الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
253

بل الأحوط عدم حصول الطهارة بهما (1). و كذا لا يجوز استعمال الأجسام المحترمة كتربة المشاهد المشرّفة و أوراق الكتب الشرعية و القطعة من ثوب الكعبة المعظّمة و أمثال ذلك (2) بل قد يوجب في بعض صوره الكفر (3).

____________

(1) فإنّ المستفاد من أخبار الباب ذلك على ما تقدّم، و تقدّم النقاش فراجع.

(2) لمنافاته مع احترامها و يوجب هتكها فلا يجوز.

(3) كما لو يستنجي بالتربة نعوذ باللّه معاندا لمشرّفها فإنّا ذكرنا في بحث نجاسة الكافر أن المستفاد من الأدلّة أنّ المعاند لهم (عليهم السلام) كافر، فراجع.

254

[آداب التخلّي]

(آداب التخلّي) فصل: فيما يؤتى به من آداب التخلّي و لو رجاء و هي تقديم الرجل اليسرى عند الدخول و اليمنى عند الخروج (1) و التسمية (2).

و الأولى ما ورد منها في الأخبار (3) و تغطية الرأس (4).

____________

(1) الظاهر أنّه لا دليل عليه، لكن نقل عن الصدوق في الفقيه أنّه ذكره في جملة الآداب و باب الرجاء واسعة.

(2) لما رواه معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم فإذا خرجت فقل: بسم اللّه الحمد للّه الذي عافاني من الخبيث المخبث، و أماط عنّي الأذى، و إذا توضّأت فقل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين و الحمد للّه ربّ العالمين (1) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المقام (2). فيمكن أن يستفاد من مجموعها استحباب التسمية عند الدخول.

(3) لإحراز ما هو مطلوب قطعا.

(4) الموجود في جملة من الأخبار عنوان التقنّع، فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كان يعمله إذا دخل الكنيف يقنّع رأسه و يقول سرّا في نفسه بسم اللّه و باللّه (3).

نعم، عن المفيد في المقنعة قال: إنّ تغطية الرأس إن كان مكشوفا عند‌

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

(2) لاحظ نفس الباب من الوسائل.

(3) الوسائل، الباب 3 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

255

و الاستبراء (1).

و الأدعية المأثورة في مواقعها (2).

و يكره التخلّي في الشوارع و المشارع و مساقط الثمار (3) و محالّ

____________

التخلّي سنّة من سنن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (1).

(1) على ما هو المشهور كما في بعض الكلمات، و نقل عن الاستبصار الوجوب و الظاهر أنّ المدرك لهذا الحكم ما ورد في كيفيّة الاستبراء من ظهوره في الوجوب، ففي رواية محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

رجل بال و لم يكن معه ماء، قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات و ينتر طرفه فإن خرج بعد ذلك شي‌ء فليس من البول و لكنّه من الحبائل (2).

و قريب منها غيرها، و لا يخفى أنّه لا يستفاد من هذه الرواية و شبهها الوجوب النفسي بل يستفاد منها الإرشاد إلى أنّ هذا العمل يوجب الحكم بعدم بولية ما يخرج بعده، و لكن فتوى جماعة بالاستحباب يكفي في إتيانه رجاء.

(2) و هي المذكورة في كتاب الوسائل و غيره.

(3) لما رواه عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رجل لعليّ بن الحسين (عليه السلام): أين يتوضّأ الغرباء؟ قال: يتّقي شطوط الأنهار و الطرق النافذة و تحت الأشجار المثمرة و مواضع اللعن، فقيل له: و أين مواضع اللعن؟ قال:

أبواب الدور (3).

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

256

نزول القوافل (1) و أبواب الدور و المواضع التي يلعن المحدث (2) و استقبال الشمس و القمر بالفرج بأن يكون بادئا لهما (3). و استقبال الريح بالبول (4) و البول في الأرض الصلبة (5) و ثقوب الحيوانات (6)

____________

(1) لما في مرفوعة القمّي من قوله (عليه السلام): و منازل النزّال (1).

(2) لما في رواية عاصم بن حميد من ذكرهما فإنّ ذكر الدور من باب المثال فتأمّل.

(3) لما في حديث المناهي قال: و نهى أن يبول الرجل و فرجه باد للشمس أو القمر (2). لكن لا يخفى أنّه مخصوص بالبول إلّا أن يفهم منه عدم الخصوصية.

(4) لما في مرفوعة محمّد بن يحيى قال: سئل أبو الحسن (عليه السلام): ما حدّ الغائط؟

قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها (3).

(5) لما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أشدّ الناس توقّيا عن البول، كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول (4).

و لا يخفى أنّ المستفاد من الرواية مطلوبية التوقّي من البول و كراهة الترشّح و لا يستفاد منها كراهة البول في الأرض الصلبة مع الأمن عن الترشّح فلاحظ.

(6) لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه نهى أن يبال في الجحر (5).

____________

(1) تقدّم في ص 237.

(2) الوسائل، الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 4.

(3) الوسائل، الباب 2، من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(4) الوسائل، الباب 22 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(5) مصباح الفقيه، ص 112 طبعة المؤسسة الجعفرية لإحياء التراث.

257

و في الماء جاريا كان أو راكدا (1).

و يكره الأكل و الشرب ما دام جالسا للتخلّي (2). و السواك في حاله (3) و الاستنجاء باليمين (4) و باليسار إذا كان فيها خاتم عليه اسم

____________

(1) لما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلّا من ضرورة و قال: إنّ للماء أهلا (1)، و لما أرسله الصدوق و قد روى أنّ البول في الماء الراكد يورث النسيان (2) إلى غيرهما من الروايات.

(2) لما أرسله الصدوق قال: دخل أبو جعفر الباقر (عليه السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلمّا خرج (عليه السلام) قال للملوك أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يا بن رسول اللّه، فقال (عليه السلام): إنّها ما استقرّت في جوف أحد إلّا وجبت له الجنّة فاذهب فأنت حرّ فإنّي أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنّة (3). بتقريب أنّه لو لم يكن الأكل حين التخلّي مكروها لكان المناسب أن لا يؤخّر (عليه السلام) أكلها مع شدّة اهتمامه به.

(3) لما في مرسلة الصدوق عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال (عليه السلام): السواك في الخلاء يورث البخر (4).

(4) لما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يستنجي الرجل بيمينه (5).

____________

(1) الوسائل، الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 3.

(2) نفس المصدر، الحديث 4.

(3) الوسائل، الباب 39 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

(4) الوسائل، الباب 21 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

(5) الوسائل، الباب 12 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

258

اللّه (1).

و الكلام (2) إلّا بذكر اللّه تعالى أو آية الكرسي (3) و التطميح بالبول، و البول من موضع عال (4) و التخلّي على القبر و بين القبور (5).

____________

(1) لما عن أبي أيّوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أدخل الخلاء و في يدي خاتم فيه اسم من أسماء اللّه تعالى، قال: لا، و لا تجامع فيه (1).

(2) لما عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يجيب الرجل، آخر و هو على الغائط أو يكلّمه حتّى يفرغ (2).

(3) لما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بذكر اللّه و أنت تبول فإنّ ذكر اللّه حسن على كلّ حال فلا تسأم من ذكر اللّه (3). و لما عن عمر بن يزيد قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسبيح في المخرج و قراءة القرآن، قال: لم يرخّص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي و يحمد اللّه و آية (4).

(4) لما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يطمح ببوله من السطح و من الشي‌ء المرتفع في الهواء (5).

(5) لما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من تخلّى على قبر أو بال قائما أو بال‌

____________

(1) الوسائل، الباب 17 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 6 من أبواب الخلوة، الحديث 1.

(3) الوسائل، الباب 7 من أبواب الخلوة الحديث 2.

(4) نفس المصدر، الحديث 7.

(5) الوسائل، الباب 33 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

259

و طول الجلوس على الخلاء (1) و استصحاب الدرهم الأبيض إلّا أن يكون مصرورا (2).

[في ماء الاستنجاء]

مسألة 82: ماء الاستنجاء طاهر (3).

____________

في ماء قائم أو مشى في حذاء واحد أو شرب قائما أو خلا في بيت وحده و بات على غمر فأصابه شي‌ء من الشيطان لم يدعه إلّا أن يشاء اللّه و أسرع ما يكون الشيطان إلى الإنسان و هو على بعض هذه الحالات (1). و لما عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: ثلاثة يتخوّف منها الجنون: التغوّط بين القبور و المشي في خفّ واحد و الرجل ينام وحده (2).

(1) لما رواه محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: طول الجلوس على الخلاء يورث البواسير (3).

(2) لما رواه غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنّه كره أن يدخل الخلاء و معه درهم أبيض إلّا أن يكون مصرورا (4).

(3) اختلفوا (رضوان اللّه عليهم) في المقام، فذهب بعضهم إلى كونه نجسا كما هو مقتضى القاعدة الأوّلية بناء على انفعال الماء القليل و يترتّب عليه عدم جواز تناوله و استعماله فيما يشترط بالطهارة من إزالة الخبث و الحدث به، و ممّن ذهب إلى هذا القول الشهيد الأوّل على ما نسب إليه، و ذهب بعض‌

____________

(1) الوسائل، الباب 16 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 16 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(3) الوسائل، الباب 20 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(4) الوسائل، الباب 17 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 7.

260

..........

____________

آخر إلى كونه طاهرا و يجوز تناوله و استعماله في إزالة الخبث و الحدث، و صاحب الحدائق اختار هذا القول و قوّاه، و هنا قول ثالث و هو أنّ ماء الاستنجاء طاهر و يزيل الخبث و لا يرفع الحدث، و المستفاد من المتن هذا القول، فيقع الكلام في مقامين؛ أحدهما: في أنّ المستفاد من الأدلّة طهارته أو لا يستفاد، و ثانيهما: أنّه على تقدير كون المستفاد هي الطهارة هل يكون مانع من ترتيب آثار الطهارة عليه مطلقا أو في الجملة. و من الظاهر أنّه لو لم يدلّ دليل على الطهارة و حكمنا بنجاسته بمقتضى انفعال القليل فلا تصل النوبة إلى البحث في المقام الثاني، و حيث إنّ منشأ الاختلاف في هذا المجال اختلاف الأخبار الواردة في الباب لا بدّ من النظر فيها و استفادة ما يظهر منها، و من الأخبار الواردة في هذا المقام ما رواه يونس بن عبد الرحمن عن رجل عن العيزار عن الأحول أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به، فقال: لا بأس، فسكت فقال: أو تدري لم صار لا بأس به؟ قال: قلت: لا و اللّه، فقال:

إنّ الماء أكثر من القذر (1). و هذه الرواية تدلّ على طهارة ماء الاستنجاء و عدم انفعاله من النجاسة لو كان أكثر من القذر و غالبا عليه، و الإشكال بأنّ الرواية مجملة من حيث الدلالة لأنّه لا مصداق لها إلّا موردها إذ المستفاد من مفاهيم أدلّة الكرّ انفعال القليل مطلقا و كون الانفعال دائرا مدار التغيير، مخصوص بالماء العاصم من الكرّ و الجاري غيرهما فلا مجال للعمل بظاهر‌

____________

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

261

..........

____________

الرواية فيكون مجملا، يمكن دفعه بأنّ هذا الذي ذكر في وجه الإشكال أوّل الكلام و أنّا لا نسلّم ذلك بل ربّما يقال: إنّ مقتضى القاعدة أنّ القليل لا ينفعل بملاقاة النجاسة فانتظر، مضافا إلى أنّه لو سلّم أنّ القاعدة تقتضي انفعال القليل و عدم إمكان العمل بظاهر الرواية فلا إشكال في استفادة طهارة الماء و عدم البأس به، و هذا المقدار ممّا لا شبهة فيه و المطلوب في المقام ليس إلّا ذلك فمن حيث الدلالة لا إشكال فيها.

و أمّا من حيث السند فيشكل الاعتماد عليها لإرسالها، إن قلت: المرسل فيها يونس بن عبد الرحمن و هو من أصحاب الإجماع. قلت: لا يمكن الاعتماد على هذا الإجماع فإنّه اختلف في المراد من هذا الإجماع، فراجع هذا البحث في تنقيح المقال و غيره يتّضح لك الأمر.

و منها: ما رواه عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أ ينجس ذلك ثوبه؟ قال:

لا (1).

و منها: ما رواه محمّد بن النعمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له:

أستنجي ثمّ يقع ثوبي فيه و أنا جنب، فقال: لا بأس به (2).

و منها: ما رواه الأحول قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به، فقال: لا بأس‌

____________

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.

(2) نفس المصدر، الحديث 4.

262

..........

____________

به (1).

و هذه الروايات بأجمعها لا دلالة فيها إلّا على عدم انفعال ما يلاقى الماء المستنجى به. و أمّا طهارة نفس الماء فليس فيها تعرّض لها و لا تنافي بين كون الماء نجسا و بين كونه غير مؤثّر في التنجيس فإنّ تنجيس النجاسات أو المتنجّسات لما يلاقيها ليس من الأحكام العقلية غير القابلة للتخصيص، فبمقتضى هذه الروايات يلتزم بطهارة الملاقى للماء و بمقتضى عموم دليل انفعال الماء القليل يلتزم بنجاسة الماء.

لا يقال كما أنّ مقتضى عموم انفعال القليل نجاسة الماء كذلك عموم تنجيس المتنجّس يقتضي الحكم بطهارة الماء إذ مقتضى عمومه و عدم تخصيصه أنّ طهارة الملاقى من جهة عدم المقتضى للتنجيس و بعد تعارض هذين الدليلين يرجع إلى أصالة الطهارة و يحكم بطهارة الماء.

فإنّه يقال: الميزان في الأخذ بالعموم أو الإطلاق هو أن يشكّ في شمول الحكم لفرد بعد إحراز فرديته كما لو أحرز أنّ زيدا عالم و يشكّ في شمول وجوب إكرام العلماء له فيؤخذ بالعموم و يحكم بوجوب إكرامه. و أمّا لو علم عدم شمول الحكم لفرد و لكن شكّ في أنّ الوجه في خروجه التخصيص في العموم أو خروجه الموضوعي كما لو علم بعدم وجوب إكرام زيد لكن يشكّ في كونه جاهلا أو كونه خارجا بالتخصيص لا مجال للأخذ بالعموم لإثبات أنّ خروج الفرد المعلوم خروجه، موضوعي و يترتّب عليه آثاره فإنّه لم يثبت‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 1.

263

..........

____________

من العقلاء ذلك و المقام من القسم الثاني فإنّ عدم انفعال الملاقى معلوم و الشكّ في أنّ المنشأ في طهارته عدم المقتضي للتأثير أو من جهة التخصيص. و بعبارة أخرى عدم تأثير ماء الاستنجاء في التنجيس معلوم و وجهه غير معلوم فلا مجال لإجراء أصالة العموم و عدم التخصيص لإثبات طهارة الماء فالمتعيّن الأخذ بدليل انفعال القليل و الحكم بنجاسته.

و ربما يقرب لطهارة الماء تقريب آخر و هو أنّه يستفاد من دليل طهارة الملاقى بالفهم العرفي و الملازمة العرفية أنّ نفس الماء أيضا طاهر فإنّ العرف كما يفهم من دليل نجاسة الملاقي بالكسر نجاسة الملاقى بالفتح كذلك يفهم من طهارة الملاقي بالكسر طهارة الملاقى بالفتح.

و هذا التقريب لا يمكننا مساعدته فإنّه لا ملازمة بين الأمرين و القياس بباب النجاسة مع الفارق إذ المرتكز في النظر أنّ النجاسة لا تحصل إلّا من ناحية الملاقاة و تأثير الملاقي. و أمّا الطهارة فيمكن أن يكون الوجه فيه عدم تأثير الملاقاة لقصور في النجس أو لمانع في الملاقي أو وجه آخر مجهول لدينا.

و الحاصل: أنّه لا يمكن رفع اليد عن الأدلّة بهذه التقريبات كما هو ظاهر بعد التأمّل.

فالمتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه بناء على انفعال القليل، نجاسة ماء الاستنجاء و طهارة ملاقيه و لو أغمض عمّا ذكر و بنينا على طهارته فلا شبهة في أنّ القاعدة الأوّلية تقتضي جواز ترتيب جميع الآثار عليه من التناول و رفع الخبث و الحدث به.

264

..........

____________

و ما يمكن أن يكون وجها لما أفاده في المتن تبعا لجماعة من عدم جواز رفع الحدث به أمران:

أحدهما: الإجماع، فإنّه نقل عن المعتبر و المنتهى و غيرهما دعوى الإجماع على عدم جواز رفع الحدث به. و لا يخفى أنّه لا مجال للاعتماد على هذه الإجماعات المنقولة فإنّ مدركها محتمل أو مقطوع فإنّه يحتمل أن يكون مدرك الإجماعات أو بعضها ما نذكره من الوجه الثاني لهذا الحكم و مدرك بعضها على ما قيل تطبيق الكبرى الكلّية على المقام و هي الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بما يزيل الخبث و بما أنّ ماء الاستنجاء ما يزال به الخبث فلا يجوز رفع الحدث به إجماعا. و من الظاهر أنّه على القول بطهارته لا تنطبق تلك الكبرى عليه.

فانقدح بما ذكرنا أنّ هذه الإجماعات لا أثر لها في مقام الاستناد عليها في هذا الحكم.

ثانيها: ما رواه عبد اللّه بن سنان (1).

بتقريب أنّ المستفاد منه أنّ المانع إزالة الخبث و ذكر الثوب من باب المثال و يشهد له ذيله فإنّه يستفاد من ذيله أنّ الماء الذي يغسل به الشي‌ء النظيف لا مانع من الوضوء به، و أيضا يستفاد من عطف أشباهه أنّ الوضوء و ما يشبهه من الغسل و التيمّم لا يجوز بالماء المستعمل في رفع الخبث، فالرواية من حيث الدلالة لا قصور فيها، و أمّا من حيث السند فلا يعتمد‌

____________

(1) تقدّم في ص 38.

265

سواء كان من البول أو الغائط (1) و يجوز إزالة النجاسة به إلّا أنّه لا يصحّ استعماله في الوضوء و الغسل (2).

____________

عليها لأنّ في طريقها أحمد بن هلال و هو ضعيف بل على ما قيل لا دين له.

فانقدح أنّه على القول بطهارة ماء الاستنجاء يجوز رفع الخبث بل و الحدث به كما أفاده صاحب الحدائق (قدّس سرّه).

(1) ما يمكن أن يقال في وجه الإلحاق امور:

أحدها: الإجماع، ففي بعض الكلمات لا يعرف فيه خلاف، و عن جامع المقاصد نسبته إلى الأصحاب، و عن الذخيرة و المدارك أنّه مقتضى كلام الأصحاب، و حيث إنّه يحتمل أو يقطع بكون المدرك ما نذكره لا يعتمد على هذا الإجماع.

ثانيها: شمول لفظ الاستنجاء لكلا المخرجين، و قد نقل عن جماعة التصريح بشمول اللفظ لكليهما و هذا الوجه لا يمكن الاعتماد عليه؛ لعدم حصول الاطمئنان بعموم المعنى مع تصريح آخرين بالاختصاص.

ثالثها: أنّ استنجاء الغائط حيث إنّه لا ينفك عن استنجاء البول غالبا فعدم التفصيل في الجواب يدلّ على عموم الحكم و هذا الوجه أيضا ساقط فإنّه لو لم يكن اللفظ شاملا للاستنجاء عن البول لا وجه للتعميم، و الغلبة الخارجية لا توجب إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر.

(2) تقدم الكلام حوله فراجع.

266

و يعتبر في الحكم بطهارته أمران: الأوّل: أن لا يكون متغيّرا بالنجاسة في أحد أوصافها الثلاثة و إن كان فيه أجزاء غير متميّزة من النجاسة (1).

____________

(1) لو قلنا: بأنّ المستفاد من الأدلّة طهارة ماء الاستنجاء يكون مقتضى القاعدة الحكم بالنجاسة في صورة التغيّر و ذلك لما دلّ على نجاسة الماء بالتغيّر مثل ما رواه حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضّأ منه و لا تشرب (1).

فإنّا لو بنينا على نجاسة الماء بالتغير بمطلق النجاسة يلزم الحكم بالانفعال في الفرض و ذلك لعموم هذه الرواية و شبهها فإنّ النسبة بين الدليلين و إن كانت عموما من وجه لكن بما أنّ في أدلّة الانفعال بالتغيّر ما يكون عمومه بالوضع مثل رواية حريز يقدّم على دليل ماء الاستنجاء لأنّ شموله لمورد التغيّر بالإطلاق و مقدّمات الحكمة.

و ذكرنا في محلّه أنّ العموم الوضعي مقدّم على العموم الإطلاقي لكن رجعنا عن المسلك المذكور و قلنا: لا فرق بينهما، و أمّا لو قلنا بأنّ المستفاد من الأدلّة ليس إلّا عدم انفعال ما يلاقي ماء الاستنجاء بلا تعرّض لطهارته فالقاعدة تقتضي عدم الفرق بين صورتي التغيّر و عدمه لإطلاق الدليل، إلّا أن يقوم إجماع تعبّدي كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) و أنّى لنا بذلك و دون إثباته خرط القتاد.

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

267

الثاني: أن لا يصبها (يصيبه) نجاسة من خارج و منه التعدّى عن المحل المتعارف (1) و خروج ما لا يكون من حقيقة الغائط كالدم معه و الاستجمار بالأعيان النجسة.

مسألة 83: إذا لم يتعدّ الغائط عن المحلّ المتعارف بنفسه لكنّه تعدّى عند المسح بالأحجار أو غيرها فالمقدار الذي يستلزمه المسح بالأحجار مثلا نوعا لا بأس به (2) و في الزائد من ذلك إشكال (3).

____________

(1) الوجه في ذلك أنّ الدليل ليس فيه تعرّض للجهات الخارجية، و بعبارة أخرى ليس في المقام بيان هذه الامور فاللازم الحكم على مقتضى القاعدة، و مقتضاها انفعال ما يلاقى النجاسة الخارجية. و ممّا ذكر يظهر الوجه فيما أفاده (قدّس سرّه) بعد ذلك فتأمّل تفهم.

(2) فإنّ في تقييد الحكم بعدم التعدّي بهذا المقدار عناية زائدة و يحتاج إلى البيان و التنبيه. و بعبارة اخرى العرف يفهم من الدليل أنّ جعل الحكم لما يكون متعارفا خارجيّا فخلافه يحتاج إلى الدليل.

(3) قد ظهر وجهه ممّا ذكرنا فإنّه لو كان خارجا من المتعارف فلا وجه لشمول الحكم له فيحكم على مقتضى القاعدة. و الحاصل أنّه لو تعدّى الغائط عن المقدار المتعارف فلا وجه لكفاية الاستجمار بل يتعيّن الماء.

268

مسألة 84: إذا اشتبه ماء طاهر بماء نجس فإن كانت الشبهة محصورة فلا يرفع حدثا و لا خبثا (1) إلّا أن يغسل الخبث بكلّ واحد منهما (2) لكنّه قد يقال بابتلائه حينئذ بنجاسة اخرى إلّا فيما لو كان الماء الثاني كرّا و كانت النجاسة ممّا لا يحتاج إلى التعدّد فإنّه يمكن حينئذ رفع الخبث به بل و الحدث بالتكرير (3).

____________

(1) للعلم الإجمالي المنجز على ما هو المقرّر في محلّه عند القوم.

(2) فإنّه في هذه الصورة يقطع بحصول الطهارة في زمان، كما أنّه يقطع بوجود نجاسة في زمان آخر مع القطع بارتفاع النجاسة الأوّلية إمّا بالغسل الأوّل، و إمّا بالثاني، فعلى مسلك من يرى سقوط الاستصحاب في مجهولي التاريخ يسقط كلا الأصلين و تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة و على مسلك من يرى جريانه في مجهول التاريخ يجري في كليهما و بعد التعارض تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة أيضا.

(3) لو كان المراد بنجاسة أخرى العلم بالنجاسة حين وصول الماء النجس بالمحلّ المتنجّس ففي هذا الفرض لا يفرق بين كون النجاسة ممّا يحتاج في زوالها إلى التعدّد و بين ما لا يكون كذلك فإنّ المحلّ المتنجّس بعد وصول الماء النجس إليه ينجس قطعا. غاية الأمر لو كان الغسل الأوّل بالماء النجس لا يؤثّر هذا الوصول في انفعاله لكونه نجسا من القبل و لو كان الغسل الثاني به يتأثّر به و ينجس بعد صيرورته طاهرا و إن كان المراد بالنجاسة الأخرى حدوث نجاسة بمعنى انفعاله بعد طهارته فهذا فاسد لأنّ المفروض عدم التميّز بين الطاهر و النجس فكيف يعلم بالحدوث، فالحقّ أنّه يقع التعارض بين الأصلين و بعد التعارض يرجع إلى قاعدة الطهارة، و عليه يمكن‌

269

..........

____________

رفع الخبث و الحدث به هذا حسب ما تقتضيه القواعد الأوّلية، و لكن في المقام رواية على خلاف القاعدة و هي ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو و ليس يقدر على ماء غيره قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم (1)، فإنّ هذه الرواية تدلّ على خلاف القاعدة إذ يمكن تحصيل الطهارة من الخبث و الحدث بأن يغسل يديه بأحد الإنائين و يتوضّأ به ثمّ يغسل أعضاء الوضوء بالماء الثاني و يتوضّأ به و يصلّي بل يمكن أن يقطع بوقوع الصلاة عن طهارة من الخبث و الحدث و ذلك بأن يصلّي بعد غسل يديه و الوضوء و إعادة الصلاة بعد الغسل و الوضوء الثاني.

و الحاصل: أنّه يلزم الخروج عن مقتضى القاعدة بهذه الرواية و حيث إنّ المستفاد منها على خلاف القاعدة لا بدّ من الاقتصار على موردها و أيضا لا بدّ أن تكون الشبهة بين الإنائين، و أمّا لو كان أحد المشتبهين كرّا أو ما دونه بحيث لا يصدق عليه الإناء فلا وجه للتعدّي.

و ربّما يقال كما في كلام سيّدنا الاستاد (قدّس سرّه) أنّ التيمّم على طبق القاعدة إذ المكلّف بمجرّد وصول أحد أعضائه بالماء الثاني يقطع بنجاسة عضو من أعضائه بالفعل، إذ لو كان الماء الأوّل نجسا صار عضوه الذي وصل إليه ذلك نجسا بلا إشكال، و إن كان الماء الثاني نجسا يكون العضو الذي وصل إليه نجسا فبعض أجزائه يكون نجسا بالفعل فلا طريق له لإحراز الواقع.

و يرد عليه أوّلا: أنّ هذا الذي افيد مبني على كون المتنجّس منجسا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

270

مسألة 85: إذا اشتبه ماء مطلق بماء مضاف فلا يرفع الخبث إلّا بالغسل بكلّ واحد منهما و كذا في رفع الحدث (1) إلّا أنّ الأحوط الاقتصار فيه على صورة الانحصار (2).

مسألة 86: إذا اشتبه الماء المباح بالغصبي لم يجز استعمال أحدهما في الشبهة المحصورة (3).

____________

و هذا أوّل الكلام و قد بنينا في محلّه على عدمه. و ثانيا: إنّا نفرض الأمر كذلك و لكن يمكن إحراز الواقع كما مرّ في كلامنا و هو أنّ المكلّف أوّلا يطهر بدنه بالماء الأوّل و يتوضّأ أو يغتسل و يصلّي ثمّ يطهّر أعضائه بالماء الثاني و هكذا، و بالنتيجة يقطع بأنّه صلّى مع البدن الطاهر مع الوضوء أو الغسل.

(1) للعلم الإجمالي.

(2) الظاهر أنّ الوجه في هذا الاحتياط ما مرّ في أوّل الكتاب من أنّ الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي و قد ذكرنا فساده و لكن الاحتياط حسن.

(3) للعلم الإجمالي بالحرمة و عدم دليل على ترجيح أحد الطرفين بل ما قوّيناه في هذا البحث من الأصول و لعلّه أشرنا إليه في بعض مباحث هذا الشرح، من جواز استعمال أحد الأطراف بشرط ترك الآخر إلى الأبد، لا يجري في المقام لأنّ أصالة عدم حصول ما يوجب جواز التصرّف من الملك و غيره جار في كلّ من الطرفين إذ لا يلزم من جريان هذا الأصل في الطرفين إلّا المخالفة الالتزامية و ما يكون مانعا من جريان الأصل لزوم المخالفة العملية.

271

مسألة 87: لا يلزم في غسل مخرج البول مسح الموضع باليد (1) إلّا إذا توقّف إزالة البول على المسح أو خرج معه و ذي أو مذي، بل الأحوط ذلك في صورة الشكّ أيضا (2).

[الكلام في انفعال الماء القليل]

مسألة 88: ينجس الماء القليل بمجرّد ملاقاة النجاسة مطلقا (3).

____________

(1) إذ لا دليل عليه.

(2) إذ الغسل لا يتحقّق إلّا به فيلزم مقدّمة و منه يظهر حكم صورة الشكّ التي تعرّض لها في ذيل المسألة.

الكلام في انفعال الماء القليل

(3) البحث في هذه المسألة يقع من جهات عديدة و حيث إنّها تعمّ البلوى و لها آثار عملية مهمّة نتعرّض لها تفصيلا و إن كان الماتن (قدّس سرّه) لم يتعرّض لجميعها، و نختار ما هو الحقّ فيها بحسب ما يقتضيه النظر القاصر، و عليه التكلان و به نستعين. فنقول:

الجهة الأولى: في تنجس الماء القليل في الجملة و عدمه، فقد ذهب المشهور القريب من الاتفاق إلى الأوّل و خالفهم في ذلك ابن أبي عقيل و تبعه الكاشاني و قد اختاره بعض متأخّري المتأخّرين ممن قارب عصرنا، و ينبغي أن نبحث أوّلا فيما يدلّ على التنجيس، و ثانيا فيما استدلّ أو يمكن أن يستدلّ به على مذهب ابن أبي عقيل.

و ما يمكن أن يستدلّ به على الانفعال عدّة روايات منها: ما دلّ على عاصمية الماء إذا كان كرّا، ففي رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب،

272

..........

____________

قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء (1). و بهذا المضمون غيره فإنّه يدلّ بالمفهوم على أنّ الماء إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجّسه شي‌ء.

و منها: ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة، قال: يكفئ الإناء (2).

و منها: ما رواه سماعة قال: سألته عن رجل يمسّ الطست أو الركوة ثمّ يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفّيه، قال: يهريق من الماء ثلاث حفنات و إن لم يفعل فلا بأس و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني و إن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفّيه فليهرق الماء كلّه (3). و مثلهما غيرهما، و دلالة هذه الروايات على انفعال الماء بملاقاة النجاسة في الجملة ممّا لا شبهة فيه و ليس دلالتها على انفعال الماء و لو مع عدم التغيّر بالإطلاق، بل يستفاد منها بالنصوصية أو بالظهور غير القابل للتقييد بأنّ القليل ينفعل بملاقاة النجاسة و لو لم يتغيّر فراجع و تأمّل فيها يتّضح لك الأمر.

و أمّا ما يمكن أن يستدلّ به على مذهب ابن أبي عقيل و تابعيه فعدّة من الروايات؛ منها ما جعل فيه الموضوع للنجاسة هو التغيّر و الموضوع للطهارة عدمه كقوله (عليه السلام) فيما رواه حريز: كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضّأ منه و لا تشرب (4).

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7.

(3) نفس المصدر، الحديث 10.

(4) الرسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

273

..........

____________

و بهذا المضمون جملة من الروايات الواردة في هذا الباب (1) فراجع.

و تقريب الاستدلال بهذه الأخبار على المدّعى أنّ المستفاد منها طهارة الماء مطلقا عند عدم التغيّر فالقليل لا ينفعل بملاقاة النجس ما دام لم يتغيّر به و لا يعارضها مفهوم روايات الكرّ لأنّ المفهوم فيها موجبة جزئية فإنّ نقيض السالبة الكلّية موجبة جزئية و لا نضايق عن الالتزام بانفعال القليل ببعض الأشياء.

لا يقال عليه لا أثر لجعل الكرّ موضوعا للعصمة فإنّه على هذا المسلك لا فرق بين الكرّ و غيره حيث إنّ الميزان للنجاسة هو التغيّر.

فإنّه يقال يكفي في جعل الكرّ موضوعا للعصمة عدم انفعاله من شي‌ء و انفعال غير الكرّ من بعض الأشياء و هو ما ولغ فيه الكلب مثلا، هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال.

و لكن يرد عليه: أنّ إطلاق هذه الأخبار مقيّد بما ورد في انفعال الماء القليل فترفع اليد عن الإطلاق و يؤخذ بما دلّ على انفعاله.

و منها: ما رواه محمّد بن ميسّر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد أن يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان، قال: يضع يده ثمّ يتوضّأ ثمّ يغتسل هذا ممّا قال اللّه عزّ و جلّ: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2)، (3).

____________

(1) الباب 3 من الماء المطلق من الوسائل.

(2) الحج: 78.

(3) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

274

..........

____________

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية على المدّعى أنّ الموضوع في السؤال هو القليل و مقتضى الجواب عدم انفعاله بالملاقاة.

و يرد عليه: أنّ القليل لا يكون نصّا و لا ظاهرا فيما دون الكرّ. نعم، مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الكرّ و ما دونه فيقيّد بما دلّ على انفعال القليل الذي لا يكون كرّا.

و منها: ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس (1).

و تقريب الاستدلال به على المدّعى أنّ الحبل الذي يستقى به الماء يتقاطر منه الماء في الدلو فحكمه (عليه السلام) بعدم البأس بالوضوء منه يدلّ على عدم انفعال ما في الدلو من الماء.

و يرد عليه: أنّه يمكن أن يكون الوجه في السؤال استعمال الحبل من حيث كونه جزءا للخنزير. و بعبارة اخرى: يحتمل أن يكون الوجه من السؤال أنّ السائل يحتمل أنّ الماء المستقى به بحبل الخنزير لا يجوز الوضوء منه، فأجاب (عليه السلام) بعدم البأس و مع هذا الاحتمال لا يمكن الاستدلال به على المدّعى، مضافا إلى أنّه يمكن أن يكون الوجه في عدم الانفعال عدم كون المتنجّس منجّسا.

و منها: ما رواه أبو مريم الأنصاري قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركيّ له فخرج عليه قطعة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

275

..........

____________

عذرة يابسة فأكفأ رأسه و توضّأ بالباقي (1).

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية على المدّعى ظاهر فإنّ وضوء الإمام (عليه السلام) بذلك الماء يدلّ على طهارته و عدم انفعاله بملاقاة العذرة، لكن الرواية ضعيفة من حيث السند فإنّ في سندها بشير و هو غير موثّق في الرجال.

و منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميّتة، قال: إذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضّأ و صبّها و إن كان غير متفسّخ فاشرب منه و توضّأ و اطرح الميّتة إذا أخرجتها طرية و كذلك الجرّة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء، قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الماء أكثر من رواية لم ينجسه شي‌ء تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ إلّا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء (2).

و تقريب الاستدلال بالرواية على المدّعى ظاهر لا يحتاج إلى البيان لكنّ الرواية ضعيفة من حيث السند فإنّ عليّ بن حديد في سندها و هو غير موثّق بل مضعّف و قد نقل عن الكاشاني وجوه استند بها لإثبات مدّعاه، و الجواب عن تلك الوجوه ظاهر لا يحتاج إلى البيان فممّا ذكرنا إلى هنا ظهر أنّ المستفاد من الأدلّة انفعال القليل بملاقاة النجس في الجملة هذه هي الجهة الأولى من الكلام.

الجهة الثانية: في أنّه هل مقتضى الأدلّة التفصيل بين نجس العين‌

____________

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 12.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8.

276

..........

____________

و المتنجّس بأن يقال بانفعال القليل بملاقاة الأوّل دون الثاني كما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أو لا وجه للتفصيل؟

و على الثاني هل يكون وجه للتفصيل بين المتنجّس بعين النجس و بين المتنجّس بالمتنجّس بأن خصّص الانفعال بالأوّل و عدمه في الثاني كما يظهر من بعض آخر أو لا وجه لهذا التفصيل أيضا؟ الظاهر أنّه لا وجه للتفصيل مطلقا، و حيث إنّ القائل بالتفصيل الأوّل و كذلك الثاني إنّما ذهب إليه من باب عدم الدليل على الإطلاق فاللازم علينا بيان ما يقتضي الانفعال مطلقا.

فنقول: أمّا التفصيل الأوّل فيردّه إطلاق جملة من الروايات منها ما تقدّم من رواية سماعة (1) فإنّ إطلاق قوله (عليه السلام) فيها: «فإن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفّيه فليهرق الماء كلّه» يقتضي انفعال الماء و لو لم يكن عين المني موجودا عند الملاقاة و مثلها غيرها لاحظ ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه قال: و قال: إن كانت يده قذرة فأهرقه و إن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا ممّا قال اللّه تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2).

و أمّا التفصيل الثاني فيردّه ما تقدّم في رواية ابن أبي نصر (3) من السؤال «عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة، قال: يكفى الإناء» فإنّ القذارة‌

____________

(1) تقدّمت في ص 272.

(2) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11.

(3) تقدّمت في ص 272.

277

..........

____________

الشرعية بمثابة القذارة العرفية بمعنى أنّه إذا صدق في العرف أنّ الشي‌ء الفلاني قذر فلو دلّ دليل على نجاسته شرعا فهو قذر شرعا.

و بعبارة أخرى القذر ما يستقذر منه، و من الظاهر أنّه لا فرق في إطلاق القذر على ما يستقذر منه بين أن يكون مستقذرا من نفس القذارة أو يكون مستقذرا منها بالواسطة، فلو أدخل أحد إبهامه في أنفه و مسحه بخرقة فيلاقي بالرطوبة قبل غسله إبهامه يكون الإبهام قذرا عرفا و القول بأنّ القذر لا يطلق إلّا على ما يلاقي النجاسة بلا واسطة، لا نسلّمه و لا دليل عليه، فهذه الرواية تدلّ بإطلاقها على انفعال القليل و لو مع ألف واسطة. و أيضا يمكن أن يستدلّ بمرسلة ابن أبي عمير، قال: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممّن يستحل أكل الميتة (1). للقول بالتنجس مطلقا و عدم التفصيل بين الواسطة الأولى و غيرها.

و تقريب الاستدلال بها أنّه يستفاد من الرواية أنّ العجين يتنجّس بملاقاة الماء النجس، و لذا لا يجوز أكله و حيث إنّه لا يفهم فرق بين الماء و غيره في الانفعال نفرض أنّ ماء آخر لاقى الماء النجس فينجّس بالملاقاة و نفرض أنّ العجين يعجن بالماء الملاقي للماء النجس فينجّس و هكذا، و لا يضرّ إرسال الرواية في اعتبارها بعد كون المرسل ابن أبي عمير الذي شهد الشيخ (قدّس سرّه) بأنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة و ما علم في بعض الموارد من روايته عن غير ثقة لا يوجب رفع اليد عن روايته في المورد المشكوك فيه بدعوى أنّه يحتمل أنّ المرسل عنه ذلك الضعيف، فإنّ شهادة الشيخ يؤخذ بها إلّا فيما‌

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب الأسآر، الحديث 1.

278

..........

____________

علم بخلافه لكن رجعنا عن هذه المقالة و قلنا إنّه لا فرق بين المرسلات، مضافا إلى أنّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهور هذه الأدلّة بروايات أخرى تدلّ على عدم تنجيس المتنجّس في الواسطة الثانية و من تلك الروايات ما رواه حنّان بن سدير قال: سمعت رجلا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: إنّي ربما بلت فلا أقدر على الماء و يشتدّ ذلك عليّ، فقال: إذا بلت و تمسّحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك (1).

و حيث إنّه وقع في بعض الكلمات الإشكال في الرواية من جهة المتن نقول: يمكن أن يكون الوجه في الاشتداد أنّه مع عدم الماء و إحساس رطوبة يعلم بكونها من البول فيقع في المشقّة من جهة تنجّس بدنه و لباسه، و أمّا مع وجود الماء و استنجاء المخرج به لو أحسّ الرطوبة يحتمل كونها من ماء الاستنجاء، و يمكن أن يكون الوجه في الاشداد أنّه مع عدم الاستبراء لو خرج رطوبة يحكم بكونه بولا فلا بدّ من التطهير، فسئل الإمام كي يستريح عن هذه الشدّة فأجاب (عليه السلام) بما في الرواية، و يستفاد منها أنّ الريق الملاقي لمخرج البول لا ينجس الثوب و البدن. و أمّا نفس الريق فلا يستفاد من الرواية كونه طاهرا، و مقتضى تلك الأدلّة نجاسته و مثل هذه الرواية غيرها فراجع.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ القاعدة الأوّلية المستفادة من جملة من الروايات نجاسة القليل بملاقاة النجس و المتنجّس مطلقا و لكن ترفع اليد عنها في الواسطة الثانية برواية حنّان و غيرها من الروايات المذكورة في المواضع‌

____________

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7.

279

..........

____________

المختلفة. هذا على تقدير القول بكون المتنجّس منجّسا في الجملة و إلّا فلا تصل النوبة إلى ما ذكر.

الجهة الثانية: فيما ذهب إليه الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) من عدم انفعال القليل بالدم الذي لا يدركه الطرف و استدلّ على ما ذهب إليه بما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطرا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس و إن كان شيئا بيّنا فلا تتوضّأ منه.

قال: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا (1).

و تقريب الاستدلال بالرواية على المدّعى يتوقّف على أن يكون المراد من الإناء الماء الموجود فيه ففصل الإمام (عليه السلام) بعد فرض إصابة الدم نفس الماء بين استبانته و بين عدمها فحكم بالانفعال في الأوّل و عدمه في الثاني.

و يرد عليه: أنّ استعمال الإناء في الماء يحتاج إلى قرينة و هي مفقودة في المقام، فالظاهر من الرواية أنّ الدم أصاب نفس الإناء، و أمّا إصابته لنفس الماء فمشكوك فيها فلا وجه لانفعاله و لو أغمض عن ظهورها في هذا المعنى فلا أقلّ من كونه محتملا فلا يتمّ الاستدلال و أدلّة الانفعال محكمة.

الجهة الرابعة: فيما نسب إلى السيّد المرتضى من التفصيل بين أن يكون الماء واردا على النجاسة فلا ينفعل و بين أن يكون مورودا للنجاسة فينفعل.

و استدلّ عليه بأنّه لو قلنا بانفعاله و لو كان واردا لما أمكن تطهير شي‌ء إلّا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

280

..........

____________

بإيراد كرّ عليه و ذلك يوجب المشقّة فيعلم أنّ الماء لا ينفعل فيما كان واردا و هذا الاستدلال غير تامّ فإنّه يرد عليه أوّلا: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى فإنّه على تقدير تماميّته يختصّ بما يكون الوارد مطهّرا للمورود لا مطلقا، فلا وجه للالتزام بعدم الانفعال فيما يرد القليل على عين النجاسة.

و ثانيا: أنّه لا مانع من الالتزام بانفعال القليل بملاقاة المتنجّس و تطهّره به.

و بعبارة أخرى: النجاسة الحاصلة للماء من ناحية ما يتطهّر به لا يمنع عن التطهير و ربّما يستدلّ على هذا القول بعدم المقتضى للانفعال فيما كان الماء واردا، أمّا مفهوم أدلّة اعتصام الكرّ فليس فيه عموم افرادي فضلا عن الاحوالي، و أمّا غيره من الأدلّة فموردها صورة ورود النجاسة على الماء لا العكس.

و الجواب عن هذا التقريب: أنّ العرف بحسب الارتكاز يفهم من مجموع الأدلّة أنّ ملاقاة النجاسة للماء القليل توجب انفعاله بلا خصوصية لورود النجاسة على الماء أو وروده عليها.

الجهة الخامسة: في أنّه هل يفصل بين ملاقاة الماء للنجاسة و استقراره معها فيلتزم بانفعاله و بين ملاقاته لها و عدم استقراره معها فيلتزم بعدم الانفعال؟ يستدلّ عليه بما رواه عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

أغتسل في مغتسل يبال فيه و يغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض، فقال: لا بأس به (1) و هذه الرواية إن تمّت دلالتها على المدّعى فلا يعتمد عليها من حيث السند.

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 7.

281

إلّا إذا كان واردا على النجاسة بقوّة و دفع فلا ينجس الجزء الغير الملاقي للنجاسة منه (1).

[الكلام في الماء الكر]

مسألة 89: الماء الكرّ لا ينجس (2) مطلقا (3) إلّا إذا تغيّر (4).

____________

(1) فإنّه لقوّته و دفعه لا يتأثّر من ملاقاة النجاسة كما هو الحال في تأثّر القذارات العرفية، و إن شئت قلت: لا دليل على الانفعال في هذه الصورة فإنّ الارتكاز الذي ذكرناه غير موجود في الفرض كما هو ظاهر.

(2) للروايات الواردة في المقام؛ منها: ما رواه محمّد بن مسلم (1)، و منها:

ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء (2) إلى غيرهما من الروايات فراجع الباب المشار إليه (3).

(3) فإنّه مقتضى إطلاق أدلّة الاعتصام.

(4) الظاهر أنّه لم يرد دليل في الكرّ يدلّ على انفعاله بالتغيّر و ما في بعض الكلمات من الاستدلال عليه برواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب فقال: إن تغيّر الماء فلا تتوضّأ منه و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه (4)- بدعوى أنّ النقيع من الماء كرّ، مردود بأنّ النقيع أعمّ من الكر و مثل هذه الرواية حديث شهاب بن عبد ربّه قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله فابتدأني فقال: إن شئت فسل يا شهاب، و إن شئت أخبرناك بما جئت له، قلت: اخبرني، قال:

____________

(1) تقدّم في ص 271.

(2) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

(3) لاحظ الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

(4) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

282

لونه أو طعمه أو رائحته (3)

____________

جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضّأ منه أو لا، قلت:

نعم، قال: توضّأ من الجانب الآخر إلّا أن يغلب الماء الريح فينتن، و جئت تسأل عن الماء الراكد من الكرّ ممّا لم يكن فيه تغيّر أو ريح غالبة، قلت: فما التغيّر؟ قال: الصفرة فتوضّأ منه، و كلّ ما غلب عليه كثرة الماء فهو طاهر (1).

و ربما يستدلّ على المدّعى بالإجماع فإنّ الظاهر أنّ الحكم مسلّم بينهم، اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّه محتمل المدرك إن لم يكن مقطوعا، و ربّما يستدلّ عليه أيضا بما دلّ على انفعال ماء البئر بالتغيّر مع كونه عاصما فيفهم أنّ التغيّر يوجب الانفعال و إن كان الماء عاصما في نفسه.

(1) أمّا الانفعال بالتغيّر باللون فيمكن أن يستدلّ عليه بما مرّ من رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) فإنّ الظاهر من التغيّر بالدم هو التغيّر اللوني و لا أقلّ من الإطلاق فإنّ مقتضى إطلاقه انفعال الماء لو تغيّر لونه من النجاسة.

و يمكن أن يستدلّ عليه بما رواه العلاء بن الفضيل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول (3).

و يمكن أن يستدلّ عليه بذيل رواية شهاب المتقدّمة آنفا، و أمّا الانفعال بالتغيّر بالطعم و الرائحة فقد دلّت عليه جملة من الروايات، منها: ما رواه ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلّا أن يتغيّر ريحه أو‌

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11.

(2) تقدّمت في ص 281.

(3) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7.

283

من النجاسة (1) و لو بواسطة المتنجّس (2) لا من المتنجّس (3)

____________

طعمه فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ له مادّة (1).

(1) لو كان المراد من العبارة أنّه لا بدّ في الانفعال أن يتغيّر الماء و يتّصف بوصف النجس، و أمّا لو تغيّر من النجاسة و حدث فيه وصف ثالث لا ينفعل، فيرد عليه: أنّه لا وجه لهذا التقييد فإنّ مقتضى إطلاق الروايات الواردة في الباب أنّ التغيّر لو حدث من ناحية النجاسة ينفعل الماء أعمّ من أن يكون الوصف الحادث في الماء من سنخ وصف النجاسة أو يكون وصفا آخر.

(2) و الوجه فيه إطلاق بعض الروايات فإنّ قوله (عليه السلام) في حديث ابن بزيع:

ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه (2) يقتضي انفعال ما يتغيّر بالمتنجّس فإنّ المتنجّس شي‌ء يقتضي فساد ما يلاقه و لكن لا يفسد ماء البئر، إلّا أن يغيّره.

(3) الظاهر أنّه لا وجه له فإنّ مقتضى إطلاق الحديث انفعال الماء بالتغيّر الحاصل من المتنجّس و لو بوصفه، و ربّما يقال: بأنّ ذيل الحديث يمنع الإطلاق إذ قوله (عليه السلام) في ذيله: فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب الطعم يدلّ على أنّ انفعال البئر بالتغيّر. إنّما يكون فيما لو تغيّر برائحة كريهة و طعم خبيث و كراهة الريح و الطعم تختصّ بما لو تغيّر بالنجاسة لأنّ المتنجّس ربّما يكون طيب الريح كالعطور أو طيب الطعم كالسكر و الدبس و أمثالهما.

____________

(1) الوسائل، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

(2) نفس المصدر، الحديث 7.

284

[في عدم وجوب الاستبراء بعد البول أو المني]

مسألة 90: لا يجب الاستبراء بعد البول أو المني (1).

____________

و يرد على هذا البيان: أوّلا: أنّه يلزم التفصيل بين المتنجّسات فيلتزم بالانفعال فيما يكون المتنجّس كريه الرائحة أو خبيث الطعم.

و ثانيا: أنّه كيف يمكن الجمع بين هذا الكلام و بين الالتزام بأنّ النجاسة لو غيّرت الماء بوصف ثالث ينفعل كما مرّ منّا آنفا، إلّا أن يقال: إنّ نفس النجس لو غيّر الماء يلتزم بالانفعال لإطلاق الروايات الأخرى. و أمّا التغيّر بالمتنجّس فلا دليل على تأثيره في الانفعال إلّا حديث ابن بزيع. و المفروض أنّ ذيله مانع عن الإطلاق و لا أقلّ من كونه موجبا للإجمال، و حيث إنّه متّصل بالكلام لا ينعقد الإطلاق للصدر. و الإنصاف أنّ المقام محلّ التأمّل، و الاحتياط فيه لا يمكن تركه.

(1) لعدم دليل عليه و ما يتوهّم منه الوجوب لا يستفاد منه إلّا الإرشاد بما يترتّب عليه من عدم نقض الوضوء أو الغسل و طهارة ما يخرج من البلل المشتبه.

285

بل ينبغي ذلك (1). لكنّه مع عدم الاستبراء لو خرجت رطوبة مشتبهة بالبول فهي محكومة بالبولية (2) و مع الاستبراء محكومة بالطهارة و عدم الناقضيّة (3) و لا فرق في ذلك بين أن يختبر و لا يشخّص أو لا يختبر و بين أن يتمكّن من الاختبار أو لا يتمكن لظلمة أو غيرها، كما أنّه لا فرق في الحكمين بين من تخرج من تلك الرطوبة و غيره و بين الملتفت إلى خروجها و غير الملتفت لجنون أو نوم أو نحو ذلك (4).

____________

(1) لما ذكرنا من أنّه يترتّب عليه الآثار المذكورة، و يمكن أن يكون ما أفاده في المقام إشارة إلى ما مرّ في آداب التخلّي من ذكره في عدادها و نقلنا القول بالوجوب عن بعض، و حيث إنّه ذهب إلى وجوبه ينبغي أن لا يترك بأن يأتي به رجاء.

(2) لجملة من الروايات منها: ما رواه عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يبول ثمّ يستنجي ثمّ يجد بعد ذلك بللا قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرّات و غمز ما بينهما ثمّ استنجى فإن سال حتّى يبلغ السوق فلا يبالي (1). فإنّه بمفهومه يدلّ على أنه يلزم الموالاة لو خرج البلل قبل الخلط و منها ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يبول قال: ينتره ثلاثا ثم إن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي (2).

(3) للروايتين و غيرهما من الروايات الواردة في هذا الباب (3) الدالّة على أنّ البلل الخارج بعد الخرطات لا يؤثّر في شي‌ء.

(4) لإطلاق الأدلّة و حيث إنّه حكم وضعي لا يفرق فيه بين المختار و غيره و هذا ظاهر.

____________

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

(3) نفس الباب المشار إليه.

286

مسألة 91: لو لم يستبرء لكنّه قطع بعدم بقاء شي‌ء من البول في المجرى فقد يقال بسقوط الاستبراء و طهارة الرطوبة المشتبهة منه لكنّه محلّ إشكال (1).

مسألة 92: لا يسقط الاستبراء و حكمه مع قطع الذكر أو الحشفة، بل يأتي بما يمكن من الاستبراء و يعصر موضع القطع بدل الحشفة و يترتّب عليه الحكم (2).

مسألة 93: لا يعتبر في الاستبراء المباشرة فيحصل بمباشرة الزوجة و الأمة (3).

____________

(1) منشأ هذا القول: إنّ المستفاد من الأدلّة الواردة في المقام أنّ الميزان نقاء المحلّ من البول فلو نقى بغير السبب المنصوص يحكم بطهارة البلل الخارج المشتبه و لكنّه يشكل القطع بذلك و لا يمكن رفع اليد عمّا دلّ على نجاسة الخارج قبل الاستبراء.

(2) للقطع بعدم الفرق بين الصحيح و بين من قطع ذكره أو حشفته فيأتي بما يمكن. نعم، لو لم يقطع بذلك و احتمل الفرق يشكل الحكم بالطهارة، إلّا أن يقال: إنّ القاعدة الأوّلية تقتضي طهارة البلل الخارج المشتبه فإنّ قاعدة الطهارة تقتضيها فأدلّة الاستبراء إمّا شاملة للمقطوع، للقطع بعدم الفرق، و إمّا غير شاملة له. أمّا على الأوّل فيحكم بالطهارة لتحقّق السبب، و أمّا على الثاني فلا وجه لرفع اليد عن قاعدة الطهارة إلّا بمقدار دلالة الدليل و المفروض أنّ دليل الاستبراء مخصوص بالسالم و من لم يقطع ذكره أو حشفته.

(3) يفهم من الأدلّة أنّ هذا العمل يلزم إجرائه بأيّ نحو كان و لا خصوصيّة للشخص في تحقّقه.

287

مسألة 94: مع الشكّ في الاستبراء يحكم بعدمه فلو خرجت رطوبة حينئذ و لو بعد الوضوء أو في حال الصلاة يحكم بنجاستها و ناقضيتها فيلزم قطع الصلاة و إعادة الوضوء (1).

مسألة 95: الأولى في كيفيّة الاستبراء أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ثمّ يضع إبهامه على العانة و اصبعه الوسطى تحت الذكر و يمسح بقوّة إلى رأس القضيب ثلاثا ثمّ يعصر الحشفة كالحالب ثلاثا (2).

____________

(1) للأصل فيترتّب عليه آثار عدم الاستبراء و هو ظاهر.

(2) الروايات الواردة في كيفيّة الاستبراء ثلاثة:

أولاها: ما رواه عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)، و الظاهر من الخرط المسح و الغمز هو الكبس و هو الضغط على الشي‌ء، فالاستبراء بمقتضى هذه الرواية هو المسح بالشدّة من عند المقعدة إلى الأنثيين، و هذه الرواية لا اعتبار بها سندا.

ثانيتها: ما رواه حفص بن البختري (2) و النتر جذب الشي‌ء بقوّة، و الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الذكر و يؤيّده ما في الرواية الآتية من قوله (عليه السلام): و ينتر طرفه و مقتضى هذه الرواية أنّ الاستبراء الموضوع للأثر عبارة عن نتر الذكر ثلاثا.

____________

(1) تقدّم في ص 285.

(2) تقدّم في ص 285.

288

..........

____________

ثالثتها: ما رواه محمّد بن مسلم (1)، و بهذه الرواية نقيّد الرواية الثانية لأنّها أخصّ منها كما هو ظاهر، و بعد التقييد ينتج أنّ الاستبراء عبارة عن عصر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاثا و نتر طرفه، و مقتضى ما قالوا في محلّه من أنّه إذا ورد سببان لشي‌ء يكتفى بأحدهما في حصول المسبّب كالاكتفاء في القصر بأحد الأمرين من خفاء الأذان و خفاء الجدران أن يكتفى بأحد الأمرين في المقام من المسح من المقعدة إلى الأنثيين و من عصر الذكر من أصله إلى طرفه و نتر طرفه و لكن في المقام ألزموا الجمع بين الأمور المذكورة، و أمّا بناء على مسلكنا من أنّ القاعدة تقتضي الجمع فالأمر ظاهر فإنّ الأمر دائر بين رفع اليد عن ظهور كلّ شرطية في الانحصار و يكتفى بأحد الأمرين و بين أن ترفع اليد عن استقلال كلّ من السببين و يلتزم باجتماع كلا الأمرين، و حيث لا مرجّح لأحد الأمرين على الآخر لا بدّ من اجتماع كلا الأمرين كي يقطع بحصول السبب، ففي المقام يلزم خرط ما بين المقعدة و الأنثيين و عصر الذكر من أصله إلى طرفه و نتر طرفه، و أمّا نتر الطرف ثلاثا فلا دليل عليه، كما أنّ الترتيب بين هذه الأمور لا دليل عليه.

نعم، المناسبة بين الحكم و الموضوع تقتضي الترتيب فإنّ ملاك الاستبراء نقاء المحلّ و هو يحصل بهذا الترتيب إذ لو فرض العكس بأن يعصر الذكر أوّلا و يمسح بعده ما بين المقعدة و الأنثيين و يجذب البول إلى الذكر و يبقى فيه بخلاف العكس.

____________

(1) تقدّم في ص 255.

289

مسألة 96: لا استبراء على النساء (1). نعم، ينبغي لهنّ الصبر بعد البول في الجملة و التنحنح و عصر الفرج عرضا (2) و البلل المشتبه الخارج منهنّ طاهر مطلقا و لو مع ترك الأمور المذكورة (3).

____________

لكن حديث عبد الملك (1) لا اعتبار به سندا، و من ناحية أخرى قد ذكرنا في محلّه بأنّ مقتضى الصناعة تخصيص كلّ واحد من المفهومين بمنطوق الآخر و النتيجة الاكتفاء بأحد الأمرين، فلاحظ.

(1) لعدم دليل عليه.

(2) و أمّا الصبر فقد نقل عن نجاة العباد، و أمّا التنحنح فقد نقل عن ابن الجنيد، و أمّا العصر عرضا فقد نقل عن بعض، و من الظاهر أنّ هذا المقدار كاف للإتيان بها رجاء.

(3) لقاعدة الطهارة المحكّمة عند الشكّ فيها و اللّه المستعان.

إن قلت؛ كيف يؤخذ بقاعدة الطهارة و الحال أنّ الرطوبة التي تخرج تلاقي البول في المجرى فيحكم عليها بالنجاسة.

قلت: أوّلا: لا كلّية لهذه القضية. و بعبارة أخرى لا يمكن أن يقال: إنّ الرطوبة الخارجة تستلزم الملاقاة مع البول دائما، بل غاية ما يمكن أن يقال:

إنّ في بعض الأحيان تلاقي البول فالدليل أخصّ من المدّعى و مع الشكّ في الملاقاة يكون مقتضى الأصل عدمها.

و ثانيا: أنّه يستفاد من أدلّة الاستبراء أنّ الرطوبة الخارجة لا تنفعل بالملاقاة مع البول في الداخل و لو لا ذلك لم يكن فرق بين الاستبراء و عدمه، فلاحظ.

____________

(1) تقدّم في ص 285.

290

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

291

في الوضوء

292

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

293

[فصل في ما يجب له الوضوء]

فصل في ما يجب له الوضوء و هو أربعة أمور:

[الأوّل: الصلاة الواجبة و في حكمها الأجزاء المنسيّة]

الأوّل: الصلاة الواجبة (1) و في حكمها الأجزاء المنسيّة (2).

____________

(1) إجماعا بل ضرورة كما قيل، و يدلّ عليه قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) و جملة من الروايات منها:

ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا صلاة إلّا بطهور (2).

(2) الظاهر أنّ الحكم إجماعي، و يمكن أنّ يستدلّ عليه بما دلّ على شرطية الطهارة في الصلاة حيث إنّ الصلاة عبارة عن الأجزاء فالمشروط بالطهارة نفس الاجزاء. و بعبارة أخرى: لا فرق بين الاداء و القضاء إلّا من حيث الزمان فما دام لم يدلّ دليل على جواز إتيان الجزء المنسي بلا طهارة لا بدّ من إتيانه مع الطهارة، هذا.

و الإنصاف أنّه يمكن النقاش في الاستدلال بأنّ الصلاة لا تصدق على الجزء فلا دليل على الشرطية و مقتضى إطلاق دليله جواز إتيانه بلا طهارة لكن الجزم بذلك دونه خرط القتاد فإنّ الجزء المنسي أشرب فيه أنّه من الصلاة فلا بدّ فيه من رعاية الشروط.

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الوسائل، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

294

بل و سجود السهو على الأحوط (1) و الصلوات الاحتياطية (2).

[الثاني: الطواف الواجب]

الثاني: الطواف الواجب (3).

بل الوضوء شرط في صحّة هذين الأمرين أيضا (4) و في صحّة الصلوات المستحبّة (5).

____________

(1) نقل عن بعض الأعلام ذلك و استدلّ عليه تارة بأنّهما جابرتان للصلاة التي مشروطة بطهارة و أخرى بأنّ دليل وجوبهما منصرف إلى المشروط بالطهارة، و ثالثا بأنّه موافق للاحتياط و ظاهر أنّ شيئا من هذه الوجوه لا يرجع إلى محصل صحيح أمّا كونهما جابرتين فلا يلازم اشتراطهما بما يشترط به المنجبر، و أمّا الانصراف فلا وجه له، و أمّا الاحتياط فحسن لكنّه غير لازم مع وجود المعذر.

(2) إطلاق دليل اشتراط الصلاة بالطهارة كاف في الشرطية، مضافا إلى أنّ المسألة إجماعية على الظاهر.

(3) ادّعي عليه الإجماع، و يدلّ عليه ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس أن يقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف فإنّ فيه صلاة و الوضوء أفضل (1) و مثله غيره فراجع.

(4) كما استفيد من لسان أدلّتهما.

(5) لإطلاق ما دلّ على شرطية الطهارة في الصلاة، مضافا إلى أنّه لا خلاف على الظاهر بينهم.

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الوضوء.

295

[الثالث: مسّ كتابة القرآن]

الثالث: مسّ كتابة القرآن (1).

____________

(1) وجوب الوضوء لمسّ كتابة القرآن فيما يجب مسّها يتوقّف على حرمة مسّ المحدث لها، فلا بدّ من تنقيح ذلك أوّلا فنقول: ما يمكن أن يستدلّ على حرمة المسّ في حال الحدث أمور، منها: قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (1) بناء على كون المراد من لفظ «لا» النهي، و من المطهّرين المطهّرين من الحدث، و لكن حيث إنّه يحتمل أن يكون المراد من لفظ «لا» النفي و من المطهّرين الطهارة من الشرك أو غيره من رذائل النفس لا يمكن الاستشهاد بها على المدّعى كما هو ظاهر.

و يؤيّد هذا المعنى ما رواه في الاحتجاج من أنّه لمّا استخلف عمر (لعنه اللّه) سأل عليّا (عليه السلام) أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتّى نجتمع عليه، فقال (عليه السلام): هيهات ليس إلى ذلك سبيل إنّما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجّة عليكم و لا تقولوا يوم القيامة انّا كنّا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إنّ القرآن الذي عندي لا يمسّه إلّا المطهّرون و الأوصياء من ولدي فقال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال (عليه السلام): نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره و يحمل الناس عليه فتجري السنّة به (صلوات اللّه عليه) (2).

____________

(1) الواقعة: 77/ 78/ 79.

(2) الاحتجاج ج 1 ص 360 و 361 (انتشارات اسوة).

296

..........

____________

و منها: ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: لا بأس و لا يمسّ الكتاب (1)، و هذه الرواية لا يعتمد عليها لأنّ في سندها أبا بصير و هو مشترك بين الصحيح و الضعيف، و لكن الإشكال في غير محلّه إذ أبو بصير منصرف إلى الثقة.

و منها: مرسلة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان إسماعيل بن أبي عبد اللّه عنده، فقال: يا بني اقرأ المصحف فقال: إنّي لست على وضوء فقال:

لا تمسّ الكتابة و مسّ الورق فاقرأه (2)، فإنّ هذه الرواية لإرسالها لا يعتمد عليها.

و منها: ما رواه إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنبا و لا تمسّ خيطه و لا تعلّقه إنّ اللّه تعالى يقول: لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (3). و هذه الرواية لجهالة بعض رواتها و عدم توثيق بعض آخر لا يعتمد عليها.

و منها: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه سأله عن الرجل أ يحلّ له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء؟ قال: لا (4). و هذه الراية تدلّ على عدم كتابة القرآن على غير وضوء و المدّعى ليس ذلك و الظاهر أنّه لم يقل به أحد فيما نعلم.

____________

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب الوضوء الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) الوسائل، الباب 12 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

297

و اسم الجلالة (1) و صفاته و أسمائه الخاصّة إذا وجب مسّها للإخراج من يد كافر أو من مزبلة.

أو لنذر و شبهه (2). و الأحوط إلحاق أسماء الأنبياء و سيّدة النساء و الأئمّة (عليهم السلام)، بل الأحوط إلحاق أسماء الملائكة أيضا (3).

____________

و منها: ما أرسل عن محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) في قوله: لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال: من الاحداث و الجنابات و قال: لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مسّ المصحف (1).

فانقدح ممّا ذكر أنّه لا دليل على الحرمة و لكن مع ذلك لا يمكن الجزم بالجواز و لا يرض الفقيه أن يفتي به فلا بدّ من الاحتياط و لا يخفى أنّ حديث أبي بصير (2) يكفي لكونه مستندا للحكم لتمامية سنده.

(1) استدلّ عليه بفحوى ما دلّ على حرمة مسّ القرآن.

و يشكل بأنّ الملاك غير معلوم فلا مجال لهذه الدعوى، و منه يظهر الإشكال فيما أفاده بعده من إلحاق أسمائه و صفاته الخاصّة، و الأظهر في الإشكال إلحاق أسماء الأنبياء و الأئمّة و سيّدة النساء (عليهم السلام) و الملائكة فإنّه لا وجه له. نعم، الاحتياط لا بأس به بل حسن.

(2) إذا انطبق على المسّ عنوان راجح أو قلنا بأنّ متعلّق النذر لا يلزم أن يكون راجحا في حدّ نفسه.

(3) مرّ الكلام حوله.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 5.

(2) تقدّم في ص 296

298

[الرابع: النذر و العهد و اليمين]

الرابع: النذر و العهد و اليمين (1) لكن لا يجعل هذين الأمرين أعني الثالث و الرابع غاية للوضوء في النية (2).

____________

(1) فإنّه لا شبهة في وجوبه بالنذر و شبهه. غاية الأمر لو قلنا بأنّه مستحبّ نفسي كما هو الصحيح فلا يحتاج في متعلّق النذر إلى جعل غاية له، و أمّا لو قلنا: بأنّه غير مطلوب نفسا فلا بدّ من أن يتعلّق النذر أو شبهه بما يكون مشروطا به كي يجب بالنذر.

(2) الذي يختلج بالبال في هذه العجالة أن يقال: إنّ العبادية تتحقّق بالإضافة إلى المولى إنّما الإشكال في تحقّق النذر كما تقدّم منّا آنفا فإنّ الوضوء لو كان راجحا في نفسه يتحقّق النذر المتعلّق به و في الفرض يكفي لتحقّق القربية أن ينوي المكلّف الأمر النذري غاية و لا فرق في هذه الجهة بين الثالث و الرابع و غيرهما لوحدة الملاك، فلاحظ.

299

[موجبات الوضوء و مبطلاته]

[الأوّل البول]

موجبات الوضوء فصل في موجبات الوضوء و مبطلاته و هي أمور: (الأوّل) البول (1).

[الثاني و الثالث الغائط و الريح]

(الثاني) الغائط (3). (الثالث) الريح (4) سواء كان له صوت أو لا (5).

____________

(1) الظاهر أنّ الحكم من المسلّمات و حكي الإجماع عليه من المنتهى و المعتبر و الذخيرة و غيرها، و تدلّ عليه جملة من النصوص منها: ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر و الدبر من الغائط و البول أو مني أو ريح و النوم حتّى يذهب العقل و كلّ النوم يكره إلّا أن تكون تسمع الصوت (1).

و منها: ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: إنّما وجب الوضوء ممّا خرج من الطرفين خاصّة و من النوم دون سائر الأشياء لأنّ الطرفين هما طريق النجاسة و ليس للإنسان طريق تصيبه النجاسة من نفسه إلّا منهما فأمروا بالطهارة عدما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم، الحديث (2) إلى غيرهما من النصوص الواردة في هذا الباب.

(2) قد ظهر حكمه ممّا ذكرنا في سابقه.

(3) الظاهر أنّه إجماعي أيضا بل قيل: لا خلاف فيه بين المسلمين و يدلّ عليه ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يوجب الوضوء إلّا من غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها (3) و مثله غيره.

(4) كما نصّ عليه في رواية زرارة.

____________

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7.

(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2.

300

و لا بأس بما يخرج من قبل المرأة (1).

[الرابع النوم الغالب على السمع و البصر]

(الرابع) النوم الغالب على السمع و البصر (2).

____________

(1) لعدم صدق الضرطة و الفسوة على ما يخرج من قبلها و لا دليل على ناقضية غيرهما فإنّ الحصر المستفاد من جملة من الروايات المتقدّم بعضها يقتضي عدم ناقضية غيرهما.

(2) لو قلنا بأنّ النوم غير الغالب عليهما لا يصدق عليه النوم فالقيد توضيحي و لو قلنا بأنّه يصدق على غير الغالب عليهما فالقيد احترازي فإنّ المستفاد من نصوص الباب أنّ النوم ينقض إذا غلب عليهما ففي المروي عن الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام على دابته فقال: إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء (1).

و لا يعارض ما يدلّ على ناقضية النوم بما عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يخفق و هو في الصلاة، فقال: إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء و إعادة الصلاة و إن كان يستيقن أنّه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا إعادة (2) فإنّه ربّما يقال: بأنّ المستفاد من هذه الرواية أنّ النوم بما هو نوم لا يكون ناقضا فيقع التعارض بينهما لكن الجمع بين الروايات يقتضي أن يقال: إنّ اليقين بعدم الحدث في هذه الرواية جعل كناية عن عدم تحقّق النوم فإنّ اليقين بعدم الحدث إنّما يحصل لو‌

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 6.

301

..........

____________

لم يتحقّق النوم و إلّا كيف يمكن حصول اليقين بذلك. و بعبارة أخرى: مع ظهور تلك الروايات بل التصريح في بعضها بناقضية النوم و جعله ناقضا في قبال ما خرج من الطرفين كما في رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم (1) لا يبقى مجال للعمل بإشعار في رواية الكناني المتقدّمة كما هو الظاهر، مضافا إلى أنّ ناقضية النوم في الشرع الأقدس غير قابلة للخدش كما أنّه لا يعارض تلك الأخبار الدالّة على كون النوم ناقضا بمضمرة ساعة بن مهران أنّه سأله عن الرجل يخفق رأسه و هو في الصلاة قائما أو راكعا، فقال: ليس عليه وضوء (2) فإنّ الخفقة أعمّ من النوم فيقيّد إطلاقه بما دلّ على أنّ النوم الغالب على القلب ناقض، أضف إلى ذلك أنّه لا اعتبار بمضمرات سماعة فإنّه واقفي، لكن الظاهر من سوق العبارة رجوع الضمير إلى الإمام (عليه السلام) لاحظ عبارة الفقيه (3)، ثمّ إنّه نسب إلى الصدوق عدم النقض بالنوم قاعدا مع عدم الانفراج لما أرسله عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرقد و هو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه ما دام قاعدا إن لم ينفرج (4).

و قريب منه ما رواه بكر بن أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) هل ينام الرجل و هو جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرجل و هو‌

____________

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 12.

(3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 38.

(4) نفس المصدر، الحديث 11.

302

..........

____________

جالس مجتمع فليس عليه وضوء، و إذا نام مضطجعا فعليه الوضوء (1).

و لا يخفى أنّه لا يعتمد على هاتين الروايتين لإرسال الأولى و عمل مرسلها بها على فرض تحقّقه لا يكون جابرا لها و ضعف الحضرمي الواقع في الثانية فلا يفصّل بين النوم قاعدا مع عدم الانفراج و غيره، كما أنّه لا يفصل بين النوم قاعدا مع عدم التعمّد و غيره حيث دلّ ما رواه عمران بن حمران على هذا التفصيل فإنّه روى: فإنّه سمع عبدا صالحا (عليه السلام) يقول: من نام و هو جالس لا يتعمّد النوم فلا وضوء عليه (2)، فإنّ عمران بن حمران الراوي لهذه الرواية غير موثّق، كما أنّ التفصيل المستفاد من رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل هل ينقض وضوؤه إذا نام و هو جالس؟ قال: إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه و ذلك أنّه في حال ضرورة لا يعتد به (3) فإنّ في سند الرواية من يكون مشتركا بين الموثّق و المجهول فلا يعتمد عليها- إلّا أن يقال: إنّ محمّد بن إسماعيل ينصرف إلى ابن بزيع- مضافا إلى أنّ متن الرواية لا يخلو عن اضطراب، أضف إلى جميع ذلك كلّه أنّ الحكم من المسلّمات بين الخاصّة بحيث لا يمكن الالتزام بالخلاف.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 15.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 14.

(3) نفس المصدر، الحديث 16.