تبيان الصلاة - ج1

- السيد حسين البروجردي المزيد...
259 /
101

صلاة الجمعة مشروطة بحضور الامام أو من يقيمه الامام. (1)

[في ذكر النكتة اللطيفة]

و النكتة اللطيفة الّتي تعرضنا لها في هذه المسألة، هي.

أولا: أن الآية الواردة في الباب المتوهمة دلالتها على الوجوب التعيينى مطلقا، بعد امعان النظر فيها و بسط الكلام كما ينبغي في اطرافها، ليست متعرضة إلا لوظيفة المأموم، و ان مع فرض وجود الامام و اجتماع العدد، و عدم كونه من المستثنيات، يجب السعي و الحضور في صلاة الجمعة، لما قلنا من ان الآية، و كذا الروايات ظاهرها أمر الناس بالسعي مع فرض وجود الامام و انعقاد صلاة الجمعة، أو ظاهرها وجوب الانعقاد و الحضور لذلك عليهم مع فرض وجود الإمام يصيروا مأمومين.

و لم يبين في الآية و لا في واحد من الروايات، وظيفة الامام، و انه متى يجب عليه الانعقاد، و هل هو واجب عليه اصلا أولا، فالآية و الروايات غير متعرضة هو أصل كيفية وجوب الانعقاد، و ان أصل انعقادها واجب مشروط أو مطلق، فعلى هذا بعد عدم التعرض لذلك لا يستفاد من الأخبار بأن ما هو وضع الانعقاد و في أى صورة تنعقد هذه الصّلاة، بل غاية ما في الباب هو وجوب الحضور و السعي في فرض الانعقاد، و أمّا متى يحصل هذا الفرض، و في اى حال و على أي كيفية فلا تعرض لها في ما ذكرنا من الآية و الأخبار، لانّها لم تكن متعرضة الّا لحال الماموم.

و ثانيا: على ما اوردنا في المسألة و أمضينا البحث و خرجنا منها و تكلمنا في‌

____________

(1)- مصباح الفقيه، ص 438.

102

اطراف الآية و الروايات، ظهر لك ان أصل وجوب صلاة الجمعة غير ثابت مع عدم الشرط، بل أصل وجوبها ما ثبت الّا مع امام الأصل أو من نصبه لذلك، و ما استظهر من الآية و لا الروايات وجوبها مطلقا حتى نحتاج في اثبات اشتراط وجوبها بالامام، الى الدليل بحيث لو لم يكن لنا دليل على اعتبار امام الأصل في وجوبها نقع في المخمصة، و يقال: بأن أصل الوجوب ثابت و عليكم باثبات الشرط، بل على ما بينّا و هو من لطائف ما حققنا، هو أن القدر المتيقّن من وجوبها هو وجوبها مع الامام أو من نصبه لذلك، و ما ثبت أزيد من ذلك، فعلى مدعي الوجوب بنحو المطلق أن يقيم الدليل على مدعاه، فنحن غير محتاجين في دعوانا و هو وجوبها المشروط الى الدليل، فلو شككنا في وجوبها في غير مورد حصول الشرط، و انها هل تكون مشروعة مع عدم الشرط أولا، فنحكم باصالة عدم المشروعية عدم مشروعيتها مع عدم الشرط، لأنّ المتيقن من مقدار مشروعيتها هو مع حضور الامام أو من نصبه لذلك.

و لكن مع عدم احتياجنا لاقامة الدليل على عدم مشروعيتها مع عدم الشرط و كون الأصل عدم المشروعية، ذكرنا بعض الأدلة أى: الأخبار الدالة على اشتراط انعقادها بذلك و مضى الكلام فيها مفصّلا.

الجهة الثانية: في انّه بعد اشتراط انعقاد صلاة الجمعة بالامام أو من نصبه لذلك.

هل ثبت الاذن من قبل من بيده زمام أمرها يعنى امام الأصل (عليه السلام) بأن يقيمها الناس و لو مع عدم حضور نفس الامام أو من نصبه بالخصوص لذلك، أولا، و قلنا ما يمكن أن يتمسّك به للاذن منهم، و قلنا بعدم استفادة الاذن للناس من الأخبار‌

103

حتى تجب في مثل هذا الزمان بالوجوب التعييني، أو بالوجوب التخييرى على الكلام في ذلك.

الجهة الثالثة: في أنها بعد كون انعقادها مشروطة بالامام أو من نصبه لذلك فهل فوض أمرها الى الفقيه من ناحية الائمة (عليهم السلام) و جعل ذلك من منصب الفقيه و شئونه مثل القضاوة بين الناس و غيره أو لا.

و ظهر لك عدم كون أمر صلاة الجمعة من الأمور الراجعة إليه، فليس للفقيه انعقادها، و القيام بامرها من باب كونه حاكما، و نائبا عاما و كون الولاية له في بعض الامور. (1)

هذا تمام الكلام في ما كنّا في مقام البحث فيه في هذه المسألة. و الحمد للّه أولا و آخرا و صلّى اللّه على رسوله و على آله.

و قد فرغ سيدنا الاستاذ- مد ظله- من البحث في هذه المسألة في شهر شعبان المعظم من شهور سنة «1367 ه‍ ق». و أنا الأقلّ علي الصافي الگلپايگاني. (2)

____________

(1)- أقول: إذا اعرفت ما بينا في هذه الرسالة فنقول: بأن الحق هو اشتراط وجوب صلاة الجمعة و مشروعيتها بأن يقيمها الامام (عليه السلام) أو من نصبه لذلك، بمعنى عدم جواز اتيانها و انعقادها مع فقدان هذا الشرط إلا بقصد الرجاء و الاحتمال المطلوبية، فعلى هذا في زمان غيبة الامام (عليه السلام) لا يجوز الاتيان بها بقصد التشريع، و لو أتى بها برجاء المطلوبية لا تجزئ عن صلاة الظهر بل لا بد من إتيانها. (المقرّر).

(2)- اعلم أن المستفاد من كيفية ورود سيدنا الاعظم في البحث في صلاة الجمعة، و البحث في وجوبها أو حرمتها، و ما اختار منها، يظهر أن نظره الشريف هو عدم كون وزان صلاة الجمعة وزان سائر الصلوات اليومية، بل كانت صلاة الجمعة من جملة مناصب الوالى، و من له أمر-

المسلمين الّذي هو عندنا الإمام المعصوم (عليه السلام) بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و عند العامة من مناصب الولاية في نظرهم الباطل، و على كل حال لا يصلح إقامة الجمعة إلّا لمن له الولاية عند المسلمين على اختلاف مشربهم فيمن له الولاية، كما يظهر ذلك في جمع من الأخبار الصادرة عن طرقنا المقدم ذكرها بأنّه لا يصلح لإقامة الجمعة إلّا الوالي، و هذا حاصل ما استفدته من بحثه في صلاة الجمعة.

ثمّ بعد ذلك يقع الكلام في انّه بعد ثبوت ولاية الفقيه في عصر غيبة الامام- روحي له الفداء- هل يكون للفقيه الولاية على إقامتها أو لا؟ و قد تعرّضنا للمسألة في رسالتنا المكتوبة في الولاية فراجع (المقرّر).

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

105

فصل في صلاة المسافر

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

107

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه على نعمائه، و الصّلاة و السّلام على رسول اللّه و على آله، و لعنة اللّه على أعدائهم من الآن الى يوم لقائه.

و بعد، فيقول أقلّ العباد علي الصافي الكلبايكاني: لما فرغ سيدنا الاستاذ آية اللّه العظمى الحاج السيّد حسين الطباطبائى البروجردي- متّع اللّه المسلمين بطول بقائه- من بحث صلاة الجمعة، و جملة من المسائل الراجعة الى النوافل، شرع في مبحث صلاة المسافر في شهر ذي القعدة الحرام من شهور سنة «1367 ه‍»، فشرعت بكتابة جملة ممّا استفدت منه- دام ظلّه- في هذا المبحث مع بعض ما خطر ببالى القاصر إن شاء اللّه تذكرة لنفسي، و لمن أراد البصيرة من إخواني المشتغلين بعون اللّه تعالى و توفيقه.

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

صلاة المسافر إن الكلام في صلاة المسافر يقع في جهات:

الجهة الاولى:

لا إشكال في الجملة في وجوب القصر في السفر، بمعنى صيرورة كلّ من الصلوات الرباعية مقصورة على الركعتين في السفر، و هذا المقدار من المسلّمات و لا حاجة الى إطناب الكلام في هذه الجهة، و التكلّم في دلالة قوله تعالى وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (1) على وجوب القصر في حدّ ذاتها، لانّ الآية الشريفة و لو لم تكن بنفسها و بظاهرها دالة على وجوب القصر لعدم ظهور لقوله: «لا جناح» إلّا في الجواز، لكن بضميمة ما ورد من أهل البيت (عليهم السلام) في بيان الآية من أنّ المراد من «لا جناح» هو الوجوب، فتصير الآية دليلا للمطلب.

[عدم اعتبار الخوف فى القصر]

و لا يعتبر الخوف في السفر الموجب للقصر بتوهّم تقييد القصر في الآية‌

____________

(1)- سورة النساء، الآية 101.

110

بالخوف بقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، لأنّه إن كان ما نزل هو على طبق قراءة ابيّ فما كان في مصحفه «إن خفتم».

و إن كان «إن خفتم» من الآية بمقتضى قراءة عاصم فنقول: بأنّه و لو كان للقضية الشرطية مفهوم و لكن ليس لها هنا مفهوم، لكون المسلّم عدم اعتبار الخوف، فأصل القصر في الجملة في السفر ثابت لا إشكال فيه.

111

الجهة الثانية: في شروط القصر

الشرط الأول:

اعتبار المسافة؛ بلا خلاف في ذلك بين الفريقين، و إنّ التقصير مجعول في حدّ خاصّ، لا أنّه مجعول في الشرع بمجرّد مسمّى السفر و صدق المسافر على الشخص، كما حكي عن داود الظاهري الاصبهاني، فإنّه لم يجعل التقصير محدودا بحد، بل قال بالتقصير بمجرد صدق المسافر على الشخص قليلا كان سفره أم كثيرا، فعلى هذا اعتبار المسافة في الجملة لا اشكال فيه، إنّما الكلام في أنّ المسافة الموجبة للقصر كم هي؟

[اعتبار ثمانية فراسخ فى وجوب القصر]

فقال أبو حنيفة: يثبت القصر في ثلاث مراحل.

و قال الشافعي و مالك بثبوت القصر في مرحلتين. و المراد من كلّ مرحلة مسيرة يوم، و هي ثمانية فراسخ.

و أمّا فقهاء الإمامية- (رضوان اللّه عليهم)- فاختلفوا في الحدّ الثابت فيه القصر للمسافر، حتى أن الاقوال الّتي نقلت منهم في المسألة تبلغ ثمانية أقوال و إن لم نجد قائلا لبعض هذه الاقوال، و المعروف منها ثلاث، و منشأ الاختلاف في المقام هو‌

112

اختلاف الأخبار،

[في ذكر طوائف الاخبار في اعتبار المسافة]

فنقول: إن أخبار الباب ثلاثة طوائف:

الطائفة الاولى: ما يستفاد منها إنّ المعتبر في وجوب القصر ثمانية فراسخ امتدادية و ان كان لسانها مختلفة، فبعضها بلفظ «البريدين» و بعضها بلفظ «مسيرة يوم» و بعضها بلفظ «بياض يوم» و بعضها بلفظ «ثمانية فراسخ»، و غير ذلك، فالمستفاد منها في حد ذاتها، هو اعتبار بعد ثمانية فراسخ من المنزل الى المقصد في وجوب القصر بحيث لو كنّا و هذه الأخبار فقط، فلا بدّ لنا من الالتزام باعتبار ثمانية فراسخ امتدادية.

و من هذه الطائفة: الرواية الّتي رواها فضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) (أنّه سمعه يقول: إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الاثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لأنّ كلّ يوم بعد هذا اليوم انّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم فما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله لا فرق بينهما) (1).

و المراد من ذيل الرواية من العلّة، كون التقصير باعتبار أنّ المسافر في اليوم وقع في المشقة و شدة مرارة السفر، ففي الليل ترتفع المشقة و يستريح في الليل، فالحكمة في القصر هي هذه المسافرة الواقعة من الشخص في اليوم، و لو لم يصر ذلك السفر الواقع منه و الحركة في اليوم موجبا للقصر، فلازمه عدم القصر في ألف يوم، لأنّه في كل يوم يسافر و في ليليه يستريح من مرارة السفر، فان صارت مرارة يوم‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 1 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

113

موجبا للقصر فهو، و لو لم يصر ذلك موجبا للقصر ففي ألف يوم أيضا لا موجب للقصر؛ لأنّ كلّ يوم من هذه الأيّام هو نظير اليوم الأول، فيسافر في اليوم و يستريح في الليل، فذكر العلة كان لهذه المناسبة. و على كل حال تكون الرواية دالّة على وجوب القصر في ثمانية فراسخ.

و منها: الروايات 12 و 13 و 14 من هذا الباب، (1) و لم نتعرّض لكلّ الأخبار، و من أراد النظر فيها فليراجع الكتب المعدة لذلك‌

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على اعتبار مسير أربعة فراسخ باختلاف التعابير، فبعضها عبر بلفظ «بريد» و بعضها بلفظ «اثنى عشر ميلا» و بعضها بلفظ «أربعة فراسخ» بحيث لو كنّا و هذه الأخبار لقلنا بوجوب القصر في مسافة أربعة فراسخ فقط.

منها الرواية الّتي رواها ابو اسامة زيد الشحام (قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يقصّر الرجل الصّلاة في مسيرة اثنى عشر ميلا). (2)

و كذا الرواية 1 من هذا الباب و غير هما المستفاد منها وجوب القصر في أربعة فراسخ.

الطائفة الثالثة: بعض الاخبار الدالّة على وجوب القصر في السفر ثمانية فراسخ، سواء كانت ذهابا، او ذهابا و ايابا، بحيث لو كنا و هذه الاخبار لقلنا: بأنّ القصر واجب في ثمانية فراسخ، سواء كان هذا المقدار- يعنى: الثمانية فراسخ- ذهابا‌

____________

(1)- الرواية 12 و 13 و 14 من الباب 1 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 3 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

114

فقط من المنزل الى المقصد في السفر، أو كان ثمانية فراسخ ذهابا و ايابا، فيجب القصر فيما لو سافر أربعة فراسخ و يعود أربعة فراسخ، مثل رواية (1) معاوية بن وهب و غيرها.

[لسان الاخبار مختلفة من حيث كون الفراسخ امتدادية او ملفقة]

إذا عرفت حال هذه الأخبار، فنقول: إنّ لسان هذه الأخبار مختلف:

بعضها يدلّ على أن السفر الموجب للقصر يكون مورده، ما إذا سافر ثمانية فراسخ امتدادية، و بعضها يدلّ على وجوب القصر في السفر إذا كان أربعة فراسخ فقط، و بعضها يدلّ على لزوم ثمانية فراسخ، و لكن لا يجب ان يكون الذهاب من المنزل الى المقصد هذا المقدار، بل يكفي ثمانية فراسخ ملفقة أيضا بحيث إذا كان الذهاب أربعة فراسخ و الاياب أربعة فراسخ فيجب القصر.

فتكون الروايات الدالة على اعتبار ثمانية فراسخ امتدادية في وجوب القصر معارضة مع الطائفة الثانية الدالة على وجوب القصر في أربعة فراسخ، لأنّ الطائفة الاولى تعتبر ثمانية فراسخ في وجوب القصر، و معناه عدم وجوب القصر في ادني من ذلك و ان كان أربعة فراسخ، و طائفة الثانية تدلّ على وجوب القصر في خصوص أربعة فراسخ بدون اعتبار انضمام أربعة فراسخ اخر بها، فيقع التعارض بينهما.

و لكنّ الطائفة الثالثة من الأخبار ترتفع التعارض من بينهما، و نجمع بينهما بقرينة أخبار الطائفة الثالثة.

فنقول: بأنّ الطائفة الاولى من الأخبار في حد ذاتها تدلّ على اعتبار البعد من‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

115

الوطن بمقدار ثمانية فراسخ.

و الطائفة الثانية تدلّ على اعتبار البعد بمقدار أربعة فراسخ في وجوب القصر فيقع بينهما التعارض.

و لكنّ الطائفة الثالثة بعد دلالتها بأنّ الموجب للقصر يكون أحد الامرين في السفر: إمّا المسافة الّتي كانت بمقدار ثمانية فراسخ و إمّا المسافة الّتي تكون بمقدار أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة جائيا، و بعبارة اخرى تدلّ على أنّ ما هو محقّق للسفر الموجب للقصر له فردان:

أحد هما البعد الحاصل في ثمانية فراسخ، فمن خرج من منزله و أراد المسير بهذا المقدار يجب عليه القصر.

و ثانيهما الثمانية الملفقة، بمعنى أن المسير الّذي كان ذهابا و ايابا ثمانية فراسخ فهو أيضا محقّق للقصر، فمن أراد السفر و كان من منزله الى مقصده أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة فراسخ جائيا، فهو مسافر بالسفر الذي يجب فيه القصر، فتصير شاهدا للجمع بين الطائفة الاولى و الثانية.

لأنه على هذا، ما يدلّ من الأخبار على اعتبار الثمانية، و أن ذلك موجب للقصر، فهو من باب كون تلك المسافة فردا لما هو محقّق القصر.

[محقّق السفر أربعة فراسخ امتدادية او ملفقة]

و ما يدلّ على اعتبار أربعة فراسخ، و أن بذلك يحب القصر، يكون من باب كون ذلك الحد فردا آخر لما هو محقّق السفر الموجب للقصر، لأنّ من ذهب أربعة فراسخ فهو يجي‌ء أربعة فراسخ، فيحصل بريد ذاهبا و بريد جائيا المستفاد من الاخبار الدالة على كفاية الثمانية التلفيقية، و كان الحكم بكون أربعة فراسخ محقّقة للقصر من باب حصول الثمانية الملفقة بذلك، لأنّ من ذهب أربعة يجي‌ء أربعة،

116

فتحصل بذلك الثمانية أيضا.

فعلى هذا يرتفع التعارض بين الاخبار، و تكون نتيجة الجمع أن المعتبر في السفر الموجب للقصر يحصل باحد الامرين:

إمّا بريدان ذاهبا أعنى: ثمانية فراسخ امتدادية، و إمّا بريد ذاهبا و بريد جائيا اعنى: ثمانية فراسخ ملفقة، فمن ذهب أربعة فراسخ فيجب عليه القصر، لانّه ذهب أربعة فراسخ و يجي‌ء أربعة فراسخ.

و أمّا بعض الاخبار المنقولة الدالة إمّا على أن العبرة تكون في التقصير في السفر مسيرة يوم و ليلة، مثل رواية زكريا ابن (1) آدم، أو أنّ العبرة في التقصير بثلاثة برد و هو رواية (2) أحمد بن محمّد عن بن أبى نصر، أو أن العبرة في التقصير بمسيرة يومين و هو رواية ابي بصير (3) المخالف ظاهرها مع طوائف الأخبار المتقدمة، فانّه لا يمكن تطبيقها معها، فلا بدّ من طرحها لعدم كونها معمولا بها، و كذلك لو كان خبر مخالفا لطوائف الثلاثة المتقدمة لا يمكن التعويل عليه، لعدم كونه معمولا به، فافهم.

هذا تمام الكلام في أصل المسألة.

[مسائل]

ثمّ بعد ذلك يقع الكلام في بعض الجهات نتعرّض لها في ضمن مسائل:

[المسألة الاولى من المسائل المربوطة بالباب]

المسألة الاولى: هل يعتبر في السفر الموجب للقصر أن يكون ذهابه أربعة فراسخ، بحيث لو ذهب ثلاثة فراسخ و جاء خمسة فراسخ- بمعنى كون ذهابه ثلاثة فراسخ و مجيئه خمسة فراسخ مثلا- لم يجب عليه القصر، بل يجب عليه التمام، لعدم‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 1 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 10 من الباب 1 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- الرواية 9 من الباب 1 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

117

تحقّق موضوع السفر الموجب للقصر، او لا يعتبر ذلك، بل لو كان ذهابه أقل من أربعة و لكن مجيئه كان بحدّ يحصل من مجموع الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ، كان الواجب عليه القصر؟

و كذلك يقع الكلام في انّه بعد كفاية ثمانية فراسخ ملفقة في وجوب القصر، فهل يعتبر أن يكون الإياب أربعة فراسخ، سواء اعتبرنا كون الذهاب أربعة فراسخ أو لم نعتبر ذلك، او لا يلزم ذلك في الاياب، بل لو كان الاياب أقل من ذلك و كان الذهاب بمقدار يكون المجموع ثمانية فراسخ يكفي في وجوب القصر، مثلا لو أراد المسير الى مقصد يكون البعد بينه و بين وطنه خمسة فراسخ، ثمّ أراد الرجوع من طريق آخر يكون ثلاثة فراسخ، فيكون الذهاب خمسة فراسخ و الإياب ثلاثة فراسخ، فقد حصل ما هو المحقّق للسفر الموجب للقصر؟

فنقول: إن الحقّ هو اعتبار كون أقل الذهاب أربعة فراسخ، بحيث لو كان أقل من ذلك و لو كان الاياب بمقدار يكون المجموع من الذهاب و الاياب ثمانية فراسخ، لم يتحقق السفر الموجب للقصر، و أمّا لا يعتبر ذلك في الاياب، فلو كان الاياب أقل من أربعة فراسخ، مثل أن يكون الذهاب من الطريق الّذي يكون البعد فيه بين المنزل و المقصد خمسة فراسخ، و يكون الإياب من الطريق الّذي يكون البعد فيه بين المنزل و المقصد ثلاثة فراسخ، فقد حصل محقّق القصر.

و وجهه ان يقال: بأن المستفاد من الروايات اعتبار مقدار البعد من منزل المسافر، و قد حدّد الشارع هذا البعد، و هو- بعد ما قلنا في مقام الجمع بين الأخبار- ثمانية فراسخ او أربعة فراسخ اقلا من باب كون البعد بمقدار أربعة فراسخ مشتمل مع العود و المجى‌ء، الى المنزل على ثمانية فراسخ، فلا بدّ من حصول البعد من المنزل بمقدار‌

118

أربعة فراسخ اقلا، لأنّ الروايات تكون من هذا الحيث في مقام التحديد، و بعد كون الروايات في مقام التحديد، فلا بدّ من اعتبار أربعة فراسخ ذاهبا، و عدم كفاية أقل من ذلك في الذهاب لكون المعتبر في تحقق السفر مقدارا من البعد في نظر العرف، و الشارع حدّد هذا المقدار بأربعة فراسخ، و لهذا نقول في وجوب القصر: بلزوم كون الذهاب أقلا أربعة فراسخ، و لا وجه لرفع اليد عن هذا التحديد لعدم حصول البعد المعتبر الا في هذا المقدار من البعد، هذا وجه لزوم كون الذهاب في الثمانية الملفقة أربعة فراسخ اقلا.

[في لزوم كون الإياب أربعة فراسخ من باب الغالب]

و أمّا وجه عدم اعتبار ذلك في الاياب و المجي‌ء فنقول: بأنّه و ان كان كلّ من الطوائف الثلاثة من الأخبار في مقام التحديد، و ليس لسانها بعد الجمع كفاية الثمانية الملفقة باي نحو كان، و لكن اعتبار البريد الجائي اعنى أربعة فراسخ ايابية، ليس له الموضوعية بنظر العرف، بل يفهم العرف أن بيان ذلك ليس إلا من باب التغليب، حيث انّ الغالب فيمن يسافر هو العود من الطريق الّذي ذهب منه، فيكون الاياب بقدر الذهاب و لهذا عبر ببريد جائى في قبال بريد ذاهب، و بعد كون ذلك الحكم من باب الغلبة فلا دخل لخصوص أربعة فراسخ في الاياب، بل لو كان الاياب أقل من ذلك يكفي في حصول السفر الموجب للقصر إذا كان الذهاب بمقدار إذا ضم الاياب إليه يبلغ المجموع منهما ثمانية فراسخ، فمن اراد السفر و ذهب الى المقصد من طريق يكون الفصل و البعد بين منزله و المقصد خمسة فراسخ مثلا، ثمّ عاد من طريق آخر يكون البعد من هذا الطريق من منزله الى مقصده ثلاثة فراسخ، فيكفي في وجوب القصر لحصول ما هو محقّق القصر و هو ثمانية فراسخ تلفيقية.

و لو قيل باعتبار كون الاياب أربعة فراسخ مثل الذهاب فلا بدّ من الالتزام‌

119

بفرض لا يمكن الالتزام به، و هو انّه من سافر و كان ذهابه اكثر من أربعة فراسخ مثلا خمسة فراسخ، فاذا رجع الى منزله فاذا بلغ الى حدّ يكون مع الضمّ بالذهاب ثمانية فراسخ مثلا أن في المثال بلغ الى ثلاثة فراسخ، لم يكن بالغا حد السفر الشرعى و هو ثمانية فراسخ، لأنه لم يكن ايابه أربعة فراسخ، بل لا بدّ و أن يسير فرسخا آخر حتى يبلغ الى حد السفر الشرعى، و هو ثمانية فراسخ، لأنه لم يكن إيابه أربعة فراسخ، بل لا بدّ و أن يسير فرسخا آخر حتى يبلغ حد السفر الشرعى، فكان على هذا السفر الموجب للقصر في حق هذا الشخص تسعة فراسخ، لأنّه ذهب خمسة فراسخ و جاء أربعة فراسخ، و الحال أنّه لا يمكن الالتزام بذلك.

فعلى هذا الحقّ هو ما قلنا من اعتبار كون الذهاب أربعة فراسخ و عدم اعتبار ذلك في الاياب؛ لأنّ البعد المعتبر لا يحصل في الذهاب الّا بأربعة فراسخ، و أمّا في الاياب فليس اعتبار البريد الجائي إلّا من باب الغلبة، لا من باب موضوعية ذلك بنظر العرف، و لا يفهم العرف منه التحديد، بخلاف اعتبار أربعة فراسخ في الذهاب، فانّهم يفهمون منه التحديد لاعتبار مقدار بعد في حصول السفر. (1)

____________

(1)- أقول: و إنّي بعد التأمّل و التكلّم مع سيدنا الاستاذ- مدّ ظلّه- في مجلس الدرس و في الخارج، لم أجزم بتمامية هذا المطلب بحيث يكتفى به في مقام الفتوى؛ لأنّ الروايات بعد الجمع بالنحو المتقدم إمّا أن تكون في مقام التحديد، فالظاهر منها بعد الجمع هو اعتبار ثمانية فراسخ امتدادية، أو خصوص أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة فراسخ جائيا، فلم يكتف في القصر بغير ذلك في الذهاب و الإياب، و لا يكتفى لا فى الذهاب بأقلّ من أربعة فراسخ و لا فى الإياب؛ لأنّ الاخبار بعد الجمع نتيجتها التحديد بحدّ معيّن و هو ثمانية فراسخ امتدادية أو أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة فراسخ جائيا.-

120

المسألة الثانية:

أنّه بعد ما قلنا من حصول موضوع السفر الموجب للقصر‌

____________

و إن لم تكن نتيجة الأخبار بعد الجمع هو بيان الحدّ و عدم كونها في مقام التحديد، فلازمه كفاية مسير ثمانية فراسخ في حصول السفر الموجب للقصر، سواء كانت امتدادية أو ملفقة، و في الملفقة يكفي كون السفر بهذا المقدار بأيّ نحو حصل، سواء كان أربعة ذاهبا و أربعة جائيا، أو كان خمسة فراسخ ذاهبا و ثلاثة فراسخ جائيا، او بالعكس أو غير ذلك، فعلى هذا لا موضوعية أيضا للأربعة فراسخ لا في الذهاب و لا في الإياب.

و على كل حال سواء قلنا: بكون الروايات في مقام التحديد أو لم نقل بذلك، فلا وجه للفرق بين الذهاب و الإياب باعتبار أربعة فراسخ في الذهاب و عدم اعتبار ذلك في الإياب، بصرف أنّ في الذهاب البعد المعتبر محدود بأربعة فراسخ، و في الإياب لا يفهم العرف- من دخل أربعة فراسخ جائيا، المستفاد من الروايات الدالة على كفاية الثمانية الملفقة- أنّ للأربعة فراسخ موضوعية، بل يفهم أنّ ذلك من باب الغلبة، لأنّه كيف يمكن الجزم بذلك؟

فإنّا نقول: أولا إنّ الروايات في مقام التحديد، و لا بدّ في التلفيقية من أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة فراسخ جائيا، و لازم ذلك اعتبار أربعة فراسخ في الاياب أيضا.

و ثانيا إنّ الجزم بكون الذهاب أربعة فراسخ، و كون الروايات في مقام التحديد، و عدم كون الروايات في الإياب في مقام ذلك، بل يحكم بعدم اعتبار بمقتضى ما يفهم العرف من كون ذلك من باب الغلبة، مشكل فلا يمكن الالتزام بالتفكيك بين الإياب و الذهاب، و لا أقلّ من الشكّ، فالقدر المسلّم من الأخبار الدالّة على كفاية ثمانية التلفيقية هو صورة كون الذهاب أربعة فراسخ و الاياب أيضا كذلك.

و الاستبعاد المذكور في كلام سيدنا الاستاذ- مدّ ظلّه- في ما لو سافر الى محلّ و كان ذهابه- مثلا- خمسة فراسخ، فاذا رجع و بلغ الى رأس ثلاثة فراسخ من مبدأ العود، فلا بدّ من الالتزام- بناء على اعتبار أربعة فراسخ في الإياب- أن لا يكون سفره سفر القصر إلا بعد ضمّ فرسخ آخر به حتى يكون مجموع الذهاب و الإياب تسعة فراسخ، بأنّ السفر الموجب للقصر في مثل هذا الفرض تسعة فراسخ لا ثمانية فراسخ، غير مانع عن رفع اليد عمّا قلنا، لأنّه بعد اعتبار كون كلّ من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ، لا مانع من الالتزام بأنّ في هذا الفرض لم يتحقّق السفر الموجب للقصر إلّا بتسعة فراسخ حتى يكمل أربعة فراسخ إيابية، فتأمّل. (المقرّر)

121

بثمانية فراسخ امتدادية، و بثمانية فراسخ تلفيقية، فهل يعتبر في ثمانية فراسخ الملفّقة من الذهاب و الإياب أن يكون الرجوع ليومه، أو لا يعتبر ذلك؟

و بعبارة اخرى: من سافر و كان مقصده مثلا أربعة فراسخ فيكون ذهابه مع إيابه ثمانية فراسخ، يجب عليه القصر إذا رجع الى منزله في اليوم الّذي خرج منه، أولا يعتبر ذلك؟

بل لو سافر و لم يكن قصده الرجوع ليومه، يجب عليه القصر أيضا ما لم يتحقّق قاطع من قواطع السفر مثل قصد إقامة العشر في المقصد أو غير ذلك؟ اقوال:

أوّلها: وجوب القصر إذا اراد الرجوع ليومه كما يظهر من السيّد المرتضى (رحمه اللّه) و ابن إدريس على ما نقل بحر العلوم (رحمه اللّه) منهما، و وجوب التمام لغير مريد الرجوع ليومه، و يظهر من مراجعة أقوال العلماء اعتناؤهم بهذا القول.

ثانيها: التخيير بين القصر و الإتمام في ما لم يرد الرجوع ليومه، أو مطلقا اعنى:

و لو أراد الرجوع ليومه.

و نسب القول بالتخيير الى الشّيخ (رحمه اللّه)، و هو إمّا قائل بالتخيير مطلقا لو أراد أن يسير أربعة فراسخ و يعود، سواء أراد ليومه أولا، أو قائل بالتخيير في المسألة فيما لم يرد الرجوع ليومه على احتمال.

ثالثها: وجوب القصر في المسألة سواء اراد الرجوع ليومه أولا. و نسب العلّامة (رحمه اللّه) هذا القول الى ابن أبي (رحمه اللّه) عقيل لأنّ كتابه المسمى ب‍ «التمسك بحبل آل الرسول» كان عند العلّامة (رحمه اللّه) فنقل منه وجوب القصر مطلقا. و يستفاد من المنقول من كلامه أنّه لا يلزم الرجوع ليومه في ثمانية فراسخ الملفقة، فمن لم يرد الرجوع ليومه فهو مسافر إلّا إذا انقطع سفره بقاطع من إقامة العشرة، أو بقاء ثلاثين يوما متردّدة‌

122

في رأس أربعة فراسخ، أو بلوغه الى وطنه.

و ما يمكن أن يكون وجها لفتواه أمران:

الأمر الأول: أنّ مقتضى الجمع بين الروايات كما قلنا، هو كون السفر الموجب للقصر له فردان: الأوّل مسافة ثمانية فراسخ امتدادية، الثانى: مسافة ثمانية فراسخ تلفيقية، فكما أنّ في الأوّل لا يعتبر أن تقع تمام الثمانية في اليوم الأول، بل لو سافر ثمانية في يومين أو ثلاثة أيّام، فلا يضرّ بسفره فكذلك في الثاني، اعني: ثمانية فراسخ الملفقة، فمن ذهب أربعة فراسخ في يوم الى محلّ و أراد الرجوع، و بات فيه ليلة أو ليا ليتين، و لم يقطع سفره بقاطع، ثمّ عاد الى منزله و كان مجيئه أيضا أربعة فراسخ، فهو مسافر، و يجب عليه القصر في هذا السفر.

الأمر الثاني: بعض ما يدلّ من الأخبار على ذلك مثل روايات عرفات و غيرها، فنقول:

أمّا الامر الأوّل: فهل تكون أخبار الدّالة على كفاية ثمانية فراسخ ملفقة دالّة على كون ثمانية فراسخ ملفقة فردا للسفر الموجب للقصر حتى يكون له فردان ثمانية امتدادية و ثمانية تلفقية، أو لا تدلّ على ذلك، بل غاية ما تدلّ عليه هو أنّ ثمانية فراسخ ملفقة موجبة للقصر، و يكون لسانها هذا المقدار فقط؟

فإن كان الأوّل فيكون لازمه عدم اعتبار حصول هذه الثمانية الملفقة في اليوم الأول، كما لا يعتبر حصول ثمانية فراسخ امتدادية في اليوم الأول؛ لأنّ كلا منهما بوزان واحد فرد للسفر الموجب للقصر.

و أمّا إن كان بنحو الثاني فلا دلالة لها إلّا على كون ثمانية فراسخ ملفقة موجبة للقصر في السفر، و ليست الأخبار في مقام بيان كيفية سببيتها و موجبيّتها للقصر، فلا‌

123

يستفاد منها الّا كون ثمانية فراسخ ملفقة موجبة للقصر في الجملة (1).

و أمّا الامر الثاني: فنقول: إنّ روايات عرفات ينتهى سند ثلاثة (2) منها الى معاوية بن عمّار، و هو من أصحاب ابي عبد اللّه (عليه السلام)، و له كتابان في الحج و الطلاق، و لهذا يشاهد روايات كثيرة منه في الحج و الطلاق، و كان أبوه من أعاظم محدثي العامة.

و يحتمل أن يكون ما رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) رواية واحدة، و لكن نقلها عنه (عليه السلام) ثلاث مرّات، و لهذا عدّ ثلاث روايات، و يحتمل أنّه سمعها من أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثلاث مرّات، و على كلّ حال ما نقل منه ثلاث روايات. و سند واحدة (3) منها ينتهي الى إسحاق بن عمّار إن لم نقل بكون هذه الرواية أيضا كان راويها معاوية، و اشتبه في النقل و ذكر في موضع معاوية بن عمّار، إسحاق بن عمار، و سند واحدة منها (4) ينتهي الى الحلبي. و سند واحدة منها ينتهي الى زرارة (5). و تكون مرسلة من المفيد (رحمه اللّه) أيضا في باب عرفات.

____________

(1)- أقول أولا: إنّ لسان هذه الروايات جعل الفردية، و أنّ ثمانية فراسخ ملفقة فرد في قبال ثمانية فراسخ امتدادية؛ لصراحة بعض الروايات في ذلك، و يستفاد منه أنّ البريد الذاهب و البريد الجائي مثل البريدين الامتدادى، شاغل لليوم و أثره اثره، فكما لا يعتبر في البريدين أن يكون الذهاب تمامه في اليوم الأوّل فكذلك في البريدين الملفقة.

و ثانيا؛ إنّ الروايات غير مقيّدة بمريد الرجوع ليومه، فمقتضى الاطلاق عدم اعتبار كون المسافر مريد الرجوع ليومه. (المقرر).

(2)- الرواية 1 و 2 و 5 من الباب 3 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- الرواية 6 من الباب 3 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

(4)- الرواية 8 من الباب 3 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

(5)- الرواية 3 من الباب 4 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

124

إذا عرفت هذا فتقع الكلام في ذكر الروايات فنقول:

الرواية الاولى: و هي الرواية الّتي رواها الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) (قال:

إن أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصّروا، و إذا زاروا و رجعوا الى منازلهم أتمّوا). (1)

و الظاهر أنّ المراد من أهل مكّة هم ساكنو أطراف مكة، أعنى: أهل البوادي المقيمين في أطرافها، إذ لو كان المراد خصوص أهل مكة، فلا معنى لأنّ يقول ابو عبد اللّه (عليه السلام) كما في الرواية: «و إذ زاروا و رجعوا الى منازلهم أتمّوا» لأنّ الواجب هو الوقوف في عرفات، و لم يطلق به الزيارة، فعلى هذا القول فالرواية لم تكن في مقام البيان من حيث سفر عرفات، و بعبارة اخرى: ليست متعرّضة لكون سفر عرفات من مكّة الّذي يكون البعد بينهما أربعة فراسخ موجبة للقصر من حيث كون البعد بين مكة و العرفات أربعة فراسخ، بل بعد قرينة قوله: «إذا زاروا» نقول: إن قصر أهل مكة بعد كون المراد بهذه القرينة قصر أهل نواحي مكّة و أطرافها، يمكن أن يكون من باب كون سفرهم ثمانية فراسخ من منزلهم الى مقصدهم، لا أربعة فراسخ، فلا ربط للرواية بما نحن فيه.

الرواية الثانية: و هي رواية رواها إسحاق بن عمّار (قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في كم التقصير؟ فقال: في بريد، و ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه فقصّروا). (2)

و الظاهر أنّ المراد ممّن صار مورد الويح في هذه الرواية ليس احدا ممّن كان في عهد أبى عبد اللّه (عليه السلام)، لأنه لم يكن في زمانه من أدرك زمان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و حجّ‌

____________

(1)- الرواية 8 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 6 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

125

معه حتى يقول (عليه السلام) فيهم «ويحهم كانّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)»، فيكون المراد ممّن قال: ويحهم في حقهم من كان في زمان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

فنقول: إنّه تارة يستشكل على الرواية بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يحجّ بعد هجرته من مكّة الى مدينة إلّا مرة واحدة، و هو عبارة عن حجة الوداع، فهو كان في هذا السفر مسافرا بسفر موجب للقصر مسلّما و هو ثمانية فراسخ امتدادية، لأنه مسافر من المدينة، لا من باب كونه ذاهبا من مكّة الى عرفات، لأنه في أربعة أو خمسة أيّام بقين من شهر ذي القعدة خرج من المدينة و نزل بمكة في أربعة أيّام مضين من شهر ذي الحجة و خرج في اليوم الثالث عشر من منى الى الأبطح، و توقّف فيه مقدارا و ذهب الى المدينة، فهو في هذا السفر كان مسافرا، و كان ذهابه أزيد من ثمانية فراسخ امتدادية، فإن كان الإشكال هذا فيمكن جوابه بوجهين:

الوجه الأوّل: إمّا إنّ يقال: إن مكّة كانت وطنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لم يعرض عنه.

و إمّا أن يقال: بأنّه و إن أعرض عنه، و لكن يجري على الوطن المعرض عنه حكم الوطن إمّا مطلقا أو في ما كان له منزل فيه، و إن لم نقل بذلك بمقتضى ظواهر الأدلّة الّا انّه يمكن أن يكون الحكم الواقعي هكذا‌

الوجه الثّاني: أن يقال: إن مدلول الرواية هو التمسك بقصر هم، أعنى: بقصر من كان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا قصر نفسه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لذا قال «فقصروا» و على هذا نقول: يمكن أن يقال: بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لو كان بنفسه مسافرا، لكن أمر بمن كان معه من أهل مكة بالقصر لكون سفر هم من مكّة الى عرفات بريدا ذاهبا‌

126

و بريدا جائيا. (1)

و على كل حال لا إشكال في كون الرواية من شواهد كون القصر في بريد و استشهد بمورد الّذي قصروا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في بريد، و هو لا يساعد الا مع السفر من عرفات الى مكة، و لا وجه للاشكال بما قلنا من أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يحج بعد الهجرة إلّا مرة واحدة و كان في هذا السفر مسافرا من المدينة و كان سفره على هذا أكثر من ثمانية فرسخ امتدادية من المنزل الى المقصد.

امّا أولا فلإمكان كون ذلك قبل الهجرة، فانّه حج و معه عدة ممّن اسلم و إن كانوا قليلا.

و امّا ثانيا إنهم قصروا في بريد لأنّ المعصوم استشهد بذلك الحيث، فيكون مسلما نظره الى سفر يكون البعد بينه و بين المنزل بريدا، فأيضا يستفاد وجوب القصر في بريد من هذه الرواية. و هي في حد ذاتها تدلّ على كون القصر في بريد اعنى: أربعة فراسخ.

الرواية الثالثة: و هي الرواية الّتي رواها معاوية بن عمّار (قال قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) كم اقصر الصّلاة فقال: في بريد، الا ترى أن أهل مكّة إذا خرجوا‌

____________

(1)- أقول: و يمكن أن يكون المراد ممّن قصر مع رسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في نظر ابي عبد اللّه (عليه السلام) على ما في هذه الرواية: هو عثمان و امثاله ممّن كان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و هم كانوا معه قبل الهجرة و يحضرون معه في مراسم اداء الحج، فهو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قبل الهجرة حج و معه هذه الاشخاص، و كان سفرهم من مكّة الى عرفات أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة فراسخ جائيا، و نظر المعصوم (عليه السلام) الاستشهاد بفعلهم لاثبات كون التقصير في بريد، فلا بدّ و أن يكون نظره بسفر هم الّذي كان البعد بين المنزل و بين المقصد في بريد، و هو ينطبق مع السفر من مكّة الى عرفات. (المقرّر).

127

الى عرفة كان عليهم التقصير). (1)

و الظاهر من الرواية وجوب القصر في بريد، و استشهد بذلك بفعل أهل مكة، فإنّهم إذا خرجوا الى عرفة يجب عليهم التقصير، و هذه الرواية أيضا تدلّ على أن القصر في بريد، و أن القصر واجب فيمن يخرج من أهل مكّة الى عرفات، الفصل بينها و بين عرفات بريد، فهذه الرواية مثل رواية السابقة في حد ذاتها من الروايات الدالة على كون القصر في بريد، اعنى: في أربعة فراسخ.

غاية الأمر بعد جمعها مع الروايات الدالة على البريدين المركب من الذهاب و الاياب، اعنى: الروايات الدالة على وجوب القصر في ثمانية فراسخ ملفقة، فتكون النتيجة هو وجوب القصر في بريدين ذاهبا و جائيا.

الرواية الرابعة: رواية اخرى عن معاوية بن عمار، و هي بنقل الشّيخ (رحمه اللّه) تكون هكذا: عن معاوية بن عمّار، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: أهل مكّة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم ثمّ رجعوا الى منى أتمّوا الصّلاة، و إن لم يدخلوا منازلهم قصّروا). (2)

و بنقل الكلينى (رحمه اللّه) تكون هكذا: عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إن أهل مكّة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتمّوا، و إذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا. (3)

و على كلّ حال ليست هاتان الروايتان إلّا رواية واحدة، لأنّ الراوي في كلّ‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- الرواية 7 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

128

منهما عن معاوية بن عمّار، هو ابن أبي عمير و إن كانتا مختلفتين من حيث المتن.

[اختلاف متن الرواية بنقل الكلينى (رحمه اللّه) مع نقل الشيخ رحمه]

ثمّ اعلم أن متن الرواية إن كان هو ما نقله الكلينى (رحمه اللّه)، فيحتمل أن يكون المراد من أهل مكّة- كما قلنا- هو أهل أطراف مكة، و الغرض أنّهم إذا سافروا لزيارة البيت لكون سفر هم ثمانية فراسخ يجب عليهم القصر إلّا إذا دخلوا منازلهم، و متى لم يدخلوا منازلهم يجب عليهم القصر، فظاهرها اعتبار شرط آخر في عدم وجوب القصر و وجوب التمام، و هو دخول المنازل كما أفتى به علي بن بابويه، لأنّه لم يكف في تمامية السفر و وجوب التمام للمسافر بدخول البلد، بل اعتبر دخول المنزل.

و كذلك الأمر بناء على نقل الشّيخ (رحمه اللّه)، لأنّه و لو كان في نقله زيادة و هي: «ثمّ رجعوا الى منى»، و لكن مع ذلك يحتمل أن يكون المراد من أهل مكّة أهل أطراف مكّة بقرينة التعبير بالزيارة، الّذين كان سفرهم سفر التقصير، أعني ثمانية فراسخ امتدادية، فعلى هذا الاحتمال لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية لما نحن فيه.

نعم، بناء على كون المراد من أهل مكّة هو أهل خصوص مكة، فالرواية متعرضة لسفرهم الى عرفات خصوصا بنقل الشّيخ (رحمه اللّه) المستفاد منها أنّهم إذا رجعوا ثانيا للبيتوتة في المنى لا يجب عليهم القصر. لأنّ زيارتهم للبيت كان في مراجعتهم من عرفات، و إنّهم متى لم يزوروا البيت و لم يدخلوا منازلهم يجب عليهم القصر؛ لأنّهم سافروا الى عرفات، و هذا السفر أربعة فراسخ، غاية الأمر اعتبار دخول المنازل في وجوب التمام مناسب مع فتوى علي بن بابويه، و هذه الجهة غير مربوطة بالجهة الّتي نحن بسدده.

الرواية الخامسة: و هي الرواية الثالثة الّتي رواها معاوية بن عمّار أنّه (قال لابى عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أهل مكّة يتمون الصّلاة بعرفات! فقال: ويلهم، أو ويحهم و أيّ‌

129

سفر أشد منه، لا تتمّ؟!) (1)

و هذه الرواية أيضا تدلّ على وجوب القصر في أربعة فراسخ بناء على كون المراد من أهل مكّة خصوص ساكنى مكة؛ لأنّ المستفاد من كلام الإمام (عليه السلام) هو وجوب القصر في سفرهم الى العرفات، و امّا على تقدير كون المراد من أهل مكّة هو أهل اطراف مكّة كما احتملنا، فيمكن أن يكون لزوم القصر عليهم من باب كون سفرهم ثمانية فراسخ امتدادية.

الرواية السادسة: الرواية الّتي رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: من قدم قبل التروية بعشرة أيّام، وجب عليه اتمام الصّلاة و هو بمنزلة أهل مكة، فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فاذا زار البيت اتم الصّلاة، و عليه اتمام الصّلاة إذا رجع الى منى حتّى ينفر). (2)

تدلّ هذه الرواية على أن من قصد الإقامة في مكة، وجب عليه التمام و صار بمنزلة أهل مكة، فاذا خرج الى منى ليذهب الى عرفات يجب عليه القصر، لأنه قصد مسافة أربعة فراسخ، لأنّ من مكّة الى عرفات أربعة فراسخ، فاذا رجع الى مكّة و زار البيت يجب عليه اتمام الصّلاة أيضا لأنه بلغ الى محل اقامته. (3)

فاذا خرج الى منى لأنّ يبيت فيه ليلتين- ليلة احدى عشر و اثنى عشر من ذى الحجة- فيجب عليه أيضا اتمام الصّلاة، لأنّه خرج من محل إقامته الى أقل من‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 3 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- اقول «فتصير من هذا الحيث دليلا على أن العبور بمحل الإقامة و لو لم يقصد الاقامة فيه موجب لكون الواجب عليه اتمام الصّلاة».

130

أربعة فراسخ. (1)

و على كل حال تدلّ الرواية على وجوب القصر في أربعة فراسخ، لأنّ البعد بين مكّة و عرفات أربعة فراسخ، فهذه الرواية أيضا في حد ذاتها من الروايات الدالة على وجوب القصر في أربعة فراسخ.

الرواية السابعة: و هي مرسلة المفيد (رحمه اللّه) (2)، و هذه الرواية مع قطع النظر عن الإشكال فيها بكونها مرسلة، لا يبعد دلالتها على كون الواجب في سفر عرفات هو القصر، فتدل على كون السفر في أربعة فراسخ موجبا للقصر.

[حاصل الكلام في روايات عرفات]

هذا حاصل الكلام في الروايات الواردة في عرفات.

و أمّا الرواية الّتي رواها عمر بن أذينة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، المشتملة على قصة بدعة عثمان و اتيانه صلاة الظهر في منى أربع ركعات، و ترك ما سنه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و تمارضه بعد ذلك، و دعوته عليا (عليه السلام) لأنّ يصلى العصر هكذا، و عدم حضوره (عليه السلام) لذلك، ثمّ بعد ذلك اشتمالها لقصة معاوية و عمله على نحو ما سنه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أعنى: اتيانه صلاة الظهر ركعتين في منى، و اعتراض الامويين عليه). (3)

فهي لا تدلّ على قول ابن ابي عقيل لأنّ وجوب القصر المستفاد منها و فعل النبي الصّلاة قصرا في منى، لعله يكون من باب كون النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من كان معه مسافرين بسفر مسلم وجوب القصر فيه أعني: ثمانية فراسخ، و بدعة عثمان أيضا‌

____________

(1)- اقول «فمن هذا الحيث أيضا تدلّ على أن الخروج من المحل الإقامة الى ما دون أربعة فراسخ لا يوجب القصر و إن لم يرجع في اليوم الاول».

(2)- الرواية 12 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- الرواية 9 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

131

يحتمل لأنّ يكون في ذلك اعنى: أتى بأربعة ركعات في السفر المسلم القصر فيه، لانّهم جاءوا من المدينة و كان بعدهم من المدينة الى منى ازيد من ثمانية فراسخ، لا من باب كون السفر من مكّة الى عرفات موجبا للقصر، لكون البعد بينهما أربعة فراسخ. (1)

[في دلالة بعض روايات عرفات على مذهب ابن ابى عقيل]

ثمّ اعلم: أنّ ما ذكرنا من الروايات الواردة في عرفات و إن استشكلنا في دلالة بعضها للمدّعى إلّا انّه لا اشكال في دلالة بعضها الآخر على مذهب ابن أبى عقيل، مثل الرواية الثانية و الثالثة و السادسة فيستظهر منها وجوب القصر في أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة فراسخ جائيا بعد ضم هذه الأخبار الى الروايات الدالة على وجوب القصر في ثمانية فراسخ ملفقة. (2)

____________

(1)- أقول: و إن قيل: إن ذكر منى في الرواية و إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان عمله إتيان الصّلاة فيه قصرا، و ذكر بدعة عثمان في خصوص منى، شاهد على خصوصية له غير خصوصية السفر المحقق بثمانية فراسخ، و ليست هذه الخصوصية إلّا انّ البعد بين مكّة و عرفات يكون أربعة فراسخ و هذا البعد موجب للقصر.

فانّه يقال: بأنّ منشأ ذكر سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليس إلّا فعل عثمان و عثمان حيث فعل ما فعل في منى، فلهذا قال إنّ فعله مخالف لسنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من وجوب القصر في السفر، بحيث لو كانت بدعته في غير منى في السفر الموجب للقصر اعنى: ثمانية فراسخ فأيضا كان فعله مخالفا لسنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). (المقرّر).

(2)- أقول: أما ذكره سيدنا الاستاد مد ظله في بعض الروايات المتقدمة من احتمال كون المراد من أهل مكّة أهل اطراف مكة، حتى يكون المجال لأنّ يقال: بأن وجه قصرهم ليس من باب كونهم مسافرين بسفر الّذي يكون البعد بين المنزل و بين المقصد أربعة فراسخ أعنى:

عرفات، بل كان من باب كون البعد بين منزلهم و مقصدهم ثمانية فراسخ امتدادية، لا يكون تماما بنظري القاصر، لانّ وجوب القصر على أهل مكّة على ما احتمله مد ظله يكون من باب كون سفرهم ثمانية فراسخ امتدادية، فإن كان كذلك، فكيف يجب عليهم القصر، أو كان فعلهم القصر-

132

الرواية الثامنة:

الرواية الّتي نقلها صاحب الوسائل و قال عن عدة من اصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن محمد بن اسلم الجبلي، عن صباح الحذاء، عن اسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عن قوم خرجوا في سفر، فلما انتهوا الى الموضع الّذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا من الصّلاة، فلما صار و اعلى فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة، تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم الا به، فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم، و هم لا يستقيم لهم السفر الا بمجيئه إليهم، فاقاموا على ذلك أيا ما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتموا الصّلاة أم يقيموا على تقصيرهم؟ قال: إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم اقاموا أم انصرفوا، و إن كانوا صاروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصّلاة قاموا أو انصرفوا، فاذا مضوا فليقصروا). (1)

و رواه الصّدوق في العلل عن أبيه عن سعد و عن محمد بن موسى المتوكل، عن السعدآبادي، عن احمد بن أبي عبد اللّه، عن محمد بن على الكوفي، عن محمد بن اسلم نحوه و زاد قال: ثمّ قال: هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال: لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون التقصير في أقل من ذلك، فاذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن‌

____________

على الاطلاق، لأنّ منازل أهل اطراف مكّة مختلفة و ليس الأمر بحيث يكون بعد كلهم من منزلهم الى عرفات ثمانية فراسخ، بل ربما يكون بعد منازل بعضهم انقص من ذلك، فلا وجه لكون الواجب عليهم القصر و فعلهم القصر بنحو الكلي، فمن هنا نستكشف ان هذا الحكم في هذه الأخبار يكون بالنسبة الى أشخاص يكون حكمهم واحدا، لكونهم واقعين في مركز واحد و نقطه واحدة و هو مكة، لأنه يصح أن يقال: إن أهل مكة أعني: ساكني مكة يجب عليهم القصر، لانّ كلهم واقعين في محل واحد و هو مكة، و أمّا اهل اطراف مكّة فلم يكونوا كذلك. (المقرّر).

(1)- الرواية 10 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

133

ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و ان كانوا ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلّا اتمام الصّلاة، قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الّذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال: بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم و أن السير يجدّ بهم، فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا. (1)

و رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن اسلم مثله مع الزيادة.

و هذه الرواية، مع قطع النظر عن ضعف سندها، تدلّ على عدم اعتبار كون الرجوع ليومه، فتصير دليلا لقول ابن أبي عقيل، فإن كان ما صدر من موسى بن جعفر (عليه السلام) بلا زيادة الّتي نقلها الصّدوق (رحمه اللّه)، فتدل على كفاية أربعة فراسخ بنفسه في وجوب القصر، غاية الأمر بعد الجمع مع الاخبار الدالة على اعتبار ثمانية فراسخ ملفقة في وجوب القصر، نقول- كما قلنا- بعدم كون أربعة فراسخ بنفسه موجبة للقصر، بل من باب كونها ملفقة بأربعة فراسخ إيابية.

و إن كان ما صدر منه (عليه السلام) مع الزيادة، الّتي نقلت في طريق الصّدوق (رحمه اللّه)، فتصير الرواية مثل الروايات الدالة في وجوب القصر في ثمانية فراسخ ملفقة، لأنّ لسانها كذلك، و على كل حال تدلّ على عدم كون الرجوع ليومه شرطا فى وجوب التقصير.

هذا تمام الكلام في ما يمكن أن يكون دليلا لقول ابن ابي عقيل (رحمه اللّه)، فالقول بعدم كون الرجوع ليومه شرطا في ثمانية فراسخ ملفقة قوي بمقتضى الأخبار، فإن كنا نحن و هذه الأخبار نأخذ بذلك، فلا بدّ لنا بعد ذلك من التكلم في بعض جهات أخر في المسألة و ما قيل فيها حتى نختار بعد ذكره، ما هو الحق في المقام.

____________

(1)- الرواية 11 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

134

[في ذكر الأقوال فى المسألة]

فنقول، كما قلنا سابقا، إنّ في المسألة أقوالا:

القول الأول: ما هو المشهور بين القدماء، و هو وجوب القصر إذا اراد المسافر الرجوع ليومه، و إن لم يرد الرجوع ليومه فيكون مخيرا بين القصر و الاتمام و هو مختار المفيد (رحمه اللّه) و الشّيخ (رحمه اللّه) و المحقّق (رحمه اللّه).

القول الثاني: ما يظهر من السيّد المرتضى و ابن إدريس (رحمه اللّه)، و هو وجوب الإتمام معينا في ما لم يرد الرجوع ليومه.

القول الثالث: ما يظهر من ابن أبي عقيل (رحمه اللّه)، و هو انّه قال: كل سفر كان مبلغه بريدين و- هما ثمانية فراسخ- أو بريدا ذاهبا و بريدا جائيا- و هو أربعة فراسخ- في يوم واحد أو في ما دون عشرة أيّام، فعلى من سافره عند آل الرسول إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره و خفى صوت الأذان يصلى الصّلاة في السفر ركعتين.

و الظاهر ممّا نقل من كلامه هو عدم اعتبار كونه مريد الرجوع ليومه في وجوب القصر عليه في ما نحن فيه.

و الظاهر أن ذكر إقامة العشرة يكون من باب المثال، فلا فرق في عدم وجوب القصر عليه بينها و بين غيرها، اعني: يجب القصر عليه و إن لم يرجع ليومه إلّا إذا قطع سفره بقاطع من قصد إقامة عشرة أيّام في رأس أربعة فراسخ، أو بقاء ثلاثين يوما متردّدا فيه، أو بلوغه الى وطنه.

و اختار هذا القول السيّد بن طاوس (رحمه اللّه) في كتابه المسمى بالبشرى و هذا القول هو مختار الشّيخ عماد الدين حلبي (رحمه اللّه)، على ما يظهر من عبارته في كتابه المسمى «باشارة السبق» و هذا عين عبارته: و الذي يلزمه التقصير كل مسافر كان‌

135

سفره إمّا طاعة أو مباحا بلغ بريدين فصاعدا- و هما ثمانية فراسخ- أربعة و عشرون ميلا، لأنّ الفرسخ ثلاثة اميال، و الميل ثلاثة آلاف ذراع، أو كانت مسافته بريدا و رجع ليومه، و لا ينوي الإقامة في البلد الّذي يأتيه عشرة أيّام، و لم يكن حضره أقل من سفره» بناء على كون ما صدر منه و كتب في كتابه لفظ «أو» لا لفظ «و» قبل قوله «لا ينوي الإقامة في البلد الّذي يأتيه عشرة ايام».

لأنّه على هذا يكون معنى كلامه أن فردا من السفر الموجب للقصر يكون بريدا إذا رجع ليومه، أو انّه و لو لم يرجع ليومه لكن لم يقصد الإقامة في المقصد، فعلى هذا يستفاد من كلامه أن الرجوع ليومه لا يعتبر في القصر في ما كان البعد بين المنزل و المقصد بريدا، بل لو لم يرجع ليومه يجب عليه القصر بشرط أن لا ينوى الاقامة في المقصد، اعنى: لا يحصل أحد قواطع السفر، لعدم خصوصية، كما قلنا، في قول ابن أبى عقيل (رحمه اللّه) بين قصد إقامة العشرة و ساير قواطع السفر.

و أمّا ما قلنا من أن عبارته كانت «أو» لا «و» فلانه لا معنى لأنّ يقول: أو كانت مسافته بريدا و رجع ليومه، و لا ينوى الإقامة في البلد الّذي يأتيه عشرة أيّام، لأنه من يرجع ليومه من المقصد الى المنزل كيف ينوي الإقامة في المقصد، فهذا شاهد على أن كلامه يكون «أو» لا «و».

و على كل حال قول ابن ابي عقيل (رحمه اللّه) القول الثالث في المسألة، و نسبة هذا القول إليه تكون من العلّامة (رحمه اللّه) لأنّ عنده كان كتاب ابن أبي عقيل (رحمه اللّه) المسمى «بالتمسك بحبل آل الرسول» و لم يكن عند غير العلّامة (رحمه اللّه)، لابن أبي عقيل (رحمه اللّه) كتابين:

الأوّل منه الكتاب المسمى «بالتمسك بجبل آل الرسول» الّذي كان عند العلّامة ره و الثاني كتاب الكر و الفر في الكلام و الامامة، و نقل النجاشي (رحمه اللّه) ان المفيد (رحمه اللّه) يكثر‌

136

الثناء على هذا الرجل، و قال النجاشي أيضا نقلا عن ابن قولويه بان ابن ابي عقيل يجيز لي كتاب المتمسك و ساير كتبه (1).

[القائلين بالتخيير بين قولين]

و لا يخفى عليك أن القائلين بالتخيير أيضا بين قولين:

القول الأول: التخيير في غير مريد الرجوع ليومه مطلقا، اعنى: في الصّلاة و في الصوم و هو مختار المفيد (رحمه اللّه).

القول الثاني: التخيير في غير مريد الرجوع ليومه في خصوص الصّلاة، و هو اختيار الشّيخ (رحمه اللّه) فانّه قال بالتخيير في غير مريد الرجوع ليومه في خصوص الصّلاة، و أمّا الصوم فيكلفه الافطار و أن لا يصوم في هذا الفرض.

إذا عرفت ذلك نقول، كما قلنا إنه إذا راجعنا أخبار الباب نجدها موافقة لقول ابن أبي عقيل (رحمه اللّه)، و لكن اختيار هذا القول مشكل مع الشهرة المخالفة معه.

و هل يكون في البين وجه يساعد مع فتوى المشهور أو لا؟

اعلم أن ما يمكن أن يكون مستند المشهور روايات نعطف الكلام فيها حتى نرى انّه يمكن التعويل عليها، و الاخذ لما هو فتواهم، أو لا يوجد ما يمكن التعويل عليه فنقول:

الرواية الأولى: الرواية المسطورة في كتاب فقه الرضا (عليه السلام) المنسوب الى جنابه، فإن في هذه الرواية «نقلت عبارة هذه الرواية من الجواهر» (2) قال: فإن كان سفرك بريدا واحدا، واردت أن ترجع من ذلك قصرت، لأنّ ذهابك و مجيئك‌

____________

(1)- رجال نجاشى، ص 48.

(2)- جواهر الكلام، ج 14، ص 211.

137

بريدان، الى أن قال: فإن لم ترد الرجوع من يومك فانت بالخيار إن شئت تممت، و إن شئت قصرت.

و دلالة هذه العبارة- التي ادعيت كونها رواية، بناء على كون فقه الرضا من الرضا (عليه السلام)- على فتوى المشهور واضح، و لكن الاشكال في كون فقه الرضا من الرضا (عليه السلام)، إذ كون هذا الكتاب منه (عليه السلام) غير معلوم، و إن تصدى بعض العلماء يصحح النسبة إليه (عليه السلام)، و لكن ليس لنا دليل على صحة الانتساب، و لم يعلم كونه من الرضا (عليه السلام).

و إن شهد بعض بأخذ هذا الكتاب من بعض القميين في مكة، و انّه ادعى كون فتاوى علي بن بابويه القمى موافقة معه، و لكن مع ذلك لا يمكن الاعتماد عليه من باب كونه من كلام الامام (عليه السلام)، بل قال السيّد حسن الصدر الكاظمي (رحمه اللّه): بأن هذا الكتاب هو كتاب الشلمغانى المعروف، و لا يبعد أن يكون من تأليفات أحد من السابقين لا من كلام الرضا (عليه السلام)، فبعد عدم الاعتماد على كتاب فقه الرضا لم يبق مجال للعمل بهذه الرواية المنقولة في هذا الكتاب.

الرواية الثانية: الرواية الّتي رواها محمد بن مسلم أمّا الرواية بنقل الشّيخ في التهذيب فهكذا: عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر (عليه السلام) (سألته عن التقصير، قال: في بريد، قال: قلت: بريد؟ قال: إنه ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه). (1)

و لكنه نقلها فى الوسائل هكذا: (عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن التقصير قال: في بريد، قلت: بريد؟ قال: إنه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد‌

____________

(1)- الرواية 9 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

138

شغل يومه). (1)

[في الاستدلال بالرواية لكون الرجوع ليومه فى المسافة الملفقة]

هذا متن الحديث، و أمّا وجه دلالتها على كون الرجوع ليومه، فهو أن يقال:

إنّ أبا جعفر (عليه السلام) بعد تعجب السائل من قوله بأن التقصير في بريد قال: إنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه، فاعتبر شغل اليوم في السفر الّذي الّف من ثمانية فراسخ ملفقة، و ظاهر شغل اليوم هو شغل اليوم بالفعل، فمعنى العبارة هو أن يشغل يومه بسفر بالذهاب و الاياب، هذا بيان الاستدلال.

[في ذكر الاحتمالين للمطلب]

و نقول توضيحا للمطلب بأن في الرواية احتمالين:

الاحتمال الأول: أن يقال: بأن السائل بعد ما سمع من ابي جعفر (عليه السلام) بأن التقصير في بريد تعجب من ذلك، لأنّ ما كان مغروسا في ذهنه هو كون السفر الموجب للقصر في بريدين، فاجاب (عليه السلام) و ارتفع تعجبه بقوله (إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه) اعني: يحصل ما هو في ذهنك في بريد أيضا، لأنه يذهب بريدا و يرجع بريدا، فيتحقّق البريدان، و قوله (فقد شغل يومه) بعد ذلك يكون مثل ذكر مسيرة يوم، أو بياض يوم الوارد في بعض الأخبار الاخر، فيكون لسان شغل اليوم مثل مسيرة يوم أو بياض يوم اعني: منشأ اعتبار جعل هذا الحد موجبا للقصر هو أنه مسيرة يوم، أو بياض يوم أو شغل يوم، فكما انّه لا عبرة بحصول مسيرة يوم، أو بياض يوم فعلا في تحقق السفر في اليوم الأوّل كذلك شغل اليوم لا يلزم حصوله فعلا في تحقّق السفر للقصر في بريد ذاهبا و بريد جائيا اعني: ثمانية فراسخ ملفقة.

و لهذا لو كان البعد بين المنزل و المقصد ثمانية فراسخ لا يعتبر أن يسيره في اليوم‌

____________

(1)- أقول: و حيث إنّ صاحب الوسائل نقلها عن الشّيخ (رحمه اللّه)، و نقلنا ما نقله الشّيخ فيكون متن الرواية هو ما نقله الشيخ (رحمه اللّه). (المقرّر)

139

الأول، و لا يعتبر تحقق مسيرة يوم في اليوم الأوّل في وجوب القصر، بل يمكن أن يذهب أربعة فراسخ منها في اليوم الأول، و أربعة فراسخ منها في اليوم الثاني حتى يصل الى المقصد.

كذلك لا يعتبر في ثمانية فراسخ ملفقة أن يكون السير بين المبدأ و المقصد و من المقصد الى المبدأ اعنى: الذهاب و الرجوع اعني: شغل اليوم، في يوم واحد، فعلى هذا الاحتمال ليست الرواية الا في مقام بيان كفاية ثمانية فراسخ ملفقة، لا في مقام اعتبار شغل اليوم بالفعل في هذا النحو من السفر، حتى يقال: بلزوم كون الرجوع ليومه حتى يحصل شغل اليوم بالفعل.

و لكن يبعد هذا الاحتمال ظهور قوله (شغل يومه) في شغل اليوم بالفعل، و لو أخذنا بهذا الاحتمال من الرواية فلا يمكن الاخذ بظهور (شغل يومه) و الحال أن هذا الكلام ظاهر في اعتبار فعلية شغل اليوم، فمع هذا الظهور لا يمكن الاخذ بهذا الاحتمال، لأنّ ظاهر الكلام هو رفع استبعاد السائل بأنّه بسبب ذهاب بريد و رجوع بريد يحصل ما هو محقّق السفر، و هو ثمانية فراسخ مع شغل اليوم بالفعل، و لا يناسب شغل اليوم بالفعل إلّا إذا كان الرجوع ليومه، لأنه إذا كان الذهاب و الاياب في يوم فقد شغل هذا اليوم بالسفر.

و أيضا يلزم أن يكون على هذا الاحتمال قوله (عليه السلام) (فقد شغل يومه) غير لازم و يكون زائدا على المقدار اللازم في الجواب، لأنه إن كان وجه تعجب السائل من حيث كون المرتكز عنده من السفر الموجب للقصر البريدين فكان المناسب أن يكتفى (عليه السلام) في مقام الجواب بقوله (لأنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد‌

140

حصل البريدان). (1)

الاحتمال الثاني: و هو أن يقال: إنّ السائل بعد ما سئل عن التقصير و أنه في أي سفر يجب القصر؟ و اجاب (عليه السلام) (في بريد) تعجب السائل من ذلك، يمكن أن يكون منشأ تعجبه هو ما يرى خارجا عند المسلمين اعني: العامة من أنهم يقولون بالتقصير في يومين أو ثلاثة أيّام، أو كان في ارتكازه أن السفر إذا صار بمقدار مسيرة يوم اعنى: في المرحلة الّتي تكون متعارفا في كل يوم و ليلة للمسافرين، يجب فيه القصر و قطع البريد لا يصير بهذه المرحلة، فاجاب (عليه السلام) بأنّه (إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه بالسفر) اعنى: يكون الميزان شغل اليوم، و هو حاصل في بريد ذاهبا و بريد جائيا، و لا يعتبر اليوم أو اليومين، بل المعتبر هو شغل يوم واحد، فاذا تحقق ذلك بالسفر يجب القصر، و هو يتحقّق في بريد ذاهبا و بريد جائيا، فيستفاد على هذا من الرواية لزوم شغل اليوم بالفعل في المسافة الملفقة من أربعة فراسخ ذهابية و أربعة فراسخ إيابية، و شغل اليوم بالفعل لا يتحقّق إلّا بالرجوع ليومه.

[فى المسافة الامتدادية لا يلزم شغل اليوم بالفعل]

و لا يعتبر ذلك اعنى: شغل اليوم فعلا في ثمانية فراسخ امتدادية، لعدم كون الثمانية فراسخ امتدادية في موجبيتها لوجوب القصر في السفر شغل اليوم بالفعل، و لذا لو ذهب أربعة فراسخ منها في اليوم الأول، و أربعة فراسخ اخرى منها في اليوم الثاني مثلا فبلغ بمقصده، فليس مضرا في وجوب القصر.

____________

(1)- اقول: إلّا أن يقال: إن الجواب كما يمكن بنفس ما هو مورد ارتكاز السائل اعني:

البريدين بأن يجاب إذا ذهب بريدا و رجع بريدا حصل البريدان، كذلك يناسب الجواب بلازم ذلك، و ما هو منشأ اعتباره و هو شغل اليوم مثل ما قال تارة ثمانية فراسخ، و تارة مسيرة يوم، فلا يرد هذا الايراد على هذا الاحتمال، لأنه ليس على هذا ذكر شغل يومه زائدا. (المقرّر)

141

بل هذا القيد على هذا الاحتمال دخيل في ثمانية فراسخ ملفقة، لأنّ المستفاد من رواية محمد بن مسلم على هذا الاحتمال هو كون وجوب القصر في السفر المؤلف من ثمانية فراسخ ملفقة مقيّدا بشغل اليوم بالفعل، و هو لا يتحقق الا فيما رجع المسافر ليومه.

و لا بأس بذلك لأنّ عدم دخل هذا القيد في ثمانية فراسخ امتدادية يكون من باب عدم الدليل على اعتباره، بخلاف ثمانية فراسخ ملفقة فإن اعتبار هذا الشرط فيها يكون من باب دلالة رواية محمد بن مسلم على هذا الاحتمال اعني: الاحتمال الثاني فثمانية فراسخ ملفقة موجبة للقصر على هذا الاحتمال بشرط كون الرجوع ليومه.

و هذا الاحتمال بعيد في هذه الرواية أيضا بل ابعد من الاحتمال الأوّل.

أما أولا فلبعد اعتبار هذا القيد في خصوص ثمانية فراسخ ملفقة دون ثمانية فراسخ امتدادية، مع أن ظاهر ادلتها هو كون ثمانية فراسخ ملفقة مثل ثمانية فراسخ امتداديه في موجبيتها للقصر و بوزان واحد، كما يستفاد من الأخبار، لدلالتها على كون أربعة فراسخ ذاهبا و أربعة جائيا مثل ثمانية فراسخ في موجبيتها للقصر.

و أمّا ثانيا فلان الظاهر من جوابه (عليه السلام) هو كون التعليل (بأنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه) تعليلا بأمر ارتكازي يكون مرتكزا عند السائل، و ما هو مرتكز عنده ليس إلا ثمانية فراسخ امتدادية، أو مسيرة يوم، و هو (عليه السلام) قال في جوابه (بأنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه) اعني: حصل ما هو مرتكز عندك اعني: ثمانية فراسخ، أو مسيرة يوم، فكما لا يعتبر في ثمانية فراسخ امتدادية هذا الشرط اعنى: شغل اليوم بالفعل، فكذلك في ثمانية فراسخ ملفقة «هذا حاصل ما‌

142

افاده- مد ظله- تقريبا في بيان الاحتمالين المتقدمين في هذه الرواية».

[لسان الرواية فى أى الاحتمالين]

ثمّ بعد ذلك هل يكون لسان الرواية احتمال الاول، فتكون الرواية غير دالة على اعتبار أمر غير ما افاده ساير الروايات الواردة في كفاية ثمانية فراسخ ملفقة في وجوب القصر في السفر، فلا يعتبر كون الرجوع فيها ليومه، أو يكون لسان الرواية هو احتمال الثاني اعني اعتبار كون الرجوع ليومه، و لزوم شغل اليوم بالفعل.

و بعبارة أخرى يكون لسان الرواية مثل لسان رواية زرارة بن اعين و هي هذه: (عن زرارة بن اعين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير فقال: بريد ذاهب و بريد جائي قال: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا اتى ذبابا قصر، و ذباب على بريد، و إنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ). (1)

فإن هذه الرواية تدلّ على أن القصر في بريد ذاهب و بريد جائي، ثمّ استشهد بفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في مسافرته الى ذباب، بأنّه إذا اتى ذبابا قصر، لأنّ ذباب على بريد، فهو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا رجع صار سفره بريدين ثمانية فراسخ.

و إن قيل: بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعله كان يرجع ليومه من ذباب، فإن أبا عبد اللّه (عليه السلام) استشهد بفعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و فعله غير معلوم، فيحتمل أن يكون راجعا ليومه، فمن هذه الرواية أيضا لا يمكن استفادة عدم اعتبار كون الرجوع ليومه حتى يقال: إنّ لسان رواية محمد بن مسلم مثلها في عدم الدلالة على لزوم كون الرجوع ليومه.

نقول: بأن ظاهر رواية زرارة الاطلاق من هذا الحيث اعنى: لا يقيد فيها كون‌

____________

(1)- الرواية 15 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

143

الرجوع ليومه، و استشهاد الامام (عليه السلام) بفعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و فعل النبي ليس شاهدا على كون رجوعه من ذباب ليومه.

أمّا أولا فلأنّه من البعيد انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كلّما ذهب الى ذباب كان يرجع ليومه، مع أن الظاهر من لسان الرواية كان يذهب الى ذباب مكررا، لدلالة قوله: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا اتى ذبابا على ذلك.

و ثانيا: استشهاد الامام (عليه السلام) بفعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليس إلّا في ما افتى به من كون القصر في بريد ذاهب و بريد جائى، و ليس استشهاده من هذا الحيث اعني اعتبار الرجوع ليومه، و لذا قال في مقام ذكر فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «و إنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» فهذه الرواية تدلّ بإطلاقها على عدم لزوم كون الرجوع في ثمانية فراسخ ملفقة ليومه.

فكان الغرض بعد ذلك في أن لسان رواية محمد بن مسلم مثل هذه الرواية، فلا دلالة لها على دخل الرجوع ليومه في السفر الّذي يكون مركبا من بريد ذاهب و بريد جائي، أو ليس كذلك، و على كل حال تكون ظهور رواية محمد بن مسلم في أي من الاحتمالين.

فهل نأخذ بظهور قوله (شغل يومه) و نقول، بعد كونه ظاهرا في شغل اليوم بالفعل، يجب القصر في هذه المسافة في خصوص صورة كون الرجوع ليومه، بمعنى وقوع تلك المسافة في اليوم الأوّل فعلا لا تقديرا.

أو نقول: بأن الظاهر كون التعليل الى أمر مرتكز عند السائل، و ليس المرتكز إلا ثمانية فراسخ اعني: بريدين أو مسيرة يوم، فكان جواب الامام (عليه السلام) ناظرا الى حصول ذلك بذهابه بريدا و رجوعه بريدا في ما إذا ذهب بريدا و رجع بريدا، و لا‌

144

يعتبر تحقّق ذلك بالفعل، فلا يعتبر كون الرجوع ليومه.

و بعد اللتيا و التي، فالاخذ بالاحتمال الثاني، و تقويته في هذه الرواية مشكل، كما أن دعوى ظهور الرواية في الاحتمال الأوّل أيضا مشكل.

اللهم إلّا أن يقال: بأن غاية ما يمكن أن يقال: هو كون لسان الرواية، هو انّه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه، و هذا اللسان لا يدل إلّا على انّه في فرض ذهاب بريد و رجوع بريد يحصل شغل اليوم بالفعل، لاقتضاء قضية الشرطية و هى إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه ذلك، و هذا غير دال على لزوم تحقق الرجوع و حصوله في يومه، لعدم دلالة هذه القضية على اعتبار شغل اليوم بالفعل في وجوب القصر، لأنّ صدق الشرطية متوقف على وجود الجزاء و حصوله على تقدير حصول الشرط، و لا يتوقف صدق الشرطية على حصول الشرط و الجزاء فعلا، فتدل هذا القضية على حصول شغل اليوم بالفعل على تقدير حصول الذهاب و الاياب، و صدق الشرطية متوقف على هذا المقدار اعني: حصول الجزاء في فرض حصول الشرط، و لا يعتبر في صدق الشرطية حصول بريد ذاهب و بريد جائي و لا شغل اليوم بالفعل، و هذا واضح، فتدل الرواية على كفاية كون البعد بين المنزل و المقصد بريد لحصول شغل اليوم لو فرض انّه إذا ذهب بريدا يرجع بريدا، و لكن لا تدلّ على لزوم تحصيل هذا الفرض اعني: الرجوع و الذهاب، في يومه.

هذا حاصل ما أفاد سيدنا الأستاد مد ظله في هذه الرواية، و لم يرجح أحد الاحتمالين على الآخر، و لم يختر أحدهما. (1)

____________

(1)- أقول و اعلم أنّ هذه الرواية على تقدير دلالتها على اعتبار كون الرجوع فى ما نحن-

145

[ممّا استدل لفتوى المشهور ما نقل من فعل امير المؤمنين ع]

الرواية الثالثة: ممّا استدل به لفتوى المشهور هو القضية المنقولة من فعل امير المؤمنين (عليه السلام) من انّه لما خرج الى النّخيلة، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثمّ رجع من يومه.

وجه الاستدلال هو انّه (عليه السلام) صلّى صلاته ركعتين اعني: قصر الظهر: لأنه خرج من الكوفة الى النّخيلة، و رجع الى الكوفة من يومه، فهو قصر في ثمانية فراسخ ملفقة لكونه مريد الرجوع ليومه، فمن هنا نستكشف اعتبار كون الرجوع ليومه في ما نحن فيه.

و فيه، مع قطع النظر عن التكلم في سندها، نقول: أولا بأنها لا تدلّ الا على أن امير المؤمنين (عليه السلام) في سفره الى النّخيلة رجع ليومه، و صرف رجوعه ليومه في سفر لا يدل على لزوم الرجوع في وجوب القصر، لأنّ المدعى ليس عدم جواز الرجوع حتى يستدل بفعله (عليه السلام)، بل لا يلزم الرجوع في وجوب القصر، و فعله (عليه السلام) ليس مخالفا مع ذلك.

____________

فيه ليومه فتدلّ على دخل الرجوع ليومه في وجوب القصر فقط و لا دلالة لها على التخير بين الاتمام و القصر كما هو مذهب المشهور فى غير مريد الرجوع ليومه فعلى تقدير دلالتها و حملها على احتمال الثاني تدلّ على جهة من فتوى المشهور و هي دخل الرجوع ليومه فى وجوب القصر فى ثمانية فراسخ ملفقة و غير دالّة على جهة الاخرى من فتواويهم و هى التخير بين القصر و الاتمام لغير مريد الرجوع ليومه بل على هذا الاحتمال تكون الرواية بفتوى السيد المرتضى و ابن ادريس (قدس سرهما) اوفق لأنّها تدلّ على دخل كون الرجوع ليومه في وجوب القصر، فهذا الحيث من فتواهما موافق مع هذه الرواية، و حيث الآخر أعني: وجوب التمام لغير مريد الرجوع فبمقتضى القاعدة اعني: لزوم التمام، و كان بحث سيدنا الأستاد مد ظله أيضا في أن هذه الرواية هل تدلّ على اعتبار الرجوع ليومه في وجوب القصر أم لا، و لم يتكلم في حيث الآخر اعني، في وجه التخير بناء على فتوى المشهور في غير مريد الرجوع ليومه. (المقرّر)

146

[المورخون و الناقلين ليسوا فى مقام بيان الجهات]

و ثانيا إن ناقل هذا الفعل منه (عليه السلام) هو المورّخ، و ناقل الوقائع و المورّخون ليسوا في مقام بيان هذه الجهات اعني ذكر الاحكام و الخصوصيات الدخيلة في اثبات الحكم أو نفيه، فلا يمكن التعويل بكلامهم لما نحن بصدده من استفادة الحكم الشرعى.

ثمّ إن بعض الاخبار المتعرضة في هذا المقام في بعض الألسنة فغير دالة على فتوى المشهور أيضا.

إذا عرفت حال ما يمكن الاستدلال به لتقييد الثمانية فراسخ الملفقة في موجبيتها للقصر بإرادة الرجوع ليومه.

نقول: إنه لا يبقى في المقام مخالف للاخبار الدالة بإطلاقها، أو بصراحتها على عدم اعتبار كون الرجوع ليومه في مسئلتنا إلا فتوى المشهور، لانهم أفتوا على أن خصوص مريد الرجوع ليومه عليه القصر، و أما غير مريد الرجوع ليومه فهو مخير بين القصر و الإتمام، و قال السيّد المرتضى و ابن إدريس بالقصر فيمن اراد الرجوع ليومه و الإتمام لغير مريد الرجوع ليومه، و ادعى ابن إدريس الاجماع على ذلك.

فكلهم اعني: المشهور و السيّد المرتضى و ابن إدريس متفقون في وجوب القصر لخصوص من اراد الرجوع ليومه فقط، على خلاف ابن أبي عقيل (رحمه اللّه) القائل بوجوب القصر سواء اراد الرجوع ليومه أو لا، لأنهم متفقون على خلافه من هذا الحيث و إن كانوا مختلفين في غير مريد الرجوع ليومه، لأنّ المشهور قائلون بالتخيير، و هما قائلان بالاتمام.

فعلى هذا هم جميعا يختلفون مع ابن ابي عقيل (رحمه اللّه) في المسألة من حيث انهم‌

147

يعتبرون في وجوب القصر إرادة الرجوع ليومه بخلافه، ففي هذا الحيث اعني: اعتبار شرط إرادة الرجوع ليومه في وجوب القصر لا خلاف بين المشهور و بين السيّد و ابن إدريس لإطباقهم على ذلك، فالشهرة و فتواهم على خلاف ابن أبي عقيل (رحمه اللّه).

و إنّا إذا راجعنا أخبار الباب نرى دلالة بعضها بالإطلاق و دلالة بعضها كروايات عرفات بالصراحة على مذهب ابن أبي عقيل اعني عدم اشتراط وجوب القصر بإرادة الرجوع ليومه.

و إذا راجعنا الى المشهور نرى فتواهم باعتبار هذا الشرط، و رفع اليد عن مختار المشهور و اختيار ما تدلّ عليه أخبار الباب من عدم اعتبار هذا الشرط مشكل، لأنّ المشهور مع كونهم بانين على الاقتصار بذكر الفتاوى المتلقاة عن المعصومين (عليهم السلام) كيف افتوا كذلك؟ و كيف غفلوا عن هذه الأخبار؟ و كيف افتوا بهذه الفتوى بلا وجود مدرك و مستند معتبر عندهم؟

فمن هنا نتفرس بأن هذه الفتوى منهم كانت من باب مستند لم يصل إلينا، فعلى هذا كما قلنا سابقا بالاحتياط بين القصر و الإتمام في غير مريد الرجوع ليومه و أمّا فيمن اراد الرجوع ليومه فلا اشكال في وجوب القصر عليه.

ثمّ أنّه لو قلنا باعتبار كونه مريد الرجوع ليومه، و لزوم شغل اليوم بالفعل في السفر المؤلف من بريد ذاهب و بريد جائى، فليس المراد من اليوم هو خصوص اليوم في مقابل الليل بحيث إنّه لو وقع هذا السفر في الليل، أو ملفقا من النهار و الليل لم يحصل محقّق القصر، حتى نحتاج الى التكلم في أن ما هو المراد باليوم هل هو من طلوع الفجر الى المغرب أو ليس كذلك؟

أو نتكلم عن أن المراد باليوم هو اليوم من الأيّام الطوال مثل أيّام الصيف او‌

148

لا، حتى يقال: بأن المراد من اليوم هو اليوم المعتدل مثلا أول يوم الخريف أو الربيع.

[ليس المراد من اليوم مقابل الليل بل المراد مقدار السير]

بل نقول: بأن المراد بشغل اليوم في رواية محمد بن مسلم، أو مسيرة يوم، أو بياض يوم في بعض الروايات الاخر، لبس هو اليوم في مقابل الليل، بل المراد من ذلك هو المرحلة المتعارف فيها عند المسافرين و القوافل للسير بقدر هذه المرحلة في كل يوم و ليلة، أعني: أنّ المسافرين يكون المتعارف عندهم أن يسيروا في سفرهم في كل يوم و ليلة مرحلة و مقدارا و يتوفقون مرحلة و مقدارا للاستراحة، و هم تارة يسيرون في الليل و تارة في النهار و تارة في الملفق من الليل و النهار و ليس الأمر بحيث كان سفرهم في النهار فقط من أوله الى آخره، فهذه المرحلة الّتي يكون السير فيها متعارفا يكون المراد من (اليوم) في مسير اليوم، أو بياض اليوم، أو شغل اليوم.

فعلى هذا ما هو الظاهر من سير اليوم هو المرحلة المتعارفة من السير في كل يوم و ليلة عند المسافرين، فعلى هذا و لو اعتبرنا شغل اليوم بالفعل في السفر الملفّق من بريد ذاهب و بريد جائى، أو قلنا بكفاية مسيرة يوم، أو بياض يوم في مقابل ثمانية فراسخ امتدادية، كما نتعرض له، فليس المراد هو شغل تمام اليوم أو سير تمام اليوم بالخصوص بحيث لا يكتفى بشغل الليل، أو المسير في الليل، بل المراد هو قطع المرحلة المتعارفة بين المسافرين في كل يوم و ليلة، سواء وقع في اليوم، أو في الليل.

ففي مسألتنا نقول: بأنّه على تقدير اعتبار شغل اليوم بالفعل يكون المراد هو قطع المرحلة المتعارفة في النهار و ليل الاول، بمعنى انّه إذا ذهب بريدا كان رجوعه في نهاره أو ليلته أعني: قطع هذين البريدين في هذا النهار و الليل، فافهم. (1)

____________

(1)- أقول: إذا عرفت ذلك كله في هذه المسألة نقول: إن سيدنا الاستاذ- مد ظله- و إن لم-

149

[المراد من التحديدات فى المسافة واحد]

المسألة الثالثة: من راجع أخبار الباب يرى أن الظاهر منها جعل التحديد في السفر الموجب للقصر بامور، ففي بعضها حدّ السفر الموجب للقصر بثمانية فراسخ، و في بعضها بالبريدين، و في بعضها بأربعة و عشرين ميلا، و في بعضها بمسيرة يوم، و في بعضها ببياض يوم، و في بعضها ذكر بعض منها مع البعض الآخر مثل قوله: «في رواية سماعة في مسيرة يوم، و هي ثمانية فراسخ»، أو في رواية أبي أيوب «في بريدين أو بياض يوم»، و غير ذلك. و لا اشكال في كون المراد من ثمانية فراسخ و بريدين و أربعة و عشرين ميلا أمرا واحدا؛ لأنّ البريد عبارة عن أربعة فراسخ، و وجه اطلاق البريد هو أنه:

إمّا من البرد بمعنى الكتابة، فسمّى البريد اعني: من حمل الكتاب من محل‌

____________

يرفع اليد عن الاحتياط في غير مريد الرجوع ليومه، و لكن بنظري القاصر فعلا هو عدم دخالة هذا الشرط، و أن قول ابن أبي عقيل (رحمه اللّه) اوفق بنظري، لأنّ الأخبار دالة عليه بالإطلاق و الصراحة، و رواية فقه الإمام الرضا (عليه السلام) مع ضعف سندها كما قلنا غير معتبرة، و رواية محمد بن مسلم إن لم نقل بكون أقوى الاحتمالين فيها هو الاحتمال الأول، فلا أقل من اجمالها و عدم ظهورها في دخالة شرط إرادة الرجوع ليومه، فلم يبق في البين إلّا اختيار المشهور، و هم مع اختلافهم في غير مريد الرجوع ليومه لأنّ الشّيخ و بعض آخر قائلون بالتخيير و السيّد و ابن إدريس قائلان بالتمام و مع عدم وجدان مدرك لفتواهم بدخل إرادة الرجوع ليومه في وجوب القصر، فلم يمنعنا من اختيار قول المخالف لهم، و صرف انهم لا يفتون بشي‌ء بلا مستند صحيح لا يصير سببا لأنّ نختار قولهم عن عمى، لانهم لو أفتوا بذلك و إن كان عندهم مستند، فمن اين نعلم أن مستندهم كان بحيث إذا وصل إلينا كان حجة عندنا، و الحال أن كثيرا ما يتفق انهم عولوا على شي‌ء و افتوا بشي‌ء و الحال انّه ليس تماما عندنا، مع انّه قلنا بأنهم اختلفوا في المسألة في غير مريد الرجوع ليومه فمع ذلك كيف تبلغ دعوى الشهرة الى مرتبة صارت سببا لاختيار هذا القول؟ نعم، ينبغي الاحتياط في غير من اراد الرجوع ليومه بين القصر و الإتمام، فتأمّل. (المقرر)

150

و يوصله الى محل آخر بريدا، لأنّه يحمل الكتاب، أو كان اطلاق البريد على البريد من البرد في مقابل الحرّ فإنّ البريد حيث كان يسير في الليل وقت البرودة فسمي بريدا، ثمّ بعد تسمية الشخص الحامل للكتاب و بالفارسية «چاپار» بريدا فسمي مقدار من المسافة اعني: أربعة فراسخ اعني: اثنا عشر ميلا بالبريد، لأنّ البريد يسافر و يتوقف في رأس هذا المقدار، و يعاوضون البرد في رأس هذا المقدار مراكبهم و بالفارسية «در سر هر چهار فرسخ مال بند بود كه اسبها يا در اواخر اسب گاريها را عوض مى‌كردند» فلهذا سميت هذه المسافة بريدا هذا وجه اطلاق البريد بالمسافة الّتي تكون أربعة فراسخ.

و أمّا وجه التعبير بالفرسخ، فإن عند الفرس كان لفظ «فر» بمعنى الجمع و لفظ «سنگ» أيضا معروف، و حيث إن في الطرق أجمعوا احجارا للعلامة بأن هذا رأس الحد الّذي سمي بعدا بفرسخ، فسميت المسافة بين كل مجتمع من هذه الاحجار في الفارسية «به فرسنگ» فصار هذا اللفظ معربا فبدل لفظ الگاف بخاء و اسقطت نونه فقيل له فرسخ، فهذا وجه تسمية الفرسخ.

بالفرسخ و أمّا وجه تسمية الميل فقد قسموا الناس البعد الواقع بين كل فرسخ بثلاثة اقسام، و و نصبوا في رأس كل قسم ميلا من الاحجار أو غيره، فتسمى المسافة الواقعة بين ميل الى ميل آخر أيضا ميلا لهذه المناسبة.

[ما المراد من البريد و الفرسخ و الميل]

فقد ظهر لك وجه تسمية المسافة المخصوصة بالبريد، و المسافة المخصوصة بالفرسخ، و المسافة المخصوصة بالميل، فالبريد أربعة فراسخ، و الفرسخ ثلاثة اميال، و البريدين ثمانية فراسخ، فمرجع ثمانية فراسخ و البريدين و أربعة و عشرين ميلا الى أمر واحد اعني: ليس إلا شيئا واحدا، لأنّ كل فرسخ ثلاثة اميال فصار أربعة و‌