تبيان الصلاة - ج1

- السيد حسين البروجردي المزيد...
259 /
251

اقامته عشرة أيّام، و أمّا في الاسفار الاخر فكل سفر انشأ بعد الإقامة اقل من العشرة فيجب عليه الإتمام لدلالة الرواية على ذلك.

[ذكر الفرع الخامس]

الفرع الخامس: بعد ما ثبت وجوب الافطار و القصر على المكاري بعد اقامة العشرة أو اكثر في خصوص السفر الأوّل الصادر منه بعدها، فهل يكون هذا الحكم ثابتا في السفر الأوّل مطلقا سواء كان بحسب الزمان هذا السفر قصيرا، مثل أن يسافر للمكاراة من بلده الى بلد كانت مدته يوما أو يومين، أو كان سفرا متعارفا بحسب المعمول في المكارة، و سواء كان على غير هذا النحو، مثل ما إذا سافر للمكاراة و طال زمانه، بأن تكررت منه المكاراة و هذا العمل من مكان غير بلده الى مكان آخر، مثل أن يخرج للمكاراة من بلده و يدخل بلدا و يحول المتاع الّذي جاء به، ثمّ اخذ متاعا آخر لأنّ يسوقه الى بلد آخر و هكذا، و في هذه المدة كان هذا المكارى في سفر واحد، و لكن كان مشتغلا بشغل المكاراة و لم يرجع الى بلده، أو يكون الحكم مخصوصا بالصورة الاولى بحيث يقال بعدم شمول وجوب القصر للصورة الثانية.

اعلم انّه بعد دلالة الرواية على وجوب القصر و الافطار في السفر الأوّل، فلا يبعد شمول الحكم للسفر الأوّل على أى وجه اتّفق، لأنّه لا وجه لدعوى اختصاص قوله في الرواية «قصر في سفره و افطر» للسفر الّذي يكون قصيرا بحسب الزمان، و يكون متعارف اسفار المكاري، بأن يسافر للمكاراة من بلده و يحمل متاعا الى بلد آخر و يرجع مع متاع أو بلا متاع الى بلده، بل يشمل السفر الأوّل على أي وجه اتفق، فاذا سافر بعد الاقامة للمكاراة فمتى لم يرجع الى وطنه و بلده فهو في السفر الأول، و إن كان مشتغلا في ضمن هذا السفر الواحد بالمكاراة من بلد الى بلد آخر و‌

252

هكذا، فعلى هذا لا يبعد شمول الحكم للسفر الأوّل على اي وجه اتّفق.

[ردّ كلام السيد (رحمه اللّه) فى العروة الوثقى]

و بناء على ما قلنا في هذا المقام من شمول حكم القصر للسفر الأوّل بعد الإقامة كائنا ما كان يظهر لك ما في دعوى السيّد (رحمه اللّه) في العروة الوثقى في طيّ ذكر مناط كون السفر عملا للمكاري في أصل المسألة، و قوله «و المدار على صدق اتخاذ السفر عملا له عرفا و لو كان في سفرة واحدة لطولها، و تكرر ذلك منه من مكان غير بلده الى مكان آخر، فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات أو مرّتين» قال بعد ذلك «فمع الصدق في اثناء السفر الواحد أيضا يلحق الحكم، و هو وجوب الإتمام نعم، إذا لم يتحقّق الصدق إلا بالتعدد يعتبر ذلك».

لأنّه بعد كون القصر واجبا على المكاري في السفر الّذي ينشأ بعد إقامة العشرة في بلده مع حصول وصف المكاراة له قبل تلك الإقامة، فكيف يمكن أن يقال بوجوب الإتمام عليه في السفر الأوّل الّذي يكون مشتغلا فيه بالمكاراة و يسافر بهذا العنوان و إن طال هذا السفر، و لا جل ذلك قلنا في حاشيتنا على العروة في هذا المقام أن «وجوب القصر في السفر الأوّل مطلقا لا يخلو من قوة».

و إن قلت: إن الحكم بوجوب القصر في هذا المقام تعبّد استفيد من رواية يونس، فلا وجه لأنّ يقاس بهذا أصل المسألة و يقال بعدم وجوب الإتمام على المكاري في السفر الأوّل الّذي يشرع في العمل بالمكاراة فيه حتى مع الصدق عرفا بكون السفر عمله لطول السفر.

فنقول: بأنّه بعد حكم الشارع على من يكون مكاريا بأنّه مع اقامة عشرة أيّام أو اكثر يجب القصر عليه مع كونه مكاريا و صيرورته متلبسا بالمكاراة، فالأولوية القطعية تحكم بأن الشخص لم يصر معنونا بعنوان المكاراة بمجرد خروجه‌

253

من وطنه بالسفر الأوّل و إن طال السفر، فكان ما قلنا من باب الاولوية القطعية.

ثمّ إنه بعد ما قلنا من وجوب الإتمام في السفر على المكاري و اخواته المذكورة في الرواية لاجل الروايات مع تفصيل و شرح منا في هذه المسألة و ما ينبغى أن يقال في هذا المقام. يقع الكلام في ما ذكر (1) العلّامة في التذكرة بعد عنوان المسألة، و جعل أحد الشرائط في وجوب القصر عنوان (أن لا يكون سفر المسافر اكثر من حضره) فإنه في الفرع ه‍ مع ما قال في صدر البحث من كون الشرط (أن لا يكون سفره اكثر من حضره) قال ما يكون حاصله راجعا الى انّه هل يشمل حكم المكاري و ساير العناوين المذكورة في الروايات لغيرها ممّن يكون مثلهم من كون سفرهم اكثر من حضرهم أم لا؟ و يظهر من كلامه الإشكال في شمول حكم الإتمام لغيرهم. (2)

و يظهر من المحقّق (رحمه اللّه) في المعتبر (3) أيضا انّه خص حكم الإتمام بخصوص هذه العناوين المنصوصة، لأنّه بعد ذكر كلام من يقول بكون الشرط هو (أن يكون سفره اكثر من حضره) و الإشكال فيه بأن لازم ذلك وجوب الإتمام على من يكون شغله المكاراة في كل شهر عشرين يوما، و يتوقف في بلده عشرة أيام، و الحال أن من أقام في بلده عشرة أيّام يجب عليه القصر في السفر بعد المقام، و بعد قوله بأن الشرط هو أن لا يكون ممّن يجب عليه الإتمام انّه تعرض لخصوص هذه العناوين، و لم يذكر حكم الإتمام لغير هذه العناوين ممّن يكون مثلهم.

____________

(1) التذكرة، ج 4، ص 393، مسئلة 633

(2) التذكرة، ج 4، ص 395، فرع ه‍

(3) المعتبر، ص 252، الشرط الرابع

254

فهل نقول باختصاص وجوب الإتمام في السفر على خصوص العناوين المذكورة في الروايات كالمكاري و اخواته؟ أو نقول بشمول الحكم لغيرهم يكون مثلهم في كون السفر عملهم، و كونه مثلهم شغلا مثل سائق السيارات في هذا العصر.

[يشمل الحكم لكل من كان مثل هذه العناوين]

لا يخفى عليك أن شمول حكم الإتمام لكل من يكون مصداقا لكون السفر عمله، و يكون مثل العناوين المذكورة ممّا لا إشكال فيه «و ان كان هناك كلام آخر فيما هو المراد من كون السفر عمله» كسائق السيارات حتى انّه لو لم تكن العلة المذكورة في الرواية يمكن دعوى شمول حكم الإتمام الثابت للمكاري و اخواته لمن يكون مثلهم فمن يكون مثلهم، في كون السفر عمله داخل تحت هذا الحكم و إن لم يصرح به في الرواية، لانّه بعد ما يرى العرف عدم دخالة خصوص عنوان المكاري لصيرورته موضوعا لهذا الحكم، فبالغاء الخصوصية يحكم بشمول الحكم لغيره و إن لم يكن مورد النص، فعلى هذا لا إشكال في كون من يكون مثل هذه العناوين كسائق السيارات يكون مثل هذه العناوين في كون الواجب عليه الإتمام في السفر إذا كان السفر عمله، فافهم.

ثمّ إنّه بعد ما قلنا من انّه لا بدّ من البحث في العناوين المذكورة في رواية زرارة، و العلة المذكورة فيها من جهات قد أمضينا الكلام فيها، و نعطف عنان الكلام فعلا، بطريق الاختصار لفهم حاصل ما قلنا في المقام، الى ما ينبغي أن يقال في هذه الجهة.

فنقول بعونه تعالى: إن العناوين المذكورة في روايات الباب كانت عشرة.

و بعد استثناء الامير الّذي يدور في إمارته، و الجابي الّذي يدور في جبايته، و التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق الى سوق لما قلنا في التاجر، و لأنّ الامير و‌

255

الجابي الكذائي لا يأتي بالنظر أن يكون وضعهما هو السير و السفر دائما، لعدم تعارف كون امير ناحية في السفر في ناحيته دائما، و كذا الجابي، و هذه الثلاثة مما ورد وجوب الإتمام عليهم في خصوص رواية السكوني، فغاية ما يمكن أن يقال في حقهم الإتمام هو في ما يكون وضع الامير أو الجابي أو التاجر على السفر دائما، بحيث يكون ذلك عملهم حتى يصدق أن الامير يدور في إمارته و الجابي يدور في جبايته و التاجر يدور في تجارته من سوق الى سوق، لأنّ معنى الدور هو انّه يكون في كل يوم في مكان من امكنة إمارته أو جبايته أو تجارته.

و بعد عدم فهم ما هو المراد من الاشتقان لما قلنا من عدم معلومية ما هو المراد منه، و بعد كون الاعراب أعني: البدوي أيضا خارجا، لأنّ وجوب الإتمام عليهم يكون لأجل علّة اخرى و هو كون بيوتهم معهم، و بعد استثناء الراعى قسما منه كما قلنا لا يجب عليه الإتمام، و هو من يرعى الدواب في أقل من المسافة، و قسما منه داخل في البدوي و هو من يرعى الاحشام و الاغنام و ليس له محل و منزل، بل كل يوم يكون في محل و يكون وضعه وضع البدوي.

فتبقى أربعة: المكاري، و الجمال، و الكري.

و هو من يكري نفسه، و لعل المراد منه هو البريد، لأنه يكري نفسه لارسال الكتب.

و الملاح لا مطلقا، بل بعض اقسامه لأنه قلنا من أن وضع بعض اقسامه يكون كوضع البدوي.

[فى المراد و ما هو مناط وجوب الاتمام]

فهذه الاربعة بالنحو الّذي قلنا يجب عليهم الإتمام في السفر لكون السفر عملهم، إنما الكلام في المراد منهم و ممّا هو مناط وجوب الإتمام عليهم.

256

فنقول: إن الناس بعد ما كانت دواعيهم غالبا في اختيار الأمور من الحرف و الصنائع و المشاغل، هو الدنيا اعني: يكون وجه حركتهم و إقبالهم الى الأمور جهات الدنيوية، و تنظيم أمور معاشهم من هذه الطرق، فتكون المشاغل المتخذة شغلا على نحوين:

النحو الأوّل: أن يكون وضع الشغل و الحرفة على الإقامة و الحضر، بحيث يكون الوضع الطبيعي للمشتغل بهذا الشغل الكون في الوطن، و لا حاجة فيه الى السفر أصلا، و لو احتاج تارة الى السفر فهو خارج عن وضعه الطبيعي، و من ذلك الزراعة و نظائرها من المشاغل.

النحو الثّاني: أن يكون وضع الطبيعي لهذا الشغل على السفر، بحيث يكون بماله من وضعه في حد ذاته موقوفا على المسافرة، و لو احتاج اتفاقا الى الإقامة في الوطن كان ذلك خارجا عن وضعه الطبيعى، و من ذلك شغل المكاراة و شغل الجمال و الملّاح و سائق السيارات، لأنّ هذه المشاغل بوضعها الطبيعي محتاجة الى السفر لحصول هذه الحرف و المشاغل في المسافرة، بل لا موضوع لهم إلّا في السفر بحيث لا يكون وقوف صاحب هذه المشاغل في الوطن إلّا على غير وضع الطبيعى، و على نحو الحركة القصرية، و يكون عيشهم و نشاطهم في السفر.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّه بعد التأمل في هذه العناوين أعني: المكاري و الجمال و الكري و الملّاح، يرى أن ما هو الملاك في وجوب الإتمام عليهم في السفر ليس إلا حيثية موجودة فيهم فهم متفقون في الواجدية لهذه الحيثية، و هو أن هذه المشاغل من جملة المشاغل الّتي تكون بوضعها الطبيعي موقوفة على السفر، لكونها أعمالا و مشاغل متحصلة في السفر و إن كان بينها فرق في أن المكاري يكري‌

257

الدواب، و الجمال يكري الجمال، و الكري يكري نفسه، و الملاح يكري السفينة، و لكنهم متحدون في كون مشاغلهم من المشاغل الّتي قوامها بالسفر، فعلى هذا لا يأتى بالنظر من صيرورتهم موضوعا لوجوب الإتمام في السفر إلّا لواجديتهم لهذا الحيث أعني: حيث كون الوضع الطبيعي في شغلهم هو السفر، و بهذا البيان يمكن أن يحمل قوله (عليه السلام) «لأنّه عملهم» اعني: وجوب الاتمام عليهم يكون لاجل كون السفر عملهم، لأنّ الوضع الطبيعي في عملهم و شغلهم هو السفر، فعملهم عمل في السفر و السفر عملهم، و لا نفهم من العلة إلّا ما قلنا.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن مقتضى وجوب الإتمام على هذه العناوين الأربعة مع العلة المذكورة، هو أن كل من كان عمله ممّا يكون بوضعه الطبيعى متقوم بالسفر، بحيث يكون الشغل مقتضيا في حدّ ذاته أن يقع في السفر، و لذا يكون الوقوف في الوطن على صاحب هذه المشاغل غير الوضع الطبيعي كما ترى أن المكاري تكون إقامته في محله على غير الوضع الطبيعي، و لذا يكون نشاطه بالسفر و حظه بأن يوجد له متاع يحمله من محل الى محل آخر، و إذا وقف في بلده أو غير بلده لعدم وجود ما يشتغل به، يحصل له الكدورة، بخلاف من يكون وضعه الوقوف في الوطن فإن أمره بالعكس فإن السفر فيه الكلفة و المشقة و نشاطه بالوقوف في الوطن.

فنقول نحن ندور مدار ما بينّا من كون المناط في وجوب الاتمام عليهم مع ضم العلة هو أن كل من يشتغل بشغل يكون وضعه الطبيعى السفر في حد ذاته، فهو مصداق لموضوع حكم وجوب الاتمام، و يجب عليه في السفر الإتمام، و إلّا فلا.

فعلى هذا نقول: إن المكاري و الجمال و الكري داخل و الملاح في صورة داخل في موضوع هذا الحكم، و كذا كل من يكون مثلهم و إن لم يكن مذكورا في‌

258

الرواية كسائق السيارات في عصرنا الحاضر فإنه أيضا مثلهم لكون السفر عمله بالمعنى المتقدم.

و أمّا من كان مشتغلا بشغل لا يكون مقتضى وضعه الطبيعي أن يقع في السفر، و ليس في حد ذاته عملا سفريا في مقابل عمل الحضري، مثل المحصل الّذي بنى على الخروج من وطنه الى بلد للتحصيل، و دائما يذهب الى هذا البلد و يخرج، فإنه و إن كان بنائه على السفر و كثر سفره، و لكن حيث لا يكون تحصيل العلم بوضعه الطبيعي ممّا يوجب وقوعه في السفر من أجل شغله بالسفر.

أو الكاتب الّذي بنى على أن يخرج دائما الى بلد للتحرير و الكتابة، ثمّ يعود الى منزله و هكذا فهو أيضا مثل المحصل، و كذا من بنى على أن يخرج للزيارة دائما مثلا من بغداد الى كربلاء، فهو و إن كثر سفره و لكن لا يشمله الحكم، لعدم كون وضعه الطبيعي على السفر من أجل شغله السفر.

[لا يلزم كون سفر المكارى لاجل النفع]

و ممّا قلنا ظهر لك انّه لا يلزم أن يكون وجوب الإتمام في ما كان سفر المكاري مثلا لاجل الاستفادة و تحصيل النفع، لما قلنا من أن ذلك من قبيل الداعي لهم، بل يكفي كون الشغل بوضعه الطبيعي السفر و في السفر و ان كان داعي الاشخاص باتخاذ هذه المشاغل هو النفع، فبناء على هذا لو سافر المكاري لاجل أن يحمل أهل بيته يجب عليه الإتمام، و أيضا لو سافر تارة و حمل متاعا مجانا الى بلده.

و ظهر لك أيضا انّه ليس مرادنا من هذا البيان في كون السفر عملهم أن يكون ذلك حرفة لهم، بأن يكون المراد من العمل هو الحرفة، بل المراد هو كون السفر عملهم لما يكون شغلهم من وضعه الطبيعي، فكل شغل يكون بوضعه الطبيعي السفر فيجب على شاغله الإتمام.

259

و ظهر لك ممّا مرّ أن الضابط في وجوب الاتمام عليهم ليس كون السفر اكثر من الحضر، بحيث يكون الواجب الإتمام على من يكون سفره اكثر من حضره و إن كان ذلك لاجل التحصيل مثلا، و لا ما اعتبروا في مقام ذكر هذا الشرط بأن الشرط أن لا يكون المسافر كثير السفر، لما قلنا من عدم وجوب الإتمام على مطلق كثير السفر.

تمّ بحمد اللّه و منّه الجزء الاول من كتاب تبيان الصّلاة المشتمل على مباحث صلاة الجمعة و المسافر الى احكام قواطع السفر‌