ في الحكم بالظنّ في زمن الغيبة للفقيه الإمامي العدل الممتاز المحتاط جدّاً في المشتبهات، حكمه بحكمهم (عليهم السلام) حكم المأخذ من محكمات الكتاب والسنّة، لكن إذا لزم من التوقّف الحرج المنفيّ، وإلّا فالتوقّف أضبط وأسلم.

نعم، لو ثبت أنّ وقت ظهور الإمام (عليه السلام) ليس من المحتومات، فالكفّ عن الحكم بالظنّ في زمن الغيبة واجب على الجميع؛ ليكفّ الجميع فيظهر الإمام، لكن ثبوت الرخصة بدلالة تعليم المعالجة ونفي الحرج المنفّي بمحكم القرآن، وظهور محتوميّة وقت الظهور دلالة على أنّ اتّباع الظنّ ليس بمذموم مطلقاً، وظاهر «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» (2) في سورة الحجرات مؤيّد، وظاهر عموم: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (3) لا يمنع احتمال التخصيص.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«بالباطل» أي بما لا ينفع أصلًا لمن يطلب ثواب الآخرة. والمراد به هنا اتّباع الظنّ، كما قال اللَّه تعالى في سورة يونس وسورة النجم: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (4)*

____________

(1). آل عمران (3): 64.

(2). الحجرات (49): 12.

(3). يونس (10): 36.

(4). يونس (10): 36؛ النجم (53): 28.

403

«بما لا تعلم» أي وثقتي بظنّك فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«بالباطل» أي أن تعبد اللَّه بما هو مأخوذ لا من جهةٍ يجب الأخذ منها، سواء كان من العقائد والمعارف، أو من الأعمال فعلًا أو تركاً. والجهة المأخوذ منها في العقائد الاصوليّة البراهين والأدلّة العقليّة، وقد يتمسّك في بعضها بالسمعيّات، وفي المسائل الفروعيّة الكتابُ والسنّةُ المنقولة المنتهية إلى الحجّة المعصوم، ولغير العارف القويّ على استنباط مقاصدهما على منهاج الاستقامة والسّداد العارف بهما، فيؤخذ بقوله وفتياه.

وقوله: «وتفتي الناس بما لا تعلم» ذِكْرٌ للخصلة الثانية. وكما لا يجوز للآخذ أخذ العلم من غير مأخذه لا يجوز للمفتي أن يفتي- أي يجيب في المسائل ويبيّنها أو يقضي- بما لا يعلم؛ فإنّ المفتي إن لم يكن واصلًا إلى مرتبة معرفة الكتاب والسنّة وتصدّى للإفتاء فقد ركب متن عمياء، وإن وصل إلى تلك المرتبة وأفتى بما لم يأخذ منهما (1) على ما هو طريق الأخذ- تمكّن من الأخذ أو لم يتمكّن- فقد خبط خبط عشواء. (2) انتهى‏

في قوله (رحمه الله): «والجهة المأخوذ منها في العقائد الاصوليّة البراهين والأدلّة العقليّة» ما فيه؛ فإنّ في غير المعلومات بالاتّفاق من العقائد وغيرها لا يحصل القطع ببرهان عقليّ على شي‏ء إلّابقول الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه؛ لانحصار الأعلميّة في علّام الغيوب تعالى شأنه، والبراهين العقليّة على أحكام الأجرام العلويّة- مثلًا- قد تفيد القطع باستقامة نظام لو كان على هذا في الواقع لا بكونه واقعيّاً، وقد جوّز أهل الهيئة باستقامةِ نظامِ فَلَكِ الشمس في قرب مركزها وبُعده من مركز العالم بطريقين بممثّل وخارج المركز، أو بممثّلٍ و تدويرٍ وحاملٍ موافق المركز، فيمكن أن يكون الواقعي ثالثهما، وعند إقامة البرهان على الثالث لا يحصل القطع أيضاً بما هو الواقع إلّاأنّ يخبر

____________

(1). في المصدر: «لم يأخذه متنهما».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 132.

404

الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه سبحانه.

وقال بعض المعاصرين في بيان هذا الحديث:

من العلوم ما لا يؤخذ إلّامن اللَّه ببركة متابعة النبيّ (صلى الله عليه و آله) وهي الأسرار الإلهيّة، ومنها: ما لا يُؤخذ إلّامن النبيّ وأوصيائه (عليهم السلام) و هي العلوم الشرعيّة. (1) انتهى.

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَن عَلِيٍّ، عن العُبَيدي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ البجلي‏ (2)، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «إِيَّاكَ وَخَصْلَتَيْنِ؛ فَفِيهِمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ: إِيَّاكَ أَنْ تُفْتِيَ النَّاسَ بِرَأْيِكَ، أَوْ تَدِينَ بِمَا لَا تَعْلَمُ».

هديّة:

بيانه كسابقه.

قال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«برأيك» أي لا بالأخذ من الكتاب والسنّة على منهاجه.

«أو تدين بما لا تعلم» أي أن تعبد اللَّه بما لا تعلمه بثبوته بالبراهين والأدلّة العقليّة، أو بالكتاب والسنّة والأدلّة السمعيّة.

ويحتمل أن يكون من «دانَ به» أي اتّخذ (3) ديناً. (4) وأن يكون «تديّن» من باب التفعّل؛ أي تتّخذ الدِّين متلبّساً بالقول فيه بما لا تعلم.

و «الدِّين» اسم لجميع ما يتعبّد اللَّه به والملّة. (5) انتهى.

قد علم في هديّة سابقة تحقيق ما هو الحقّ من البراهين العقليّة الصرفة على غير المعلومات بلا تعسّف ومكابرة.

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 190.

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن الحجّاج».

(3). في المصدر: «اتّخذه».

(4). في المصدر:+/ «يعني إيّاك أن تتّخذ مالم تعلم ديناً».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 132.

405

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَن مُحَمَّدٍ، عَن ابْنِ عِيسى‏، عَنِ الْسرّاد، عَنْ ابْنِ رِئَابٍ، عَنْ الْحَذَّاءِ (1)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى من اللَّه‏ (2)، لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَلَحِقَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِفُتْيَاهُ».

هديّة:

(بغير علم) أي حاصلٍ بالعقل عن اللَّه كما للحجّة المعصوم.

(ولا هدىً) أي ولا بهداية من العاقل عن اللَّه كما للإمامي العدل الممتاز علماً و فضلًا و حذاقة في الاستنباط من المآخذ المُحكَمة، المعهودة، المحصورة، المعلومة من الحجّة المعصوم العاقل من اللَّه.

وقوله: (لعنته ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب) يعني الملائكة أجمعين.

و «الفتيا» بالضمّ والخاتمة والقصر، والفتوى بالفتح والواو والقصر بمعنى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«بغير علم» أي بغير علم يكون مضمون محكمات القرآن، وبغير هداية عالم بتأويل متشابهات القرآن، ولا يعلم تأويله إلّااللَّه والراسخون في العلم، وهم الحجج المعصومون (عليهم السلام).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الهدى» بضمّ الهاء الطريقة والسنّة التي يهتدي به، والدلالة.

وإنّما يجوز الإفتاء والجواب في المسائل وإبانتها والحكم فيها بعلمٍ حاصل من مأخذه، سواء كان من جانب اللَّه سبحانه ابتداءً، أو بتوسّط ملاحظة برهان أو دليل، أو إرشاد ودلالة من العالم، أو اتّباع من يهتدي بهداه.

فبذكر الهدى بعد العلم نبّه على أنّه العمدة في أسباب العلم بما يحتاج إليه في الفُتيا.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن‏عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذّاء».

(2). في الكافي المطبوع:-/ «من اللَّه».

406

ف «من أفتى بغير علم ولا هدىً لعنته ملائكة الرحمة»؛ حيث تعرّض لما يوجب الحرمان من رحمة اللَّه. «وملائكة العذاب»؛ حيث أتى بما يستحقّ به العذاب (ولحقه وزر مَن عمل بفُتياه) منضمّاً إلى وزره بفُتياه؛ حيث أضلّه، ولولا إفتاء غير العالم لراجعوا إلى العالم وأخذوا منه. (1)

وقال بعض المعاصرين:

المراد بالعلم ما يستفاد من الأنوار الإلهيّة والإلهامات الكشفيّة كما هو للأئمّة (عليهم السلام)، وبالهدى ما يسمع من أهل بيت النبوّة كما هو لنا. (2) انتهى.

بناء بيانه بيّن.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي، عَن العِدَّةِ، عن البرقي، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ (3)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «مَا عَلِمْتُمْ فَقُولُوا، وَمَا لَمْ تَعْلَمُوا فَقُولُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْتَزِ عُ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَخِرُّ فِيهَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».

هديّة:

(ما علمتم) أي ما قطعتم بأنّه حكم اللَّه. ولا قطع بحقّيّة شي‏ء ممّا يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة إلّابقول الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه.

(لينتزع الآية من القرآن) أي للاستناد إليها والاستشهاد بها، وهي من المتشابهات مِنْ دون مأخذ لتأويلها عن الحجّة المعصوم.

(يخرّ فيها) على المعلوم من باب فرّ، أي يسقط بسبب تأويلها مقلوباً من العُلْوِ إلى السِفْل أزيد من المسافة بين السماء والأرض. ف «في» في «فيها» للسببيّة وفي الانتزاع؛ لتضمّنه معنى التفريق. دلالةً على أنّ جميع المتشابهات في حكم واحد، لا حكم لها

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 133.

(2). الوافي، ج 1، ص 191.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبانٍ الأحمر، عن زياد بن أبي رجاء».

407

سوى القيّم المعصوم.

وقراءة «يحرّفها» من التحريف تصحيف وتحريف.

ليس في بعض النسخ: «والأرض».

قال برهان الفضلاء:

«ما علمتم» أي بمحكمات القرآن.

«لينتزع الآية» أي من المتشابهات ليفسّرها بظنّه ويعمل ويفتي.

«يخرّ فيها» أي في تفسير تلك الآية في حفرة أعمق من كلّ عميق؛ يعني جهنّم وبئس المصير.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: اللَّه أعلم». هذا خطاب مع العلماء من شيعته وأصحابه (عليه السلام) وهم العالمون بكثير من المسائل أو أكثرها، بالفعل أو بالقوّة القريبة من الفعل، باطّلاع على مآخذها، وطريق الأخذ منها سابق على الخروج من القوّة (1) إلى الفعل، فيظنّ بهم العلم بما يسأله السائل.

«لينتزع الآية من القرآن» أي يقلعها ويفصلها (2) ويفسّرها.

«يخرّ فيها» إمّا حال عن الضمير في «ينتزع» أو خبر بعد خبر. والمعنى يخرّ فيها، أي في تفسيرها ساقطاً على ما هو بعيد عن المراد، بينهما أبعد ما بين السماء والأرض. (3)

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله): «لينتزع الآية» ذمّ استنباط الرعيّة من الآيات الشريفة. (4)

وقال بعض المعاصرين: «ما علمتم» أي بالنور الإلهي المقذوف في قلوبكم، أو بالسّماع عن أهل بيت النبوّة. (5) انتهى.

____________

(1). في المصدر:-/ «من القوّة».

(2). في المصدر:+/ «و يأخذها ليبيّنها».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 133- 134.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 94.

(5). الوافي، ج 1، ص 191.

408

الحديث الخامس‏

روى في الكافي بإسناده عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ رِبْعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ‏ (1)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْ‏ءٍ وَهُوَ لَايَعْلَمُهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ ذلِكَ».

هديّة:

(للعالم) أي للفقيه الإمامي؛ لأنّ الإمام عالم بكلّ ما يحتاج إليه الناس.

(وليس لغير العالم) أي لا ينبغي، فلا منافاة بينه وبين سابقه، ووجهه بدليل التالي إيقاعه السائل في شكّ في أنّه لم يجب بُخلًا أو تقيّةً أو تكبّراً أو لغرض آخر يوجب أمراً مكروهاً، أو الوجه عدم المناسبة لحاله.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

المراد ب «العالم» هنا: العالم بقدر معتدّ به من المسائل، أو العالم ببعض المسؤول عنه لا بتمامه، كما لو سئل عن أنّ الكذب كبيرة، وهو يعلم أنّه حرام ولا يعلم أنّه كبيرة. ولا منافاة بين الشقّ الأوّل من هذا الحديث وبين السادس وهو التالي؛ لأنّ هذا الحديث لبيان الرّاجح ولا ينافيه جواز المرجوح.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«للعالم» أي لمن كان مطّلعاً على أكثر المآخذ بقدر الوسع وعلى طريق الأخذ- ويعبّر عنه في هذه الأعصار بالمجتهد- «إذا سئل عن شي‏ء» حال كونه غير عالم به بالفعل أن يقول: «اللَّه أعلم»، ولا يضرّ دلالته على نحو علم له به؛ فإنّ العلم بالمآخذ وطريق الأخذ نحوُ علمٍ بالمأخوذ منها، ويترتّب عليه العلم بما يؤخذ منها ولو بالقوّة القريبة من الفعل.

«وليس لغير العالم ذلك» لإشعاره بادّعائه ما ليس له من العلم. (2)

وقال الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي:

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّادبن عيسى، عن ربعي بن‏عبداللَّه، عن محمّد بن مسلم».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 134.

409

لأنّ مقتضى صيغة التفضيل أن يكون للمفضّل عليه شركة فيما فيه الفضل وليس للجاهل ذلك، وأمّا العالم فلمّا كان له نصيب من جنس العلم صحّ له هذا القول وإن كان حكمه حكم الجاهل فيما سئل عنه. (1)

وقال السيّد الباقر الشهير بالداماد (رحمه الله):

يعني (عليه السلام) ب «الرجل» المسؤول الجاهل الذي لا يعلم المسألة ولا طرقها المؤدّية إليها ومباديها بخلاف العالم المسؤول عمّا لا يعلم، فإنّه وإن لم يكن يعلم المسألة إلّاأنّه يعلم مداركها ومباديها، فجهل العالم ليس كجهل الجاهل، فإذا سئل العالم عمّا لا يعلم فقال:

اللَّه أعلم أوقع بذلك في قلب صاحبه شكّاً أنّ له علماً بالمسؤول عنه، لم يكن به بأس، ولا عليه فيه جناح، ولا كذلك أمر الجاهل، فليس له إلّاأن يقول: لا أدري. (2)

الحديث السادس‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ البرقي، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ‏ (3)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَمَّا لَايَعْلَمُ، فَلْيَقُلْ: لَاأَدْرِي، وَلَا يَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَيُوقِعَ فِي قَلْبِ صَاحِبِهِ شَكّاً، وَإِذَا قَالَ الْمَسْؤُولُ: لَاأَدْرِي، فَلَا يَتَّهِمُهُ السَّائِلُ».

هديّة:

يعلم بيانه ببيان سابقه وهو الخامس.

قال برهان الفضلاء:

«فلا يتّهمه» مجزوم بلا النّاهية؛ لأنّ النافية يستلزمها ترك الفاء؛ أي فلا يتّهمه السائل بالعلم والكفّ عن الجواب. ولا منافاة بينه وبين الرابع؛ لأنّ هذا الحديث في جواب السؤال بخلاف الرابع.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

يحتمل أن يكون المراد ب «الرجل»؛ من الشيعة هنا غير العالم؛ فإنّه ليس في الكلام إشعار

____________

(1). شرح الاصول الكافي، ص 167، ذيل الحديث الرابع من الباب.

(2). التعليقة على الكافي، ص 91- 92.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن أحمدبن محمّد بن خالد، عن حمّاد بنِ عيسى، عن‏حريزبن عبداللَّه، عن محمّدبن مسلم».

410

بعالميّته، وهو الغالب الأكثري الوجود، وليس له أن يقول: «اللَّه أعلم» إنّما له أن يقول:

«لا أدري»؛ لئلّا يقع في قلب صاحبه- وهو من سأله- شكّ ولا يتّهمه بكونه عالماً.

ويحتمل أن يكون المراد يعمّ العالم وغيره، ويكون المعنيُّ بإيقاع الشكّ والاتّهام الشكَّ في كونه عالماً بالمسؤول عنه عند السؤال، مُعرضاً عن الجواب لعلّة واتّهامه بذلك، فيكون المنهيّ عنه أن يقول: «اللَّه أعلم» عند مظنّيّة (1) وقوع الشكّ والاتّهام، وذلك في العالم نادر، وفي غيره يكون غالباً؛ فإنّ العالم همّه في نشر العلم وإذاعته، كما أنّ الجاهل همّه في ستر ما اطّلع عليه وإضاعته. (2)

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله):

«شكّاً» أي في علمه و (3) عدم علمه فيتّهمه بالعلم، وما قيل: «لا أدري نصف العلم»، كأنّه ناظر إلى أنّ المتعلّق بكلّ مسألة علمان: علمٌ بها، وعلمٌ بأنّه يعلمها، أو لا يعلمها، فلا أدري أحد العلمين وهو الجهل البسيط. وفيه: أنّه ورد: «العلم ثلاثة: كتابٌ ناطق، وسنّةٌ قائمة، ولا أدري»، فعلى هذا لا أدري ثلث العلم.

والتحقيق: أنّ العلم المكسوب للبشر إمّا بالعقل عن اللَّه وهو علم الحجّة المعصوم، أو بالعقل عن العاقل عن اللَّه ابتداءً أو بالواسطة، فلا أدري من غير المعصوم نصف العلم التامّ بالشي‏ء وهو العلم به، والعلم بأنّه حقّ؛ لأنّه مأخوذ عن المعصوم. فمآل كون «لا أدري ثلث العلم» (4)- كما ورد- أو نصفه- كما قيل- إلى أمرٍ واحد.

الحديث السابع‏

روى في الكافي عَن الاثنين، عَنْ ابن أَسْبَاطٍ (5)، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ زُرَارَةَ (6)، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: «أَنْ يَقُولُوا مَا

____________

(1). في «ب» و «ج»: «مظنّته».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 134- 135.

(3). في «ب» و «ج»:-/ «علمه و».

(4). مجمع الزوائد، ج 1، ص 432، ح 847.

(5). في الكافي المطبوع: «الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن عليِّ بن أسباط».

(6). في المصدر: «زرارة بن أعين».

411

يَعْلَمُونَ، وَيَقِفُوا عِنْدَ مَا لَايَعْلَمُونَ».

هديّة:

(ما يعلمون) أي عقلًا عن اللَّه ابتداءً أو بالواسطة. أجاب (عليه السلام) بالأهمّ الذي اندرج جميع الحقوق أو أكثرها فيه بحسب المعرفة بها.

«والوقوف عندما لا يعلمون» أي عقلًا عن العاقل عن اللَّه ابتداءً أو بالواسطة على الوجه الصحيح المرخّص فيه.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

لهذا الحديث ذيل سيذكر في الثاني عشر من الباب السابع عشر، وهو باب النوادر، و هو قوله: «فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللَّه حقّه».

يعني سألتُ عنه (عليه السلام) «ما» عمدة «حقّ اللَّه على العباد؟» يعني الحقّ الذي يكون في ضمن أدائه أداء جميع حقوق اللَّه على عباده، قال: «أن يقولوا»- أي عند الحاجة- «ما يعلمون» أي قطعاً أنّه حكم اللَّه، «ويقفوا» أي عن الحكم بالظنّ «عندما لا يعلمون».

وهذا هو العهد الذي أخذ اللَّه على جميع عباده في جميع كتبه المنزلة على أنبيائه (عليهم السلام) قال اللَّه تعالى في سورة الأعراف‏ «أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» (1).

وقال الفاضل الاسترآبادي:

«ويقفوا عند ما لا يعلمون» نصّ في الأمر بالتوقّف. والحرج اللّازم من توقّف جميع الرعيّة في المدّة الطويلة للغيبة ممّا لا يخفى عظمه، وإيجابه ضعف الدِّين واندراسه على التدريج. انتهى.

نعم، لو لم يلزم منه حرجٌ، وإلّا فالأمر بتحصيل الظنّ المرخّص فيه في زمن الغيبة بالمعالجات المعهودة عنهم (عليهم السلام) للفقيه الإمامي العدل الممتاز علماً وفضلًا ثابت عند أصحابنا الإماميّة (رضوان اللَّه عليهم)، والحرج اللّازم من توقّف جميع الرعيّة في المدّة الطويلة للغيبة ممّا لا يخفى عِظمه، وإيجابه ضعف الدِّين واندراسه على التدريج.

____________

(1). الأعراف (7): 169.

412

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«ما حقّ اللَّه على العباد؟» أي الحقّ الواجب الثابت الذي يطالب به صاحبه من عليه، وسؤاله عن الحقيق بهذا الاسم من بين الفرائض والواجبات، فأجاب (عليه السلام): «أن يقولوا ما يعلمون» أي يكون مقولهم مقصوراً على ما يعلمون، أو إتيانهم بعد السؤال واستدعاء الجواب بقول ما يعلمونه، «وأن يقفوا عند ما لا يعلمون».

والمراد أنّ الحقيق بهذا الاسم الاقتصار على القول بما يعلمه، والوقوف عن القول بما لا يعلمه، كما في قوله تعالى حكايةً عن قول موسى‏ (عليه السلام): «حَقِيقٌ عَلى‏ أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» (1). والقول في العلوم الدينيّة عند عدم العلم قولٌ على اللَّه بغير الحقّ؛ فإنّ القول دالّ على اعتقاد القائل و علمه بالمقول، و كلّ قولٍ في العلوم الدينيّة قول على اللَّه، فالقول فيها من غير العالم قول على اللَّه بغير (2) الحقّ من حيث عدم مطابقته لما عليه الأمر في نفسه، أو من حيث عدم معلوميّته له وإن طابق اتّفاقاً، فمِن حقّ اللَّه على العباد أن يقفوا عن القول عندما لا يعلمون، وأن يقتصروا على القول بالحقّ فيها. (3)

الحديث الثامن‏

روى في الكافي عن الثلاثة، (4) عَنْ يُونُسَ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَصَّ عِبَادَهُ بِآيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ: أَنْ لَايَقُولُوا حَتّى‏ يَعْلَمُوا، وَلَا يَرُدُّوا مَا لَمْ يَعْلَمُوا، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» وَقَالَ: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ»».

هديّة:

في بعض النسخ: «وإسحاق بن عبداللَّه» بالواو، ولعلّ الأصحّ بدون الواو؛ فإنّ إسحاق بن عبد العزيز يكنّى أبا يعقوب وأشهر اسم أبيه عبداللَّه، وكأنّ اختلاف النسخ من هذا.

____________

(1). الأعراف (7): 105.

(2). في «ب» و «ج»:-/ «فإنّ القول دالّ ... قول على اللَّه بغير».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 135- 136.

(4). يعني: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

413

والمراد بالتخصيص هنا التخصيص الاهتمامي، يعني بالغ في تشريك جميع الامم في الأخذ بمضمونهما اهتماماً بشأن حكمهما. والعامل بمضمونهما مؤدّ لعمدة حقوق اللَّه المتضمّنة لسائرها.

وقرئ: «حضّ»- بالحاء المهملة والضادّ المعجمة- من «الحضّ» بمعنى التحضيض، بمعنى التحريض والترغيب.

(أن لا يقولوا) أي في المتشابهات.

(حتّى يعلموا) أي التأويل والمأخذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه.

(ولا يردّوا ما لم يعلموا) أي ما لم يعلموا أنّه مردود بالكتاب والسنّة.

والآية الاولى في سورة الأعراف، (1) والثانية في سورة يونس. (2)

وقال بعض المعاصرين:

«ولا يردّوا ما لم يعلموا» أي لا يكذّبوا به بل يكلوا علمه إلى قائله؛ فإنّ التصديق بالشي‏ء كما هو محتاج إلى تصوّره إثباتاً فكذلك هو مفتقر إليه نفياً، وهذا في غاية الظهور، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. (3) انتهى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«حضّ» بالحاء المهملة والضادّ المعجمة على المعلوم من مضاعف باب نصر.

«وأن يقولوا» بتقدير: «على أن لا يقولوا» و «ما» في «ما لم يعلموا» مصدريّة زمانيّة لا موصولة، وإلّا لزم أن لا يردّ الممتنع كشريك الباري؛ لأنّه غير معلوم. فقوله: «لم يعلموا» بتقدير «لم يعلموا صحّة الردّ».

«بما لم يحيطوا بعلمه» أي العلم بصحّة ذلك التكذيب.

«ولمّا يأتهم تأويله» أي عاقبة ذلك التكذيب. انتهى.

لا يخفى صحّة موصوليّة «ما» لما بيّنا، وتكلّف مصدريّتها بالنظر إلى مصدريّتها.

____________

(1). الأعراف (7): 169.

(2). يونس (10): 39.

(3). الوافي، ج 1، ص 193.

414

وتفسيره سلّمه اللَّه «ولمّا يأتهم تأويله» لعلّه من البطون، أو الاحتمالات.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«حضّ عباده»- بالمعجمة بعد المهملة- من «الحضّ» بمعنى الحثّ، والمعنى حثّ عباده بآيتين من كتابه.

«أن لا يقولوا» أي على أن لا يقولوا قبل العلم. «ولا يردّوا» إلّابعد العلم، فحذف «على».

ويحتمل أن يكون «أن لا يقولوا» تفسيراً لحثّه تعالى؛ فإنّ حثّه عباده يكون بالقول، فصحّ وقوع هذا القول تفسيراً له.

و «لا» في الموضعين حينئذٍ للنهي، وعلى الأوّل للنفي. (1)

وفي بعض النسخ «خصّ» بالمهملة بعد المعجمة، والمعنى خصّ عباده، أي هذه الامّة.

والتعبير عنهم بوصف العبوديّة مضافاً إليه تبارك وتعالى لتشريفهم وتعظيمهم من بين الامم بإنزال آيتين من كتابه، وإعلامهم بمضمونهما وحثّهم عليهما دون سائر الامم.

و «أن لا يقولوا» حينئذٍ إمّا بدل من «آيتين» أو تفسير للخصوص.

وقوله: «وقال عزّ وجلّ» معطوف على «خصّ» من عطف أحد التعبيرين عن الشي‏ء إلى آخر لمغايرة بينهما عبارةً ومعنىً، إجمالًا وتفصيلًا، حجّيّة وادّعاءً، مطابقة والتزاماً.

وقوله: «أن لا يقولوا على اللَّه إلّاالحقّ» أي الثابت الواقع.

ولمّا نهاهم عن القول على اللَّه مستثنى منه الحقّ، لم يكن لهم الإتيان إلّابما علموا واعتقدوا كونه مستثنى، فقولهم قبل العلم واعتقاد الحقّية إتيان بالمنهيّ عنه. والآية الأخيرة صريحة في النهي عن ردّ ما لم يعلم والتكذيب به. (2) انتهى.

لا يخفى أنّ الحمل على إحدى القرائتين على التخصيص الاهتمامي كما بيّناه أولى؛ لثبوت العهد المعهود في كلّ شريعة على أهلها، وضمير «عليهم» في الآية الاولى لليهود.

إنّما قلنا أولى؛ لإمكان تأويل حمله (رحمه الله) إلى ما اوّل أوّلًا.

____________

(1). في «الف»: «النفي».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 136- 137.

415

الحديث التاسع‏

روى في الكافي عَن عَلِيٍّ، عَن العبيدي، (1) عَنْ يُونُسَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَا ذَكَرْتُ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهماالسلام إِلَّا كَادَ أَنْ يَتَصَدَّعَ قَلْبِي، قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)».

قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا كَذَبَ أَبُوهُ عَلى‏ جَدِّهِ، وَلَا جَدُّهُ عَلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مَنْ عَمِلَ بِالْمَقَايِيسِ، فَقَدْ هَلَكَ وَأَهْلَكَ، وَمَنْ أَفْتَى النَّاسَ‏ (2) وَهُوَ لَايَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَالْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ فَقَدْ هَلَكَ وَأَهْلَكَ».

هديّة:

«الشّبرم» كقنفذ وزبرج: حبّ شبيه بالحمّص، ومن الرِّجال: القصير والبخيل. و (ابن شبرمة) هو عبداللَّه بن شبرمة الضبِّي الكوفي، كان قاضياً لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة. (3)

و «التصدّع»: التشقّق والتفرّق. وقرئ: «ينصدع» من الانصداع بمعنى الانشقاق.

واقتصر في الحكاية اكتفاء بالظهور، والمراد أبي، عن جدّي، عن جدّه عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

ومعنى «ولا جدّه» ولا جدّ جدّه، كما إذا كان ضمير «ولا جدّه» للجدّ.

و «المقاييس» إمّا جمع «مقيوس» وهو صار بالإعلال مقيساً، والمفرد إذا جمع الجمع المكسّر يردّ إلى أصله، أو جمع «المقياس» كمقاريض ومقراض. قاسه قيساً- بالفتح- وقياساً- بالكسر-: قدّره، ك «اقتاسه». والإسم «قيس»- بالكسر- قيسُ رُمحٍ: أي قَدْره. و «المقياس»: ما يقدّر به الشي‏ء على مثال.

والعمل بالقياس- وأوّل من قاس إبليس لعنه اللَّه طريقة أكثر العامّة والقدريّة- بأن‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى».

(2). في الكافي المطبوع:+/ «بغير علم».

(3). خلاصة الأقوال، ص 370، الرقم 5؛ رجال ابن داود، ص 120، الرقم 873.

416

يجعل شيئاً من المعاني المشتركة معياراً لإلحاق فرع بأصل، ويثبت به حكماً في جزئيّ لثبوته في جزئيّ آخر لمعنىً مشترك بينهما.

(وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ) أي عقلًا عن اللَّه، أو عن العاقل عن اللَّه على الوجه الصحيح المضبوط عند الإماميّة.

(والمحكم): ما لا يحتمل غير المعنى المقصود منه.

و (المتشابه): ما يحتمله.

وكما لا شكّ في عدم الرخصة في الإفتاء لغير الفقيه الإمامي العدل الممتاز في العلم والفضل، لا شكّ في عدمها أيضاً في التجاوز في المتشابهات عن المعالجات المضبوطة عنهم (عليهم السلام).

وقد روى الشيخ في التهذيب عن الثلاثة عن البجلي، قال: كان أبو عبداللَّه (عليه السلام) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابيّ فسأل ربيعة عن مسألة فأجابه، فلمّا سكت قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبداللَّه (عليه السلام):

«هو في عنقه»، قال: «أو لم يقل كلّ مفتٍ ضامن‏ (1)؟!».

قال ابن داود: ربيعة بن عبد الرحمان المعروف بربيعة الرأي في المدينة فقيه، عامّي، روى عن الباقر والصادق (عليهما السلام). (2)

قال برهان الفضلاء:

«وأقسم باللَّه» معترضة.

و «المقاييس» جمع مقيوس لا مقيس؛ للردّ في المكسر إلى الأصل.

ويطلق «الناسخ» و «المنسوخ» على الإمام الحيّ، والإمام الماضي كما يجي‏ء في كتاب‏

____________

(1). التهذيب، ج 6، ص 223، ح 530؛ الكافي، ج 7، ص 409، باب أنّ المفتي ضامن، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 220، ح 33639، باب أنّ المفتي إذا أخطأ أثم و ضمن.

(2). رجال ابن داود، ص 245، الرقم 183.

417

الإيمان والكفر في الرابع، في الباب الثاني والأربعين باب العبادة؛ وفي كتاب المعيشة في باب دخول الصوفيّة على أبي عبداللَّه (عليه السلام) للباب الأوّل.

وعلى الآيتين من القرآن إحداهما ناسخة لحكم الاخرى.

وعلى الكلمتين، أو الفقرتين إذا صارت المؤخّرة منهما قرينة لإرادة خلاف الظاهر من المقدّمة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«من عمل بالمقاييس» المقياس: ما يقدّر به الشي‏ء على مثال. والمراد به ما جعلوه معيار إلحاق الفرع بالأصل من الاشتراك في المظنون عليّته للحكم و عدم الفارق. والمراد من العمل به اتّخاذه دليلًا شرعيّاً معوّلًا عليه، واستعماله في استخراج الحكم الشرعي، والقول بموجبه ومقتضاه بعد جعله دليلًا شرعيّاً؛ فإنّ العمل بالدليل الاستدلال به والتعويل عليه والقول بمدلوله لدلالته عليه.

«فقد هلك وأهلك» أي بضلالته في العمل وإضلاله مَن تبعه واقتصّ‏ (1) أثره.

«ومَن أفتى الناس» أي بما يأخذه عن الكتاب والسنّة.

«وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمُحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك» وفيه دلالة على أنّه كما يجوز للمفتي أن يقول: كذا فهمت من الكتاب أو السنّة، يجوز له أن يقول إذا سُئل عن الحكم: كذا حكم اللَّه في ظنّي، وأنّه يجب عليك أن تعمل كذا. (2) انتهى.

يعني للمفتي الإمامي العدل العارف بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه من الكتاب والسنّة على الوجه الصحيح المضبوط بالتواتر بالمعنى الأعمّ عنهم (عليهم السلام).

____________

(1). في المصدر: «واقتفى».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 137- 138.

418

الباب الثالث عشر بَابُ مَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏

و أحاديثه كما في الكافي ثلاثة.

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَن العِدَّةِ، عَنْ البرقي، (1) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «الْعَامِلُ عَلى‏ غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلى‏ غَيْرِ الطَّرِيقِ، لَا يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْداً».

هديّة:

هذا الحديث رواه الصدوق (رحمه الله) أيضاً في الفقيه، عن محمّد بن سنان، عن طلحة بن زيد، (2) وزاد «من الطريق» بين أداة الاستثناء و «سرعة السير».

وفي بعض النسخ: «وكثرة السير» مكان «وسرعة السير».

(على غير بصيرة) أي بلا معرفته الحجّة المعصوم المفترض الطاعة العاقل عن اللَّه سبحانه. والقطع بحقّيّة شي‏ء من المتشابهات الدينيّة منحصر في إخباره؛ لانحصار الأعلميّة في المدبّر تعالى شأنه. والتعبّد على خلاف حكم اللَّه تعاند لا تعبّد، والداخل على دار لا من بابها سارق، والسائر على غير الطريق ضالّ هالك.

____________

(1). في المصدر: «أحمد بن محمّد بن خالد».

(2). الفقيه، ج 4، ص 401، ح 5864.

419

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه: «على غير بصيرة» أي بلا معرفة الإمام، وعلم المسائل الفروعيّة، أو اصول الفقه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«على غير بصيرة» أي غير معرفة بما يعمله بما هو طريق المعرفة في العمليّات.

فمنها. ما يحصل الجزم بكونه مطلوباً للشارع عند الفحص عن الأدلّة.

ومنها: ما يحصل الظنّ به عند الفحص عنها، كالأخبار الغير المتواترة وغير المقترنة بما يفيد الجزم، وكالظواهر من المتواتر. (1) والساعي في الفحص عنها بقدر الوسع هو المجتهد، ويجب عليه العمل بمقتضى معرفته وعلمه وظنّه المستتبع للعلم. ويجب على غير العالم الرجوع إلى مجتهد في الأخذ، والعمل على وفق معلومه المرجوع إليه.

فالمقلّد لعلمه بوجوب الأخذ عن العالم واطّلاعه على فُتياه على بصيرة، كما أنّ العالم لعلمه بوجوب الأخذ عن الأدلّة- كالكتاب والسنّة- واطّلاعه على ما فيها على بصيرة في عمله.

ولا يبعد أن يحمل العمل هنا على ما يشتمل السعي والاجتهاد في أخذ المسائل عن الأدلّة.

وقوله: «كالسائر عل غير الطريق» لأنّ العامل يريد بعمله الإطاعة والوصول إلى النجاة، ولا إطاعة في العمل بلا بصيرة وعلم بكونه على وفق ما طُلب واريد منه، فلا ينتهي عمله إلى ما يريد الانتهاء إليه بارتكابه، (2) فلا يكون طريقاً للمطلوب ويكون سلوكه سلوك غير طريقه، فلا يزيد سرعته إلّابُعداً عن المطلوب كالسائر على غير الطريق.

وأيضاً كلّ ما هذا شأنه فارتكابه قبيح منهيٌّ عنه، والاشتغال به شغل عن المأمور به فيما (3) يريد الإطاعة والنجاة، وبسعيه‏ (4) يعصي ويهلك، وبزيادته كمّيّة أو كيفيّة، أي كثرة أو سرعة- باختلاف النسختين؛ فإنّ في بعضها مكان «سرعة السير»: «كثرة السير»- لا

____________

(1). في المصدر: «المتواترات».

(2). في المصدر:+/ «والاشتغال به».

(3). في المصدر: «فبما».

(4). في المصدر:-/ «بسعيه».

420

يزداد إلّاعصياناً وضلالًا وبُعداً عن المقصود. (1) انتهى.

أراد ب «المتواتر» الاصطلاحي، أي الذي يفيد القطع واليقين.

اصطلح المتأخّرون من الاصوليّين على تسميتهم الخبر المفيد لليقين بالمتواتر، والمفيد للظنّ بخبر الواحد، والأخبار المضبوطة بتواتر الثقات والكتب متواترة بالمعنى الأعمّ.

وعرّفوا الخبر المتواتر بأنّه خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه، ولِما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطئهم على الكذب واستمرّ ذلك في الطبقات حيث يتعدّد، فيكون أوّله كآخره ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك في عدد خاصّ وشرط العلم به انتفاء اضطرار عن السامع.

وخبرَ الآحاد بما لا يفيد بنفسه إلّاظنّاً، وقد يفيد القطع إن حفّ بالقرائن، على خلافٍ بين الاصوليّين من المتأخّرين.

وبالجملة: المتواتر بالمعنى الأعمّ فمحكمه مأخذ، وكذا متشابهه، لكن بعلاجات معهودة مضبوطة عنهم (عليهم السلام).

الحديث الثاني‏

روى في الكافي بإسناده عَن ابْنِ عِيسى‏، (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ الصَّيْقَلِ، (3) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ، وَلَا مَعْرِفَةً إِلَّا بِعَمَلٍ؛ فَمَنْ عَرَفَ، دَلَّتْهُ الْمَعْرِفَةُ عَلَى الْعَمَلِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ، فَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ، أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ».

هديّة:

(إلّا بمعرفة) أي بمعرفة هي معرفة حقيقة، فالإبهام للتعظيم، يعني معرفة اللَّه الحاصلة بطاعة مفترض الطاعة ومعرفته.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 138- 139.

(2). في الكافي المطبوع: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى».

(3). في الكافي المطبوع: «الحسن الصيقل».

421

(إلّا بعمل) أي دالّ على أنّ العامل به عارف الإمام. (ولا) لنفي الجنس، أو «الواو» للعطف. والمعنى عليهما- لصريح لفظ «البعض»-: أنّ كمال الإيمان بالعمل؛ فإنّ الإيمان باللَّه يكمل من الإيمان بالرسول، وهو يكمل من الإيمان بالإمام، وهو يكمل من العمل بما امر ونهي عنه.

(دلّته المعرفة على العمل) أي العمل على الوجه الصحيح المضبوط عن مفترض الطاعة.

(ومن لم يعمل) أي هكذا.

(بعضه من بعض) يعني أنّ الإيمان ليس مجرّد التصديق كما ذهبت إليه المرجئة، بل العمل من الإيمان على ما ذكرنا ولذا له مراتب.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«بمعرفةٍ» أي بمعرفة اللَّه، بترك اتّباع الظنّ في القول والفعل.

و «لا» في «لا معرفة» لنفي الجنس.

والإيمان عبارة عن المركّب من المعرفة والعمل. وقوّته وضعفه على حسب كثرة العمل وقلّته، قال اللَّه تعالى في سورة بني إسرائيل: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ». (1)

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«بمعرفةٍ» أي بمعرفةٍ بالعمل وبما يتوقّف عليه المعرفة بالعمل، أو بمعرفة صحيحة مأخوذة عن مأخذها الذي يجب الأخذ عنه كما هو طريقه. وتلك المعرفة تكون للعالم القادر على الأخذ من الأدلّة بالأخذ منها، و تكون للمقلّد العاجز عن الأخذ منها بالأخذ عن العالم فيما يجوز فيه التقليد.

«ولا معرفة إلّابعمل» إمّا معطوف على «عملًا» و «لا» مؤكّدة للنفي؛ أي لا يقبل اللَّه معرفةً متعلّقةً بعملٍ إلّابعملٍ يتعلّق به المعرفة، أو لا يقبل اللَّه معرفة إلّابعمل يتعلّق بها.

وإمّا معطوف على قوله: «لا يقبل اللَّه عملًا» و «لا» لنفي الجنس؛ أي ولا معرفة كاملة تستحقّ أن تعدّ معرفة إلّابعمل يتعلّق بها، ولا أقلّ من الإقرار باللسان وما في حكمه.

____________

(1). الإسراء (17): 84.

422

فكلّ معرفة لا يتعلّق عليها عمل لا يعتدّ بها ولا يعدّ معرفة؛ حيث لا يترتّب عليها آثار المعرفة ولا يكون مقبولة، فإنّه كما لا يؤثّر هاهنا لا يؤثّر هناك؛ وذلك لعدم استقرارها وتمكّنها في القلب. فالمعرفة المتعلّقة بالمبدأ وصفاته، والرسالة والوصاية متى فارقها الإقرار باللسان وما في حكمه لا يعتدّ بها ولا تكون إيماناً، وكذا المعرفة المتعلّقة بعمل إن كان من المتيقّن ثبوته من الشريعة كالضروريّات الدينيّة إن فارقها الإقرار لا يعتدّ بها، ولم يكن تلك المعرفة من الإيمان، ولذا يحكم بكفر منكر ضروريّ الدِّين وإن كان عارفاً به.

وأمّا الظنّيات من الفروع فالاعتقاد بها معرفتها (1) الظنّية ليست من الإيمان، إنّما المعتبر في الإيمان الاعتقاد والتصديق بجميع ما جاء به النبيّ (صلى الله عليه و آله) عموماً بهذا العنوان، وخصوصاً في المتيقّن ثبوته شرعاً كالضروريّات عند ملاحظتها، فإنكارها وإن لم يُخرج من الإيمان، لكن هذه المعرفة الظنّية فائدتها الإقرار والعمل، فبعدمهما يكون وجودها كعدمها، فلا يكون مقبولة ولا معدودة في المعرفة، بل وجودها أسوأ من عدمها؛ لغلبة شرّيّة النفاق والخلاف بين الباطن والظاهر، أو القول والفعل، وتكذيب كلّ منهما الآخر على خيريّتها،

«فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له» تفصيل وتبيين لما ذكر قبله إجمالًا.

والمراد أنّ المعرفة شأنها (2) الدلالة والإيصال إلى العمل، والعمل من آثارها المرتّبة عليها، ومن لم يترتّب أثر المعرفة على ما فيه ويظنّه معرفة، فإمّا لعدم كونه معرفة في ذاته، أو لعدم كونه معرفة له، أي ثابتة مؤكّدة الثبوت له، ظاهرةً فيه، غالبةً على أضدادها، فالحالة الحاصلة في الشخص- من اجتماع ما للقلب والقوّة العقليّة، وما للقوى الخياليّة والوهميّة، وما للقوى الشهوانيّة والغضبيّة- لا كماليّة ولا معدودة معرفة، كالمركّب من المسك والقاذورات لا يشمّ منه إلّاالمركّب من كيفيّتهما وهو النتن لا الطيب، فلا يقال لرائحة المِسْك المخلوطة بنتن القاذورات والجيف عند الاختلاط والاضمحلال في كيفيّتها: عَرْفاً وريحاً طيّباً، ولا يكون مُستعمِل المِسْك على هذا النحو مستعملًا للطيب.

____________

(1). في المصدر: «و معرفتها».

(2). في المصدر: «من شأنها».

423

كذا المعرفة المنغمرة في الأهواء والمنى والجهالات الدّاعية إلى الشرّ والفساد لا يكون معرفةً، ولا يكون صاحبها على هذا النحو سالكاً طريق النجاة، بل الحالة المركّبة من جميع هذه الامور أقوى في الإيصال إلى الضلال والهلاك.

«إلّا أنّ الإيمان بعضه من بعض» أي بعضٌ ممّا اعتبر فيه- وهو العمل المعتبر في أصله، أو العمل المعتبر في كماله- نشأ من بعض، وهو المعرفة الدالّة عليه؛ فإنّ المعرفة التي هي مناط الإيمان أقلّ مراتبها يدلّ على أقلّ مراتب العمل، وهو الإقرار والقول بها؛ وأكملها يدلّ على أكمل مراتب العمل، وهو الموافقة لها قولًا وفعلًا؛ والأوساط على الأوساط، وينشأ من كلّ مرتبة من المعرفة ما يطابقها من مراتب العمل. (1) انتهى.

لا يذهب عليك أنّ غرضه (رحمه الله) من الفقرات في قوله: «من اجتماع ما للقلب- إلى قوله-:

وما للقوى الشهوانيّة والغضبيّة مطلق الآثار، كما هو عند الفلاسفة ومن تبعهم في أكثر اصولهم كالصوفيّة القدريّة؛ فإنّ كلّ واحدٍ من تلك الآثار في تقدير حكمة اللَّه وشرعه قسمان: حسن وقبيح، مأمور به ومنهيٌّ عنه، ممدوح ومذموم، بل يجري فيه الأحكام الخمسة.

همه خشمى نه عيب و نقصان است‏* * * خشم روز جهاد ايمان است‏

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«لا يقبل اللَّه عملًا إلّابمعرفة» سيجي‏ء أنّ للإيمان معنيين: أحدهما موهبيّ لم يكلّف اللَّه العباد بتحصيله، وهو المعرفة باللَّه وبرسوله. والآخر من أفعالنا الاختياريّة، وهو الانقياد القلبي واللِّساني والجوارح على وفق المعرفة.

ومعنى الإيمان بعضه من بعض: أنّ بعضه ناش من بعض، أي الانتفاع بكلّ جزء من أجزائه الثلاثة يتوقّف على تحقّق الجزئين الآخرين. (2)

وقال بعض المعاصرين في بيان هذا الحديث في آخر كلامه:

فمن لا معرفة له باللَّه واليوم الآخر فكيف يعبده؟! ومَن لا عبادة له ولا رياضة شرعيّة

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 139- 141.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 94.

424

كيف يصفّي نفسه ويرقّ قلبه ويطهّر باطنه؟! (1) انتهى.

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، (2) عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَمَّنْ رَوَاهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مَنْ عَمِلَ عَلى‏ غَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ».

هديّة:

يعني من عمل بقصد العبادة وكان عمله بناءً على غير العلم بوجهه من الحجّة المعصوم كان ما يفسد من أمر الآخرة أكثر ممّا يصلح من أمر الدنيا بزهده وصلاحه في نظر عوامّ الناس، قال اللَّه تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (3).

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«ما» في الموضعين موصولة، أو مصدريّة. و «أكثر» على التقديرين، إمّا بالمثلّثة أو بالمفردة، ومآل الكلّ واحد؛ فإنّ العابد بغير العلم بمسائل فروع الفقه أو مسائل اصول الفقه إفساده ثواب الآخرة أكثر من إصلاحه معاش دنياه قصداً بالتزامه ظاهر الإسلام أن يحقن دمه، ويكرّم في نظر الناس، ويكسب الأموال بالموافقة مع أئمّة الضلال.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح» أي كان الفساد في عمله الذي لم يكن من علم أكثر من الصلاح فيه، وكلّ ما كان الفساد فيه أكثر من الصلاح كان قبيحاً غير مطلوب للحكيم. (4)

وقال السيّد السند أمير حسن القايني (رحمه الله): يعني كان غلطه المفسد للعمل أكثر من صحيحه المصلح له.

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 201.

(2). في الكافي المطبوع: «عنه، عن أحمد بن محمّد».

(3). الكهف (18): 103- 104.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 141.

425

الباب الرابع عشر بَابُ اسْتِعْمَالِ الْعِلْمِ‏

و أحاديثه كما في الكافي سبعة.

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏، (1) عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ ابْنِ أُذَيْنَةَ، (2) عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله) أنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ: «الْعُلَمَاءُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ عَالِمٌ آخِذٌ بِعِلْمِهِ، فَهذَا نَاجٍ، وَعَالِمٌ تَارِكٌ لِعِلْمِهِ، فَهذَا هَالِكٌ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ رِيحِ الْعَالِمِ التَّارِكِ لِعِلْمِهِ، وَإِنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ نَدَامَةً وَحَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْداً إِلَى اللَّهِ تعالى، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ، فَأَطَاعَ اللَّهَ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَأَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ، وَاتِّبَاعِهِ الْهَوى‏، وَطُولِ الْأَمَلِ، أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوى‏ فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَطُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ».

هديّة:

في العنوان (استعمال العلم) يعني في العمل والحكم والإفتاء. وحاصل معنى الاستعمال هنا طلب فائدة العلم بالعمل.

(رجلان) يعني قسمين.

(آخذٌ بعلمه) على اسم الفاعل، ولا بأس بصيغة الماضي، أي آخذ في العمل والحكم‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى».

(2). في الكافي المطبوع: «عمربن اذيتة».

426

بعلمٍ قطعيٍ مأخوذٍ عن المأخذ الذي لا يتطرّق إليه الخطأ.

(وعالمٌ تاركٌ لعلمه) أي تارك عمداً لغرض من الأغراض الباطلة، كحبّ الرياسة وتبعيّة الظَّلمة؛ طمعاً في الدنيا وحطامها.

(فهذا هالك) بمعنى أنّ أكثر أفراد هذا القسم وأفراده من المستودعين من الهالكين بالخذلان، وأقلّهم من الناجين من النار بتوفيق التوبة وقبول الاستغفار، إذا لم يكونوا من المبتدعين في ضروريّ من ضروريّات الدِّين، أو لم يمت باعتقاد بدعتهم تابع لهم فيها.

في بعض النسخ: «وأدخل الداعي النار بترك عمله» بتقديم الميم على اللّام. فالمعنى بترك عمله بعلمه في استعمال علمه في العمل والإفتاء.

قال برهان الفضلاء: «فيصدّ عن الحقّ» أي عن العمل بالمحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ، الآمرة بسؤال أهل الذِّكر (عليهم السلام).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ» أي علماً كان أو عملًا، فهو من موانع تناول الحقّ.

«وطول الأمّل» [ينسي الآخرة» فهو موجب لعدم تذكّر الآخرة المقتضي للعمل، فاتّباع الهوى مانع، و طول الأمل‏] (1) موجب لرفع المقتضي.

ويمكن أن يكون «ينسئ» من الإنساء مهموز اللّام؛ أي يؤخّر العمل للآخرة، فحذف العمل واسند الفعل إلى الآخرة، فطويل الأمل لظنّه البقاء يؤخّر العمل للآخرة، ويقول:

سأفعل لها فيما بعد. (2)

وقال بعض المعاصرين:

«عالم آخذٌ بعلمه» هذا التقسيم هو للعلماء الذين علمهم مقصور بما يتعلّق بالعمل كالعالم بالشريعة وكالعالم بالأخلاق، دون الذين علمهم مقصود لذاته كالعالم بالمبدأ والمعاد. (3) انتهى.

____________

(1). ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 142- 143.

(3). الوافي، ج 1، ص 203- 204.

427

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «الْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى الْعَمَلِ؛ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَمَنْ عَمِلَ عَلِمَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ».

هديّة:

(مقرون) أي مربوط من «القرن» بالكسر، وهو حبل يجمع به البعيران، والبعير المقرون بآخر ژكالقرين. ومنه المقرّن، قال اللَّه تعالى في سورة إبراهيم: «وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ» (2).

(ومن عمل علم) يعني هو العالم حقيقةً.

(والعلم يهتف) بمنزلة الدليل. و «الهتف» بالفتح: الصوت. هتف به كضرب.

و «ارتحال العلم» إمّا بنسيانه، أو بانعدام عزّته واعتباره، فلو اطلق عليه اسم العالم فعلى التجوّز أو التهكّم.

چنانكه قوّت پروازرا دوبال دهند، هميشه فايده؛ هم دهند علم وعمل.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«الفاء» في «فمن» تفريعيّة. «فمن علم عمل» أمر في صورة الخبر، وكذا «من عمل علم»

يمكن أن يكون الأمر هنا للإباحة، فراجَعَ إلى النهي عن طلب العلم قبل العمل بما علم كما يجي‏ء في التالي للتالي.

«ارتحل عنه» أي بعروض النسيان، أو انحطاط قدره ومنزلته.

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«مقرون» أي قرن العلم مع العمل في كتاب اللَّه وكلامه، كقوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا*

____________

(1). في الكافي المطبوع: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد».

(2). إبراهيم (14): 49.

428

وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» (1)*، وعلّق المغفرة والنجاة عليهما.

«فمن علم عمل، ومن عمل علم» أمر في صورة الخبر، أي يجب أن يكون العلم مع العمل بعده، والعمل مع العلم قبله.

«يهتف» أي يصيح ويدعو صاحبه بالعمل على طبقه، فإن أجابه وعمل استقرّ فيه وتمكّن، وإلّا ارتحل عنه بدخول الشكّ والشبهة عليه [ولو إلى‏] (2) ساعة الارتحال من دار الدنيا.

ويحتمل أن يكون المراد بمقرونيّة العلم مع العمل عدم افتراق الكامل من العلم عن العمل بحسب مراتب كماله، وعدم افتراق بقاء العلم واستكماله عن العمل على وفق العلم.

«فمن علم» أي علماً كاملًا معتبراً مقبولًا باقياً «عمل».

«ومن عمل علم» أي أبقى علمه واستكمله، تفصيل لما أجمل قبله.

«والعلم يهتف بالعمل» أي مطلقاً، فإن أجابه وعمل قوى واستقرّ وتمكّن في قلبه، وإلّا ضعف وزال عن قلبه. نعوذ باللَّه. (3)

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عن العِدَّةٌ، عَن البرقي، عَنْ الْقَاسَانِيِّ، (4) عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ، زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا».

هديّة:

«زلّت قدمه»: كفر.

و (الصفا) بالقصر: جمع صفاة، وهو الحجر الصلد لا ينبت. (5) ووجه الشبه الفيضان‏

____________

(1). جاء في القرآن الكريم قريب من خمسين مورداً، منها في البقرة (2): 25، و 82، و 227.

(2). ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 143.

(4). في الكافي المطبوع: «عدّة من أصحابنا، عن أحمدبن محمّد بن خالد، عن عليّ بن محمّدٍ القاساني».

(5). انظر: لسان العرب، ج 14، ص 464 (صنو).

429

والقساوة؟ ومن القلوب كالحجارة، أو أشدّ قسوة. (1)

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: «بعلمه» أي بالمحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ، الآمرة بسؤال أهل الذِّكر (عليهم السلام).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«الموعظة»: النهي عن الدخول في المحارم والمعاصي- فعلًا كان أو تركاً- أو ذكر ما يليّن القلب من الثواب والعقاب.

والمعنى: إذا لم يعمل العالم بمقتضى علمه، ونهى عن ارتكاب ما ارتكبه من ترك العمل بعلمه، أو ذَكَر الثواب والعقاب لتليين القلوب، لم يؤثّر نهيه أو ذكره ذلك في القلوب، إنّما يمسّها ويزلّ عنها كما يزلّ المطر عن الصفا.

و «الصفا»: جمع صفاة، وهي الصخرة والحجر الأملس، فما كان من القلوب صوافي البواطن يُقبِل على العمل؛ لما فيها من الرقّة والصّفاء لا بتأثير موعظةٍ، (2) وما كان قاسية كدرته لا يستقرّ هذه الموعظة ولا تدخلها لتؤثّر، إنّما الاستقرار والدخول لموعظة العامل بعلمه. (3) انتهى.

ذكر (رحمه الله) أعلى القلوب؛ يعني قلوب الحجج المعصومين (عليهم السلام)، وأسفلها كفاية بفهمهما عن فهم الأوساط، وموعظة المعصوم لمثل سلمان وأبي ذرّ- رضي اللَّه عنهما- كثيرة، فلا قدح في قوله: «لا بتأثير موعظة».

الحديث الرابع‏

روى في الكافي عَن عَلِيٍّ، (4) عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى‏ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهماالسلام، فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَ، ثُمَّ عَادَ لِيَسْأَلَ عَنْ مِثْلِهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهماالسلام: «مَكْتُوبٌ فِي‏

____________

(1). اقتباس من الآية 74، البقرة (2).

(2). في المصدر: «موعظته».

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 144.

(4). في الكافي المطبوع: «عليّ‏بن إبراهيم».

430

الْإِنْجِيلِ: لَاتَطْلُبُوا عِلْمَ مَا لَاتَعْلَمُونَ وَلَمَّا تَعْمَلُوا ما (1) عَلِمْتُمْ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ، لَمْ يَزْدَدْ صَاحِبُهُ إِلَّا كُفْراً، وَلَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً».

هديّة:

(عن مثلها) دفع لتوهّم عنها على الاكتفاء.

(ولمّا تعملوا) حاليّة.

والأولى (ما عُلّمتم) على ما لم يسمّ فاعله من التفعيل؛ لما لا يخفى.

و (لم يزدد) الثاني بمنزلة التعليل للأوّل. والتمادي في كفر المعصية قد ينجرّ إلى الكفر، كفر الارتداد.

قال برهان الفضلاء: «الواو» في «ولمّا» للحال، والنهي في «لا تطلبوا» للتنزيه والأولويّة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«لا تطلبوا» أي إذا كان من شأن علمكم عدم التأثير فيكم، وعرفتم ذلك من أنفسكم بترك العمل بما علمتم، فالأصلح لكم ترك طلب العلم بما لا تعملونه من الأعمال.

«لأنّ العلم إذا لم يُعمل به لم يزدد صاحبه إلّاكفراً» أي جحوداً؛ فإنّ ترك العمل مع العلم جحود وعدمُ إقرارٍ بما عرفه وكفرٌ به، والجاهل لا يلزمه الإنكار، ولا يكون منه الجحود.

فهاهنا ثلاث مراتب:

الأوّل: الجاهل بالجهل الصرف بدون إنكار.

الثاني: الجاهل بما يجب العلم به مع الإنكار، وهذا أسوء حالًا من الأوّل.

والثالث: العالم به مع جحده، وهذا أسوأ حالًا منهما؛ فإنّ المعرفة في نفسها وإن كانت حسنة لكنّ الجحود بعدها من أقبح القبائح، والحالة الملتئمة منهما أسوأ [حالًا] (2) من الملتئمة من الإنكار والجهل، ومن الجهل الصرف بكثير.

ثمّ مراتب الجحود مختلفة:

فمنها: الجهل‏ (3) على الإطلاق، وهو الخالي عن كلّ وجه من وجوه الإقرار بعد العلم، وهو

____________

(1). في الكافي المطبوع و هامش «ب»: «بما».

(2). ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر.

(3). في المصدر: «الجحد» مكان «الجهل».

431

كفر مطلق في الربوبيّة، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ما هو من ضروريّات الدِّين.

والثانية: الجحد بترك العمل مطلقاً بعد الإقرار باللِّسان، وهذه كالاولى في كونه كفراً مطلقاً، وإنّما يجري في العمليّات.

والثالثة: الجحد بترك العمل ببعض من الضروريّات بعد الإقرار باللِّسان، وهذا ليس كفراً مطلقاً، بل هو كفر به.

«ولم يزدد من اللَّه إلّابُعداً» أي من رحمته و ثوابه و نيل ما عنده؛ وذلك لأنّ في الجحود من استحقاق العقاب والبُعد عن المغفرة والثواب أكثر ممّا في الجهل والترك، و في الإنكار معها. (1) انتهى.

غرضه من مطلق الكفر في الربوبيّة، الجحد باللِّسان فقط؛ لثبوت المعرفة الفطريّة لكلّ مكلّف بالنصّ، وفي النصّ: أنّ الجحد بها جحد بمجرّد اللِّسان‏ «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (2).

الحديث الخامس‏

روى في الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏، (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بِمَ يُعْرَفُ النَّاجِي؟ قَالَ: «مَنْ كَانَ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ مُوَافِقاً، فَأَثْبِتْ لَهُ الشَّهَادَةَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ مُوَافِقاً، فَإِنَّمَا ذلِكَ مُسْتَوْدَعٌ».

هديّة:

(من كان) أي مؤمن كان عاملًا بما علم عقلًا عن المعصوم ابتداءً أو بالواسطة.

في بعض النسخ: «فإنمّا له الشهادة»

والمعنى الظاهر عليهما: أشهد أنّه مؤمن حقّاً. ويحتمل: أقبل شهادته لعدالته.

والمشار إليه ل (ذلك) هو الموصول، على أن يكون «المستودع» بمعنى محلّ‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 144- 145.

(2). الزخرف (43): 87.

(3). في الكافي المطبوع: «محمّد بن يحيى، عن أحمدبن محمّد بن عيسى».

432

الوديعة والإيمان المفهوم سياقاً، إذا كان اسم المفعول. و المعنى: فإنّما ذلك مستودع هالك، أوللَّه سبحانه في المستودع المشيّة. ولا منافاة في أحاديثهم (عليهم السلام) وباب التوبة مفتوح للعالم والجاهل، لكن للعالم إلى قبل المعاينة وللجاهل إلى المعاينة كما سيجي‏ء في الباب التالي للتالي، وتفسير آية سورة النساء: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ» (1).

قال برهان الفضلاء:

يجي‏ء هذا الحديث بتمامه المبيّن له في كتاب الإيمان والكفر في الباب الثالث والثمانين والمائة، باب في علامة المعار.

والمراد ب «الناجي» الإماميّ، لا يُعذّب بجهنّم أصلًا، أولا يخلّد فيها.

و «الفعل» هنا عبارة عن القدر المشترك بين عمل، أو حكم بالظنّ أو بالعلم.

و «القول» عبارة عن الاعتراف بالقرآن، أو كتاب آخر من كتب الشرائع الإلهيّة؛ فإنّ جميعها متضمّن للمحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ.

فموافقة الفعل والقول عبارة عن ترك اتّباع الظنّ في العمل والحكم.

«فإنّما له الشهادة» أي ثابت له الشهادة بأنّه من الناجين في القيامة.

«ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنّما ذلك» مكانُ لعارية الإيمان، بمعنى أنّه مؤمن رسميّ لا حقيقيّ، والمؤمن الرسمي من المستودعين كما مرّ في أواخر شرح الخطبة في شرح قوله: «فذاك في المشيّة، إن شاء اللَّه تبارك وتعالى أتمّ إيمانه، وإن شاء سلبه إيّاه، ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً و يصبح كافراً».

وقال السيّد الأجلّ النائيني:

«فإنّما له الشهادة» في بعض النسخ «فأبتّ له» بالباء الموحّدة قبل المنقوطة بنقطتين، من «البتّ». وسيذكر هذا الحديث في باب علامة المعار، وهناك: قلت: فَبِمَ يُعرف الناجي من هؤلاء جُعلت فداك؟ قال: «من كان قوله لفعله موافقاً، فأتت له الشهادة بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنّما ذلك مستودع». فلا يبعد أن يكون هنا أيضاً: «فأتت» بالتاءين كما في ثمّة.

____________

(1). النساء (4): 17.

433

أمّا على النسخة الاولى: فمعناه: «من كان فعله لقوله موافقاً» أي لما يقول به ويعتقده- والمراد من «القول» الكلام الحاكي عن الاعتقاد- «فإنّما له الشهادة» أي شهادة الشاهد بالنجاة، وهو موافقة الفعل للقول الدالّة على ثبوت الاعتقاد ورسوخه واستقراره حتّى يوصله إلى النجاة، فدلّ بأداة الحصر على انحصار الشهادة له مؤكّدة بتقديم الظرف.

ومن لم يكن فعله لقوله ومعتقده «موافقاً فإنّما ذلك مستودع» أي اعتقاده كالوديعة عنده يؤخذ ويسلب.

أو المراد بالشهادة عدم غيبة المعرفة عن قلبه وحفظه لها، فيحصل النجاة بها.

وأمّا على الثانية: «فأبتّ له الشهادة» أي فقطع له الشهادة، أي حضور الاعتقاد وحفظها عن الزوال والسلب عنه.

أو المراد فقطع له شهادة شاهد النجاة بحفظ معرفته من السلب والزوال.

وأمّا على موافقة ما في الحديث المنقول ثمّة: «فأتت له الشهادة بالنجاة» أي فجاءت وحصلت له شهادة شاهد النجاة، وهو موافقة الفعل للقول أو الاعتقاد بالنجاة. وظاهر أوّل الحديث على ما نقله ثمّة أنّ السؤال عمّن اعتقد الحقّ وقال به. (1) انتهى.

قوله: «في بعض النسخ: «فأبتّ له» بالباء الموحّدة قبل المنقوطة بنقطتين» يعني على الماضي المجهول من باب الإفعال.

«بتّه»- كمدّ و فرّ-: قطعه، كأبتّه فانبتّ، أي فانقطع. القاموس «البتّ: القطع كالإبتات، و الانبتات: الانقطاع». (2) واللَّه أعلم بالصواب.

الحديث السادس‏

روى في الكافي عَنْ العِدَّةٍ، عَنْ البرقي، (3) عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي كَلَامٍ لَهُ خَطَبَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَايَسْتَفِيقُ عَنْ جَهْلِهِ، بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ،

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 145- 146. بتفاوت يسير.

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 188 (بتّ).

(3). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد بن خالد».

434

وَالْحَسْرَةَ أَدْوَمُ عَلى‏ هذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ مِنْهَا عَلى‏ هذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ، وَكِلَاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ، لَاتَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا، وَلَا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا، وَلَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ‏ (1) فَتُدْهِنُوا، وَلَا تُدْهِنُوا فِي الْحَقِّ فَتَخْسَرُوا، وَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَفَقَّهُوا، وَمِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَاتَغْتَرُّوا، وَإِنَّ أَنْصَحَكُمْ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُكُمْ لِرَبِّهِ، وَأَغَشَّكُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاكُمْ لِرَبِّهِ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَأْمَنْ وَيَسْتَبْشِرْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يَخِبْ وَيَنْدَمْ».

هديّة:

(إذا علمتم) أي عقلًا عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه.

(فاعملوا بما علمتم) أي من غير تصرّف من عندكم بالرّأي والقياس وادّعاء الكشف وغير ذلك من أسباب الضلالة والهلاك.

(لعلّكم تهتدون) هداية موصلة إلى النجاة.

(إنّ العالم العامل بغيره) أي بغير ما علمه عقلًا عن العاقل عن اللَّه.

و «الاستفاقة»: الخلاص من السكر والمرض. شبّه الجهل بهما.

(على هذا العالم) عطف بيان ل (عليه) (2)، أو بدل. واحتمال البيان من الراوي ليس بشي‏ءٍ.

(منها) صلة للأفْعَلين. (3)

(لا ترتابوا) أي في الإمامة.

(فتشكّوا) أي في الرسالة. (فتكفروا باللَّه) (ولا ترخّصوا لأنفسكم) أي في المعصية، معصية الرسول، واولي الأمر منكم.

(فتدهنوا) فتقعوا في المداهنة في أمر الدِّين حقّ الإمام، والمساهلة في مواعيد الكتاب والسنّة، فتكونوا من الخاسرين بالخسران المبين. الجوهري: المداهنة

____________

(1). في «ب» و «ج»: «في أنفسكم».

(2). في «الف»: «عليه» بدون اللام.

(3). يعني «أعظم» و «أدوم».

435

كالمصانعة، والادّهان مثله من الإفعال، كالادّهان من الافتعال.

(ومن الفقه أن لا تغترّوا) أي بالأباطيل المحفوفة بأشياء من الحقّ كطريقة الصوفيّة القدريّة؛ فإنّ للإيمان سلسلة واحدة ممتدّة من لدن آدم إلى انقراض الدنيا، وللكفر في مقابله سلاسل شتّى، فكما أنّ الإيمان قائم دائماً بالحجج المعصومين وشيعتهم، وفي شيعتهم في كلّ زمان فقهاء فضلاء. فالكفر قائم دائماً بالطواغيت وتبعتهم، وفي أشياعهم مهراء في الشيطنة والنَكراء.

ولمّا بالغ الشيطان في خدائعه في أواخر عمره في طريقة التصوّف؛ قصداً إلى إضلال الناجية من البضع والسبعين في هذه الامّة مع علمه بأنّ الزيارات والشفاعات وغيرهما من المُنجيات من ورائهم، وأنّهم لن يتهوّدوا ولن يتنصّروا ولن يتمجّسوا بالوسوسة، بُوِلغ‏ (1) في أحاديث الأئمّة (عليهم السلام) في ردّ تلك الطريقة المهكلة؛ استبصاراً للشيعة بكفرها المخبوء بأشياء من أسباب الإيمان.

(وإنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه) أي بطاعة مفترض الطاعة.

(ومن يطع اللَّه) أي بطاعة مفترض الطاعة.

«بشّرني فاستبشرت»: سرّني فسررت، صرت مسروراً.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«رأيت» على المتكلّم وحده؛ إشارةٌ إلى أنّ استنباط ذلك من القرآن لا يتيسّر للرعيّة.

«عليه» متعلّق ب «الحجّة». والضمير ل «العالم» العامل بغيره».

«على هذا العالم المنسلخ من علمه»: بدل «من «عليه».

«منها» متعلّق ب «الأعظم»، والضمير ل «الحجّة».

«على هذا الجاهل» متعلّق بضمير «منها»؛ لأنّه الحجّة، فترك النظائر في «والحسرة أدوم» مع كونه عطفاً على اسم «أنّ» وخبرها؛ للاختصار. والتقدير: «الحسرة عليه أدوم منها على هذا العالم المنسلخ من علمه».

____________

(1). جواب لقوله: «لمّا بالغ».

436

والأدوميّة باعتبار أنّ الحسرة تدرك العالم بموته، والجاهل بعد بعثه وحشره موافقاً لما يجي‏ء في كتاب الجنائز في الباب الثامن والثمانين، باب المسألة في القبر ومَن يُسأل ومَن لا يسأل.

«لا ترتابوا» أي لا تطلبوا الشكّ فيما علمتم من محكمات القرآن فتقعوا في الشكّ فيها «فتكفروا»

و «الدهن» بالفتح مصدر باب نصر. والإدهان على الإفعال بمعنى. والمراد هنا المداهنة والمساهلة.

و «أن» في الموضعين مفسّرة أو ناصبة، فقوله: «تفقّهوا» إمّا على الأمر أو المضارع من التفعّل بحذف إحدى التائين أو من باب حَسُنَ أو علم. وقد مرَّ معنى الفقه والتفقّه في شرح السابع من الباب الثاني.

و «الاغترار»: الانخداع، يعني من خلفاء الضلالة ومشائخ الصوفيّة، قال اللَّه تعالى في سورة آل عمران: «لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ» (1).

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إنّ العالم العامل بغيره» أي بغير العلم، والعمل بالشي‏ء إعماله، أو بغير ما علم وجوب العمل به من الأعمال. و «الباء» صلة.

و «الحائر» هو الذي لا يهتدي بجهة أمره.

و «الاستفاقة»: الرجوع إلى ما شغل عنه، وشاع في الرجوع عن السّقم إلى الصحّة. ومنه استفاقة المريض والمجنون والمغمى عليه.

«بل قد رأيت» أي قد علمت علماً قريباً من المعاينة. (2) والظرف متعلّق ب «الحجّة» والمتعلّق ب «أعظم» محذوف؛ اعتماداً على المذكور فيما يتلوا هذه القرينة، أو المذكور (3) متعلّق بكلّ منهما

«المنسلخ من علمه» أي المُشْرِف على الإنسلاخ.

____________

(1). آل عمران (3): 196.

(2). في المصدر:+/ «أنّ الحجّة على هذا العالم أعظم من الحجّة على هذا الجاهل».

(3). في المصدر:+/ «فيما يتلوها».

437

«على هذا العالم» متعلّق بقوله: «أدوم»، والجملة معطوفة على: «قد رأيت» أو على مدخول «أنّ».

«وكلاهما حائر باير» الباير: الهالك.

«لا ترتابوا فتشكّوا» الريب: مصدر رابني الشي‏ء، إذا حصل فيك الريبة. و «الرّيب» في الأصل تحصيل الرّيبة والإيصال إليها والإيقاع فيها. وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها. ومنه حديث الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) قال: «سمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الشكّ ريبة، والصدق طمأنينة». (1)

و «الارتياب»: الوصول إلى الرِيبة والوقوع فيها، أو اتّخاذ الريب بالمعنى المذكور.

وليس الرّيب في هذا الحديث مستعملًا في الشكّ أو التّهمة أو غيرهما من لوازم معناه الأصلي وملزوماته التي شاع استعماله فيها.

والمراد: لا توقعوا أنفسكم في القلق والاضطراب بالتوغّل في الشبهات، أو بمعارضة العلم في مقتضاه من العمل فينتهي أمركم إلى أن تشكّوا في العلوم و المتيقّن لكم.

«ولا تشكّوا» أي لا توقعوا أنفسكم في الشكّ واحذروا من طَرَيانه على العلم.

«فتكفروا» أي يوصلكم إلى الكفر وينتهي إلى الشكّ فيما يكون الشكّ فيه كفراً.

«ولا ترخّصوا لأنفسكم» أي لا تسهّلوا لأنفسكم أمر الطاعة والعصيان، ولا تخفّفوا عليها ما شدّد اللَّه عليها من حقوقه.

«فتدهنوا» أي تظهروا وتقولوا خلاف ما تضمرونه، أو تليّنوا عند إظهار الباطل ولا تنكروه. والإدهان: إظهار خلاف ما يضمر، أو المقاربة في الكلام والتبيين. (2)

«لا تدهنوا في الحقّ فتخسروا» أي لا تدهنوا فيما تعرفونه بالحقّيّة «فتخسروا» (3) أي فيحصل لكم النقص في المعرفة الحاصلة لكم أو في رأس مالكم الذي هو الإيمان.

«وإنّ من الحقّ أن تفقّهوا» أي من حقوق اللَّه وممّا أوجبه عليكم أن تتفقّهوا. والتفقّه: تعلّم الفقه وتحصيل المعرفة بجميع ما هو معدود من العلوم الشرعيّة باصولها وفروعها.

____________

(1). كشف الغمّة، ج 2، ص 158؛ بحارالأنوار، ج 71، ص 214، ذيل الحديث 47، و فيهما: «فإنّ الكذب ريبة».

(2). في المصدر: «والتليين».

(3). في «ب» و «ج»:-/ «فيما تعرفونه بالحقّيّة فتخسروا».

438

«ومن الفقه أن لا تغترّوا» أي لا تنخدعوا بالباطل، ولا تطعموا فيه.

و «النصيحة»: إرادة الخير للمنصوح له، وهي اسم من النَصْح بالفتح، وهو فعل النصيحة.

و «الغشّ»: خلاف النصيحة، وهو إظهار خلاف ما أضمر، والاسم منه «الغشّ» بالكسر.

في بعض النسخ: «ويسترشد» مكان «ويستبشر» استبشرت به- على المعلوم-: صرت مسروراً. (1)

و «الخيبة»: الحرمان والخسران وعدم نيل المطلوب.

«يندم» أي على تفويت الفرصة (2). (3)

الحديث السابع‏

روى في الكافي عَنْ العِدَّةِ، عَنْ البرقي، (4) عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلى‏، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْعِلْمَ فَاسْتَعْمِلُوهُ، وَلْيَتسِعْ قُلُوبُكُمْ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا كَثُرَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ لَايَحْتَمِلُهُ، قَدَرَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ، فَإِذَا خَاصَمَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَأَقْبِلُوا عَلَيْهِ بِمَا تَعْرِفُونَ؛ فَ «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً»».

فَقُلْتُ: وَمَا الَّذِي نَعْرِفُهُ؟ قَالَ: «خَاصِمُوهُ بِمَا ظَهَرَ لَكُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تبارك و تعالى».

هديّة:

(إذا سمعتم العلم) أي المأخوذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللَّه ابتداء أو بالواسطة الثقة على ما صحّ من طريق الأخذ والحفظ

(فاستعملوه) أي فاطلبوا فوائده بالعمل بمقتضاه.

(وليتّسع قلوبكم) إمّا أمر- كنايةً- بترك زيادة الطلب عن قدر الاحتياج للعمل، أو أمر بطلب العلم عن مأخذه الذي يتّسع قلب الطالب بنوره ببركة المأخوذ عنه، ويقوى ويأمن من غلبة الشيطان عند مخاصمته بالشكوك والشبهات.

____________

(1). من قوله: «و في بعض النسخ- إلى- صرت مسروراً» لم يرد في المصدر.

(2). قوله: «يندم، أي على تفويت الفرضة» لم يرد في المصدر.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 147- 149.

(4). في الكافي المطبوع: «أحمد بن محمّد بن خالد».

439

(فإنّ العلم) أي القدر المشترك بين ما هو علم حقيقة وما سمّي بالعلم، وليس علماً (إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله) أي لأنّه أخذ زيادة عن قدر الاحتياج، أو أخذه من غير مأخذه الموصوف.

(بما تعرفون) أي بالعلم الذي تعلمون بمعرفة الإمام؛ ف «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً» (1) لن يقاوم بمكائده ووساوسه وشبهاته مع ما هو الحقّ، والحقّ غالب على الباطل دائماً وإن كان الباطل بالتدليس والتلبيس ملبّساً بلباس الحقّ.

(قال خاصموه بما ظهر من قدرة اللَّه تبارك وتعالى) يعني من علوم حججه المعصومين، العالِمين بخبر السماوات والأرضين، الصادقين بالمعجزات والدلالات، الممتازين عن الجميع حسباً ونَسَباً عند المؤالف والمخالف إلى آدم (عليه السلام). أو المعنى: بما ظهر من حجج اللَّه ومعجزاتهم و ودلالاتهم وعلومهم بحيث ملأت مشارق الأرض ومغاربها.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«إذا سمعتم العلم» أي ما هو سبب العلم، كمحكمات القرآن.

«فاستعملوه» أي في سؤال أهل الذِّكر (عليهم السلام) ولوازمه.

«فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً» ناظر إلى آية سورة النساء «بما ظهر لكم من قدرة اللَّه» أي بالعلوم التي ظهرت بخلقه تعالى محمّداً وأوصيائه الاثني عشر (صلوات اللَّه عليهم).

يعني وازنوا علمكم وفضلكم بعلمهم وفضلهم؛ لئلّا يؤدّي علمكم إلى العُجْب المؤدّي إلى عبادتكم أنفسكم، فتهلكوا بالغرور بالمعارف من عندكم، والحكم بظنونكم وآرائكم.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«إذا سمعتم فاستعملوه» المراد بالعلم المُذْعَنُ به، لا نفس التصديق والإذعان؛ فإنّ التصديق والعلم يُطلق على المعلوم المذعن به. والمقصود أنّه بعد حصول العلم ينبغي‏

____________

(1). النساء (4): 76.

440

الاشتغال بإعماله‏ (1) على وفقه عن طلب علمٍ آخرَ قبل إعماله، فاحفظوه واربطوه بالعمل لتكونوا عالمين، حافظين للعلم من الزوال.

«وليتّسع قلوبكم» أي يجب أن يتّسع قلوبكم لما علمتم. والمراد أنّه يجب أن يكون طلبكم للعلم بقدر يتّسعه قلوبكم، ولا تستكثروا منه؛ «فإنّ العلم إذا كثر في قلب رجلٍ لا يحتمله»، ولا يكون قلبه متّسعاً له قادراً على ضبطه، «قدر الشيطان» بتلبيس الشبهات «عليه» حتّى يتشكّك فيما علمه ويترك العمل به.

«فإذا خاصمكم الشيطان، فأقبلوا عليه بما تعرفون» تنبيه على دفع ما يتوهّم من أنّ القناعة من العلم بما يتّسعه القلب تؤدّي إلى العجز عن مخاصمة الشيطان، والاستكثار منه من أسباب القوّة على معارضته ودفعه.

وجوابه: أنّ الإقبال على الشيطان بما تعرفون من العقائد المعتبرة في أصل الإيمان يكفي في دفعه «فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً».

والمراد بقوله: «خاصموه بما ظهر لكم من قدرة اللَّه تعالى»: خاصموه بآثار قدرته، الدالّة على إلهيّته وتوحيده، الظاهرة في أنفسكم وفي العالَم. وبآثار قدرته، الظاهرة في الرسول وعلى يده، الدالّة على رسالته. وبآثار قدرته الظاهرة في الوصيّ من فطانته وعلمه وصلاحه بعد تنصيص النبيّ (صلى الله عليه و آله) على عينه أو صفاته. (2)

____________

(1). في المصدر:+/ «والعمل».

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 150- 151.

441

الباب الخامس عشر بَابُ الْمُسْتَأْكِلِ بِعِلْمِهِ وَ الْمُبَاهِي بِهِ‏

و أحاديثه كما في الكافي ستّة.

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي عَن مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عِيسى‏؛ وَعَلِيّ، عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً، عَنْ حَمَّادِ، عَنْ ابْنِ أُذَيْنَةَ (1)، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ:

«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ دُنْيَا، وَطَالِبُ عِلْمٍ؛ فَمَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيَا عَلى‏ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، سَلِمَ؛ وَمَنْ تَنَاوَلَهَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا، هَلَكَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يُرَاجِعَ؛ وَمَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ وَعَمِلَ بِعِلْمِهِ، نَجَا؛ وَمَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا، فَهِيَ حَظُّهُ».

هديّة:

(المستأكل بعلمه) أي الذي يطلب أكل أموال الناس من غير حلّها بفقاهته من شغل الفتوى بغير حقّ أو غيره من الوجوه.

(والمباهي به) أي المفتخر به على وجه الاستكبار.

روى الصدوق (رحمه الله) في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن حمزة بن حمران، قال: سمعت أبا عبداللَّه (عليه السلام) يقول: «من استأكل بعلمه افتقر» فقلت: جُعلت فداك، إنّ في شيعتك ومواليك قومٌ يتحمّلون علومكم، ويبثّونها في شيعتكم، ولا يعدمون منهم البرّ

____________

(1). السند في الكافي المطبوع إلى هنا هكذا: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى؛ و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن حمّاد بن عيسى، عن عمربن اذينة».

442

والإحسان والصّلة والإكرام؟ فقال (عليه السلام): «ليس اولئك المستأكلين، إنّما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علمٍ ولا هدىً من اللَّه عزّ وجلّ ليبطل به الحقوق؛ طمعاً في حُطام الدنيا». (1)

وأيضاً بإسناده عن عبدالسّلام بن صالح الهروي، قال: سمعت أبا الحسن الرِّضا (عليه السلام) يقول: «رحم اللَّه عبداً أحيا أمرنا» فقلت له: وكيف يُحيي أمركم؟ قال: «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس؛ فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا» قال: فقلت: ياابن رسول اللَّه، فقد روي لنا عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) أنّه قال: «مَن تعلّم علماً ليماري به السّفهاء، أو يُباهي به العلماء، أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار؟» فقال (عليه السلام): «صدق جدّي، أفَتَدري مَن السّفهاء؟» فقلت: لا يا ابن رسول اللَّه، قال: «هم قصّاص مخالفينا، (2) وَتَدري مَن العلماء؟» فقلت: لا يا ابن رسول اللَّه، قال: «هم علماء آل محمّد (صلى الله عليه و آله)؛ الذين فرض اللَّه طاعتهم وأوجب مودّتهم»، ثمّ قال: «و تدري ما معنى قوله: أو ليقبل بوجوه الناس إليه؟» قلت:

لا، قال: «يعني بذلك- واللَّه- ادّعاء الإمامة بغير حقّها، ومَن فعل ذلك فهو في النار». (3)

قوله (عليه السلام): «ليماري به» على المعلوم، من الممارات بمعنى المجادلة والمخاصمة.

ولعلّ المراد بقصّاص المخالفين: علماؤهم المبالغون في مديح طواغيتهم.

و «المنهوم»: الحريص من النَهَم بالتحريك، وهو إفراط الشهوة في الطعام. نَهِمه- كعلم- نهماً، ونُهِم بكذا، وهو منهوم؛ أي مولع به حريص عليه. والنَّهْمَة بالفتح: بلوغ الهمّة في الشي‏ء. (4)

(لا يشبعان) على المعلوم، من باب عَلِمَ. في بعض النسخ: «طالب الدنيا، وطالب العلم».

____________

(1). معاني الأخبار، ص 181، باب معنى الاستئكال بالعلم»؛ و عنه في بحار الأنوار، ج 2، ص 117- 118، ح 14.

(2). في المصدر: «من مخالفينا».

(3). معاني الأخبار، ص 181، باب معنى قول الصادق (عليه السلام) من تعلم علماً ليماري به السفهاء أو ...، ح 1؛ عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 275، ح 60. و روي عنهما في بحارالأنوار، ج 2، ص 30، ح 13.

(4). راجع: القاموس المحيط، ج 4، ص 184؛ لسان العرب، ج 12، ص 593 (نهم).

443

(فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلَّ اللَّه له سلم) إشارةٌ إلى حديث: «الدنيا دنياآن» (1) ودلالةٌ على أنّ الحريص على الدنيا الحلال ليكفّ به وجهه، ويقضي به دينه، ويصِل به رحِمهُ ممدوحٌ، كالحريص على أخذ العلم عن أهله ليعمل به.

(أو يراجع) الظاهر أنّه ترديد من الراوي. واحتمال: أو يراجع بالمال إلى صاحبه في الآخرة، كما ترى.

(من أهله) أي الذين لا يتطرّق إلى علمهم الغلط؛ للعقل عن اللَّه بالعصمة. وفي حكم أهل العلم في صحّة الأخذ عنهم ثقات علماء شيعتهم الذين رُخّص في الأخذ عنهم عند عدم التمكّن من لقائهم (عليهم السلام).

(ومن أراد به الدنيا فهي حظّه) أي في الدنيا، «وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ». (2)

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

«طالب دُنيا وطالب علم» أي حريص على مالها، وحريص على طلبه.

«أو يراجع» أي بالمال إلى صاحبه في يوم الحساب لو لم يستغرق المال حسنات الغاصب؛ فإنّ الظالم الذي يستوعب المظلمة حسناته لا يُغفر، بخلاف الذي يبقى له من حسناته بعد المراجعة بين الغاصب والمغصوب منه في القيامة، قال اللَّه تعالى في سورة البقرة: «بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (3). ويجي‏ء- في كتاب الإيمان والكفر في الأوّل من الباب الخامس والتسعين والمائة باب في أنّ الذنوب ثلاثة- ما يوافق مضمونه هذا من قوله: «وأمّا الذنب الذي لا يغفر، فمظالم العباد بعضهم لبعض- إلى قوله-: فيقتصّ للعباد بعضهم من بعضٍ حتّى لا تبقى لأحدٍ على أحدٍ مظلمةٌ، ثمّ يبعثهم للحساب».

و «من» في «من أهله» تبعيضيّة أو ابتدائيّة. والضمير على الأوّل راجع إلى مصدر الأخذ أو إلى العلم، وعلى الثاني إلى العلم.

____________

(1). المرويّ في الكافي، ج 2، ص 131، باب ذم الدنيا و الزهد فيها، ح 11، و ص 317، باب حبّ الدنيا و الحرص‏عليها، ح 8؛ و عنه في بحارالأنوار، ج 70، ص 20، ح 9.

(2). الشورى (42): 20.

(3). البقرة (2): 81.

444

والمراد ب «أهله» على الأوّل: من يستحقّ أن يأخذ العلم، فاحترازٌ عن الذي قَصْده من أخذ العلم حُطام الدنيا لا ثواب الآخرة.

وعلى الثاني: من يقوم برهان عقليّ أو نقليّ على أنّه من العلماء الذين افترض اللَّه طاعتهم وأمر بسؤالهم عند المشكلات والمتشابهات.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«النَهَم»: إفراط الشهوة في الطعام وشدّة الحرص عليه. شُبّه إفراط الشهوة في طلب الدنيا وطلب العلم، وشدّة الحرص عليهما بإفراط الشهوة في الطعام و شدّة الحرص عليه، واستعمل الموضوع له فيهما.

«طالب الدنيا» أي من يكون مطلوبه الدنيا لنفسها لا لرفع الحاجة؛ فإنّ طالبها لرفع الحاجة طالب الكفاية. (1)

«وطالب علمٍ» أي من يكون شهوته في طلب العلم لحصول العلم له، فهذان لا يشبعان، ولا يصلان إلى حدّ يزول شهوتهما في الزيادة؛ حيث لا نهاية لهما، ولا انزجار للقوى الإنسانيّة عنهما. ولمّا حكم بأنّهما لا يشبعان ولم يكن فيه تفصيل حالهما، فصّله بقوله:

«فمن اقتصر من الدنيا المطلوبة له على ما أحلَّ اللَّه له» وكفّ عمّا حرّمه عليه «سلم» عن الهلاك بارتكاب ما حرّمه اللَّه عليه منها، واستحقاق العقاب وإن كان فيه شهوة الطلب «ومَنْ تناولها من غير حلّها» يهلك بارتكاب المحرّم واستحقاقه العقاب.

ولم يتعرّض في التفصيل لذمّ الرغبة في الدنيا، بل اقتصر على ما هو مناط الهلاك والنجاة عنه صريحاً، ويعلم منه كون الموصل إلى الهلاك غالباً مذموماً.

ولمّا حكم بهلاكه مطلقاً استثنى منه مَن حصل له النجاة بالتوبة، أو بأن يراجع‏ (2) اللَّه عليه بفضله وقبوله وهو توّاب على عباده، والتوبة بشروطها يحصل بها النجاة لكلّ من يتوب.

وأمّا النجاة بمراجعة اللَّه بفضله على العبد فلمن يستحقّ فضل اللَّه وقبوله، ويتوب اللَّه عليه؛ فإنّ من تناولها من غير حلّها في الجملة وفي بعض الأحوال دون بعض، ربّما يكون بكثرة الطاعة والاجتناب عن أكثر الكبائر مستحقّاً لأن يتوب اللَّه عليه ويراجعه‏

____________

(1). في «ب» و «ج»: «للكفاية».

(2). في المصدر: «يرجع».

445

بفضله وقبوله، فيُنجيه من الهلاك وتشديد الأمر عليه بالعقاب وقال: «إلّا أن يتوب، أو يراجع» على البناء للمجهول، أي يراجعه اللَّه بفضله. أو على البناء للفاعل، أي يراجع اللَّه ذلك المتناول من غير الحلّ في الجملة، ويكون كثيرَ المراجعة إلى اللَّه بالطاعات وترك أكثر الكبائر من المعاصي، فيراجع اللَّه عليه بفضله؛ لاستحقاقه له بمراجعته إلى اللَّه.

«ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا» تفصيل لحال طالب العلم بأنّ النّجاة لمن أخذ العلم من أهل العلم، وهو العالم المأخوذ علمه من المأخذ الذي يجب الأخذ عنه، العامل بعلمه، المطابق قوله لفعله.

والمراد ب «العلم المأخوذ»: ما يشمل المسائل والأدلّة الشرعيّة والبراهين العقليّة.

وب «أهله»: من يكون عالماً بها بالأخذ عمّا يجب الأخذ عنه من النظر العقلي، والرجوع إلى الحجّة ولو بوسائط وعمل به. (1) فحصول النجاة بالعلم المقرون بالعمل به.

وما ذكر إنّما يكون لمن يريد العلم لحقّيّته وللعمل على وفقه ومقتضاه ويترتّب عليه. ومن لم يعتقد (2) بالأخذ من أهل العلم ولم يعمل بعلمه، فلا يكون همّه بالعلم لتحقيق الحقّ والعمل به، إنّما همّه بطلب العلم ليقال: إنّه عالم، ويتبعه الجهّال، ويراجعه السلاطين، أو الأكابر من أهل الدنيا ليرخّص لهم فيما يريدونه من المحظور، فيأكل من عطاياهم وجوائزهم، ويترأّس بقربهم على من لا رئاسة له عليه، وهو الذي عبّر عنه بقوله (عليه السلام):

«ومن أراد به الدنيا فهي حظّه» أي نصيبه وما يصل إليه من طلبه العلم. وليس له من العلم والعمل المترتّب عليه، والنجاة المترتّب عليهما حظّ، إنّما حظّه دنياه التي نالها بطلبه. (3)

وقال الفاضل الاسترآبادي (رحمه الله):

«ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا» هذا من جملة تصريحاتهم (عليهم السلام) بأنّه يجب أخذ العلم عنهم (عليهم السلام) ولا يجوز الاستقلال بالأفكار في العقائد (4)؛ لأنّ المستقلّ بفكره، أي الذي لم يأخذ المقدّمتين عنهم (عليهم السلام) كثيراً مّا يُخطئ في مادّة أفكاره. (5)

____________

(1). من قوله: «و بأهله- إلى- و عمل به» لم يرد في المصدر.

(2). في المصدر: «لم يتقيّد».

(3). الحاشية على اصول الكافي، 151- 153.

(4). في المصدر:+/ «والأعمال».

(5). الحاشية على اصول الكافي، ص 94.

446

الحديث الثاني‏

روى في الكافي عَن الاثنين، عَنْ الْوَشَّاءِ (1)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ لِمَنْفَعَةِ الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ؛ وَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرَ الْآخِرَةِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».

هديّة:

يعني من طلب العلم من مأخذه الذي مأخذه الحجج‏ (2) المعصومين العاقلين عن اللَّه سبحانه لخصوص منفعة الدنيا، أو لحرام منفعتها لم يكن له في الآخرة نصيب من الثواب. ومن أراد به خير الآخرة بالتعلّم والعمل به، والتعليم للَّه‏تبارك وتعالى أعطاه خير الدنيا والآخرة.

وفي الحديث دلالة بيّنة على أنّ العلم الحقيقي لا يحصل للرعيّة في امور الدِّين إلّا بالأخذ عن مأخذه الحقيقي الذي مأخذه خزائن علم اللَّه تبارك وتعالى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

يعني من طلب علم الحديث لمنفعة الدنيا، كمنصب الفتوى والقضاء لم يكن له في الآخرة نصيب من الجنّة. ومن أراد به خير الدنيا والآخرة أعطاه خير الدنيا من العزّة وسعة الرزق ونحوهما، وخير الآخرة من النجاة ودخول الجنّة ورفعة الدرجة.

الحديث الثالث‏

روى في الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْاصْبَهَانِيِّ، عَنِ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ لِمَنْفَعَةِ الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ».

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «الحسين بن محمّد بن عامر، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء».

(2). في «الف»: «علم الحجج».

447

هديّة:

بيانه كسابقه.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي بهذا الإسناد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِدُنْيَاهُ، فَاتَّهِمُوهُ عَلى‏ دِينِكُمْ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لِشَيْ‏ءٍ يَحُوطُ مَا أَحَبَّ».

وَقَالَ (عليه السلام): «أَوْحَى اللَّهُ تعالى إِلى‏ دَاوُدَ (عليه السلام): لَاتَجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا؛ فَيَصُدَّكَ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي؛ فَإِنَّ أُولئِكَ قُطَّاعُ طَرِيقِ عِبَادِيَ الْمُرِيدِينَ، إِنَّ أَدْنى‏ مَا أَنَا صَانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِ عَ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِي مِنْ قُلُوبِهِمْ».

هديّة:

(محبّاً لدنياه) أي لحرامها. وفي الحديث كما رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «ليس منّا من لم يحبّ جمع المال من الحلال ليكفّ به وجهه، ويقضي به دَينه ويصِل به رحمه». (1)

(فاتّهموه على دينكم) أي فاقطعوا بأنّه ضرر دينكم بعدم موافقة قوله لفعله، أو ظنّوه كذا. يُقال: اتَّهَمه بمعنى ظنّه كتَوَهَّمه، وظَنَّه بمعنى علمه كثير. وقيل: يعني فاعتقدوه متّهماً في قوله وفعله صوناً على دينكم. (2)

و «الحوط» و «الحياطة»: الحفظ والصيانة. يعني فإنّ كلّ محبّ مع محبوبه ويراعي جانبه.

وحبّ الدِّين وحبّ الدنيا الحرام كحبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وحبّ الثاني- مثلًا- لا يجتمعان في قلبٍ قطّ. لمّا كان البغض الكامن من المهلكات كالسمّيّات فلذا تمحّل المخالفون برضاه (عليه السلام) على قتل الثالث باستحباب بغضه على قدر شعيرة. فأظهروا على المنابر ورؤوس الخلائق؛ فراراً عن بلائه المبرم، وقصداً إلى الخلاص من المرض الباطني المهلك اظهر أو لم يُظهر.

____________

(1). الفقيه، ج 3، ص 167، ح 3615؛ الكافي، ج 5، ص 72، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة، ح 5؛ تهذيب الأحكام، ج 7، ص 4، ح 10. و في المصادر: «لاخير فيمن لا يحب» بدل «ليس منا من لم يحب».

(2). قاله في الوافي، ح 1، ص 213.

448

(لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدُّنيا) كالمدّعي لعلم الدِّين بالكشف من دون استناد في علمه إلى الحجّة المعصوم المنحصر عدده في حكمة اللَّه سبحانه. أي لا تجعله وسيلة التقرّب إليّ ظنّاً منك بادّعائه وادّعاء رهطه المريدين أنّه صاحب الكشف والكرامات، وعالِم بالأسرار والخفيّات، وهو بتركه للدُّنيا مفتون بها كمن ترك الدنيا للدُّنيا، والدليل على ذلك أنّه يحبّ كثرة المريدين من الحمقاء، ويدّعي المكاشفة بالرياضة الممنوعة شرعاً، ويُظْهِر العلم بالأسرار وحقائق الأشياء من دون أن يكون حجّة معصوماً منصوصاً، أو تابعاً له فيما أمر به ونهى عنه.

قال برهان الفضلاء: «يحوط» على المضارع المعلوم من باب نصر، أو التفعيل.

و «الحوط» و «التحويط»: المحافظة والرعاية.

و «ما» مصدريّة، أو موصولة. فعلى الأوّل: المصدر نائب عن ظرف الزمان والعائد مقدّر، فبمعنى: يحوطه مدّة حبّه إيّاه، فلو زال الحبّ لزال الحوط.

وعلى الثاني: من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير لإفادة التعليل، فبمعنى: يحوطه لحبّه إيّاه.

والمراد بنزع حلاوة المناجاة من قلوبهم: عدم توفيقهم للرجوع إلى محكمات الكتاب والسنّة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«يحوط ما أحبّ» أي كلّ محبّ لشي‏ء يحفظه ويتعهّد من هذا الشي‏ء ومن مقابله ما أحبّ، وحبّه‏ (1) المقابل للشي‏ء المنافي له لا يجامع حبّ ذلك الشي‏ء؛ فمن أحبَّ الدنيا لم يحبّ الآخرة كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فمَن أحبّ الدنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها». (2) وللإشعار إلى ما ذكر قال: «يحوط ما أحبّ» ولم يقل: «يحوطه».

ومن المعلوم أنّ حفظ الدنيا وتعهّدها لا يجامع إظهار الحقّ والعمل به غالباً، فمن يحوطها يميل إلى الباطل كثيراً، فكلّ قول وفعل منه مظنّة كونه من الكثير الغالب،

____________

(1). في المصدر: «محبّة».

(2). نهج البلاغة، ص 486، الحكمة 103؛ و عنه في بحار الأنوار، ج 70، ص 129، ح 134.

449

فينبغي أن يتّهمه العاقل ويسي‏ء الظنّ به، ولا يأتمنه على دينه، ولا يعتمد عليه في أخذ العلوم الدينيّة.

«لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدُّنيا» أي لا تجعل المفتون بالدُّنيا أي المُعجَب بها بين اللَّه وبينك وسيلةً إلى حصول معرفة اللَّه ومعرفة دينه وشريعته التي شرّعها لعباده، «فيصدّك» ويمنعك «عن طريق محبّتي» بالترغيب إلى الدنيا، وتهييج الشهوة إلى طلبها، وتشييد محبّتها في القلب.

«فإنّ اولئك قطّاع طريق عبادي المريدين»؛ لأنّهم يُميلون الناس من الرغبة إلى اللَّه وإلى الآخرة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها، أو لأنّهم بإراءتهم للناس أنّهم علماء أمالوا الناس من طلب العالم الربّاني إلى الرجوع إليهم والأخذ عنهم، فأضلّوهم عن السبيل إليه.

«أدنى ما أنا صانع بهم» أي أقلّ ما أجزيهم بكونهم مفتونين بالدُّنيا، وذلك لمن فيه أقلّ مراتب الافتتان، وهو المتحرّز عن تناولها لا من حلّها مع حبّه لها «أن أنزع حلاوة مناجاتي» أي الحكاية معي والدّعاء وعَرْض الحاجة عليَّ من قلبه، وذلك لشغل قلبه بالدُّنيا عن اللَّه سبحانه وعن حقوقه، فلا يدرك حلاوة المناجاة؛ لشغل قلبه بغير من يناجيه، أو لأنّ إدراكه لكيفيّة المناجاة وطعمها مشوب بإدراك كيفيّة نيل الدنيا وطعمها، وهي مرّة في ذاتها وإن وافقت ذائقته، فلا يخلص له حلاوة المناجاة مع ربّه، فهو سبحانه بتركه على افتتانه نَزَع حلاوة المناجاة عن قلبه.

ولا يبعد أن يقال: المراد بالمناجاة هنا معناه الأصلي من المسارّة، و الحكاية بالسرّ؛ فإنّ في الإسرار مع الحبيب حلاوةً ليس في الإظهار، وهو لحبّه للدُّنيا وافتتانه بها يحلو (1) عنده وفي ذوقه الإظهار دون الإسرار. (2)

الحديث الخامس‏

روى في الكافي عَن الأربعة، (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: اتِّبَاعُ‏

____________

(1). في جميع النسخ: «يخلو» بالمعجمة، و ما أثبتناه من المصدر، و هو الصحيح.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 153- 155.

(3). يعني «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوقلي، عن السكوني».

450

السُّلْطَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ، فَاحْذَرُوهُمْ عَلى‏ دِينِكُمْ».

هديّة:

يعني العلماء من الرعيّة امناء الرُّسل وأوصياؤهم بدليل: (ما لم يدخلوا في الدنيا) أي حرامها تبعاً للسلطان الجائر طمعاً فيها من غير تقيّة أو ضرورة اخرى.

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه:

يعني علماء الأحاديث امناء حجج اللَّه في الامم في الدنيا، أي في محبّتها.

«وما دخولهم في الدنيا؟» أي وما علامة دخولهم فيها.

والمراد ب «السلطان»: الجائر من الملوك.

«فاحذروهم على دينكم» أي فاحترزوا عن ضرر فتاويهم ظنّاً على دينكم.

وقال السيّد الأجلّ النائيني (رحمه الله):

«اتّباع السلطان»: اتّخاذ طريقته قدوةً واستحسان ما حسّنه، واستقباح ما قبّحه، والاهتمام بفعل ما يرتضيه وترك ما ينكره.

«فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم» أي فاحذروهم محافظةً على دينكم، أو خوفاً منهم على دينكم، ولا تراجعوهم للسؤال عن المعارف الإلهيّة والمسائل الدينيّة. (1)

الحديث السادس‏

روى في الكافي عَنْ النيسابوريّين، (2) عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ رِبْعِيِ‏ (3)، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ؛ إِنَّ الرِّئَاسَةَ لَاتَصْلُحُ إِلَّا لِأَهْلِهَا».

هديّة:

قد علم بيانه بذكر الحديث عن أبي الحسن الرِّضا (عليه السلام) في هديّة الأوّل.

في بعض النسخ: «عن حريز» مكان «عن ربعي» وكلاهما من الثقات.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 155.

(2). يعني: «محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان».

(3). في الكافي المطبوع: «ربعي بن عبداللَّه».