تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
455

و هذه كلها حدود المشعر و ليست بموقف الا عند الزحام و ضيق الوقت فيرتفعون الى المأزمين و يعتبر فيه قصد القربة (1).

____________

وادي محسر الى المأزمين» (1) و منها غيرها (2). و هذه الروايات تحدد مكان الوقوف بالمشعر طولا من المأزمين الى وادي محسر، و أما عرضا فهي ساكتة عنه، و المرجع في تحديده الخبرة من أهل البلد هناك، ثم أن حدود المزدلفة خارجة عن الموقف إلّا عند الزحام و ضيق الوقت، و تنص عليه موثقة سماعة، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): اذا كثر الناس بجمع، و ضاقت عليهم، كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى المأزمين» (3) و موثقته الأخرى، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): اذا كثر الناس بمنى، و ضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون الى وادي محسر، قلت: فاذا كثروا بجمع و ضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال:

يرتفعون الى المأزمين، قلت: فاذا كانوا بالموقف و كثروا و ضاق عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون الى الجبل، وقف في مسيرة الجبل، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته يقفون الى جانبها فنحّاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيها الناس انه ليس موضع اخفاف ناقتي بالموقف، و لكن هذا كله موقف، و أشار بيده الى الموقف، و قال:

هذا كله موقف، فتفرّق الناس و فعل مثل ذلك بالمزدلفة- الحديث» (4) فالنتيجة ان وادي محسّر موقف عند الاضطرار و ضيق الموقف بسبب الزحام أو غيره، كما أن الصعود على الجبل في عرفات موقف عند الضيق و الاضطرار.

(1) تقدم أن المعتبر في صحة كل عبادة المسماة باسم خاص المميز لها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 4.

(2) راجع الوسائل: الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر.

(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 11 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 4.

456

[مسائل]

[مسألة 372: إذا أفاض الحاج من عرفات فالأحوط أن يبيت ليلة العيد في المزدلفة]

(مسألة 372): إذا أفاض الحاج من عرفات فالأحوط أن يبيت ليلة العيد في المزدلفة و ان كان لم يثبت وجوبها (1).

____________

شرعا أمور:

الأول: نية القربة. الثاني: قصد الاخلاص في مقابل الرياء. الثالث: قصد اسمها الخاص.

و هذه الأمور الثلاثة لا بد أن تكون مقارنة لكل أجزاء العبادة، لا بمعنى أن لا تتقدم عليها، بل بمعنى أن لا تتأخر عن أول جزء من اجزائها، على تفصيل تقدم. و في المقام لا بد أن يكون الوقوف في المزدلفة بنية القربة و الاخلاص و قصد اسمه الخاص، بأن يقول: اقف بالمشعر الحرام من طلوع الفجر الى طلوع الشمس لحج التمتع من حجة الإسلام قربة الى اللّه تعالى خالصا لوجهه الكريم، و اذا كان نائبا ذكر اسم المنوب عنه، و اذا كان الحج مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام.

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه). نعم ذهب جماعة الى وجوب البيتوتة في المزدلفة، و استدلوا عليه بمجموعة من الروايات.

منها: الروايات البيانية الحاكية لفعل النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كقوله (عليه السّلام): «و أتى به المشعر الحرام فصلى به المغرب و العشاء الآخرة باذان واحد و اقامتين، ثم بات بها حتى اذا صلّى الصبح» (1).

و الجواب أن فعله (صلّى اللّه عليه و آله) لا يدل على اكثر من محبوبية ذلك شرعا و استحبابه، و لا يدل على الوجوب.

و منها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال: و لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة» (2) بتقريب أنها تنهى عن تجاوز الحياض ليلة العيد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من ابواب اقسام الحج، الحديث: 35.

(2) الوسائل: الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

457

[مسألة 373: يجب الوقوف في المزدلفة من طلوع فجر يوم العيد الى طلوع الشمس]

(مسألة 373): يجب الوقوف في المزدلفة من طلوع فجر يوم العيد الى طلوع الشمس (1)، لكن الركن منه هو الوقوف في الجملة، فاذا وقف مقدارا ما بين الطلوعين و لم يقف الباقي و لو متعمدا صح حجّه و ان ارتكب محرما.

____________

و معنى ذلك وجوب المبيت فيها.

و الجواب انها لا تدل على أن النهي عن التجاوز عن الحياض انما هو لوجوب المبيت في المشعر، اذ كما يحتمل ذلك، يحتمل قويا أن يكون النهي عنه من أجل أن لا يفوت عنه الموقف، حيث إن خروجه عن المشعر و دخوله في منى قد يؤدي الى تفويت الموقف عنه، هذا. اضافة الى أنه لا يدل على وجوب كون الحاج متواجدا في الليل بالمزدلفة، و انما يدل على أن الخروج منه غير جائز إذا دخل فيه، و لا ملازمة بين الأمرين، اذا يمكن حينئذ أن يبيت الحاج في الطريق بين عرفة و المزدلفة.

و منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اصبح على طهر بعد ما تصلّى الفجر فقف إن شئت قريبا من الجبل، و إن شئت حيث شئت- الحديث» (1) بدعوى أن وجوب الإصباح على طهر في المزدلفة يدل على أنه بات فيها.

و الجواب انه لم يفرض في الرواية كونه أصبح في المزدلفة و هو على طهر، فان المفروض فيها أنه أصبح على طهر، و هو يصدق على من دخل فيها وقت طلوع الفجر و هو على طهر.

فالنتيجة ان الصحيحة لا تدل على وجوب المبيت فيها، و انما تدل على كونه متواجدا فيها من الصبح، اي من طلوع الفجر، و حينئذ يجوز له أن يؤخر وصوله الى المزدلفة عامدا و ملتفتا الى طلوع الفجر، و لا شي‌ء عليه.

(1) لا شبهة في أصل وجوب الوقوف بين الطلوعين في المزدلفة و لا كلام‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

458

..........

____________

فيه، و انما الكلام في تحديد ذلك سعة و ضيقا، و مبدءا و منتهى.

اما بحسب المبدأ، فالظاهر من الروايات وجوب الوقوف و التواجد فيها من طلوع الفجر بعد صلاته الى طلوع الشمس. و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: أصبح على طهر بعد ما تصلّي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل، و إن شئت حيث شئت- الحديث» (1).

بتقريب أن مفادها وجوب الوقوف بعد صلاة الفجر. ثم ان ظاهرها اعتبار الطهارة في الوقوف، و لكن لا بد من حملها على الأفضلية بقرينة الروايات الدالة على عدم اعتبارها في مناسك الحج غير الطواف و صلاته. فالنتيجة ان الصحيحة تدل على وجوب كون الحاج متواجدا في المشعر حين طلوع الفجر، و يكفي في ذلك وصوله اليه في هذا الحين، و لا يلزم أن يكون من الليل.

و أما بحسب المنتهى فالمعروف و المشهور بين الأصحاب وجوب الوقوف فيه الى طلوع الشمس، و عدم جواز الافاضة منه قبل طلوعها، و قد استدلوا عليه بصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) «قال: اصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر، فقف ... الى أن قال: افض حيث يشرق لك ثبير و ترى الإبل مواضع اخفافها» (2) بتقريب أن اشراق ثبير الذي هو جبل بمكة كناية عن طلوع الشمس. و لكن بازائها روايات أخرى تنص على جواز الافاضة قبل طلوع الشمس بقليل.

منها: موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت ابا إبراهيم (عليه السّلام) أي ساعة احب إليك أن أفيض من جمع، قال: قبل أن تطلع الشمس بقليل، فهو أحب الساعات إلي، قلت: فان مكثنا حتى تطلع الشمس، قال: لا بأس» (3).

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 15 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

459

..........

____________

و منها: صحيحة معاوية بن حكيم، قال: «سألت ابا إبراهيم (عليه السّلام) أي ساعة احب إليك أن نفيض من جمع، فقال: قبل أن تطلع الشمس بقليل فهو أحب الساعات إليّ، قلت: فان مكثت حتى تطلع الشمس، قال: لا بأس» (1) فانهما تنصان على جواز الإفاضة من المشعر قبل طلوع الشمس بقليل، و عدم وجوب الوقوف و البقاء فيه الى أن تطلع الشمس.

و دعوى: أن الافاضة هي الشروع في التحرك نحو منى عن المشعر، و هو لا يلازم جواز الخروج منه قبل طلوع الشمس، باعتبار أن الشروع فيه إلى أن يصل منتهى المشعر يستلزم فترة من الوقت، و لا سيما اذا كان في الطريق زحام.

مدفوعة: أما اولا: فلأن معنى الافاضة عن شي‌ء هو الخروج منه، و ليس معناها الشروع فيه، و من هنا يكون معنى الافاضة من عرفات هو الخروج منها، فان كانت قبل الغروب لم تجز، و إلّا فلا مانع منها.

و ثانيا: على تقدير تسليم أن معناها الشروع في الخروج، فحينئذ إن كان الحاج في بداية خطوط المشعر، أو أواسط خطوطه فيمكن أن يقال ان فترة خروجه منه وقتئذ تطول وقتا ما الى طلوع الشمس، و أما اذا كان في نهاية خطوطه بنحو لا يتوقف خروجه منه إلّا على بضع خطوات فقط فلا تتم هذه الدعوى، فالنتيجة أنه لا وجه لهذه المناقشة، و حينئذ فلا تصلح صحيحة معاوية أن تعارض هاتين الصحيحتين، فانه مضافا الى امكان المناقشة في دلالة الصحيحة، بأن يكون المراد من اشراق الجبل اسفارها لا شعاع الشمس، بقرينة أن رؤية الإبل مواضع اخفافها لا تتوقف على طلوع الشمس، ان دلالتهما على جواز الخروج من المشعر قبل طلوع الشمس بقليل ناصة، و دلالة صحيحة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

460

..........

____________

معاوية على عدم جواز الخروج إلّا بعد الطلوع إنما هي بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، و عندئذ فلا بد من تقديمهما عليها تطبيقا لحمل الظاهر على النص.

لحد الآن قد تبين ان الأظهر جواز الخروج من المشعر قبل طلوع الشمس بقليل، و تؤكد ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا تجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس» (1) فانها تدل على المنع عن التجاوز عن وادي محسّر قبل طلوع الشمس، لا عن الدخول فيه، و معنى هذا أنه لا مانع من أن يخرج الحاج من المشعر قبل طلوع الشمس، و انما لا يجوز له أن يخرج من وادي محسّر قبل طلوعها.

الى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، و هي أن الواجب على الأظهر الوقوف في المشعر من طلوع الفجر يوم العيد- العاشر من ذي الحجة- الى قبيل طلوع الشمس بقليل، و لا يجب عليه البقاء فيه الى طلوعها، فاذا خرج منه قبل طلوعها، و دخل في وادي محسّر و طلعت الشمس عليه في الوادي و قبل خروجه منه كفى، و لا شي‌ء عليه.

بقي الكلام هنا في الوقوف الركني، و فيه قولان:

أحدهما: ان الركن هو الوقوف بين الطلوعين في الجملة.

و الآخر: ان الركن هو مسمى الوقوف من أول الليل الى طلوع الشمس.

و هذا القول هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، و قد استدل على ذلك بصحيحة مسمع عن ابي إبراهيم (عليه السّلام): «في رجل وقف مع الناس بجمع، ثم أفاض قبل أن يفيض الناس، قال: إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان افاض‌

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

461

..........

____________

قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» (1) بتقريب أنها تدل على عدم بطلان الحج بالافاضة من المشعر قبل طلوع الفجر، و إن كان عامدا و ملتفتا، و هذا ليس إلّا من جهة أنه أتى بالركن و هو مسمى الوقوف فيه من أول الليل الى طلوع الشمس.

و قد اجيب عن ذلك بأن الموضوع في القضيتين الشرطيتين في الصحيحة واحد، و هو الجاهل بالحكم، فانه إن افاض من المشعر بعد الفجر فلا شي‌ء عليه، و إن أفاض قبله فعليه كفارة، و لا نظر للشرطية الثانية الى حكم العالم به لا منطوقا و لا مفهوما.

و لكن للمناقشة في هذا الجواب مجال، فان الصحيحة ظاهرة في أن الموضوع في الشرطية الأولى الرجل الجاهل، باعتبار ظهور الضمير في قوله (عليه السّلام): «إن كان جاهلا» في الرجوع اليه، و الموضوع في الشرطية الثانية الرجل المفيض بعين الملاك، و هو ظهور الضمير في قوله (عليه السّلام): «و إن كان أفاض» في الرجوع اليه. و من الواضح ان الرجل المفيض يعم الجاهل و العالم معا، و لا وجه لتخصيصه بالأول، و على هذا فالصحيحة بما أنها ظاهرة في أن مورد الشرطية الأولى هو الافاضة بعد طلوع الفجر و قبل أن يفيض الناس، فهي تدل بمنطوقها على عدم ثبوت الكفارة على الجاهل بالحكم، و بمفهومها على ثبوتها على العالم به. و اما الشرطية الثانية فتدل بمنطوقها على أن من أفاض من المشعر قبل الفجر، فعليه كفارة، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون جاهلا بالحكم أو عالما به، و بمفهومها على أن من أفاض منه بعد طلوع الفجر و قبل طلوع الشمس فلا كفارة عليه، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كونه جاهلا أو عالما. و بما أن الشرطية الأولى تدل بمقتضى مفهومها على ثبوت الكفارة على العالم بالحكم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

462

..........

____________

فتصلح أن تكون مقيدة لإطلاق مفهوم الشرطية الثانية تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد.

فالنتيجة أن من أفاض من المشعر قبل طلوع الفجر فعليه كفارة دم شاة، بدون فرق بين كونه عالما بالحكم أو جاهلا، و من أفاض بعد طلوع الفجر و قبل أن يفيض الناس، فان كان عالما فعليه الكفارة، و إلّا فلا شي‌ء عليه، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان الصحيحة تدل على أن ترك الوقوف بين الطلوعين عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي لا يكون مبطلا للحج، و معنى هذا ان الركن هو مسمى الوقوف و التواجد في ليلة العيد. و تؤكد ذلك صحيحة علي بن رئاب أن الصادق (عليه السّلام) «قال: من أفاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع و مضى الى منى متعمدا أو مستخفا فعليه بدنة» (1) بتقريب أنها لا تدل على بطلان الحج بترك الوقوف بين الطلوعين، و انما تدل على أن من لم يقف مع الناس بجمع و أفاض قبل طلوع الفجر الى منى عامدا و ملتفتا فعليه كفارة بدنة، و تكون حينئذ منافية من هذه الناحية مع صحيحة مسمع المتقدمة، فانها تدل على أن من أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة، و بما أن صحيحة مسمع مطلقة من جهة كونه عالما بالحكم أو جاهلا به، و صحيحة ابن رئاب مقيدة بالعالم به، بقرينة الاستخفاف، فتصلح أن تكون مقيدة لإطلاقها، و نتيجة ذلك أن من أفاض قبل طلوع الفجر، فان كان جاهلا بالحكم فعليه دم شاة، و إن كان عالما به فعليه بدنة.

لحد الآن قد تبين ان الأظهر عدم بطلان الحج بترك الوقوف بين‌

____________

(1) الوسائل: الباب 26 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

463

[مسألة 374: من ترك الوقوف فيما بين الفجر و طلوع الشمس رأسا فسد حجه]

(مسألة 374): من ترك الوقوف فيما بين الفجر و طلوع الشمس رأسا فسد حجه (1) و يستثنى من ذلك النساء و الصبيان و الخائف و الضعفاء كالشيوخ و المرضى فيجوز لهم حينئذ الوقوف في المزدلفة ليلة العيد و الافاضة منها قبل طلوع الفجر الى منى (2).

____________

الطلوعين في المشعر عامدا و ملتفتا، شريطة أن يكون متواجدا فيه بالليل و لو قليلا، كما هو مقتضى صحيحة مسمع المتقدمة. و على ذلك تحمل صحيحة علي بن رئاب.

(1) في فساد حجه اشكال، و الأظهر عدمه اذا مرّ بالمشعر ليلة العيد، و وقف فيه قليلا كما عرفتم.

و اما الروايات التي تنص على بطلان الحج بترك الوقوف بين الطلوعين، فبما أن موردها ترك الوقوف بالمشعر من أول ليلة العيد الى طلوع الشمس، فهي خارجة عن محل الكلام، فان محل الكلام انما هو فيمن وقف في المشعر مع الناس بالليل، ثم أفاض منه قبل طلوع الفجر عامدا و ملتفتا، فان الأظهر فيه صحة الحج و عدم بطلانه كما عرفتم.

(2) لجملة من النصوص.

منها: صحيحة سعيد الأعرج، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك، معنا نساء فافيض بهن بليل، فقال: نعم، تريد أن تصنع كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قلت: نعم، قال: أفض بهن بليل، و لا تفض بهن حتى تقف بهن بجمع، ثم افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى، فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن ذبح، فليأخذن من شعورهنّ و يقصّرن من اظفارهنّ، و يمضين الى مكة في وجوههنّ، و يطفن بالبيت، و يسعين بين الصفا و المروة، ثم يرجعن الى البيت، و يطفن اسبوعا، ثم يرجعن الى منى، و قد فرغن من حجّهن، و قال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

464

[مسألة 375: من وقف في المزدلفة ليلة العيد و أفاض منها قبل طلوع الفجر جهلا منه بالحكم]

(مسألة 375): من وقف في المزدلفة ليلة العيد و أفاض منها قبل طلوع الفجر جهلا منه بالحكم صح حجه على الأظهر (1)،

____________

أرسل معهن أسامة» (1).

و منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للنساء و الصبيان أن يفيضوا بليل، و أن يرموا الجمار بليل، و أن يصلوا الغداة في منازلهم، فان خفن الحيض مضين الى مكة و وكلن من يضحي عنهن» (2).

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للنساء و الضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل، و أن يرموا الجمرة بليل، فاذا ارادوا أن يزوروا البيت و كلوا من يذبح عنهن» (3). و هذه النصوص تدل على أنه يجوز للنساء و الصبيان و الضعفاء منهم الشيوخ و المرضى ترك الوقوف فيما بين الطلوعين اختيارا.

و اما الخائف، فقد ورد في مجموعة من الروايات أنه يفيض بالليل، و يرمي بالليل، و يضحى بالليل.

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل، و يضحي و يفيض بالليل» (4).

و منها: صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إنه قال في الخائف: لا بأس بأن يرمي الجمار بالليل، و يضحي بالليل، و يفيض بالليل» (5) و منها غيرهما (6).

(1) بل مر أن الأظهر صحته حتى اذا أفاض من المشعر قبل طلوع الفجر‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 6.

(4) الوسائل: الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

(5) الوسائل: الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 4.

(6) راجع الوسائل: الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة.

465

و عليه كفارة شاة (1).

[مسألة 376: من لم يتمكن من الوقوف الاختياري- الوقوف فيما بين الطلوعين- في المزدلفة لنسيان أو لعذر آخر]

(مسألة 376): من لم يتمكن من الوقوف الاختياري- الوقوف فيما بين الطلوعين- في المزدلفة لنسيان أو لعذر آخر أجزأه الوقوف الاضطراري- الوقوف وقتا ما- بعد طلوع الشمس الى زوال يوم العيد، و لو تركه عمدا فسد حجه (2).

____________

عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي.

(1) هذا في الجاهل بالحكم، و أما العالم به اذا أفاض قبل طلوع الفجر فالأظهر أن كفارته بدنة، كما مر في المسألة (373).

(2) هذا مقتضى مجموعة من النصوص المصرحة بأن الوقت الاضطراري للوقوف بالمشعر من أول طلوع الشمس الى الزوال، و تدل على أن من لم يتمكن من الوقوف الاختياري، و هو الوقوف بين الطلوعين وجب عليه الوقوف بين طلوع الشمس و زوالها.

منها: معتبرة يونس بن يعقوب، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل أفاض من عرفات، فمر بالمشعر، فلم يقف حتى انتهى الى منى فرمى الجمرة، و لم يعلم حتى ارتفع النهار، قال: يرجع الى المشعر فيقف به ثم يرجع و يرمي الجمرة» (1) و منها غيرها.

____________

(1) الوسائل: الباب 21 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

466

[ادراك الوقوفين أو احدهما]

ادراك الوقوفين أو احدهما تقدم أن كلا من الوقوفين- الوقوف في عرفات و الوقوف في المزدلفة- ينقسم إلى قسمين: اختياري و اضطراري.

فاذا أدرك المكلف الاختياري من الوقوفين كليهما فلا إشكال، و إلا فله حالات:

الاولى: أن لا يدرك شيئا من الوقوفين، الاختياري منهما و الاضطراري أصلا، ففي هذه الصورة يبطل حجه و يجب عليه الاتيان بعمرة مفردة بنفس احرام الحج، و يجب عليه الحج في السنة القادمة (1) فيما إذا كانت استطاعته باقية أو كان الحج مستقرا في ذمته.

الثانية: ان يدرك الوقوف الاختياري في عرفات و الاضطراري في المزدلفة.

____________

(1) تنص على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من أدرك جمعا فقد ادرك الحج، قال: و قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): أيّما حاج سائق للهدي، أو مفرد للحج، أو متمتع بالعمرة الى الحج قدم و قد فاته الحج، فليجعلها عمرة، و عليه الحج من قابل» (1).

و منها: صحيحته الأخرى، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل جاء حاجا ففاته الحج، و لم يكن طاف، قال: يقيم مع الناس حراما أيام التشريق، و لا عمرة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

467

..........

____________

فيها، فاذا انقضت طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و أحل، و عليه الحج من قابل يحرم من حيث أحرم» (1).

و منها: صحيحة حريز، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن مفرد الحج فاته الموقفان جميعا فقال له الى طلوع الشمس من يوم النحر، فان طلعت الشمس يوم النحر فليس له حج، و يجعلها عمرة و عليه الحج من قابل، قلت: كيف يصنع؟ قال: يطوف بالبيت و بالصفا و المروة، فان شاء أقام بمكة، و إن شاء أقام بمنى مع الناس، و إن شاء ذهب حيث شاء، ليس هو من الناس في شي‌ء» (2).

و منها: صحيحة ضريس بن أعين، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة الى الحج فلم يبلغ مكة إلّا يوم النحر، قال: يقيم على احرامه، و يقطع التلبية حتى يدخل مكة، فيطوف و يسعى بين الصفا و المروة، و يحلق رأسه و ينصرف الى أهله إن شاء، و قال: هذا لمن اشترط على ربه عند احرامه، فان لم يكن اشترط، فان عليه الحج من قابل» (3). ثم ان مقتضى اطلاق هذه الروايات وجوب الحج عليه من قابل، بدون فرق بين بقاء استطاعته اذا كان حجه في سنة الاستطاعة و عدم بقائها، و على الثاني لا فرق بين استقرار الحج عليه و عدم استقراره، و لكن لا بد من رفع اليد عن اطلاقها، و تقييده ببقاء الاستطاعة الى السنة القادمة اذا كان الحج في سنتها، و إلّا فلا موضوع لوجوب الحج عليه من قابل، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان مقتضى تلك الروايات انقلاب احرامه من احرام الحج الى احرام العمرة، باعتبار أن إحرام الحج كإحرام العمرة جزء منه، و مرتبط بسائر اجزائه، و على هذا فمقتضى القاعدة اذا بطل الحج بطل احرامه، فاذن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

468

الثالثة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات و الاختياري في المزدلفة ففي هاتين الصورتين يصح حجه بلا إشكال (1).

____________

الحكم بصحة الإحرام الذي أتى به بقصد كونه احرام الحج و جزئه لا يمكن إلّا بالانقلاب.

(1) للنصوص الخاصة، (أما في الصورة الأولى) ففيها روايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من أفاض من عرفات الى منى فليرجع و ليأت جمعا و ليقف بها و إن كان قد وجد الناس قد افاضوا من جمع» (1) فانها واضحة الدلالة على أنه اذا أدرك الوقوف الاختياري بعرفة، و الاضطراري بالمشعر كفى. و مثلها صحيحته الأخرى (2).

و منها: معتبرة يونس بن يعقوب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل أفاض من عرفات فمرّ بالمشعر فلم يقف حتى انتهى الى منى، فرمى الجمرة، و لم يعلم حتى ارتفع النهار، قال: يرجع الى المشعر فيقف به، ثم يرجع و يرمي الجمرة» (3) فانها ناصة في أنه اذا أدرك الوقوف الاختياري بعرفة، و الوقوف الاضطراري بالمشعر كفى في صحة الحج.

و أما في الصورة الثانية، ففيها روايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قال في رجل أدرك الامام و هو بجمع، فقال إن ظن انه يأتي عرفات فيقف بها قليلا، ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها، و ليقم بجمع، فقد تم حجه» (4) و مثلها صحيحته الأخرى (5).

و منها: صحيحة الحلبي، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من‌

____________

(1) الوسائل: الباب 21 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 21 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 21 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(5) الوسائل: الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 4.

469

الرابعة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في كل من عرفات و المزدلفة، و الأظهر في هذه الصورة صحة حجه (1)، و إن كان الأحوط إعادته في السنة القادمة إذا بقيت شرائط الوجوب أو كان الحج مستقرا في ذمته.

الخامسة: أن يدرك الوقوف الاختياري في المزدلفة فقط، ففي هذه الصورة يصح حجه أيضا (2).

____________

ليلته، فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإنّ اللّه تعالى أعذر لعبده فقد تمّ حجّه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، و قبل أن يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام، فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل» (1).

فالنتيجة ان هذه الروايات واضحة الدلالة على صحة الحج في كلتا الصورتين المفروضتين.

(1) هذا هو الصحيح، و تنص على ذلك صحيحة الحسن العطار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر، فأقبل من عرفات و لم يدرك الناس بجمع و وجدهم قد افاضوا، فليقف قليلا بالمشعر الحرام، و ليلحق الناس بمنى، و لا شي‌ء عليه» (2) و من هنا يظهر أنه لا وجه للقول بالفساد أصلا، فانه اجتهاد في مقابل النص، كما أنه لا منشأ للاحتياط باعادة الحج في السنة القادمة.

(2) تنص على ذلك الروايات المتقدمة كصحيحتي معاوية بن عمار و صحيحة الحلبي.

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 24 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

470

السادسة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في المزدلفة فقط ففي هذه الصورة لا تبعد صحة الحج (1)، إلا أن الأحوط أن يأتي ببقية الأعمال قاصدا فراغ ذمته عما تعلق بها من العمرة المفردة، أو اتمام الحج، و أن يعيد الحج في السنة القادمة.

____________

(1) في الصحة اشكال بل منع، و الأظهر فساده، و تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: ان كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته، فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإنّ اللّه تعالى أعذر لعبده فقد تمّ حجه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، و قبل أن يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام، فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل» (1).

و منها: صحيحة حريز، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعا، فقال له الى طلوع الشمس يوم النحر، فان طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حج، و يجعلها عمرة، و عليه الحج من قابل» (2).

و منها: صحيحة محمد بن فضيل، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الحد الذي اذا أدركه الرجل أدرك الحج، فقال: اذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج، و لا عمرة له، و إن لم يأت جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة، و لا حج له، فان شاء أقام بمكة، و إن شاء رجع، و عليه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

471

..........

____________

الحج من قابل» (1) و منها غيرها. و المتحصل من هذه الروايات أمران:

أحدهما: ان من أدرك الموقف الاختياري بالمشعر صح حجّه و إن لم يدرك الموقف بعرفات أصلا حتّى الاضطراري منه.

و الآخر: انه اذا لم يدرك الموقف الاختياري بالمشعر أيضا، تنقلب وظيفته الى عمرة مفردة و الحج من قابل، و لا يكفي في صحته ادراك الوقوف الاضطراري فيه، و هو الوقوف بعد طلوع الشمس الى الزوال من يوم العيد.

و في مقابلها روايات أخرى تنص على امتداد وقت الحج الى زوال يوم النحر.

منها: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من أدرك المشعر يوم النحر قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج- الحديث» (2).

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من أدرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج» (3).

و منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من أدرك المشعر الحرام و عليه خمسة من الناس فقد أدرك الحج» (4) و منها غيرها (5).

و هذه الروايات تدل على أمرين:

الأول: صحة حج من أدرك الوقوف الاضطراري بالمشعر، و هو الوقوف من طلوع الشمس إلى الزوال من يوم العيد بالنص، بنحو القضية المهملة المتيقنة.

الثاني: صحة حجه مطلقا و إن لم يكن مدركا الوقوف بعرفات حتى الاضطراري منه بالاطلاق، هذا.

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 8.

(3) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 9.

(4) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 10.

(5) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 11.

472

..........

____________

و ذكر السيد الاستاذ (قدّس سرّه) إن بين الطائفتين و إن كانت معارضة بالاطلاق، فان مقتضى اطلاق الطائفة الأولى أن وقت الوقوف بالمشعر ممتد الى طلوع الشمس من يوم العيد حتى للمعذور، و مقتضى اطلاق الطائفة الثانية أن وقته ممتد الى زوال الشمس من يوم العيد للمعذور و غيره، و لكن هناك طائفة ثالثة تنص على امتداد وقته الى الزوال من يوم النحر للمعذور فحسب.

منها: معتبرة عبد اللّه بن المغيرة: «قال: جاءنا رجل بمنى، فقال: إني لم ادرك الناس بالموقفين جميعا- إلى أن قال: فدخل إسحاق بن عمار على ابي الحسن (عليه السّلام)، فسأله عن ذلك، فقال: اذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج» (1).

و منها: صحيحة الفضل بن يونس عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالما له يوم عرفة قبل أن يعرف، فبعث به الى مكة فحبسه، فلما كان يوم النحر خلّى سبيله، كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع، ثم ينصرف الى منى، فيرمي و يذبح و يحلق، و لا شي‌ء عليه- الحديث» (2). و هذه الطائفة تكون شاهدة جمع بينهما، بحمل الطائفة الأولى على أن وقت الحج ممتد الى طلوع الشمس من يوم النحر للمختار، و الطائفة الثانية على أن وقته ممتد الى الزوال للمعذور و غير المتمكن. و بذلك يرتفع التنافي بينهما، فالنتيجة ان من لم يتمكن من ادراك الموقف الاختياري بالمشعر، و تمكن من ادراك الموقف الاضطراري به، فاذا ادركه صح حجه.

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب الاحصار و الصد، الحديث: 2.

473

..........

____________

و لنا تعليق على هذا الجمع و حاصله:

ان مفاد الطائفة الأولى ناص في أن من فاته الموقف بعرفات حتى الاضطراري منه، و لم يدرك إلّا الوقوف في المشعر فحسب، فان كان متواجدا فيه الى طلوع الشمس صح حجه، و إلّا فلا حج له، و عليه عمرة مفردة و الحج من قابل، و مفاد الطائفة الثانية أن من أدرك الموقف بالمشعر الحرام الى الزوال من يوم العيد فقد أدرك الحج، و لكنه مطلق من ناحية أنه أدرك الوقوف بعرفات أو لم يدركه، فاذن يكون مفادها من هذه الناحية مطلقا.

و بكلمة: ان التنافي بينهما ليس في دلالة الطائفة الأولى على امتداد وقت الوقوف الى طلوع الشمس حتى للمعذور، و دلالة الطائفة الثانية على امتداد وقته الى الزوال من يوم العيد للمعذور فحسب، لأن هذه الدلالة من تبعات الدلالة المطابقية لهما، و التنافي و التعارض بينهما انما هو في تلك الدلالة فان الأولى تنص على أن من فاته الموقف بعرفات حتى الاضطراري منه، و لم يدرك الوقوف في المشعر الحرام الى طلوع الشمس من يوم العيد، فلا حج له، و عليه العمرة المفردة، و الحج من قابل. و الثانية تنص على أن من أدرك الوقوف في المشعر الى الزوال من يوم العيد صح حجه، و لا شي‌ء عليه، فيكون مورد الالتقاء و الاجتماع بينهما من أدرك الوقوف في المشعر من طلوع الشمس من يوم العيد الى زوالها.

فان الطائفة الأولى تنص على أنه لا حج له، و تجب عليه العمرة و الحج من قابل، و الطائفة الثانية تنص على أن من أدرك ذلك فقد أدرك الحج، و لا شي‌ء عليه، و حيث إنها مطلقة من جهة أنه أدرك الموقف بعرفات أو لم يدرك، فلا تصلح أن تعارض الطائفة الأولى، على أساس ما ذكرناه في غير مورد من أن‌

474

..........

____________

الدلالة الاطلاقية الناشئة من السكوت في مقام البيان من أضعف مراتب الدلالات، فاذن لا بد من تقديم الطائفة الأولى عليها، تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد، و الظاهر على الأظهر، و نتيجة ذلك تقييد اطلاق الطائفة الثانية بما اذا كان مدركا الموقف بعرفات في الجملة و لو الوقوف الاضطراري فيها، و عليه فما ذكره السيد الاستاذ (قدّس سرّه) من المعارضة بين الطائفتين في غير محله.

و من هنا يظهر أن ما ذكره (قدّس سرّه) من الروايتين الأخيرتين بعنوان شاهدي جمع بينهما، و هما معتبرة عبد اللّه بن المغيرة، و صحيحة الفضل بن يونس، فهو طرف للمعارضة مع الطائفة الأولى، و يكون التعارض بينهما بالتناقض، فان الطائفة الأولى ناصة في عدم كفاية الوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الشمس الى الزوال من يوم العيد، و هاتان الروايتان ناصتان في كفاية ذلك.

و على هذا فبما أن الطائفة الأولى موافقة لإطلاق الكتاب، و هو قوله تعالى: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ ... الى قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ (1) فتتقدم عليها، فالنتيجة أن من لم يدرك الوقوف بعرفات اصلا حتى الاضطراري منه، و إنما ادرك الوقوف الاضطراري في المشعر الحرام فحسب، و هو الوقوف فيه بين طلوع الشمس الى الزوال من يوم العيد فلا حج له، و تنقلب وظيفته الى العمرة المفردة و الحج من قابل. نعم لو لم يكن للطائفة الأولى مرجح سقطت من جهة المعارضة، و المرجع حينئذ اطلاق الطائفة الثانية، حيث لا مقيد له عندئذ، و تؤكد ذلك صحيحة ضريس، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة الى الحج فلم يبلغ مكة إلّا يوم النحر، فقال: يقيم على احرامه، و يقطع التلبية حتى‌

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 198.

475

السابعة: أن يدرك الوقوف الاختياري في عرفات فقط، و الأظهر في هذه الصورة بطلان الحج (1) فينقلب حجه إلى العمرة المفردة، و يستثنى من ذلك ما إذا وقف في المزدلفة ليلة العيد و افاض منها قبل الفجر جهلا منه بالحكم كما تقدم، و لكنه إن أمكنه الرجوع و لو إلى زوال الشمس من يوم العيد وجب ذلك، و إن لم يمكنه صحّ حجّه و عليه كفارة شاة.

____________

يدخل مكة، فيطوف و يسعى بين الصفا و المروة، و يحلق رأسه و ينصرف الى أهله إن شاء- الحديث» (1) بتقريب أنه اذا فرض وصوله الى مكة في الساعة الأولى من نهار يوم العيد، فهو متمكن من أن يقوم فورا بانجاز عمرة التمتع، ثم الإحرام للحج، و الذهاب الى المشعر الحرام، فانه بطبيعة الحال اذا صنع ذلك وصل اليه قبل الزوال، لأن انجاز مجموع ذلك ممكن للشخص العادي خلال فترة زمنية لا تزيد عن ثلاث ساعات، بل لو طالت اربع ساعات لكفى أيضا، كما اذا فرض أنه وصل الى مكة في الساعة السادسة صباحا، أو في أول السابعة، و مع هذا فسكوت الصحيحة عن ذلك، و الأمر بتبديل عمرة التمتع بالعمرة المفردة مطلقا، و بدون تفصيل دليل على أن إدراك الموقف الاضطراري في المشعر وحده لا يكفي في صحة الحج.

لحد الآن قد تبيّن أن من فاته الموقف بعرفات مطلقا، و لم يدرك في المشعر الحرام إلّا الوقوف الاضطراري فحسب، و هو من طلوع الشمس الى الزوال من يوم النحر، فالأظهر أن حجه باطل، و تنقلب وظيفته الى العمرة المفردة، و عليه الحج من قابل شريطة بقاء استطاعته، أو كان الحج مستقرا في ذمته.

(1) في البطلان اشكال، و لا يبعد الصحة، لصحيحة معاوية بن عمار، قال:

____________

(1) الوسائل: الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

476

..........

____________

«قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): مملوك اعتق يوم عرفة؟ قال: اذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» (1) فانها تنص على أن من أدرك أحد الموقفين إما بعرفات، أو بالمشعر الحرام، كفى في صحة حجه، و موردها و إن كان العبد المعتق، إلّا أن قوله (عليه السّلام): «اذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» بمثابة ضابط كلي، حيث ان العرف يفهم منه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن المناط في ادراك الحج انما هو بادراك احد الموقفين من دون خصوصية لمورده، كان العبد المعتق أم غيره.

و بكلمة: ان تطبيق قوله (عليه السّلام): «اذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» على مورد الصحيحة من باب تطبيق الكبرى على الصغرى، هذا.

و قد يستدل على أنه لا يكفي في صحة الحج ادراك الموقف بعرفات فحسب بصحيحة محمد بن فضيل، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الحد الذي اذا أدركه الرجل أدرك الحج، فقال: اذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج و لا عمرة له، و إن لم يأت جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حج له، فان شاء أقام بمكة و إن شاء رجع، و عليه الحج من قابل» (2) بتقريب أن لها دلالتين: دلالة ايجابية، و دلالة سلبية.

أما الأولى: فهي دلالتها على أن من أدرك الموقف في المشعر قبل طلوع الشمس من يوم العيد فقد أدرك الحج، و مقتضى اطلاقها أنه مدرك للحج سواء أ كان مدركا الموقف بعرفات أيضا أم لا، و لا مانع في البين من الأخذ باطلاقها من هذه الناحية.

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

477

..........

____________

و أما الثانية: فهي دلالتها على أن من لم يأت المشعر الحرام حتى تطلع الشمس من يوم العيد فلا حج له، و عليه عمرة مفردة و الحج من قابل، و مقتضى اطلاقها بطلان حجه في هذه الحالة سواء أ كان مدركا الموقف بعرفات أم لا.

و الجواب أن الصحيحة و ان دلت بدلالتها السلبية على عدم كفاية ادراك الموقف بعرفات وحده إلّا أن هذه الدلالة لما كانت بالاطلاق الناشئ من سكوت المولى في مقام البيان، و اقتصاره الحكم على من لم يدرك المشعر قبل طلوع الشمس، فلا تصلح أن تعارض اطلاق صحيحة معاوية المشار اليها آنفا، على أساس أن اطلاقها يكون لفظيا، و منشأه عدم تقييد الطبيعي الجامع بحصة خاصة، و من الواضح أن دلالة المطلق بهذا الاطلاق على سراية الحكم الى جميع أفراده أقوى من دلالة الاطلاق السكوتي، فانه في الحقيقة من التعارض بين الناطق و الساكت، و عليه فتتقدم صحيحة معاوية على صحيحة محمد بن فضيل تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر.

فالنتيجة ان مقتضى الصناعة أن من لم يدرك إلّا الموقف بعرفات فحسب صح حجه على الأظهر، و إن كان الأحوط و الأجدر به أن يأتي بعمرة مفردة بعد الفراغ من واجبات الحج، و بالحج في العام القادم إن أمكن.

و قد يستدل على ذلك برواية عبيد اللّه و عمران ابني الحلبيين عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج» (1) على بطلان الحج بفوت المشعر الحرام، و إن ادرك الموقف الاختياري بعرفات.

و الجواب أولا: ان الرواية ضعيفة سندا، فان في سندها القاسم بن عروة، و هو لم يثبت توثيقه.

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

478

..........

____________

و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك، و تسليم أنها تامة سندا، إلّا أن دلالتها على بطلان الحج بفوت المشعر الحرام و عدم كفاية الوقوف بعرفات وحده انما هي بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، فلا يصلح أن يعارض اطلاق صحيحة معاوية- كما مر-. أو فقل ان حال المتكلم العرفي ارتكازا اذا كان في مقام البيان يقتضي أن كل ما قاله أراده، و كل ما لم يقله لم يرده، و بما أن الدلالة في الأول مستندة الى اللفظ و إن كانت بالاطلاق و مقدمات الحكمة، و في الثاني الى السكوت و عدم البيان، فتتقدم الأولى على الثانية بملاك تقديم البيان على عدم البيان، و المقام من هذا القبيل.

بقي هنا شي‌ء: و هو ان من افاض من عرفات مع الناس الى المشعر الحرام، ثم مضى الى منى قبل طلوع الفجر، فان كان جاهلا بالمسألة صح حجه، و عليه كفارة شاة. نعم إذا علم بالحال و تمكن من الرجوع الى المشعر و ادراك الموقف الاضطراري فيه وجب، و تدل على الوجوب مضافا الى أنه مقتضى القاعدة صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «انه قال في رجل لم يقف بالمزدلفة، و لم يبت بها حتى أتى منى، قال: أ لم ير الناس؟ أ لم يذكر منى حين دخلها؟ قلت: فانه جهل ذلك، قال: يرجع، قلت: ان ذلك قد فاته، قال: لا بأس» (1). و إن كان عالما بالمسألة فعليه كفارة بدنة، و أما حجه فلا يبعد صحته، و تنص على ذلك روايتان:

احداهما: صحيحة مسمع عن ابي ابراهيم (عليه السّلام) المتقدمة، و قد مر الكلام في هذه الصحيحة موسعا في المسألة (373).

و الأخرى: صحيحة علي بن رئاب: «ان الصادق (عليه السّلام) قال: من أفاض مع‌

____________

(1) الوسائل: الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 6.

479

الثامنة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات فقط، ففي هذه الصورة يبطل حجه (1) فيقلبه الى العمرة المفردة.

____________

النّاس من عرفات، فلم يلبث معهم بجمع، و مضى الى منى متعمدا أو مستخفا فعليه بدنة» (1) فانها ظاهرة في أنه أفاض من عرفات مع الناس الى جمع، و مضى الى منى، و لم يتوقف معهم فيه مطلقا، و حملها على عدم التوقف و المكث معهم في فترة ما بين الطلوعين فحسب خلاف الظاهر، و على هذا فاذا أفاض الحاج من عرفات مع الناس، و مضى الى منى مارا بالمشعر، و بدون أي توقف فيه صح حجّه على الأظهر، و إن كان ذلك عن عمد و التفات بمقتضى هذه الصحيحة التي هي ظاهرة في أنه فعل ذلك عامدا و ملتفتا. و على هذا الأساس من أفاض من عرفات و مضى الى منى ليلا مارا بالمشعر الحرام، فان كان جاهلا بالحكم صح حجّه و عليه كفارة شاة، و إن كان عالما به فقد تقدم أنه لا يبعد صحة حجه، و لكن عليه كفارة بدنة، و أما اذا أفاض من عرفات مع الناس و مضى الى منى من طريق آخر لا يكون مارا بالمشعر، فان كان جاهلا بالحكم، فالأظهر صحة حجه لإطلاق قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية المتقدمة «من أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» و أما الكفارة فالظاهر عدم وجوبها، لأن دليلها قاصر عن شمول هذه الصورة، و إن كان عالما بالحكم، أو جاهلا غير معذور بطل حجه، لأنه تارك للوقوف في المشعر متعمدا.

الى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، و هي ان الركن مسمى الكون و التواجد في المشعر من أول ليلة يوم العيد الى طلوع الشمس و إن كان بنحو المرور به، بدون أي توقف و مكث فيه.

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لعدم الدليل على الصحة في هذه الصورة،

____________

(1) الوسائل: الباب 26 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

480

..........

____________

و قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية: «اذا أدرك أحد الموقفين، فقد أدرك الحج» (1) منصرف الى خصوص الموقف الاختياري، دون الأعم منه و من الاضطراري.

نتيجة ما ذكرناه حول الموقف في المزدلفة أمور:

الأول: لا يجب على الحاج المبيت في المزدلفة، لأن الواجب عليه أن يكون متواجدا فيها من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و اما قبله فلا يجب، و حينئذ فيجوز له التأخير في الطريق الى حين طلوع الفجر. نعم اذا دخل فيها فلا يجوز له الخروج منها إلّا اذا كان واثقا بالرجوع اليها حين الفجر.

الثاني: ان حد الموقف في المزدلفة طولا من المأزمين الى وادي محسّر، و هما حدّان و ليسا من الموقف، إلّا عند الزحام و ضيق الوقت، و حينئذ فتمتد رقعة الموقف و تشمل المأزمين، و هي النقطة الواقعة بين المزدلفة و عرفات، و أما حده عرضا فلا يكون معلوما، و المرجع فيه الخبرة من أهل البلد هناك.

الثالث: أن الأظهر جواز الخروج من المشعر قبل طلوع الشمس بقليل، بحيث لا يتجاوز من وادي محسّر و إلّا و قد طلعت الشمس عليه، و إن كان الأحوط و الأجدر أن لا يخرج قبل طلوع الشمس.

الرابع: ان الركن هو مسمّى الوقوف بالمشعر، يعني الوقوف بفترة قصيرة فيه بين ليلة العيد الى طلوع الشمس، لا خصوص الوقوف بين الطلوعين، فلو وقف في المشعر ليلا، ثم خرج منه عامدا و ملتفتا قبل الفجر الى منى صح حجه على الأظهر، و لكن عليه كفارة بدنة، و إن فعل ذلك جاهلا فعليه دم شاة، بل لا يبعد كفاية المرور بالمشعر ليلا بدون أي توقف فيه.

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 2.

481

..........

____________

الخامس: يجوز للصبيان و النساء و الضعفاء أن يفيضوا بليل، و يرموا بليل، و يحلقوا أو يقصروا بليل، و لا يجوز لهم أن يضحوا بليل، و اما الخائف فيجوز له أن يمارس جميع أعمال منى بالليل.

السادس: ان من لم يدرك من الموقفين إلّا الموقف الاضطراري في المشعر الحرام، و هو من طلوع الشمس من يوم العيد الى الزوال، فالأظهر بطلان حجه، و وظيفته تنقلب حينئذ من حج التمتع لحجة الإسلام الى العمرة المفردة، و عليه الحج في السنة القادمة شريطة بقاء استطاعته، أو كان الحج مستقرا في ذمته.

السابع: ان من لم يدرك إلّا الموقف الاختياري بعرفات فحسب، من دون أن يدرك الموقف بالمشعر، لا الاختياري منه و لا الاضطراري صح حجه، و إن كان الأحوط و الأجدر به أن يأتي بعمرة مفردة بعد الفراغ من واجبات الحج، و بالحج في العام القادم.

482

[4- رمي جمرة العقبة]

منى و واجباتها إذا أفاض المكلف من المزدلفة وجب عليه الرجوع الى منى، لأداء الأعمال الواجبة هناك، و هي- كما نذكرها تفصيلا- ثلاثة:

1- رمي جمرة العقبة الرابع من واجبات الحج: رمي جمرة العقبة (1)

____________

(1) تدل على وجوبها مجموعة من الروايات، و يمكن تصنيفها الى طوائف:

الطائفة الأولى: متمثلة في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

«قال: خذ حصى الجمار، ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة، فارمها من قبل وجهها، و لا ترمها من اعلاها- الحديث» (1) فانها ظاهرة في وجوب رمي جمرة العقبة من طرف وجهها.

الطائفة الثانية: متمثلة في مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة سعيد الأعرج، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك معنا نساء، فأفيض بهن بليل، الى أن قال (عليه السّلام): و لا تفض بهن حتى تقف بهن بجمع، ثم افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن و يقصّرن من اظفارهن- الحديث» (2) فانها تدل على أمرين:

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

483

..........

____________

أحدهما: أن من يجوز له أن يفيض من المشعر بليل، يجوز له أن يرمي جمرة العقبة بليل.

و الآخر: أن من لا يجوز له أن يفيض من المشعر بليل، فوظيفته أن يرمي الجمرة في يوم العيد.

و منها: صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للنساء و الصبيان أن يفيضوا بليل، و أن يرموا الجمار بليل، و أن يصلوا الغداة في منازلهم، فإن خفن الحيض مضين الى مكة، و وكلن من يضحي عنهن» (1) فانها تدل على أن اصل وجوب الرمي أمر مفروغ عنه، و الرواية انما هي في مقام بيان مسألة أخرى، و هي أن من يجوز له الافاضة من المشعر ليلا، فاذا افاض جاز له رمي الجمرة في الليل، و من لا يجوز له ذلك فوظيفته أن يرميها في نهار يوم العيد، و منها غيرها (2).

الطائفة الثالثة: الروايات البيانية، فانها تدل على أنه من اجزاء الحج و واجباته، منها قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن عمار الطويلة: «و أمرهم أن لا يرموا الجمرة- جمرة العقبة- حتى تطلع الشمس، فلما اضاء له النهار أفاض حتى انتهى الى منى فرمى جمرة العقبة- الحديث» (3).

الطائفة الرابعة: الروايات التي تنص على وجوب الاستنابة في الرمي عن المريض و الكسير و المبطون.

منها: صحيحة معاوية بن عمار و عبد الرحمن بن الحجاج جميعا عن أبي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.

(2) راجع الوسائل: الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر.

(3) الوسائل: الباب 2 من ابواب اقسام الحج، الحديث: 4.

484

يوم النحر (1) و يعتبر فيه أمور:

1- نية القربة (2).

2- أن يكون الرمي بسبع حصيات و لا يجزئ الاقل من ذلك (3)

____________

عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: الكسير و المبطون يرمى عنهما، قال: و الصبيان يرمى عنهم» (1).

و منها: موثقة اسحاق بن عمار: «انه سأل ابا الحسن موسى (عليه السّلام) عن المريض ترمى عنه الجمار، قال: نعم يحمل الى الجمرة و يرمى عنه، قلت لا يطيق ذلك، قال: يترك في منزله و يرمى عنه» (2) و منها غيرهما (3). فانها تدل بوضوح على وجوب رمي جمرة العقبة، و إلّا فلا مقتضي لوجوب الاستنابة عنه عند العذر.

(1) تنص عليه الطائفة الثانية و الثالثة و غيرهما من الروايات.

(2) و قد تقدم ان المعتبر في صحة كل عبادة أمور: الأول: قصد القربة.

الثاني: قصد الاخلاص، و نعني به عدم الرياء. الثالث: أن يقصد الاسم الخاص لها، و اذا أراد أن يأتي برمي الجمرة يقول: أرمي جمرة العقبة في حج التمتع من حجة الإسلام قربة الى اللّه تعالى. و اذا كان نائبا ذكر اسم المنوب عنه، و اذا كان حجا مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام، و اذا كان منذورا ابدلها بكلمة الحجة المنذورة و هكذا.

(3) تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث، قال:

«و قال في رجل رمى الجمار فرمى الأولى بأربع و الأخيرتين بسبع سبع. قال:

يعود فيرمي الاولى بثلاث و قد فرغ، و إن كان رمى الاولى بثلاث و رمى‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 2.

(3) راجع الوسائل: الباب 17 من ابواب رمي جمرة العقبة.

485

كما لا يجزئ رمي غيرها من الاجسام (1).

____________

الاخيرتين بسبع سبع فليعد و ليرمهنّ جميعا بسبع سبع، و إن كان رمى الوسطى بثلاث ثم رمى الأخرى فليرم الوسطى بسبع، و إن كان رمى الوسطى بأربع رجع فرمى بثلاث» (1) فانها ناصة في عدم كفاية الأقل، و احتمال الفرق بين أن يكون رمي الجمرة العقبى في يوم النحر و أن يكون رميها مع الأولى و الوسطى في اليوم الحادي عشر و الثاني عشر، بأن يجزي الأقل في الأول دون الثاني، غير محتمل عرفا، و تدل على ذلك أيضا صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «انه قال في رجل أخذ احدى و عشرون حصاة، فرمى بها فزادت واحدة، فلم يدر أيّهن نقص، قال: فليرجع و ليرم كل واحدة بحصاة، فان سقطت عن رجل حصاة فلم يدر أيّهن هي، فليأخذ من تحت قدميه حصاة و يرمي بها- الحديث» (2) و مثلها صحيحته الثالثة عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث، و الثانية بسبع، و الثالثة بسبع، قال: يعيد يرميهن جميعا بسبع سبع، قلت: فان رمى الأولى بأربع و الثانية بثلاث و الثالثة بسبع قال: يرمي الجمرة الأولى بثلاث، و الثانية بسبع، و يرمي جمرة العقبة بسبع، قلت: فانه رمى الجمرة الأولى بأربع و الثانية بأربع و الثالثة بسبع، قال: يعيد فيرمي الأولى بثلاث، و الثانية بثلاث، و لا يعيد على الثالثة» (3) و غيرها من الروايات.

(1) هذا هو المستفاد من الروايات الكثيرة في مختلف الموارد.

منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام): «قال حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك، و إن أخذته من غير الحرم لم يجزئك، قال: و قال: لا ترم الجمار إلّا بالحصى» (4).

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من ابواب العود الى منى، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب العود الى منى، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 6 من ابواب العود الى منى، الحديث: 2.

(4) الوسائل: الباب 4 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

486

3- أن يكون رمي الحصيات واحدة بعد واحدة فلا يجزئ رمي اثنتين أو أكثر مرة واحدة (1).

4- أن تصل الحصيات الى الجمرة (2).

5- أن يكون وصولها الى الجمرة بسبب الرمي فلا يجزئ وضعها عليها (3). و الظاهر جواز الاجتزاء بما إذا رمى فلاقت الحصاة في طريقها شيئا ثم اصابت الجمرة، نعم، إذا كان ما لاقته الحصاة صلبا فطفرت منه فأصابت الجمرة لم يجزئ ذلك (4).

____________

(1) هذا هو المتفاهم العرفي من الصحاح المتقدمة لمعاوية بن عمار، فان الظاهر عرفا من رمي الجمار فيها بسبع هو سبع مرات، و يؤكد ذلك قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية الثانية: «فزادت واحدة فلم يدر أيهن نقص» فانه يدل على أن الواجب هو رمي كل حصاة برمي مستقل، هذا. اضافة الى أن سيرة المسلمين أيضا قد جرت على ذلك، بل يمكن استفادته من الروايات التي تدل على استحباب التكبيرة عند كل رمي.

(2) لأن الغرض من وجوب رمي الجمرة بحصاة، هو وصول الحصاة اليها، لا مجرد الرمي و إن لم تصل هذا. اضافة الى أن قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن عمار: «فان رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها- الحديث» (1) يدل على ذلك.

(3) لأن مقتضى النصوص أن المأمور به وصول الحصاة الى الجمرة بالرمي، فلا تشمل وضعها عليها، لعدم كونه مصداقا له.

(4) لأن الظاهر من الروايات عرفا أن الواجب هو ايصال الحصاة الى الجمرة بالرمي لا مطلقا، و أما اذا وصلت الى جسم آخر صلب و هو المرمى ثم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

487

6- أن يكون الرمي بين طلوع الشمس و غروبها (1)

____________

طفرت منه الى الجمرة فلا يكون مشمولا لها، كما اذا كان في مقابل الجمرة جسم صلب و هو يرمي ذلك الجسم بقصد أن الحصاة تطفر منه الى الجمرة، لأن الروايات منصرفة عن ذلك جزما. نعم اذا كان المرمى الجمرة، و هو قاصد الوصول اليها و لكن لاقت الحصاة في الطريق جسما آخر ثم وصلت اليها، فهي لا تضر و لا تمنع عن شمول الروايات له. و ينص عليه أيضا قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن عمار: «و ان اصابت انسانا أو جملا، ثم وقعت على الجمار أجزاك» (1).

و دعوى: ان اطلاقه يشمل ما اذا اصابت انسانا أو جملا ثم طفرت منه و وقعت على الجمار.

مدفوعة: بأن الظاهر منه عرفا ان اصابتها للإنسان او الجمل في طريق وصولها الى الجمار لا تكون مانعة عن صدق وصولها اليها بالرمي.

(1) تنص عليه عدة من الروايات:

منها: صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قلت له:

الى متى يكون رمي الجمار؟ فقال: من ارتفاع النهار الى غروب الشمس» (2).

و منها: صحيحة صفوان بن مهران، قال: «سمعت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ارم الجمار ما بين طلوع الشمس الى غروبها» (3).

و منها: صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: رمي الجمار ما بين طلوع الشمس الى غروبها» (4) و منها غيرها (5).

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 13 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 13 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 2.

(4) الوسائل: الباب 13 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 4.

(5) راجع الوسائل: الباب 13 من ابواب رمي جمرة العقبة.

488

و يجزئ للنساء و سائر من رخص لهم الافاضة من المشعر في الليل أن يرموا بالليل (ليلة العيد) لكن يجب عليهم تأخير الذبح و النحر (1)

____________

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) و ذلك لأن الروايات التي تنص على ترخيص الضعفاء بالافاضة ليلا من المشعر الحرام، انما تنص على أنه يجوز لهم أن يرموا جمرة العقبة بالليل، و لا تنص على أنه يجوز لهم أن يذبحوا أو ينحروا بالليل، فاذن جواز ذلك بحاجة الى دليل، على اساس أن موضعه من الناحية الزمانية النهار، و الأحوط أن يكون في يوم العيد، و هو اليوم العاشر من ذي الحجة، و إن كان الأقوى جواز تأخيره.

قد يقال- كما قيل- ان صحيحة ابي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال:

رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للنساء و الضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل، و أن يرموا الجمرة بليل، فاذا أرادوا أن يزوروا البيت وكّلوا من يذبح عنهن» (1) تدل على أنه يجوز لهم الذبح بالليل، كما تجوز لهم الافاضة و الرمي، بدعوى أنها باطلاقها تشمل ما اذا أرادوا زيارة البيت في الليل فانهم حينئذ يوكلوا من يذبح عنهم، بنكتة أن موضع الطواف من الناحية التسلسلية يكون بعد الذبح أو النحر.

و الجواب: انها لا تدل على ذلك، لوضوح أن الذبح لو كان جائزا لهم في الليل لم تكن هناك حاجة الى توكيل من يذبح عنهم، فانهم اذا ارادوا أن يزوروا البيت ليلا فيقومون بانفسهم بالذبح أو النحر في الليل، كما يقومون كذلك برمي الجمرة فيه، ثم يزورون البيت. فالنتيجة أن أمر الإمام (عليه السّلام) بالتوكيل اذا أرادوا زيارة البيت ليلا، يدل على أنه لا يجوز لهم الذبح أو النحر في الليل.

و بكلمة: ان المستفاد من رواية التوكيل عرفا هو أن الضعفاء اذا افاضوا من المشعر ليلا و رموا الجمرة ليلا و أرادوا زيارة البيت، فمعنى هذا أنهم لا يريدون البقاء في منى حتى يقوموا في يوم العيد باعمال ذلك اليوم، منها الذبح‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 6.

489

الى يومه و الأحوط تأخير التقصير أيضا (1) و يأتون بعد ذلك اعمال الحج الا الخائف على نفسه من العدو فانه يذبح و يقصر ليلا (2) كما سيأتي.

____________

أو النحر، فلذلك أمروا بتوكيل من يذبح عنهم في نهار العيد هذا. اضافة الى أن سكوت هذه الروايات عن الذبح لهم بالليل، و تصريح روايات الخائف بجوازه له بالليل شاهد على عدم جوازه لهم ليلا، هذا من ناحية، و من ناحية اخرى ان مقتضاها جواز التقصير أو الحلق لهم بالليل على اساس أن موضعه من الناحية التسلسلية قبل زيارة البيت.

(1) بل الأظهر جوازه بالليل، لصحيحة سعيد الأعرج المتقدمة (1).

و دعوى: أن قوله (عليه السّلام) فيها: «فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن، و يقصرن من أظفارهن، و يمضين الى مكة» يدل بمقتضى مفهوم الشرط أنه اذا كان عليهن ذبح لم يجز لهن ذلك.

مدفوعة: بأن الظاهر منه عرفا انه اذا كان عليهن ذبح فليوكلن فيه أولا، ثم يقمن الى زيارة البيت، كما ورد نظير هذا في صحيحة ابي بصير المتقدمة، فان مفادها كما مر أنه لا يجوز لهن الذبح في الليل، فاذا كان عليهن ذبح و أردن زيارة البيت فعليهن أن يوكلن فيه حتى يقوم بالذبح عنهن في يوم العيد، ثم يقصرن و يمضين الى مكة ليلا لزيارة البيت، و من هنا قلنا أن هذه الصحيحة تدل على عدم جواز الذبح لهن في الليل، كما أن مقتضاها جواز التقصير لهن فيه او لا أقلّ من الاجمال فالمرجع صحيحة ابي بصير.

(2) تنص عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل، و يضحي و يفيض بالليل» (2).

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

490

[مسألة 377: إذا شك في الاصابة و عدمها بنى على العدم]

(مسألة 377): إذا شك في الاصابة و عدمها بنى على العدم إلا أن يدخل في واجب آخر مترتب عليه أو كان الشك بعد دخول الليل (1).

[مسألة 378: يعتبر في الحصيات أمران]

(مسألة 378): يعتبر في الحصيات أمران:

1- أن تكون من الحرم (2) و الأفضل أخذها من المشعر.

____________

و منها: صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «أنّه قال في الخائف: لا بأس بأن يرمي الجمار بالليل، و يضحي بالليل، و يفيض بالليل» (1).

و منها غيرهما (2).

(1) لقاعدة التجاوز، و قد ذكرنا في علم الأصول أن هذه القاعدة بما أنها قاعدة عقلائية، و تكون حجيتها من باب الأمارية و الكاشفية، لا من باب التعبد الصرف، فلا تختص بباب دون باب. نعم اذا كان الشك في الإصابة قبل الدخول في واجب آخر مترتب عليه أو قبل الدخول في الليل، فلا بد من الاعتناء به و الاتيان بالمشكوك.

(2) تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك، و إن أخذته من غير الحرم لم يجزئك، قال: و قال لا ترم الجمار إلّا بالحصى» (3).

و منها: صحيحة حنان بن سدير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: يجزيك أن تأخذ حصى الجمار من الحرم كله، إلّا من المسجد الحرام و مسجد الخيف» (4).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار: «قال: خذ حصى الجمار من جمع، و إن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 4.

(2) راجع الوسائل: الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة.

(3) الوسائل: الباب 4 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 19 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 4.

491

2- أن تكون أبكارا على الأحوط (1) بمعنى أنها لم تكن مستعملة في الرمي قبل ذلك، و يستحب فيها أن تكون ملوّنة و منقطة و رخوة، و ان يكون حجمها بمقدار أنملة، و ان يكون الرامي راجلا و على طهارة.

[مسألة 379: إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد اشكال]

(مسألة 379): إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد اشكال (2)، فالأحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقا فان لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد بنفسه و استناب شخصا آخر لرمي المقدار المزيد عليه، و لا فرق في ذلك بين العالم و الجاهل و الناسي.

____________

أخذته من رحلك بمنى اجزأك» (1) و لا يبعد دلالة هذه الصحيحة على أفضلية أخذها من المشعر.

(1) لا بأس بتركه و إن كان أولى و أجدر، على أساس أن الروايات الدالة على ذلك جميعا ضعيفة السند، فلا يمكن الاعتماد على شي‌ء منها.

(2) الظاهر أنه لا اشكال فيه، و ذلك لأن الجمرة الموجودة في زمن المعصومين (عليهم السّلام) لم تبق جزما، بل الجمرة الموجودة قبل سنين غير باقية، لأنها دفنت تحت الأرض، و بنيت عليها بناية حديثة بارتفاع عدة امتار باسم الجمرة، و على هذا فوظيفة الحجاج رميها تنفيذا لهذا الشعار الاسلامي الذي هو رمز للابتعاد من أخطر عدوه، و حيث إن الجمرة الموجودة في زمن المعصومين (عليهم السّلام) لم تحدد في الروايات لا طولا و لا عرضا لكي يقال بعدم كفاية رمي المقدار الزائد عليها، هذا. اضافة الى أنه لا موضوعية للجمرة السابقة و لا لموضعها الطبيعي من الناحية المكانية الذي كانت الجمرة فيه، لأنه مدفون تحت الأرض، و إلّا فلازمه سقوط هذا الحكم عن المسلمين، و هو كما ترى، فاذن وجوب رمي الجمرة الجديدة المبنية فوق ذلك الموضع عموديا ليس إلّا أنه رمز‌

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 2.

492

[مسألة 380: إذا لم يرم يوم العيد نسيانا أو جهلا منه بالحكم لزمه التدارك إلى اليوم الثالث عشر]

(مسألة 380): إذا لم يرم يوم العيد نسيانا أو جهلا منه بالحكم لزمه التدارك إلى اليوم الثالث عشر (1)

____________

و شعار للإسلام، و من هنا اذا فرض عدم بناء جمرة جديدة فيه، أو فرض نصب شاخص مكانه من خشب أو حديد، فهل يحتمل أن لا يجب على الحجاج رمي ذلك الموضع او الشاخص؟ و الجواب: كلا، و يجب عليهم ذلك، و لا يحتمل سقوط هذا الحكم الاسلامي عنهم.

و تؤكد ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: ان أوّل من رمى الجمار آدم (عليه السّلام)، و قال: أتى جبرئيل إبراهيم (عليه السّلام) فقال: إرم يا إبراهيم، فرمى جمرة العقبة، و ذلك أن الشيطان تمثل له عندها» (1) بتقريب أن الظاهر منها أن تشريع رمي الجمرة في الحقيقة انما هو من أجل رجم الشيطان عندها بالحصى رمزيا، و أظهر منها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن رمي الجمار لم جعلت؟ قال: لأن ابليس اللعين كان يتراءى لإبراهيم (عليه السّلام) في موضع الجمار فرجمه إبراهيم (عليه السّلام) فجرت السنة بذلك» (2) و مثلها روايته الأخرى (3)، و على هذا فالأظهر كفاية رمي الجمرة الحالية من اسفلها الى أعلاها، و إن كان الأولى و الأجدر رمي وسطها.

(1) قد استدل على ذلك بصحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى الى منى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس، قال: يرمي اذا اصبح مرتين مرة لما فاته، و الأخرى ليومه الذي يصبح فيه، و ليفرّق بينهما يكون أحدهما بكرة و هي للأمس، و الأخرى عند زوال الشمس» (4) بدعوى أنها تشمل الناسي و الجاهل معا، بل تعم ما اذا كان تركه عن تساهل و تسامح، هذا. و لكن شمولها للجاهل لا يخلو‌

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من ابواب العود الى منى، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 4 من ابواب العود الى منى، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 4 من ابواب العود الى منى، الحديث: 7.

(4) الوسائل: الباب 15 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 1.

493

..........

____________

عن اشكال، بل منع، فان قوله: «فعرض له عارض فلم يرم- الحديث» ظاهر في عروض مانع عن الرمي كالنسيان أو نحوه، و لا يعم الجهل، لأنه اذا كان جاهلا بالحكم من الأول لم يصدق عليه أنه بعد وصوله الى منى عرض له عارض فلم يرم، كما أن شمولها للترك تسامحا و تساهلا لا يخلو عن اشكال، بل منع.

و لمزيد التوضيح للمسألة و تكميلها نظريا و تطبيقيا نذكر فيما يلي صورا:

الأولى: قد تسأل عن أن حكم الجاهل بوجوب الرمي يوم العيد هل هو حكم الناسي في وجوب القضاء؟

الجواب: الظاهر أن حكم الجاهل حكم الناسي فيه، فان الصحيحة و إن لم تشمل الجاهل، إلّا أنه لا يحتمل عرفا بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن تركه اذا كان مستندا الى النسيان، أو الى مانع آخر موجب للقضاء، دون ما اذا كان مستندا الى الجهل، إذ احتمال ان القضاء واجب على الناسي دون الجاهل، و لا سيما اذا كان جهله بسيطا و كان مكلفا بالواقع غير محتمل. و تؤكد ذلك صحيحة معاوية بن عمار، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام): ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت الى مكة، قال: فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي، و الرجل كذلك» (1) بتقريب ان احتمال اختصاص هذا الحكم بالجمار و عدم شموله للجمرة العقبة بعيد جدا عن الارتكاز العرفي. و مثلها صحيحته الأخرى (2).

الثانية: قد تسأل عن حكم من ذبح يوم العيد، و حلق أو قصر و زار البيت،

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من ابواب العود الى منى، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 3 من ابواب العود الى منى، الحديث: 3.

494

..........

____________

و ترك رمي جمرة العقبة نسيانا أو جهلا بالحكم، فهل تجب عليه الاعادة؟

و الجواب: لا تجب عليه الاعادة، و تدل على ذلك جملة من الروايات.

منها: صحيحة محمد بن حمران، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل زار البيت قبل أن يحلق، قال: لا ينبغي إلّا أن يكون ناسيا، ثم قال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أتاه أناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه ذبحت قبل أن أرمي، و قال بعضهم: ذبحت قبل أن احلق، فلم يتركوا شيئا أخروه، و كان ينبغي أن يقدّموه، و لا شيئا قدّموه كان ينبغي لهم أن يؤخّروه إلا قال: لا حرج» (1).

و منها: صحيحة جميل بن دراج (2)، و منها غيرها (3)، بتقريب أن هذه الروايات ظاهره في أن تقديم ما ينبغي تأخيره، و تأخير ما ينبغي تقديمه في اعمال و مناسك منى لا يضر و إن كان عن جهل، بل عن علم و عمد، و ذلك لمكان وجود قرائن داخلية و خارجية:

الأولى: أن مجيئهم الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سؤالهم عن صحة ما صنعوا به يدل على أنهم لم يكونوا واثقين بصحة ما صنعوا به، و مترددين فيها، اذ لو كانوا واثقين بها لم يقوموا بعملية السؤال.

الثانية: ان في نفس صيغة السؤال في تلك الروايات اشارة الى أنهم كانوا ملتفتين الى مواضع هذه الأعمال من الناحية التسلسلية زمانا و مكانا و موضعا.

الثالثة: موثقة عمار الساباطي في حديث قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل حلق قبل أن يذبح، قال: يذبح و يعيد الموسى، لأن اللّه تعالى يقول: لا‌

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من ابواب الحلق و التقصير، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 39 من ابواب الذبح، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 39 من أبواب الذبح، الحديث: 6 و 8 و 9.

495

..........

____________

تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله» (1) بتقريب أن الأمر باعادة الموسى مع أنها ليست حلقا يدل على أن الحلق قد سقط عنه، و إلّا لأمر بالتقصير بديلا عنه، بناء على ما استظهرناه من التخيير بينه و بين الحلق، و على تقدير تعين الحلق عليه فيؤخر الى أن ينبت الشعر على رأسه، ثم يحلق، حيث ان وقت الحلق يمتد الى آخر ذي الحجة، فإذا صبر الى اسبوعين أو أقل يتمكن بعد ذلك من الحلق، فعدم أمر الإمام (عليه السّلام) بالتأخير، و أمره باعادة الموسى رغم أنها ليست حلقا، فلا محالة يكون للمشاكلة و المشابهة، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الأمر بها وجوبيا أو استحبابيا، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان اطلاق الجواب فيها، و عدم التفصيل فيه، يشمل ما اذا كان الحلق قبل الذبح عامدا و ملتفتا.

و أما الآية الشريفة فانما هي في مقام بيان أن موضع الحلق بعد الذبح، و مقتضى ذلك و إن كان وجوب الترتيب بينهما تكليفا و وضعا، و لكن لا بد من رفع اليد عن هذا الاطلاق و تقييده بوجوب الترتيب بينهما تكليفا للقرائن المتقدمة، و ما يأتي.

الرابعة: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحي، قال: لا بأس، و ليس عليه شي‌ء، و لا يعودن» (2) فانها تدل بوضوح على عدم البأس بالحلق قبل الذبح، و لكن لا بد من حمله على عدم البأس الوضعي، لا الأعم منه و من التكليفي، و أما أن اطلاقها يشمل العالم بالحكم أيضا، فانه مضافا الى كونها في مقام البيان و لم تقيد الرجل الذي حلق رأسه قبل أن يضحي بالناسي أو الجاهل، فيكفي قوله (عليه السّلام) في ذيلها: «و لا يعودن»‌

____________

(1) الوسائل: الباب 39 من ابواب الذبح، الحديث: 8.

(2) الوسائل: الباب 39 من ابواب الذبح، الحديث: 10.

496

..........

____________

لأنه ظاهر عرفا في أن ما فعله أولا كان عن عمد و التفات، اذ لو كان عن نسيان أو جهل مركب فلا معنى لنهيه عن العود، فيكون النهي عنه حينئذ قرينة على أن تقديم الحلق على الذبح كان عن عمد.

فالنتيجة لحد الآن قد تبين أن وجوب التسلسل بين أعمال منى إنّما يكون تكليفيا، دون الأعم منه و من الوضعي.

قد يقال- كما قيل- أن قوله (عليه السّلام) في صحيحة سعيد الأعرج: «فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن، و يقصرن من اظفارهن، و يمضين الى مكة» (1) يدل على أن الترتيب بينها معتبر.

و الجواب: ان الصحيحة لا تدل على ذلك كما تقدم، و على تقدير دلالتها فلا بد من تقييد اطلاقها بوجوب الترتيب و التسلسل بينها تكليفا فحسب، لا وضعا أيضا، و على هذا فاذا ترك المكلف رمي جمرة العقبة عامدا و ملتفتا الى موضعها من الناحية التسلسلية، فان استمر على تركه بطل حجه، و أما اذا تداركه قبل أن يفوت وقته، فالأظهر عدم وجوب اعادة ما أتى به من الأعمال المترتبة على الرمي، و إن كانت الاعادة أحوط و أجدر.

نعم اذا طاف قبل رمي الجمرة عامدا، فالأظهر اعادته و إن كان جاهلا بالحكم، لأن المستثنى في صدر صحيحتي حمران و جميل هو الناسي، و يلحق به الجاهل المركب أيضا، اذ لا يحتمل أن تكون للناسي خصوصية إلّا من جهة أنه غير مكلف بالواقع، و المفروض أن الجاهل المركب يشترك معه من هذه الجهة، فاذن يكون الجاهل بالحكم الملتفت و إن كان معذورا و كذلك العالم به بما أنه غير مشمول لهما لا بحسب الصدر و لا الذيل، لاختصاص ذيلهما‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

497

..........

____________

بأعمال و مناسك منى، فمقتضى القاعدة الإعادة.

الثالثة: ان يتذكر أو يعلم بالحكم بعد يوم العيد، و في ليلة الحادي عشر، أو في نهاره و حينئذ فوظيفته أن يقضيه في اليوم الحادي عشر، و يفرق بين القضاء و الأداء في ذلك اليوم جاعلا القضاء صباحا و الأداء عند الزوال على الأحوط، و الأقوى كفاية الفصل بينهما بساعة و ذلك لأن صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة تدل على أن يفرق بين القضاء و الأداء جاعلا القضاء بكرة، و الأداء عند زوال الشمس بالنص، و على عدم كفاية الأقل من ذلك بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، و لكن صحيحة معاوية بن عمار تدل على كفاية التفريق بينهما بساعة نصا، فاذن لا بد من تقديمها عليها تطبيقا لقاعدة تقديم النصّ على الظاهر، و هل تجب حينئذ اعادة ما أتى به من اعمال الحج كالذبح و الحلق أو التقصير؟ و الجواب: لا تجب اعادتها. و أما الطواف فهل تجب اعادته؟

و الجواب: لا تجب اعادته شريطة أن يكون الجهل بالحكم مركبا، و إلّا وجبت كما مر.

الرابعة: أن يتذكر أو يعلم بالحكم بعد اليوم الحادي عشر، و قبل خروجه من مكة، و حينئذ فان كان في مكة وجب عليه الرجوع الى منى، و قضاء الرمي اذا كان في أيام التشريق، و أما اذا تذكر أو علم بعد أيام التشريق، و كان في مكة، فهل يجب عليه الرجوع الى منى من أجل رمي الجمار؟ المعروف و المشهور بين الأصحاب عدم وجوب الرجوع، و عليه القضاء في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه، لأن وقته يمتد الى أيام التشريق، و بانتهائها ينتهي. و استدلوا على ذلك برواية عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من اغفل رمي الجمار أو بعضها حتى‌

498

..........

____________

تمضي أيام التشريق، فعليه أن يرميها من قابل، فان لم يحج رمى عنه وليه، فإن لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمي عنه، فانه لا يكون رمي الجمار إلّا أيام التشريق» (1) و هذه الرواية و إن كانت تامة دلالة إلّا أنها ضعيفة سندا، فان في سندها محمد بن عمر بن يزيد، و هو ممن لم يثبت توثيقه في كتب الرجال، بل مقتضى اطلاق صحيحة معاوية بن عمار، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام): ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت الى مكة؟

قال: فلترجع و لترم الجمار، كما كانت ترمي، و الرجل كذلك» (2) وجوب الرجوع الى منى من أجل الرمي ما دام في مكة و إن كان بعد أيام التشريق.

فالنتيجة أن الأظهر عدم تحديد وقت رمي الجمار بأيام التشريق، لأن المعيار فيه انما هو بتواجد الحاج في مكة، فان كان فيها و تذكر أو علم بالحكم وجب عليه أن يرجع الى منى، و يرمي و إن كان بعد أيام التشريق. نعم الأحوط و الأجدر به أن يبادر الى الرجوع و الرمي على نحو يحصل الرمي في أيام التشريق التي تمتد من اليوم الحادي عشر الى نهاية اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.

الخامسة: ان يتذكر بالحال، أو علم بالحكم بعد خروجه من مكة و التوجه نحو بلده، فهل يجب عليه في هذه الحالة أن يرجع الى منى و يرمي؟

الجواب: لا يجب، و الأحوط و الأجدر به وجوبا أن يقضي في السنة القادمة مخيرا بين أن يذهب بنفسه أو يستنيب. و تدل على عدم وجوب الرجوع صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل نسي رمي الجمار، قال: يرجع فيرميها، قلت: فانه نسيها حتى أتى مكة، قال: يرجع فيرمي متفرقا،

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من ابواب العود الى منى، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 3 من ابواب العود الى منى، الحديث: 1.

499

..........

____________

يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فانه نسى أو جهل حتى فاته و خرج، قال:

ليس عليه أن يعيد» (1).

السادسة: ان المكلف اذا ترك رمي جمرة العقبة عامدا و ملتفتا الى الأحكام و تسلسل المناسك و وجوبه، فان استمر على تركه بطل حجه، و اذا تداركه قبل مضي وقته صح، و هل يجب عليه حينئذ أن يعيد ما أتى به من اعمال منى المترتبة على الرمي؟ لا يبعد عدم وجوب اعادتها و إن كانت الاعادة أحوط و أجدر كما مر.

السابعة: اذا طاف طواف الحج قبل رمي الجمرة عامدا و ملتفتا الى الحكم و موضع الطواف من الناحية التسلسلية، فحينئذ ان استمر على تركه بطل حجه، و اذا تداركه قبل مضي وقته صح، و حينئذ فهل يجب عليه أن يعيد الطواف؟

و الجواب: نعم تجب اعادته، لأن الصحة بحاجة الى دليل، و لا دليل عليها في المقام، و مقتضى القاعدة بطلانه، باعتبار أنه أتى به في غير موضعه، فلا ينطبق عليه الطواف المأمور به، كما هو مقتضى صدر صحيحتي جميل و حمران المتقدمتين.

الثامنة: اذا أتى المكلف برمي جمرة العقبة، ثم زار البيت قبل أن يحلق، و حينئذ فان استمر على تركه بطل الحج، و اذا تداركه قبل مضي وقته صح. و لكن هل يجب عليه أن يعيد الطواف؟

و الجواب: نعم، لأن صحته بحاجة الى دليل، و لا دليل عليها، و أما صحيحتا محمد بن حمران و جميل المتقدمتان فلا تدلان على الصحة إلّا في صورة النسيان و الجهل المركب، لا مطلقا، كما مر. بل صحيحة محمد بن مسلم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من ابواب العود الى منى، الحديث: 3.

500

حسبما تذكر أو علم، فان علم أو تذكر في الليل لزمه الرمي في نهاره إذا لم يكن ممن قد رخص له الرمي في الليل- و سيجي‌ء ذلك في رمي الجمار- و لو علم أو تذكر بعد اليوم الثالث عشر فالأحوط أن يرجع إلى منى و يرمي (1) و يعيد الرمي في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه، و إذا علم أو تذكر بعد الخروج من مكة لم يجب عليه الرجوع بل يرمي في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه على الأحوط.

____________

عن ابي جعفر (عليه السّلام): «في رجل زار البيت قبل أن يحلق، فقال: ان كان زار البيت قبل أن يحلق و هو عالم أن ذلك لا ينبغي له، فان عليه دم شاة» (1) تدل على بطلان ما أتى به من الطواف قبل الحلق عامدا و عالما بالحكم، و وجوب الكفارة عليه.

أما وجوب الكفارة فقد نصت عليه الصحيحة، و أما بطلان الطواف، فلأن قوله (عليه السّلام) في الصحيحة: «و هو عالم أن ذلك لا ينبغي له» يدل على أن الطواف بما أنه في غير موضعه فلا يكون مأمورا به و مطلوبا للمولى، و حينئذ فلا يمكن الحكم بصحته.

و تدل على البطلان أيضا صحيحة علي بن يقطين، قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن المرأة رمت و ذبحت و لم تقصر حتى زارت و طافت وسعت من الليل، ما حالها، و ما حال الرجل اذا فعل ذلك؟ قال: لا بأس به يقصّر، و يطوف بالحج، ثم يطوف للزيارة، ثم قد أحل من كل شي‌ء» (2) و لكن حينئذ لا بد من تقييد اطلاقها بغير الناسي و الجاهل المركب.

(1) بل هو الأظهر شريطة أن يكون المكلف في مكة كما مر. و عليه فلا مبرر للاحتياط باعادة الرمي في السنة القادمة.

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 4 من ابواب الحلق و التقصير، الحديث: 1.

501

[مسألة 381: إذا لم يرم يوم العيد نسيانا أو جهلا فعلم أو تذكر بعد الطواف فتداركه لم تجب عليه اعادة الطواف]

(مسألة 381): إذا لم يرم يوم العيد نسيانا أو جهلا فعلم أو تذكر بعد الطواف فتداركه لم تجب عليه اعادة الطواف، و إن كانت الاعادة أحوط، و أما إذا كان الترك مع العلم و العمد فالظاهر بطلان طوافه فيجب عليه أن يعيده بعد تدارك الرمي (1).

____________

(1) هذا هو الأظهر كما مر مفصلا.

502

[5- الذبح أو النحر في منى]

2- الذبح أو النحر في منى و هو الخامس من واجبات حج التمتع (1) و يعتبر فيه قصد القربة (2)

____________

(1) للكتاب و السنة المتواترة اجمالا، و ينصان على وجوب الهدي على المتمتع بالعمرة الى الحج، و هو أحد الأمور التالية: (1) الناقة، (2) البقرة، (3) الشاة. و هل يجب الهدي على أهل مكة اذا أرادوا الإتيان بحج التمتع على أساس أنه مشروع في حقهم؟ المعروف و المشهور بين الأصحاب وجوبه على المكي اذا تمتع و هو الصحيح، على أساس أن المستفاد من الآية الشريفة و الروايات أن الهدي من أحد عناصر حج التمتع و مناسكه، بدون فرق بين أن يكون الحج واجبا على المكلف بنفسه، كحج التمتع من حجة الإسلام، أو بالاستنابة، أو النذر أو نحوه، أو مستحبا عليه في مقابل حج الافراد، فان الهدي ليس من أحد اجزائه و واجباته. نعم اذا صحب من يريد حج الافراد هديا معه وقت الاحرام، بأن أحضر شاة- مثلا- و ساقها معه، وجب عليه أن يضحي به يوم العيد، و يسمّى الحج حينئذ بحج القران.

و بكلمة: ان الآية الشريفة تنص على أن حج التمتع وظيفة النائي، و هو من يبعد بلده عن مكة اكثر من ستة عشر فرسخا، و الهدي جزؤه بدون فرق بين أن يكون واجبا أو مستحبا، و من هنا لو كنا نحن و الآية الشريفة لقلنا بعدم مشروعية حج التمتع لغير النائي، و لكن هناك روايات تدل على مشروعيته لغيره أيضا.

(2) قد تقدم أن كل عبادة يكون لها اسم خاص المميز لها شرعا يعتبر فيها أمور: (الأول) قصد القربة، (الثاني) الاخلاص، (الثالث) أن يقصد اسمها الخاص، بأن يقول: اذبح شاة- مثلا- لحج التمتع من حجة الإسلام، و اذا كان نائبا‌

503

و الايقاع في النهار (1)

____________

نوى اسم المنوب عنه، و اذا كان مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام.

(1) لا اشكال في ذلك، و تدل عليه عدة طوائف من الروايات:

الأولى: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا رميت الجمرة فاشتر هديك إن كان من البدن أو البقر، و إلّا فاجعله كبشا سمينا فحلا- الحديث» (1) و قد مر أن رمي الجمرة لا بد أن يكون في النهار.

الثانية: الروايات التي تنص على أن يوم العيد هو يوم النحر و الذبح، و هي مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة اسماعيل بن همام، قال: «سمعت ابا الحسن الرضا (عليه السّلام) يقول: لا ترم الجمرة يوم النحر حتى تطلع الشمس- الحديث» (2).

الثالثة: الروايات التي تنص على أنه يجوز للخائف أن يفيض من الجمع بالليل، و يرمي بالليل، و يضحي بالليل، فان استثناء الخائف عن سائر الناس في تلك الأحكام معناه أنه لا يجوز لغيره ممارسة تلك الأعمال بالليل.

الرابعة: الروايات التي تنص على أن الأضحى بمنى أربعة أيام.

منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن الأضحى كم هو بمنى؟ فقال: أربعة أيام، و سألته عن الأضحى في غير منى، فقال: ثلاثة أيام- الحديث» (3).

و منها: موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن الأضحى بمنى، فقال: أربعة أيام، و عن الأضحى في سائر البلدان، فقال: ثلاثة أيام» (4).

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من ابواب الذبح، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 13 من ابواب رمي جمرة العقبة، الحديث: 7.

(3) الوسائل: الباب 6 من أبواب الذبح، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 6 من أبواب الذبح، الحديث: 2.

504

..........

____________

و في مقابلها روايات أخرى تنص على أن الأضحى ثلاثة أيام بمنى، يوم النحر، و يومان بعده. و لكن تلك الروايات لا تصلح أن تعارض هذه الروايات، فانها تنص على أن اليوم الرابع من الأضحى، و تلك الروايات تنفي ذلك بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، و حينئذ فلا بد من تقديمها عليها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص.

فالنتيجة أن كلتا المجموعتين تدلّان على أن الذبح و النحر لا بد أن يكون في النهار من يوم العيد، بأن يأتي به فيه، و اذا لم يأت به عامدا و ملتفتا أو غير عامد و ملتفت، فالأحوط وجوبا الاتيان به خلال أيام التشريق، و هي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر، و اذا لم يأت به في هذه الفترة عامدا أو غير عامد أيضا وجب الاتيان به خلال شهر ذي الحجة، و اذا لم يأت به كذلك الى أن مضى ذو الحجة فعليه الاتيان به في العام القادم. و تدل عليه صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في متمتع يجد الثمن و لا يجد الغنم، قال: يخلف الثمن عند بعض أهل مكة، و يأمر من يشتري له و يذبح عنه، و هو يجزي عنه، فان مضى ذو الحجة أخّر ذلك الى قابل من ذي الحجة» (1) فان الظاهر منها أن وقته يمتد الى آخر ذي الحجة، فإن مضى ففي السنة القادمة، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى أن الروايات المذكورة بكافة طوائفها و اصنافها، هل تدل على أن الواجب أولا هو ايقاع الذبح أو النحر في يوم العيد، فان لم يتمكن من ذلك لسبب من الأسباب وجب ايقاعه في أيام التشريق و إن لم يتمكن منه أيضا لمانع، وجب ايقاعه خلال شهر ذي الحجة، و إلّا ففي العام القادم؟

و الجواب: انها لا تدل على وجوب الاتيان به بهذه الكيفية الخاصة، لأن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 44 من ابواب الذبح، الحديث: 1.