تبيان الصلاة - ج1

- السيد حسين البروجردي المزيد...
259 /
201

المسافر له من رأس، و ظهر لك ممّا مرّ منّا ما هو المراد من كون بيوتهم معهم أو منازلهم معهم الّذي جعل علّة لعدم وجوب القصر على البدوي في رواية، و على البدوي و الملاح في رواية اخرى.

[المراد من العلّة اعنى كون السفر عملهم]

و أمّا العلة الأخرى أعني كون السفر عملهم الّذي جعل علّة لأربع طوائف في رواية (1) و لخمسة في رواية (2) اخرى نقول: إن الظاهر من العلة، هل أن كون السفر شغلهم و حرفتهم و كسبهم بحيث إنه لو كان مصداق من مصاديق احد هذه العناوين الاربعة أو الخمسة المذكورة في الروايتين، اتّخذ هذا العمل لا بعنوان الشغل و الحرفة و التكسب، كان خارجا عن مصداقيته لموضوع وجوب الإتمام في السفر، مثلا اتخذ احد شغل المكاراة و صار مكاريا، لكن ليس غرضه من اشتغاله بهذا الشغل التكسب، بل كان غرضه التقرب الى اللّه بهذا العمل، يكون خارجا عن هذا الحكم لعدم شمول العلة له، بعد كون المراد منها هو كون السفر عمله بعنوان التكسب و اتخاذه حرفه.

أو يكون المراد من العلة هو صرف كون السفر عملا له سواء كان بعنوان اتخاذ هذا العمل حرفة و كسبا و شغلا في قبال ساير الحرف و التكسبات و المشاغل أو لا، بل يدور الحكم مدار كون السفر عمله بأي نحو كان، فيدخل المثال المتقدم في العلة، لأنّ السفر عمله في المثال المتقدم على هذا و لو لم يكن اشتغاله بالمكاراة بعنوان الاكتساب.

الظاهر من كون السفر عملا هو الثاني، لأنه لم يؤخذ في العلة إلّا كون السفر‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 11 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2) الرواية 12 من الباب 11 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

202

عملا للشخص، فمتى حصل هذا العنوان أعنى: صار السفر عملا له و بالفارسية «كار أو» فلا يجب عليه القصر في السفر، كما أن العرف يساعد مع هذا، لانهم لا يفهمون من كون السفر عملا للشخص الا هذا.

[هل يلزم كون السفر عملهم دائما او لا؟]

ثمّ بعد كون المراد من العلة أن يكون السفر عملا سواء كان بعنوان اتخاذ السفر حرفة و كسبا أم لا، فهل يلزم أن يكون السفر عملا دائما بحيث يكون شخص المعنون بهذا العنوان في السفر دائما، و لم يكن في منزله و لا حضر له أصلا كما ربما بتوهم من ظاهر قوله في مقام بيان ذكر العلة، بدعوى أن الظاهر من العلة المذكورة كون عمله السفر، و لا ينطبق هذا العنوان الاعلى من يكون دائما متشاغلا بالسفر.

أو لا يلزم ذلك، بل يكفى في كون السفر عمله أن يكون غالبا مشتغلا بالسفر بحيث يكون حضره نادرا أو يكون في مقابل سفره كالمعدوم، و يكون سفره في الكثرة بحد يكون عند العرف السفر عمله و أن يتوقف في بلده أو منزله أيضا بندرة.

أو لا يلزم هذا المقدار أيضا في صدق كون السفر عمله، بل يكفي في صدق هذا العنوان على الشخص أن يكون سفره اكثر من حضره بمعنى: انّه و إن توقف في سفره توقفا كثيرا و لا يكون حضره بالنسبة الى سفره نادرا، و لكن يكون سفره بحد يكون مقداره بحسب الزمان و العدد- على ما يأتى الكلام فيه- أكثر من حضره، فيعد العرف باعتبار اكثرية سفره من حضره انّه ممّن يكون السفر عملا له.

ثمّ بعد فرض حصول عنوان كون السفر عملا بكون السفر اكثر من الحضر فيقع الكلام في أن الأكثرية المعتبرة في السفر، هل يكون باكثرية السفر من الحضر عددا بمعنى كون عدد اسفاره اكثر من عدد توقفه في بلده و في الحضر، أو يكون أكثرية سفره من حضره زمانا، بمعنى كون زمان أسفاره أكثر من زمان حضره، مثل‌

203

أن يكون في كل شهر عشرين يوما في السفر و عشرة أيّام في الحضر؟

لا يبعد أن يكون الميزان بالأكثرية بحسب الزمان بناء على كون الميزان في حصول عنوان كون السفر عملا بكون السفر أكثر من الحضر، فيصدق كون السفر عملا إذا كان زمان سفر الشخص اكثر من حضره، لا أن يكون عدد السفر اكثر من الحضر (1) ثمّ إنه إن كان المراد من حصول عنوان كون السفر عملا ما ذكرنا في الاحتمال الثالث أعني: باكثرية السفر من الحضر فتصير نتيجة هذه العلة أعني: كون السفر عملا هو ما يظهر من كلمات المشهور من عنوانهم في هذا المقام بكون أحد الشرائط في وجوب القصر هو أن لا يكون سفر المسافر اكثر من حضره.

لانّه على هذا الاحتمال يتحقّق عنوان كون السفر عملا كون السفر أكثر من الحضر.

فبعد ذلك هل نقول بالاحتمال الأول، و إنه لا بدّ في حصول عنوان كون السفر عملا أن يكون الشخص مشتغلا دائما بالسفر؟

أو نقول بالاحتمال الثاني و إنه يحصل هذا العنوان إذا كان السفر عمله غالبا بحيث يكون مقامه في وطنه نادرا؟

____________

(1) أقول: بل لا يعقل كثرة السفر من الحضر بحسب العدد لانّ العدد لا يحصل في كل من السفر و الحضر الا بالخروج من الحضر الى السفر، و من السفر الى الحضر، فالعدد لا بدّ و أن يكون متساويا في الحضر و السفر، مثلا من يخرج من منزله للسفر فيعود من السفر الى منزله، فيعد هما سفرا واحدا و إذا خرج من وطنه ثانيا و سافر ثمّ عاد الى منزله فيعد هذا سفرا ثانيا، و هكذا فلو سافر سفرين فيكون سفره مرتين، و يكون وقوفه في بلده أيضا مرتين لحصول التعدد بالذهاب و الاياب فالسفر و الحضر دائما متساويان في العدد، فلا يفرض اكثرية السفر من الحضر عددا، فيكون الميزان باكثرية السفر من الحضر بحسب الزمان. (المقرر)

204

أو نقول بالاحتمال الثالث و إنه يكفي في حصول هذا العنوان كون السفر أكثر من الحضر، حتى صار المستفاد من العلة ما عنونه المشهور من ذكرهم في طي شرائط وجوب القصر، بأنّه من الشرائط أن لا يكون سفره اكثر من حضره.

[المستفاد من رواية زرارة يجب على أربعة طوائف]

ثمّ نقول توضيحا للمطلب: بأن المستفاد من الرواية الّتي رواها زرارة (قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «أربعة قد يجب عليهم الإتمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكري و الراعى و الاشتقان لأنّه عملهم» (1) و هي من الروايات الصحيحة تنتهي باسناد ثلاثة الى حريز- أعنى: يكون ناقل كتاب حريز ثلاثة نفرات- و حريز يروي عن زرارة، فالرواية معتبرة من حيث السند، و المستفاد منها هو عدم وجوب القصر على هذه الطوائف الاربعة، بل عليهم الإتمام.

أحدها: المكاري، و الظاهر منه من يكري الدواب، سواء كان دابّته الحمير أو الجمال أو البغال.

و ثانيها: الكري، و لا يبعد أن يكون المراد منه البريد، لا من يكري نفسه لارسال الكتب.

و ثالثها: الراعي.

و رابعها: الاشتقان، و مضى الكلام في ما هو المحتمل من معنى الاشتقان.

ثمّ بعد ذكر هذه العناوين الأربعة في الرواية، علل الحكم بقوله «لانه عملهم» و الظاهر كون الضمير في قوله «لانّه» راجع الى السفر يعني: لأنّ السفر عملهم، و احتمال كون الضمير راجعا الى مبدأ اشتقاق هذه العناوين الاربعة، فتكون المعنى‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 11 من أبواب الصّلاة من الوسائل.

205

لأن المكاراة أو الكري او الرعى أو الاشتقانية عملهم بعيد.

فعلى هذا يكون منشأ الحكم كون السفر عملا لهذه العناوين فتكون- على هذا بعد الدقّة- هذه العناوين خارجة عن حكم المسافرين من رأس، لأنّ بعد ما يستفاد من الآية الشريفة (إذا ضربتم) الخ و بعض أخبار الباب بأن القصر المجعول للمسافر يكون من باب كون السفر له على خلاف مقتضى طبعه و وضعه، لأنّ السفر ضعف و مشقه و كلفة عليه، فارفق الشارع و قصر عن الصّلاة في حقه.

فيظهر من ذلك أن المكاري و أخواته الّذي يكون السفر لهم امرا معمولا و لا مشقة لهم، لكونه عملهم، فهم خارجون عن حكم وجوب القصر من رأس، فهم خارجون موضوعا عن المسافر الواجب عليه القصر في السفر، لأنّ حكم القصر يكون ثابتا للمسافر الّذي قلنا، فهم خارجون عنه.

[في ذكر بعض الجهات المربوطة بما نحن فيه]

ثمّ بعد ذلك يقع الكلام في المراد من العلة أعني: كون السفر عملا لهم، و يقع الكلام فيه في بعض الجهات:

الجهة الاولى: يقع الكلام في انّه هل يعتبر فيمن لا يجب عليه القصر، لأجل كون السفر عملا له، بأن يكون السفر عمله دائما بحيث يكون بنائه مثلا على المكاراة في مدة العمر؟ فلازمه اختصاص حكم وجوب الإتمام في السفر على المكاري الّذي كان بنائه على هذا الشغل دائما.

أو يكفي صرف كون هذا العنوان عمله و لو في بعض الأزمنة، مثل من يكون بنائه على المكاراة في نصف السنة أو ربع السنة؟

أو تتوسع دائرته أزيد من هذا، و هو أن التعليل يشمل من كان عمله المكاراة من باب الاتفاق أياما، مثلا كان له حمير فعزم على المكاراة حتى يجد من يشتري‌

206

حميره فيصير مشتغلا بالمكاراة لاجله، و يسافر مرات بهذا العنوان، فنقول بشمول التعليل له لأنّ المكاراة عمله فعلا.

أو يقال أصلا بكفاية ذلك و حصول العنوان و لو بمرة واحدة، مثلا من يكون عنده جمال، فبنى على أن يسافر بعنوان المكاراة مرة، كان الواجب عليه الإتمام في هذا السفر لأنّ السفر عمله فعلا.

لا يخفى عليك أن السفر مرة واحدة بعنوان المكاراة، غير موجب لوجوب الإتمام في السفر، لعدم تحقق عنوان المكاراة، بذلك السفر و لا يحصل بذلك عنوان كون السفر عملا للشخص، فهذا الفرض خارج مسلما.

و أمّا إذا كان بناء الشخص على المكاراة دائما، و الاشتغال بهذه الحرفة أبدا، فهو داخل في موضوع حكم المكاري الّذي يجب عليه الإتمام في السفر، بل هذه الصورة هي الصورة المتيقنة دخولها تحت هذا العنوان الواجب عليه الإتمام في سفر كان أو حضر.

[لا يبعد دخول من كان بنائه على المكاراة فى نصف سنة او ربعها]

و لا يبعد دخول القسم الثاني أيضا، و هو ما إذا كان بنائه على المكاراة و الاشتغال بهذا الشغل في نصف كل سنة أو ربعها، مثلا في الشتا أو الصيف، لصدق المكاري عليه، و لصدق كون السفر عمله في هذا الزمان المشتغل بشغل المكاراة.

أمّا الصورة الثالثة و هي ما إذا كان بناء الشخص على الاشتغال بهذا العمل اتفاقا، و لكن لا مرة واحدة، مثل ما إذا كان عنده بغال أو حمير و لا عمل له، و اراد أن يبيعها، فيبني على المكاراة ما لم يبعها، و اشتغل بذلك العمل مدة و سافر مرات في هذا العمل، فهل يجب عليه القصر في هذا السفر المشغول بهذا العمل، أو يجب عليه الإتمام، فهذه الصورة مورد الإشكال، فهل نقول: بوجوب القصر عليه لعدم صدق‌

207

كون السفر عمله بمجرد ذلك، أو نقول: بوجوب الإتمام عليه بدعوى صدق كون السفر عمله في هذه المدة الّتي اشتغل فيها بالمكاراة؟

الجهة الثانية: في انّه هل يعتبر في صدق كون السفر عملا أن يكون سفر الشخص في خصوص هذا العمل أم لا؟

مثلا تارة يسافر المكاري في عمله، بأن يكرى دوابه و يذهب معها، فسفره في عمله بلا شبهة، و هذا هو القدر المتقين من الصورة الّتي تكون العلة شاملة لها‌

و تارة يسافر هذا المكاري في غير عمله، و في هذا القسم يتصور:

تارة بأن يسافر مع دوابه في غير عمله، مثل أن يسافر لحمل أهل بيته للزيارة، مثلا من بلده الى بلد آخر الّذي يكون مكاراته من بلده إليه، فهو في هذا السفر يكون وضعه بعينه كسفراته الواقعة منه في المكاراة، غير انّه في ساير اسفاره كان يحمل الأمتعة أو الاشخاص على دوابه، و في هذا السفر يحمل أهل بيته.

و تارة يسافر بنفسه مثلا الى الزيارة، و لا يحمل دوابه معه، فهو في هذا السفر ذهب و سافر في غير شغله و بدون وسيلة شغله، أعني: بدون دوابه، فيقع الكلام هو الحق في هذه الفروع.

أمّا الصورة الاولى فكما قلنا، فهي القدر المتقين من الصور الّتي تشمل العلة لها، و امّا الصورة الثانية فهل يصدق في كلتا الصورتين أن السفر عمله، أولا يصدق كون السفر عمله، أو يقال بالتفصيل بين الصورة الاولى من الصورة الثانية، و بين الصورة الثانية، من الثانية فنقول بوجوب القصر في الاولى منها دون الثانية منها.

و هل يكون فرق في الصورتين بين ما يكون الضمير في قوله «لأنه عملهم»‌

208

راجعا الى السفر فيكون حاصل المراد من العلة، هو أن عدم وجوب القصر على هذه العناوين المذكورة في الرواية يكون لاجل كون السفر عملهم.

و بين ما يكون الضمير راجعا الى مبدأ اشتقاق هذه العناوين، فيكون حاصل المراد من العلة هو عدم وجوب القصر عليهم لأنّ المكاراة أو الكري أو الرعي أو الاشتقانية عملهم، كما ذكرنا احتماله قبلا و استبعدنا احتماله، لكونه خلاف الظاهر للزوم ذلك أولا حمل الضمير على مبدأ اشتقاق هذه العناوين لعدم إمكان إرجاع الضمير الى نفس هذه العناوين، لعدم صحة أن يقال بأن المكارى عمل المكاري، بل يريد أن يقال المكاراة عمل المكاري فيصير إرجاع الضمير الى مبدأ اشتقاق العناوين المذكورة لا إلى انفسهم، فعلى هذا يلتزم عود الضمير الى غير ما هو المذكور قبل ذكر الضمير.

[العلة لوجوب القصر كون السفر عملهم]

و ثانيا إن ما هو موضوع له للضمير كما حققنا في محله في الاصول هو الإشارة، و الإشارة لا بدّ و أن تكون الى شي‌ء معيّن، و ما هو معين و ظاهر هنا هو كون الضمير إشارة الى السفر، فيكون المعنى أن السفر عملهم.

أم لم يكن فرق في هذا الحيث الّذي يكون مورد الكلام من حيث ارجاع الضمير الى السفر، أو الى مبدأ اشتقاق هذه العناوين، لأنه بناء على إرجاع الضمير الى مبدأ اشتقاق هذه العناوين، و كون حاصل العلة إن المكاراة أو الرعي أو الكري أو الأشتقانية عملهم مع ذلك لا إشكال في أن كون هذه العناوين عملهم في السفر صار سببا لعدم وجوب القصر عليهم في السفر، و أن هذه الطوائف حيث كون عملهم هذه الأمور في السفر لا يجب عليهم القصر، و نفهم ذلك من مناسبة الحكم و الموضوع، فتكون العلّة على هذا أيضا كون السفر عملهم بالمكاراة او بالكرى أو‌

209

الرعى أو الاشتقانية، فلا فرق في ما نحن بصدده بين كون الضمير راجعا الى مبدأ هذه العناوين، و بين كون الضمير راجعا الى السفر، لأنه واضح بأن العلة تكون كون السفر عملهم، فبعد عدم الفرق بينهما و مضافا الى بعد احتمال كون الضمير راجعا الى مبدأ اشتقاق هذه العناوين كما قدمنا، فما هو الحق في المقام؟

فهل نقول: باشتراط كون السفر عملهم في خصوص هذه العناوين حتى يجب القصر على المكاري مثلا إذا كان سفره غير عمله؟

أولا يشترط كون السفر في خصوص هذه العناوين عملهم، بل يكفي صدق كون عملهم أحد هذه العناوين، و لو سافر اتفاقا في سفر في مقصد غير هذه العناوين التي تكون شغله و حرفته فوجب عليه التمام.

«و قد اكتفى سيدنا الأستاذ مد ظله في هذا المقام بذكر الاحتمالين و وجههما و لم يقوي أحد طرفي المسألة».

[ذكر الاحتمالات الثلاثة فى كون المراد من العناوين]

و أمّا ما ورد في الرواية 1 و 10 و هو قوله (عليه السلام) (المكاري و الجمال الّذي يختلف و ليس له مقام) فالظاهر منه هو تقييد الحكم بوجوب التمام على المكاري و الجمال بكون المكاري و الجمال ممّن يختلف و ليس له مقام، فيحتمل في هذا الكلام احتمالات:

الاحتمال الأول: ما يظهر من مفتاح الكرامة من كون المراد من هذا القيد هو أن لا يبقيا عشرة أيّام في منزلهم، و جعل قوله (عليه السلام) (يختلف و ليس له مقام) من ادلة وجوب القصر على المكاري إذا أقام عشرة أيّام في منزله. (1)

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 10، ص 541.

210

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من قوله «يختلف و ليس له مقام» هو أن لا يكون للمكاري منزل و محل و مقام اصلا، فالمكاري و الجمّال إذا لم يكن لهما منزل مستقر و مقام معين أصلا، فلا يجب عليهما القصر.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد هو أن المكاري و الجمال الذين يكونان غالبا في السفر و يكون وقوفهما في الوطن نادرا بحيث يكون كالمعدوم، و يعد كلا مقام و كلا منزل، يجب عليهما الإتمام و لا يجب عليهما القصر.

إذا عرفت هذه الاحتمالات الثلاثة نقول:

إنّه يأتي الكلام عند ذكر بعض الروايات الواردة في المسافر الّذي أقام عشرة أيّام في منزله، انّه على تقدير تمامية هذه الروايات، إذا اقام المكاري عشرة أيّام يجب عليه القصر إذا سافر، لأنه أقام عشرة أيّام في منزله، فيحمل قوله (يختلف و ليس له مقام) الوارد في الرواية 1 و 10 من الباب 11 من أبواب الصّلاة المسافر من الوسائل، على أن المراد من المكاري و الجمال هو الذي يختلف و لم يقم في بلده عشرة أيّام، لا أن تكون هذه الرواية أعني الرواية 1 و 10 دليلا بنفسها على اعتبار عدم إقامة العشرة في البلد على المكاري الّذي يجب عليه التمام، كما احتمله صاحب مفتاح الكرامة (رحمه اللّه)، لانه لا دلالة للرواية على هذا بظاهرها، بل قابل للحمل على ما يستفاد من الروايات الّتي يأتي الكلام فيها، و نقول ما ينبغى من أن يقال في الرواية 1 و 5 و 6 من الباب 12 من أبواب الصّلاة المسافر من الوسائل أن هذه الثلاثة ليست إلا رواية واحدة، و ان عدها صاحب الوسائل ثلاثة روايات، و يأتي الكلام في مقدار دلالتها إنشاء اللّه.

ثمّ إنّه بعد ما ذكر لك ما هو المراد من العلتين الواردتين في بعض روايات‌

211

الباب الاولى التعليل بكون السفر عملا، و الثاني التعليل بكون بيوتهم معهم.

[العناوين الّتي ذكر في الروايات تبلغ عشرة]

فنقول إنّ العناوين الّتي ذكرت في روايات الباب تبلغ عشرة:

المكاري، و الجمال، و الكري، و الراعي، و الاشتقان، و البدوي، و الملاح، و الجابي الّذي يدور في جبابته، و الأمير الّذي يدور في إمارته، و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق.

و تبلغ سبعة بناء على عد الجمال من مصاديق المكاري، لأنّ كلا منهما يشتغلون بكرى دوابهم إمّا الحمار و إمّا البغل و إمّا الجمل في الاسفار لحمل مال التجارة أو الاشخاص، و بناء على جعل الراعي من مصاديق الكري، لأنّ الكري من يكري نفسه إما لأنّ يسافر للمواظبة على الدواب مثلا، أو يصير بريدا مثلا، أو يجعل راعيا للأغنام، و كذلك الاشتقان و إن بقي الإشكال في فهم المراد منه، و لكن بناء على كون المراد منه البريد فهو أيضا من مصاديق الكري.

[ذكر المراد من العناوين المذكورة]

إذا عرفت ذلك فنقول: إن من العناوين المذكورة، البدوي المعبر عنه بالاعراب في بعض روايات الباب، فالمراد منهم من كان بنائه على السير من جانب الى جانب آخر، و بيته معه و ما اختار منزلا لنفسه حتى يصير بالسير بعيدا عنه، بل كلما يذهب من مكان ينزل في مكان يكون بيته و منزله معه، و لا يلزم في صدق هذا العنوان عليه أن لا يتوقف في محل أياما مثلا شهرا أو شهرين، بل الميزان هو عدم اختياره لنفسه منزلا مستقرا غير ما هو معه و يسوق مع نفسه، فمتى يكون معنونا بهذا العنوان يجب عليه الإتمام كمن ليس مسافرا.

نعم لو اختار لنفسه منزلا و مستقرا، و ترك وضعه و خرج من مصداق البدوي، فيجب عليه التقصر إن سافر في هذا الفرض، كما انّه لو كان وضعه كذلك‌

212

أعني: بيته معه و لكن سافر الى محل في غير الجهة الّتي يذهب من صقع الى صقع، مثلا يكون بيته معه و يطلب موضع القطر و منبت الشجر، و لكن اتفق له السفر الى محل لغير ما هو ديدنه، مثلا سافر للزيارة، فيجب عليه القصر في هذا السفر، لعدم كونه في هذا السفر على ما هو وضعه و ديدنه، بل هو في هذا السفر سافر في غير جهة بدويته و ليس في هذا السفر بيته معه، فلا يشمله التعليل.

و من هذه العناوين الملاح، فإن كان الملاح بحيث لا يكون له مقام و بيت مستقر في البر، و تكون نسبة كل من السواحل إليه بالسوية، لعدم اتخاذ بعضها محلا لنفسه، بل بيته معه بمعنى: انّه في البحر و على سفينته، فمعه بيته و منزله متى يذهب مع السفينة في البحر، يكون حاله كحال البدوي و شبيه به في موضوعيته لعدم وجوب القصر.

و إن كان له بيت و منزل و مستقر في أحد البلاد أو القرى، و كانت ملا حته بأن يذهب مع السفينة، و يجي‌ء الى المنزل، و يكون شغله هذا العمل بالذهاب و العود الى منزله، فيكون هذا القسم من الملاح اشبه بالمكاري، لأنه يبعد من وطنه و منزله بالسفر و لكن السفر يكون عمله.

و من هذه العناوين المكاري، فالمتعارف فيه من كان له منزل و بيت و مستقر في محل، و له وطن معيّن، و لكن كما قلنا في طي الكلام في مقام ذكر المراد من قوله «لأنّه عمله» أن السفر يكون عمله، و يكون المتعارف في المكارين هذا القسم، لأنّهم يشتغلون بهذا الشغل، و المتعارف من المشتغل بهذا الشغل أن يكون بنائه بأن يذهب من منزله الى الأسفار لحمل الاشخاص أو لحمل مال التجارة و غيرها، و يعود الى منزله، فهو مسافر و يكون هذا السفر شغله و يبعد عن وطنه و منزله، و لكن يجب‌

213

عليه الاتمام لكون السفر عمله.

نعم لو فرض وجود مكار لا بيت له يستقر فيه أصلا، بل يكون ممّن بيته معه، و يكون دائما من محل الى محل آخر، فيكون شبيها بالبدوي، و لكن هذا الفرض خارج عن المكارى المتعارف.

و من هذه العناوين الجمال، و هو مثل المكاري بحسب المتعارف، فإنه أيضا مع كونه ذا منزل مستقر يخرج من منزله و يعود إليه مع جماله كالمكاري.

و من هذه العناوين الكري، فهو من يكري نفسه.

فإن أكرى نفسه لمسافات لم تبلغ المسافة الموجبة للقصر، فهو خارج عن موضوع الكري الوارد في أخبار الباب، لأنّ مقتضى هذه الأدلة إخراج هذه العناوين من الادلة الدالة على وجوب القصر.

فيكون الحاصل أن من يجب عليه القصر مع قطع النظر عن طروّ أحد هذه العناوين، لا يجب عليه القصر بل يجب عليه الإتمام إذا طرأ عليه أحد منها، فمن لم يكن القصر عليه واجبا- مع قطع النظر عن ذلك- لاجل جهات اخرى مثل من كان سفره أقل من المسافة الشرعية، فلا نظر لهذه الادلة إليه، لعدم وجوب القصر عليه من رأس و لو لم يطرأ أحد هذه العناوين.

لان الظاهر من هذه الادلة هو كون هذه العناوين بنفسها موجبة للقصر مع قطع النظر عن شرائط اخرى.

فعلى هذا نقول: إن الكري و كذلك غيره من العناوين المذكورة كالملّاح إذا كان سيرهم أقل من المسافة الموجبة للقصر فيكون خارجا عن موضوع الكلام في‌

214

هذا المقام.

و إن أكري نفسه للمسافات البالغة حد المسافة الموجبة للقصر، فإن كان السفر عمله فهو كالمكاري لأنّ ذلك اعني الكري عمله و تشمله العلة، و إن كان ذلك شغله، و فرض عدم بيت له أصلا، بل كان كل يوم في محل و لا وطن مستقر له، فهو كالبدوي و ان كان ذلك فرضا نادرا غير واقع.

و من هذه العناوين الراعي، فإن كان رعيه في أقل من المسافة الموجبة للقصر، مثل أن يرعى الاحشام و الأغنام في حوالى البلد أو القرية، و لم يبعد من محله إلّا الى فرسخ أو فرسخين مثلا، فيجب عليه الإتمام، لا لكون الرعي شغله، بل لعدم كونه بعيدا عن وطنه بحد المسافة الموجبة للقصر، و هذا القسم هو المتعارف من الراعي.

و إن كان الراعي راعيا و يبعد عن وطنه أزيد من المسافة الموجبة للقصر، و كان الرعي شغله بحيث يكون كل يوم ذاهبا الى المسافة البالغة حد المسافة الشرعية و جائيا كذلك، و يكون السفر عمله، فهو كالمكاري.

و إن كان راعيا و يكون وضع رعيه بأنّه يدخل كل يوم في واد من البوادى فهو كل يوم في واد و محل غير اليوم الآخر، و لا مستقر و منزل له أصلا، فيكون كالبدوي، و لكن هذا القسم غير متعارف في الراعي.

[الكلام حول التاجر الّذي يدور في تجارته]

و من هذه العناوين التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق.

و هذا العنوان كان مذكورا في رواية السكوني فقط و المراد منه يظهر بعد بيان المراد من التاجر و اقسامه.

215

فنقول: إن التاجر، و هو الّذي يكون شغله التجارة، و بعبارة اخرى هو الّذي جعل شغله أن يشتري شيئا أو اشياء بقيمة رخيصة حتى يعبيه بقيمة غالية، و كان هذا شغله فهو على قسمين: قسم منه هو الّذي يكون شغله ذلك، و يريد الانتفاع و الفائدة باختلاف الزمان مثل التاجر الّذي يشتري الحنطة مثلا في الصيف، و يريد أن يبيعها في الشتاء، لأنّ قيمتها رخيصة في الصيف و غالية في الشتاء.

و قسم منه هو الّذي يشتري الأجناس و الأشياء بقيمة، و كان وضع كسبه و تجارته أن يشتري بعض الأجناس في بعض البلاد بقيمة رخيصة حتى يبيعها في بلد آخر بقيمة غالية، فيكون نحو انتفاعه باختلاف الأمكنة، لأنه يطلع على قيمة الأجناس في أسواق البلاد، فيدري أن قيمة الشي‌ء الفلاني رخيصة في بلد و غالية في بلد آخر، فيشتري في البلد الّذي تكون قيمته رخيصة لأنّ يبيعه في البلد الآخر الّذي تكون قيمته فيه غالية، و إن اتفق تارة انّه يبيع ما اشترى في بلد في هذا البلد لصيرورة قيمته غالية بالنسبة الى قيمته الّتي اشتراها في هذا البلد، و لكن وضع تجارته و تحصيل النفع منها يكون باختلاف المكان، لا الزمان، و هذا القسم أيضا يتصور على قسمين:

[ذكر اقسام التاجر الّذي يدور فى تجارته]

القسم الأول: أن يكون وضع تجارة التاجر على هذا النحو، و لكن يكون بنائه على اشتراء الاجناس من بلده و إرسالها الى بلد آخر بوسيلة المكاري أو الجمال أو وسائل اخرى، تكون قيمة الاجناس الّتي اشتراها فيها أغلى من قيمة بلده، بدون أن يذهب هو بنفسه مع متاعه و أجناسه، مثلا يشتري الرمان من قم و يرسله الى طهران بوسيلة المكاري، لأنّ يبيعه وكيله او عامله مثلا في الطهران، و هو بنفسه في قم و لم يخرج مع رمّانه الى طهران.

216

القسم الثاني: انّه يشتري بعض الامتعة من بلد و يسوقه الى بلد آخر بنفسه، فهو يذهب مع متاعه من بلد الى بلد آخر لأنّ يبيع في هذا البلد ما اشتراه في بلده و يكون وضع تجارته بهذا النحو، و بنائه على الانتفاع من التجارة بهذا الطريق.

إذا عرفت ما هو المراد من التاجر، و عرفت أقسامه، فما يقع الكلام فيه من هذه الاقسام- فيما نحن بصدده في هذا العنوان، أعني: التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق- الى سوق هو القسم الثاني، من القسم الثاني لأنّ المراد من التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق ليس التاجر الّذي يكون وضع تجارته كما فرض في القسم الأوّل و لا القسم الأول، من القسم الثاني.

لانّ قسم الأوّل يكون وضع تجارته باختلاف الزمان لا المكان، فهو في مكان واحد يريد الانتفاع من تجارته باختلاف الأزمنة.

و القسم الأوّل من الثاني أيضا و إن كان وضع تجارته و الانتفاع منها باختلاف الامكنة، لكن لا يذهب مع متاعه من سوق الى سوق.

فالقابل هو القسم الثاني من القسم الثاني، و هو الّذي أراد الانتفاع من التجارة، و وضعه في تجارته بأن يسوق بنفسه متاعة من سوق بلد الى سوق أخر، و هذا القسم يتصور له أربعة صور.

فتارة يكون وضع تجارة التاجر على أن يشتري شيئا من سوق بلد، ثمّ يخرج الى بلد آخر و يبيعه في سوق هذا البلد، سواء كان سوقه كالأسواق المعمولة في زماننا، أو كالأسواق المعمولة سابقا عند الأعراب، مثل سوق عكاظ، ثمّ يشتري شيئا من سوق هذا البلد و يذهب الى بلد آخر و يبيعه في سوق هذا البلد، و هكذا.

و تارة يكون وضع تجارته بأن يشتري شيئا من سوق بلد و يذهب به الى بلد‌

217

آخر، و يبيعه في سوق هذه البلد، و يشتري متاعا يدري بأن فيه النفع إن ذهب به الى البلد الّذي خرج منه، فيشتري هذه المتاع و يعود الى البلد الّذي خرج منه، و لا يسافر الى بلد ثالث، و كان شغله التجارة بهذا النحو، مثلا يشتري متاعا من قم و يذهب الى طهران فيبيعه، و يشتري متاعا آخر من طهران و يعود الى قم و يبيعه فيه، و هكذا.

و تارة يكون وضعه في التجارة بأن يشترى متاعا أو أمتعة من بلد، و يذهب به الى بلد آخر و يبيعه، و لا يشترى شيئا في هذا البلد للتجارة، بل يعود مجددا الى البلد الأول، و يشتري أيضا متاعا و يذهب به الى ذلك البلد لأنّ يبيعه، و هكذا يكون وضع تجارته بأن يشتري الرمّان من قم و يسوقه بنفسه الى طهران، و يبيعه في سوقه، و يعود الى قم بدون أن يشتري مال التجارة من الطهران، ثمّ يشتري مجددا من قم متاعا و يعود الى طهران لأنّ يبيعه، و يكون بهذا النحو وضعه في التجارة.

و تارة يكون وضع التاجر في التجارة بعكس ذلك بأن يذهب من بلده يشتري من بلد آخر متاعا حتى يعود و يبيعه في بلده، مثلا يخرج من قم و يذهب الى طهران و يشتري متاعا، و يعود و يبيعه في قم بدون أن يسوق بنفسه من قم الى طهران متاعا للبيع في طهران.

لا يبعد أن يكون الظاهر من قوله (عليه السلام) على ما في رواية السكوني (التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق) هو الصورة الاولى من هذه الصور الأربعة، و هو أن يكون وضع تجارته بأن يشتري الأمتعة من بلد، و يسوقه الى بلد آخر و يبيعه، ثمّ يشتري الأمتعة من هذه البلد، و يذهب الى بلد آخر و يبيعه فيه، و‌

218

يشتري فيه أيضا أمتعة لأنّ يبيعها في سوق آخر، فهو يدور في تجارته من سوق الى سوق بدعوى كون الظاهر من سوق الى سوق هو هذا.

و لكن إذا راجعنا الى العرف، و نحاسب بالذوق العرفي نرى عدم الفرق بين هذه الصور الأربعة، بل يصدق على كلها بأنّه تاجر يدور في تجارته من سوق الى سوق.

فإمّا أن يدور في تجارته من بلد الى بلد آخر، و منه الى بلد ثالث، و هكذا كما فرض في الصورة الاولى.

أو يدور في تجارته بأن يسوق متاعا من بلد الى بلد، و يبيعه فيه، و يشتري متاعا آخرا من هذا البلد و يبيعه في البلد الأوّل بعد العود كالصورة الثانية.

أو يدور في تجارته بأن يشترى متاعا و يسوقه بنفسه من بلده الى سوق بلد آخر، و يبيعه و يعود الى بلده، و يشتري مجددا متاعا، و يذهب الى البلد الآخر هكذا كالصورة الثالثة.

أو يدور في تجارته بأن يخرج من بلد، و يدخل في بلد آخر، و يشتري من سوقه متاعا، و يبيعه في بلده، و يكون بهذا النحو وضع تجارته كالصورة الرابعة.

[لا يصدق العنوان بمجرد مرة بل لا بدّ ان يعد شغله]

ففي كل هذه الصور يصح أن يقال: هو تاجر يدور في تجارته من سوق الى سوق، و لا إشكال في عدم صدق هذا العنوان على الشخص بمجرد فعل ذلك مرة، بل لا بدّ و أن يكون بحيث يعد شغله و تجارته الدور من سوق الى سوق، فيدخل على ما مر في هذا العنوان هذه الصور الأربعة.

ثمّ بعد ذلك يقع الكلام في انّه هل يكون العنوان المأخوذ- أعني: التجارة-

219

دخيلا في ثبوت هذا الحكم أعني: عدم وجوب القصر، بل وجوب الإتمام، أم لا يكون دخيلا؟

فإن فرض أن أحدا في شغله و حرفته و صناعته يخرج من بلده الى بلد آخر، و يشتغل بصنعته، و يعود الى بلده، و يكون ذلك شغله و وضع شغله، كالتجار الذين يكون وضع تجارتهم بالخروج من محل الى محل آخر و يشتغل بشغله و يعود الى محله، ثمّ يخرج الى بلد آخر، و هكذا.

فهل يمكن أن يقال بدخول مثل هذا الشخص في العنوان الماخوذ في رواية السكوني، و هو قوله (عليه السلام) (التاجر الّذي يدور) الخ أولا؟

اعلم أن غرضنا هو أن عنوان التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق أولا يشمل التاجر الّذي يكون وضع تجارته باحد انحاء الأربعة المتصورة المتقدمة أم لا، و ثانيا بعد ثبوت وجوب الإتمام لهذا العنوان، فهل يشمل هذا العنوان لمن كان له صنعة و حرفة كالنجار و الخياط أو غيرهما، و كان وضع كسبه بأن يسافر الى محل او محلات، و يعمل عمله، و ينتفع من عمله، و يكون نحو شغله يدور من سوق الى سوق أولا يشمل له، بل يختص بخصوص التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق جمودا على ظاهر العنوان الماخوذ في رواية السكوني.

و بعبارة اخرى مع قطع النظر عن التعليل الوارد في بعض روايات الباب بقوله (عليه السلام) «لأنه عملهم» و مع قطع النظر عن شمول هذه العلة لهذه الصور.

[يشمل عنوان تاجر يدور فى تجارته لصاحب الحرف]

يكون الكلام في أن عنوان «التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق» الوارد في رواية السكوني بعد فرض صحة سندها، هل يشمل لكل هذه الصور الأربعة المتقدمة، و هل يشمل غير التاجر الّذي يكون وضع حرفته و صنعته‌

220

مثل هذا التاجر، أعني يكون في حرفته و صناعته و خياطته يدور من سوق الى سوق؟

بل و هل يمكن أن يقال: بشموله لكل من يشتغل بالسفر بهذا النحو، بأن يذهب من بلده الى بلد آخر و يجي‌ء و هكذا، و لو لم يكن تاجرا، و لا كاسبا، و لا ذي حرفة و صنعة، مثل من يكون بنائه بأن يخرج مثلا من النجف الأشرف الى كربلاء للزيارة، فيكون دائما مشتغل بهذا العمل يذهب و يجي‌ء، و يجي‌ء و يذهب.

أولا يمكن أن يقال بشمول هذا العنوان لهذه الفروض.

اعلم انّه كما قلنا يمكن دعوى شمول هذا العنوان في نظر العرف للصور الأربعة المتقدمة في التاجر الّذي يذهب للتجارة، و إن كان لا يبعد دعوى كون المتبادر من قوله (تاجر يدور في تجارته من سوق الى سوق) لخصوص الصورة الاولى من الصور الاربعة المتقدمة، و لكن العرف يلقى الخصوصية، أعني: خصوصية كون دوره من سوق بلد الى سوق بلد، و منه الى سوق بلد آخر و هكذا، بل يكفي كون دوره من سوق الى سوق اعني: من بلد للتجارة الى آخر، للبيع و الشراء.

و كذلك مثل أصحاب الحرف و الصناعات، فإنهم أيضا يعطون عملهم، و يأخذون بدلا بعنوان المعاوضة أو الاجرة من الأشخاص، فانّهم أيضا داخلون، لعدم الخصوصية في نظر العرف لخصوص التاجر، فيشمل العنوان لكل من يكون تجارته و حرفة و صنعته و كسبه بهذا النحو.

و أمّا غير ذلك، كمن كان عمله ذلك، لكن لا بهذه العناوين مثل من يذهب من النجف الى كربلاء للزيارة و يعود، و هكذا يكون عمله، فشمول هذا العنوان له مشكل، بل نقول بعدم شمول هذا العنوان له، هذا حال هذا العنوان، اعني: التاجر‌

221

الّذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق.

و هنا كلام آخر، و هو أن وجوب الإتمام و عدم وجوب القصر على صاحب هذا العنوان- أعني: التاجر الّذي يدور في تجارته- و من كان بحكمه بعد الغاء الخصوصية، يكون في ما كان ذلك شغل الشخص دائما، أو يكفي في وجوب الإتمام عليه في السفر مجرد كون ذلك شغله و إن كان مرة واحدة، أولا يلزم كون شغله دائما الدور من سوق الى سوق، و إن لم يكف في صدق هذا العنوان عليه وقوعه منه مرة واحدة، و لازم ذلك كفاية ذلك العنوان في وجوب الإتمام بمجرد كون ذلك شغله و لو كان في بعض السنة مثلا ستة اشهر من كل سنة، و لا يعتبر أن يكون مشتغلا بهذا العمل في تمام السنة، أولا يكفي ذلك؟

الاقوى كفاية ذلك لصدق هذا العنوان عليه عرفا و لو في بعض السنة.

[هل يلزم حصول هذه العناوين فى اسفار موجبة للقصر]

الجهة الثالثة: هل يعتبر في هذه العناوين المذكورة في رواية زرارة «المكاري الخ» أن يكون حصول هذه العناوين للشخص في سفر لو لم تكن هذه العناوين يكون القصر واجبا عليه أولا يلزم ذلك، مثلا يلزم أن يكون حصول عنوان المكاراة للمكاري بالسفر الّذي لو لم يوجب الشارع الإتمام على المكاري، كان الواجب عليه القصر، أولا يعتبر ذلك، بل يكفي تحقق عنوان المكاراة و اتصافه بكونه مكاريا على أي وجه اتفق.

و بعبارة أخرى تارة يبني الشخص على المكاراة، و يسافر أسفارا بهذا القصد حتى يقال في حقه كونه مكاريا، و كانت هذه الاسفار الّتي صدرت منه من الأسفار الّتي كان الواجب عليه القصر فيها لو لا عنوان كونه مكاريا، مثل أن يكون سفره في غير المعصية، و مع القصد، و في أزيد من المسافة الشرعية، و هكذا بحيث‌

222

يكون أسفاره جامعة لجميع شرائط القصر غير شرط عدم كونه مكاريا، بحيث لو لم يكن مكاريا يكون الواجب عليه القصر.

و تارة يسافر المكاري أسفارا يحصل له عنوان كونه مكاريا عند العرف، و لكن كانت أسفاره بحيث لا يجب عليه القصر و لو مع قطع النظر عن كونه مكاريا، مثل ما إذا كان سفره في ما دون المسافة، أو بلا قصد، أو في المعصية و كون مكاراته في هذا القبيل من الأسفار.

[ذكر بعض الفروع المربوطة بالمقام]

فهل يعتبر في وجوب الإتمام على المكاري أن يكون حصول هذا العنوان له من قبيل الأوّل.

أو يكتفى في وجوب الإتمام عليه حصول هذا العنوان له و إن كان بنحو الثاني، و يتفرع على ذلك فروع:

الفرع الأول: من يكون مكاريا، و لكن كانت مكاراته في سفر المعصية، مثل أن يكون شغله المكاراة لحمل الخمر مثلا من محل الى محل آخر دائما، و لذا يكون سفره سفر المعصية، فاذا أراد أن يكري دوابه و يعمل عمله في سفر لم يكن معصية فهل يجب عليه القصر في هذا السفر أو يجب عليه الإتمام.

فإن قلنا بأنّه يعتبر في المكاري كون حصول هذا العنوان له في سفر لو لم يكن عنوان المكارة يجب عليه القصر، فلا بدّ من أن يلتزم بوجوب القصر عليه لا الإتمام، لأن في هذا الفرع هذا المكاري بعد كون مكاراته في سفر المعصية لم يكن الواجب عليه القصر لو لا عنوان المكاراة، بل و لو لم يكن مكاريا كان الواجب عليه الإتمام أيضا لكون سفره معصية.

و إن قلنا بعدم اعتبار ذلك، و كفاية حصول عنوان المكاراة للمكاري بأي‌

223

وجه اتفق، فيجب عليه الإتمام، لأنه في هذا السفر مكاريا، و يجب الإتمام على المكاري.

الفرع الثاني: إذا كان حصول عنوان المكاراة للمكاري في المسافة التي لم تبلغ حد المسافة الموجبة للقصر، مثل مكاري الّذي يشتغل بشغل المكاراة في فرسخين أو ثلاثة فراسخ، فهل يجب عليه القصر إذا سافر في عمله- أعني: في المكاراة- الى المسافة البالغة حد القصر، أو يجب عليه الإتمام.

فإن قلنا بلزوم حصول هذا العنوان للمكاري في السفر الّذي يجب عليه القصر لو لا حيث المكاراة، فلا يجب عليه الإتمام، لأنه ليس من مصاديق المكاري الذي يجب عليه الإتمام على هذا.

و إن لم نقل بذلك فيجب عليه الإتمام، لأنه مكار و عمله السفر، و هذا السفر سفر في عمله و السفر عمله.

الفرع الثالث: لو اشتغل المكاري بهذا الشغل، لكن فرض كون اشتغاله بهذا العمل في السفر بلا قصد المسافة الشرعية و إن فرض بلوغه بحد المسافة الشرعية، لكن كان غير قاصد للمسافة الشرعية الموجبة للقصر، ثمّ اتفق أن يسافر في عمله سفرا مع القصد الى المسافة الموجبة للقصر، فهل يجب عليه القصر أو الإتمام؟

يمكن أن يقال: بوجوب القصر عليه بدعوى كون مكاراته قبل هذا السفر في غير السفر الّذي لو لم يكن مكاريا كان الواجب عليه القصر، بل كان شغله في الأسفار لو لم يكن مكاريا لا يجب القصر عليه لعدم كونه قاصد المسافة، و ادعاء كون حصول المكاراة له في الأسفار الّتي لو لم يكن عنوان المكاراة كان القصر عليه لازما في صدق المكاري الّذي يجب عليه الإتمام في السفر.

224

و يمكن أن يقال بوجوب الإتمام عليه في هذا السفر، لكونه مكاريا و قد سافر في عمله، فالسفر عمله، و لا يلزم في صدق المكاري عليه ما قلت.

[هل نقول بالاحتمال الاول او الثانى]

إذا عرفت هذه الفروع الثلاثة.

فنقول: هل نلتزم بأن الإتمام واجب في السفر على المكاري الّذي كان من قبيل الأوّل فقط؟

أو نقول: بعدم لزوم ذلك، بل يكفي كونه مكاريا في وجوب الإتمام عليه في السفر باي وجه حصل هذا العنوان‌

أما منشأ أن يقال بالاحتمال الأوّل فهو تارة بأن يقال: إن الظاهر من عدم وجوب القصر على المكاري و اخواته المذكورة في الرواية، هو كل مكار يكون الواجب عليه القصر في السفر لو لا هذا العنوان، لكون الشرط في المسافر الّذي يكون الواجب عليه القصر لو لا طروّ هذه العناوين، هو عدم كونه واجدا لأحد هذه العناوين، فعلى هذا كل من يجب عليه القصر في السفر لو لا هذه العناوين لا يجب عليه القصر لأجل هذه العناوين، فلا بدّ من كون المراد هو تأثير هذه العناوين في عدم وجوب القصر في ما لو لم تكن هذه العناوين لكان الواجب هو القصر، فمن صار مكاريا في الأقل من المسافة، أو في سفر معصية، أو في السفر الّذي كان غير قاصد فيه الى المسافة مثلا، لا يجب عليه القصر و لو لم تكن هذه العناوين، فلم يكن في هذا السفر الّذي يسافر في عمله على وجه الحلال، أو مع القصد، أو في الأزيد من المسافة الشرعية الإتمام، لأنه لم يكن معنونا في هذا السفر بعنوان المكاري الّذي لا يجب عليه القصر، لكون المراد من المكاري الّذي يجب عليه الإتمام في السفر، هو المكاري الّذي صار مصداقا لعنوان المكاري الّذي لو لم يكن في البين حيث المكاراة‌

225

كان القصر عليه واجبا.

فان كان الوجه في اعتبار كون المكاري الواجب عليه الإتمام كون حصول مكاراته في الأسفار الّتي لو لم يكن عنوان المكاراة لكان الواجب عليه القصر هذا الوجه.

ففيه: إن حصول عنوان المكاراة، و إن كان للمكاري في غير الأسفار الّتي لو لم يكن عنوان المكاراة كان الواجب عليه الإتمام إمّا لكون السفر معصية كالفرع الأول، أو في الأقل من المسافة الشرعية كالفرع الثاني، أو لكونه غير قاصد الى المسافة كالفرع الثالث، و لكن بعد حصول المكاراة مرة و إطلاق المكاري على الشخص، فيقال: إن في هذا السفر الّذي يسافر الشخص في عمله، و يكون السفر واجدا لشرائط القصر لو لا عنوان المكاراة، فهو المكاري و قد سافر في عمله و عمله السفر، فلا وجه لوجوب القصر عليه في هذا السفر، لأنّ في هذا السفر لو لم يكن عنوان المكاراة كان الواجب عليه القصر، و لا نحتاج في وجوب الإتمام و عدم وجوب القصر على المكاري الّا صدق المكاري عليه، و كون سفره واجدا لشرائط القصر لو لا المكاراة، و في ما أنشأ من هذا السفر الجديد يكون كذلك، فيجب عليه الإتمام، فهذا الوجه لا يكفي لاعتبار حصول المكاراة في السفر الواجد لشرائط القصر لو لا المكاراة.

و لكن يمكن أن يقال في توجيه هذا الاحتمال: بأن الظاهر من رواية زرارة و هو عدم القصر على الطوائف الأربعة في سفر كانوا أو حضر، معناه وجوب الإتمام على من يجب عليه القصر لو لا هذه العناوين، لأنّ المستفاد من الرواية هو عدم القصر عليهم في السفر الشرعي، ففي السفر الشرعي- و هو السفر الّذي يجب القصر‌

226

فيه في حد ذاته- اعتبر عدم كون هذا السفر سفر المكاراة و اخواتها، فلازم ذلك وجوب الإتمام عليهم في السفر الّذي لو لم تكن هذه العناوين لكان الواجب على المسافر القصر، ثمّ بعد ذلك علل عدم وجوب القصر عليهم بكونه عملهم، و المراد من مرجع الضمير في قوله «لكونه عملهم» هو السفر المذكور في صدر الرواية، فاذا كان مرجع الضمير السفر المذكور في الصدر، و المراد منه كما قلنا هو السفر الشرعي، فيكون معنى العلة عدم وجوب القصر عليهم لكون السفر الشرعي عملهم، فيكون الحاصل من الرواية انّه إذا كان المكاري عمله السفر الشرعي، فليس عليه القصر بعد حصول هذا العنوان.

فيستفاد ممّا قلنا أن المكاراة إن حصلت في السفر الشرعي و كان عمل الشخص، فيجب عليه الإتمام في سفر كان أو حضر، فاذا حصلت المكاراة في غير السفر الشرعي، و كان عمله غير السفر الشرعي مثل موارد الفروع الثلاثة فلا يجب عليه الإتمام، لعدم كون مكاراته و عملية السفر في الأسفار الشرعية الموجبة للقصر، و في هذا السفر الّذي انشأ منه و إن كان سفرا شرعيا و لكن لم يصر بعد معنونا بعنوان المكاري الواجب عليه الإتمام، هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه الاحتمال الأوّل.

[وجه الاحتمال الثانى كون المستفاد من الرواية صرف المكاراة موجب للاتمام]

و أمّا ما يمكن أن يقال وجها للاحتمال الثاني، و هو عدم اعتبار حصول عنوان المكاراة للمكاري في خصوص الاسفار الشرعية الّتي لو لا عنوان المكاراة كان الواجب عليه القصر، بل يكفي صرف حصول عنوان المكاراة على أي وجه حصل.

فهو أن يقال: بأن المستفاد من الرواية ليس الا وجوب الإتمام على المكاري في سفر كان أو حضر، و على فرض كونه أراد من السفر المذكور في الرواية السفر الشرعي، يكون المراد هو عدم وجوب القصر على المكاري في سفر لو لم يكن‌

227

عنوان المكاراة كان القصر عليه واجبا، لأنّ السفر عملهم، فيعتبر بمقتضى التعليل كون السفر عملهم، و أمّا لزوم صيرورة السفر عملهم و حصول العملية في أسفار لو لم يكن عمل المكاراة لكان القصر عليهم واجبا، و كون تعنونهم بهذا العنوان في خصوص هذا النحو من الاسفار، فلا دلالة في الرواية على ذلك.

و كون مرجع الضمير في قوله «لانه عملهم» السفر الّذي يجب فيه القصر لو لا المكاراة حتى يصير موجبا لأنّ يكون حصول العملية اعني عمل المكاراة، في خصوص هذا القسم من السفر، لا وجه له، لأنّ الضمير راجع الى لفظ السفر المذكور في صدر الرواية، و لو فرض معناه أن يكون السفر الموجب للقصر مع قطع النظر عن المكارة اما لا يلزم أن يكون مرجع الضمير في قوله «لانه» هو السفر بتمام خصوصياته، بل يكون المرجع نفس السفر، و هو أعم من السفر الموجب للقصر و غيره، ففي الفروع الثلاثة يجب الإتمام على المكاري إذا سافر للمكاراة في سفر لم يكن معصية و يكون في ازيد من المسافة و يكون مع القصد.

إذا عرفت هذين الاحتمالين و ما يمكن أن يقال وجها لهما، فما هو الحق في المقام؟ و ما ينبغى أن يقال؟ فهل نأخذ بالاحتمال الأوّل أو بالاحتمال الثاني؟

ثمّ انّه يقع الكلام في جهة اخرى، و هي أن المكاري إذا أقام في بلده أو بلد آخر عشرة أيّام، فهل يجب عليه القصر إذا أنشأ سفرا جديدا بعد هذه الإقامة أم لا؟

[ذكر الاقوال فى المسألة]

أمّا ما نقل من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم):

فالمنقول من ابن ابي عقيل هو انّه لم يجعل المكاري و غيره من جملة مستثنيات حكم وجوب القصر في السفر أصلا.

228

و أمّا غيره فبعضهم قال: بأن المكاري إذا أقام في بلده عشرة أيّام يجب عليه القصر إذا أنشأ سفرا بعد ذلك، بل ادعى بعض الاجماع عليه، و ألحق بعضهم غير بلد المكاري ببلده إذا أقام في غير بلده عشرة أيّام، غاية الأمر اعتبر بعضهم في غير بلده الاقامة مع النية، بمعنى: انّه إذا اقام المكاري في غير بلده عشرة أيّام مع نية الإقامة، فيجب عليه القصر في السفر الجديد الّذي ينشأ بعد الاقامة، و بعضهم لا يعتبر النية، و بعضهم ألحق بعشرة أيّام الاقامة ثلاثين يوما مترددا من انقطاع حكم المكاراة أعني: وجوب الإتمام، و انه يجب القصر إذا سافر بعد ذلك، و بعضهم قالوا بإلحاق العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين يوما باقامة العشرة في بلده.

إذا عرفت هذه الاقوال فنقول:

إنّه روى (1) الشّيخ باسناده عن سعد عن ابراهيم بن هاشم عن ابن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيّام، أو أقل قصر في سفره بالنهار، و أتم صلاة الليل، و عليه صيام شهر رمضان، فإن كان له مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام او اكثر قصر في سفره و أفطر».

و ظاهر المراد من هذه الرواية- بعد كون المراد من كونه (في منزله) أعني: في بلده و وطنه، و كون الظاهر من (او أقل) هو الأقل من خمسة أعني: أربعة أو ثلاثة أو يومين أو يوما، و ما قاله بحر العلوم (رحمه اللّه): من كون المراد (من أقل) هو الأقل من العشرة حتى كان المراد انّه إذا لم يستقر في منزله خمسة، أو أقل من عشرة يعنى ستة‌

____________

(1) الرواية 6 من الباب 12 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

229

أيّام أو سبعة أو ثمانية أو تسعة، خلاف الظاهر- هو أن المكاري إن لم يستقر في منزله و وطنه إلا خمسة أيّام، أو أقل من خمسة أيّام، قصر في سفره بالنهار، و اتم بالليل، و عليه صوم شهر رمضان، و ان كان له مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام و اكثر، قصر في سفره و أفطر، و الظاهر من قوله «البلد الّذي يذهب إليه» هو غير بلده.

فان كنا نحن و ظاهر الرواية، يكون المستفاد منها حكمين:

الحكم الأول: أنّه إذا لم يستقر المكاري في بلده خمسة أيّام أو أقلّ وجب عليه في سفره القصر في الصّلاة النهارية، و إتمام الصّلاة الليلية، يعني: العشاء، و وجوب الصوم عليه، و هذا ممّا لم يقل به احد أعني: لا قائل بالتفصيل بين الصّلاة النهارية فيقول بوجوب القصر فيها و بين الصّلاة الليلية فيقول بوجوب الإتمام فيها، و لا قائل بوجوب الصوم إذا لم يستقر المكاري في منزله إلّا خمسة أيّام أو أقل منها بهذا التفصيل، أعني: لم يكن قائلا بأنّ المكاري إذا أقام في منزله يوما أو يومين الى خمسة له هذا الحكم مع هذا التفصيل.

الحكم الثاني: أنّه إذا كان للمكاري مقام في غير بلده عشرة أيّام أو أكثر وجب عليه القصر و الإفطار في سفره، و الظاهر من عبارة الرواية وجوب القصر و الإفطار عليه في السفر الّذي يذهب فيه الى البلد الّذي يذهب إليه، فتكون إقامة عشرة أيّام من قبيل الشرط المتأخّر لوجوب القصر و الإفطار عليه، لأنّ الظاهر وجوب القصر و الإفطار عليه في السفر الّذي يذهب فيه الى البلد الّذي يذهب إليه.

و يمكن حمل وجوب القصر و الافطار على ما بعد إقامة عشرة أيّام، فيكون المعنى انّه إذا أقام في البلد الّذي يذهب إليه فيجب عليه في السفر الّذي ينشأ بعد‌

230

الإقامة القصر و الافطار عليه، و لكن هذا الحمل خلاف الظاهر، و هذا حاصل ما يستفاد من هذه الرواية في حد ذاتها.

و روى ابن بابويه بسنده (1) عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

المكاري إذا لم يستقر في منزله إلّا خمسة أيّام أو أقل قصّر في سفره بالنهار، و أتمّ الصّلاة الليل، و عليه صوم شهر رمضان، و إن كان له مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر و ينصرف الى منزله و يكون له مقام عشرة أيّام أو اكثر قصر في سفره و افطر». (2)

و هذه الرواية زادت في اشتراط وجوب القصر و الافطار على المكاري شرط آخر، و هو أن يكون له إقامة عشرة أيّام مضافا الى اقامة عشرة أيّام في البلد الّذي يذهب إليه فحاصله اعتبار اقامتين.

[نقل كلام بحر العلوم ره]

الّا أن يقال، كما قال بحر العلوم (رحمه اللّه): بأن واو فى «و ينصرف الى منزله» كان «أو» فيكون المراد انّه اذا أقام عشرة أيّام في البلد الّذي يذهب إليه أو في بلده، يجب عليه القصر و الافطار، و لكن هذا خلاف ظاهر المنقول من الرواية.

و اشكال كون حكم الصدر ممّا لم يقل به أحد و اشكال دخل اقامه العشرة في وجوب القصر و الافطار بنحو الشرط المتاخر يجرى في هذه الرواية أيضا.

مضافا الى أن المستفاد من هذه الرواية، بعد اعتبار الاقامتين في وجوب‌

____________

(1) سند الصّدوق ابن بابويه (قدس سره) الى عبد اللّه بن سنان، على ما ذكر في مشيخته، عن ابيه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن أيوب بن نوح الكوفي عن ابن ابي عمير البغدادي عن عبد اللّه بن سنان.

(2) الرواية 5 من الباب 12 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

231

القصر، هو اعتبار الإقامة في وجوب القصر بنحو الشرط المتقدم بالنسبة الى إقامة العشرة في البلد الّذي يذهب إليه، و اعتبارها بنحو الشرط المتأخر بالنسبة الى اقامة الّتي تحصل في بلده بعد سفره، لأنّ الظاهر من الرواية وجوب القصر بين الاقامتين لا بعد هما. (1)

و رواه الشّيخ في موضع آخر (2) من كتاب التهذيب باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن ابراهيم بن هاشم عن اسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله قال: سألته عن حد المكاري الّذي يصوم و يتم، قال: أيّما مكار أقام في منزله، أو في البلد الّذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيّام وجب عليه الصيام و التمام ابدا، و إن كان مقامه في منزله أو في البلد الّذي يدخله اكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير و الافطار.

و المستفاد من هذه الرواية هو أن السائل كان سؤاله راجعا الى أصل فهم حدّ المكارى الّذي يجب عليه في السفر اتمام الصّلاة و اتيان الصوم، فاجاب عنه، و كان حاصل جوابه هو أن كل مكار اقام في منزله أو في بلد غير بلده اقل من عشرة أيّام فيجب عليه الصيام و اتمام الصّلاة ابدا، و إن كان مقامه في منزله أو في البلد الآخر الذي يدخله اكثر من عشرة أيّام يجب عليه التقصير و الافطار.

____________

(1) اقول: و لكن الظاهر من الشرط و الجزاء إذا كان الجزاء مذكورا بعد الشرط و لم يصرح بتقدمه وجودا على الشرط، هو تاخر الجزاء بحسب الوجود عن الشرط، و وجوب ايجاده بعد حصول الشرط كما يقتضي طبع الاولى في كل شرط و جزاء، و المقام كذلك، لانه قال بعد ذكر الشرط و اعتباره، بوجوب القصر و الافطار كما يرى من ظاهر الرواية، فتأمل. (المقرّر)

(2) الرواية 1 من الباب 12 من ابواب صلاة المسافر من الوسائل.

232

فهذه الرواية سالمة عما كان مورد الإشكال في الروايتين الاوليتين، و ظاهر هذه الرواية بل صريحها عدم الفرق بين إقامة العشرة في بلده و بين غير بلده و كفاية إقامة واحدة، و عدم جوب القصر إذا لم تكن الإقامة ازيد من العشرة.

و إن قيل: إن الفقرة الاولى من الرواية تدلّ على وجوب الإتمام في الاقل من العشرة، و الفقرة الثانية تدلّ على وجوب القصر في صورة إقامة ازيد من العشرة، فحكم نفس العشرة غير مذكور في الرواية، لأنّ الرواية تعرضت لاقل منها و لأزيد منها.

نقول: بأنّ عدم التعرض لنفس العشرة، و بيان الاقل منها و الاكثر منها، لعله كان من باب ندرة اتفاق كون المقام في نفس العشرة لا انقص منها و لا ازيد منها، بل غالبا يكون المقام إمّا الأقل منها أو الأكثر، فتعرض لحكم الغالب، و يستفاد حكم نفس العشرة أيضا، لأنّ بعد الحكم بكون المقام في الاقل من العشرة موجب للاتمام، و كانت الفقرة الثانية في الحقيقة مفهوم الفقرة الاولى، فيكون المعنى: انّه يجب على المكاري القصر إذا أقام في بلده أو غير بلده عشرة أيّام و أكثر.

[ادعى بحر العلوم كون الروايات الثلاثة رواية واحدة]

ثمّ إنّه إذا عرفت حال هذه الروايات الثلاثة، و مقدار دلالتها، و الكلام الراجع إليها، فنقول: إن بحر العلوم (رحمه اللّه) ادعى القطع بكونها رواية واحدة.

و ما يخطر بالنظر البدوي قبل التأمل، و إن كان هو الظن بكونها رواية واحدة و أن عبد اللّه بن سنان راوي الرواية، سمعها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، غاية الأمر الراوي عنه تارة كان يونس بن عبد الرحمن، و تارة يكون ابن ابي عمير لانّهما سمعا الرواية عن عبد اللّه بن سنان، و الرواية الثالثة الّتي يكون في سندها يونس عن بعض رجاله و لم يذكر المعصوم الّذي يروي الرواية عنه، يكون المراد من بعض رجاله أيضا‌

233

عبد اللّه بن سنان، و المعصوم المضمر فيها يكون أبا عبد اللّه (عليه السلام) خصوصا مع كون جل روايات يونس بن عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سنان.

و لكن بعد ما نرى من الاختلاف بين الرواية الثالثة و بين الاولى و الثانية لاشتمالهما على حكم غير مذكور في الرواية الثالثة، و هو وجوب القصر في خصوص الصّلاة النهارية و الإتمام في الصّلاة الليلية يعنى: العشاء، و وجوب الصوم على من أقام في بلده خمسة أيّام و أقل من ذلك، و الحال أن مقتضى الرواية الثالثة وجوب الاتمام مطلقا، و وجوب الصوم على مطلق المكاري الّذي أقام في بلده أقل من عشرة أيّام، فمع هذا الاختلاف فالالتزام بكون هذه الروايات رواية واحدة بعيد جدا.

ثمّ بعد ذلك نقول: بأن في المقام يكون كلاما في الروايات على تقدير كونها رواية واحدة، و كلاما على تقدير كونها روايات ثلاثة، نذكر بعد ذكر دلالتها.

[بيان المستفاد من الروايات]

و أمّا دلالتها فقد عرفت بطريق الاختصار ان الرواية الاولى تدلّ على وجوب القصر في الصّلاة النهارية، و الإتمام في الليلية، و وجوب الصوم إذا كانت إقامة المكاري في بلده خمسة أيّام أو أقل، و هذا ممّا لا قائل به بين الفقهاء بهذا النحو، اعنى: بالتفصيل بين صلاة النهار و بين صلاة الليل، و الصوم في خمسة أيّام و اقل اعني: في أربعة أيّام أو ثلاثة أيّام أو يومين أو يوم واحد، و يدلّ ذيلها على وجوب القصر على المكاري في السفر و الافطار اذا أقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام أو اكثر، مع ما قلنا من أن الصدر بيّن حكم المنزل و الذيل راجع الى حكم غير بلده، و ما قلنا من أن سياق العبارة يقتضي كون إقامة عشرة أيّام شرطا متأخرا لوجوب القصر و الافطار.

234

و رواية الثانية صدرها يكون مثل صدر الرواية الاولى و يستفاد منه ما يستفاد منه، و ذيلها أيضا مثل ذيلها غاية الأمر اعتبر في ذيلها الاقامتين في وجوب القصر و الافطار لا إقامة واحدة.

إلّا أن يقال: بكون الرواية في مقام بيان حكم المكاري الّذي كان دأبه في المكاراة على نحو يقيم عشرة أيّام في بلده و يسافر، و يقيم في البلد الّذي يسافر إليه عشرة أيّام ثمّ يرجع الى وطنه و هكذا، فتكون الرواية من قوله «و ان كان له مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام أو اكثر و ينصرف الى منزله و يكون له مقام عشرة أيّام أو اكثر قصر في سفره و افطر» بيان لهذا الحكم.

فيكون المراد من هذه العبارة و إن كان للمكاري مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام أو اكثر و ينصرف الى منزله، و يكون له مقام عشرة أيّام أو اكثر اعني: يكون وضع مكاراته بالاقامة عشرة أيّام او اكثر في بلده و البلد الّذي يذهب إليه، فيجب عليه القصر و الافطار، فعلى هذا تكون هذه الرواية معترضة لهذا الحكم، لا أن تكون في مقام بيان وجوب القصر و الافطار على المكاري إذا اتفقت له اقامتان، فلا يرد على هذه الرواية اشكال باعتبار الاقامتين حتى يقال لا قائل باعتبار الاقامتين في وجوب القصر و الافطار، مضافا الى انّه على تقدير دلالتها على اعتبار الاقامتين فهي معارضة مع الروايتين الآخرتين على تقدير عدم كون هذه الروايات الثلاثة رواية واحدة.

و أمّا الرواية الثالثة: فهي سليمة من الإشكال الوارد على صدر الرواية الاولى و الثانية لعدم وجود ما في صدر الروايتين من التفصيل فيها، و عدم كون صدرها متعرضا لبلده و ذيلها للبلد الّذي يذهب إليه، و لم يكن فيها الإشكال في‌

235

الأزيد من خمسة أيّام الى عشرة أيّام، و أن ما بينها داخل في حكم الخمسة و أقل، أو في العشرة و اكثر، بل هذه الرواية تدلّ على أن الإقامة في البلد أو في البلد الّذي يذهب إليه إن كان أقل من عشرة يجب الإتمام، و إن كانت الإقامة في بلده أو في غير بلده اكثر من عشرة يجب القصر و الافطار.

[في ذكر الاحتمالان في هذه الرواية]

و يحتمل في هذه الرواية احتمالان:

الاحتمال الاوّل: أن يقال، كما قلنا في الرواية الثانية، من احتمال كون الرواية متعرضة لحكم أصل المكاري الّذي يجب عليه الإتمام، لا باعتبار اسفاره بل باعتبار أصل نحو مكاراته، و أن السؤال راجع الى أن المكاري الّذي يكون موضوع حكم وجوب الاتمام في السفر هو أي مكار من اقسام المكاري، و كان جواب الامام (عليه السلام) راجعا الى أن كل مكار يكون في مكاراته دائما على أن يتوقف في بلده أو البلد الّذي يذهب إليه أقل من عشرة أيّام فهو موضوع لحكم الإتمام في السفر، و اى مكار يكون دابه في هذه الحرفة الإقامة عشرة أيّام او اكثر في بلده، أو البلد الّذي يذهب إليه، فهو خارج عن موضوع حكم المكاري، و يكون الواجب عليه القصر و الافطار في السفر، فعلى هذا الاحتمال يكون السؤال و الجواب راجعا الى كل مكار يكون بنائه دائما على الإقامة اكثر من عشرة أيّام أو أقل، فالاول يجب عليه القصر، و الثاني يجب عليه الإتمام.

و هذا الاحتمال و إن كان مؤيّدا بقوله في الرواية «ابدا» بعد قوله «وجب عليه الصيام و التمام» لأنّ الظاهر هو وجوب الاتمام و الصيام عليه ابدا، و يجب الصيام و التمام على المكارى ابدا إذا كان دابه هو الإقامة مطلقا أقل من عشرة أيّام في منزله أو في البلد الّذي يذهب إليه، فمن هنا نكتشف كون السؤال و الجواب راجعا الى من‌

236

يكون وضع مكاراته على الاقامة أقل من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله، فيجب عليه الإتمام و الصيام، و من يكون وضع مكاراته على الاقامة اكثر من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله، فيجب عليه القصر و الافطار، و الحاصل كون «ابدا» قرينة على كون السؤال و الجواب عن حد المكاري، و الجواب عمن يكون وضعه دائما على النحوين المذكورين في الرواية.

و لكن يبعّد هذا الاحتمال لسان الرواية بمقتضى التعبير فيها «ايما مكار أقام في منزله أو في البلد الّذي يدخله أقل من عشر أيام وجب عليه الصيام و التمام ابدا» الدال على ان المكاري إذا اقام في منزله او في البلد الّذي يدخله أقل من عشرة أيّام وجب عليه الصيام و التمام ابدا، فيجب عليه هذا الاحتمال على من يكون بنائه الاقامة دائما في بلده أو البلد الّذي يدخله أقل من عشرة أيّام الصيام و الإتمام، و يقتضي هذا الحكم بمنطوقه و مفهومه انّه إذا كان بناء المكاري على الإقامة أقل من العشرة في بلده يجب عليه الإتمام و الصيام و إن كان أقامته في البلد الّذي يدخله اكثر من العشرة، و كذلك من يقيم في البلد الّذي يدخله اقل من العشرة يجب عليه الإتمام و الصيام و إن كان مقامه في بلده اكثر من عشرة أيّام.

و هذا الحكم المستفاد من المنطوق و المفهوم من هذه الفقرة مناف و معارض مع الفقرة الاخرى لأنّ ظاهر لفظ (أو) الواقع في الفقرة الاولى في قوله «في منزله أو في البلد الّذي يدخله» هو أن صرف الاقامة في احد من بلده و البلد الّذي يدخله أقل من عشرة أيّام موجب للاتمام و الصيام و لو كان أقامته في الآخر اكثر من العشرة، و هذا مناف مع ما يستفاد من الفقرة الاخرى من الرواية من أن إقامة المكاري اكثر من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله موجب للقصر و الافطار و‌

237

إن كانت إقامته في الآخر أقل من عشرة أيّام.

إلّا أن يقال بكون (أو) الوارد في الرواية بمعنى «واو» و هو خلاف الظاهر، فما قلنا من الإشكال مبعّد لكون مدلول الرواية هو الاحتمال الأوّل.

و أمّا الاحتمال الثاني: في الرواية فهو أن يقال: بأن السؤال في الرواية راجع الى فهم حد المكاري باعتبار كل سفر و سفر صدر منه، و بعبارة اخرى راجع الى السؤال عن المكاري، لا من حيث أصل مكاراته و وضعه في هذه الحرفة كما قلنا في الاحتمال الأول، بل من حيث اسفار المكاري و وضع عمله أعني: ما يعتبر في عمله من حيث اسفاره الصادرة منه بحيث يكون السؤال من حيث كل سفر و سفر صدر منه لا بما هو مرتبط بسائر اسفاره، بل باعتباره مستقلا.

و بعبارة اخرى يكون السؤال و الجواب راجعا الى أن كل سفر يصدر من المكاري إذا كان صدوره و انشائه باى نحو، يجب عليه الإتمام، و إذا انشأ بأى نحو يجب عليه فيه القصر، فقال (عليه السلام) في مقام الجواب عن هذا الحيث بما يرجع كلامه الى أن المكاري إذا أقام في منزله أو أقام في البلد الّذي يدخله أقل من عشرة أيّام وجب عليه الإتمام في السفر بمعنى أن كل سفر من المكاري يكون منشأ سفره و صدوره منه بعد مقامه أقل من عشرة أيام سواء كان من منزله أو من البلد الّذي يدخله، فيجب عليه الإتمام في هذا السفر، و إذا كان منشأ سفره و صدوره من بعد إقامة عشرة أيّام سواء حصلت هذه الاقامة في بلده أو في البلد الّذي يدخله، فيجب عليه في هذا السفر الناشئ منه بعد إقامة العشرة القصر و الافطار.

فالسؤال و الجواب راجع الى انّه بعد كون المكاري في كل سير محتاجا الى مكث و اقامة لا بدّ منها إمّا في بلده أو البلد الّذي يدخله، لاجل قضاء حوائجه‌

238

الراجعة الى المكاراة من أخذ الأمتعة الّتي أراد أن يسوقها و من تحويل الأمتعة جاء بها، فإن كان هذا المكث أقل من عشرة فيجب عليه الإتمام و إن كان أكثر من عشرة فيجب عليه القصر، فعلى هذا يكون التعبير بلفظ «أو» غير مناف مع هذا البيان و لم يكن تعارض بين الفقرة الاولى و الثانية.

لأنّه على هذا الاحتمال يكون المعنى أن المكاري إذا انشأ سفرا بعد إقامته في بلده أو في البلد الّذي يدخله أقل من عشرة أيّام، فيجب عليه الإتمام، و هذا غير مناف مع الفقرة الثانية الدالة على أن المكاري إذا انشأ سفرا بعد إقامة عشرة أيّام في بلده او البلد الّذي يدخله يجب عليه التقصير في هذا السفر، فيكون المعنى أن سفره إذا كان بعد اقامة اكثر من العشرة ففي هذا السفر يجب عليه القصر، و إذا كان بعد اقامة أقل من العشرة فيجب عليه الإتمام، فالصدر غير مناف مع الذيل، و يكون لفظه او أيضا غير مناف لهذا الاحتمال كما قلنا. (1)

____________

(1) أقول: و لا يخفى عليك انّه مع ما قلنا من الاحتمال الأوّل في الرواية، يمكن دفع الإشكال الّذي استشكله سيدنا الأستاذ- مدّ ظلّه- على هذه الاحتمال من أجل التعبير بلفظ «أو» بأن المراد من الفقرة الاولى من الرواية على هذا الاحتمال، هو أن كل مكار يكون وضع مكاراته بأن يقيم في بلده أو في البلد الّذي يدخله أقل من العشرة و وضع مكاراته هكذا على الدوام، فيجب عليه الإتمام و الصيام، و المراد من الفقرة الثانية هو أن كل مكار يكون وضعه في المكاراة على الدوام باقامة اكثر من العشرة في بلده او البلد الّذي يدخله، فيجب عليه القصر و الافطار فلا ينافي الصدر مع الذيل اعني: الفقرة الاولى مع الثانية بمناسبة التعبير بلفظ (أو) كما افاده مدّ ظلّه

لأنه بعد ضم الذيل الى الصدر نفهم أن المراد من الصدر هو غير مورد الذيل و المراد من ذيل هو غير مورد الصدر، فتكون النتيجة أن المكاري إذا أقام في بلده أو البلد الّذي يدخله أقل من-

عشرة أيّام وجب عليه الإتمام و الصيام إلّا إذا كانت إقامته في احدهما اكثر من العشرة مثلا، إذا أقام في بلده أقل من العشرة و لكن أقام في البلد الّذي يدخله اكثر من عشرة أيّام أو العكس، فيجب عليه القصر بعد ضم الذيل بالصدر، و في ما أقام في واحد من بلده أو البلد الّذي يدخله أقل من العشرة و لم يقم في الآخر منهما اكثر من العشرة يجب عليه الإتمام و الصيام.

فليس على هذا اشكال في الرواية لاجل التعبير بلفظ (أو) و يؤيد هذا الاحتمال كما افاده مدّ ظلّه التعبير بقوله (أبدا) لأنّ الإتمام يجب ابدا على من يكون وضعه دائما على الإقامة في بلده أو البلد الّذي يدخله أقل من العشرة حتى كان الواجب عليه الإتمام و الصيام أبدا، و إلا مع الاحتمال الثاني فلا يجب عليه الإتمام أبدا، لأنه إذا أقام اكثر من العشرة بعد ذلك في بلده او في البلد الّذي يدخله فيجب عليه القصر لا الإتمام.

فالتعبير بلفظ (أو) مناسب مع الاحتمال الأول، و لكن لا فرق في النتيجة بين الاحتمالين، لأنه على كل من الاحتمالين تكون الإقامة الزائدة من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله موجبا لوجوب القصر و الافطار في السفر الّذي ينشأه المكاري بعد ذلك، أمّا على الاحتمال الثاني فواضح، و أمّا على الاحتمال الأوّل فلأنه و إن كانت الرواية في مقام بيان حكم من يكون وضعه في المكاراة على الإقامة اكثر من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله، و لكن نفهم أن ما هي العلة لوجوب القصر هو الاقامة اكثر من العشرة، فكلما حصلت الإقامة اكثر من العشرة يجب القصر و الافطار في السفر بعد تلك الإقامة على المكاري.

اللهم إلّا أن يقال: بأن الرواية على الاحتمال الأوّل متعرضة لكل مكار يكون وضع مكاراته دائما كذلك، فلا تعرض للمكاري الّذي يتفق له الإقامة اكثر من عشرة اتفاقا مرة في بلده أو البلد الذي يدخله.

و يمكن أن يقال: بأنّه بعد كون الاقامة لو كانت اكثر من العشرة مانعا عن وجوب الاتمام في السفر على المكاري، أو عدمها شرطا في حكم الإتمام الثابت للمكاري، لأنّ ما يكون علّة لوجوب القصر هو الإقامة إذا كانت اكثر من العشرة، فكلما حصلت العلة يجب القصر و الافطار، فمن يتفق من افراد المكاري له الاقامة اكثر من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله، يجب عليه-

239

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

240

إذا عرفت ما بينا لك من كون هذه الرواية دالة على أن المكارى إذا أقام في بلده أو البلد الّذي يدخله اكثر من عشرة أيّام، يجب عليه القصر في السفر الصادر منه بعد ذلك، و إذا أقام أقل من العشرة يجب عليه الصيام و الاتمام.

[القدر المتيقن فى مقام العمل هو الرواية الثالثة]

فان كانت الروايات رواية واحدة، فالقدر المتيقن ممّا يمكن الاخذ به هو مفاد هذه الرواية لعدم الاشكال في متنها، بخلاف الرواية الاولى و الثانية، و لعدم اشتمالها على حكم غير المفتى به عند الفقهاء (رضوان اللّه عليهم).

و أمّا إن قلنا بكون كل منها رواية مستقلة، كما لا يبعد بالنظر، لبعد كون الرواية الثالثة متحدة معهما مع الاختلاف الفاحش بينهما من حيث المتن، و لا يبعد أن يكون بعض رجال يونس الّذي يروي عنه الرواية الثالثة غير عبد اللّه بن سنان، فعلى هذا نقول يقع التعارض بين الرواية الثالثة و بينهما، لأنّ منطوق الثالثة و مفهومها يدلّ على أن في صوره اقامة الاقل من العشرة يجب الإتمام مطلقا في النهارية، و في الصّلاة الليلية و يجب الصيام، فإن ذلك مفاد منطوق صدرها و مفاد مفهوم ذيلها، و أمّا الاولى و الثانية فهما تدلّان على أن في صورة إقامة الخمسة أو أقل يجب على المكاري القصر في الصّلاة النهارية، و الإتمام في الصّلاة الليلية، و يجب عليه الصيام.

فيقع التعارض بينها في الخمسة و أقل منها لأنه على مقتضى الرواية الثالثة يجب الإتمام و الصيام، و على الاولى و الثانية يجب القصر في الصّلاة النهارية فقط، و يجب الإتمام في الصّلاة الليلية و يجب الصيام «و الجمع الدلالي و إن امكن في حدّ‌

____________

- القصر و الافطار، و عليك بالتأمل في ما قلت لعدم جزمي بذلك، بل ابداء احتمال في هذا الباب. (المقرّر).

241

ذاته بينهما بان يخصص الرواية الثالثة في خصوص الخمسة و أقل بالروايتين، إلّا انّه لا يمكن الالتزام بهذا الجمع لعدم عامل به» فبعد عدم امكان الجمع و وقوع التعارض إمّا أن يقال: بترجيح الثالثة لانها و إن كانت مرسلة و مضمرة، و لكن بعد عمل الاصحاب بها يكون ضعفها منجبرا بعملهم، مضافا الى انّه يمكن أن يدعى عدم كونها مضمرة، بل بعد ما يكون بناء الروات في كتبهم على ذكر المعصوم (عليه السلام) الذي تروى عنه روايات في أول كتبهم، ثمّ بعد ذلك يقولون و يعبرون في صدر كل رواية (و سألته الى آخر) ما يروون عنه (عليه السلام) من الروايات، فيمكن أن يكون بعض رجال يونس أيضا ممّن له كتاب كان وضعه كذلك، ثمّ بعد ذلك صار تقطيع الروايات من بعض من كان متأخرا، أو عدم بلوغ كتاب يونس إلينا سببا لأنّ يتوهم بكون الرواية مضمرة، و على أي حال لا يضر ارسالها و اضمارها بعد عمل الاصحاب بها.

ففي مقام التعارض لا بدّ من الاخذ بها مضافا الى ما يوهن الرواية الثانية و الاولى من اشتمالهما على ما لم يفت به أحد من الفقهاء (عليه السلام)، فيجب على هذا على المكاري الإتمام إذا أقام أقل من العشرة في بلده او البلد الّذي يدخله، و إن أبيت عن ترجيح الثالثة في مقام التعارض عليهما نقول: يقع التعارض بينها و تسقط الثلاثة، فلا بدّ من الرجوع الى العام الفوقاني، و هو ما يدلّ على وجوب الإتمام على المكاري في السفر خرج منه المكاري الّذي أقام في بلده أو البلد الّذي يدخله العشرة أو اكثر من العشرة، و يبقى الباقي تحت العموم، فيجب الإتمام مطلقا و الصيام على المكاري في السفر الّذي ينشأ منه بعد إقامة الاقل من العشرة، هذا حال أصل المسألة‌

[ذكر الفرع الاول]

ثمّ أن هنا فروعا:

الفرع الأوّل: انّه بعد ما قلنا من وجوب القصر على المكاري الّذي اقام في‌

242

بلده، أو بلد الّذي يدخله عشرة أيام أو اكثر في السفر الّذي يصدر منه بعد هذه الاقامة، فهل يعتبر في وجوب القصر و الإفطار عليه أن تكون إقامته في بلده أو البلد الّذي يدخله مع النية بمعنى انّه إذا أقام عشرة أيّام أو اكثر مع النية يجب في السفر الصادر منه بعد ذلك القصر و الافطار، أو لا يعتبر كون الإقامة مع النية لا في بلده و لا في البلد الّذي يدخله؟

أو نقول بالتفصيل بين الإقامة في بلده و بين الإقامة في البلد الّذي يدخله فنقول بعدم اعتبار النية في الأوّل و اعتبارها في الثاني.

اعلم أن من راجعنا كلماتهم من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) لم نر من الشّيخ و غيره تعرضا لاقامة المكارى فى غير بلده أصلا الى زمان المحقق (رحمه اللّه)، بمعنى انّه قبل المحقق و العلّامة (رحمه اللّه) كل من رأينا من الفقهاء نرى انّه افتى بوجوب القصر على المكارى إذا أقام في بلده عشرة أيّام أو أكثر، و لم يتعرضوا لغير بلده أصلا، و أول من رأينا انّه تعرض للإقامة في غير البلد هو المحقق ره و العلّامة، و ظاهر كلامهما هو اعتبار النية في الإقامة في غير البلد، و عدم اعتبارها في البلد.

ثمّ إنه بعد هما يوجد في الفقهاء من قال: باعتبار النية في البلد و البلد الّذي يدخله المكاري، و من قال بعدم اعتبار النية في كليهما، و من قال بالتفصيل.

فهل نقول: بعدم اعتبار النية في كليهما جمودا على ظاهر الرواية، لأنّ ظاهر الرواية عدم اعتبار النية في كليهما.

أو نقول: باعتبار النية في كليهما، لأنه بعد عدم امكان الالتزام بكفاية صرف إقامة عشرة في غير بلده في موجبيتها لوجوب القصر في السفر الناشئ منه بعد ذلك، لعدم صيرورته، بصرف الاقامة بلا قصد، خارجا عن كونه مسافرا و عن‌

243

كون السفر عمله، فنقول باعتبار النية في الاقامة في البلد أيضا بقرينة السياق، كما ينسب ذلك الى النجيبية، لأنّ ظاهر الرواية كون إقامة العشرة في البلد و في البلد الّذي يدخله بوزان واحد موضوعا لوجوب القصر على المكاري في السفر الّذي ينشأ بعد هذه الاقامة.

أو نقول بالتفصيل بينهما بأن الظاهر هو عدم دخالة النية في الإقامة في البلد، لأن الشخص متى يكون في بلده لم يعد مسافرا و المكاري أيضا كذلك، فهو متى يكون في بلده لم يكن مسافرا و لم يكن السفر عمله، فعلى هذا بمجرد الإقامة عشرة أيّام و لو كان بلا قصد في بلده، فهو خارج عن المكاري الّذي يكون السفر عمله، لأنّ المكاري يجب عليه الإتمام من باب كون السفر عمله، و من يكون في وطنه ليس السفر عمله، فعلى هذا بمجرد الإقامة يجب عليه القصر في السفر الناشئ عنه بعد ذلك سواء كانت إقامته عن قصد أو بلا قصد.

و أمّا في غير بلده فالمكاري متى لم يقصد الإقامة عشرة أيّام فيه فهو مسافر في السفر الّذي يكون السفر عمله، و لذا يجب عليه الإتمام لكونه في السفر الّذي يعدّ عملا له، فكيف يمكن أن يقال انّه متى يكون في هذا البلد بلا قصد الإقامة و إن أقام عشرة أيّام يجب عليه الإتمام لكون السفر عمله بعد، و لكن إذا سافر بعد هذه العشرة يجب عليه القصر لخروجه ممّن يكون السفر عمله بمجرد إقامة العشرة، فعلى هذا لا بدّ و أن يقال: بأن إقامة العشرة في البلد الّذي يدخله إذا كان مع القصد و النية يجب القصر على المكاري في السفر الناشئ منه بعد ذلك من باب انّه مع القصد يكون هذا البلد مثل وطنه، فيخرج بسبب ذلك عن كونه مكاريا الواجب عليه الإتمام في السفر لكون السفر عمله، فلهذا يقال بالتفصيل بين البلد فلا تعتبر النية و بين غير البلد‌

244

فتعتبر النية.

إذا عرفت ذلك نقول: أمّا الالتزام باعتبار النية و القصد في كليهما فبعيد، مضافا الى كونه خلاف ظاهر الرواية، لأنّ دخالة القصد في ذلك الحكم في ما يكون المكاري في بلده ممّا لا نفهم له وجها، لأنّ المكاري متى يكون في بلده و وطنه عشرة أيّام أو اكثر فلا يعدّ عند العرف كونه في السفر الّذي يكون عمله، بل هو في وطنه و حكم الإتمام بعد ما كان من اجل عملية السفر له، فهو متى يكون في وطنه لا يعد في السفر فيجب عليه بعد تلك الإقامة القصر في السفر، لأنّ هذه الإقامة انسلخته عن عملية السفر، فلا يمكن الالتزام بدخل القصد في الإقامة في البلد.

كما أن الالتزام بعدم دخل القصد في الإقامة في كليهما أيضا بعيد، لأنّ الالتزام بكون نفس إقامة عشرة أيّام في البلد الّذي يدخله و إن كان بلا قصد يوجب القصر في السفر بعدها مشكل لما قلنا من أن المكاري و لو أقام عشرة أيّام بلا قصد فهو مسافر في السفر الّذي عمله و لذا يجب إذا لم يقصد الإقامة الاتمام عليه.

فما يرجح بالنظر من هذه الاحتمالات هو التفصيل بعدم اعتبار القصد في صورة الإقامة في بلده، و اعتبار القصد في صورة الإقامة في غير البلد لموجبيتها للقصر و الافطار لما قلنا وجهه.

[ذكر الاشكال و دفعه]

و إن قيل: إن ذلك مناف مع السياق الرواية، لأنّ ظاهر الرواية دخالة الإقامة في كل منهما لانهما بوزان واحد، فكيف يمكن التفكيك بينهما.

فنقول: بانا لم نتصرف في ذلك الحيث في الرواية، بل نقول: بأنّه مع كون ظاهر الرواية غير متعرض لاعتبار القصد في كليهما، و لكن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي لأنّ يكون القصد غير دخيل في بلده و دخيلا في البلد الّذي يدخله.

245

بيانه أن ما نفهم من كون إقامة العشرة موجبة للقصر على المكاري في السفر الذي ينشأ منه بعد ذلك، ليس لخصوصية في المكاري، بل يكون هذا الحكم من باب كون الإقامة مانعة من تحقق وصف كون السفر عملا للمكاري و أن إقامة العشرة في بلده مانعة عن حصول وصف عملية السفر له، و الشخص متى يكون في بلده و وطنه و مقيما فيه لم يتحقّق له وصف عملية السفر له، و المقام في الوطن مانع من حصول هذا العنوان له بمقتضى الرواية، فمناسبة الحكم و الموضوع تقتضي كون نفس إقامة العشرة في بلده مانعا عن حصول وصف العملية له، لأنّ المقيم يكون في وطنه فهو بنفسه مانع لتحقق وصف العملية سواء قصد الإقامة في العشرة أولا، فلأجل ذلك لا يعتبر في ثبوت حكم وجوب القصر و الافطار للمكاري في السفر الصادر منه بعد إقامة عشرة أيّام في بلده القصد على الإقامة.

و أمّا في غير بلده فبعد كون البلد و وطن المكاري مانعا عن حصول وصف عملية السفر له، فمتى يكون مسافرا لا يخرج عن اتصافه بكون السفر عمله، و لكن إذا قصد إقامة عشرة أيّام أو اكثر في غير بلده، فيصير غير البلد كالبلد، و يمنع حصول إقامة العشرة مع القصد عن تحقق عنوان كون السفر عمله، فيجب عليه القصر في السفر الناشئ منه بعد ذلك، فمناسبة الحكم و الموضوع في غير البلد تقتضي كون الإقامة مع القصد؛ لأنّ إقامة عشرة أيّام لا تمنع عن تحقق وصف العملية، و اخراج المكاري عن كونه مسافرا في السفر الّذي يكون السفر عمله إلّا إذا كانت مع القصد.

فالحكم بالتفصيل يكون من باب فهم ذلك من مناسبة الحكم و الموضوع، لا من باب التصرف في ظهور الرواية و تقييدها في مورد البلد الّذي يدخله بالقصد، بل مفاد الرواية ليس الا كون الإقامة في بلد المكاري، و البلد الّذي يدخله مانعا عن‌

246

وجوب الإتمام في السفر الناشئ بعدها عن المكاري، و لكن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي عدم اعتبار القصد في الاقامة في بلده، و اعتبار القصد في البلد الّذي يدخله، هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه التفصيل.

أو أن يقال: هنا أصلا بعدم كون إقامة العشرة في البلد الّذي يدخله المكاري موجبة للقصر، سواء كانت مع قصد هذه الاقامة أو بلا قصد، لأنّ بعد كون المدرك في المسألة مرسلة يونس أعني: الرواية الثالثة «إمّا من باب ترجيح المرسلة على الرواية الاولى و الثانية في مقام التعارض، و إمّا من باب اضطراب متن الرواية الاولى و الثانية و ما كان فيهما من الاشكال» و قلنا في مقام جبر ضعف سندها بأن عمل الاصحاب جابر لضعفها.

فيقال: إن ما به عمل الاصحاب، كما قلنا، الى ما قبل زمان المحقّق ليس إلّا العمل على بعض الرواية، و هو خصوص إقامة العشرة في بلده، فاوجبوا القصر في السفر الناشئ من المكاري بعد إقامة العشرة في بلده، فعلى هذا لم يكن عمل من القدماء الى زمان المحقق على طبق الجزء الآخر من الرواية، و هو الاقامة في البلد الذي يدخله، فبعد كون الرواية مرسلة و ضعيفة السند، ففي مقدار ما انجبر منها بعمل الفقهاء يمكن العمل به لكون الرواية بالنسبة الى هذا المقدار منجبرة بعمل الاصحاب، و في غيره فلا، فنتيجة ذلك هو الفرق بين الاقامتين، بأن المكاري إذا أقام عشرة أيّام أو اكثر في بلده فيجب القصر و الافطار عليه في السفر الّذي يصدر منه بعدها، و أمّا إذا أقام في البلد الّذي يدخله فلا دليل على وجوب القصر و الافطار عليه.

فهل نلتزم بذلك؟ أو يقال: بأنّه كيف يمكن الالتزام بانجبار الرواية و صحتها‌

247

في جزء منها و ضعفها في جزئها الآخر.

و على كل حال الحكم بوجوب القصر و الافطار على المكاري في السفر الناشئ منه بعد إقامة العشرة أو اكثر في البلد الّذي يدخله، و خصوصا إذا كانت إقامته بلا قصد، مشكل مع عدم ذكر لها من الشّيخ (رحمه اللّه) و غيره من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) الى زمان المحقق و العلّامة (رحمه اللّه).

فنقول: في صورة الاقامة في غير بلده و خصوصا إذا كانت الإقامة عشرة أو اكثر بلا قصد العمل بالاحتياط بين القصر و الإتمام، فافهم.

[ذكر الفرع الثاني و الثالث]

الفرع الثاني: بعد ما عرفت من أن المكاري إذا أقام في بلده أو البلد الّذي يدخله على الكلام فيه عشرة أيّام أو اكثر يجب عليه القصر و الافطار، يقع الكلام في أن هذا الحكم هل يكون مخصوصا بالمكاري، كما هو مقتضى الجمود على ظاهر الرواية، لكون مورد الرواية خصوص المكاري، أو لا يكون مختصا بالمكارى، لأنّه بعد عدم كون خصوصية للمكاري حتى يكون من باب كونه مكاريا موردا لهذا الحكم، و عدم كون المكاراة دخيلة في اثبات هذا الحكم، بل العرف يفهم بأن هذا الحكم لم يثبت له إلّا من باب كون السفر عمله، فكل من يكون السفر عمله يكون هذا الحكم ثابتا له، فظاهر الرواية و إن كان في خصوص المكاري و لكن بمفهوم الموافقة اعنى: تنقيح المناط القطعي، نحكم بأن هذا الحكم ثابت لكل عنوان من العناوين الّتي يكون السفر عمله.

الفرع الثالث: بعد فرض كون إقامة العشرة او أكثر في بلده، أو البلد الّذي يدخله موجبة للقصر و الافطار، فهل يعتبر في هذه الإقامة أن تكون إقامة عشرة أيّام متصلة بمعنى: أن المكاري إذا أقام هذا المقدار متصلا في بلده بحيث لم يتخلل‌

248

بينها فصل بالخروج عن البلد، يجب عليه القصر أو لا يعتبر الاتصال؟

أعلم أن ما يظهر من بعض الفقهاء هو عدم اعتبار ذلك.

فبعضهم قال: بأن المكاري إذا أقام في بلده و توقف يوما، ثمّ خرج الى مسافة أقل من مسافة القصر فتوقف يوما فيها، ثمّ رجع الى البلد فهذا اليوم المتخلل غير مضر باقامته في البلد، و يحسب هذا اليوم جزء من العشرة.

و بعضهم قال: بأن هذا اليوم الّذي خرج فيه الى المسافة الّتي تكون أقل من المسافة الشرعية لم يحسب من العشرة، و لكن تخلل ذلك اليوم لا يضر بالاقامة في البلد بمعنى: انّه إن أقام في البلد عشرة أيّام و إن تخلل بينها خروج يوم، فلا يضر بصدق الإقامة.

و الّذي ينبغي أن يقال: هو أن ظاهر الرواية يدلّ على أن إقامة العشرة أو الاكثر في البلد توجب القصر، فكيف يقال بمن أقام في بلده و غير بلده انّه أقام عشرة أيّام في بلده؟ لأنّ الظاهر من إقامة العشرة هو الإقامة المتصلة، فعلى هذا بمجرد خروجه الى مسافة و ان كانت أقل من المسافة الشرعية بين العشرة، خرج عن كونه مقيما في بلده عشرة أيّام، فلا وجه للقولين الاولين أعني: قول من قال بأن الخروج الى أقل من المسافة الشرعية يوما لا يضرّ بصدق الإقامة، بل يحسب هذا اليوم أيضا جزء من العشرة، و قول من قال بعدم حساب ذلك اليوم جزء الإقامة، و لكن لا يضر الخروج يوما بالاقامة عشرة أيّام في البلد الّذي أقام فيه، لما قلنا من أن ظاهر الرواية موجبية اقامة عشرة أيام أو اكثر متصلة في خصوص بلده أو البلد الّذي يدخله للقصر و الافطار، و الا فلا.

و أمّا الخروج الى حد الترخص فهو بعنوان حد الترخص لا ينبغي أن يقع‌

249

مورد الكلام، بل ما يمكن أن يقال: إن الخروج الى بعض توابع البلد في يوم أو بعض يوم مثلا في ضمن العشرة لا يضر بصدق الإقامة إذا كان عند العرف هذا الموضع الذي خرج إليه يحسب من توابع البلد بحيث يصدق عندهم بأنّه مع خروجه الى هذا الموضع مقيم في البلد، و إلا يكون مضرا بالإقامة فافهم.

[ذكر الفرع الرابع]

الفرع الرابع: لا اشكال في أن بعد إقامة المكاري عشرة أيّام أو اكثر في بلده أو البلد الّذي يدخله يجب القصر و الافطار في السفر الأوّل الّذي يصدر منه بعد تلك الإقامة، فهل يجب عليه القصر بعد ذلك في السفر الثاني و الثالث حتى يصير مجددا معنونا بعنوان كون السفر عمله.

و بعبارة اخرى هل إقامة العشرة تخرج المكاري عن عنوان عملية السفر حتى يكون وجوب الإتمام عليه في السفر بعد الإقامة موقوفا على تجدد هذا العنوان له بعد ذلك، و لازم ذلك هو عدم كفاية سفر الأوّل بعنوان المكاراة لتعنونه بهذا العنوان، بل يلزم سفران أو اسفار ثلاثة حتى يصدق عليه عنوان كون السفر عمله.

أو يجب عليه الإتمام في غير السفر الأول، لأنّ السفر الأوّل هو القدر المتيقّن من الرواية، و أمّا غير السفر الأوّل فشمول الحكم له غير معلوم. (1)

____________

(1) أقول: اعلم انّه و إن لم يتعرض سيدنا الأستاد- مد ظله- في هذا المقام لما افاده سابقا و لكن أقول: بأنّه على مبناه من كون ظاهر الرواية هو بيان حد المكاري باعتبار كل سفر من اسفاره بحيث يلاحظ كل سفر من اسفاره مستقلا، و أن السؤال و الجواب في الرواية راجع الى أن المكاري يكون وضعه في اسفاره على نحوين.

فتارة ينشأ السفر بعد إقامة عشرة أيّام أو اكثر، فيجب في هذا السفر القصر و الافطار عليه.

و تارة ينشأ سفره بعد إقامة أقل من العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله، فيجب عليه في-

250

و اعلم انّه- مد ظله- تعرض في مجلس البحث في يوم البعد لما قلته: بأن ما ينبغي أن يقال في المقام، مع ما قلنا من كون السؤال و الجواب راجعا الى بيان حد المكاري باعتبار كل سفر من اسفاره، و انّه في كل سفر صدر منه بعد إقامة العشرة في بلده أو البلد الّذي يدخله يجب عليه القصر و الافطار، و في كل سفر صدر منه بعد إقامة الاقل من العشرة يجب عليه الصيام و اتمام، فنقول في هذا الفرع بأنّه يجب القصر في خصوص السفر الأوّل، لأنّ هذا السفر هو السفر الّذي انشأ المكاري بعد‌

____________

- السفر الصادر منه بعدها الإتمام و الصيام، فعلي هذا نقول في المقام: بأنّه إذا أقام المكاري في بلده أو البلد الّذي يدخله عشرة أيّام أو اكثر فيجب عليه في خصوص السفر الصادر منه بعد ذلك القصر و الافطار لا في اسفاره الأخرى، بل في السفر الثاني إذا كان قبله أقام في بلده أو البلد الذي يدخله اقلا من العشرة يجب عليه بمقتضى صدر الرواية الإتمام، لكون سفره صدر من إقامته أقل من العشرة.

فعلى هذا لم تكن حاجة الى اتعاب النفس بأن القدر المتيقن من ثبوت وجوب القصر بعد إقامة العشرة أو اكثر هو السفر الأول، و فيما بعد ذلك لو شككنا في انّه هل يجب القصر أو الإتمام يقال بوجوب الإتمام تمسكا بالعموم الدال على وجوب الإتمام على المكاري في السفر، بأن يدعى أن هذا الحكم تخصيص لهذا العموم، و القدر المتيقن من التخصيص هو السفر الأوّل.

لأن الأمر إذا بلغ الى هذا المقام فلا يتم المطلب، و لا يمكن الالتزام بوجوب الإتمام في السفر الثاني بهذا الوجه، لأنّ ظاهر الرواية هو الحكومة حيث (قال: سألته عن حد المكاري الّذي يصوم و يتم) و هذا أوضح افراد الحكومة، فعلى هذا بعد ضم دليل الحاكم أعني: هذه الرواية الى المحكوم و هو العموم الدال على وجوب الإتمام على المكاري، فتكون النتيجة هو أن موضوع المكاري الّذي يجب عليه الإتمام من رأس هو المكاري الّذي كانت اقامته في بلده أو البلد الّذي يدخله اقلا من العشرة، و من كانت إقامته اكثر من العشرة فهو خارج موضوعا عن حكم المكارى الواجب عليه الاتمام، فبعد خروجه موضوعا فدخوله ثانيا محتاج الى انطباق عنوان المكاري الّذي عمله السفر له ثانيا، فقبل ذلك لا يجب عليه الإتمام، و لو فرض الشّك فالمرجع هو العموم الفوقاني و هو وجوب القصر على المسافر، فتأمل. (المقرّر).