تبيان الصلاة - ج1

- السيد حسين البروجردي المزيد...
259 /
51

و هذه الرواية و ان توهّم دلالتها على وجوب الجمعة بمجرّد اجتماع خمس نفر.

و لكن فيه أيضا ما قلنا مكررا من أن الوجوب مشروط بوجود من يخطب، و هو كما يحتمل لأن يكون كل من يتمكن من اداء اقل الواجب من الخطبة، كذلك يحتمل لأنّ يكون اشارة الى خصوص من يخطب بحسب المتعارف من صلاة الجمعة، و وضعها الخارجى، و ما هو المعهود عند المسلمين، و هو السلطان. (1)

[في توضيح رواية زرارة]

الرواية التاسعة: رواية زرارة (قال: حدثنا ابو عبد اللّه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنّه يريد أن نأتيه، فقلت: فنغدو عليك؟ فقال: لا، إنّما عنيت عندكم). (2)

وجه الاستدلال بها: أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) أمر زرارة باداء صلاة الجمعة و اتيانها، لأنّ المستفاد من كلامه (عليه السلام) هو الأمر بأنكم تقيمون هذه الصّلاة عندكم بلا حاجة و اشتراطها بالامام الأصل، لانه بعد ما سأل (بأنا نغدوا عليك) قال: لا يلزم ذلك، بل انتم بانفسكم تقيمون صلاة الجمعة، فتدل الرواية على عدم اشتراط صلاة الجمعة بالامام الأصل.

و فيه أن المستفاد من الرواية هو انّه بعد ما حث (عليه السلام) بصلوة الجمعة و ظهر منه‌

____________

(1)- أقول: لو كان من يخطب اعم من السلطان و غيره، فنوع الاعراب بل كلهم قادرين على اداء اقل الواجب من الخطبة، فكيف لا يكون في القرية شخص يأتي باقل الواجب منها، فهذا شاهد على قوة الاحتمال الثاني من أن المراد بمن يخطب هو المعهود ممّن يخطب.

و ان قيل: بان قرى الاعراب ليست مهمة و مركز الجمعية، فيمكن أن يكون جمع قليل تحت خيمة في موضع و لم يتمكنوا من اداء مقدار الواجب في الخطبة.

فنقول: انّه مع بعد ذلك يكون لازم هذا حمل الرواية على مورد نادر، و هو حمل بعيد، فتأمل.

(المقرّر)

(2)- الرواية 1 من الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

52

التحريض و الترغيب بها، تخيل زرارة بأنّه (عليه السلام) أراد ابداء المخالفة و الخروج على خليفة الجور و بنى على الحرب و الجدال، و لهذا قال زرارة (نغدوا عليك) يعنى نحضر عندك في الصبح.

و منشأ هذا الخيال ليس إلا مما يرى و يدرى من خارجية صلاة الجمعة و وضعها، و انها من المناصب المخصوصة للسلطان، و من بيده زمام الأمور، فمن تحريص الامام، مع ما يعلم من وضعها، تخيل انّه (عليه السلام) أراد الخروج على سلطان الجور، لأنه لو حضر لانعقاد صلاة الجمعة، فلا يعد عمله الا خروجا على السلطان، و بناء المخالفة معه، و انه (عليه السلام) حيث يعد نفسه الخليفة و السلطان بنى على انعقاد ما هو وظيفته و منصبه، فمجرد ترغيب ابى عبد اللّه (عليه السلام) بالجمعة صار سببا لأنّ يخطر ببال زرارة هو انّه (عليه السلام) اراد الخروج، و ابداء المخالفة مع سلطان الجور، و لهذا سأل عنه و قال (نغدوا عليك) فقال (عليه السلام): لا، انما عنيت عندكم».

فمعلوم من فهم زرارة أن صلاة الجمعة من شئون الخلافة و السلطنة بحيث يعد انعقادها في قبال سلطان الجور مخالفة معه، و على تقدير ذلك تشتعل نائرة الحرب و الجدال، فاراد أن يحضر في الصبح عنده للخروج و سأل عنه (عليه السلام) عن ذلك، و اجاب (عليه السلام) بأنّه لا، يعني: لا تحضروا عندي لصلاة الجمعة، بل تقيمونها عند انفسكم.

فقوله «إنما عنيت عندكم». يحتمل أن يكون المراد من أمره بأنّكم تتعقدونها بانفسكم، و لا حاجة الى حضوري، هو أنّكم تقيمونها في أوطانكم، و لازمه هو انكم إن كنتم قادرين على انعقادها رسما بمرأى و منظر من المخالفين، فتقيمونها بهذا النحو، و إلّا ان خفتم من المخالفين فتقيمونها خفية، و الحاصل الّذي يستفاد من الرواية التحريض و الترغيب بها بلا حاجة الى حضور السلطان.

53

و متحمل لأنّ يكون المراد من قوله «انما عنيت عندكم» هو أنكم تحضرون صلاة الجمعة الّتي يقيمها سلطان الجور أو من نصبه لذلك، فالحاصل على هذا الاحتمال هو حث ابو عبد اللّه (عليه السلام) زرارة و ساير الشيعة على الحضور في صلاة جمعة خلفاء الجور و ولاتهم المنصوبين من قبلهم، حتى يحقن بذلك دماء الشيعة، و يصيروا محفوظين، فعلى هذا وجه تحريصه هو التقية و حفظ مواليهم من الهلكة.

و على هذا الاحتمال ليست الرواية دالة على كون صلاة الجمعة واجبة بلا اشتراطها بالامام الأصل، بل الأمر على هذا من الامام صدر لجهة اخرى، و هو الحضور في جمعة المخالفين تقية، و امّا ما هو مورد وجوب صلاة الجمعة و كون وجوبها مطلقا أو مشروطا فالرواية غير متعرضة له.

و يبعد احتمال الأوّل انّه لو كانت الرواية صادرة على وفق هذا الاحتمال فلازمه وجوب صلاة الجمعة بلا اشتراطها على السلطان من رأس، و الحال أن الاشتراط به في الجملة مسلّم. (1)

____________

(1)- أقول: و الشاهد على أقوائية الاحتمال الثاني في الرواية في النظر، هو انّه لو كان حث ابي عبد اللّه (عليه السلام) في الرواية دالّا على أن زرارة و غيره من الشيعة قادرين على انعقادها في أنفسهم، و كان الأمر بهم بذلك بدون حاجة الى حضور الامام (عليه السلام):

فإما أن يكون الأمر بانهم يقيمونها في قبال المخالفين علنا فهم غير متمكنين على ذلك، و لو انعقدت بهذا النحو لانجر الأمر الى قتلهم و هلاكهم، لأنّ عملهم هذا يعد مخالفة لسلطان الجور، و لذا ما اقامها أحد من الائمة (عليهم السلام) مع ابتلائهم بخلفاء الجور، فلا يأمر ابو عبد اللّه (عليه السلام) باتيانها بهذا النحو.

و إما أن يكون المراد من الرواية الأمر باقامة جمعات كثيرة مثلا في الكوفة، بعد كون جماعة الشيعة كثيرة و لم يتمكنوا من اقامة جمعة عامة، فيقيمون جمعات متشتتة في بلد واحد حتى-

54

الرواية العاشرة: رواية عبد الملك عن ابي جعفر (عليه السلام) (قال: قال: مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّه، قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلّوا جماعة يعني:

صلّوا الجمعة). (1)

وجه الاستدلال بها: أن المستفاد من الرواية كون ترك صلاة الجمعة سببا للهلاك، و انه يجب الاتيان بصلوة الجمعة بلا اشتراطها الى السلطان كما هو ظاهر‌

____________

لا يصل خبرهم الى المخالفين، مثلا صلوا الجمعة باقل العدد المعتبر فيها في بيت واحد من الشيعة، و صلوا صلاة اخرى في بيت آخر، و هكذا.

و هذا أيضا لا يمكن الالتزام به، لأنّ لازم ذلك انعقاد جمعات كثيرة مع عدم فصل الفرسخ بينها.

و إما أن يكون حثه و ترغيبه (عليه السلام) جماعة الشيعة كلهم بصلوة الجمعة بأنكم تقيمونها، و حيث لستم متمكنين من انعقاد صلاة جمعة عامة، و لا يمكن انعقاد جمعات كثيرة، فتقيمونها و لو بقدر حصول مسماها، مثلا سبعة منكم أو عشرة منكم أو اكثر بالمقدار الّذي لا يبلغ أمركم الى المخالفين، فعلى هذا يكون الحث بجماعة الشيعة لا بخصوص زرارة لأنه قال: حثنا، و الأمر بقوله (انما عنيت عندكم) هو الأمر و التحريض مع هذا التأكيد بالشيعة، على مسمى صلاة الجمعة.

و هذا أيضا ممّا يشكل الالتزام به، لأنه كيف يمكن حمل الخبر- مع هذا التأكيد بالعموم- على كون الأمر و الحث و الترغيب على صرف مسمى صلاة الجمعة، و ان كان نظره الى هذا فلا يلزم ان يعبر بهذا النحو بأن يأمر كلهم، و الحال أن الكل غير متمكنين منها، لأنه لا يمكن انعقادها إلا مع عدة قليلة بمقدار حصول مسماها.

فبعد بعد محتملات:

الاحتمال الاول، فان لم نقل بقوة.

الاحتمال الثاني، و هو كون مدلول الرواية هو الأمر بحضور صلاة جمعة المخالفين لاجل التقية، فلا اقل من عدم الجزم باحتمال و عدم ظهور الرواية فيه، فتأمل. (المقرّر)

(1)- الرواية 2 من الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

55

اطلاق الرواية.

[في ردّ التمسك برواية عبد الملك بن اعين]

و فيه أن عبد الملك الراوي للرواية هو عبد الملك بن اعين، و كان أولاد ذكور اعين ثمانية، احدهم زرارة و واحد منهم هذا الراوي يعني: عبد الملك، و لم يكونوا أولا من الفرقة الناجية، و استبصر بعض منهم مثل زرارة، و لكن استبصار عبد الملك غير معلوم و مورد الخلاف في الرجال.

و على كل حال إما يكون عبد الملك غير مستبصر، و باق على طريقة التسنن، فهو بعد ما كان في طريقته من العباد و الزهاد، يمكن أن يكون وجه كلام الامام (عليه السلام) هو أن مثلك مع دأبك كيف تركت صلاة الجمعة، لانها على مذهبه- و هي طريقة العامة على فرض عدم استبصاره- واجبة، فمراد الامام (عليه السلام) هو انك لما ذا تركت الجمعة مع كونها واجبة عندك.

فعلى هذا لا يمكن الاستدلال بالرواية، لانها كلام صادر منه خطابا على من ليس على طريق الحق و على وفق مذهبه، لاجل بعض المصالح الّتي يكون الامام عالما بها.

و ان صار مستبصرا و خرج عن طريق الباطل و نهج طريق الحق كما أن يكون قوله (عليه السلام) «مثلك يهلك» مشعرا بذلك، فيحتمل أن يكون هذا الخطاب به و الأمر بعد ذلك بأن صلوا الجمعة، هو الأمر بحضوره في جمعة المخالفين تقية، لاجل أنه مع زهده يفرّ من الحضور في اجتماعاتهم، و لا يحضر في صلاة جمعة المخالفين، و ذلك ربما يصير سببا للفساد فامر (عليه السلام) إيّاه بالحضور في جمعتهم تقيّة. (1)

____________

(1)- أقول: و لو كان المراد، على فرض كون عبد الملك مستبصرا، غير أمره بالحضور في-

56

[الكلام حول رواية محمد بن مسلم]

الرواية الحادية عشرة: الرواية الّتي رواها الكلينى (رحمه اللّه) (1) في الكافي في باب تهيئة الامام للجمعة و خطبته و الانصات عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام)،

____________

صلاة جمعة المخالفين، فلا بدّ و أن يكون الأمر بصلوة جمعة اخرى و الصّلاة الاخرى إما أن تكون صلاة تقيم من قبل الشيعة و أهل الحق و هو لم يحضر عندها على احتمال، أو يكون الأمر بأن تقيموا صلاة الجمعة، كان الأمر بتأسيسها بعد ما لم تكن مرسومة على احتمال.

و كلا الاحتمالين بعيد و لا يناسب مع سياق الرواية، لانّ مثل عبد الملك مع كونه من العباد و الزهاد، و مع كونه من الشيعة على هذا الاحتمال، كيف لا يحضر في صلاة الجمعة الّتي تنعقد من ناحية الشيعة، إن كان لهم صلاة جمعة خارجا مرتبا في كل جمعة و لو كانت في السر، و إن كانت صلاة الجمعة ممّا يجب عليهم انعقادها و يتمكنون منها، فكيف تركوها هؤلاء الاشخاص مع جلالتهم حتى بلغ الأمر الى أن يقول الإمام (عليه السلام) مثلك يهلك.

و ان لم يتمكنوا منها أو لا يجب عليهم انعقاد صلاة الجمعة، فأيضا ما معنى قوله (مثلك يهلك) فهذا مؤيد لكون الأمر و التشدد على تقدير كونه من أهل الحق على الحضور في جماعة خلفاء الجور أو من نصب لذلك من قبلهم.

مع أن كون الوارد من المعصوم هو صلاة الجمعة غير معلوم، لأنه كما ترى كانت عبارة الرواية (صلوا جماعة يعني صلوا الجمعة) و جملة (يعنى صلوا الجمعة) يمكن أن لا تكون جزء الخبر و من كلام الامام، و يؤيده انّه قال يعني: صلوا الجمعة، فقوله (يعنى) بصيغة المضارع لا يناسب أن يكون كلام الامام (عليه السلام) لأنه لو كانت هذه الفقرة منه (عليه السلام) كان اللازم أن يقول (اعني) بصيغة المتكلم، فجملة (يعنى صلوا الجمعة) يحتمل أن يكون من اضافات راوى الاول، أو من واحد ممّن يكون في طريق الرواية.

فعلى هذا لو لم تكن جملة (يعني صلوا الجمعة) من جزء الرواية، فالصدر لا يدل إلا على الترغيب و الامر و التشدد بالحضور في الجماعة، و أن التشدد شاهد على كون الأمر بالحضور تقية في صلاة جماعة المخالفين. (المقرّر).

(1)- الكافي، ج 3، ص 422، ح 6.

57

و نقلها صاحب الوسائل (رحمه اللّه) (1) لكن لا في مورد واحد، بل نقلها متفرقا، و هي رواية مفصلة، و فيها الأمر بالخطبتين.

وجه الاستدلال: أن ما ورد في ضمن ذكر الخطبة و الأمر فيها، بصورة الخطاب، مثلا و تقول كذلك، شاهد على كون صلاة الجمعة واجبة و هم يقيمونها و هو (عليه السلام) في هذه الرواية يكون في مقام تعليم الخطبتين، و بيان ما يجب من الخطبة في هذه الصّلاة الواجبة، فيستفاد من ذلك كون أصل الصّلاة واجبة، و لهذا أمر (عليه السلام) السائل بأن يؤدي الخطبة بنحو ما بيّنه.

و فيه انه، مع قطع النظر عن اضطراب متن الحديث- لأنّ بعض جملاته تكون بصورة الخطاب، و مع ذلك في بعض جملاته ادّى الكلام في الفعل أو الضمير بصيغة الغائب او الضمير الغائب، مثلا قال: و يدعوا- ان غاية ما يستفاد من الرواية، هو الأمر بالراوي يعني: بمحمد بن مسلم، بأن يقول كذلك في الخطبة، و انه كانت صلاة جمعة في البين.

و لكن بعد كون هذه القضية قضية فى واقعة، فقابل لأنّ يكون هذا الشخص من قبل الإمام (عليه السلام) منصوبا لاقامة صلاة الجمعة، و بعد ما يكون منصوبا علّمه الامام الخطبة، فعلى هذا لا ظهور للرواية في كون هذه الصّلاة واجبة مطلقا بدون اشتراطها بالسلطان العادل أو من نصبه لذلك، و لا يستفاد منها اذن عام في جواز اتيانها لكل أحد، لأنّ الرواية قابلة للحمل على مورد الاذن الخاص، و لا مانع من أن يكون الراوي و هو محمد بن مسلم مع جلالة شأنه ممّن نصبه الامام (عليه السلام) لذلك.

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 25 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

58

هذا تمام الكلام في الآية و الأخبار الّتي يمكن أن يستدل بها على وجوب صلاة الجمعة بالوجوب العينى مطلقا يعنى بدون اشتراطه بالامام (عليه السلام) او من نصبه لذلك.

[ذكر الاقوال فى صلاة الجمعة و لوازمها]

فاذا بلغ الكلام الى هنا نقول: بأن في المسألة اقوالا:

أولها: هو وجوب صلاة الجمعة بالوجوب العينى على كل أحد، مع اجتماع الشرائط، بدون كون الوجوب فيها مشروطا بحضور السلطان او من نصبه لذلك‌

ثانيها: كونها من المناصب الخاصّة بحيث لا تجب مع عدم السلطان العادل أو من نصبه لذلك، بل لم تكن مشروعة مع عدم وجود هذا الشرط‌

ثالثها: انّها و إن كانت من مناصب الامام، و لكن اجاز الامام (عليه السلام) باقامتها إمّا بالفقهاء على قول من باب ادلة ولاية الحاكم، أو بمطلق الشيعة على قول، فيكون انعقادها مشروعا في مثل زماننا، و يجب انعقادها، لأنه بعد وجوبها في الجملة و حصول الشرط، و هو اذن من يكون زمام أمرها بيده و هو الإمام، فيجب انعقادها.

و هنا بعض اقوال أخر أيضا مثل الوجوب التخييري بمعنى كون المكلف مخيرا، مع وجود ساير الشرائط المعتبرة في صلاة الجمعة، بين أن يصلى في يوم الجمعة صلاة الجمعة و بين أن يصلي الظهر.

اذا عرفت هذه الاقوال نقول: بأن لازم القول الأوّل- و هو كون وجوب صلاة الجمعة وجوبا مطلقا غير مشترط بالسلطان العادل أو من نصبه لذلك، بل تكون أمرها مثل ساير الصلوات اليومية من هذا الحيث، بمعنى عدم كونها مشترطة الّا بالسبعة احدهم امام عادل مثل امام صلاة الجماعة، غاية الأمر كان متمكنا من‌

59

اداء الخطبة و عدم كون الشخص من جملة المستثنيات- هو أن تنعقد صلاة الجمعة في جميع الاعصار، من زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الى يومنا هذا، في كل من الامصار و القرى بفاصلة الفرسخين «يعنى في يوم الجمعة بفاصلة الفرسخين بين صلاة جمعة مع صلاة جمعة» اخرى تنعقد في جميع البلدان و القرى صلاة الجمعة، و جميع الناس الا ما استثنى يتوجّهون نحو هذه الصّلاة من بعد الفرسخين أو فرسخ.

و لازم ذلك أيضا انّه لا يرى اجتماع مثل اجتماعها لأنه على هذا لا صلاة غيرها، و فرض اللّه الاجتماع فيها، فلا بدّ من صيرورتها مشهدا عاما لحضور رجال عندها، و تكون على هذا، أمرها من الأمور الواضحة لدى كل مسلم و مؤمن، بل تصير من الأمور المعروفة عند غير المسلمين، كما يكون اجتماع النصارى في يوم الاحد، و اليهود في يوم السبت في كنائسهم معروفا.

فلا بدّ و أن يكون هذا الاجتماع أيضا معروفا مشهورا و يتخطه الناس نحوه، فلا بدّ و أن تكون هذه الفريضة بهذه الكيفية مغروسة في اذهان المتشرعة من الى الخلف.

فعلى هذا القول لا بدّ و أن تكون بهذه الانحاء أمر صلاة الجمعة، بل و على هذا القول لا بدّ على المكلفين تحصيل الشرائط من العدد، و تهيئة شخص عادل متمكن من اداء الخطبة للامامة، بل و يجب تعليم الخطبة و تعلمها مثل قراءة الصّلاة، بل و يجب كفاية تحصيل العدالة مع عدم وجود شخص عادل للامامة، بل و يجب على كل من كان مكلفا التفحص من كل جانب من جوانبه فرسخين لتحصيل صلاة الجمعة، أو عدد تنعقد معها صلاة الجمعة، و إن كان الأمر كذلك فكيف يخفى على احد من المسلمين، بل لا بد و أن يكون عندهم من الضروريات، فافهم.

60

و لازم القول الثاني هو كون صلاة الجمعة صلاة تنعقد مع السلطان العادل أو من نصبه لذلك، فاذا وجد الشرط يجب انعقادها و الا فلا.

[من الاوّل كان امر صلاة الجمعة بيد من كان بيده زمام الأمور حقا أو باطلا]

اذا عرفت ذلك نقول: انّ ما نرى و تجري السيرة على وفقه من زمان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الى هذه الاواخر، هو كون أمر صلاة الجمعة من شئون السلطنة و الخلافة بحيث نرى ان انعقادها كان بيد من بيده زمام أمور المسلمين حقا أم باطلا، ففي زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان امرها بيده و هو أقامها، و بعده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اخذ أمرها من غصب الخلافة، و بعد عهد غاصبين الخلافة و بعد ما حوصر عثمان أقامها علي (عليه السلام) لانها حقه، و بعد ذلك كل من اخذ مسند الخلافة من خلفاء الجور من بني امية و بني العباس اقامها.

و ليس الأمر بحيث اقامها كل من كان، و ليس الأمر بحيث تمكن من اتيانها و انعقادها بكل سبع، و ليس أمرها مثل ساير الصلوات اليومية الّتي تقيمها الناس جماعة، و لكل احد أن يصير إماما إذا كان عادلا، و لكل احد الاقتداء به و الحضور في جماعته.

بل أمرها كان بنحو خاص، و له شأن مخصوص، و كان من شئون الخلافة و الرئاسة، و هذا ما نرى من خارجيّة هذه الصّلاة و لا نرى عملا على خلافه، و كان الأمر كذلك عند العامة، لانهم يعدون أمر صلاة الجمعة من الأمور المتعلقة بالسلطان، و حيث يكون الأمر كذلك، و لا يفهم الا كون صلاة الجمعة من مناصب السلطان.

فلو كان أمر صلاة الجمعة عند ائمتنا (صلوات اللّه و سلامه عليهم) على خلاف ذلك، و كانت صلاة الجمعة حالها من هذا الحيث كسائر الصلوات اليومية، و كان‌

61

يجوز لكل سبعة يكون العادل فيهم انعقادها و وجب عليهم، فكيف لم يبينوا ذلك، و كيف لم يقولوا لأحد من اصحابهم، و الحال انهم بينوا كل ما كان من قول او فعل من الناس على خلاف طريقتهم الحقة، و ما بقى أمر مخفيا من الأمور الحقة و إن كان اظهار الحق مخالفا لفتاوى العامة و لاقوالها.

و لو كانت التقية في البين، لكن في مواقع الفرصة أظهروا الحق و أبدوها كما نرى من بياناتهم في ما كان حكم اللّه على خلاف ما التزمت به العامة، حتى نرى في باب قنوت هذه الصّلاة أن من متفردات الإمامية أنّ لهذه الصّلاة قنوتين في الركعة الاولى و الثانية، و العامة لا يجبون إلّا قنوتا واحدا، فهم (عليهم السلام) بيّنوا الحق، و أن لها قنوتين مع كون بيان هذا الحكم على خلافهم.

فلو كانت هذه الفريضة المهمة واجبة مطلقا بالمعنى الّذي قدمناه، و كان حكم اللّه تعالى هكذا، و الحال ان المخالفين جعلوها من مناصب السلطان، فكيف لم يصدر من الائمة (عليهم السلام) بيان على ذلك.

فعلى هذا لو كنا نحن و الامر كذلك من الوضع الخارجي من هذه الصّلاة، و ما هو مرتكز عند المسلمين من الخاصّة و العامة، فلم يبق لنا مجال بأن أمر صلاة الجمعة من الأمور الّتي تكون من شئون الخلافة مسلما.

إذا فهمت ما تلوناه عليك من كون أمر صلاة الجمعة بنحو ما قلنا خارجا.

فلو لم يقم دليل على خلاف ذلك ممّا يستفاد منه إما عدم كون هذه مشروطة بالسلطان العادل أو من نصبه لذلك أصلا على خلاف ما نرى من وضعها في الخارج، أو يستفاد منه انّه مع فرض كونها من وظائف السلطان، و من بيده أمرها، و هو الامام (عليه السلام)، لكن اذن باقامتها و انعقادها إما لخصوص الفقهاء، أو لمطلق المؤمنين.

62

نقول: إن ما يستفاد من الادلة، و اقوال القدماء من العلماء (رضوان اللّه عليهم)- و هو الحق- كون وجوب صلاة الجمعة مشروطا بالسلطان العادل.

[في وجوب صلاة الجمعة مشروطا بالسلطان العادل امور]

و الشاهد على ذلك، مع قطع النظر من كون المراد من الامام في أخبار الباب الامام الأصل الّذي نعبر عنه بالسلطان العادل أمور:

[الامر الاوّل: دعاء على بن الحسين (عليه السلام) فى كون هذا الامر بيد السلطان]

الامر الاول: ما ورد في دعاء علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) المنقول في الصحيفة السجادية المعتبرة من حيث السند- و ان كانت الخدشة في النظر في سندها المتداول المنقول في الصحيفة- لانّ لها بعض الأسانيد المعتبرة، و نفس مضامين الصحيفة أيضا شاهد على كونها منه (عليه السلام)، لأنّ هذه المضامين العالية لا يمكن صدورها إلا عن مقام الولاية.

و هذا الدعاء صريح في كون صلاة الجمعة من مناصب الامام (عليه السلام) حيث قال (عليه السلام) في هذا الدعاء «اللهم هذا المقام لخلفائك و اصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة الّتي اختصصتهم بها قد ابتزّوها و انت المقدر لذلك الى أن قال (عليه السلام)- حتى عاد صفوتك و خلفائك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلا- الخ» (1) فيستفاد بالصراحة ان هذا المقام و انعقادها من شئون الامام المفترض طاعته.

[الامر الثاني: كون صلاة الجمعة مشروطة بالامام الاصل]

الامر الثاني: ما قلنا في الرواية السابقة الّتي رواها سماعة (2) حيث أن الظاهر منها، على ما بينّا وجهه، كون صلاة الجمعة مشروطة بالامام الاصل.

____________

(1)- صحيفة سجادية الدعاء 48.

(2)- الرواية 8 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

63

[الامر الثالث و الرابع من الامور المربوطة بالمقام]

الامر الثالث: ما يستفاد من الرواية الّتي رواها محمّد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (قال تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين المؤمنين و لا تجب على الأقل منهم: الامام، و قاضيه، و المدعى حقّا، و المدعي عليه، و الشاهدان و الذي يضرب الحدود بين يدي الامام). (1)

و من الواضح القاضي للامام، و المدعي، و المدعى عليه، و الشاهدان، و ضارب الحدود لا يجتمعون عند مطلق من يكون عادلا و قابلا لصيرورته امام الجماعة.

إذا المراد بالامام ان كان مطلق من يكون عادلا و متمكنا من قراءة الخطبة، مثل من يصير امام الجماعة في ساير الصلوات، فليس له القاضى و المدعي و المدعى عليه و الشاهد ان و ضارب الحدود، و ما هي من شئونه و خصائصه، إذ كثيرا ما ليس الامام بهذا النحو بعالم و لا مجتهد أصلا، فمن بيان هذه الاشخاص في الرواية يستفاد أن المراد من الإمام هو إمام الأصل الّذي من شئونه حضور هؤلاء الاشخاص عنده و لو غالبا.

الامر الرابع: الرواية الواردة في صلاة العيدين و هي رواية عبد اللّه بن ذبيان عن ابي جعفر (عليه السلام) (قال: يا عبد اللّه ما من يوم عيد للمسلمين اضحى و لا فطر إلا و هو يجدد اللّه لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيه حزنا، قال: قلت: و لم؟ قال: انهم يرون حقهم في ايدي غيرهم). (2)

و هذه الرواية تدلّ على تجديد حزن آل محمد (صلوات اللّه عليهم) في كل عيد‌

____________

(1)- الرواية 9 من الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 31 من أبواب صلاة العيدين في الوسائل.

64

اضحى و فطر، لانهم يرون حقهم في أيدي غيرهم، و من المعلوم أن المراد من حقهم ليس إلّا صلاة العيد، لأنّ يوم العيد يوم بروز جلالة الرئاسة و الخلافة، لأنّ الخليفة يخرج مع الجلال و الجبروت لأداء صلاة العيد، و الناس يجتمعون حوله، فاهل البيت (عليهم السلام) يرون هذا المقام الّذي هو حق لهم، في ايدى الغاصبين، فمن هنا نستكشف كون صلاة العيد من شئون الامامة و الخلافة، و إلّا لا وجه لحزن أهل البيت (عليهم السلام) لذلك.

و الرواية و إن وردت في صلاة العيد و لكن بعد كون أمر صلاة الجمعة مثل صلاة العيد من حيث شرطية امام الأصل فيها و عدمها، فنفهم من كون صلاة العيد من مناصب الامام (عليه السلام) أنّ اقامة صلاة الجمعة أيضا بيده و من مناصبه (عليه السلام).

[الامر الخامس و نقل اقول العلماء]

الامر الخامس: ما نقل في العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام). (1)

و المستفاد منه أيضا كون صلاة الجمعة من مناصب السلطان، مضافا الى بعض الروايات الأخرى الدالة على كون صلاة الجمعة من المناصب المخصوصة بالامام (عليه السلام)، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه، هذا كله حال الروايات.

و امّا اقوال العلماء فنقول: إن المستفاد من كلام السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في الميافارقيات و سلّار (رحمه اللّه) في المراسم و ابن إدريس (رحمه اللّه) (2) هو كون شرط انعقاد الجمعة بالإمام العادل أو من نصبه الإمام لذلك، بل ربما يقال: يحتمل أن يكون هذا هو المترائى من كلام المفيد (رحمه اللّه) بقرينة كلام تلميذه يعنى سلار (رحمه اللّه) ذلك.

____________

(1)- الرواية 6 من الباب 25 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل؛ علل الشرائع، ص 264.

(2)- السرائر، ج 1، ص 303.

65

و ما يظهر من الشّيخ (رحمه اللّه) من كلامه في النهاية (1) و المبسوط (2) و الخلاف (3) أيضا هذا يعني: كونها مشروطة بالامام أو من نصبه الامام لذلك.

لكنّه قال في النهاية (4) في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كلاما يظهر منه أنّه يجوز للفقهاء انعقاد الجمعة، فعدّ انعقاد الجمعة من جملة ما يكون أمره بيد الفقهاء في حال الغيبة.

و قال في الخلاف، بعد ما بين اشتراط انعقاد صلاة الجمعة بالامام الأصل أو من نصبه لذلك، كلاما بصورة الاشكال و الجواب، و كان حاصل كلامه هو انّه بعد ما قلت من أنّ انعقادها مشروط بالامام أو من نصبه لذلك، فما منشأ تجويز صلاة الجمعة مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك‌

ثمّ قال: لانا نقول: إن ذلك لما ورد من النص، و ذكر الرواية و أنه يستفاد منها الجواز عند عدم وجود المعصوم (عليه السلام).

[في بيان التعارض في كلمات الشيخ ره]

فمن كلامه (رحمه اللّه) من اشتراط انعقاد الجمعة بالامام أو من نصبه لذلك في النهاية و المبسوط و الخلاف، و من كلامه (رحمه اللّه) في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من كتاب النهاية و من ذيل كلامه في الخلاف يظهر التعارض بين كلماته في جهتين:

الجهة الاولى: التعارض بين كلامه في النهاية في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بأن للفقهاء انعقاد الجمعة، و بين ذيل كلامه في الخلاف بعد ما قال من اشتراطها‌

____________

(1)- النهاية، باب الجمعة، ص 103 و 107.

(2)- المبسوط، ج 1، كتاب صلاة الجمعة، ص 143.

(3)- خلاف، ج 1، ص 626.

(4)- النهاية، ص 302.

66

بالامام أو من نصبه لذلك، بأنّه يجوز انعقادها للناس و لو لم يكونوا فقهاء.

الجهة الثانية: التنافي بين كلامه في المبسوط و النهاية و صدر كلامه في الخلاف من اشتراط انعقاد صلاة الجمعة بالامام أو من نصبه لذلك مع ذيل كلامه في الخلاف بأنه يجوز انعقادها و لو مع عدم الامام و عدم من نصبه لذلك.

فكيف يمكن الجمع بين كلماته.

و وجه توجّهنا لكلامه و الدقة في فهمه، و فرض توجيه للتهافت الظاهر بين كلماته، هو ان من قبل عصر الشّيخ (رحمه اللّه) لا نجد كلاما من الفقهاء يمكن أن يقال: بأن هذا الكلام دال على أن الأئمة (عليهم السلام) أذنوا للناس بانعقاد صلاة الجمعة و لو مع عدم حضورهم و حضور من نصبوه بالخصوص لذلك فلم يظهر ذلك إلا من ذيل كلام الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف، و الا فقد أدعي الاجماع قولا و عملا على كونها مشروطة بالامام أو من نصبه لذلك ممّن كان قبل الشّيخ من السيّد و السلّار و ابن إدريس و المفيد على احتمال، و كذلك الشّيخ مع قطع النظر عن هذا الكلام الّذي قاله في الخلاف في ذيل كلامه، نعم يظهر من الصّدوق (رحمه اللّه) انّه تنعقد صلاة الجمعة و لو بدون الامام أو من نصبه لذلك.

و لكن العمدة في ابداء الجواز، و ما ذهب إليه المتأخرين من الفقهاء من جواز انعقاد الجمعة مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك، هو فتوى الشّيخ (رحمه اللّه) في هذا المقام، و إلا فمع قطع النظر عن ذلك، فالاجماع المدعى محفوظ بحاله، و لازمه هو عدم جواز انعقادها إلّا بالشرط المتقدم.

فما نقول في المقام: هو انّه هل يمكن رفع التنافي بين كلمات الشّيخ (رحمه اللّه) أو لا يمكن هذا؟ و هل نأخذ بالاجماع إن وجدنا توجيها لذيل كلامه، أو نأخذ بالذيل، و لا بدّ‌

67

على هذا من توجيه الاجماع بنحو لا يتنافى مع الذيل، أو نقول بأنّه لا يجي‌ء بالنظر توجيه لرفع التنافي.

و على كل حال لا بدّ لنا من النظر بعد ذلك ثانيا في أخبار الباب حتى نرى يوجد فيها ما يكون شاهدا على ورود الاذن من ناحيتهم (عليهم السلام) في انعقاد الجمعة و لو مع عدم الامام (عليه السلام) او من نصبه لذلك، و نتصرف في الاجماع المتقدم على هذا، أولا يوجد شاهد على الاذن أصلا.

[ما يمكن ان يقال في رفع التعارض وجوه:]

فنقول ما يمكن أن يقال في رفع التنافي بين كلمات الشيخ (رحمه اللّه) وجوه:

الوجه الاول [الاذن]

: هو أن يكون المراد ممّا قاله من جواز انعقاد صلاة الجمعة للناس و لو مع عدم السلطان أو من نصبه لذلك هو الاذن يعني: جواز انعقادها يكون بمقتضى الاذن الّذي يستفاد من الرواية (1) المتقدمة في نظره، فهم (عليهم السلام) اذنوا بذلك، فيرفع التنافى، لأنّ صلاة الجمعة و لو كانت مشروطة بالامام العادل، و لكن يجوز انعقادها باذن الامام الّذي بيده زمام أمرها، فكما ينصب الامام شخصا خاصا لذلك، كذلك له أن يأذن بانعقادها بنحو مطلق للناس.

و يرتفع التنافي بهذا البيان بين كلامه في النهاية بأن للفقهاء انعقادها و أن ذلك من مناصبهم، و بين جواز انعقادها لسبعة انفار من المسلمين و لو لم يكن بينهم الفقيه، لأنّ من بيده أمرها و هو الامام الاصل تارة ينصب شخصا خاصا لذلك، و تارة اشخاصا مخصوصين الذين هم واردون تحت عنوان خاص كالفقهاء من باب كونهم فقهاء، و تارة يأذن لكل احد من الناس، و فيهم من يكون عادلا و قادرا على إنشاء‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 3 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

68

الخطبتين إذا كانوا سبعة نفر، فيرتفع تنافي الاولى و الثانية.

و فيه أن هذا التوجيه لا يناسب مع ما ادعى الشيخ (رحمه اللّه) من الاجماع القولي على كون انعقاد صلاة الجمعة مشروطا بالامام أو من نصبه لذلك، فان ظاهر هذا الكلام هو كون نفس الانعقاد مشروطا بذلك، فعلى هذا لا يصح انعقادها بدون ذلك و ليس المراد انّه بيد الامام زمام الأمر حتى يعطى أمره بيد من شاء و يجوّز لمن شاء.

و ثانيا ظاهر كلامه هو الفتوى بالجواز، لا أن المستفاد من الرواية هو الاذن، بل مراده انّه يقول بجواز الانعقاد في صورة عدم السلطان أو من نصبه لذلك بمقتضى الرواية، و بعد كون هذا الكلام هو الفتوى منه، فيبقى التنافي بين كلامه، و انه لو كان الاجماع على الاشتراط فلا معنى للجواز مع عدم الشرط، و ان كان الحكم هو الجواز و لو مع عدم الشرط فلا معنى لدعوى الاجماع على الاشتراط.

[الوجه الثاني: في صورة بسط اليد أمرها بيد الامام]

الوجه الثاني: هو أن يقال بأن مراده (رحمه اللّه) من اشتراطها بالامام أو من نصبه لذلك هو اشتراطها بذلك في حال التمكن و بسط يده، و امّا مع عدمه فيجوز الانعقاد و لو مع عدم الامام و عدم من نصبه لذلك، فيرتفع التنافي لأنّ الشرط الّذي اعتبره (رحمه اللّه) اعتبره في صورة التمكن و بسط يد الامام، و الجواز الّذي قال به مع عدم الشرط كان في زمان عدم حضور الامام.

و فيه أن هذا التوجيه أيضا لا يناسب مع ما قاله (رحمه اللّه) في مقام عدّ شرائط صلاة الجمعة من أنها مشروطة بالامام أو من نصبه لذلك و العدد الخ، فالعدد شرط في حالتي التمكن و عدمه، فعلى هذا لم يكن هو في مقام بيان ما هو شرط في خصوص حال التمكن، بل هو كان في مقام ما هو شرط فيها مطلقا، و عدّ من شرائطها المطلقة الامام أو من نصبه لذلك، و العدد أيضا من الشرائط المطلقة.

69

[الوجه الثالث و الرابع]

الوجه الثالث: هو أن يقال: كما يظهر من المحقق الثاني في جامع المقاصد بأن شرطية الامام أو من نصبه لذلك معتبرة في وجوبها التعييني، و أمّا وجوبها التخييرى فغير مشروط بهذا الشرط، نقول هكذا في كلام الشيخ، و بذلك يرتفع التنافي بين كلماته.

بأن يقال: إن صلاة الجمعة لا تجب بالوجوب التعييني الا مع امام الأصل أو من نصبه لذلك، و امّا مع عدم هذا الشرط، فتجب صلاة الجمعة لكن بالوجوب التخييري.

فيحمل كلامه الظاهر في الاشتراط بكون الشرط شرطا في الوجوب التعييني، و يحمل كلامه الظاهر في الجواز حتى مع عدم حصول الشرط على انّه تجب صلاة الجمعة مع عدم الشرط بالوجوب التخييري.

و فيه ما قلنا من الاشكال الوارد على التوجيه الثاني، فان ما عدّه من الشرائط- كالعدد و غيره- شرط مطلقا، و لا يمكن أن يقال بأن العدد شرط في وجوبها التعييني فقط لا في وجوبها التخييري، فمن سياق عبارته و بيان الشرائط يستفاد بأنه (رحمه اللّه) يكون في مقام ما هو شرط فيها مطلقا.

الوجه الرابع: أن يقال: كما قلنا من انّه يتراءى من بعض العبائر، و ما هو محتمل في بعض الكلمات، إنه كان خارجا صلاة جمعة كبيرة، و صلاة جمعة اخرى صغيرة، فالكبيرة منها هي الّتي كانت مشهدا عاما، و الناس يجتمعون عندها، و هذه الصّلاة يكون أمرها بيد السلطان، و تنعقد من ناحيته، كذلك كانت صلاة جمعة صغيرة و هي تحصل بمجرد مسماها و هي سبعة أنفار و هذه الصّلاة ليست موقوفة بالسلطان أو من نصبه السلطان، بل لكل سبعة أن ينعقدونها مع كون عادل متمكن‌

70

من اداء الخطبة بينهم.

[في وجود صلاة الجمعة صغيرة و صلاة الجمعة كبيرة]

فيقال: إن بهذا النحو يرتفع التنافي من كلام الشّيخ (رحمه اللّه) بأن يقال: كان مراده أن شرط صلاة الجمعة الكبيرة هو السلطان العادل أو من نصبه لذلك، و امّا الصغيرة فتجوز و لو مع عدم حضور السلطان العادل، فكلامه الظاهر في الاشتراط ناظر الى الجمعة الكبيرة، و كلامه الظاهر في الجواز ناظر الى الصغيرة.

و فيه أولا أن استكشاف مشروعية الجمعتين: جمعة كبيرة و جمعة صغيرة في الاسلام مشكل و لا دليل عليه.

و ثانيا كون مراد الشّيخ من بيان الاشتراط في النهاية و المبسوط و صدر كلامه في الخلاف، هو كون الشرط شرطا في صلاة الجمعة الكبيرة، و كون مراده من جواز انعقادها بدون الشرط كما يظهر من ذيل كلامه في الخلاف، هو الجواز في صلاة الجمعة الصغيرة، بعيد و لا دليل عليه، بل سياق كلامه شاهد على الخلاف قلنا في الوجه الثاني و الثالث.

فلا يمكن توجيه كلام الشّيخ (رحمه اللّه) بحيث يرتفع التنافي بهذه الوجوه.

فاذا نقول- بعد ما قلنا من كون اشتراط السلطان او من نصبه لذلك مسلما في صلاة الجمعة كما يظهر ذلك من ظهور كلمات عدة من القدماء و دعواهم الاجماع على ذلك لا- يمكن الالتزام بكون صلاة الجمعة واجبة بدون اشتراطها بالامام أصلا، بحيث تجب بمجرد وجود سبعة أنفار، لما قلنا من الاجماع و ما نرى من وضعها الخارجي، و السيرة المستمرة من الصدر الأوّل الى هذه الاواخر، فاشتراطها بالسلطان العادل معلوم.

فمن ادعى الوجوب مع عدم هذا الشرط، فلا بدّ من أن يدعي ورود الاذن من‌

71

ناحية من يكون أمرها بيده يعني: النبي و الائمة (عليهم السلام)، فان ثبت هذا الاذن فنقول بجواز انعقادها أو وجوبها في حال الغيبة مثل هذا الزمان، و الّا فلا يمكن الالتزام بذلك.

[في ذكر بعض الاخبار الدالّة على الاذن من الائمة]

فاذا نعطف الكلام الى ذكر بعض الاخبار الّتي قيل بكونها دالة على ورود الاذن منهم (عليهم السلام).

و نحن و إن قدّمنا الكلام في بعض هذه الأخبار عند ما كنا في مقام فهم أصل كيفية الوجوب، و أن وجوبها هل هو مطلق أو مشروط، و قلنا بعدم وجود رواية دالة على وجوبها المطلق بلا اشتراطها بالامام، بل قلنا بدلالة بعض الأخبار و الاجماع و السيرة على اعتبار هذا الشرط، و فرغنا عن ذلك، و لكن نتكلم فيها مرة اخرى كي يتضح المطلب لمن اراد البصيرة، و انه بعد الفراغ من الاشتراط و كون الامر بيد الامام هل ورد الاذن منه (عليه السلام) أولا.

فنقول بعونه تعالى: إن ما يظهر من ذيل كلام الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف كما قلنا تمسك للجواز مع عدم حضور السلطان أو من نصبه لذلك باحدى الروايات الواردة في أهل القرى، فنقول: إن هذه الروايات تكون ثلاثة.

الرواية الاولى: رواية عبد اللّه بن بكير (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم، أ يصلون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال: نعم اذا لم يخافو). (1)

وجه الاستدلال بها انّه سأل عن تكليف قوم ساكنين في قرية، و فرض عدم‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 12 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

72

وجود الشخص الّذي يمكن أن يجمع به يعنى السلطان، فهل لهم أن يقيمون صلاة الجمعة بانفسهم مع عدم من يجمع بهم، و اجاب الامام (عليه السلام) بأنّه يجوز لهم أما إذا لم يخافوا، فاذن (عليه السلام) بانعقاد الجمعة و لو مع عدم حضور السلطان أو من نصبه لذلك.

[في الاشكال بان السؤال عن صلاة الظهر فى الرواية لا عن صلاة الجمعة و جوابه]

فان قيل: إن ظاهر الرواية هو السؤال عن الظهر، و انه مع عدم من يجمع بهم هل يصلون صلاة الظهر بالجماعة أم لا، لظهور قول السائل «أ يصلون الظهر يوم الجمعة في جماعة» في ذلك، و اجاب (عليه السلام) بجواز ذلك مع فرض عدم التمكن من صلاة الجمعة لعدم وجود من يجمع بهم، فالسؤال و الجواب يكون عن صلاة الظهر فلا ربط للرواية بصلوة الجمعة.

فانه يقال: و لو كان ظاهر كلام السائل هو السؤال عن الظهر، و لكن قوله (عليه السلام) «اذا لم يخافوا» قرينة على كون المراد من الظهر هو صلاة الجمعة، لأنّ اتيان الظهر بالجماعة مع عدم التمكن من صلاة الجمعة لا خوف فيه و لا تقية فيه، بل الخوف يكون في انعقاد صلاة الجمعة بدون حضور السلطان أو من نصبه لذلك، لانّهم يعدّون أمر هذه الصّلاة من شئون السلطان، فانعقادها على خلاف ما عند المخالفين ربّما يكون مورد الخوف، فلهذا قال (عليه السلام) «نعم اذا لم يخافوا».

هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه الاستدلال بالرواية.

و فيه أن مفاد الرواية أمر آخر، و نقول مقدمة: اختلفت العامة في انّه إذا لم تنعقد صلاة الجمعة لعدم حصول شرطها فهل يصح اتيان صلاة الظهر بالجماعة في يوم الجمعة أم لا، فبعضهم قال بالجواز مع الكراهة، و أبو حنيفة قال بعدم الجواز.

إذا عرفت ذلك نقول: إن سؤال السائل عن جواز اتيان الظهر جماعة في يوم الجمعة و عدمه، مع عدم التمكن من اتيان صلاة الجمعة، و جواب الامام (عليه السلام) بجواز‌

73

ذلك لكن في صورة عدم الخوف، يكون من باب أن السائل كوفي، و حيث كانت الفتوى المتداولة في الكوفة و نواحيها في عصر السؤال هي فتوى أبي حنيفة، فقيّد الجواز بعدم الخوف، لأنّ اتيان صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة مخالف لفتوى ابي حنيفة، فجوز الامام (عليه السلام) لهم ذلك مع عدم الخوف من المخالفين، فالسائل سأل حتى يعلم بأنّه يجوز اتيان الظهر جماعة يوم الجمعة، أو يكون الأمر كما افتى به ابو حنيفة، فقال (عليه السلام) بجواز ذلك مع التقييد بعدم الخوف لاجل التقية عن المخالفين التابعين لابي حنيفة. (1)

[في ان رواية محمد بن مسلم لا تدلّ على الاذن]

الرواية الثانية: رواية محمد بن مسلم عن احدهما قال: «سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، و يصلون اربعا إذا لم يكن من يخطب» (2).

وجه التمسك بكون الرواية دالة على الاذن في انعقاد صلاة الجمعة حتى مع عدم حضور الامام هو مفهوم قوله «اذا لم يكن من يخطب» لأنّ مفهومه هو انّه إذا كان من يخطب يجب اتيان صلاة الجمعة.

و فيه أن مفاد الرواية ليس إلا السؤال عن اناس يكونون في قرية، و انهم هل‌

____________

(1)- أقول: و لو اغمضنا عما قاله سيدنا الأستاد- مد ظله- فأيضا لا يمكن استفادة ظهور للرواية في كون المراد صلاة الجمعة بقرينة قوله «إذا لم يخافوا» فانّه كما لا يمكن اقامة صلاة الجمعة في قبال المخالفين، كذلك لا يمكن انعقاد صلاة الجماعة علنا في قبال جماعتهم، لكونه أمرا مستنكرا عندهم، و حتى الآن يكون كذلك، بل لا بد من الحضور في جماعتهم، و كيف يمكن انعقاد جماعة في قبال جماعتهم، فانهم يعدون ذلك شق عصا المسلمين، فعلى هذا بعد كون الظاهر من صدر الرواية هو كون السؤال عن الظهر، فجواب الامام (عليه السلام) بجواز ذلك مع عدم الخوف يكون مناسبا للسؤال. (المقرّر).

(2)- الرواية 1 من الباب 3 من أبواب صلاة الجمعة في الوسائل.

74

يصلون الجمعة بالجماعة و على هذا إمّا أن يكون المراد من الجمعة صلاة الجمعة على احتمال، فيكون سؤال السائل عن جواز صلاة الجمعة بالجماعة، و انه يصح اتيانها جماعة، فأجاب (عليه السلام) نعم، يصلون جماعة لكن أربع ركعات إذا لم يكن من يخطب يعني: مع عدم من يخطب بهم لا بدّ من أن يصلّوا الظهر، و لكن هذا الاحتمال لا يناسب سياق الرواية.

و إما أن يكون السؤال من اتيان صلاة الظاهر جماعة، و لا ينافي ذلك تعبير السائل عن الظهر بالجمعة، لأنّ اطلاق الجمعة و ارادة الظهر منها ورد مكررا في الروايات مثل رواية فضل بن عبد الملك الّتي يأتى الكلام فيها إن شاء اللّه، فسأل السائل بأنّه هل يجوز اتيان الظهر جماعة، فقال (عليه السلام): نعم، يجوز لهم و يصلون أربع ركعات إذا لم يكن من يخطب بهم، و على كلا الاحتمالين يكون فرض السائل هو القرية.

فنقول:

أولا: بأن المفروض عند السائل هو عدم انعقاد صلاة الجمعة من ناحية السلطان أو من نصبه لذلك، لعدم كون السلطان في القرية، و لهذا سأل عن جواز انعقاد أهل القرية الصّلاة الجمعة بلا حضور السلطان أو من نصبه لذلك على الاحتمال الاول، أو الظهر على الاحتمال الثاني، فاجاب (عليه السلام) بجواز الجماعة، و لكن يصلون أربع ركعات، فيكون ذكر قوله (إذا لم يكن من يخطب) قيدا غالبيا لعدم السلطان أو من نصبه لذلك في القرية غالبا، فبعد كون قيد (من يخطب) قيدا غالبيا مثل (و ربائبكم اللاتي في حجوركم) فلا مفهوم لهذا الكلام يعني: لقوله (إذا لم يكن من يخطب) فلا وجه لأن يقال بأن المستفاد من الجملة الشرطية هو الوجوب إذا كان من يخطب.

75

و ثانيا: لو فرض كون المفهوم لقوله (إذا لم يكن من يخطب) و كون مفهومه يجوز أو يجب انعقاد صلاة الجمعة مع وجود من يخطب في القرية.

فنقول: إن من يخطب قابل بحسب الاحتمال لأنّ يكون من يخطب المعهود يعني السلطان أو المنصوب من قبله و قابل لأنّ يكون المراد ممّن يخطب كل من يقدر على اداء الخطبة.

فان لم نقل بكون أقوى الاحتمالين الاحتمال الاول، فلا وجه لترجيح الاحتمال الثاني أما أولا فلما قلنا من أن المعهود هو كون انعقاد صلاة الجمعة بيد السلطان أو المنصوب من قبله.

و ثانيا: سياق العبارة حاك عن كون الفرض عند السائل هو عدم التمكن من الجمعة المعهودة، و لهذا سأل عن اتيان الظهر جماعة، فاجاب (عليه السلام) بجواز ذلك، و انهم يصلون أربع ركعات، و لكن لرفع توهّم عدم كون القرية مانعة من انعقاد الجمعة، قيد حكمه بما (إذا لم يكن من يخطب) يعني: لو وجد من يخطب المعهود و لو في القرية يجب عليهم اتيان صلاة الجمعة.

و ثالثا: أن الامام (عليه السلام) كان حكمه مشروطا بعدم وجود من يخطب، و من يخطب إن كان من يخطب المعهود فهو، و ان كان من يخطب كل من يقدر على اداء الخطبة، فلازمه حمل الحكم على المورد النّادر لأنّ في القرى خصوصا مع كون اهلها من الاعراب، لا توجد الصورة الّتي لم يكن بين ساكني القرية من لا يقدر على اداء أقل الواجب من الخطبة، و هو الحمد و الصلوات مثلا، لانهم عالمون بذلك، لانهم يؤدون صلواتهم و الصلوات اليومية مشتملة على ذلك، فكيف لا يتمكنون من قراءة الخطبة، و لو فرض مورد فيكون موردا نادرا، فعلى هذا يلزم كون حكم الامام (عليه السلام)

76

باتيان أربع ركعات محمولا على مورد نادر أو غير واقع، و هذا أمر بعيد، فعلى هذا يكون الاقوى بالنظر هو كون المراد ممّن يخطب هو المعهود منه. (1)

[الكلام فى رواية فضل بن عبد الملك]

الرواية الثالثة: رواية فضل بن عبد الملك (قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

إذا كان القوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر). (2)

و فيه- مع انّه لو اخذ بإطلاق قوله «فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا» فلازمه وجوب انعقاد صلاة الجمعة بمجرد وجود كل من يتمكن من اداء الخطبة، و لازم ذلك الالتزام بعدم الاشتراط بوجود السلطان أصلا، و لا يمكن الالتزام به.

انّ غاية ما يستفاد من الرواية هو وجوب صلاة الجمعة مع من يخطب، و من يخطب قابل لأنّ يكون من يخطب المعهود يعني: السلطان أو من نصبه لذلك، و قابل يكون اعم منه و من غيره، و الاحتمال الاول لو لم يكن اقوى للوجوه الّتي قدمناها في الرواية السابقة، فلا اقل من تساوي الاحتمالين، و اثره عدم ظهور للرواية في ما‌

____________

(1)- أقول: و ان قلت: بأن المراد بقوله (من يخطب) كل من يقدر على إنشاء اقل واجب الخطبتين، فالمستفاد من الرواية وجوب الجمعة بمجرد وجود ذلك، و ان لازمه هو كون وجوبها غير مشروط بالسلطان من رأس، لا انّه مشروط به، و لكن قد ورد الاذن لنا بذلك.

نقول: فان كان هذا مدلول الرواية فهو ممّا لا يمكن الالتزام به لما قدمنا من الاجماع على الاشتراط، فتأمل و مع قطع النظر عن ذلك فغاية ما يستفاد من الرواية وجوب الجمعة مع وجود من يخطب، فالرواية تكون في مقام بيان أصل الوجوب مع هذا الشرط، و ليست في مقام ذكر من هو الخطيب، و ان المعتبر فيه اي صفة من الصفات، و انه هل هو السلطان فقط أو كل من يقدر على اداء الخطبة. (المقرّر).

(2)- الرواية 2 من الباب 3 من أبواب صلاة الجمعة في الوسائل.

77

ادعى القائل بالوجوب من استفادة الاذن من الرواية.

[في ذكر اشكال و دفعه]

و لقائل أن يقول: بأن ما رايناه في بعض الروايات في المسألة هو الأمر بصلوة الجمعة، أو اخبر بوجوبها مع الإمام، أو مع امام عادل فعبر بلفظ الامام.

و ما نرى في هذه الروايات الثلاثة هو الأمر بهذه الصّلاة مع وجود من يخطب، فعدل فيها عن التعبير بالامام و عبر بمن يخطب، فنكشف من ذلك بأن المراد من التعبير بمن يخطب، هو أن كل من يتمكن من اداء الخطبة لو وجد، تجب هذه الصّلاة و لو لم يكن الامام أو من نصبه لذلك:

و فيه أن التعبير في هذه الروايات الثلاثة بهذا اللفظ يعني (من يخطب) يمكن أن يكون لاجل ما ورد في بعض الروايات، و من جملة هذه الروايات الرواية الثالثة.

بأن وجه كون صلاة الجمعة ركعتين هو كون الخطبتين مقام الركعتين، ففي هذه الروايات حيث أمر بصلوة الظهر و اتيان أربع ركعات، و لهذا قال يجب الاتيان بأربع ركعات في ما لا يكون من يخطب، لأنه اذا كان من يخطب فيقرأ الخطبتين، و هما تكونان مقام الركعتين، فالتعبير (بمن يخطب) في هذه الروايات يمكن أن يكون وجهه ما قلنا.

هذا تمام الكلام في الروايات الثلاثة الواردة في القرية و كانت واحدة منها منشأ فتوى الشّيخ (رحمه اللّه) على ما يظهر من ذيل كلامه في الخلاف، و قد يتوهم من بعض الاخبار الاخر ثبوت الاذن بانعقاد صلاة الجمعة مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك:

منها: رواية عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة، فليصلوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة، و يتوكأ على قوس أو عصا،

78

و ليقعد قعدة بين الخطبتين، و يجهر بالقراءة، و يقنت في الركعة الاولى منهما قبل الركوع). (1)

و قد تعرضنا لها قبلا أيضا، و قلنا بأن الأمر بلبس البرد و العمامة، و التوكؤ على القوس و العصا الى الآخر، قرينة على كون المراد صلاة الجمعة لا صلاة الجماعة.

وجه الاستدلال بها: على الاذن بانعقاد صلاة الجمعة، هو أن المعصوم (عليه السلام) قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة، يعني: يقيمون صلاة الجمعة، فاذن بها مع وجود السبعة.

[الرواية غير دالة على المدعى]

و فيه: أنّ الرواية غير دالة على ذلك، اذ مرجع ضمير قوله في الرواية «اذا كانوا» غير معلوم، فهل المراد منه كل من كان، أن يكون المراد سبعة مخصوصة، فحيث إن ذلك غير معلوم، فلا يمكن استفادة اذن المطلق منها، بل يستكشف من الرواية بحسب سياقها ان ما نقل منها ليس تمامها، بل الرواية تكون مشتملة على زيادة و لم تنقل تلك الزيادة، خصوصا مع ما في ذيلها من قوله «و ليلبس البرد و العمامة» الخ فالمرجع في كل الافعال يعني (و ليلبس و ليقعد و يجهر و يقنت) غير معلوم، و لم يدر بان المراد من المرجع هو الامام الخاص يعني: امام الأصل، أو يكون المراد هو كل من يقدر على الامامة و اداء الخطبة، فلا يمكن دعوى الظهور للرواية في الاذن بانعقاد صلاة الجمعة لكل شخص.

و منها: ما رواه (2) في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) الّتي قدمنا الكلام فيها المشتملة على بيان الخطبتين، و فيها ما يدل على أن أبا جعفر (عليه السلام) أمر محمد‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2)- الكافى، ج 3، ص 422، ح 6.

79

بن مسلم بأن يقول كذا و كذا، و كان كلامه بصورة الخطاب مثلا و تقول.

فيمكن أن يقال: بأن هذه الرواية تدلّ على وجوب صلاة الجمعة بلا تقييد بحضور الامام أو من نصبه بالخصوص لذلك، و ان الامام (عليه السلام) كما في الرواية أمر الراوي بقراءة الخطبتين قبل صلاة الجمعة بكيفية خاصة، فيستفاد من ذلك مشروعية صلاة الجمعة حتى مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك.

و فيه مع ما قلنا سابقا و مع قطع النظر عن اضطراب متن الحديث، لما ورد في بعض مواضعه بصورة الخطاب، ثمّ في بعض مواضعه بعنوان الغائب مثلا في موضع قال (و تقول) و في موضع آخر قال (و يدعو اللّه).

نقول بأن غاية ما يستفاد من الرواية هو أنّه (عليه السلام) أمر محمد بن مسلم بقراءة الخطبتين بنحو مخصوص، فهو كما يمكن أن يكون قابلا للاذن العام للناس و منهم الراوي، كما هو ادعاء من يدعي الاذن، كذلك يكون قابلا لكون أمره السائل من باب جعل النيابة للراوي بالخصوص، فكان هو ممّن نصبه لذلك، و لا يبعد ذلك مع جلالة محمد بن مسلم، و إن أبيت عن ذلك، و ادعيت عدم كون الرواية ظاهرة في الاحتمال الثاني، فلا مجال لدعوى ظهورها في الاحتمال الاول.

و منها: الرواية (1) الّتي قد منا ذكرها أيضا و هي رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لاقل من خمسة احدهم الامام، فاذا اجتمعت سبعة، و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم».

بتوهم أن المستفاد من الرواية الاذن في انعقاد صلاة الجمعة إذا اجتمعت‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

80

سبعة نفر و لم يخافوا، فبمجرد عدم الخوف مع وجود سبعة نفر يقيمون صلاة الجمعة، و يجعلون إماما باختيارهم من افرادهم، و يجمعون به، فواحد منهم يصير إماما و الآخرون يقتدون به، و يقيمون صلاة الجمعة.

و فيه كما قلنا سابقا لا ندري الذيل اعني «فاذا اجتمعت سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» جزء للرواية، اذ بعد ما نرى بأن الصدوق (رحمه اللّه) يضمّ فتواه بالرواية، يعني: يذكرها متصلة بالرواية في بعض الموارد، كذلك يحتمل أن يكون هذا الذيل أيضا فتواه و ذكرها بعد الرواية، فان الصّدوق (رحمه اللّه) ذكر الرواية في الفقيه بهذا النحو.

[الكلام فى نقل كلام الصدوق فى كتابه المسمى بالهداية]

و يؤيد هذا الاحتمال اعني كون الذيل من الصّدوق (رحمه اللّه):

أوّلا: ما ذكره في كتابه المسمّى بالهداية في باب فضل الجماعة، فان ظاهر كلامه و إن كان باب فضل الجماعة، و لكن ما ذكر في هذا الباب ليس مربوطا الا بصلوة الجمعة، و هو بعد ذكر بعض ما يكون مربوطا بصلوة الجمعة قال «فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» فانك ترى أن ما ذكر هنا في مقام الفتوى، هو عين ما نقل في ذيل هذه الرواية المبحوث عنها، ثمّ قال بعد ذلك: و الخطبة بعد الصّلاة لانها بدل الاخيرتين، و قدمهما عثمان، ثمّ قال «و السبعة الذين ذكرناهم الإمام و المؤذن و القاضي و المدعى عليه و المدعي حقا و الشاهدان» فانت ترى بأن كلامه هنا في مقام الفتوى هو عين كلامه الّذي نقل في ذيل الرواية، فهذا يؤيد كون الذيل أيضا فتواه، و ما قاله: بأن الخطبة في صلاة الجمعة بعدها و انما قدمهما عثمان اشتباه محض لأنّ المسلم خلاف ذلك.

و ما قاله في ذيل كلامه يستفاد منه أن مراده من الامام في السبعة الذين أحدهم الإمام هو امام الأصل، لأنّ ما قال بأن (السبعة الذين ذكرناهم الامام و ...)

81

هو عين مدلول رواية محمد بن مسلم، و هي الرواية 9 من الباب الثاني من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل المتقدم ذكرها عند ذكر الأخبار الدالة على اشتراط الامام الأصل في مشروعية صلاة الجمعة، غاية الأمر عد واحدا من السبعة في رواية محمد بن مسلم (الذي يضرب الحدود) و الصدوق عد بدله (المؤذّن).

و وجه كون مراده من الامام هو امام أصل ما قلناه في ذيل رواية محمد بن مسلم المتقدمة من أنّ ما يعد من السبعة مع الامام لا يناسب وجودهم إلا مع إمام الأصل، لأنه هو الّذي عنده القاضي و المدعي و المدعى عليه و الشاهدان، و ان كان الامام أعم من الامام الأصل و غيره يعني: كل من يمكن الاقتداء به في الجماعة، فليس غالبا فقيها و مجتهدا حتى يكون عنده هؤلاء الاشخاص، و كان حضور هؤلاء الاشخاص عنده من شئونه.

و ثانيا: ترى أن المحقق في المعتبر، و العلّامة في المختلف، و الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في غاية المراد لم ينقلوا هذه الرواية في مقام التعرض لهذه المسألة و نقلوا أخبارها مع كون الرواية على فرض كون الذيل جزء منها، من اوضح ما في الباب من الروايات على المطلب، و كذا الفاضل المقداد شارح الفقيه قال بعدم كون تلك الفقرة جزء للرواية، فيحتمل أن يكون عدم ذكر المحقق و العلّامة و الشهيد الرواية، من باب وجود مدرك عندهم على عدم كون الذيل جزء الرواية، بل ترى أن في كتاب الفقيه المطبوع في الهند ذكر بعدم كون الذيل اعني «و لا جمعة لاقل من خمسة الخ» من الرواية.

و بعد ما تلونا عليك لم يبق الوثوق بكون الرواية مشتملة على الذيل بل من المحتمل أن يكون من فتاوى الصّدوق (رحمه اللّه)، فلا يمكن عدها جزء الرواية، لأنّ بناء‌

82

العقلاء لم يكن في مثل هذه الموارد على الاخذ، فلا يمكن الحكم بمقتضى اصالة عدم الزيادة بأن الذيل جزء الرواية، لأنّ منشأ هذا الأصل هو بناء العقلاء و لم يكن هنا بناء العقلاء مع ما ذكرنا على ذلك.

هذا كله مع قطع النظر من أن الرواية ان كانت كذلك، فلازمها هو وجوب صلاة الجمعة بمجرد وجود السبعة بلا اشتراطه بالامام، فالرواية تصير معارضة قدمناه من الأخبار و الاجماع و السيرة على الاشتراط، فعلى هذا أيضا لا يمكن الاخذ بها. (1)

[ذكر رواية زرارة ثانيا و الكلام فيها]

و منها رواية زرارة المتقدم ذكرها أيضا قال: حثنا ابو عبد اللّه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، أنما عنيت عندكم. (2)

وجه الاستدلال بها: انّه (عليه السلام) حثّ على صلاة الجمعة و كان شدة حثه بمرتبة توهم السائل بأنّه (عليه السلام) اراد أن يقيمها، فقال: نغدو عليك؟ فقال: لا، انما عنيت عندكم، يعني: يكون المقصود ان تقيموها عند انفسكم، و لا يلزم حضور الامام، فتدل الرواية على الاذن بانعقاد الجمعة و لو مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك.

و فيه أن في الرواية احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون الحث و الترغيب لحضور صلاة العامة، فالرواية‌

____________

(1)- أقول: و لقد تقدم منى توجيه آخر للرواية عند تعرضنا لها سابقا، و مع هذا الوجه لا يمكن الاستشهاد بها لكلا الدعويين أعني نفي الاشتراط و ثبوت الاذن فراجع. (المقرّر).

(2)- الرواية 1 من الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة في الوسائل.

83

على هذا الاحتمال تدلّ على الحث على حضور صلاة جمعة العامة لرعاية التقية، و وقاية الشيعة من خطر مخالفيهم، فان كان المراد من الرواية هذا فلا ربط لها بالاذن على انعقاد صلاة الجمعة.

الاحتمال الثاني: انّه بعد كون صلاة الجمعة ممّا يتقوّم أمرها بصنفين: صنف يكون وظيفتهم الامامة في هذه الصّلاة، لانها لا تنعقد إلا بالامام حتى يقتدى به، و صنف يكون شأنهم المامومية لتقوّم انعقادها بوجود المأموم أيضا، و إلا لم تتحقق الجماعة فيها، لانّ الجماعة لم تتحقق إلّا بالامام و المأموم.

نقول: بأن الرواية تدلّ على الحث و الترغيب من حيث الثاني، يعني: حيث المامومية يعني يرغبهم الامام (عليه السلام)، و يحثهم على أن يصيروا مأمومين في صلاة الجمعة، و يشتغلون بحفظ هذه الجهة، و ظن زرارة بأنّه (عليه السلام) حثهم بالاقدام على ما هو وظيفتهم من المامومية من باب انّه (عليه السلام) اراد أن يحضر لاقامة الجهة الاخرى يعني:

حيث الامامة و أن يقوم بالامر، فقال (نغدو عليك) فاجاب (عليه السلام) لا اعنى: لا اريد أن تحضروا في صلاتي، انما عنيت عندكم.

فبعد كون الصدر على هذا تحريصا على حيث الماموميّة، فيكون المراد من الذيل بتناسب الصدر، هو انكم تصيرون مأمومين عندكم لا عندي، فالرواية غير متعرضة الا لحيث المامومية، و انجام هذه الوظيفة، و لا تعرض لها لحيث إمامة صلاة الجمعة و أن أمرها على أي كيفية كانت، فالحث على أن يصيروا مأمومين، و امّا صيرورتهم مأمومين في أي جمعة، و مع اي امام فالرواية غير متعرضة لذلك، فلا يستفاد على هذا الاحتمال الاذن من الرواية.

الاحتمال الثالث: أن يكون الحث و الترغيب في الرواية على أصل صلاة‌

84

الجمعة، فبعد كون صدرها تحريصا على أصل صلاة الجمعة، فالذيل أيضا ليس إلا ما حث (عليه السلام) عليه في الصدر، فالمراد من قوله (انما عنيت عندكم) هو أن المقصود الحث على انعقاد صلاة الجمعة عند انفسكم بلا احتياج الى حضوري، و على هذا الاحتمال فلهم أن يقيموا هذه الصّلاة إما وجوبا أو جوازا بدون اشتراط حضور الامام، و على هذا لا يلزم أن يقال بوجوب صلاة الجمعة عليهم، بل لا مانع من أن يكون بنحو الجواز و صرف المشروعية حتى يناسب مع كون صلاة الجمعة احد فردي الواجب التخييري، و يكون فرده الآخر صلاة الظهر، و يقال: إن مع الامام يجب صلاة الجمعة معينا، فالامام شرط للوجوب و مع عدم حضور الامام يجوز انعقادها و لو انعقدت تسقط صلاة الظهر، و على هذا الاحتمال كان الامام (عليه السلام) في مقام الافتاء، و افتى بمشروعية صلاة الجمعة او وجوبها حتى مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك.

[مع عدم ظهور الرواية للاحتمال الاول و الثانى فلا ظهور له فى الاحتمال الثالث أيضا]

إذا عرفت هذه الاحتمالات، فان لم يكن ظاهر الرواية مساعدا للاحتمال الاول أو الثاني، فلا اقل من عدم ظهورها في الاحتمال الثالث، مضافا الى أن الرواية لو كانت دالة على الافتاء- على الاحتمال الثالث- يستفاد منها مشروعية الجمعة و لو مع عدم الامام أو من نصبه لذلك، و الحال أن ظاهر كلام المجمعين هو الاجماع على كون أصل المشروعية مشروطا بالامام أو من نصبه لذلك، فمع هذا الاجماع كيف يمكن الالتزام بمشروعية صلاة الجمعة من رأس بدون حضور الامام أو من نصبه لذلك. (1)

____________

(1)- اقول: ان قلنا بان المستفاد من الرواية هو الاحتمال الثالث، و قدمنا الرواية على ما دل-

85

و منها: ما رواه عبد الملك عن ابي جعفر (عليه السلام) (قال: قال: مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه، قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة يعني صلاة الجمعة). (1)

و قد تعرضنا لها سابقا أيضا.

وجه الاستدلال: انّه بعد ما قال (عليه السلام): مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّه و قال عبد الملك: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة يعني صلاة الجمعة، أمره (عليه السلام) بانعقاد الجمعة، فيستفاد الأذن منها بأن تنعقد صلاة الجمعة حتى مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك.

[لا يمكن ان ما ذكر فى رواية عبد الملك تمام الرواية و لم يسقط منها شي‌ء]

و فيه أولا: أن سياق الرواية حاك عن عدم كون كلام الامام (عليه السلام) بدوا ما نقله الراوي بدون زيادة و نقيصة، أو بدون سبق كلام، أو بدون تناسب خارجي، بل متن الحديث يشهد بأن ما نقل مسبوق بكلام أو واقعة خارجية غير منقولة، لا انّه (عليه السلام)

____________

على اشتراط صلاة الجمعة بالامام او من نصبه لذلك، فلا بد من أن يقال بالوجوب التعييني مطلقا، لأنّ الحثّ كان على الجمعة المشروعة، و وجوب صلاة الجمعة المشروعة مسلم في الجملة، و انما الكلام كان في اشتراط وجوبها بالامام و عدمه، و بعد عدم الاشتراط بناء على الاخذ بالاحتمال الثالث في الرواية، فلا بد من ان يكون انعقادها واجبا بالوجوب التعييني، و لا معنى للوجوب التخييري، و قوله (حثنا) و ان كان بمادته قابل للحمل على الاستحباب و الترغيب على الامور المستحبة، لكن المورد غير قابل لذلك، لأنّ الحث على صلاة الجمعة و هي واجبة ضرورة في الجملة، و بعد عدم الاشتراط بالامام على فرض تقديم هذه الرواية فلم يبق الا وجوب اصل صلاة الجمعة، و الحث على هذا لا يكون الا عليها فتامل، و لا يبعد كون اقوى الاحتمالات هو الاحتمال الاول. (المقرّر).

(1)- الرواية 2 من الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة في الوسائل.

86

تلكم بهذا الكلام بدوا بمجرد رؤية عبد الملك، بأنّه قال له بمجرد أن راه (مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّه).

و كيف يكون عبد الملك- مع جلالته المشار به بقوله (مثلك يهلك) يعني: أنت مع شأنك و مقامك تهلك- تاركا لفريضة فرضها اللّه، و ما كان آتيا بها أصلا، فهذا مؤيد على أن هذا الكلام مسبوق بسابقة غير منقولة، و لا ندري ما هي السابقة كانت في البين.

فبعد هذا الاحتمال المؤيد بسياق الرواية، لم يحصل لنا الجزم بكون ما نقل من الرواية تمام الكلام الواقع بين الامام (عليه السلام) و بين السائل بلا سبق أمر خارجي، أو كلام آخر، بل يمكن أن يكون هذا الكلام مسبوقا بامر آخر لو وصل إلينا نستكشف أمرا آخرا من الرواية.

و ثانيا: ما قلنا سابقا من كون الرواية قابلة لكونها صادرة لأنّ يراعي الراوي التقية يعنى: يحضر في جماعة العامة، و لا يترك ذلك كلية حتى يصير سببا للفساد و هلاكته، كما أن ما قلنا في الوجه الأوّل من احتمال سبق أمر خارجي في البين، و هو صار منشأ تشدّد الامام (عليه السلام)، و أن يقول (مثلك يهلك) هو هذا اعني: إما علمه (عليه السلام) بأن عبد الملك لا يحضر في جماعة العامة، أو كان في المجلس واحد منهم و عنده قال (عليه السلام) بعبد الملك ما قاله حتى يرى الشخص المخالف الحاضر بأنّه (عليه السلام) يأمر مواليه بالحضور في جماعتهم و جمعتهم.

و ثالثا: هذا على تقدير استبصار عبد الملك و وروده في منهج الحق، و امّا على تقدير عدمه، فقال ذلك بشخص من العامة، و تكلم معه، و أمره موافقا لمذهبه رعاية لبعض المصالح.

87

[خطاب الامام (عليه السلام) بعبد الملك لمراعاته التقية لا الاذن]

و رابعا: أن ما في ذيل الرواية «يعني صلوا الجمعة» بعد قوله «صلوا جماعة» ليس من كلام الامام، لأنّه لو كان كلامه (عليه السلام) فمقتضى القواعد الادبية أن يقول «اعني صلاة الجمعة» لا أن يقول «يعني صلاة الجمعة» لأنّ المتكلم لو قصد بصلوة الجماعة صلاة الجمعة، كان اللازم أن يقول «اعني» لا «يعني»، فالذيل قابل لأنّ يكون من عبد الملك راوي الرواية، و قابل لأنّ يكون من كلام واحد من رواة الرواية غير عبد الملك، فبعد عدم كون ذلك من كلام الامام، بل عدم معلومية كونه من كلام عبد الملك، فلا يمكن أن يقال بكون الذيل أمر بصلوة الجمعة، بل نبقى نحن و ما بقى من الرواية، و غاية مدلولها، مع قطع النظر عما قلنا، هو الأمر بصلوة الجماعة، و هذا الأمر محتمل لأنّ يكون الأمر بالحضور في جماعة العامة، و كان المراد من الفريضة في الرواية الفريضة الّتي يفعلها تقية، و انك لم لم تراع التقية، و هذا الوجه و ان كان بعيدا، و لا يبعد أن يكون المراد من الأمر بالصّلاة الأمر بصلوة الجمعة و لو مع عدم ذيل الرواية، و لكن هذا الاحتمال أيضا من محتملات الرواية، و لا ظهور لها في الاذن بصلوة الجمعة و لو مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك.

هذا تمام الكلام في الأخبار الّتي يمكن أن يتمسّك بها للاذن على انعقاد الجمعة في حال عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك، و قد ثبت لك ممّا بينا لك في هذا المقام عدم ظهور للروايات في الاذن المطلق للجميع بحيث كان لكل سبعة إقامتها، و نحن تابع لدليل ظاهر في المدعى و لم نجد ذلك بين الاخبار اصلا.

و بعد ما تبين لك عدم ثبوت الوجوب التعييني لصلاة الجمعة مطلقا حتى بدون حضور الامام أو من نصبه لذلك من الادلة، بل أوضحنا خلافه و بينا لك كون الاشتراط مسلم بالأدلّة، و اثبتنا بعد ذلك عدم ورود الاذن العام من ناحية من بيده‌

88

أمر صلاة الجمعة اعني: الامام باقامتها للناس بطريق العموم، لعدم قيام دليل على ذلك.

هل يمكن أن يقال: بأن المستفاد اجمالا من بعض الأخبار المذكورة، هو تمكن الشيعة من صلاة الجمعة الصغيرة في زمان عدم تمكنهم من انعقاد صلاة الجمعة الكبيرة، لاجل عدم بسط يد الأئمة (عليهم السلام) و ان لم ندر بكون تمكنهم الشرعي على انعقاد صلاة الجمعة باي نحو كان إمّا من باب كون واحد منهم منصوبا من قبلهم (عليهم السلام) في الخفاء، أو اذن لجمع مخصوص في ذلك، أو اذن لمطلق الشيعة، فان لم نعلم هذه الخصوصيات من أخبار الباب، لكن أجماله معلوم كما يشعر بذلك رواية محمد بن مسلم (1) المشتملة على بيان الخطبتين، لما ورد من الأمر لمحمد بن مسلم بأن (تقول كذا) و ما صدرت الرواية تقية للامر فيها بالدعاء لائمتك حتى تنتهي الى صاحبك، و رواية عمر بن حنظلة (2) الّتي يستفاد منها أن المعصوم (عليه السلام) جعله رسولا لأنّ يبلغ كون صلاة الجمعة مشتملة على القنوتين: قنوت في الركعة الأولى و قنوت في الركعة الثانية، و هذه الرواية أيضا لم تكن صادرة على وجه التقية لأنّ اعتبار القنوت في الركعة الأولى مضافا الى القنوت المعتبر في الركعة الثانية للصّلاة الجمعة من متفردات الامامية، و روايات القرى فانّه هل يمكن استشعار كون صلاة الجمعة مشروعة لهم منها.

[لا يمكن الجزم بورود الاذن من المعصومين (عليهم السلام)]

و لكن بعد هذه البيانات، كما قلنا سابقا، لا يمكن الجزم بورود الاذن من قبلهم (عليهم السلام) و عدم معلومية ذلك، فاذا نقول: لم نجد دليلا يمكن الاتكال عليه على ورود‌

____________

(1)- الكافي، ج 3، ص 422، ح 6.

(2)- الرواية 5 من الباب 5 من أبواب استحباب القنوت فى الركعة الاولى من الجمعة.

89

الاذن منهم (عليهم السلام) باقامتها و لو مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك. (1)

____________

(1)- أقول: إن ما افاده- مد ظله- من امكان استفادة مشروعية صلاة جمعة صغيرة على الشيعة فى الجملة من بعض الأخبار، ممّا لا دليل عليه، كما أنّه لم يجزم بذلك، و أشرنا به في ذيل الكلام، لأنّ ما استظهر منه- مد ظله- ذلك لم يمكن خاليا عن الإشكال.

أما رواية محمد بن مسلم المشتملة على الخطبتين، فلما قلنا من اضطراب متن الحديث، و انه (عليه السلام) يمكن أن يكون، في هذا الكلام، في مقام بيان الحكم، و لا مانع من أن يقول بصورة الأمر و الخطاب، و صرف بيان الأحكام ليس شاهدا على انّها وقعت مورد العمل، كما أفاده- مد ظله- و ايده بذكر رواية الواردة فيمن يمنعه الزحام من أن يصل بسجود الامام في صلاة الجمعة، و انّه مع عدم اتفاق صلاة الجمعة للشيعة مع قلة عددهم بنحو يمنع كثرة الجمعية من وصول الماموم بسجود الامام، و لكن مع ذلك بيّن حكمه.

فلا مجال لأنّ يقال: بأنّه لو لم يكن في البين صلاة جمعة فما معنى تعليم خطبتها.

و امّا رواية عمر بن حنظلة فنقول: أما ما افاده (مد ظله) من عدم جريان احتمال كون الرواية صادرة على وجه التقية، لاشتمالها على القنوتين فنقول: إن ذلك أيضا قابل للدفع، فان القنوت حيث لا يعتبر فيه رفع اليد، فيمكن اتيانه و لو عند المخالفين بحيث لا يلتفتون به، بأن يأتى بذكر القنوت و لا ترفع اليد عندهم، فهم مع كونهم مأمورين بحضور جمعة العامة للتقية، فيعلون هذا الحكم الواقعي اعني: القنوت في ركعتها الأولى، و يأتون به لعدم مانع لهم من العمل بهذا الحكم، فالرواية ليست مشعرة على كون صلاة الجمعة مشروعة لهم غير ما لا بد لهم دائما أو بعضا من الحضور عندها اعني: صلاة جمعة المخالفين.

مضافا الى أن هذه الرواية لا تدلّ الا على بيان حكم آخر، و هو القنوت، و امّا كون هذا الحكم من باب كون جمعة لهم خارجا، و بيان آداب عملهم الخارجي، فلا دلالة لها، و مع قطع النظر عن ذلك نقول: بأن الرواية لو لم تكن شاهدا على الخلاف لم تكن دليلا للمطلب، لأنّ المعصوم (عليه السلام) اخذ رسولا لأنّ ينبه الشيعة بحكم من احكام صلاة الجمعة يكون على خلاف العامة، فلو كانت صلاة الجمعة غير مشروطة بالامام، أو اذن لشيعتهم و الحال أن وضعها الخارجى على ذلك، فكيف لم ينبه الشيعة و لم يبينوا لهم، فهذا شاهد على عدم كون الأمر كذلك.-

90

فظهر لك ممّا مرّ عدم ثبوت ما ادعاء الشّيخ (رحمه اللّه) في ذيل كلامه في الخلاف من ورود الاذن بانعقاد صلاة الجمعة مع عدم حضور الإمام أو من نصبه لذلك تمسكا بالرواية الواردة في القرية.

[هل يجوز انعقادها للفقيه بالخصوص أولا؟]

ثمّ بعد ذلك يقع الكلام في جهة اخرى، و هي انّه هل يجوز انعقاد صلاة الجمعة للفقيه بالخصوص أولا؟ و بعبارة اخرى هل ثبت اذن للفقيه أو هل نصب لذلك أم لا؟ و قد قلنا: بأن الشّيخ (رحمه اللّه) في النهاية في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر قال- في ضمن ما يجوز للفقهاء- بجواز انعقاد صلاة الجمعة لهم.

و يظهر ذلك من الشهيد (رحمه اللّه) في الدروس بعنوان الاستحباب اعني: يستحبّ لهم انعقادها، لكن من كلام المفيد (رحمه اللّه) في المقنعة، و من كلام تلميذه- اعنى: سلار بن عبد‌

____________

و امّا روايات القرى فقد مضى الكلام فيها و عدم دلالتها على ذلك، و يبعّد كون صلاة الجمعة صغيرة خارجا بين الشيعة أمران.

الأول: انّه لو كانت صلاة الجمعة مشروعة للشيعة بهذه الكيفية، فيقيمونها البتة مع ما ورد من الحث و الترغيب عليها، فمع وجود الجواسيس من ناحية خلفاء الجور و المفسدين، و عمالهم في كل بلد و قرية بحيث يكشفون خصوصيات الائمة (عليهم السلام) و مواليهم و وضعهم، حتى لو أعطي بهم درهما أو دينارا، لأخبار به خلفاء الجور، كيف لا يلتفتون الى صلاة جمعتهم، و انهم اقاموا صلاة في قبال صلاتهم و لو كانت صلاتهم مخفية، و لو التفتوا لذلك لعابتهم و شددوا عليهم الأمر، و يذكرون في مقام ايذائهم من جملة اعمالهم المخالفة لهم، فهذا دليل على عدم كون الأمر كذلك.

الثاني: انّه لو أمرت الشيعة باقامة صلاة جمعة صغيرة من قبلهم، و يقيمونها فكيف صارت مخفية، و لم يبلغ الأمر إلينا مع كون مقتضى القاعدة بلوغ ذلك بنا يدا بيد و إن كانت مخفية، و الحال انّه لا عين و لا اثر من ذلك بين الشيعة، فهذا أيضا شاهد على عدم مشروعية هذا بهذا النحو، و بعد ما قلت و عرضت بمحضره الشريف ما قلت من الايراد، قبل منى تقريبا و قال (مد ظله) بأن ذلك كان من باب الاحتمال. (المقرّر).

91

العزيز الديلمى (رحمه اللّه)- في المراسم لا يظهر ذلك، لانّهما بعد ما عدّا ما هو من شئون الفقهاء حتى عدّا صلاة العيد منه لم يعدّا صلاة الجمعة من ذلك.

فكون انعقادها للفقهاء و من شئونهم بنحو الجواز أو الاستحباب لم يظهر الا من الشيخ (رحمه اللّه) و من الشهيد (رحمه اللّه)، فنرجع الكلام على كل حال في هذا.

و نقول مقدمة: بأن الكلام في باب ولاية الحاكم اعني: الفقيه يقع في مقامين:

الاوّل: في الكبرى.

و الثاني: في الصغرى، و قد خلط كثيرا ما كل واحد من المقامين بالآخر.

المقام الاول: يقع الكلام في انّه من الأمور أمور ليس أمرها راجعا الى الاشخاص، و لا يكونون صالحين للاقدام بها و رتقها و فتقها، و لم يكن أمرها بيدهم حتى يصنعون فيها ما شاءوا، و هذه الأمور راجعة الى كل من يكون قيّما بأمر الناس بحيث لو لم تكن دخالة قيم الأمر، و وضعها في موضعها، تعوق هذه الأمور، و يساق أمرها الى التعطيل نظير أمر القصّر و الغيّب، و رفع التخاصم بين الناس، و الدفاع عن الملة و غير ذلك، و لو لا دخالة للسائس بالامر و القيم و زعيم الامة لساق أمر الامة و الرعية الى النكال، و الاختلال.

و ليس هذا الأمر مخصوصا بدين الاسلام، بل و لا مخصوصا بذوي الاديان، بل نرى أن هذه الأمور في كل ملة من الملل ليست من شان كل واحد من الناس الدخالة فيها، بل يكون أمرها راجعا الى من بيده زمام امورهم، و من هو قيم عندهم، أو رئيسهم، أو سلطانهم، أو سائسهم، و هو يقيم هذه الأمور و امثالها.

[من وضع تشريع الاحكام و عدم جواز تعطيلها يمكن ان يقال بعدم رضى الشارع بتركها و يجب على الفقيه اقامتها]

فبعد كون الأمر كذلك عند كل ملة من الملل سواء كانوا من ذوي‌

92

الاديان أولا:

نقول: بأن شرع الاسلام حيث تكون شريعة تامة و روعي فيه كل الجهات بحيث لم يبق شي‌ء من الأمور الدنيوية و الاخروية، سياسية و غير سياسية إلا و بيّن ما يحتاج إليه البشر و لم يعطّل أمرهم من الأمور الدنيوية و الاخروية في شأن من الشئون.

و ليس شرع الاسلام مثل ساير الشرائع الّتي لم يكن فيها ما يرفع احتياج البشر من كل الجهات، كما ترى من شرع المسيح فليس فيه، كما ترى، في أنا جيلهم إلّا بعض الأمور الاخلاقية مع ما فيها من الخرافات، بحيث ليس لهم قوانين في جهاتهم الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و غير ذلك.

بل إن مذهبنا جاء بجميع ما هو طريق سعادة البشر في الدنيا و الآخرة، و هو دين امتزجت السياسية بالعبادة، و العبادة بالسياسة، و لذا ترى أن بعض احكامها في عين السياسة عبادة، و في عين العبادة سياسة كما ترى في فريضة الحج، فهي من افضل القربات، و وسيلة الانقطاع من الخلق الى الخالق، و طريق القرب إليه، و في عين هذا الحال من أعظم السياسات لاجتماع المسلمين في محل مخصوص بنظم مخصوص و ترتيب مخصوص، و يظهر بذلك عظمة الاسلام، و فرط توجه المسلمين الى اللّه فشرّع الاسلام أمورا مخصوصة، مع قطع النظر عما كان في ساير الامم، مربوطة بالسياسة و العبادة كالحج و العيدين.

و بعد كون شرع الاسلام ناظرا الى كل الأمور من جهات الإمارة و القضاوة و أمور القصّر و الغيّب و حتى إمارة الحاج و ساير الأمور، و كل هذه الأمور من الأمور الّتي ليست ادارتها و القيام بها شأن كل شخص من الاشخاص، و ليست من‌

93

وظائفهم، فلا بدّ من أن يجعل لهذه الأمور من يقوم بها، و يجرى هذه الأمور مجراها مع كثرة العناية بها، و احتياج الاجتماع الديني إليها، و لذا ترى أن بناء المسلمين كان من الأوّل بانهم إذا فتحوا قارة، فبمجرد ورودهم بنوا مسجدا و دار الإمارة، و كانا هما معا حتى يقيمون الصّلاة في المسجد و تقام هذه الأمور في دار الامارة بيد من هو الامير و القيّم بالامر، كما ترى أن قائد جوهر بمجرد فتحه المصر بنى مسجدا و دار الإمارة في القاهرة، و هذا البلد من بنائه و محل المسجد فعلا يكون جامع الازهر.

و الغرض أنّ الاسلام ناظر الى هذه الجهات، و جعل في الشرع لها شخصية مناسبة لها، و لذا كان في زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من يقوم بهذه الأمور في غير المدينة من قبله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و امّا بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فبعد القاء المنافقين الخلاف في الدين و صار المسلمون فرقتين: فرقة على الضلالة، و فرقة على طريق السعادة، فالطائفة الاولى اعني: العامة قالوا: بأنّ أمر هذه الأمور يكون بيد الخليفة، و من هو قيّم الأمور، و الفرقة الحقة قالوا: بأنّ الأمور لا بد و أن تكون بيد خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فالاختلاف في الصغرى، لانا نقول: بأن الخليفة هو علي ابن أبي طالب (عليه السلام) و اولاده المعصومين (عليهم السلام)، و هم مخالفون في ذلك، و على كل حال فهم يقولون: بأن اقامة هذه الأمور العامّة و وضعها في موضعها بيد الخليفة، و كل من ينصبه الخليفة لذلك، و امّا نحن جماعة الشيعة فحيث أن ائمتنا غير امير المؤمنين (عليه السلام) في مدة قليلة لم يكونوا‌

مبسوطي اليد، ففي زمانهم مهما امكن لهم التصرف في هذه الجهات و وضعها في موضعها عملوا بوظيفتهم، و تصرفوا فيها، و قاموا بشئونها.

و امّا في زمان الغيبة، فبعد ما قلنا من احتياج الامّة، و حفظ جهاتهم برعاية هذه الأمور، و عدم جواز تعطيلها، لانها من شئون الدين و قوام أمر المسلمين، و عدم‌

94

كونها وظيفة كل احد من الآحاد، فكيف يمكن أن لا يصدر من المعصومين (عليهم السلام) ما هو الموقف، و أن الأمر في هذه الأمور بيد أي شخص كان، و من هو الصالح لتصديها.

فهل يمكن أنهم لم يعينوا للقضاوة و الحكومة بين الناس لرفع التخاصم أحدا؟

و هل سكتوا عن ذكر شخصية صالحة للقيام بأمور الغيّب و القصّر؟ و هل تركوا تكليف الشيعة في انّه إذا توجه إليهم الخصم، فالى من يكون أمر الدفاع و التجهيز و غير ذلك؟ كلا، فنكشف انهم بينوا من هو المرجع في كل جهة محتاجة إليها، لا في كل جهة و لو لم تكن الشيعة محتاجة لها، أولا يمكن لهم من باب الخوف أو ضعفهم في قبال المخالفين اقامتها، بل لا بد لهم من تعيين مرجع يحتاج إليه مواليهم و جماعة الشيعة بحيث لو لم يكن مرجع فيهم لاختلّ أمورهم، فلا بدّ من أن يصدر من ناحيتهم من هو المرجع و القيّم لهذه الأمور.

[فبعد لزوم قيم لها فالقيم هو الفقيه]

إذا عرفت في هذا المقام لزوم وجود قيّم لاقامة هذه الأمور بطور المسلم و المقطوع، فثبت الكبرى و هو أن الأمر في هذه الأمور بيد قيّم الأمر، فنتكلم بعد ذلك في المقام الثاني اعني: من هو القيم و المرجع، و الذي بيده اقامة هذه الأمور فنقول:

المقام الثاني: بعد ما ثبت أن أمر هذه الأمور يكون بيد قيم المسلمين، فمن هو القيّم عند الشيعة، فنقول: بأنّه من المسلم عدم جعل منصب لغير الفقهاء من قبلهم (عليهم السلام)، لانا بعد المراجعة في الآثار و الأخبار لم نر أنهم (عليه السلام) فوضوا أمر هذه الأمور في مورد الى غير الفقهاء، مثلا في القصّر بعد عدم وجود الولي لم يوكل، أمر الصغار الى شخص أو طائفة غير الفقهاء، فنرى عدم جعل منصب، و ايكال أمر من هذه الأمور العامة الى أحد غير الفقهاء، و الحال أنهم (عليه السلام) لو فوضوا الأمر الى غير الفقهاء لوصل إلينا، و لم يصر محجوبا عنا، ثمّ نرى الارجاع من قبلهم (عليه السلام) الى الفقهاء‌

95

في بعض الموارد مثل القضاء و الفتوى و أمر الصغار.

فنقول: بعد ما ثبت لك من لزوم قيّم لهذه الأمور العامة في المقام الأوّل.

فإمّا أن يقال بعدم تعيين قيم لاقامة هذه الأمور من ناحيتهم (عليه السلام)، فهو ممّا لا يمكن الالتزام به، لأنّهم كيف يعطّلون أمر الناس.

و إمّا أن يعيّنوا (عليهم السلام) لهذه الأمور مرجعا صالحا و شخصية مخصوصة و في هذه الصورة.

فإمّا أن يقال: بأنّهم فوضوا الامر الى شخص أو أشخاص غير الفقيه فهو مقطوع العدم، لعدم عين، و لا اثر من ذلك في الآثار و الأخبار.

فلم يبق إلّا كون المرجع و قيّم الأمر في هذه الأمور من قبلهم (عليهم السلام) الفقيه، فالمتيقن ممّن له اهلية الدخالة في هذه الأمور هو الفقيه، لأنه المتعين من قبلهم للقيام لهذه الجهات و المنصوب من ناحيتهم لوضع هذه الأمور في موضعها.

فعلى هذا لو لم يقم دليل خاص على نصب الفقيه في مورد و أن أمره بيده، نقول: بكون الأمر بيده لما استفدنا بنحو الكلي من كون أمر هذه الأمور العامة في زمان غيبة الامام (عليه السلام) بيد الفقيه.

فلو لم تكن مقبولة عمر بن حنظلة (1) و لا رواية أبي خديجة (2) و لا غيرهما نقول: بكون أمر مثل القضاء و أمر الغيّب و القصّر، و كل ما لا يمكن تركه، و يلزم القيام بامره، راجعا الى الفقيه.

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 11 من أبواب صفات القاضى من الوسائل.

(2)- الرواية 5 من الباب 1 من أبواب صفات القاضى من الوسائل.

96

اذا عرفت ذلك فهل يمكن أن يقال بأن أمر صلاة الجمعة أيضا من الأمور أمرها راجع الى الفقيه، و انه يجب عليه اقامتها و لا يختل بامرها أولا؟

[القول بان ولايته تقتضى الدخالة حتى فى مثل صلاة الجمعة مشكل]

فنقول: إنه و ان ذكرنا وجها لطيفا لاثبات ولاية الفقيه، و لكن الالتزام بأن ولايته تقتضي الدخالة حتى في مثل صلاة الجمعة، مشكل فانها ليست من الأمور الّتي لا يجوز تركها، و يضر الاخلال بامرها، و لم يقع اخلال في الجهات الدينية من عدم انعقادها، فعلى هذا كون اقامة صلاة الجمعة من مناصب الفقيه بحيث يكون الفقيه، من نصبه الامام (عليه السلام) لذلك بالاذن العام، مشكل و لم نقل به.

ثمّ إن مع قطع النظر عما قلنا في وجه ولاية الفقيه نقول: بأن مقبولة عمر بن حنظلة و ان وردت في مورد سؤال السائل عن الدين و الميراث، إلا أن المستفاد منها بعد جعل الفقيه بمقتضى الرواية حاكما على الناس، و اعطاء هذا المنصب له، فله شئون الحكومة، و ما يكون أمره راجعا الى الحاكم خصوصا مع التصريح في الرواية بذلك بقوله «و قد جعلته حاكما عليكم»، فالمستفاد من ذلك هو جعل الحكومة المطلقة، لأنّه لم يقل (جعلته حاكما عليكم في مورد رفع الخصومة).

و لا مجال لأنّ يقال: بأنّ الامام (عليه السلام) جعل الفقيه حاكما في خصوص رفع الخصومات، فكيف يتعدى الى غير هذا المورد لانّا نقول:

أمّا أولا: لأنّ البناء إن كان على الجمود و بخصوص المورد، فلازمه هو كون الفقيه في خصوص رفع الخصومة في خصوص الدين و الميراث، و لا يمكن الالتزام بذلك، و إن تتعدى عن المورد و قيل بعدم الفرق بين الدين و الميراث و بين غيرهما من حيث رفع التخاصم، و جعل الحكومة، فكذلك يقال بعدم الفرق بين رفع التخاصم و غيره خصوصا مع ما قلنا من أن جعل الحكومة مقتضيا لكون أمور الحكومة‌

97

راجعا الى من نصب للحكومة.

و ثانيا: ما ورد في الرواية في تعيين الولاية لعدول المؤمنين، يستفاد منها أن السائل فرض موردا لم يكن القاضي في البين، و أرجع المعصوم (عليه السلام) في فرض عدم القاضي أمر الصغير الى أحد من الناس كان موثوقا به، فمن هذا يستفاد أن هذه الأمور الّتي لا يمكن الاخلال بها، و لا بدّ من القيام بها أمرها أولا راجع الى الفقيه من قبلهم (عليهم السلام)، فهذه الرواية أيضا دليل مستقل على ولاية الفقيه.

[لا دليل على كون اقامتها من وظائف الفقيه]

ثمّ بعد ذلك هل يمكن استفادة كون أمر صلاة الجمعة أيضا من الأمور تكون راجعة الى الحاكم حتى يقال: بانّ بعد ما دلت المقبولة على كون الفقيه حاكما: فله اقامة هذه الصّلاة، أو لا؟

فنقول: بأن كون اقامتها من وظائفه ممّا لا دليل عليه:

أمّا أولا: فلانّه كما قلنا استفادة الحكومة المطلقة للفقيه، حتى في الأمور لا يوجب عدم القيام بامرها اختلال في أمور الناس، مشكل إذا غاية ما يقال: إن الفقيه منصوب لأنّ يقيم أمورا لا يمكن تركها و تعطيلها، بل لا بدّ من اقامتها و ليست صلاة الجمعة من هذا القبيل.

و ثانيا: أن بعض الأمور غير قابله لجعل أشخاص متعددة لها و القيام بأمرها، بل ان كانت العناية بأمرها فلا بدّ من ايكال أمرها الى شخص خاص، و لا يناسب جعل الولاية العامة لها.

و من هذه الأمور صلاة الجمعة، فان أمرها إن حول الى الجماعة لا الى شخص خاص، يقع الاختلاف و التنازع و التشاجر كثيرا ما، فيريد فقيه انعقادها في محلة و فقيه آخر في محلة اخرى، و يحصل الاختلاف بين الناس أيضا، و كيف‌

98

تكليفهم، فهل يذهبون الى هذا المسجد أو الى ذلك، و ربما يقع القتل و التشاح العظيم، فعلى هذا لا يمكن ايكال أمرها الى عنوان الفقيه بحيث يكون لكل واحد منهم الدخالة فيها مع كون انظارهم مختلفة، و هذا من مبعدات المطلب، و دليل على عدم شمول منصب الفقيه لامر صلاة الجمعة.

[لا يقاسى أمر القصر و الغيب بصلاة الجمعة لتكرار أمرها فى كل جمعة]

و لا يقال: ان ما قلت من الإشكال جار في بعض أمور اخرى الراجع أمرها الى الفقيه كأمر الصغار، فربما يريد فقيه أن يجعل زيدا مثلا قيما لصغير، و فقيه آخر يريد أن ينصب عمروا قيما، فيقع التشاجر و الاختلاف.

لانا نقول: إن في أمر الصغير إذا صار أحد قيما بجعل فقيه فليس للفقيه الآخر جعل شخص آخر، و لا يتفق مورد يجعل الفقيهان شخصين قيمين عرضا، حتى يقع الخلاف بخلاف صلاة الجمعة، فان الخلاف فيها يتفق كثيرا ما لانها تقام في كل جمعة و في كل بلد، و وقتها معلوم، و يمكن ورود النظرين المخالفين فيها غالبا عرضا مع كثرة الفقهاء، و اختلاف انظارهم بحسب ما يرون من المصالح، فان اراد اللّه تعالى اقامتها فينصب لامرها من قبلهم (عليهم السلام) شخصا خاصا، فكون أمرها راجعا الى الفقيه لا دليل عليه.

اذا عرفت ما بينا لك في مسئلة صلاة الجمعة ظهر لك ما هو الحق فيها لما بيناه مما يستفاد من الآية الشريفة، و الأخبار الواردة في الباب، و الاجماع و وضعها الخارجي، فقد ثبت ممّا مرّ عدم دلالة الآية الشريفة و كذا أخبار الباب على كون صلاة الجمعة واجبة بالوجوب المطلق بلا اشتراط وجوبها بالامام أو من نصبه لذلك، لأنّ الآية لم تتعرض الا لوجوب السعي الى الصّلاة الواقعة في الخارج، و الامر فيها أمر بالسعي الى الصّلاة المعهودة، و أخبار الباب بعضها ليس إلا في مقام‌

99

بيان تشريع أصل وجوب صلاة الجمعة، و بعضها يدلّ على وجوبها مع الامام.

[في ذكر حاصل المطالب في جهات ثلاث]

فنقول: إن حاصل ما بينا في المسألة واقع في جهات ثلاثة:

الجهة الاولى: في انّها واجبة بالوجوب المطلق بمعنى عدم اشتراطه بالامام الأصل أو من نصبه لذلك، او ليست كذلك، فقد قدمنا الكلام فيها، و أن الآية و الأخبار غير دالة على الوجوب المطلق، و أن لسان الآية و بعض الأخبار هو الأمر بوجوب السعي و الحضور في فرض انعقاد صلاة الجمعة المعهودة.

و بعضها يدلّ على وجوبها مع الامام، و الامام قابل بحسب الاحتمال يكون امام الاصل، و قابل لأنّ يكون أعمّ منه و من غيره، و الاحتمال الأوّل إن لم يكن اقوى فلا اقل من عدم ترجيح للاحتمال الثاني، و ذكرنا المؤيدات و الشواهد على أقوائية الاحتمال الاول، و بعض الأخبار تدلّ بالصراحة او تلويحا على اشتراطها بالامام الأصل، و قد أمضينا الكلام فيه، مضافا الى بعض الروايات الاخرى الدالة على ذلك.

[في ذكر روايات الاشعثيات و خبر دعائم الاسلام و النبويات]

منها ما نقل في الاشعثيات (1) أن الجمعة و الحكومة لامام المسلمين» و هذه الرواية احدى الروايات من الف رواية نقلها محمد بن محمد بن الاشعث الكوفي عن موسى بن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و هذه الروايات تسمى بالاشعثيات تارة لأنّ راويها محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، و تسمى بالجعفريات تارة لأنّ جعفر بن محمد (عليه السلام) رواها عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم)، فعلى هذا ما قاله الحاج آقا‌

____________

(1)- الاشعثيات ص 42

100

رضا الهمداني (رحمه اللّه) (1) في صلاته بأن هذه الرواية مرسلة ممّا لا وجه، لما قلنا من كونها مسندة و ذكرنا سندها، و الرواية معتبرة من حيث السند لأنّ للشيخ (رحمه اللّه) و كذا للنجاشى (رحمه اللّه) طريق إليه و كذا صاحب تاريخ بغداد، فعلى هذا لا اشكال في اعتبار سندها.

و مدلولها هو كون صلاة الجمعة مثل الحكومة من مناصب امام المسلمين، فتفيد الاشتراط، و مثلها بعض الروايات الاخرى المذكورة في مصباح الفقيه (2) اعني صلاة الهمداني (رحمه اللّه) أيضا.

و منها الخبر المروي عن دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) انّه قال لا يصلح الحكم و لا الحدود، و لا الجمعة إلا للامام أو من يقيمه الامام. (3)

و منها ما نقل عن رسالة الفاضل بن عصفور مرسلا عنهم (عليهم السلام) «أن الجمعة لنا و الجماعة لشيعتنا» و كذا روي عنهم «لنا الخمس و لنا الانفال و لنا الجمعة و لنا صفو المال». (4)

و منها النبوي «أربع الى الولاة الفي‌ء و الحدود و الجمعة و الصدقات». (5)

و منها نبوي آخر «أن الجمعة و الحكومة لامام المسلمين» فيستفاد منها أن‌

____________

(1)- مصباح الفقيه، ص 438.

(2)- مصباح الفقيه، ص 438.

(3)- مصباح الفقيه، ص 438.

(4)- مصباح الفقيه، ص 438.

(5)- مصباح الفقيه، ص 438.