تبيان الصلاة - ج1

- السيد حسين البروجردي المزيد...
259 /
151

عشرين ميلا، و ثمانية فراسخ إذا ضرب ثلاثة اميال في ثمانية، و يصير البريدان أيضا ثمانية فراسخ، لأنّ كل بريد أربعة فراسخ، فصار البريدان ثمانية فراسخ.

و أمّا مسيرة يوم مع بياض اليوم الّذي عبر بهما في بعض الأخبار فهما أيضا أمر واحد، و حدّ واحد لأنّ المراد بكل منهما كما اشرنا سابقا هو مقدار من المسافة التي يسير فيها المسافرون في كل يوم و ليلة متعارفا، و بعبارة اخرى من يسافر سفرا فكان المرسوم أن يسير في كل يوم و ليلة مرحلة، و يمكث مرحلة لرفع زحمة السير و للاستراحة، و مسيرة اليوم أو بياض اليوم عبارة عن المرحلة المتعارفة للمسافر للسير في كل يوم و ليلة، سواء وقعت هذه المرحلة في النهار، أو في الليل، أو الملفق منهما لأنّ هذا هو المراد منهما بحسب ظاهر الأخبار، لا أن يكون المراد خصوص المسيرة الواقعة في اليوم، بل و لا أن يكون المراد هو السير المقدر بقدر تمام اليوم، بل المراد ما هو المتعارف من السير في كل نهار و ليلة للمسافرين، فعلى هذا يكون المراد من مسيرة اليوم أو بياض اليوم أمرا واحدا، و هذا كله ممّا لا إشكال فيه.

إنما الإشكال في جهة اخرى و هو أنّه بعد دلالة بعض الروايات- على ما هو ظاهرها- على كون ثمانية فراسخ الّتي هي عبارة عن البريدين، و عن أربعة و عشرين ميلا حدا للقصر، و دلالة بعضها الآخر على كون مسيرة يوم المعبر عنها بياض يوم في بعض الروايات حدا للقصر.

[هل الحد خصوص كل واحد منهما او كلاهما]

فهل الحد هو خصوص ثمانية فراسخ و البريدين و أربعة عشرين ميلا، أو يكون خصوص مسيرة اليوم و بياض اليوم، أو يكون كليهما حدا للمسافة الموجبة للقصر بحيث إذا حصل احدهما، يجب القصر و إن لم يحصل الآخر منهما، أو يكون الحد ثمانية فراسخ و يكون مسيرة يوم أمارة على حصول هذا الحد، أو يكون كل‌

152

منهما حدا للقصر، و متى يوجد احدهما يوجد الآخر اعنى: يكون كل منهما موجودا بوجود الاخر.

[الحق كونها أمرا واحدا اذا وجد أحدهما وجد الاخر]

الحقّ هو كونهما امرا واحدا بحيث إذا وجد احدهما يوجد الآخر فاذا حصلت ثمانية فراسخ حصلت مسيرة يوم و بالعكس، و الدليل على ذلك ما نرى في بعض أخبار الباب من جعلهما شيئا واحدا مثل رواية 8 من الباب 1 من أبواب الصّلاة المسافر من الوسائل، و هي رواية سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصر الصّلاة؟ فقال: في مسيرة يوم، و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ.

فهذه الرواية صريحة في أن مسيرة يوم عبارة عن البريدان و ثمانية فراسخ، لأنه قال (في مسيرة يوم، و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ) فقد جعل مسيرة يوم عين البريدين، كما جعل البريدين عين ثمانية فراسخ.

و ما في بعض روايات الباب من التعبير بلفظ (أو) مثل رواية أبي بصير (1) قال: قلت: لأبى عبد اللّه في كم يقصر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين، فلا تدلّ على كون بياض يوم غير البريدين، بل الرواية تدلّ على الاكتفاء في مقام التقصير بكل منهما، و لذا قال (في بياض يوم أو بريدين) و هذا غير مناف مع كونهما أمرا واحدا بحسب الواقع في كونهما حدّا، و حيث انهما أمر واحد فاذا قصر في بياض يوم فقد قصر في الحد و حصل البريدان أيضا و بالعكس. (2)

____________

(1)- الرواية 11 من الباب 1 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- أقول: و ما يخطر ببالى هو كون الحد الماخوذ عند الشرع في مقام القصر هو ثمانية فراسخ و اخواتها، اعنى: البريدين و أربعة و عشرين ميلا، لأنّ المستفاد من بعض أخبار الباب هو-

كون مسيرة يوم هو منشأ الاعتبار للحد، لا أن يكون هو نفس الحد اعنى: منشأ جعل الحد ثمانية فراسخ هو أن هذه المسافة تكون بقدر مسيرة يوم و مسيرة يوم، هو مقدار الّذي لاجله قصر الصّلاة، من باب أن في هذا المقدار يحصل الزحمة في السفر، و الشاهد هو رواية فضل بن شاذان و هي الرواية 1 من الباب 1 بنقل الوسائل، لأنّ المستفاد منها أن العلة في جعل ثمانية فراسخ حدا للقصر، هى كون هذا المقدار بمقدار مسيرة يوم، و الثمانية حد لأنه سئل عن علّة الحكم فإن كان الحكم في مسيرة يوم أيضا هو القصر فهو أيضا حكم لا علة الحكم، و من المعلوم من وضع الرواية أن المرتكز عند السائل هو كون الحكم ثمانية فراسخ، و لهذا سئل عن علته.

و ما قال سيدنا الأستاد مد ظله من أن سؤاله كان من باب ما كان بنظره من فتوى العامة من كون القصر في يومين أو ثلاثة أيّام، و لهذا اجاب المعصوم (عليه السلام) بأنّه (توجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة الف سنة، و ذلك لأنّ كل يوم بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم) فمن هذا يستفاد أن القصر يجب في مسيرة يوم أيضا

نقول: بأنّه و لو كان وجه سؤاله ما سمع من العامة، و لكن مع ذلك ما بين المعصوم (عليه السلام) أولا في مقام حد القصر هو ثمانية فراسخ، و ذكر في مقام علّة الحكم مسيرة اليوم، مضافا الى أن ظاهر الرواية هو أن الرضا (عليه السلام) بين الحكم ابتداء لا انّه سئل أولا و هو (عليه السلام) اجاب عنه بما اجاب.

و يؤيد ذلك الرواية 5 من الباب 1 من ابواب صلاة المسافر و هي رواية عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فهو بعد ما سئل عن القصر و جواب الامام (عليه السلام) بقوله (جرت السنة ببياض يوم) و قول السائل (إن بياض يوم يختلف يسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم، و يسير الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم) فقال (عليه السلام) (إنه ليس الى ذلك ينظر، أمّا رأيت مسير هذه الاثقال بين مكّة و المدينة، ثمّ أومأ بيده أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ) فجعل الحد أربعة و عشرين ميلا و هو ثمانية فراسخ.

مضافا الى أن مسيرة يوم بعد اختلافها باختلاف الاشخاص و المراكب، فأى منها ميزان للحد؟-

153

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

154

[المراد من الميل ما هو]

المسألة الرابعة: بعد ما عرفت من أن المستفاد من بعض أخبار الباب جعل ثمانية فراسخ، و البريدين، و أربعة و عشرين ميلا حدا للسفر الموجب للقصر إمّا من باب كونها هي الحد، أو هي مع مسيرة يوم، أو على نحو آخر على الكلام المتقدم في المسألة السابقة، يقع الكلام في ما هو المراد من الميل الّذي تكون ثلاثة منه فرسخا و أربعة و عشرين منه ثمانية فراسخ، و البريدين.

فنقول بعونه تعالى: إنّه قال في الشرائع: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد‌

____________

و إن قلت: بأن الميزان هو مسيرة يوم بحسب المتعارف.

فنقول: مع قطع النظر عن الاختلاف في المتعارف أيضا بأن المرجع في التحديدات و موضوعات الأحكام الشرعية هو العرف إذا لم يصل من الشرع حدّ مخصوص له، و في المقام يكون كذلك لأنّ المستفاد من بعض روايات الباب هو كون ثمانية فراسخ حدا، خصوصا مع ما في ذيل هذه الرواية من الأمر بالنظر الى سير هذه الاثقال بين مكّة و المدينة بعد سؤال السائل عن اختلاف الواقع في السير، و الايماء بعد ذلك بيده أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ، فهو بين حد مسيرة يوم بثمانية فراسخ، فلا طريق لنا الى حصول مسيرة يوم إلّا بحصول ثمانية فراسخ.

و أيضا ممّا يدلّ على أن الميزان في القصر هو ثمانية فراسخ رواية أبي ولاد و هي الرواية 1 من الباب 5 من أبواب صلاة المسافر بنقل الوسائل، لأنّ المستفاد منها انّه مع فرض السائل بأني سرت يومي و في الليل قصدت الرجوع فهل اقصّر أم أتمّ؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام). «إن كنت سرت في يومك الّذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير، لانك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك، قال: و إن كنت لم تسر في يومك الّذي خرجت فيه بريدا فإنّ عليك أن تقضي كل صلاة صلّيتها في يومك ... الي آخره» فالمستفاد منها هو أن الميزان حصول البريد و لا يكون مسير اليوم ميزانا للقصر. و على كل حال التقصير في مسيرة يوم مع عدم حصول ثمانية فراسخ امتدادية، او تلفيقية، أو مع الشّك في حصول ثمانية فراسخ مشكل و إن كان الاحوط الجمع بين القصر و الإتمام في هذا الفرض. (المقرّر).

155

الّذي طوله أربعة و عشرون إصبعا تعويلا على المشهور بين الناس. (1)

[المراد من الذراع ليس ذراع اليد]

و لا يخفى عليك أنّ المراد من الذراع ليس ذراع اليد، لأنّ ذراع اليد تختلف باختلاف الاشخاص في الطول و القصر، فكيف مع اختلافه يمكن أن يجعل حدا و به يحدد الميل؟

بل يحتمل أن يكون منشأ التعبير بالذراع في كلام أهل اللغة، هو أن أول زمان بنى الناس على تحديد الاجسام، و الاملاك، و الثياب، و تعيين مقدارها في مقام الاحتياجات من المعاملات و غيرها، اخذوا هذا المحدد من الذراع أعني: هو كان منشأ الحد و المقسم في مقام كمية الاشياء، و جعلوا جسما بقدر الذراع لهذا العمل، فعبر بعدا من هذا الجسم المحدد بالذراع لا أن يكون المراد من الذراع، المجعول آلة لهذا العمل هو خصوص ذراع اليد مطلقا بحيث يكون ذراع اليد مطلقا، ميزانا و منشأ الاعتبار، لأنّ ذراع اليد كما قلنا يختلف باختلاف الاشخاص في الطول و القصر، و نرى خارجا بأن هذه الآلة مختلفة، فبعضها أطول من ذراع، فليس المراد من الذراع هو خصوص ذراع اليد.

و إن قلت: ما قلت: من أن الذراع إن كان ذراع اليد فهو يصير باختلاف الاشخاص مختلفا في الطول و القصر، فكيف يجعل حدا، ليس تامّا لأنّ الميزان هو الذراع المتعارف.

فنقول: إن المتعارف من الذراع أيضا يختلف من حيث الطول و القصر، فلا يمكن أن يكون شي‌ء مختلف المصاديق حدا للاشياء الّتي ربما تختلف بحسب هذا‌

____________

(1)- جواهر الكلام، ج 14، ص 198.

156

الاختلاف مبلغا كثيرا من حيث القيامة، مثلا في الأقمشة العالية، أو الاراضى الغالية فكيف يمكن جعل ذراع اليد محددا لكميتها، مع عدم تسامح النوع باختلافها و كونهم معتنين بهذه الاختلافات في مثل هذه الأمور.

و على كل حال الآلة الّتي يقدر بها الكم المتصل من الاشياء، و يحدّ بها الاملاك، و الأثواب و غيرها، تختلف بحسب الكمّية في الطول و القصر، كما نرى الآن من التفاوت بين الذرع و المتر، فان الأوّل اطول من الثاني.

و يؤيد ما قلنا من عدم كون المراد من الذراع هو ذراع اليد، ما نقل عن المسعودي في كتابه المسمى بمروج الذهب فإنه قال: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الاسود، و هو الذراع الّذي وضعه المأمون لذرع الثياب، و مساحة البناء، و قسمة المنازل، و الذراع أربعة و عشرون إصبعا انتهى» فهو عبر عن المقياس الّذي وضعه المأمون لذرع الثياب و غيره بالذراع، فهذا شاهد على أن المراد من الذراع غير ذراع اليد.

ثمّ بعد ما عرفت ذلك نقول: إن ما يظهر من كلماتهم، هو أن الميل ثلاثة آلاف ذراع، و هذا منسوب الى القدماء من أهل الهيئة.

و يظهر من المتأخرين أن الميل أربعة آلاف ذراع.

[يكون الاختلاف فى الميل لفظى]

و ربما يتخيل أن ضابط الميل مختلف عندهم، لأنّ القدماء من الهيويين يقولون ثلاثة آلاف ذراع، و المحدثين منهم يقولون: بكونه أربعة آلاف ذراع، فالمأخذ قول اى منهما، و لكن كما قيل يكون النزاع لفظيا.

لأنّ منشأ اختلافهم في كون الميل ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع، بعد اتفاقهم في كون الميل ستة و تسعون الف إصبع، هو أن القدماء حيث يقولون: بكون الذراع‌

157

اثنان و ثلاثون اصبعا، فاذا قسم الميل على رأي القدماء كل ذراع اثنان و ثلاثون اصبعا، كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، و حيث أن المتأخرين يقولون: بكون الذراع أربعة و عشرين إصبعا فاذا قسم الميل على رايهم أربعة و عشرين اصبعا كان المتحصل أربعة آلاف ذراع، فلا يبقى اختلاف.

غاية الأمر أن وجه تحديد القدماء للذراع باثنين و ثلاثين إصبعا، و وجه تحديد المحدثين للذراع بأربعة و عشرين إصبعا هو كان من باب اختلاف ذراعهم، اعنى: المقياس الّذي كان آلة لتعيين الكم المتصل من الاشياء، فحيث إن ذراع المتداول في زمان القدماء كان اطول، فكان الميل بحسب الذراع المتداول و المقياس الشائع في زمانهم ثلاثة آلاف ذراع لكون ذراعهم اثنان و ثلاثون إصبعا، و حيث أن الذراع و المقياس المتداول لذرع الأشياء كان في زمان المتأخرين اقصر منه، و كان بمقدار أربعة و عشرين إصبعا، فبهذا الذراع كان الميل أربعة آلاف ذراع، فليس في حد الميل اختلاف عندهم، الّا انّ كلهم متفقون في كون الميل ستة و تسعون الف إصبع، و ظهر لك أن الاختلاف الواقع لا يوجب اختلافا في تحديد الميل.

[في ذكر كلام صاحب القاموس فى المراد بالميل]

و ما يظهر من كلام صاحب القاموس حيث قال: الميل قدر مدّ البصر، و منار يبنى للمسافر، أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد، أو مائة الف إصبع إلّا أربعة آلاف اصبع، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ، هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء، أو اثني عشر ألف ذراع بذراع المحدثين انتهى.

أن الميل عبارة عن مد البصر يعني: مقدار المسافة الّذي يرى بضوء البصر و عبارة عن منار يبنى للمسافر، فقلنا: بأن أصل الميل عبارة عن العود المنصوب لإراءة الحدّ، ثمّ استعمل في المسافة الواقعة بين الميلين المنصوبين بهذه المناسبة،

158

فكلامه: من انّه منار يبنى للمسافر ناظر الى أصل معنى الميل، و قوله: أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد، فمراده لا بدّ أن يكون من هذه العبارة امّا مقدار الّذي يرى بضوء البصر، أو المسافة الّتي لا تنتهي بحد قبل الميل أعني: المسافة بين الميلين، و إلّا إن كان مراده أن كل مسافة من الأرض متراخية بالغة ما بلغت فهو الميل، فلا يمكن الالتزام به، فلا بدّ من ارجاع كلامه إمّا الى المعنى الأول، و هو قدر مدّ البصر، و أمّا بالثانى و هو منار يبنى للمسافر.

[جعل الميل عبارة عن قدر مد البصر مشكل]

و أمّا جعل الميل عبارة عن قدر مد البصر، كما يظهر من كلامه، فهو مشكل لأنّه كما قلنا في الذراع أنّه يختلف باختلاف الاشخاص من حيث الطول و القصر، كذلك يختلف مقدار مد البصر باختلاف الأبصار، فكيف يمكن جعله حدا مع هذا الاختلاف، و مقياسا للميل نعم، يمكن أن يقال: بأن الميل الّذي بيّن حده بما قلنا سابقا يمكن رؤية مقداره بالبصر أعني: يرى هذا الحدّ غالبا بالبصر، لا أن يكون مد البصر أمارة عليه، بل هذا تحديد تقريبي لما هو الحدّ الحقيقى، فالميل أعني: أربعة آلاف ذراع و ثلاثة آلاف ذراع يكون مقدار مسافة يرى بضوء البصر تقريبا، و هذا التقريب ليس حدا بل الحد الحقيقي هو ما قدم ذكره.

[في ذكر بعض الروايات الواردة فى البريد و الميل]

و أمّا ما يظهر من بعض الروايات على خلاف ما ذكر من كون الميل ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع، أو الف و خمسمائة ذراع، و هي الرواية الّتي نقل عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى الخزّاز عن بعض اصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بينا نحن جلوس، و أبي عند وال لبنى أميّة على المدينة، إذ جاء أبي فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل، فسائلهم عن التقصير، فقال قائل منهم: في ثلاث، و قال قائل منهم: في يوم و ليلة، و قال قائل منهم روحة، فسألني فقلت له: إن‌

159

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): في كم ذلك؟ فقال:

في بريد، قال: و اي شي‌ء البريد؟ فقال: ما بين ظلّ عير الى فى‌ء و عير، قال: ثمّ عبرنا زمانا ثمّ راى بنو امية يعملون أعلاما على الطريق، و أنّهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر (عليه السلام)، فذرعوا ما بين ظلّ عير الى فى‌ء و عير، ثمّ جزّوه على اثني عشر ميلا، فكانت ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كل ميل، فوضعوا الأعلام، فلمّا ظهر بنو هاشم غيّروا أمر بنى أمية غيرة لأنّ الحديث هاشمى، فوضعوا الى جنب كل علم علما). (1)

ففيها أن الميل عبارة عن ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع، و الرواية الّتي تدلّ على كون الميل الفا و خمسمائة ذراع، و هذه الرواية مرسلة، (2) و قد نقلها الصدوق، و ليست مسندة بسند الرواية السابقة، و على هذا قال الصّدوق بعد الرواية السابقة: و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فما ذكر فيها من كون الميل الفا و خمسمائة ذراع إمّا اشتباه من الصدوق أو من بعض نساخ من لا يحضر، و على كل حال لا يعبأ بهذه الرواية لكونها مرسلة.

و الرواية الاولى أيضا سندها ضعيف، لكون محمد بن يحيى الخزاز ممّن يروي من بعض مشايخ الخاصّة و كذا من العامة، مضافا الى انّه قال (عن بعض أصحابنا) و لم يذكر اسم هذا البعض، فالسند ضعيف، و مع قطع النظر عن ضعف السند فنقول:

إنه يمكن أن يكون اختلاف حد الميل المذكور فيها مع حدّ الّذي قدم ذكره من أربعة آلاف ذراع أو ثلاثة آلاف ذراع، كان من باب كون الذراع المعمول في زمان أبي عبد اللّه (عليه السلام) بقدر يصل كل ميل الى ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع، كما انّه يحتمل أن‌

____________

(1)- الرواية 13 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 16 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

160

يكون هذا موافقا مع ذراع الهاشمى، فإن مع هذا الذراع يبلغ الميل تقريبا الى هذا المقدار فليست الرواية مخالفة مع التحديد المتقدم.

و أمّا ما رواها الكلينى عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن حدّ الأميال الّتي يجب فيها التقصير، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جعل حد الأميال من ظلّ عير الى ظلّ و عير، و هما جبلان بالمدينة، فاذا طلعت الشّمس وقع ظل عير الى ظل و عير، و هو الميل الذي وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليه التقصير» (1) فهل يكون السؤال فيها من عدد الاميال الّتي يجب القصر فيها، أو أن السائل يعلم بأن عددها أربعة و عشرون ميلا و لكن كان سؤاله عن حدها و أن مقدارها كم هو؟

و بعد ذلك هل يكون الجواب عن العدد أو عن حد الميل؟

[ما المراد من ذيل الرواية (وقع ظل عير)]

ثمّ ما المراد ممّا قال في ذيل الرواية بأنّه «فإذا طلعت الشّمس وقع ظل عير الى ظل و عير» و كيف يمكن فرض ذلك أعني فرض وقوع ظلّ عير الى في‌ء و عير، لانهما إن كانا متقابلين فكيف يفرض أن يكونا حين طلوع الشّمس ذا الظل، لأنّ كل واحد منهما يكون في طرف المشرق يفرض له الظل حين طلوع الشّمس الى المغرب، و أمّا الآخر فلا ففهم المراد من الرواية بحيث تطمئن النفس بصحة توجيه وجيه لها مشكل، و على كل حال لا يستفاد من هذه الرواية شي‌ء على خلاف ما ذكر من أهل اللغة في بيان حد الميل حتى نأخذ به و نرفع اليد عما ذكروا في هذا المقام.

ثمّ إنّه بعد ما عرفت تحديد الميل بالذراع و الاصبع.

____________

(1)- الرواية 12 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

161

فأعلم أنهم قالوا: بأن الاصبع سبعة شعيرات متوسطات إذا جعل بطن كل منها على ظهر الآخر.

و الشعير حدد بأنّه سبعة شعرات من شعر البرذون، فظهر لك ممّا مرّ حد الفرسخ و البريد و الميل الوارد في بعض روايات الباب، فأفهم.

المسألة الخامسة:

بعد ما عرفت بأن المسافر يجب عليه القصر إذا بلغ سفره مسافة توجب القصر فيها فيقع الكلام في أمرين:

الأمر الأول: إذا شك في مسافة بأنها هل تبلغ بالحد السفر الموجب للقصر أعنى ثمانية فراسخ مثلا أم لا، فهل يجب الإتمام أو القصر؟

الأمر الثاني: يقع الكلام في أنّه هل جعل طريق لكشف الحد المجعول في السفر للقصر أم لا؟

أمّا الكلام في الأمر الأوّل:

فنقول: قال صاحب الجواهر (رحمه اللّه) يجب في صورة الشّك في بلوغ المسافة بحد القصر و عدم بلوغه، الاتمام و اكتفى في وجه ذلك بقوله (للأصل) و لم يذكر غير ذلك شيئا. (1)

[اصالة عدم وجوب القصر لا يثبت وجوب الاتمام]

و قال الهمداني (رحمه اللّه) في مصباح الفقيه بوجوب إتمام الصّلاة: لأصالة عدم تحقق الموجب للقصر فيجب إتمام الصّلاة، و بين اشكالا في جريان هذا الأصل و أجاب عنه.

____________

(1)- الجواهر، ج 14، ص 204.

162

أمّا الاشكال فحاصله يرجع الى أن هذا الأصل انما يثبت به عدم وجوب القصر، لأنّ أثر هذا الاستصحاب ليس إلا عدم وجوب القصر، و هذا لا يثبت وجوب الإتمام، لأنّ اثبات وجوب الإتمام بهذا الأصل لا يصح إلّا بناء اعلى الأصل المثبت، لأنّ وجوب الإتمام مبني على عدم كون المسافة ثمانية فراسخ، و الأصل لا يثبت هذا اللازم إلّا على القول بالاصول المثبتة و لم نقل به، فمن إجراء أصالة عدم تحقق موجب القصر لا يمكن اخذ النتيجة لوجوب الإتمام.

و أما الجواب فهو أن مقتضى عمومات أدلة التكاليف وجوب الإتيان بصلوة الظهر مثلا أربع ركعات على كل مكلف، فالصّلاة المتعلقة بهم أولا و بالذات هي أربع ركعات، و بعد ورود الدليل بوجوب القصر في السفر خصص هذه العمومات بالمسافر، فتكون الصّلاة الظهر واجبة على كل مكلف أربع ركعات إلّا لمن يصير مسافرا، و تحقق هذا الأمر الوجودي بالنسبة إليه اعني صار مسافرا.

و إذا شكّ في مورد في تحقق هذا الأمر الوجودى و عدمه، فحيث لم سابقا و كانت حالته السابقة العدم، فيستصحب في حال الشّك عدم تحقق هذا الأمر الوجودي أعني: السفر، و بعد استصحاب عدم حصول موجب السفر، فيجب عليه الاتمام بمقتضى العمومات الدالة على وجوب الإتمام، لأنّ ما خرج من هذه العمومات ليس إلّا من كان مسافرا، و بعد نفى هذا بالاصل بعدمه، فيجب عليه الإتمام لكون الشخص مكلفا بمقتضى العمومات باتيان الصّلاة أربع ركعات، و لم يكن خارجا عن العام و داخلا في حكم الخاص للأصل.

و ليس تنجز التكليف بالاتمام موقوفا على احراز أن السفر الصادر منه لم يبلغ حدّ المسافة حتى كان اللازم احراز هذا القيد العدمي أعني: عدم كون سفره بالغا الى‌

163

حدّ المسافة و لو بالأصل.

بل موضوع وجوب الاتمام ليس إلّا المكلف بلا شرط عنوان آخر إلّا إذا سافر بسفر بالغ الى حد مخصوص مجعول من الشارع، فبعد عدم حدوث ذلك أعني موضوع التخصيص بالأصل لما قلنا من أصالة عدم تحقق موجب القصر، فيجب الاتمام لوجود موضوعه و هو المكلف، و لارتفاع ما يمكن أن يكون مانعا في صورة الشك بالأصل، لأنّ السفر البالغ الى الحد المجعول كان رافعا للحكم المجعول من الإتمام على كل مكلّف، فاذا شك في أصل وجود هذا الرافع، أو في رافعية الموجود مثل ما نحن فيه، لأنه لم يدر المسافر بأنّه هل وجد الرافع أم لا، فبالاصل يحكم بعدم كون الموجود رافعا، فيترتب حكم العام بلا مانع فيجب الإتمام في الفرض.

و هذا ليس من باب التمسك بالعام في الشبهات المصداقية حتى يقال بعدم جواز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية. (1)

لأنّا لم نقل: بأن ما شك في فرديته للعام أو الخاص يدخل تحت العام بمقتضى نفس العام، لأنّ هذا غير تام عندنا.

بل نقول: إن ذلك يكون ببركة الأصل، فما قلنا يكون من باب إحراز فردية العام في فرد بالأصل العملي، فيحرز بالأصل موضوع العام، ثمّ يشمله حكم العام كما أنّه إذا كان زيد سابقا عادلا ثمّ شككت في بقاء عدالته، فلا يحكم بنفس (اكرم العلماء) بوجوب اكرامه، لأنّ ذلك تمسك بالعام في الشبهات المصداقية، و لكن بعد كون حالته السابقة العدالة فببركة الاستصحاب تحكم بعدالته، فيشمله عموم (اكرم‌

____________

(1)- مصباح الفقيه، ص 725.

164

العلماء) و ليس دليل التخصيص أعني (لا تكرم الفساق) مانعا عن ذلك لارتفاع المانع بالاصل.

[ليس العام معنونا بعنوان وجودى]

و لا يخفى عليك أن هذا الأصل يجري في المقام، و أثره وجوب الإتمام، و ليس مثبتا حتى على ما اخترنا في الاصول من أن الخاص إذا كان معنونا بعنوان وجودي يصير سببا لتعنون العام بعدم هذا العنوان الوجودي.

لأنه بعد كون تعنون العالم بهذا العنوان العدمي من باب تعنون الخاص بعنوان وجودي، فليس شمول العام لأفراده إلّا في ما لم يكن هذا العنوان الوجودى الّذي تعنون العام بعدمه، فبعد جريان الأصل و اثبات عدم وجود هذا العنوان، فيؤثر العام أثره لحصول عنوانه العدمي بعدم وجود الخاص بالأصل و وجود موضوعه.

ففي المقام يكون أيضا كذلك، لأنّه بعد كون لسان العام هو وجوب إتيان صلوات الرباعية أربع ركعات، و بعد ورود الخاص يكون هذا الحكم مختصا بمن لم يسافر، فلم يعنون العام الا بعدم كون المكلف مسافرا، فبعد استصحاب عدم تحقق ما هو موجب للقصر، فالعام يؤثر أثره لوجود موضوعه، فتجب أربع ركعات بمقتضى العمومات و ارتفاع المانع أعني: احتمال وجود الخاص بالأصل.

و لم يكن العام معنونا بعنوان وجودي كالخاص، حتى يكون إحراز موضوعه أيضا محتاجا الى الأصل، لأنّ لسان أدلة وجوب القصر على المسافر هو التخصيص بالنسبة الى العمومات الاولية الدالة على وجوب الاتيان بأربع ركعات في الظهر و العصر و العشاء، و لسان الخاص ليس الا وجوب القصر على من كان من المكلفين مسافرا، فاذا ارتفع موضوع حكم وجوب القصر في صورة الشّك في حصول موضوعه و عدم حصوله بالاصل، فموضوع حكم العام، و هو المكلف، محفوظ فالعام‌

165

يؤثر أثره و يحكم بوجوب الاتمام في موضوعه.

[لسان آية القصر الحكومة]

بل يمكن أن يقال: بأن لسان الآية الشريفة وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ الخ (1) هو لسان الحكومة، لأنّ الفرق بين التخصيص و الحكومة هو انّه في الحكومة، لو لم يكن دليل المحكوم في البين يكون دليل الحاكم لغوا، لأنّ الظاهر منه النظر الى دليل المحكوم، و التصرف فيه بالضيق أو السعة كما ترى من مواردها، مثلا إذا قال (لا سهو لكثير السهو) فلا بدّ و أن يكون دليل آخر في البين دال على ثبوت حكم للسهو حتى كان قوله (لا سهو لكثير السهو) في محله و إلّا فلو لم يكن مطلق السهو محكوما بحكم، فلا معنى لأنّ يقال: ليس حكم الثابت للسهو لمن كثر سهوه، بخلاف التخصيص فلأن الخاص لا يكون لغوا و لو لم يكن في البين دليل آخر، فقوله (لا تكرم الفساق) حكم غير ناظر الى دليل آخر، و لا يكون بلا مورد و لو لم يكن في البين (أكرم العلماء) فعلى هذا نقول: إن ظاهر الآية هو وجوب القصر- بعد كون المراد من (لا جناح) هو الوجوب- و لا معنى للأمر بالقصر إلّا إذا كان حكم على الإتمام من قبل الشارع أولا حتى تكون الآية أمرا على القصر فيه، فالآية ناظرة الى وجوب القصر من الصّلاة الّتي تكون طويلة، و هذا القصر بعد كونه في الكم، فالكم الأولى لا بدّ و أن يكون اطول حتى يصح الأمر بالقصر فيها، فالمجعول أولا لا بدّ و أن يكون على كل مكلف هو أربع ركعات، و هذه الآية أمر بالقصر منها ركعتين، فلسان الآية يكون لسان الحكومة.

فاذا كان لسان الآية الحكومة، فنقول: بأن الصّلاة المجعولة أولا لكل مكلف هي أربع ركعات، ثمّ بمقتضى الآية و النصوص يجب القصر للمسافر، فاذا شك أحد‌

____________

(1)- سورة النساء، الآية 101.

166

في كونه موضوعا لحكم التقصير أم للتمام، من باب كونه شاكا في حصول موضوع وجوب القصر و عدمه، فبمقتضى الاستصحاب يحكم بعدم تحقق موضوع السفر، فالحكم الأولي المجعول لكل مكلف و هو الإتمام، يثبت في حقه، و ليس موضوع الحكم الأوّل معنونا بعنوان وجودي أو عدمى حتى يقال أن الأصل لا يثبت ذلك.

و على ما قلنا من كون لسان دليل التقصير هو الحكومة، فلا مجال لأنّ يقال: إن المجعول الأولي له فردان: فرد منه التقصير و موضوعه أمر وجودي و هو المسافر، و فرد منه الاتمام و موضوعه أيضا أمر وجودى و هو من كان حاضرا، فعلى من كان موضوعا للأول يجب القصر، و على من كان موضوعا لفرد الثاني يجب الإتمام، فبعد تعنون كل من الموضوعين بعنوان وجودي، فاصالة عدم تحقق أحد الموضوعين لا يكفى لاثبات موضوع الآخر حتى يشمله عموم دليله إلّا على القول بالأصول المثبتة.

لما قلنا من أن العام ليس معنونا بعنوان وجودى و لا عدمي، بل وجوب الإتمام تعلق بنفس المكلفين بدون تقيد موضوعه بكون المكلف حاضرا، و لسان دليل القصر سواء كان بلسان التخصيص أو الحكومة صار معنونا بعنوان وجودي و بعد الحكم بعدم تحقق هذا العنوان الوجودي بالاصل في مورد الشّك فيأثر العام اثره.

و لو على ما قلنا في الأصول بأن تعنون الخاص بعنوان وجودي، موجب لتعنون العام بعنوان عدمى أعني: عدم هذا العنوان الوجودي، لأنّ تعنون العام بعنوان عدمي بعد كونه من باب تعنون الخاص بعنوان وجودي، فليس العام معنونا الا بعدم هذا العنوان الوجودي، فاذا جرى اصالة عدم تحقق هذا العنوان الوجودي لكونه مسبوقا بالعدم، فلا يبقى للعام هذا العنوان العدمي، بل هو أيضا مرتفع بالأصل‌

167

فيبقى نفس موضوع العام و يؤثر العموم أثره فيجب الإتمام في صورة الشّك. (1)

[الطرق لكشف كون المسافة بالغة حدّ القصر]

الأمر الثاني: في الطرق الّتي قيل أو يمكن أن يقال بكونها طريقا لكشف كون المسافة بالغة حدّ المسافة الموجبة للقصر:

الأوّل منها: العلم

و لا إشكال في كونه طريقا، لأنّ به يحرز الواقع، فمع حصول العلم يدري العالم بأن سفره السفر الّذي يجب فيه القصر.

الثاني منها: البينة

و لا يخفى عليك أن بها تثبت المسافة إذا كانت شهادتها‌

____________

(1)- أقول: اعلم أن في صورة الشّك في كون المسافة بحد المسافة الموجبة للقصر و عدمه، لا اشكال في جريان الأصل، و لا إشكال في وجوب الاتمام، لأنه و لو صار عامنا معنونا بعنوان عدم ما عنون به الخاص، بل و لو عنون بعنوان وجودي أيضا، و لكن هذا العنوان العدمي أو الوجودي يكون له حالة سابقة، لأنّ قبل الشّك كان الشخص موضوعا لحكم وجوب الاتمام، فيستصحب الموضوع فيترتب الحكم على الموضوع، و هو وجوب الإتمام، و هذا لا كلام فيه.

إنما الكلام في أن ما أفاده- مدّ ظلّه- من انّه و لو قلنا في الاصول بأن الخاص إذا كان معنونا بعنوان وجودي فيعنون العام بعنوان عدم هذا العنوان الوجودي، و لكن مع ذلك باصالة عدم تحقق عنوان الخاص نجرى حكم العام لإحراز موضوعه باجراء أصالة عدم تحقق موضوع الخاص، لأن عنوان العدمي في العام كان من باب تعنون الخاص بعنوان وجودي، فاذا ارتفع هذا العنوان الوجودى بالأصل فيرتفع عنوان العدمى الّذي كان في العام أيضا.

لا نفهم تماميته و عندى يكون مورد الإشكال، لأنّ ما افاده مد ظله في الأصول كان حاصله راجعا الى أن العام بعد التخصيص يصير معنونا، و يكون التخصيص بحسب إرادة الجدية و اللب كالتقييد، فاذا كان كذلك فبعد ورود التخصيص في محل الكلام صار العام مقيّدا لبا، فاذا كان كذلك فأصالة عدم حصول موضوع الخاص لا تثبت وجود موضوع المقيد لحكم العام، فلا بدّ من إحراز ذلك إما بالوجدان أو بالاستصحاب، و قلنا بأن موضوع العام حيث كان متيقنا سابقا فنستصحب بقائه فيترتب حكم العام و هو وجوب الإتمام، و موضوع الخاص أيضا باق على ما كان عليه سابقا من العدم بمقتضى استصحاب عدم تحقق موجب القصر، فتأمل. (المقرّر)

168

مستندة الى الحس لا الحدس نعم، بناء على انحصار حجّيتها في خصوص فصل الخصومات و عند الحاكم، فلم تكن حجة في ما نحن فيه، لأنّه على هذا تكون حجّيتها منحصرة بباب فصل الخصومات، ففي الموضوعات إذا قامت البينة عند الحاكم فيأخذ بها مثلا إذا قامت البينة على رؤية الهلال عند الحاكم يأخذ بها على هذا و أمّا إذا قامت عند نفس الشخص فلا يمكن له الأخذ بها.

[دليل حجيّة البيّنة في ما نحن فيه]

و لكن على ما هو التحقيق، كما يستفاد من بعض الأخبار مثل رواية (1) مسعدة، هو حجية البينة مطلقا.

مضافا الى انّه يمكن الاستدلال لعموم حجيتها في كل الموضوعات، سواء كان اقامتها عند الحاكم و في خصوص فصل الخصومات أم عند نفس الشخص، بامر آخر، و هو أن يقال: بأنّا نرى في الفقه أن بعض الاحكام تتعلق ببعض الموضوعات، و هذا النحو من الاحكام و إن كان بحسب الظاهر متعلقا بموضوعات خاصة، و لكن بعد ما عرض على العرف يرون أن ليست لهذه الموضوعات دخالة بحيث يكون في نفس هذه الموضوعات خصوصية خاصة موجبة لتعلق هذه الاحكام بها، لما يرى من عدم خصوصية لهذه الموضوعات في موضوعيتها لهذه الاحكام، و يحصل لنا القطع بذلك، فنكشف كشفا قطعيا بأن المناط في موضوعية هذه الموضوعات لهذه الاحكام أمر آخر غير خصوصية هذه الموضوعات، فلو كان هذا المناط الّذي استكشفناه و حكم العرف بكونه هو مناط الحكم قطعا في موضوع آخر، فنستكشف بكون هذا الحكم ثابتا لهذا الموضوع، و نسمى ذلك بتنقيح المناط القطعى.

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 12، ص 60، ح 4.

169

مثلا إذا قال (الرجل إذا شك بين الثلاث و الاربع فيجب عليه البناء على الاربع) فهذا الحكم و إن كان موضوعه هو الرجل، و لكن نعلم بعدم خصوصية للرجولية، و لا دخالة لها في هذا الحكم، و لذا نقول بأن المرأة مثل الرجل في هذا الحكم، و هذا غير القياس الّذي اثبتنا في الاصول عدم حجيته، لأنّ هذا تنقيح مناط قطعي لا الظنّ القياسي.

و كذلك نرى في الفقه ثبوت حكم لموضوع، و إذا تفحّصنا نرى ثبوت هذا الحكم لموضوع آخر، و هكذا نرى ذلك في كثير من الموارد الّتي تفحصنا من أن الشارع اثبت هذا الحكم، فنكشف من ذلك أعني: من كون هذه الموارد محكوما بهذا الحكم بعد الاستقراء و التفحص كشفا قطعيا، بأن هذا الحكم كان ثابتا من الشارع في كل مورد، و هذا غير استقراء المصطلح عند المنطقيين، بل هذا يكون من باب حصول القطع، و من طعن بنا و بالفقهاء (رضوان اللّه عليهم) بأنّهم يعملون بالقياس و الاستقراء، فليس طعنه إلّا من باب جهله، و عدم اطلاعه، و عدم فهم مرادهم، و عدم استشمامه رائحة الفقاهة.

إذا عرفت ذلك نقول: بأن البينة من الامور الّتي نرى جعلها في موضوعات كثيرة، كما يظهر لك بمجرد التفحص في الفقه، فنكشف من جعلها حجة في موضوعات كثيرة بأنها حجة في الموضوعات مطلقا، فعلى هذا نقول: بأن البينة حجة في المقام، فلو قامت البينة على أن المسافة الفلانية تبلغ بثمانية فراسخ مثلا، فتكون حجة و يجب اتباعها، و إتيان الصّلاة قصرا في هذه المسافة إذا اجتمع للمسافر شرائط السفر و لو لم تكن شهادتها عند الحاكم.

[من الطرق الشياع]

الثالث منها: الشياع، و لا يخفى عليك أن الشياع ليس بنفسه طريقا إلّا إذا‌

170

حصل منه العلم، فعدّه بنفسه من الطرق الّتي يستكشف بها الواقع لا وجه له، حجية، إن كانت في ظرف حصول العلم، فالعلم طريق من أى سبب حصل.

الرابع منها: الاطمينان

، و يعبّر عنه بالعلم العادي و العلم العرفي.

فان كان المراد بأنّه العلم العرفى، بأنّ العرف يقولون بما ليس بالعلم: إنه العلم و لهذا يكتفى به، فهو غير تام لأنّ مرتبة الكشف إن بلغ بمرتبة لا يحتمل معه الخلاف فهو العلم و إلا فلا.

و إن كان المراد انّه يحصل للناس في بعض الموارد ظن متاخم للعلم بحيث يكون احتمال خلافه ضعيفا عندهم، بحيث عدّت هذه المرتبة علما عند العقلاء و يترتبون عليه آثار العلم، و الشارع- مع ما يرى أن طريقة العقلاء على الاخذ به، و ترتيب اثر العلم به- إن كان طريقته، غير طريقتهم و لم يكتف بهذه المرتبة المسماة عند العقلاء بالعلم، لكان اللازم عليه البيان، فمن عدم بيانه نكشف امضائه طريقة العقلاء، أو يكون عدم ردعه كاف، بناء على الكلام في ذلك المذكور في محله، فيمكن أن يقال بهذا النحو باعتبار الاطمينان.

الخامس منها:

كون مطلق الظن حجة في ما نحن فيه، و هذا راجع الى ادعاء انسداد باب العلم في خصوص المورد، و هذا هو المعبّر عنه بالانسداد الصغير.

بدعوى أن باب العلم بالمسافة منسد غالبا، لعدم امكان تحصيل العلم أصلا في أغلب المسافات إلا في بعض المسافات البعيدة الّتي يعلم المسافر بأنّها تبلغ حد الشرعي، مثل من اراد السفر من قم الى مشهد، و الّا في نوع المسافات القصيرة يكون تحصيل العلم بكون المسافة بالغة الى الحد الشرعي و عدمه متعسر، و لا يكون طريق شرعي كالبنية المنتهية الى الحس و الاطمينان على فهم المسافة و كشف‌

171

واقعها، فيكون باب العلم و العلمي منسد غالبا.

و لا اشكال في عدم وجوب الاحتياط، و يكون الاحتياط خلاف مصلحة جعل القصر في السفر، لأنّ مصلحة التقصير كانت التخفيف على المسافر لكونه في مشقة السفر، فلو وجب عليه الاحتياط في موارد المشكوكة مع كون هذه الموارد كثيرة بين القصر و الإتمام، فيصير تكليفه أشق من الحاضر و اثقل منه، فمن هنا نكشف عدم جعل وجوب الاحتياط في حقّه.

و لا إشكال أيضا في عدم المجال لاجراء أصالة عدم تحقق موجب القصر في كل هذه الموارد المشكوكة في بلوغها حد المسافة و عدمه، لأنّ هذا أيضا يوقع الشخص في خلاف الواقع، و بعبارة اخرى يستلزم الخروج من الدين، فلا بدّ من العمل بالظن، فمتى حصل له الظن من أى سبب كان ببلوغ المسافة بحد المسافة الموجبة للقصر يجب الاخذ به.

و يؤيّد ما ذكرنا ما ورد في أخبار الباب من جعل الحد البريدين، أو ثمانية فراسخ، او أربعة و عشرين ميلا، و وجوب القصر في المسافة البالغة بهذه الحدود بتفصيل المتقدم ذكره، و الحال أن البريدين، أو ثمانية فراسخ، أو أربعة و عشرين ميلا عند العرف و بحسب الخارج ليس عبارة عن البريدين، أو ثمانية فراسخ، أو أربعة و عشرين ميلا الّذي علم كونها بهذه الموازين واقعا بحيث كانت هذه الحدود اسماء لما علم كونه بريدين أو ثمانية فراسخ أو أربعة و عشرين ميلا، و يعدّون المسافات بالغة الى هذه الحدود في ما حصل لهم الظن ببلوغها إليها، لأنّ العرف لم يحاسبوا المسافات الّتي يعدونها ثمانية فراسخ، أو البريدين، أو أربعة و عشرين ميلا بالدقة حتى يكونوا عالمين بكون هذه المسافات الخارجية بالغة بهذه الحدود.

172

فبعد عدم كون خارجية هذه المقادير، و تطبيقها على بعض المسافات إلّا حصل لهم الظن لا العلم، فجعل الشارع القصر في ثمانية فراسخ، أو أربعة و عشرين ميلا، أو البريدين مع عدم تعيين نحو مخصوص و كيفية خاصة غير ما هو المرتكز عند العرف، و ما هو وضع هذه الأمور خارجا ليس الا فيما يحصل الظن ببلوغ المسافة الى ثمانية فراسخ أو البريدين أو أربعة و عشرين ميلا، فيكون الميزان في وجوب القصر هو حصول الظن ببلوغ مسافة الّتي أراد المسافر أن يسيرها الى ثمانية فراسخ او البريدين أو أربعة و عشرين ميلا. (1)

المسألة السادسة:

إذا شك في مسافة في أنها هل تبلغ بمسافة يجب فيها القصر أولا، فهل يجب الفحص عن بلوغها حد المسافة و عدم بلوغها، أولا يجب‌

____________

(1)- أقول: أن كان الامر كما افاد مدّ ظله في وجه التأييد على اعتبار مطلق الظن، فتكون النتيجة على خلافه.

أمّا أولا فلان مقتضى ما جعله مؤيّدا لمطلبه هو لزوم الاخذ بما هو ثمانية فراسخ او ازيد أو أقل في نظر العرف خارجا، لأنّ موضوع حكمه هو ما يكون خارجا عندهم ثمانية فراسخ و أربعة فراسخ، و ليس لازم ذلك التنزل الى مطلق الظن، بل لازمه الرجوع الى ما هو المتعارف خارجا.

بل نقول: بأنّه على هذا يكون تشخيص ذلك اعنى: ما هو المتعارف خارجا ممكن للشخص بطريق العلم أو العلمى، فلا تصل النوبة الى الاخذ بمطلق الظن.

و أمّا ثانيا إن غاية ما في الباب هو لزوم التنزل الى الظن الحاصل من تعيين العرف خارجا في التحديدات، مثلا إذا رأى أن عند العرف تكون مسافة ثمانية فراسخ أو ازيد أو أقل و حصل له الظن من بنائهم على كون المسافة كما قالوا، فيجب الاخذ بخصوص هذا الظن لا مطلق الظن.

و أمّا ثالثا إن الاخذ على تقدير كون موضوع حكم الشارع هو ما تكون مسافة عند العرف، فما تكون مسافة عند العرف فهو موضوع حكم الشارع، لا أن يكون موضوع حكمه أمرا آخر، و يكون قولهم طريقا ظنيا إليه، فتأمل. (المقرّر)

173

الفحص، بل يجوز بمجرد الشّك في بلوغها بالمسافة الموجبة للقصر اجراء الأصل أعني: استصحاب عدم بلوغها حد القصر و اتمام الصّلاة.

[في وجوب الفحص او عدم وجوبه]

فهل نقول في صورة الشك: بعدم وجوب الفحص و جواز إجراء الأصل و الاخذ بمؤداه و لو قبل الفحص، أو نقول: بعدم جواز إجراء الأصل قبل الفحص مطلقا، أو نقول: بالتفصيل بين ما إذا كان الفحص متعسرا أو كان موجبا للحرج، فلا يجب الفحص في هذا الفرض و يجرى الأصل، و بين ما إذا لم يكن الفحص حرجيا، فيجب الفحص.

أمّا وجه عدم وجوب الفحص، فهو أن المقام يكون من قبيل الشبهات الموضوعية و فيها لا يجب الفحص.

أمّا أوّلا فلأنّ أدلتها مطلقة، و لم يقيّد جواز إجرائها بحسب أدلتها بأن يكون بعد الفحص.

و أمّا ثانيا فلأن المستفاد من بعض الروايات هو التصريح بعدم وجوب الفحص مثل أحد روايات زرارة (1) المتمسك بها لاستصحاب بعد ما سئل السائل عن لزوم الفحص و عدمه قال: «و لكنّك إنما تريد أن تذهب بالشّك الّذي وقع من نفسك» فالمستفاد منها عدم وجوب الفحص و لو كان شاكا، و من الموارد الّتي كان السائل متمكنا من الفحص و اطلق الشّك عليه في هذه الرواية في هذه الفقرة لأنه قال «إنما تريد أن تذهب بالشك» فمع اطلاق الشّك على هذا المورد مع تمكنه من الفحص لأنه يمكن له النظر و رفع شكه، و لكن مع ذلك ما وجب عليه الفحص‌

____________

(1)- تهذيب الاحكام، ج 1، ص 421، ح 8.

174

فيستفاد من هذه الرواية عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية (1).

[قال الشيخ بوجوب الفحص من باب الاجماع الإجمالى بكون تكليفه مرددا بين القصر و الاتمام]

و أمّا وجه وجوب الفحص مطلقا فما يمكن أن يكون وجها له أمور:

الامر الأوّل: ما يظهر من كلام الشّيخ (رحمه اللّه) على ما في صلاته فهو قال: «و هل يجب الفحص أم لا وجهان من أصالة عدم اعتبار الفحص في موضوعات الاحكام، و من تعلق الحكم بالقصر على المسافة النفس إلا مرية، فيجب لتحصيل الواقع عند الشك إمّا الجمع و إمّا الفحص، و الأوّل منتف هنا إجماعا فتعين الثاني».

و حاصل كلامه في وجه وجوب الفحص يرجع الى انّه بعد كون حكم القصر معلّقا على المسافة الواقعية، فإذا شك الشخص في أن المسافة تبلغ الى ما هو موضوع للقصر واقعا أم لا، فحيث يعلم اجمالا التكليف المردد بين الاتمام و القصر، فيجب عليه إمّا الجمع بين اتيان صلاة إتماما و اتيان صلاة قصرا، و إمّا الفحص، و حيث لا يجب الجمع إجماعا فيجب عليه مع هذا العلم الاجمالى الفحص عن مقدار المسافة.

و فيه: إن ما قاله: من أن وجوب القصر معلق على المسافة البالغة بحد معين واقعا و في نفس الأمر و إن كان صحيحا، و لكن ما قاله: من انّه بعد العلم الاجمالى يجب عليه إمّا الجمع و إمّا الفحص، فإن كان مراده انّه يجب عليه إمّا الجمع معيّنا و إمّا الفحص معيّنا فنقول: إنه و لو صح ما قال على هذا بعده، بأن الأوّل منتف بالاجماع أعني: لا يجب الجمع بين الإتمام و القصر بالوجوب التعييني، و لكن ليس لازم عدم وجوب الجمع بالوجوب التعييني عدم جواز الجمع، بل يجوز له الجمع بين‌

____________

(1)- أقول: فلا مجال لأنّ يقال: بأنّه مع التمكن من الفحص لا يطلق الشاك على الشخص و الشك على المورد، لأنّ في الرواية مع فرض حمل الشّك على المورد قال: بعدم وجوب الفحص و نفهم عدم انصراف الشّك من مورد التمكن من الفحص. (المقرّر)

175

القصر و الإتمام و لو فرض عدم وجوب الجمع عليه تعيينا.

و إن كان مراده من قوله (فيجب إمّا الجمع و إمّا الفحص) أن المكلف الشاك يجب عليه بالوجوب التخييري إمّا الجمع عليه و إمّا الفحص، و معناه جواز الجمع عليه و جواز الفحص عليه، فما قال بأن الأوّل منتف بالاجماع ليس في محلّه، لأنّه لم يقم اجماع على عدم جواز الجمع و الاحتياط بين القصر و الإتمام.

ثمّ بعد ذلك كله لا يتم كلامه لأنّ ما قال: من أن مقتضى العلم الاجمالى إمّا الجمع أو الفحص، فلا بدّ له من الفحص بعد الاجماع على عدم وجوب الجمع.

ففيه: إنّه لم يجب عليه الفحص و إنّ هذا أول الكلام، لأنه لو كان مجال لاجراء الأصل فينحل العلم الاجمالي، لأنّ في أحد طرفيه يكون الأصل بلا معارض، و هو استصحاب عدم حصول موجب القصر، فلا يفيد هذا الوجه وجوب الفحص نحن فيه.

الامر الثاني: دعوى عدم الاطلاق لادلة الأصول بالنسبة الى حال قبل الفحص.

و فيه: إن أدلتها مطلقة خصوصا مع التصريح في بعض الأخبار بعدم لزوم الفحص مثل ما في صحيحة زرارة (1) بعد سؤال السائل من انّه هل يجب الفحص لا قوله «لا و لكنّك إنما تريد أن تذهب بالشّك الّذي وقع من نفسك» و غيرها.

الامر الثالث: دعوى انصراف أدلة الاصول لما قبل الفحص بأن يقال: إن أدلتها منصرفة عن حال قبل الفحص.

____________

(1)- تهذيب الاحكام، ج 1، ص 421، ح 8.

176

و لا يخفى أن هذه الدعوى مشكل أيضا، فلا يمكن أن يقال: بوجوب الفحص لأجل هذه الوجوه، فما ينبغى أن يقال في هذا المقام:

[القول بوجوب الفحص و عدم وجوبه مطلقا مشكل]

إنّ الالتزام بعدم وجوب الفحص مطلقا في الشبهات الموضوعية، حتى في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، يكون مشكلا، لأنّ لازمه الالتزام بما لا يمكن الالتزام به، مثلا من شك من أن غلّته بلغت بحد النصاب أولا، مع تمكنه بالسهولة عن الفحص بالكيل و الوزن حتى يزول شكّه، و يعلم ببلوغ الغلة مقدار النصاب و عدم بلوغها، فلا يتفحّص و يجري أصالة عدم بلوغها مقدار النصاب، فلم تجب عليه الزكاة، أو من شك في انّه مستطيع أم لا و الحال انّه يمكن له الفحص و فهم ذلك بمجرد الرجوع الى دفتره، فلا يتفحص و يجرى اصالة عدم كونه مستطيعا و يستريح، فهل يمكن الالتزام بذلك، فهذا محظور الالتزام بعدم وجوب الفحص.

و إن الالتزام بوجوب الفحص مطلقا مشكل أيضا بمقتضى هذه الوجوه الثلاثة المتقدمة، لعدم تمامية هذه الوجوه، فهل يمكن الالتزام بوجوب الفحص بوجه آخر أم لا؟

فنقول: إن في أمثال الحقوق المالية و الديون، و كذا في مثل الاستطاعة و نظائرها بعد ما كشفنا مذاق الشارع باهتمامه بهذه الأمور و عنايته بحفظ حقوق الناس، و وقوع هذه الأمور على منوال صحيح، و جريانها في مجاريها الصحيحة الواقعية، و نرى أن اجراء الاصول قبل الفحص موجب لمخالفة الواقع كثيرا، مثلا من شك في انّه هل يكون مديونا لزيد أم لا، أو وجب عليه الزكاة أو الخمس أم لا، أو كان مستطيعا و وجب عليه الحج أم لا، و كان له دفاتر منظمة مرتبة بحيث يزول شكه بمجرد النظر الى دفاتره، و يكشف له حقيقة الحال بدون تكلف و زحمة، فهل‌

177

يجوز قبل الفحص و المراجعة بالدفتر إجراء البراءة، أو استصحاب عدم الدين، أو عدم وجوب الزكاة أو الخمس أو الحج، و تستريح نفسه، أو ليس الأمر كذلك، بل يجب أولا الفحص فإن بلغ أمره بالفحص على طرف من الوجود و العدم فهو، و إن بقي شكه فله أن يجري الأصل، و يأخذ به و يرتب آثاره.

ففي أمثال هذه الأمور لا يجوز إجراء الأصول قبل الفحص، و إلّا يلزم فقه جديد، بل بقول بعض يلزم الخروج من الدين، هذا ما يمكن أن يقال: وجها لوجوب الفحص في أمثال هذه الأمور.

و أمّا في غير هذه الأمور بحيث يكون اللازم الفحص مطلقا و لا يجوز إجراء الأصول قبل الفحص، فلا يتم هذا الكلام، فعلى هذا نقع في محل الكلام و أمثاله في الإشكال في وجوب الفحص و عدمه، و إن كان لا يبعد دعوى انصراف أدلة الأصول في الشبهات الموضوعية عن بعض موارد الشك، مثل ما إذا امكن زوال الشك بفحص مختصر كالنظر الى اليد مثلا إذا شك في وقوع الدم عليها، و لكن مع كون مورد صحيحة زرارة نظير هذا المثال و لم يجب فيه الفحص مع سهولة النظر الى الثوب و ازالة الشك، فمع امكان الفحص و رفع الشّك بسهولة اطلق (عليه السلام) عليه بقوله:

«إنّما تريد أن تذهب بالشك» و مع ذلك لم يوجب الفحص، فالحكم بوجوب الفحص مشكل.

المسألة السابعة:

بعد ما عرفت من كون القصر واجبا في المسافة البالغة بالحدّ المذكور سابقا، فيقع الكلام بعد ذلك في أن مبدأ هذه المسافة يعتبر في أي موضع.

[مبدأ المسافة مورد البحث هل هو من منزله او من بلده او من حد الترخص]

فهل الاعتبار في مبدأ هذه المسافة بمنزل شخص المسافر أعني: من بيته بمعنى‌

178

أنّه إذا خرج من منزله للسفر فيحتسب ابتداء المسافة من منزله، فعلى هذا إذا ذهب مثلا ثمانية فراسخ من منزله، فقد سافر و ذهب مسافة التقصير.

أو تكون العبرة ببلة المسافر أو قريته، بمعنى أن من قصد السفر و كان البعد بين خارج سور بلده- أعني: آخر نقطة من بلده أو قريته- و بين مقصده ثمانية فراسخ مثلا فقد قصد السفر الموجب للقصر و يجب عليه القصر، و إلّا فلا.

أو يكون الاعتبار في مبدأ السفر من محل الترخص أعني مبدأ السفر يحسب من حد الترخص، فمن كان البعد بين محل ترخصه و بين مقصده بقدر المسافة الشرعية ذهابا، أو ايابا و ذهابا فيجب عليه القصر، و إلّا فلا.

اعلم أن من راجع كلمات الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) لا يرى الى ما قبل زمان العلّامة و الشهيد الأوّل تعرضا لهذه المسألة، بل ما يكون في كلماتهم ليس إلّا التعرض لأصل المسألة أعني اعتبار كون المسافة ثمانية فراسخ، و لا تعرض لهم بأن مبدأ هذه المسافة يكون من أي موضع، و لكن ما يظهر من بعض كتب العلّامة (رحمه اللّه) و بعض كتب الشهيد (رحمه اللّه) هو التعرض لهذه المسألة، و قالا: بأنّه يعتبر مبدأ السفر من البلد، ثمّ بعد ذلك يظهر من كلمات بعض من الفقهاء التعرض لهذه المسألة، فعلى هذا لا مجال لدعوى الإجماع أو الشهرة في طرف في هذه المسألة، لما قلنا من عدم تعرضها في كلمات القدماء حتى يكون مجال لدعوى الشهرة أو الإجماع، فبعد عدم الاجماع و الشهرة بالنسبة الى أحد الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، فنحن و ما يقتضي نظرنا بمقتضى الفقاهة.

و الحق هو كون المبدأ في اعتبار المسافة بلد المسافر أو القرية في من يكون في البلد أو القرية، و من يكون منزله كوخا أو خيمة كبعض الأعراب فمبدأ سفره هو‌

179

خارج كوخه و خيمة.

فنقول: أمّا وجه كون مبدأ السفر لمن يكون في البلد أو القرية هو خارج البلد، و خارج القرية هو أن ما ورد من الشرع هو جعل القصر للمسافر الّذي كان سيره في المسافة المحدودة، و بيّن حد السفر الموجب للقصر، فاثبت الشارع هذا الحكم أعني: وجوب القصر للمسافر، فكلما حصل موضوع المسافر يكون هذا الحكم ثابتا له، و بعد عدم تعرض روايات الباب لما هو مبدأ السفر حتّى يعتبر المسافة المعينة من هذا الموضع، فلا بدّ من الرجوع الى العرف في تعيين مبدأ السفر أعني: يرجع إليهم في انّه متى يصير المسافر مسافرا حتى يعتبر المسافة من الموضع الّذي يعتبره العرف في مبدأ المسافرة.

فهل يحكم العرف أن الشخص بمجرد خروجه يعد مسافرا، أولا يعدّونه مسافرا حتى إذا خرج من سور بلده و آخر نقطة من بلده، فاذا خرج من هذا الموضع فيعتبرونه مسافرا، أولا يعدّونه مسافرا إلّا إذا بلغ بمحل الترخص؟

فنقول: إنه إذا رجعنا الى العرف نرى أنهم لا يعدّون من يكون في بلده مسافرا و لا يحكمون بالمتردد في بلده بأنّه مسافر، بل لا يحكمون بكون الشخص مسافرا الّا إذا خرج من بلده للسفر، فاذا هو في بيته أو في صحن منزله أو على باب منزله أو في بلده لا يطلقون عليه اسم المسافر، فبعد عدم كون الشخص المتردد في بلده قبل خروجه من بلده مسافرا، فلا يترتب عليه أحكام المسافر، فمن خرج من منزله و سافر و لم يكن بين بلده و مقصده ثمانية فراسخ فلا يقال: انّه مسافر ثمانية فراسخ إن كان من بيته و منزله الى مقصده الّذي سافر نحوه ثمانية فراسخ، لأنه لا بدّ للمسافر بأن يضرب الأرض ثمانية فراسخ، و هو لم يصر مسافرا إلّا بعد خروجه‌

180

من بلده و لم يكن البعد على الفرض من خارج بلده الى مقصده ثمانية فراسخ، فلا يجب عليه القصر، فظهر لك أن المعيار في مبدأ السفر هو آخر البلد.

[لا يكون وجه المحقّق الهمدانى مطلوبا]

و أمّا الوجه الّذي ذكره الحاج رضا الهمداني (رحمه اللّه) في مقام إثبات كون مبدأ السفر خارج البلد فهو قال: بأن المنساق من الأمر بالتقصير في البريدين، أو الثمانية فراسخ إنما هو ارادته على النهج المعهود لدى العرف في تحديد المنازل بالفراسخ و الأميال، و العرف لا يلتفتون في تحديداتهم إلّا الى البعد الواقع بين البلد الّذي يخرج منه و يدخل فيه، فاذا قيل لهم: التقصير في ثمانية فراسخ، فأرادوا المسافرة من النجف الأشرف الى الحلة مثلا، يسألون عن مقدار بعد الحلة عن النجف، فاذا قيل لهم سبع فراسخ و نصف، يرون سفر كل من يسافر من النجف الى الحلة سبعة فراسخ و نصف من غير التفات الى منازل الأشخاص الواقعة في البلدين. (1)

[في الاشكال على الوجه الّذي ذكره المحقّق الهمداني]

ففيه أن ما قاله (رحمه اللّه) من المعهود بين العرف من تحديد المنازل و الفراسخ و الأميال، بالبعد الواقع بين البلد الّذي يخرج منه و يدخل فيه، لا من منازل الأشخاص.

فهو يكون من باب أن التحديد بالفرسخ و الميل و جعلهما، يكون لا جل تشخيص البعد الواقع بين البلاد، حتى يكشف بعد كل بلد من الآخر، و لهذا يكون بنائهم على جعل أول الحد من أول البلاد لا من منازل الأشخاص، و ليس الأمر كذلك في البريد، لأنّ البريد كما قلنا كان من أجل تعويض مراكب البريد في رأس كل بريد، و هو واقع في رأس كل أربعة فراسخ، و لهذا ربما يتفق وقوع محل تعويض‌

____________

(1)- مصباح الفقيه، ص 724.

181

المراكب و بالفارسية «مال بند» في نفس البلد أو القرية، للبلوغ بالحد أعني: أربعة فراسخ بين نفس البلد، و لكن الفراسخ و الأميال حيث يكون وضعهما لأجل فهم بعد كل بلد من الآخر، فلهذا يحسب البعد ممّا بين البلدين أعني: من ابتداء خارج البلد الى أول نقطة من البلد الآخر و بالعكس، و الشارع في حكمه بكون القصر واجبا في بريدين، أو ثمانية فراسخ، أو أربعة و عشرين ميلا لم يلاحظ إلا ثمانية فراسخ من الفراسخ المتداولة، أو أربعة و عشرين ميلا اعني: جعل القصر في ثمانية فراسخ تكون مساحته و كمّه بقدر ثمانية فراسخ المعمولة عند العرف.

و هكذا في البريد و الميل، ففي أصل الحد يكون جعل الحد بالمقدار الّذي يكون عند العرف حدّا أعني: ثمانية فراسخ، أو البريدين، أو أربعة و عشرين ميلا، لا أن يكون مبدأ الحد الذي جعل القصر فيه هو المبدأ الّذي يكون مبدأ لحدودهم المعمولة من الفرسخ و الميل و البريد، بل يكون حكمه في أصل كمية الفرسخ بقدر كمية ما هو الفرسخ عند العرف، و هذا غير كون مبدأ حده المجعول أيضا مثل المبدأ المجعول عندهم في الفرسخ و الميل لتعيين كشف البعد الواقع بين البلدين، و خصوصا مع ما قلنا من إمكان جعل محل البريد أعني «مال بند» في نفس البلد، و من التحديدات الواردة في روايات الباب هو البريد، فليس بناء العرف في كل من الفرسخ و الميل، البريد على جعل مبدئهم خارج البلد، بل يكون جعلهم مختلفا ففي الفرسخ و الميل، المبدأ عندهم أول البلد لكون المقصود من جعلهما تعيين البعد بين البلاد، و في البريد يمكن جعل محله حتى في البلد، لأنّ الميزان وضعه في رأس كل أربعة فراسخ، و ربما يصير من بريد الى وسط البلد البعد الى أربعة فراسخ فيجعل محل البريد فيه.

فمضافا الى ما قلنا من الإشكال في الوجه الّذي ذكره، ظهر لك انّه لا يمكن‌

182

الاتكاء على ما قاله (رحمه اللّه) لأجل ما قلنا من إختلاف وضع البريد مع الفرسخ و الميل، لأننا نقول: بعد كون التحديد في الأخبار بكل من البريد و الفرسخ و الميل، و فرض كون مبدأ الفرسخ و الميل عند العرف من أول البلاد، و اغمضنا عن الإشكال بأن الشرع جعل حكم القصر في الفرسخ و الميل، و المراد منه ما هو فرسخ و ميل في نظر العرف، و هذا لا يلزم كون مبدأ الفرسخ و الميل بنحو المتعارف عندهم، فهنا اشكال آخر و هو أن الشرع كما حدد القصر بالفرسخ و الميل حدده كذلك بالبريد، فإن كان مبدئهما خارج البلد فمبدأ البريد ليس كذلك، بل يمكن وقوعه في البلد فلم يكون الاعتبار بالفرسخ و الميل، بل لعله يكون بمبدإ البريد، فلا يكفي الوجه الّذي ذكره (رحمه اللّه) لاثبات كون مبدأ المسافة خارج البلد.

[وجه كون المبدأ خارج البلد عدم اطلاق المسافر على من كان فى بلده]

فالوجه في كون مبدأ السفر هو خارج البلد ما قلنا: من عدم اطلاق المسافر على الشخص عند العرف ما لم يخرج من بلده أو قريته، و يؤيد ما ذكرنا ما في بعض الروايات من جعل مبدأ السفر من البلد لا من المنزل، و احتساب المسافة الشرعية المعتبرة في وجوب القصر من البلد، مثل نقل فعل رسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في سفره الى ذى خشب و المدينة حيث قال «و قد سافر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الى ذى خشب و هي مسيرة يوم من المدينة، يكون إليها بريدان أربعة و عشرون ميلا» (1) و مثل رواية صفوان قال «سألت الرضا عن رجل خرج من بغداد» الى أن قال! «حتى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد» (2) فاعتبر المسافة من بغداد لا من منزله، و غير ذلك.

و امثال هذه الروايات و إن كانت في مقام بيان حكم آخر و لكن من نحو‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 1 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 8 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

183

سؤال السائلين أو بيان المعصوم (عليه السلام) في بعضها من جعل الحد من المدينة الى ذى خشب، أو من الكوفة (1) و القادسية، أو من بغداد و النهروان، أو من الكوفة و قصر (2) يكشف انّ المغروس في اذهانهم هو جعل مبدأ السفر من البلد، كما ترى الآن أن العرف لا يفهم من كون القصر واجبا في ثمانية فراسخ إلّا كون هذه المسافة بين البلدين أو القريتين أو البلد و القرية، فالمسألة من هذا الحيث خالية عن الاشكال.

و أمّا وجه كون مبدأ السفر لمن لم يكن ساكنا في البلد و القرية، مثل من كان ساكنا في كوخ أو خيمة كبعض أعراب البادية، هو خارج الكوخ أو الخيمة، فهذا أيضا يظهر من البيان المتقدم في وجه كون مبدأ سفر الساكن في البلاد و القرى، خارج البلاد و القرى لأنّ العرف يحكم على من خرج من كوخه أو خيمته للسفر مع عدم كون منزله إلّا الكوخ أو الخيمة انّه مسافر، فيترتب على سفره أحكام السفر فاذا قصد السفر، فبمجرد خروجه يعدّ سيره من أجزاء السفر و مسافته بين خارج كوخه أو خيمته و بين مقصده إن كانت بحد القصر يجب عليه القصر.

و أمّا ما ورد في بعض روايات الباب من احتساب المنزل في مقام ذكر المسافة من المنزل مثل قوله (عليه السلام) في رواية (3) حفص المروزى «هذا إذا خرج الرجل من منزله يريد اثنى عشر ميلا» المتوهم منها كون المقياس في مبدأ الحركة هو الخروج من المنزل، بمعنى البيت و الدار، بتخيل كون المراد من لفظ المنزل هو الدار‌

____________

(1)- الرواية 7 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 5 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- الرواية 4 من الباب 2 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

184

و البيت.

[لا يدل الرواية على كون مبدأ المسافة خارج الدار]

ففيه: إن هذه الرواية و امثالها لا تدلّ على كون الاعتبار في مبدأ السفر هو خارج الدار، لأنّ المنزل كما يطلق على الدار و البيت، كذلك يطلق على بلد الشخص و قريته، فيحتمل أن يكون المراد من المنزل في هذه الرواية و أمثالها هو بلد الشخص أو قريته. (1)

و من هنا يظهر لك عدم دلالة قوله (عليه السلام) في رواية (2) عمّار «لا يكون مسافرا حتى يخرج من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» لأنّ لفظ من منزله أيضا قابل للحمل على البلد، أو كان المراد من منزله كوخه، فلا دلالة لأمثال هذه الرواية على كون المعيار في مبدأ السفر هو خارج البيت و الدار. (3)

____________

(1)- أقول: يؤيد ذلك رواية صفوان- و هي رواية 8 من الباب 2 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل- فانّ: في مقام عدم وجوب القصر على رجل خرج من بغداد في هذه الرواية قال (عليه السلام):

«لأنّه خرج من منزله و ليس يريد السفر الخ» مع انّه على ما يظهر من صدر الحديث خرج من بغداد لا من بيته، و مع ذلك عبّر (عليه السلام) عن بلده و هو بغداد بالمنزل. (المقرّر)

(2)- الرواية 3 من الباب 4 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(3)- أقول: ما أفاده مد ظله يكون عندي مورد الإشكال، لأنّ ما قاله من حكم العرف بعدم صدق المسافر على من كان في بلده أو قريته إلا إذا خرج منهما ليس كذلك، بل ما كان بنظري هو أن العرف يطلقون على من اراد السفر و تهيأ له و خرج من بيته و داره بهذا القصد، و يتردد في أزقة البلد أنه مسافر و لو لم يخرج من بلده بعد.

ألا ترى انّك إذا رأيت احدا يمشي الى جانب و هو في البلد و أراد السفر و سئلت عنه: الى أين تذهب و تسير، يقول: أنا مسافر، و يتعاملون معه معاملة المسافر، و يقولون انّه اشتغل بالسفر و الحال هو في بلده، و لا يقولون انّه يمشي و يصير مسافرا بعدا يعنى: إذا خرج من البد.-

185

هذا تمام الكلام في القرى و البلاد المتعارفة.

[في حكم البلاد المتسعة من حيث مبدأ المسافة]

و أمّا في البلاد المتسعة الخارجة عن المعتاد فهل يعتبر مبدأ السفر في هذه البلاد من خارج البلد، أو يعتبر من خارج محلّة الّتي يسكن فيها المسافر من البلد؟

____________

فالميزان في مبدأ السفر لا يبعد على ما يخطر بالبال- و إن لم أر تصريحا به من أحد- هو أن يكون مبدأ حركة الشخص و سيره بقصد المسافرة لدخالة القصد في حكم وجوب القصر في السفر كما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، فمتى قصد السفر و شرع في السير فيحسب من السفر، فإن خرج الرجل للسفر من بيته، فمبدأ السفر من خارج بيته، و إن خرج من موضع آخر مثل من كان في خارج بيته في موضع من البلاد، و أراد السفر من هذا الموضع و شرع من هذا في السير فيحسب ابتدائه من قصده و سيره من هذا الموضع الّذي قصد السفر و شرع في السير، و الضرب.

أمّا أولا: فلإمكان استفاده ذلك من نفس ظاهر الآية الشريفة (و إذا ضربتم في الارض) لأنه بمجرد ذلك شرع في الضرب في الأرض، و لا وجه لأنّ يقال: بأن من اراد السفر و خرج على طبق قصده من داره أو موضع آخر لم يكن ضارب الأرض متى لم يخرج من بلده أو قريته.

و ثانيا: إن كان السفر من حيث المبدأ غير مبين من قبل الشارع، و كان محوّلا الى العرف فالعرف أيضا يساعد ما قلنا، مع أن الالتزام بكون المبدأ خارج البلد يوجب الإشكال في بعض المصاديق، مثلا في البلاد المتسعة أو إذا كان الشخص خرج من البلد و بعد في اطرافه، يمكن أن يقال: إنّ العرف إن لم يطلق على من في بلده انّه مسافر، كذلك لا يطلق على من كان حول بلده و اطرافه القريبة بأنّه مسافر، فلم يكون المبدأ خارج سور البلد.

و أمّا على ما قلنا و إن لم نجزم به فاذا كان الشخص مريدا للسفر و تحرك على طبق ارادته، فهو مسافر غاية الأمر يجب عليه القصر إذا كان طول سفره ثمانية فراسخ امتدادية أو ملفقة على ما أمضينا الكلام فيها، و على كل حال و لو لم نقل بما ذكر نا بطريق الجزم، و لكن لا يبعد كون الأمر كذلك، فاذا كان البعد بين مقصده و بين الموضع الّذي شرع في السفر بحد المسافة الواجبة فيها القصر، فيكون للاحتياط في الجمع بين القصر و الإتمام مجال، مثلا إذا شرع في السفر من خارج بيته و فرض كون البعد بين هذا الموضع و بين مقصده بحد المسافة، فالاحتياط بالجمع و إن لم يبلغ البعد بين خارج بلده و هذا المقصد بحد المسافة الموجب فيها القصر، فتأمل. (المقرّر)

186

اعلم أن ما قلنا من كون حكم العرف بعدم صدق المسافر على من يكون مترددا في بلده، و لأجل هذا قلنا في البلاد المتعارفة بكون الاعتبار في مبدأ السفر من خارجها، لا يجري في البلاد المتسعة الخارجة عن المعتاد، لأنّ سعة البلد موجب لعدم مساعدة العرف على ما يساعده في البلاد المتعارفة، و لا أقل من عدم إمكان دعوى مساعدة العرف بعدم صدق المسافر على من خرج من أول نقطة في بلد متسع الى آخره كي يسافر الى مقصده ما لم يخرج من البلد، و الحال أن من أول نقطه البلد الى آخره فرسخا أو فرسخين مثلا.

فلا يمكن أن يكون الضابط في مبدأ السفر في البلاد المتسعة هو خارج البلد، بدعوى عدم صدق المسافر على من سافر منها ما لم يخرج من البلد، و ما قلنا من كون المبدأ خارج البلد في البلاد الصغيرة و المتوسطة كان من باب حكم العرف فكل مورد يحكم العرف، فنحن نقول به، و إلّا فلا، و في البلاد المتسعة لا يمكن تسلّم عدم صدق المسافر على الشخص ما لم يخرج من البلد، خصوصا إذا كان مبدأ حركته من أول نقطة البلد الى جانب آخر نقطة من البلد.

كما أن الالتزام بأن العبرة في مبدأ السفر في البلد المتسع تكون خارج محلّة الشخص مشكل أيضا، فإنّ من كان منزله آخر نقطة المحلة بحيث انّه يخرج من المحلة بخروجه من بيته، أو بفاصلة قليلة مثلا عشرة أقدام، فهل يطلق عند العرف عنوان المسافر عليه بمجرد خروجه من محلته، و الحال ان يكون بعد في البلد و لم يخرج منه، فدعوى مساعدة العرف على كون المبدأ في السفر في البلاد المتسعة خارج المحلّة مشكل.

و ما قاله الحاج آقا رضا الهمدانى (رحمه اللّه) في وجه كون مبدأ السفر هو آخر المحلة في‌

187

البلاد المتسعة: من أن البلاد الواسعة الخارجة عن المعتاد الّتي تكون المسافة الواقعة فيها بنفسها ملحوظة لدى العرف، بحيث يقولون من محلة كذا الى محلة كذا فرسخ أو نصف فرسخ أو ميل، بحيث يكون محلاتها ملحوظة على سبيل الاستقلال في تحديداتهم، و غرضه أن في هذه البلاد تكون المحلات ملحوظه مستقلا و تحاسب التحديدات من أول المحلة، فكما قال في البلاد المتعارفة بكون العبرة في مبدأ السفر من خارج البلد لكون التحديدات في خارجها، فكذلك في البلاد المتسعة بعد كون التحديدات من أول المحلة، كانت العبرة في مبدأ السفر خارج المحلّة. (1)

يكون كلاما غير تام، لأنّ ما قاله ادعاء بلا دليل، و من اين سلم كون بناء العرف على جعل التحديدات من أول المحلة في البلاد المتسعة، مضافا الى ما قلنا في ردّ وجه الّذي ذكر لكون الميزان خارج البلد في البلاد المتعارفة من أن التحديدات و لو فرض كونها عند العرف من خارج البلاد أو في خارج المحلة في البلاد المتسعة، فيكون هذا من باب معلومية بعد الواقع بين البلاد أو بين المحلات، و هذا لا يصير دليلا على كون مبدأ السفر من ابتداء هذه التحديدات. (2)

ثمّ إنّه يقع الكلام في فرع آخر و هو انّه لو كان طول بلد بقدر المسافة الموجبة للقصر أو ازيد، فمن يسير من موضع من هذا البلد الى موضع آخر منه، و يكون البعد بينهما ثمانية فراسخ، فهل يجب عليه القصر في هذا السير مع كونه في بلده، أم لا يجب عليه القصر؟

____________

(1)- مصباح الفقيه، ص 724.

(2)- أقول: أمّا لو كان الميزان في مبدأ السفر ما قلت، فلا يبقى مورد إشكال أصلا في البلاد المتسعة، لأنّ المبدأ يعتبر في كل موضع قصد السفر منه و شرع في السير. (المقرّر).

188

و لا يخفى عليك أن الالتزام بوجوب القصر عليه مشكل، لأنّ صدق المسافر عليه غير معلوم.

ثمّ انّه بعد كون وجوب القصر في المسافة البالغة بثمانية فراسخ، فمن كان سفره على خلاف المتعارف، مثل من أراد السفر و خرج من منزله و يسير في اليوم الأوّل فرسخا مثلا و هو يستريح في محل، ثمّ يسير في يوم الثاني أيضا فرسخا و يستريح في محل، و هكذا بحيث يسير في ثمانية أيّام ثمانية فراسخ، فهل نقول: بوجوب القصر عليه لأنّه مسافر و مسافة سفره تبلغ ثمانية فراسخ، أو نقول: بوجوب الإتمام عليه لانصراف الأدلّة من هذا النحو من السفر، و لا يبعد الانصراف. (1)

الشرط الثاني: من شروط وجوب القصر القصد الى المسافة، بمعنى اعتبار القصد الى مسير ثمانية فراسخ امتدادية أو ملفقة على نحو مضى الكلام فيه، فمن سافر ثمانية فراسخ بلا تحقق قصد من ابتداء مسيره، لا يجب عليه القصر، بل يجب عليه إتمام الصّلاة، مثل ما لو سافر لأخذ غريم، أو لاخذ عبد آبق بدون أن يقصد حدا يبلغ بحد السفر الموجب للقصر، فلا يجب لمثله القصر و يجب عليه الإتمام و إن بلغ سفره بحد السفر الموجب للقصر أو أزيد.

و اعتبار القصد في وجوب القصر في الجملة ممّا لا إشكال فيه، لكونه تقريبا‌

____________

(1)- أقول: دعوى الانصراف في خصوص ما سار المسافر ثمانية فراسخ في ثمانية أيّام يكون بعيدا.

و لعل نظره الشريف ليس الى خصوص المثال بل إنه ربما يتفق مورد يمكن دعوى انصراف الأدلة، مثل من يسير مسافة يسيرة للتنزه أو نحوه في كل يوم حتى يبلغ الى المسافة الموجبة للقصر في أيّام كثيرة. (المقرّر)

189

مجمعا عليه، و الشهرة على اعتبار هذا الشرط مسلّمة، و يدلّ عليه بعض أخبار الباب مثل رواية صفوان، قال سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان، و هي أربعة فراسخ من بغداد، أ يفطر إذا اراد الرجوع و يقصر؟ قال: لا يقصر و لا يفطر، لأنه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق، فتمادى به السير الى الموضع الّذي بلغه، و لو انّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار، فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك» (1) و رواية عمّار. (2)

[في ذكر بعض خصوصيات المسألة في فروع]

إنّما الكلام في بعض خصوصيات المسألة، فنقول بعونه تعالى: إنّه بعد كون قصد المسافة شرطا في وجوب القصر يقع الكلام في فروع:

الفرع الأول:

هل المعتبر في القصد الّذي يكون شرطا في وجوب القصر في السفر، أن يكون قصد المسافر على نحو الاستقلال، بمعنى كونه مستقلا في القصد، أو يكفي تحقق القصد منه و إن كان بالتبع، مثلا إذا قصد العبد أو الزوجة السفر الموجب للقصر بتبع قصد مولاه أو زوجها السفر، فهل يكفي هذا القصد التبعي منهما في وجوب القصر عليهما و إن لم يكن قصدهما على وجه الاستقلال متعلقا بهذا السفر، أم لا يكفي هذا النحو من القصد؟

و من الواضح أن مورد الكلام ما إذا صدر القصد من التابع الى السفر، غاية‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 4 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 4 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

190

الأمر يكون القصد منه بالتبع كما في المثال المذكور، لا أن يكون أصلا بلا قصد في سفره.

[لا فرق فى المقصد بين التبعى و الأصلي]

و لا فرق في ما هو مورد الكلام بين أن يكون صدور القصد التبعي الى المسافة الشرعية من التابع من باب حكم العقل، مثل من كان أسيرا و يسيرون به الى محل يكون البعد بين منزله و بين هذا المحل ثمانية فراسخ أو أزيد، و هو مجبور في هذا السفر، و لكن بعد ما يرى بأنّه لو ترك المتابعة يأخذونه بأشد العذاب صار حاضرا بالسفر قاصدا له من باب حكم العقل بحضوره بهذا السفر دفعا للضرر المتوقع على نفسه، فهو في هذا الفرض قاصد للمسافة، و بين أن يكون صدور القصد منه بالتبع الى السفر من باب حكم الشرع، مثل العبد و الزوجة، فإنه لو لم يكن حكم الشرع بوجوب متابعة العبد لمولاه و الزوجة لزوجها لما يسافر العبد و الزوجة، و لا ينشأ القصد منهما الى السفر، و لكن بعد حكم الشارع عليهما بوجوب المتابعة و أمر المولى و الزوج عليهما بالسفر، قصدا السفر تبعا و يقصدان المسافة بالتبع.

إذا عرفت مورد الكلام:

نقول: إنه متى تحقق القصد بالمسافة من التابع في السفر يجب عليه القصر لانّ الشرط في وجوب القصر ليس إلّا القصد، سواء كان القصد بالاستقلال بالسفر، أو كان بالتبع.

نعم لو لم يكن التابع قاصدا للمسافة و لو بتبع قصد المتبوع، مثل ما إذا اراد العبد العصيان و الإباق في ضمن السفر قبل بلوغه الى الحد الموجب للقصر، أو أرادت الزوجة عصيان أمر الشارع و التخلف قبل بلوغها بالمسافة الشرعية عن زوجها، فلا يجب عليهما القصر، لعدم كونهما قاصدين المسافة و لو فرض تحقق‌

191

القصد من المتبوع الى المسافة، لعدم أثر لقصده مع عدم تحقق القصد من نفس التابع، و هذا أمر واضح.

الفرع الثاني:

إذا ظهر للتابع بعض الامارات الدالة على عدم بلوغه حد المسافة الموجبة للقصر، مثل ما إذا رأت الزوجة من بعض الامارات أن زوجها يطلّقها في هذا السفر قبل بلوغها الى حد المسافة، و هي في صورة صيرورتها مطلقة تنصرف عن ادامة السفر، أو رأى العبد من بعض القرائن أن مولاه يعتقه قبل بلوغه حد المسافة، و هو في صورة صيرورته منعتقا لا يدوم بسفره، فلا يبلغ في هذا الفرض حد المسافة الشرعية.

فهل يجب على التابع القصر في هذا الفرض من حيث كونه قاصدا للسفر الموجب للقصر بتبع متبوعه فعلا، و عدم حصول ما يحتمل حصوله بعد.

او يجب عليه الإتمام، لأنّه ليس قاصدا للمسافة، فإنّه مع احتمال طروّ ما يصرفه عن السفر لم يكن قاصدا للسفر؟

قال الشهيد في الذكرى: بعدم وجوب القصر على التابع في هذا الفرض لعدم كونه قاصدا للمسافة مع فرض ما يحتمله من عروض ما يصرفه عن ادامة السفر، فإنه مع هذا الاحتمال ليس قاصدا للسفر.

و قال صاحب الجواهر: بأنّه يجب القصر في هذا المورد، لأنّه إن كان أمثال هذه الاحتمالات- مثل الاحتمال الّذي مثّلنا في الزوجة و العبد- موجبا لعدم كون الشخص قاصدا و يضرّ بقصده، فكان لازمه عدم وجوب القصر على نوع المسافرين بل كلهم، لأنّ نوع المسافرين يحتملون عدم بلوغهم بحد المسافة، و لا أقل من حدوث احتمال الموت في أنفسهم، بل و احتمالات أخر، مثل احتمال حصول‌

192

المقصد الّذي يسافرون لأجله قبل البلوغ حد المسافة الموجبة للقصر، أو احتمال حصول المانع من إدامة السفر من لص و غيره. (1)

إذا عرفت كلامهما فما ذا نقول في المقام، فهل نقول بما قال في الذكرى، أو بما قال في الجواهر.

[لا يعبأ بهذه الاحتمالات فى كون القصر للمسافة موجب للقصر]

اعلم أن ما ينبغى أن يقال في المقام: هو انّه إن بنينا على أن أمثال هذه الاحتمالات مثل احتمال الموت، أو احتمال وجود المانع من لص و غيره سببا لعدم وجوب القصر- من باب عدم تأتي القصد من المسافر بالمسافة لأجل هذه الاحتمالات- فيلزم عدم بقاء مورد لوجوب القصر على المسافر، لأنه ما من مسافر إلّا و يتاتى في نفسه أمثال هذه الاحتمالات.

فمن هنا نستكشف بأن القصد المعتبر في وجوب القصر في السفر ليس القصد الّذي لا يجتمع مع هذه الاحتمالات، بل القصد المعتبر في هذا الباب هو القصد الّذي يتلائم مع هذه الاحتمالات، لانّا نرى طروّ أمثال هذه الاحتمالات في نوع الأمور تصير متعلقة لقصد الانسان، و مع ذلك يتعلق القصد بإتيانها كما ترى في العبادات، فإن من يقصد الصّلاة مثلا فهو يخطر بباله غالبا أمثال هذه الاحتمالات، مثل احتمال أن يموت قبل اتمام الصّلاة، أو يقصد الصوم مع طروّ هذا الاحتمال له، و لكن مع ذلك يتعلق قصده بالصّلاة أو الصوم، فمنشأ ذلك ما قلنا من امكان تحقق القصد من الشخص مع طروّ أمثال هذه الاحتمالات، فالقصد يتحقّق في السفر الى المسافة من المسافر مع أمثال هذه الاحتمالات نعم، قد يتفق في بعض الاحتمالات‌

____________

(1)- جواهر الكلام، ج 14، ص 238.

193

عدم تأتي القصد مع فرضه، مثل الأعرج الّذي يرى في نفسه عدم تمكنه من طي المسافة الشرعية بنفسه، فهو مع احتمال عدم تمكنه من بلوغه الى المسافة لا يحصل منه القصد الى طي المسافة.

الفرع الثالث:

لا فرق في ما قلنا من اعتبار القصد الى المسافة و كفاية حصوله و لو كان بالتبع، بين أن يكون قصد التابع ناشيا من اختياره، و بين أن يكون منشأ قصده الى السفر الاجبار و الاكراه مثل من اجبر، أو اكره على السفر.

و ما يظهر من بعض الكلمات من الإشكال في تحقق القصد إذا كان المسافر مجبورا على السفر لا وجه له، لأنّ تأتي القصد من الشخص:

تارة يكون من باب ما يرى القاصد من المصلحة الى الفعل إذا كان فيه مصلحة صرفة، أو يرى أقوائية المصلحة على المفسدة الكامنة في الفعل إذا كان فيه حيث المصلحة و حيث المفسدة، ثمّ بعد ما يرى من المصلحة الى الفعل يختار الفعل «و هذا هو مناط اختيارية الأفعال، و ما هو مناط في مصححية الشخص للمثوبة و العقوبة، لا الإرادة كما توهّم بعض، لأنّه لو كانت الإرادة هي مناط اختيارية الأفعال و منشأ استحقاق الثواب و العقاب، فهي موجودة في كل الحيوانات حتى الحيوانات الضعيفة، فإنّ الإرادة موجودة فيها، فما به امتياز الانسان من الحيوان هو أن له حالة يمكن بواستطها إدراك المصالح و المفاسد، و له أن يختار جانب المصلحة أو المفسدة، و بعبارة اخرى له الاختيار» ففي هذه الصورة كان منشأ قصده الاختيار.

و تارة ليس كذلك، بل لا يرضى بالفعل و لم يكن مختاره في حد ذاته، لعدم مصلحة في الفعل في حد ذاته حتى يختار الفعل، و ليس له الخيرة في جانب الفعل أو الترك بل هو مجبور على الفعل، و لكن مع ذلك بعد ما يرى وقوع الفعل منه في الخارج‌

194

و لو بالجبر، فيقصد الفعل و لو كان منشأ قصده الاضطرار الى العمل، ففي كلتا الصورتين يكون صدور الفعل منه مع القصد.

فنقول: إن السفر كذلك فتارة يسافر الشخص و يقصد السفر عن اختيار، و تارة لا عن اختيار، بل عن إكراه و إجبار، مثل من القي في السفينة، فهو بعد ما يرى أنه ألقي في السفينة و يساق الى المسافة، و مضطر في هذا السفر، و لكن بعد ذلك أعني:

في فرض الإجبار و الاضطرار يقصد السير الى المسافة فيجب عليه القصر، لانّا نحتاج في السفر الى القصد، و هو في الفرض يكون قاصدا.

[في ان لا يكون المسافر كثير السفر]

الشرط الثالث: من شرائط وجوب القصر، على المسافر على ما يظهر من بعض العبائر، هو أن لا يكون المسافر كثير السفر.

اعلم أن ما يظهر من المفيد (رحمه اللّه) في المقنعة، و من السيّد في الانتصار و من بعض كتبه، و من الشّيخ (رحمه اللّه) في بعض كتبه، و من السلار (رحمه اللّه) و من بعض آخر هو انهم عبّروا في مقام ذكر هذا الشرط: أن لا يكون سفره اكثر من حضره، كما يظهر ذلك من المحقق في الشرائع (1)، و من العلّامة في بعض كتبه.

و قال المحقّق في المعتبر- بعد ما أشكل بما ذكر من كون الشرط أن لا يكون سفره أكثر من حضره-: بأن الميزان إن كان هذا فمن كان مقيما في كل شهر عشرة أيّام في بلده، و عشرين يوما منه في السفر، فيجب عليه الإتمام، لأنّ سفره أكثر من حضره، لكون أكثر الشهر و هو عشرون يوما في السفر، و الحال انّه يجب عليه القصر إذا كان أقام في بلده عشرة أيّام كما يأتي الكلام فيه.

____________

(1)- جواهر الكلام، ج 14، ص 2.

195

ثمّ ذكر في مقام بيان الشرط ما حاصله يرجع الى أن من شرائط القصر على المسافر، هو أن لا يكون ممّن يلزمه الإتمام في سفره، و لا يخفى عليك أن هذا البيان أيضا لا يخلو من الإشكال.

أما أولا: فلانّ الميزان في عدم وجوب القصر في المكارى و اخواته ان كان هو كونهم من مصاديق من يلزمه التمام في سفره، فلا وجه لانحصار هذا العنوان بهم فقط، بل كل من يلزمه الاتمام في سفره فهو مثلهم، مثل من كان سفره حراما، فلا معنى لجعل هذا الشرط قسيما لشرط الآخر، و هو كون سفر المسافر سائغا، المسافر إذا لم يكن سفره سائغا فيجب عليه أيضا الإتمام في سفره.

و ثانيا: التعبير في مقام ذكر شرط القصر: بأن لا يكون ممّن يلزمه الإتمام في السفر، لا يوضح شيئا و لا يصير مجهول بسبب هذا التعبير معلوما، لأنه من الواضح أن الإتمام في السفر واجب على من يلزم عليه الإتمام بلا حاجة ذكر هذا الشرط، و على كل حال يظهر من العلّامة في بعض كتبه عبّر عن الشرط بنحو ما عبر عنه في المعتبر.

و ذكر بعضهم في مقام عنوان هذا الشرط بأنّه يشترط في وجوب القصر بأن لا يكون السفر عمله، و بعضهم بأن لا يكون السفر عمله و لا يكون بيته معه، و ذكر بعضهم في مقام عنوان الشرط نفس العناوين المذكورة في الأخبار من المكارى و الجمال الخ، و هم مختلفون فبعضهم ذكر خمسة منها، و بعضهم على نحو آخر.

[فى العناوين المذكورة فى الاخبار]

إذا عرفت إختلاف تعبير الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) في مقام تأدية هذا‌

196

الشرط فنقول: إنّ العناوين المذكورة في أخبار (1) الباب المصرح فيها بعدم وجوب القصر عليهم تبلغ عشرة عناوين:

العنوان الاوّل: المكارى كما ذكر في الرواية 1 و 2 و 4 و 8 و 10 و 12.

العنوان الثاني: الجمال كما ذكر في الرواية 1 و 4 و 10.

العنوان الثالث: الملاح كما ذكر في الرواية 4 و 5 و 7 و 8 و 11 و 12.

العنوان الرابع: الجابى الّذي يدور في جبايته.

العنوان الخامس: الأمير الّذي يدور في أمارته.

العنوان السادس: التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق و صرح بهذه الثلاثة في الرواية السكوني و هي الرواية 9.

العنوان السابع: البدوي الّذي يطلب مواضع القطر و نبت الشجر، و عبر عنه في بعض الروايات بالأعراب، و لعل الوجه في ذلك أن الأعراب عبارة عن الاظهار، و هم يظهرون و يطلبون موضع القطر و نبت الشجر، و ذكر البدوي و الأعراب في الرواية 5 و 6 و 9.

العنوان الثامن: الراعي كما يظهر من الرواية 2 و 12.

العنوان التاسع: الكريّ و هو الّذي يكرى نفسه.

العنوان العاشرة: الاشتقان، و ذكر الكري و الاشتقان في الرواية 2 و 12 و المراد من الاشتقان إمّا يكون أمير البيدر كما ذكر في التذكرة، و هو من يتصدى‌

____________

(1) الروايات الواردة فى الباب 11 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

197

للنظر الى البدر و هو بالفارسية «خرمن» لأخذ الزكوات من قبل السلطان، أو أمير البذر أعني: من يتصدّى لتعيين مقدار البذر الّذي يبذر في الأراضى من قبل السلطان و كون المراد من الاشتقان هذا بعيد لعدم معهودية جعل شخص من قبل السلطان لتعيين بذر الرعية.

و ليس المراد من الاشتقان البريد: أمّا أولا فلأنّ الكري عبارة عن البريد، أو يشمل البريد، لأنّ البريد أيضا من أفراد من يكري نفسه، لأنه يكري نفسه لإرسال الكتب.

و ثانيا فلأنّه ما وقع تصريح من أهل اللغة على كون المراد من الاشتقان هو البريد، و ما في الرواية 12 من تفسيره بالبريد، فلا يكفي لحمل الاشتقان على البريد، لعدم معلومية كون هذا التفسير جزء للرواية و من المعصوم (عليه السلام).

لاحتمال كون هذا التفسير من كلام الصدوق، و على كل حال يظهر من الروايات الواردة في الباب وجوب الإتمام على هذه العناوين المذكورة فيها في السفر في الجملة.

و لا يخفى عليك أن الروايات الدلالة على المطلب المذكورة في الوسائل في الباب 11 من أبواب الصّلاة المسافر و إن كانت تبلغ الى اثنتي عشر رواية، إلّا أن بعد احتمال اتحاد بعضها مع البعض الآخر بحسب الحدس، فلا يسلّم إنّ ما صدر من المعصوم من هذه الروايات كان أزيد من ست روايات.

لاحتمال كون الرواية 10 مع الرواية 1 واحدة، لأنّ السندى بن ربيع المذكور في طريق الرواية 10 لم يبين عمّن يروي الرواية و تكون الرواية مرسلة، فلا يبعد أن يكون راويها هو هشام بن الحكم الراوي للرواية 1 فكانت الروايتان رواية واحدة‌

198

خصوصا مع اتحادهما متنا.

و كذلك الرواية 2 مع 12 لأنّ ابن أبي عمير لم يرو عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلا واسطة، بل يروي عنه بواسطة أو بواسطتين، فلا يبعد أن تكون هاتان الروايتان أيضا رواية واحدة و كان الراوي في الرواية 12 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) هو زرارة لا ابن أبي عمير.

كذلك الرواية 4 مع الرواية 8 لكون الراوي في كل منهما محمد بن مسلم، و لاتّحادهما متنا مع اختلاف يسير، لأنّ في الرواية 4 قال: «و لا على المكارى و الجمال» و في الرواية 8 قال: «و لا على المكارين و لا على الجمالين».

و كذلك الرواية 5 و 6 و 11 لأنّ سند الرواية 6 و 11 ينتهي الى سليمان بن جعفر الجعفري، و هو يروي بالواسطة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) و الواسطة غير مذكورة باسمه بل المذكور بهذا اللفظ «سليمان بن جعفر الجعفرى عمن ذكره عن أبي عبد اللّه» و يحتمل أن يكون من ذكره لسليمان كان هو إسحاق بن عمّار الراوي للرواية 5 فكانت هذه الروايات الثلاثة أيضا رواية واحدة.

و تبقى رواية اخرى عن السكوني و هي الرواية 9 المتعرضة لعدم وجوب القصر على سبع طوائف، و رواية اخرى عن علي بن جعفر و هي الرواية 7 المتعرضة لحكم أصحاب السفن.

[في ان سند الروايات ينتهى الى ستة نفر]

فبعد هذا الحدس نقول: سند هذه الروايات ينتهى الى ستة نفرات: الأوّل هشام بن الحكم، الثانى زرارة، الثالث اسحاق بن عمّار، الرابع محمد بن مسلّم، الخامس السكونى، السادس علي بن جعفر، و على كل حال سواء يقوى هذا الحدس أم لا، يستفاد من بعض هذه الروايات كون عدم وجوب القصر على بعض العناوين‌

199

المذكورة في الروايات معلّلا بالعلّة.

فمن العلل المذكورة ما ذكر في الرواية 2 و 12 من كون وجوب الإتمام على العناوين المذكورة في الروايتين هو كون السفر عملهم، حيث قال بعد ذكر العناوين إن وجوب الإتمام عليهم في سفر كانوا أو في حضر «لأنّه عملهم».

و من العلل ما ذكر في الرواية 5 من كون عدم التقصير على الملاح و الاعراب هو «بيوتهم معهم» و كما في الرواية 6 بعد ذكر عدم وجوب القصر في السفر على الأعراب «إنّ منازلهم معهم».

[المراد من قوله (عليه السلام) (بيوتهم معهم) عدم بيت لهم]

ثمّ إن المراد من قوله (بيوتهم معهم) أو (منازلهم معهم) هو عدم كون بيت و منزل مستقر في محل لهم أصلا، بحيث لا يكون لهم منزل و هم بلا منزل و مقام في دار الدنيا، و ما اتخذوا بيتا و منزلا لأنفسهم، مثل البدوى الّذي يكون بحسب وضعه الطبيعي لا يزال منتقلا من صقع الى صقع حتى يجد مواضع القطر و نبت الشجر، و لا يكون له موقف مستقر يترددون و يمشون من ناحية الى ناحية اخرى لطلب القطر و نبت الشجر، و تكون بيوتهم معهم، لأنّ بيوتهم عبارة عن الخيمة و الفسطاط يسكنون فيها، و هي معهم، و لم يتخذوا منزلا في محل معين لأنفسهم حتى يصيروا بالسفر بعيدا عن منازلهم مثل سائر المسافرين، و لا يكون السفر لهم من الطوارئ و العوارض الطارية عليهم، و لا يكون أمرهم مثل أمر من يخرج تارة من منزله و مقامه، و يسافر في طلب أمر الي بلد أو قرية و يصير بعيدا عن منزله بسب هذا السفر، و بعد حصول مقصده يعود مجددا الى منزله و مستقره و يسكن فيه، بل هؤلاء الأشخاص ما دام العمر في السفر يمضون عمرهم بهذا المنوال لأنّ بنائهم في الدنيا على السير و الحركة.

200

فعلى هذا يمكن أن يدعى خروجهم من رأس من العمومات الدالة على وجوب القصر في السفر على المسافر، و عدم كونهم من مصاديق العام أصلا، و خروجهم موضوعا من العمومات الدالة على وجوب القصر على المسافر في السفر، لأن قوله (1) تعالى وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ خطاب على من يكون له منزل و مستقر و مقام معين بحسب وضعه الطبيعى و البناء الأصلي، فأمرهم بأنكم إذا ضربتم في الأرض يعني: إذا سافرتم و خرجتم من منازلكم فعليكم القصر، لأنّ ظاهر الآية و كذا بعض الأخبار الدالة على وجوب القصر على المسافر، هو كون السفر طائرا و عارضا للشخص، فمن كان السفر طارئا عليه، و الحال انّه ليس معنونا بهذا العنوان دائما فعليه القصر، لأنّ اللّه تعالى قال: و إذا ضربتم في الارض يعنى الزمان الّذي ضربتم في الأرض، فلا بدّ و أن يكون للمشمول لهذا الخطاب زمان آخر غير هذا الزمان، لم يكن ضاربا في الأرض حتى يقال له إذا ضربت في الأرض فلا جناح عليك أن تقصّر الصّلاة، فمن كان دائما مشتغلا بالسفر و الضرب في الأرض، و لا مقام و لا منزل له حتى يعدّ بالسفر ضاربا، و يكون بيته معه كما قلنا في البدوي، فلا تشمله الآية و لا ما يكون لسانه لسان الآية من الأخبار.

[يمكن ان يقال بخروج البدوى موضوعا عن حكم القصر]

فلأجل هذا يمكن دعوى خروج من كان بيته معه أو منزله معه كالبدوي موضوعا عن حكم وجوب القصر، بحيث لو كنا و عمومات وجوب القصر، و لم تكن في البين رواية دالة على عدم وجوب القصر على اصحاب هذا العنوان لقلنا بعدم وجوب القصر على من كان بيته معه، لعدم شمول أدلة وجوب القصر على‌

____________

(1) سورة النساء/ الآية 101.