تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
55

[مسألة 94: إذا أوصى بالحج فإن علم أن الموصى به هو حجة الإسلام أخرج من أصل التركة]

(مسألة 94): اذا اوصى بالحج فان علم ان الموصى به هو حجة الإسلام اخرج من اصل التركة إلا فيما اذا عين اخراجه من الثلث، و أما إذا علم ان الموصى به غير حجة الإسلام، او شك في ذلك فهو يخرج من الثلث (1).

[مسألة 95: اذا اوصى بالحج، و عين شخصا معينا لزم العمل بالوصية]

(مسألة 95): اذا اوصى بالحج، و عين شخصا معينا لزم العمل بالوصية، فان لم يقبل إلا بازيد من اجرة المثل اخرج الزائد من الثلث (2)، فان لم يمكن ذلك أيضا استؤجر غيره باجرة المثل.

____________

المطلوب، و إن كان مخالفا له، فان كان نظره مطابقا للاحتياط دون نظر الموصي كان عليه أن يعمل على طبق نظره، و إن كان نظر الموصي مطابقا للاحتياط دون نظره، فعليه أن يعمل على طبق نظر الموصي تطبيقا للعمل بالوصية، و تمام الكلام هنا في المسألة (101) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) و ذلك لأن الوارث أو الوصي اذا شك في أن الموصى به هل هو حجة الإسلام أو غيرها كان مرد هذا الشك الى الشك في أن الوصية قد تعلقت بها أو بغيرها، و في مثل ذلك لا مانع من الرجوع الى أصالة عدم تعلقها بها، و بذلك ينفى موضوع وجوب الخروج من الأصل و هو تعلق الوصية بها، فلذلك يخرج من الثلث لا من أصل المال.

(2) هذا لما مر من أن حق الميت شرعا في التركة إنما يمثل مقدار نفقات سفر الحج الاعتيادية من أعلى درجاتها الى أدناها، الّا في حالات استثنائية كما عرفت، و على هذا فاذا لم يقبل الأجير الّا بأجرة اكبر من الأجرة الاعتيادية بأعلى تلك الدرجات، فالزائد يخرج من ثلث الباقي شريطة أن يوجد هناك من يقبل بالاجرة الاعتيادية، و أما إذا لم يوجد و طالب الأجير بأجور أكبر من الاعتيادية‌

56

[مسألة 96: اذا اوصى بالحج، و عين اجرة لا يرغب فيها احد]

(مسألة 96): اذا اوصى بالحج، و عين اجرة لا يرغب فيها احد، فان كان الموصى به حجة الإسلام لزم تتميمها من اصل التركة، و ان كان الموصى به غيرها بطلت الوصية، و تصرف الأجرة في وجوه البر (1).

[مسألة 97: اذا باع داره بمبلغ- مثلا- و اشترط على المشتري ان يصرفه في الحج عنه بعد موته كان الثمن من التركة]

(مسألة 97): اذا باع داره بمبلغ- مثلا- و اشترط على المشتري ان يصرفه في الحج عنه بعد موته كان الثمن من التركة (2)، فان كان الحج حجة الإسلام لزم الشرط و وجب صرفه في اجرة الحج، ان لم يزد على أجرة المثل و إلا فالزائد يخرج من الثلث، و ان كان الحج غير حجة الإسلام لزم الشرط أيضا، و يخرج تمامه من الثلث و ان لم يف الثلث لم يلزم الشرط في المقدار الزائد.

____________

باعلاها، فلا يخرج الزائد من الثلث لعدم الموجب للتأجيل الى سنة أخرى.

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) و ذلك، لما عرفت من أن الوصية بالثلث تدل على أن غرض الميت منها بقاؤه في ملكه و صرفه في الأهم فالأهم مما يصل نفعه اليه، و على هذا فالأجرة التي عينها الموصي للحج بما أنه لا يرغب فيها أحد، و لا يقبل الحج بها فالوصية بالنسبة إليه باطلة، و حينئذ فلا بد من صرفها في الجهة الأخرى مع مراعاة الأقرب فالأقرب، على أساس ما ذكرناه من دلالة الوصية على تعدد المطلوب، يعنى الأهم فالأهم، و الأقرب فالأقرب.

(2) في اطلاقه اشكال، بل منع، لأن الشرط في المسألة بما انه يتضمن الوصية بصرف ثمن الدار في الحج عنه بعد موته، فيكون المشروط بهذا الشرط الوصية بالحج، و عليه فان كان الحج الموصى به حجة الإسلام أخرج الثمن من التركة، فان و في بنفقات الحج فهو المطلوب، و إن لم يف بها فان كانت له تركة اخرى وجب تكميله منها، و الّا كان الثمن للورثة، باعتبار أن هذه الوصية وصية بحجة الإسلام مباشرة، و لا ترجع الى الوصية بالثلث.

57

..........

____________

و إن كان الحج الموصى به حجة أخرى، فان كان ثمن الدار بمقدار ثلث ماله فالوصية نافذة، و يجب على الوصي صرفه في الحج الموصى به، و إن كان زائدا على الثلث فالزائد يرجع الى الورثة، و عندئذ فان كان الباقي وافيا بنفقات سفر الحج وجب صرفه فيها، و الا صرف في وجوه البر و الاحسان، و من هنا يظهر حال ما إذا كانت تركته منحصرة به، فان وصيته وقتئذ نافذة في ثلث الثمن فقط، فان و في ثلثه بالحج فهو، و الّا يصرف في جهات الخير، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى اذا فرض ان المشترى امتنع عن تنفيذ الوصية، فحينئذ ان كان الحج الموصى به حجة الإسلام، و كانت للميت تركة أخرى غيره أيضا، أو إذا لم تكن له تركة أخرى غيره، و لكن ثمن الدار لا يزيد على الأجرة الاعتيادية للحج، ثبت خيار تخلف الشرط للميت فحسب، و هل ينتقل هذا الخيار الى ورثته أو الى الحاكم الشرعي؟

و الجواب: انه ينتقل الى الحاكم الشرعي دون الورثة، فانهم لا ينتفعون به، لأن نسبتهم اليه كنسبة الأجانب، فالخيار انما ينتقل الى الورثة تبعا لانتقال الحق أو المال اليهم لا مطلقا، و المفروض في المقام ان المال لم ينتقل اليهم، بل ظل في ملك الميت، و إذا فسخت المعاملة انتقل الثمن من ملكه الى ملك المشتري بدل انتقال الدار من ملكه الى ملك الميت.

فالنتيجة ان الخيار بما أنه ينتقل الى الحاكم الشرعي فله أن يطالب المشتري حينئذ بتنفيذ الوصية، فان امتنع فسخ المعاملة، فاذا فسخها انتقلت الدار من ملك المشتري الى ملك الميت، كما انتقل الثمن من ملكه الى ملك المشتري و للحاكم الشرعي ان يصرف الدار عندئذ في الحج عنه، فان زادت عن‌

58

..........

____________

نفقاته اعتبر الزائد من ثلث الباقي، اذا كانت له تركة أخرى، و يصرف في وجوه البر و الاحسان. و كذلك اذا لم تكن له تركة أخرى، على اساس ان الدار بما أنها صارت ملكا للميت من جديد بعد خروجها عن ملكه في زمن حياته، فلا دليل على أن كل ما يملكه الميت بعد موته ينتقل الى ورثته فيما عدا مسألة الدية، و يشهد على ذلك بعض الروايات أيضا.

و أما إذا كانت التركة منحصرة بالثمن، و كان زائدا عن الأجرة المتعارفة، فحينئذ بما أن الزائد يرجع الى الورثة فاذا امتنع المشتري عن تسليمه اليهم ثبت لهم الخيار أيضا، فها هنا خياران:

أحدهما: ثابت للميت من جهة تخلف الشرط.

و الآخر: للورثة من جهة امتناع المشتري عن تسليم الزائد، و في هذه الصورة أيضا لا ينتقل خيار الميت الى الورثة، بل الى الحاكم الشرعي بنفس الملاك المتقدم، و أما إذا كان الحج الموصى به حجة أخرى فان لم يكن الثمن أزيد من الثلث ثبت الخيار للميت فقط، بملاك تخلف الشرط، و ينتقل الى الحاكم الشرعي بنفس ما تقدم من الملاك، و إن كان الثمن ازيد من الثلث فبما أن الزائد يرجع إلى الورثة، ثبت الخيار لهم أيضا بملاك امتناع المشتري عن تسليم الزائد اليهم، فعندئذ يكون هناك خياران:

أحدهما: ثابت للميت من جهة تخلف الشرط.

و الآخر: للورثة من جهة امتناع المشتري عن التسليم و خيار الميت لا ينتقل الى الورثة بنفس ما تقدم من الملاك، فمن أجل ذلك يقوم الحاكم الشرعي مقام الميت من باب الولاية- كما عرفت-.

59

[مسألة 98: اذا صالحه داره- مثلا- على أن يحج عنه- بعد موته صح و لزم]

(مسألة 98): اذا صالحه داره- مثلا- على أن يحج عنه- بعد موته- صح و لزم، و خرجت الدار عن ملك المصالح الشارط، و لا تحسب من التركة، و ان كان الحج ندبيا، و لا يشملها حكم الوصية، و كذلك الحال اذا ملكه داره بشرط أن يبيعها و يصرف ثمنها في الحج عنه بعد موته، فجميع ذلك صحيح لازم، و ان كان العمل المشروط عليه ندبيا، و لا يكون للوارث حينئذ حق في الدار، و لو تخلف المشروط عليه عن العمل بالشرط لم ينتقل الخيار الى الوارث، و ليس له اسقاط هذا الخيار الذي هو حق للميت و انما يثبت الخيار للحاكم الشرعي (1) و بعد فسخه يصرف المال فيما شرط على المفسوخ عليه فان زاد شي‌ء صرف في وجوه الخير.

____________

(1) هذا مبني على أن مفاد شرط الفعل ليس هو إنشاء تمليكه للمشروط له، بل مفاده الزام المشروط عليه بالعمل بالشرط تكليفا، و على هذا فليس الشرط ملكا و لا حقا حتى يكون من التركة و ينتقل الى الورثة، و حينئذ فاذا امتنع المشروط عليه عن العمل بالشرط ثبت للميت خيار تخلف الشرط، و ينتقل هذا الخيار الى الحاكم الشرعي بمعنى أنه يقوم مقامه في اعماله ولاية، لا الى الورثة لأنهم لا ينتفعون به كالأجنبي، و قد مر أن الخيار انما ينتقل اليهم تبعا لانتقال الملك او الحق لا مطلقا، و أما بناء على أن مفاده إنشاء تمليك الفعل المشروط للمشروط له، كما هو غير بعيد فينتقل الخيار حينئذ الى الورثة تبعا لانتقال الشرط اليهم.

بيان ذلك: انه يمكن ان يقال ان المنشأ في شرط الفعل في الحقيقة هو المعنى الحرفي، يعني النسبة المدلول عليه بكلمة (اللام) في قولك عند الاشتراط في عقد «ان تخيط لي ثوبي» أو «لك عليّ خياطة الثوب» و حيث ان النسبة الخارجية بين الشرط و المشروط له في الخارج غير قابلة للإنشاء، فلا‌

60

..........

____________

محالة يكون المنشأ هو النسبة الاعتبارية بينهما المتمثلة في ملكية الشرط للمشروط له، و على ضوء هذا الأساس ان المشروط له يملك الشرط على المشروط عليه من حين إنشائه في ضمن العقد، غاية الأمر ان ظرف تسليمه اليه كان بعد موته، و حينئذ يكون من التركة، و اذا كان منها انتقل الى الورثة شريطة توفر أمرين فيه معا:

أحدهما: ان لا يكون الحج المشروط به حجة الإسلام.

و الآخر: أن لا تكون التركة منحصرة بهذا الشرط، و حينئذ فان كان الميت قد أوصى بالثلث و لم يعين مصرفا خاصا له و أوكل تعيين مصرفه بنظر الوصي أو الوارث، فله أن يعين الثلث في الشرط مالا و مصرفا اذا لم تكن قيمته أزيد من الثلث و عندئذ فان قام المشروط عليه بالوفاء بالشرط بأن يحج عنه نيابة فقد أدى المشروط عليه ما عليه من العمل المشروط، و نفذ الوصي الوصية، فيكون حج المشروط عليه مصداقا للعمل بالوصية و للوفاء بالشرط معا، و إن امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط ثبت للورثة خيار تخلف الشرط، و كان لهم حينئذ أن يقوموا بفسخ المعاملة، فاذا فسخوها انتقلت الدار في المثال اليهم، فاذا انتقلت فلهم اخراج الثلث منها، أو من سائر التركة، و أما إذا لم تكن له وصية بالثلث فلا حق له، لا في سائر تركته في الخارج، و لا في هذا الشرط.

و دعوى: أن هذا الشرط منه وصية فيكون نافذا في ثلثه.

مدفوعة: بان هذا الشرط لا يصلح أن يكون وصية، لأن الوصية يكون متعلقها المال أو الحق في الخارج في المرتبة السابقة، بقطع النظر عنها، و هذا الشرط مدلوله إنشاء ملكية الفعل للمشروط له، لا أنه متعلق بالمال و الملك في المرتبة السابقة و بقطع النظر عنه حتى يصدق عليه عنوان الوصية.

61

..........

____________

و إن شئت قلت: ان الوصية متوقفة على وجود مال للميت في الخارج في المرتبة المتقدمة حتى تتعلق بثلثه فيه، و أما في المقام فبما أن مدلول الشرط إنشاء ملكية الفعل كالحج- مثلا- و اعتبارها للمشروط له، فلا يكون متعلقا بالمال و الملك له، لكي يكون وصية.

فالنتيجة ان المشروط له لا يكون مالكا للفعل في المرتبة السابقة و بقطع النظر عن هذا الشرط لكي ينطبق عليه عنوان الوصية، و إنما يملكه بنفس هذا الشرط، فاذن كيف يمكن أن يكون هذا الشرط وصية؟ هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان الشرط كالحج في ذمة المشروط عليه في المقام و إن انتقل الى الورثة الّا أنهم لا ينتفعون به مباشرة، و حينئذ فاما أن يرضوا بقيام المشروط عليه بالحج عن الميت نيابة احسانا منهم له، و اما أن يبرءوا ذمته عنه مجانا، أو مع العوض. نعم اذا امتنع المشروط عليه من القيام بالعمل ثبت لهم خيار تخلف الشرط، و عندئذ كان لهم فسخ المعاملة و أخذ المال منه، و أما اذا كان الحج المشروط به حجة الإسلام و كانت التركة منحصرة بهذا الشرط، فلا ينتقل الى الورثة، و ظل في ملك الميت الى أن يقوم المشروط عليه بالعمل به، و في هذه الصورة إذا امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط ثبت الخيار للميت، و ينتقل منه الى الحاكم الشرعي لا للورثة، لما مر من أنهم لا ينتفعون به أصلا، و قد عرفت ان الخيار انما ينتقل اليهم تبعا لانتقال التركة لا مطلقا، فاذن للحاكم الشرعي أن يطلب من المشروط عليه الوفاء بالشرط، فان أصر على الامتناع فسخ العقد و أخذ المال منه، و يصرفه في نفقات الحجة الميقاتية عن الميت، فان زاد يرجع الزائد الى الورثة، و إن نقص و لم يتسع للحد الأدنى من نفقات الحج سقط الحج و كان المال كله للورثة.

62

[مسألة 99: لو مات الوصي و لم يعلم انه استأجر للحج- قبل موته]

(مسألة 99): لو مات الوصي و لم يعلم انه استأجر للحج- قبل موته- وجب الاستيجار من التركة (1)، فيما اذا كان الموصى به حجة الإسلام، و من الثلث اذا كان غيرها. و اذا كان المال قد قبضه الوصي- و كان موجودا- اخذ، و ان احتمل ان الوصي قد استأجر من مال نفسه و تملك ذلك بدلا عما اعطاه، و ان لم يكن المال موجودا فلا ضمان على الوصي، لاحتمال تلفه عنده بلا تفريط.

[مسألة 100: اذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط لم يضمنه]

(مسألة 100): اذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط لم يضمنه و وجب الاستيجار من بقية التركة، اذا كان الموصى به حجة الإسلام، و من بقية الثلث ان كان غيرها فان كانت البقية موزعة على الورثة استرجع منهم بدل الايجار بالنسبة، و كذلك الحال ان استؤجر احد للحج و مات قبل الاتيان بالعمل، و لم يكن له تركة، أو لم يمكن الأخذ من تركته.

[مسألة 101: اذا تلف المال في يد الوصي قبل الاستيجار، و لم يعلم ان التلف كان عن تفريط لم يجز تغريم الوصي]

(مسألة 101): اذا تلف المال في يد الوصي قبل الاستيجار، و لم يعلم ان التلف كان عن تفريط لم يجز تغريم الوصي (2).

[مسألة 102: اذا اوصى بمقدار من المال لغير حجة الإسلام]

(مسألة 102): اذا اوصى بمقدار من المال لغير حجة الإسلام، و احتمل انه زائد على ثلثه لم يجز صرف جميعه (3).

____________

(1) هذا اذا لم يؤد ظهور حاله الى الوثوق و الاطمينان بأنه عمل بالوصية و استأجر للحج عن الميت، و الّا لم يجب الاستيجار عنه، و به يظهر حال ما بعده.

(2) لأن موضوع التغريم تلف المال عن تقصير و اهمال منه، و هو غير محرز.

(3) لأن موضوع جواز التصرف فيه حيث إنه صحة الوصية، و هي غير محرزة بالنسبة الى الجميع، فانه إن كان زائدا على الثلث لم تصح الوصية بالزائد عليه، و الّا صحت، و بما أنا لا ندري انه زائد على الثلث أو لا، فبطبيعة الحال لا‌

63

..........

____________

ندري أن الوصية بالجميع صحيحة أو غير صحيحة، فاذن لا يكون موضوع جواز التصرف في الجميع فيه محرزا، فاذا لم يكن محرزا لم يجز، و لا يمكن التمسك بأصالة الصحة في المقام، لأن التمسك بها في كل مورد مرتبط بتوفر أركانها فيه، منها قابلية المحل و أهلية الفاعل، و بما أن قابلية المحل في المقام غير محرزة من جهة الشك في أن المحل قابل لتعلق الوصية به، أو لا، فلا يمكن التمسك بها.

64

[فصل في النيابة]

فصل في النيابة

[مسألة 103: يعتبر في النائب امور]

(مسألة 103): يعتبر في النائب امور:

الاول: البلوغ، فلا يجزي حج الصبي من غيره في حجة الإسلام و غيرها من الحج الواجب، و ان كان الصبي مميزا (1).

نعم، لا يبعد صحة نيابته في الحج المندوب باذن الولي.

الثاني: العقل، فلا تجزي استنابة المجنون، سواء في ذلك ما إذا كان جنونه مطبقا، أم كان ادواريا إذا كان العمل في دور جنونه، و اما السفيه فلا بأس باستنابته.

الثالث: الايمان فلا عبرة بنيابة غير المؤمن، و ان اتى بالعمل على طبق مذهبنا.

الرابع: ان لا يكون النائب مشغول الذمة بحج واجب عليه في عام النيابة. اذا تنجز الوجوب عليه و لا بأس باستنابته فيما إذا كان جاهلا بالوجوب أو غافلا عنه و هذا الشرط شرط في صحة الاجارة (2) لا في صحة حج النائب، فلو حج- و الحالة هذه- برئت ذمة المنوب عنه، و لكنه لا يستحق الاجرة المسماة، بل يستحق أجرة المثل.

____________

(1) لأن سقوط الواجب عن ذمة شخص بفعل غيره عنه نيابة بحاجة الى دليل و لا دليل الّا فيما اذا كان النائب بالغا، و اما اذا لم يكن بالغا فلا دليل على الكفاية، و إن كانت عبادته في نفسها مشروعة.

(2) هذا لا من جهة أن الاجارة لو صحت لزم وجوب حجين متضادين:

65

..........

____________

أحدهما: عن نفسه.

و الآخر: عن غيره نيابة، و هو تكليف بالمحال، بل من جهة أخرى.

فلنا دعويان: الأولى: ان بطلان الاجارة ليس من جهة أن صحتها تستلزم الأمر بالضدين.

الثانية: ان بطلانها من جهة عدم قدرة الأجير على الوفاء بها في ظرفه.

اما الدعوى الأولى: فلأن مقتضى صحة الاجارة هو وجوب الحجة الايجارية على الأجير فقط، دون وجوب حجتين متضادتين عليه فعلا، و لكن بما أنه مكلف بالحجة عن نفسه أيضا فيلزم حينئذ وقوع التزاحم بينهما في مرحلة الامتثال، فلا بد اذن من الرجوع الى مرجحات بابه، فان كانت احداهما أهم من الأخرى كان وجوب المهم لا محالة مقيدا لبا و واقعا بعدم الاشتغال بالأهم دون العكس، فلهذا يحكم العقل بوجوب الاتيان به تعيينا، و لكن المكلف اذا أتى بالمهم و خالف الأهم و عصاه فلا مانع من الحكم بصحته على القول بالترتب- كما هو الصحيح- و إن كانتا متساويتين كان وجوب كل منهما مقيدا لبا و واقعا بعدم الاشتغال بالأخرى، و على القول بالترتب يصح الاتيان بكل واحدة منهما عند ترك الأخرى. فالنتيجة انه لو لم يكن هناك مانع آخر من صحة الاجارة لم يكن وقوع التزاحم بين وجوب الحج بالاجارة و وجوبه بالأصالة مانعا عن صحتها.

و أما الدّعوى الثانية: فلأن الأجير اذا كان عالما بوجوب حجة الإسلام عليه أصالة و ملتفتا اليه فلا يمكن الحكم حينئذ بصحة اجارته للحج عن غيره، لأن صحة الاجارة مرتبطة بقدرة الأجير على التسليم و الوفاء بها في ظرفه، و حيث انه مأمور فعلا بحجة الإسلام عن نفسه و وجوب صرف قدرته في‌

66

[مسألة 104: يعتبر في فراغ ذمة المنوب عنه احراز عمل النائب، و الاتيان به صحيحا]

(مسألة 104): يعتبر في فراغ ذمة المنوب عنه احراز عمل النائب، و الاتيان به صحيحا، فلا بد من معرفته باعمال الحج و احكامه، و ان كان ذلك بارشاد غيره عند كل عمل، كما لا بد من الوثوق به، و ان لم يكن عادلا.

[مسألة 105: لا بأس بنيابة المملوك عن الحر. إذا كان باذن مولاه]

(مسألة 105): لا بأس بنيابة المملوك عن الحر. إذا كان باذن مولاه (1).

____________

امتثالها، فبطبيعة الحال يكون عاجزا عن العمل بالاجارة و الوفاء بها، على أساس أن القدرة الواحدة لا تتسع للضدين معا، فاذا كان ملزما بصرفها في الأهم كان عاجزا عن المهم، فاذن تكون الاجارة عليه باطلة.

و قد تسأل أنه اذا صار أجيرا في هذه الحالة، و حج نيابة عن الميت أو الحي العاجز، فهل يصح؟

و الجواب: ان الاجارة باطلة كما عرفت، و أما الحج فهو صحيح على القول بالترتب، و تبرأ به ذمة الميت أو الحي العاجز، و حينئذ فهل يستحق الأجرة؟

و الجواب: اما الأجرة المسماة فلا يستحقها لمكان بطلان الاجارة، و أما اجرة المثل و هي الاجرة المتعارفة التي يتقاضاها الأجراء للقيام بمثل هذا العمل عادة، فلا يبعد استحقاقها، على أساس أن الاجارة و إن كانت باطلة، الّا أن الحج كان بأمر المستأجر، اذ من غير المحتمل عادة أن يكون أمره به مقيدا بصحة الاجارة. نعم لو كانت هناك قرائن خارجية على أن أمر المستأجر بالحج كان مقيدا بصحة الاجارة، و لم يكن مطلقا، أو لم يعلم بالحال، لم يستحق أجرة المثل أيضا.

(1) اذ لا دليل على اعتبار الحرية في النائب.

نعم، اذا كان النائب عبدا فلا بد من أن تكون استنابته باذن مولاه، و الّا لم تصح.

67

[مسألة 106: لا بأس بالنيابة عن الصبي المميز]

(مسألة 106): لا بأس بالنيابة عن الصبي المميز (1)، كما لا بأس بالنيابة عن المجنون، بل يجب الاستيجار عنه اذا استقر عليه الحج في حال افاقته و مات مجنونا.

[مسألة 107: لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه]

(مسألة 107): لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه، فتصح نيابة الرجل عن المرأة، و بالعكس.

[مسألة 108: لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة و غير الصرورة]

(مسألة 108): لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة و غير الصرورة، سواء كان النائب أو المنوب عنه رجلا أو امرأة. نعم، يكره استنابة الصرورة، و لا سيما إذا كان النائب امرأة و المنوب عنه رجلا، و يستثنى من ذلك ما إذا كان المنوب عنه رجلا حيا، و لم يتمكن من حجة الإسلام، فان الأحوط فيه لزوما استنابة الرجل الصرورة (2).

____________

(1) لأن الروايات التي تنص على استحباب النيابة عن غيره في الحج أو غيره من العبادات تشمل باطلاقها الصبي المميز، و المجنون أيضا.

(2) لكن الأقوى عدم اعتبار الصرورة فيه، لأن عمدة الدليل على اعتبارها صحيحة الحلبي: «إن كان موسرا و حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه، فان عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له» (1)، بدعوى أنها تدل على أن النائب عن الرجل الحي العاجز عن القيام المباشر بالحج لا بد أن يكون صرورة بمقتضى ظهور القيد في الاحتراز.

و الجواب: ان الصحيحة لا تدل على اعتبار الصرورة في النائب عن الرجل الحي العاجز حتى على القول بأن القضية الوصفية تدل على المفهوم اما بملاك ظهور القيد في الاحتراز او من جهة أخرى، و ذلك لأن من يقول بدلالة هذه القضية على المفهوم انما يقول في الوصف الذي يذكر معه موصوفه، فانه‌

____________

(1) الوسائل: باب 24، من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 2.

68

[مسألة 109: يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصح النيابة عن الكافر]

(مسألة 109): يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصح النيابة عن الكافر، فلو مات الكافر مستطيعا، و كان الوارث مسلما لم يجب عليه استيجار الحج عنه (1). و الناصب كالكافر، إلا انه يجوز لولده المؤمن ان ينوب عنه في الحج.

[مسألة 110: لا بأس بالنيابة عن الحي في الحج المندوب تبرعا كان أو باجارة]

(مسألة 110): لا بأس بالنيابة عن الحي في الحج المندوب تبرعا كان أو باجارة، و كذلك في الحج الواجب إذا كان معذورا عن الاتيان بالعمل مباشرة على ما تقدم و لا تجوز النيابة عن الحي في غير ذلك. و اما النيابة عن الميت فهي جائزة مطلقا، سواء كانت باجارة، أو تبرع و سواء كان الحج واجبا أو مندوبا.

____________

محل الكلام بين الأصوليين نفيا و اثباتا، و اما الوصف الذي لا يذكر مع موصوفه فهو خارج عن محل الكلام، لأن حاله حال اللقب، بل هو من افراده، و الفرض أن اللقب لا يدل الّا على انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية بانتفاء موضوعه، و هذا ليس من المفهوم في شي‌ء، و حيث إن وصف الصرورة في الصحيحة لم يذكر مع موصوفه، فلا يدل على المفهوم كاللقب، فاذن لا مانع من التمسك باطلاقات أدلة النيابة، و مقتضاها عدم الفرق بين أن يكون النائب عن الرجل الحي العاجز صرورة أو غير صرورة، و تفصيل ذلك مذكور في الحالة الرابعة من المسألة (72) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) هذا بناء على القول بأن الكفار غير مكلفين بالفروع واضح، اذ حينئذ لا موضوع للنيابة عنهم، و أما بناء على القول بأنهم مكلفون بالفروع كما استظهرناه، فعندئذ و إن كانت ذمتهم مشغولة بالعبادات منها الحج، الّا ان صحة النيابة عنهم بحاجة الى دليل، و لا دليل عليها، لأن أدلة النيابة لا اطلاق لها حتى‌

69

[مسألة 111: يعتبر في صحة النيابة تعيين المنوب عنه بوجه من وجوه التعيين]

(مسألة 111): يعتبر في صحة النيابة تعيين المنوب عنه بوجه من وجوه التعيين (1)، و لا يشترط ذكر اسمه، كما يعتبر فيها قصد النيابة.

[مسألة 112: كما تصح النيابة بالتبرع و بالاجارة تصح بالجعالة و بالشرط في ضمن العقد و نحو ذلك]

(مسألة 112): كما تصح النيابة بالتبرع و بالاجارة تصح بالجعالة و بالشرط في ضمن العقد و نحو ذلك.

[مسألة 113: من كان معذورا في ترك بعض الاعمال، أو في عدم الاتيان به على الوجه الكامل]

(مسألة 113): من كان معذورا في ترك بعض الاعمال، أو في عدم الاتيان به على الوجه الكامل لا يجوز استيجاره (2)، بل لو تبرع المعذور و ناب عن غيره يشكل الاكتفاء بعمله. نعم، إذا كان معذورا في ارتكاب ما يحرم على المحرم كمن اضطر إلى التظليل فلا بأس باستيجاره و استنابته و لا بأس لمن دخل مكة بعمرة مفردة أن ينوب عن غيره لحج التمتع مع العلم أنه لا يستطيع الاحرام الا من ادنى الحل، كما لا بأس بنيابة النساء أو غيرهن ممن تجوز لهم الافاضة من المزدلفة قبل طلوع الفجر، و الرمي ليلا للحج عن الرجل أو المرأة.

____________

تشمل النيابة عنهم، و لا يوجد دليل آخر على ذلك فالنتيجة ان الروايات التي تنص على مشروعية النيابة منصرفة عرفا عن النيابة عن الكفار.

(1) اذ لا شبهة في اعتبار قصد النيابة في صحة عمل النائب، فلو حج بدون أن يقصد النيابة عن غيره لم يصح، لا عن نفسه و لا عن غيره، كما أنه يعتبر في صحته أن يقصد النيابة عن غيره معينا في الخارج و لو بعنوان اجمالي كعنوان من قصده المستأجر، أو من اعطى الأجرة له على عمله، أو غير ذلك، فاذا حج النائب و قصد النيابة عن غيره بدون تعيينه لم يقع منه.

(2) هذا هو الصحيح و ذلك لأن ذمة الميت اذا كانت مشغولة بالواجب بكامل اجزائه و شروطه لم يصح استيجار من لا يقدر على الواجب كذلك لمرض أو هرم أو غيره، لأن ما هو مورد للإجارة لا يكون مطابقا لما في ذمة‌

70

..........

____________

المنوب عنه، فاذا لم يكن مطابقا لم تصح الاجارة، لأنها بلا مورد، فاذا كان بامكان الوصي أو الوارث استيجار من يكون قادرا على القيام بكل واجبات الحج و شروطه، لم يجز استيجار من لا يكون قادرا على القيام به كذلك.

و بكلمة: ان نيابة من لا يكون قادرا على الحج بكل واجباته و قيوده بسبب أو آخر عن غيره في الحج الواجب غير كافية، و لذلك فاذا بادر و تبرع عن غيره فلا يكتفى بذلك، لأن الملاك في كلا الموردين واحد، و هو عدم انطباق ما في ذمة المنوب عنه على ما أتى به من العمل الناقص. و من هنا يظهر الفرق بين استيجار من لا يقدر على الواجب بتمام واجباته و قيوده من الأول، و بين من طرأ عليه العجز عنه في الاثناء، فعلى الأولى يكون استيجاره باطلا، و على الثاني يكون صحيحا، و لا يكشف طرو العجز عليه عن بطلانه من الأول.

و النكتة في ذلك ان من يكون عاجزا من الأول، فاذا استؤجر للحج عن الميت فبطبيعة الحال استؤجر للحج الناقص عنه دون التام لعدم قدرته عليه، و من الواضح ان هذا الاستيجار باطل جزما، لأن ما هو مورد للإجارة لا يطابق مع ما هو ثابت في ذمة الميت، فان الثابت في ذمته الحج التام، و ما هو مورد للإجارة الحج الناقص، فاذن ما يكون في الذمة لا يكون موردا للإجارة، و ما يكون موردا للإجارة لا يكون ثابتا في الذمة، فلذلك تبطل الاجارة و لا مورد لها.

و أما من يكون قادرا على العمل التام من الأول، فاذا استؤجر فلا محالة كان استيجاره على العمل التام الموافق لما في ذمة المنوب عنه، و عليه فما هو ثابت في الذمة يكون موردا للإجارة و بالعكس. ثم اذا طرأ عليه عجز في الاثناء بسبب من الأسباب كالمرض أو الحيض أو عائق آخر، فمقتضى القاعدة و إن كان بطلان الاجارة، لأن ذلك كاشف عن عدم قدرته على الوفاء بها في ظرفه من‌

71

[مسألة 114: اذا مات النائب قبل أن يحرم لم تبرأ ذمة المنوب عنه، فتجب الاستنابة عنه ثانية في ما تجب الاستنابة فيه]

(مسألة 114): اذا مات النائب قبل أن يحرم لم تبرأ ذمة المنوب عنه، فتجب الاستنابة عنه ثانية في ما تجب الاستنابة فيه، و ان مات بعد الاحرام اجزأ عنه و ان كان موته قبل دخول الحرم على الأظهر (1)، و لا فرق في ذلك بين حجة الإسلام و غيرها، و لا بين أن تكون النيابة بأجرة أو بتبرع.

[مسألة 115: اذا مات الأجير بعد الاحرام استحق تمام الأجرة إذا كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت]

(مسألة 115): اذا مات الأجير بعد الاحرام استحق تمام الأجرة إذا كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت، و اما إذا كان اجيرا على الاتيان بالاعمال استحق الاجرة بنسبة ما اتى به، و ان مات قبل الاحرام لم يستحق شيئا.

نعم، إذا كانت المقدمات داخلة في الاجارة استحق من الأجرة بقدر ما أتى به منها.

____________

الأول، الّا أن الروايات التي تنص على تعيين وظيفة العاجز في الأثناء تشمل باطلاقها الأجير أيضا، و تدل على أن وظيفته اذا طرأ عليه عجز في أثناء العمل الاستعانة بالغير، أو الاستنابة كالأصيل، و مقتضى هذه الروايات صحة عمل الأجير بما هو أجير، و نتيجة ذلك صحة الاجارة.

و الحاصل: ان الفرق بين العاجز من الأول و العاجز في الاثناء انما هو النص.

و بكلمة: انه اذا طرأ على الأجير عجز عن الطواف مباشرة لمرض أو نحوه، فعليه أن يطوف بالاستعانة بغيره و لو محمولا، و إن عجز عن ذلك أيضا فعليه أن يستنيب شخصا لكي يطوف عنه.

فالنتيجة ان ما يدل على تعيين الوظيفة لمن طرأ عليه عجز في الاثناء يدل على صحة عمله من الأول، و عدم بطلانه، و اذا كان اجيرا يدل على أنه لا يكون عاجزا عن اتمام العمل التام شرعا حتى تكون الاجارة باطلة، و هذا بخلاف ما إذا كان عاجزا من الأول، فانه لم يكن مشمولا للنص و مقتضى القاعدة فيه البطلان.

(1) للنص، و بذلك يفترق النائب عن الأصيل، فان النائب اذا مات في‌

72

[مسألة 116: اذا استأجر للحج البلدي، و لم يعين الطريق، كان الأجير مخيرا في ذلك]

(مسألة 116): اذا استأجر للحج البلدي، و لم يعين الطريق، كان الأجير مخيرا في ذلك، و إذا عين طريقا لم يجز العدول منه إلى غيره (1)، فان عدل و اتى بالأعمال، فان كان اعتبار الطريق في الاجارة على نحو الشرطية (2) دون الجزئية استحق الأجير تمام الاجرة، و كان للمستأجر خيار الفسخ، فان فسخ يرجع إلى اجرة المثل و ان كان اعتباره على نحو الجزئية كان للمستأجر الفسخ أيضا، فان لم يفسخ استحق من الأجرة المسماة بمقدار عمله، و يسقط بمقدار مخالفته.

____________

الطريق، فان كان بعد الإحرام أجزأ، و إن كان قبل دخول الحرم، و هذا بخلاف الأصيل، فانه اذا مات في الطريق فان كان بعد الإحرام و دخول الحرم أجزأ، و الّا لم يجزأ و إن كان بعد الاحرام.

(1) هذا إذا علم بأن تعيين الطريق منه انما يكون من باب الموضوعية اما بملاك أن الحج من هذا الطريق أكثر ثوابا و أجرا، كما اذا عين الحج من طريق النجف الاشرف- مثلا- او من طريق المدينة المنورة ذهابا و ايابا، أو بملاك انه يرى أن الحج من هذا الطريق أكثر أمنا و سلامة، أو غير ذلك، و أما إذا علم بأن تعيين الطريق منه انما يكون بملاك أنه الطريق المتعارف بدون أن تكون فيه خصوصية بنظره، فيجوز له العدول منه الى طريق آخر، و أما إذا شك في ذلك فأيضا لا مانع من العدول بمقتضى أصالة البراءة عن وجوب الذهاب الى الحج من هذا الطريق.

(2) هذا يتصور على نحوين:

أحدهما: ان يكون متعلق الاجارة حصة خاصة من الحج و هي الحج المقيد من طريق خاص معين، أو بلدة معينة.

و الآخر: أن يكون طبيعي الحج و تعيين الطريق انما هو بالشرط الخارجي.

73

[مسألة 117: اذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة]

(مسألة 117): اذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة لم تصح اجارته عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضا، و تصح الاجارتان مع اختلاف السنتين، أو مع عدم تقيد احدى الاجارتين او كلتيهما بالمباشرة.

____________

اما على الأول: فاذا خالف الأجير و حج من طريق آخر لم يف بالاجارة أصلا، لأن ما أتى به من حصة للحج ليس متعلقا للإجارة، و ما تعلقت به الاجارة و هو حصة أخرى من الحج لم يأت به، و أما ما في ذمة المنوب عنه فهو يسقط من جهة أنه ينطبق على ما أتى به الأجير في الخارج على أساس أن ما في ذمته طبيعي الحج بدون تقييده بخصوصية أخرى، فان التقييد إنما أخذ في متعلق الاجارة من قبل المستأجر، فانه جعل متعلقها حصة خاصة من الحج، و هي الحج من طريق المدينة المنورة- مثلا- لا طبيعي الحج، و على هذا فاذا حج الأجير من طريق آخر كجدة أو الطائف لم يف بالاجارة أصلا، لأن ما أتى به حصة اخرى من الحج مباينة للحصة المستأجر عليها، فلا يمكن تطبيقها عليها، و حينئذ فهل تبطل الاجارة، أو انه يثبت الخيار للمستأجر من جهة أن الأجير لم يف بالاجارة، و لم يعمل بها مع تمكنه منه؟

و الصحيح الوجه الثاني، اذ لا موجب للبطلان في المقام اصلا، لأن الأجير على الفرض قادر على الوفاء بها بكامل واجباتها، و لكنه ترك العمل بها باختياره عامدا و ملتفتا، و مع هذا لا مبرر لبطلانها، فان المبرر له أحد أمرين:

الاول: ضيق الوقت، و عدم تمكن الأجير من الوفاء بها فيه.

و الآخر: عجزه عن الوفاء بها، و شي‌ء منهما في المقام غير موجود، فاذن لا مناص من الالتزام بصحة الاجارة و ثبوت الخيار للمستأجر، و على هذا فان فسخ المستأجر الاجارة طالب الأجير برد الأجرة اليه، و إن لم يفسخ طالبه بقيمة العمل المستأجر عليه، باعتبار أنه أتلفه.

74

[مسألة 118: اذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لم يجز له التأخير و لا التقديم]

(مسألة 118): اذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لم يجز له التأخير و لا التقديم. و لكنه لو قدّم أو أخّر برئت ذمة المنوب عنه، و لا يستحق الأجرة إذا كان التقديم أو التأخير بغير رضى المستأجر (1).

[مسألة 119: اذا صدّ الأجير، أو احصر فلم يتمكن من الاتيان بالأعمال كان حكمه حكم الحاج عن نفسه]

(مسألة 119): اذا صدّ الأجير، أو احصر فلم يتمكن من الاتيان بالأعمال كان حكمه حكم الحاج عن نفسه، و يأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى، و انفسخت الاجارة إذا كانت مقيدة بتلك السنة، و يبقى الحج في ذمته إذا لم تكن مقيدة بها.

____________

ثم إن الأجير في هذه الصورة لا يستحق الأجرة المسماة، و لا أجرة المثل.

اما الأولى، فلأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه، لأن ما أتى به من الحج حصة مباينة لحصة مورد الاجارة، و أما الثانية فلأن ما أتى به لما لم يكن باذن المستأجر و أمره لم يستحق الأجرة التي يطالبها الأجير للقيام بمثل هذا العمل عادة، و هذا التصور و ان كان بعيدا عن الارتكاز الذهني الا انه امر ممكن.

و أما على الثاني: و هو ما إذا كان متعلق الاجارة طبيعي الحج، و لكن اشترط على أن يأتي به من الطريق الفلاني، ففي مثل ذلك اذا حج الأجير من طريق آخر فقد خالف الشرط فحسب، و يثبت خيار تخلف الشرط للمستأجر، و أما بالنسبة إلى عقد الاجارة، فقد و في به و أتى بالعمل المستأجر عليه بكامل واجباته، و هو طبيعي الحج، فمن أجل ذلك يستحق تمام الاجرة المسماة، فاذن ليس في هذا الفرض الّا عدم عمل الأجير بالشرط الخارجي، و هو كما لا يوجب بطلان الاجارة كذلك لا يوجب تقسيط الأجرة، و انما يوجب ثبوت الخيار للمستأجر.

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) لأن متعلق الاجارة حصة خاصة من الحج و هي الحج في سنة معينة، و عليه فاذا حج الأجير في سنة أخرى فبما أنه لم يأت بما هو متعلق الاجارة فلا يستحق الاجرة المسماة، و كذلك أجرة المثل حيث ان ما أتى به لم يكن باذن المستأجر و أمره فلا يستحقها أيضا.

75

[مسألة 120: اذا اتى النائب بما يوجب الكفارة فهي من ماله]

(مسألة 120): اذا اتى النائب بما يوجب الكفارة فهي من ماله، سواء كانت النيابة باجارة أو بتبرع.

[مسألة 121: اذا استأجره للحج باجرة معينة فقصرت الأجرة عن مصارفه لم يجب على المستأجر تتميمها]

(مسألة 121): اذا استأجره للحج باجرة معينة فقصرت الأجرة عن مصارفه لم يجب على المستأجر تتميمها كما انها إذا زادت عنها لم يكن له استرداد الزائد.

[مسألة 122: اذا استأجره للحج الواجب أو المندوب فافسد الأجير حجه بالجماع قبل المشعر]

(مسألة 122): اذا استأجره للحج الواجب أو المندوب فافسد الأجير حجه بالجماع قبل المشعر وجب عليه اتمامه و أجزأ المنوب عنه (1)،

و عليه الحج من قابل و كفارة بدنة و الظاهر انه يستحق الأجرة، و ان لم يحج من قابل لعذر أو غير عذر، و تجري الأحكام المذكورة في المتبرع أيضا غير انه لا يستحق الأجرة.

[مسألة 123: الأجير و ان كان يملك الأجرة بالعقد، و لكن لا يجب تسليمها اليه]

(مسألة 123): الأجير و ان كان يملك الأجرة بالعقد، و لكن لا يجب تسليمها اليه إلا بعد العمل اذا لم يشترط التعجيل، و لكن الظاهر جواز مطالبة الأجير للحج الأجرة قبل العمل، و ذلك من جهة القرينة على اشتراط ذلك، فان الغالب ان الأجير لا يتمكن من الذهاب الى الحج، أو الاتيان بالاعمال قبل اخذ الأجرة.

[مسألة 124: إذا آجر نفسه للحج فليس له أن يستأجر غيره إلا مع اذن المستأجر]

(مسألة 124): إذا آجر نفسه للحج فليس له أن يستأجر غيره إلا مع اذن المستأجر (2).

____________

(1) هذا من جهة أن الحجة الأولى هي الحجة الواجبة، و الثانية عقوبة، فلذلك يستحق تمام الأجرة المسماة و ان ترك الحجة في السنة الثانية و لم يأت بها.

(2) لأن الحج في ذمته في السنة الحالية بما أنه مملوك للمستأجر الأول بمقتضى عقد الاجارة الواقعة بينهما، فلا يجوز له التصرف فيه الّا باذنه.

76

[مسألة 125: اذا استأجر شخصا لحج التمتع مع سعة الوقت]

(مسألة 125): اذا استأجر شخصا لحج التمتع مع سعة الوقت، و اتفق ان الوقت قد ضاق فعدل الاجير عن عمرة التمتع الى حج الافراد و أتى بعمرة مفردة بعده برئت ذمة المنوب عنه (1)، لكن الأجير لا يستحق الأجرة إذا كانت الاجارة على نفس الأعمال.

نعم، إذا كانت الاجارة على تفريغ ذمة الميت استحقها.

____________

(1) في البراءة اشكال، و لا يبعد عدمها، لأن الاجارة إن كانت في ضيق الوقت فهي باطلة، لأن صحتها مشروطة بقدرة الأجير على الوفاء بها، و لا قدرة له على الوفاء في ضيق الوقت، و أما إذا كانت في سعة الوقت ثم اتفق ضيقه، فحينئذ تارة يكون الضيق مستندا الى اهمال الأجير و تسامحه في الوفاء بالاجارة، و أخرى لا يكون مستندا الى اهماله و تسامحه.

أما على الأول: فلا موجب لبطلان الاجارة، لأن الأجير حيث كان متمكنا من الوفاء بها و لكنه أخره تسامحا و اهمالا الى أن ضاق الوقت و عجز عنه، فلا مبرر لبطلانها، و حينئذ فيثبت الخيار للمستأجر و له أن يفسخ الاجارة و يطالب الأجير باسترداد الأجرة، و له ان لا يفسخها و يطالبه بقيمة العمل المستأجر عليه.

و أما على الثاني: فمقتضى القاعدة بطلان الاجارة، لأن صحتها مشروطة بقدرة الأجير على الوفاء بها في ظرفها، و المفروض انه عاجز عن ذلك، و لا يكون عجزه مستندا الى اختياره حتى لا يكون مانعا عن صحتها، هذا.

و ذهب جماعة الى أن وظيفة العاجز في هذه الحالة تنقلب من التمتع الى الافراد. بيان ذلك يتطلب التكلم في عدة مقامات:

الأول: ان ما ذهب اليه جماعة من انقلاب الحج من التمتع الى الافراد في هذه الحالة، هل هو صحيح أو لا؟

الثاني: على تقدير القول بالانقلاب فيها، فهل تظل الاجارة صحيحة أو تبطل؟

77

..........

____________

الثالث: ان اتيان النائب بحج الافراد ثم بالعمرة المفردة هل يجزي عن المنوب عنه أو لا؟

الرابع: ان النائب هل يستحق الاجرة على الحج المنقلب اليه؟

أما المقام الأوّل: فالظاهر ان الروايات الواردة في مسألة الانقلاب بمختلف السنتها لا اطلاق لها بالنسبة الى كون المتمتع متمتعا عن نفسه أو متمتعا عن غيره نيابة باجارة او تبرع، فان جملة منها في مقام بيان تحديد وقت عمرة التمتع، و أن الوظيفة متى تكون العمرة، و متى ينتهي وقتها، و لا نظر لها الى كون المتمتع متمتعا عن نفسه أو عن غيره نيابة، فاذن بطبيعة الحال يكون القدر المتيقن منها هو الأول، و جملة أخرى منها في مقام بيان وظيفة من وصل الى مكة في وقت متأخر لا يتمكن الّا من ادراك الناس في المشعر الحرام، أو مع الوقوف الاضطراري في عرفة، و لا نظر لها أيضا الى أنه جاء للحج عن نفسه أو عن غيره نيابة أو تبرعا، فلذلك يكون المتيقن منها الأول دون الأعم.

فالنتيجة ان روايات المسألة انما تكون في مقام البيان من جهات أخرى و مجملة من هذه الجهة، فالقدر المتيقن منها المتمتع عن نفسه.

و أما المقام الثاني: فالظاهر بطلان الاجارة، لأن موردها كان حج التمتع، و الفرض أن الأجير عاجز عنه، و أما حج الافراد الذي يكون وظيفة الأجير فعلا بالانقلاب فهو ليس مورد الاجارة، و حكم الشارع بانقلاب التمتع الى الافراد ليس بمعنى تبديل مورد الاجارة من التمتع اليه شرعا، بل بمعنى أن وظيفة المحرم لعمرة التمتع بما هو محرم اذا ضاق وقتها فعليه أن يأتي بالحج مفردا بدون النظر الى كون احرامه للعمرة من قبل نفسه أو من قبل غيره نيابة، فالانقلاب انما يكون وظيفة المحرم العاجز عن التمتع بما هو محرم، لا بما هو نائب أو أصيل، فاذن يكون حج الافراد في طول حج التمتع، فما دام المكلف‌

78

..........

____________

متمكنا من التمتع فلا يصل الدور اليه، و اذا عجز عنه جاء دوره.

و بكلمة: ان الشارع جعل حج الافراد بديلا عن التمتع و في طوله و أوجب على من تعذر عليه حج التمتع بتعذر عمرته حج الافراد، حيث إن البعيد الذي تكون وظيفته حج التمتع، فما دام متمكنا من الاتيان بعمرة التمتع فلا يصل الدور الى حج الافراد، و اذا تعذر عليه الجمع بين العمرة و الحج متعة، انتقلت وظيفته الى الافراد، على أساس أن المبدل اذا تعذر وصل دور البدل، و على هذا فاذا كانت الاجارة على المبدل كحج التمتع فاذا تعذر على النائب بتعذر عمرته فوظيفته و ان انتقلت الى الافراد، الّا أن هذا الانتقال لا بملاك أنه نائب، بل بملاك أنه محرم، و على هذا فلا يجب عليه أن يأتي بحج الافراد بقصد أنه نائب عن الميت الفلاني، حيث إنه لا يكون نائبا عنه فيه، و انما يكون نائبا عنه في حج التمتع، فاذن يكون حج الافراد وظيفته بما أنه محرم، لا بما أنه نائب.

فالنتيجة انه لا يمكن الحكم بصحة هذه الاجارة.

و أما المقام الثالث: فقد ظهر مما مر أن حج الافراد لا يجزي عن المنوب عنه، لما عرفت من أن انتقال وظيفته من التمتع الى الافراد ليس بملاك أنه نائب عنه، بل بملاك انه محرم سواء أ كان لنفسه أم كان لغيره، و لهذا لا يجب عليه الاتيان بالافراد بقصد النيابة، بل يأتي بعنوان أنه وظيفته بما هو محرم. فالنتيجة ان الحكم بالاجزاء عن المنوب عنه لا يخلو عن اشكال بل منع.

و اما المقام الرابع: فقد ظهر مما ذكرناه انه لا يستحق شيئا من الاجرة المسماة، باعتبار أن ذمة المنوب عنه قد ظلت مشغولة، و لا أجرة المثل، لأن الاتيان بحج الافراد لا يكون باذن المستأجر و أمره.

و بكلمة: ان الاجارة لو كانت على الاعمال و المقدمات معا فعندئذ توزع الأجرة على الجميع و يستحق الأجير منها ما يوازي المقدمات فحسب، و أما اذا‌

79

[مسألة 126: لا بأس بنيابة شخص عن جماعة في الحج المندوب]

(مسألة 126): لا بأس بنيابة شخص عن جماعة في الحج المندوب، و اما الواجب فلا يجوز فيه نيابة الواحد عن اثنين و ما زاد، إلا اذا كان وجوبه عليهما او عليهم على نحو الشركة (1)، كما إذا نذر شخصان أن يشترك كل منهما مع الآخر في الاستيجار في الحج، فحينئذ يجوز لهما أن يستأجر شخصا واحدا للنيابة عنهما.

[مسألة 127: لا بأس بنيابة جماعة في عام واحد عن شخص واحد ميت، أو حي، تبرعا أو بالاجارة]

(مسألة 127): لا بأس بنيابة جماعة في عام واحد عن شخص واحد ميت، أو حي، تبرعا أو بالاجارة، فيما إذا كان الحج مندوبا، و كذلك في الحج الواجب، فيما إذا كان متعددا، كما إذا كان على الميت أو الحي حجان واجبان بنذر- مثلا- او كان احدهما حجة الإسلام و كان الآخر واجبا بالنذر، فيجوز- حينئذ- استيجار شخصين أحدهما لواجب و الآخر لآخر و كذلك يجوز استيجار شخصين عن واحد احدهما للحج الواجب و الآخر للمندوب بل لا يبعد استيجار شخصين لواجب واحد، كحجة الإسلام من باب الاحتياط (2)، لاحتمال نقصان حج احدهما.

[مسألة 128: الطواف مستحب في نفسه، فتجوز النيابة فيه عن الميت]

(مسألة 128): الطواف مستحب في نفسه، فتجوز النيابة فيه عن الميت، و كذا عن الحي اذا كان غائبا عن مكة أو حاضرا فيها و لم يتمكن من الطواف مباشرة.

____________

كانت على الأعمال فقط فلا يستحق شيئا منها. نعم ما يصرفه لحد الآن من الاجرة لا يكون ضامنا له، باعتبار أنه باذنه و أمره.

(1) فيه ان ذلك ليس من استنابة واحد للاثنين بما هما اثنان في الحقيقة لأنها غير معقولة، بل هو من استنابة واحد للاثنين بما هما شخص واحد حكما، لوضوح أن الحج اذا كان واجبا على كل واحد من شخصين مستقلا احتاج كل منهما الى نائب مستقل، و لا تتصور كفاية نائب واحد عن الجميع.

(2) بأن ينوب جماعة لحجة الإسلام عن شخص واحد، فيحج كل واحد‌

80

[مسألة 129: لا بأس للنائب بعد فراغه من اعمال الحج النيابي أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه، أو عن غيره]

(مسألة 129): لا بأس للنائب بعد فراغه من اعمال الحج النيابي أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه، أو عن غيره، كما لا بأس ان يطوف عن نفسه او عن غيره.

____________

منهم نيابة عنه، سواء أ كان قصد بعضهم مختلفا عن قصد البعض الآخر، كما اذا قصد أحدهم النيابة في حج مندوب و قصد الآخر النيابة في حج واجب، أو قصدوا جميعا حجا واحدا كما اذا قصدوا جميعا النيابة عنه في حجة الإسلام احتياطا، على أساس أن كل واحد منهم يحتمل بطلان عمل الآخرين و كونه ناقصا.

81

[الحج المندوب]

الحج المندوب

[مسألة 130: يستحب لمن يمكنه الحج ان يحج و ان لم يكن مستطيعا]

(مسألة 130): يستحب لمن يمكنه الحج ان يحج و ان لم يكن مستطيعا، أو انه أتى بحجة الإسلام، و يستحب تكراره في كل سنة لمن يتمكن من ذلك.

[مسألة 131: يستحب نية العود على الحج حين الخروج من مكة]

(مسألة 131): يستحب نية العود على الحج حين الخروج من مكة.

[مسألة 132: يستحب احجاج من لا استطاعة له، كما يستحب الاستقراض للحج اذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك]

(مسألة 132): يستحب احجاج من لا استطاعة له، كما يستحب الاستقراض للحج اذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك، و يستحب كثرة الانفاق في الحج.

[مسألة 133: يستحب اعطاء الزكاة، لمن لا يستطيع الحج ليحج بها]

(مسألة 133): يستحب اعطاء الزكاة، لمن لا يستطيع الحج ليحج بها.

[مسألة 134: يشترط في حج المرأة اذن الزوج]

(مسألة 134): يشترط في حج المرأة اذن الزوج، اذا كان الحج مندوبا، و كذلك المعتدة بالعدة الرجعية و لا يعتبر ذلك في البائنة و في عدة الوفاة.

[اقسام العمرة]

اقسام العمرة

[مسألة 135: العمرة كالحج، فقد تكون واجبة و قد تكون مندوبة، و قد تكون مفردة، و قد تكون متمتعا بها]

(مسألة 135): العمرة كالحج (1)، فقد تكون واجبة و قد تكون مندوبة، و قد تكون مفردة، و قد تكون متمتعا بها.

____________

(1) العمرة تشبه الحج في الجهات التالية:

الأولى: كما أن الحج ينقسم الى الواجب و المستحب تارة، و الى التمتع و الافراد تارة أخرى، كذلك العمرة تنقسم تارة الى العمرة الواجبة و المستحبة، و أخرى الى المتعة و المفردة.

82

[مسألة 136: تجب العمرة كالحج على كل مستطيع واجد للشرائط، و وجوبها كوجوب الحج فوري]

(مسألة 136): تجب العمرة كالحج على كل مستطيع واجد للشرائط، و وجوبها كوجوب الحج فوري (1)، فمن استطاع لها- و لو لم يستطع للحج- وجبت عليه.

نعم، الظاهر عدم وجوبها على من كانت وظيفته حج التمتع (2)، و لم يكن مستطيعا، و لكنه استطاع لها، و عليه فلا تجب على الأجير للحج بعد فراغه من عمل النيابة، و ان كان مستطيعا من الاتيان بالعمرة المفردة لكن الاتيان بها أحوط و أما من أتى بحج التمتع فلا يجب عليه الاتيان بالعمرة المفردة جزما.

____________

الثانية: ان العمرة تشبه الحج في جملة من واجباتها من الاحرام و الطواف و صلاته و السعي بين الصفا و المروة، و تفترق في جملة أخرى منها، و هي التي يمارسها الحاج في خارج مكة كالوقوف بالموقفين و اعمال منى، بينما تقتصر واجبات العمرة في داخل مكة ما عدا الإحرام.

الثالثة: ان العمرة تشبه الحج في انه مستحب عموما باستثناء الحجة الاولى للمستطيع، فانها واجبة باسم حجة الإسلام، سواء أ كانت متعة أم كان افرادا أم قرانا، و العمرة مستحبة عموما باستثناء العمرة الأولى للمستطيع، فانها واجبة عليه شريطة أن يكون موطنه و مسكنه دون ستة عشر فرسخا الى المسجد الحرام.

(1) على الأحوط وجوبا، اذا كان المكلف واثقا و مطمئنا بعدم فوتها لو أخرها.

(2) هو من يبعد مسكنه و موطنه عن المسجد الحرام ستة عشر فرسخا، اى ما يقارب ثمانية و ثمانين كيلومترا، فان وظيفته المفروضة عليه في الإسلام أن يعتمر و يحج بادئا بالعمرة و خاتما بالحج و تسمى الحجة التي تبدأ بالعمرة‌

83

[مسألة 137: يستحب الاتيان بالعمرة المفردة مكررا]

(مسألة 137): يستحب الاتيان بالعمرة المفردة مكررا، و الأولى الاتيان بها في كل شهر، و الأظهر جواز الاتيان بعمرة في شهر و ان كان في آخره و بعمرة اخرى في شهر آخر (1) و ان كان في أوله و لا يجوز الاتيان بعمرتين في شهر واحد فيما اذا كانت العمرتان عن نفس المعتمر أو عن شخص آخر و ان كان لا بأس بالاتيان بالثانية رجاء و لا يعتبر هذا فيما اذا كانت احدى العمرتين عن نفسه و الاخرى عن غيره، او كانت كلتاهما عن شخصين غيره، كما لا يعتبر هذا بين العمرة المفردة و عمرة التمتع فمن اعتمر عمرة مفردة جاز له الاتيان بعمرة التمتع بعدها و لو كانت في نفس الشهر. و كذلك الحال في الاتيان بالعمرة المفردة بعد الفراغ من اعمال الحج، و لا يجوز الاتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع و الحج.

____________

و تنتهي بالحج بحجة التمتع من حجة الإسلام، و تعتبر العمرة الجزء الأول من حجة التمتع.

(1) هذا هو الصحيح، لأن النتيجة المستفادة من الروايات بعد ضم بعضها الى بعضها الآخر هي ان العمرة المفردة مشروعة في كل شهر هلالي مرة واحدة، و لا تكون مشروعة اكثر من مرة، فيسوغ لكل شخص رجلا كان أم امرأة ان يعتمر بعمرة مفردة في الشهر الهلالي مرة واحدة بلا فرق بين أن يكون في العشرة الأولى أو الثانية، أو الثالثة، و من هنا اذا أتى بعمرة مفردة في آخر شهر جاز له الاتيان بعمرة أخرى في أول شهر آخر بحيث لا يكون الفصل بينهما باكثر من يوم أو أقلّ، و استثني من ذلك موردان:

أحدهما: الظاهر من روايات الباب ان اعتبار الفصل بين عمرتين بشهر إنما هو بين عمرتين مفردتين، و أما إذا كانت احداهما مفردة و الأخرى متعة فلا يعتبر هذا الفصل بينهما، و لا مانع من الاتيان بهما في شهر واحد، كما إذا اعتمر‌

84

[مسألة 138: كما تجب العمرة المفردة بالاستطاعة كذلك تجب بالنذر، أو الحلف]

(مسألة 138): كما تجب العمرة المفردة بالاستطاعة كذلك تجب بالنذر، أو الحلف، أو العهد أو غير ذلك.

[مسألة 139: تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في اعمالها]

(مسألة 139): تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في اعمالها، و سيأتي بيان ذلك، و تفترق عنها في أمور (1):

1- ان العمرة المفردة يجب لها طواف النساء و لا يجب ذلك لعمرة التمتع.

2- ان عمرة التمتع لا تقع إلا في أشهر الحج و هي شوال، و ذو القعدة، و ذو الحجة، و تصح العمرة المفردة في جميع الشهور، و أفضلها شهر رجب و بعده شهر رمضان.

3- ينحصر الخروج عن الاحرام في عمرة التمتع بالتقصير فقط، و لكن الخروج عن الاحرام في العمرة المفردة قد يكون بالتقصير و قد يكون بالحلق.

____________

في شهر ذي القعدة أو أول ذي الحجة بعمرة مفردة ثم اعتمر في نفس ذلك الشهر بعمرة تمتع.

و الآخر: ان المستفاد من الروايات ان اعتبار هذا الفصل انما هو بين عمرتين مفردتين لشخص واحد، و لا يعتبر اذا كانت احداهما لشخص و الأخرى لآخر، و على هذا لا مانع من أن يأتي شخص واحد بعمرة مفردة لنفسه في شهر، و بعمرة مفردة أخرى عن شخص آخر نيابة أو تبرعا في نفس ذلك الشهر، و بعمرة مفردة ثالثة عن ثالث كذلك، و هكذا.

(1) الفوارق بين العمرتين في الأمور التالية:

الأول: ان العمرة المفردة تشتمل على طواف آخر حول البيت يسمى بطواف النساء، و هذا الطواف و إن كان واجبا مستقلا، و ليس من واجبات العمرة‌

85

4- يجب ان تقع عمرة التمتع و الحج في سنة واحدة على ما يأتي، و ليس كذلك في العمرة المفردة فمن وجب عليه حج الافراد و العمرة المفردة جاز له أن يأتي بالحج في سنة، و العمرة في سنة أخرى.

____________

المفردة في الحقيقة، الّا انه لا بد من الاتيان به بعد الفراغ منها، و لذلك يعتبر آخر أعمال العمرة و هذا بخلاف عمرة التمتع فانها لا تشتمل عليه و لا يجب فيها الّا طواف واحد.

الثاني: ان خروج المكلف عن احرام العمرة المفردة بأحد أمرين: إما بالتقصير، أو الحلق، بينما يكون الخروج عن احرام عمرة التمتع انما هو بالتقصير فحسب، و لا يجوز فيها الحلق.

الثالث: ان الاحرام لعمرة التمتع لا يصح الّا من أحد المواقيت الخمسة، أو النقطة المحاذية لها، بينما يسوغ الاحرام للعمرة المفردة من أدنى الحل اذا لم يكن مارا على أحد تلك المواقيت، و أدنى الحل هو آخر منطقة متصلة بمنطقة الحرم المحيطة بمكة التي لا يجوز لحاج أن يدخل فيها الّا محرما.

الرابع: ان موضع عمرة التمتع من الناحية الزمانية أشهر الحج، و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، بينما يكون موضع العمرة المفردة من الناحية الزمانية جميع الشهور طول السنة أفضلها شهر رجب.

الخامس: ان عمرة التمتع جزء من حج التمتع و لا يجوز الاتيان بها بصورة مستقلة عن الحج، و لهذا يجب أن تقع عمرة التمتع و الحج في سنة واحدة مع تقديم العمرة على الحج، لأنهما جزءان مترابطان، و هذا بخلاف العمرة المفردة فانها تصح في جميع الشهور طوال السنة، و لذلك لا مانع من أن تقع العمرة المفرده في سنة و حج الافراد في سنة أخرى، لأنهما واجبان مستقلان.

السادس: ان من كانت وظيفته حج التمتع فلا تكتمل استطاعته الّا أن‌

86

5- ان من جامع في العمرة المفردة، عالما عامدا قبل الفراغ من السعي فسدت عمرته بلا اشكال (1) و وجبت عليه الاعادة بان يبقى في مكة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه، و اما من جامع في عمرة التمتع ففي فساد عمرته اشكال، و الأظهر عدم الفساد كما يأتي.

[مسألة 140: يجوز الاحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت التي يحرم منها لعمرة التمتع]

(مسألة 140): يجوز الاحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت التي يحرم منها لعمرة التمتع- و يأتي بيانها- و إذا كان المكلف في مكة و اراد الاتيان بالعمرة المفردة جاز له ان يخرج من الحرم و يحرم، و لا يجب عليه الرجوع إلى المواقيت و الاحرام منها، و الأولى أن يكون احرامه من الحديبية أو الجعرانة، أو التنعيم.

[مسألة 141: تجب العمرة المفردة لمن اراد أن يدخل مكة]

(مسألة 141): تجب العمرة المفردة لمن اراد أن يدخل مكة، فانه لا يجوز الدخول فيها إلا محرما و يستثنى من ذلك من يتكرر منه الدخول و الخروج كالحطاب و الحشاش و نحوهما (2)، و كذلك من خرج من مكة بعد اتمامه اعمال الحج أو بعد العمرة المفردة فانه يجوز له العود اليها، من دون احرام قبل مضي الشهر الذي ادى نسكه فيه، و يأتي حكم الخارج من مكة بعد عمرة التمتع و قبل الحج.

____________

تتوفر بتمام عناصرها الثلاثة بالنسبة إلى كلا جزأيه معا هما عمرة التمتع و حج التمتع، فمن كان مستطيعا لأحدهما دون الآخر فلا يجب عليه شي‌ء منهما، و أما من كان عليه حج الافراد فيكفى لوجوب كل من الحج و العمرة استطاعته، فاذا استطاع للعمرة وجب الاعتمار، و اذا استطاع للحج وجب الحج، و اذا استطاع للاثنين وجب الاثنان مقدما للحج على العمرة المفردة على الأحوط.

(1) في الفساد اشكال، و لا تبعد الصحة، و ستعرف وجه ذلك في المسألة (223) الآتية.

(2) في التخصيص اشكال، و لا يبعد عموم الحكم لكل من يخرج من‌

87

[مسألة 142: من أتى بعمرة مفردة في اشهر الحج و بقي اتفاقا في مكة إلى اوان الحج جاز له أن يجعلها عمرة التمتع]

(مسألة 142): من أتى بعمرة مفردة في اشهر الحج و بقي اتفاقا في مكة إلى اوان الحج جاز له أن يجعلها عمرة التمتع (1) و يأتي بالحج، و لا فرق في ذلك بين الحج الواجب و المندوب.

____________

مكة و يدخل فيها من أجل حاجة البلد، أو حاجة شخصية كالمعلم أو الممرض لمريض خاص متعلق به، أو الطالب الجامعي أو غير ذلك، لأن الوارد في لسان الرواية و إن كان عنوان الحطابة و المجتلبة، الّا أن المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ان المعيار انما هو بتكرر الخروج من مكة و الدخول فيها من أجل حاجة تتطلب ذلك، و إن كانت شخصية و لا يرى العرف خصوصية لعنوان الحطابة و المجتلبة الّا من جهة ان ذلك الشغل يتطلب تكرر الخروج منها و الدخول فيها، فاذن لا يفهم من اذن النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) لهما بالدخول حلالا الا كون شغلهما يقتضي ذلك، فيكون الاذن منه (صلّى اللّه عليه و آله) نوع امتنان لهما، و عليه فلا يختص بمورده.

(1) انقلاب العمرة المفردة إلى عمرة التمتع مرتبط بتوفر أمور:

الأول: ان يكون المعتمر للعمرة المفردة بانيا على الرجوع الى بلدته بعد الفراغ من العمرة، و أما اذا كان بانيا على الحج بعدها فلا تنقلب، و لا بد له حينئذ من الاتيان بعمرة التمتع.

الثاني: ان يكون عدوله من الرجوع إلى بلدته بعد الاتيان بالعمرة و الانتهاء منها، و اما اذا كان في اثناء العمرة فلا يكفي في الانقلاب.

الثالث: ان يكون بناؤه على البقاء في مكة بنية الحج، و أما اذا كان بغرض آخر فلا ينقلب، و يجوز له الخروج من مكة حتى في يوم التروية. نعم لا فرق بين أن يكون بناؤه على البقاء في مكة بقصد الحج في موسمه من الأول، أو يكون لسبب آخر فيبقى فيها الى ذي الحجة، أو الى يوم التروية، ثم بنى على‌

88

..........

____________

الحج، و أما إذا لم يبن عليه اصلا، فلا ينقلب. فاذا توفرت هذه الأمور الثلاثة انقلبت العمرة المفردة متعة، و الّا فلا، و تمام الكلام في ذلك في (فصل: في صورة حج التمتع و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

89

[اقسام الحج]

اقسام الحج

[مسائل في أقسام الحج]

[مسألة 143: أقسام الحج ثلاثة: تمتع، و افراد، و قران]

(مسألة 143): أقسام الحج ثلاثة: تمتع، و افراد، و قران، و الأول فرض من كان البعد بين اهله و مكة أكثر من ستة عشر فرسخا، و الآخران فرض من كان اهله حاضري المسجد الحرام، بان يكون البعد بين أهله و مكة أقل من ستة عشر فرسخا.

[مسألة 144: لا بأس للبعيد ان يحج حج الافراد أو القران ندبا]

(مسألة 144): لا بأس للبعيد ان يحج حج الافراد أو القران ندبا، كما لا بأس للحاضر أن يحج حج التمتع ندبا، و لا يجوز ذلك في الفريضة، فلا يجزي حج التمتع عمن وظيفته الافراد أو القران، و كذلك العكس.

نعم، قد تنقلب وظيفة المتمتع الى الافراد، كما يأتي.

[مسألة 145: اذا أقام البعيد في مكة، فان كانت إقامته بعد استطاعته و وجوب الحج عليه]

(مسألة 145): اذا أقام البعيد في مكة، فان كانت إقامته بعد استطاعته و وجوب الحج عليه وجب عليه حج التمتع (1)، و اما إذا كانت استطاعته

____________

(1) في الوجوب اشكال، بل منع، لأن الميزان في الانقلاب إنما هو ببقاء المقيم في مكة الى أن دخل في السنة الثالثة، فاذا دخل فيها انقلبت وظيفته من التمتع الى الافراد تبعا لانقلاب موضوعه، بمعنى ان الشارع جعل المقيم في مكة الى سنتين بمنزلة أهلها، و تترتب عليه آثاره، و لا فرق في ذلك بين أن يكون استطاعته بعد الدخول في الثالثة أو قبل الدخول فيها، بل الأمر كذلك و إن كانت استطاعته في بلدته، فان الموضوع اذا انقلب، انقلب الحكم لا محالة، و على هذا فبما ان الموضوع في المقام قد انقلب بحكم الشارع بعد سنتين، حيث ان المقيم‌

90

بعد اقامته في مكة وجب عليه حج الافراد او القران بعد الدخول في السنة الثالثة، و أما إذا استطاع- قبل ذلك- وجب عليه حج التمتع (1).

____________

و المجاور في مكة بعدهما و الدخول في الثالثة أصبح من أهلها تنزيلا، فبطبيعة الحال انقلب الحكم أيضا، فانه قبل الدخول في الثالثة كان الواجب عليه حج التمتع من جهة استطاعته، و توفر الامكانية المالية لديه باعتبار أنه قبل الدخول فيها لم يكن من أهل مكة، و أما بعد الدخول فيها و صيرورته من أهلها انقلب وجوب التمتع الى وجوب الافراد تبعا لانقلاب الموضوع، اذ لا يعقل أن يكون الشخص من أهل مكة و مع ذلك يكون الواجب عليه حج التمتع، فانه خلف فرض كونه من أهل مكة، و مجرد أن استطاعته كانت قبل ذلك لا يقتضى عدم الانقلاب في الحكم رغم الانقلاب في الموضوع، لأن استطاعته إنما تقتضي وجوب حج التمتع عليه ما دام لم يصر من أهله مكة، و أما إذا صار من أهلها و لو تنزيلا فهي تقتضي وجوب حج الافراد عليه.

و بكلمة: ان وجوب حج التمتع ينتفي عن المجاور بانتفاء موضوعه و هو البعيد بعد دخوله في السنة الثالثة، و يحدث عليه وجوب حج الإفراد من جهة تحقق موضوعه فيه و هو القريب.

(1) بل وجب عليه حج الافراد و ذلك لأن موضوع وجوب حج التمتع من لم يكن من أهل مكة، و موضوع وجوب حج الافراد من كان من أهلها، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان وجوب الحج مشروط بالاستطاعة سواء أ كان حج التمتع أم كان حج الافراد، و على هذا فمن قصد الاقامة في مكة و ظل فيها الى أن دخل في السنة الثالثة انقلبت وظيفته من التمتع الى الإفراد تبعا لانقلاب الموضوع، و من الواضح ان الموضوع اذا انقلب، انقلب الحكم، و لا يعقل بقاء‌

91

..........

____________

الحكم الأول مع انتفاء موضوعه، لأن ذلك خلف فرض كونه موضوعا له، و لا فرق في ذلك بين أن يكون استطاعته بعد سنتين أو قبلهما، حتى اذا كانت في بلدته، لأنها قبل سنتين تتطلب وجوب حج التمتع عليه ما دام لم ينقلب الى موضوع آخر، و بعدهما تتطلب وجوب حج الافراد دون الأول، لأنه ينتفي بانتفاء موضوعه، و تدل على انقلاب الموضوع روايات الباب.

منها: قوله (عليه السّلام) في صحيحة زرارة: «من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له» (1)، فانه واضح الدلالة على أن من أقام بمكة سنتين أصبح من أهلها، فاذا اصبح من أهلها ترتب عليه حكمه و هو وجوب حج الافراد و انتفى عنه حكمه الأول و هو وجوب حج التمتع بانتفاء موضوعه، اذ كونه محكوما بوجوب حج التمتع بحاجة الى دليل يدل على أن أهل مكة في بعض الحالات محكوم بحج التمتع، و لا دليل على ذلك حتى نقيد اطلاق ما دل على أن وظيفة أهل مكة حج الافراد بغير هذه الحالة.

و منها: قوله (عليه السّلام) في صحيحة عمر بن يزيد: «المجاور بمكة يتمتع بالعمرة الى الحج الى سنتين، فاذا جاوز سنتين كان قاطنا و ليس له أن يتمتع» (2)، فانه يدل بوضوح على انقلاب الموضوع بعد سنتين، و مجرد أن استطاعته كانت قبل ذلك لا يقتضي بقاء وجوب حج التمتع عليه حتى بعد سنتين، لان مقتضى اطلاقه انه لا متعة له بعدهما و ان كانت استطاعته قبل ذلك، هذا اضافة الى انه خلف فرض انقلاب موضوعه الى موضوع آخر، و على هذا فالاستطاعة القبلية تقتضي وجوب حج التمتع عليه الى سنتين، و اذا دخلت عليه الثالثة تقتضي‌

____________

(1) الوسائل: باب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث: 1 و 2.

92

هذا إذا كانت اقامته بقصد المجاورة، و أما إذا كانت بقصد التوطن فوظيفته حج الافراد أو القران من اول الامر اذا كانت استطاعته بعد ذلك، و أما إذا كانت قبل قصد التوطن في مكة فوظيفته حج التمتع (1)، و كذلك الحال فيمن قصد التوطن في غير مكة من الاماكن التي يكون البعد بينها و بين المسجد الحرام أقلّ من ستة عشر فرسخ.

[مسألة 146: إذا اقام في مكة، و كانت استطاعته في بلده، أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه الى حج الافراد أو القران]

(مسألة 146): إذا اقام في مكة، و كانت استطاعته في بلده، أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه الى حج الافراد أو القران فالاظهر جواز احرامه من ادنى الحل و ان كان الأحوط أن يخرج إلى أحد المواقيت و الاحرام منها لعمرة التمتع، بل الأحوط أن يخرج الى ميقات اهل بلده.

____________

وجوب حج الافراد عليه لأن الأول ينتفي بانتفاء موضوعه، و تفصيل ذلك بشكل موسع في المسألة (3) من (فصل: في اقسام الحج) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) بل حج الافراد كما مر، و به يظهر حال المسألة الآتية.

93

[حج التمتع]

حج التمتع

[مسألة 147: يتألف هذا الحج من عبادتين تسمى اولاهما بالعمرة، و الثانية بالحج]

(مسألة 147): يتألف هذا الحج من عبادتين تسمى اولاهما بالعمرة، و الثانية بالحج، و قد يطلق حج التمتع على الجزء الثاني منهما، و يجب الاتيان بالعمرة فيه قبل الحج (1).

[مسألة 148: تجب في عمرة التمتع خمسة امور]

(مسألة 148): تجب في عمرة التمتع خمسة امور:

الامر الاول: الاحرام من احد المواقيت، و ستعرف تفصيلها.

الامر الثاني: الطواف حول البيت.

الامر الثالث: صلاة الطواف.

الامر الرابع: السعي بين الصفا و المروة.

الامر الخامس: التقصير، و هو أخذ شي‌ء من الشعر أو الاظفار، فاذا أتى المكلف بهذه الأعمال الخمسة خرج من إحرامه، و حلت له الامور التي كانت قد حرمت عليه بسبب الاحرام.

____________

(1) حيث ان حج التمتع بكلا جزأيه عبادة، فلا يقع صحيحا ما لم يتوفر فيه أمور:

الأول: نية القربة بأمل أن يقبل اللّه تعالى منه.

الثاني: قصد الاخلاص و نعني به عدم الرياء.

الثالث: قصد الاسم الخاص المميز له شرعا، فاذا أحرم فلا بد أن يكون احرامه بقصد القربة و الاخلاص و قصد اسمه الخاص، بمعنى ان الاحرام ان كان للعمرة لحجة التمتع من حجة الإسلام نوى ذلك، و ان كان نائبا ذكر اسم المنوب‌

94

[مسألة 149: يجب على المكلف أن يتهيأ لأداء وظائف الحج فيما إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام]

(مسألة 149): يجب على المكلف أن يتهيأ لأداء وظائف الحج فيما إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام، و واجبات الحج ثلاثة عشر و هي كما يلى:

1- الاحرام من مكة، على تفصيل يأتي.

2- الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع، أو من نفس الظهر من ذي الحجة الحرام إلى المغرب، و تقع عرفات على بعد أربعة فراسخ من مكة.

3- الوقوف في المزدلفة يوم العيد الأضحى من الفجر الى طلوع الشمس، و تقع المزدلفة بين عرفات و مكة ...

4- رمي جمرة العقبة في منى يوم العيد، و منى على بعد فرسخ واحد من مكة تقريبا.

5- النحر أو الذبح في منى يوم العيد.

6- الحلق أو أخذ شي‌ء من الشعر أو الظفر في منى، و بذلك يحل له ما حرم عليه من جهة الاحرام ما عدا النساء و الطيب، بل الصيد على الأحوط.

7- طواف الزيارة بعد الرجوع إلى مكة.

8- صلاة الطواف.

9- السعي بين الصفا و المروة، و بذلك يحل الطيب أيضا.

10- طواف النساء.

11- صلاة طواف النساء، و بذلك تحل النساء أيضا.

____________

عنه، و إن كان الحج مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام و هكذا، و لا بد ان تكون هذه الأمور الثلاثة مقارنة للعمل بكامل اجزائه، بمعنى أنها لا تتأخر عن أول جزء من اجزاء العمل العبادي.

95

12- المبيت في منى ليلة الحادي عشر، و ليلة الثاني عشر بل ليلة الثالث عشر في بعض الصور كما سيأتي.

13- رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر و الثاني عشر، بل في اليوم الثالث عشر أيضا، فيما اذا بات المكلف هناك على الأحوط.

[مسألة 150: يشترط في حج التمتع أمور]

(مسألة 150): يشترط في حج التمتع أمور:

1- النية (1) بان يقصد الاتيان بحج التمتع بعنوانه، فلو نوى غيره أو تردد في نيته لم يصح حجه.

2- ان يكون مجموع العمرة و الحج في اشهر الحج (2)، فلو اتى بجزء من العمرة قبل دخول شوال لم تصح العمرة.

3- ان يكون الحج و العمرة في سنة واحدة (3)، فلو أتى العمرة و أخر الحج إلى السنة القادمة لم يصح التمتع و لا فرق في ذلك بين أن يقيم في مكة الى السنة القادمة و ان يرجع إلى أهله ثم يعود اليها، كما لا فرق بين ان يحلّ من احرامه بالتقصير و ان يبقى محرما إلى السنة القادمة.

____________

(1) شروط حج التمتع بتمام عناصرها الثلاثة من نية القربة، و الاخلاص، و قصد اسمه الخاص المميز له شرعا، فاذا نوى حج التمتع من حجة الإسلام قربة الى اللّه تعالى كفى، و إن كان مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام، و إن كان منذورا بدّل كلمة حجة الإسلام بالحجة المنذورة و هكذا.

(2) و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فان هذه الشهور الخاصة موضع عمرة التمتع من الناحية الزمانية، و أما موضع حج التمتع من الناحية الزمانية فهو يبدأ بعد دخول شهر ذي الحجة.

(3) للنصوص الدالة على ذلك، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين جميع‌

96

4- أن يكون احرام حجه من نفس مكة مع الاختيار و افضل مواضعه المقام أو الحجر (1)، و إذا لم يمكنه الاحرام من نفس مكة أحرم من أي موضع تمكن منه.

5- ان يؤدي مجموع عمرته و حجه شخص واحد عن شخص واحد (2)، فلو استؤجر اثنان لحج التمتع عن ميت اوحي أحدهما لعمرته و الآخر لحجه لم يصح ذلك، و كذلك لو حج شخص و جعل عمرته عن واحد و حجه عن آخر لم يصح.

____________

الفروض المشار اليها في المتن.

(1) في الأفضلية اشكال بل منع، و قد تعرضنا حكم المسألة بكامل جهاته في الامر الرابع من (فصل: في صورة حج التمتع و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(2) لأن عمرة التمتع و حج التمتع عمل واحد مركب من جزءين مترابطين ثبوتا و سقوطا، و على هذا فلا يمكن أن ينوي المكلف كلا منهما بنية مستقلة، بل لا بد أن تكون نية كل واحد منهما في ضمن نية المجموع، كما هو الحال في كل واجب مركب، و الّا لزم كون كل واحد منهما واجبا مستقلا، و هذا خلف فرض كون المجموع واجبا واحدا، فمن اجل ذلك لا يمكن أن يستنيب شخصا لعمرة التمتع و آخر لحج التمتع، فان هذه الاستنابة لا يمكن أن تكون صحيحة، لأن العمرة بصورة مستقلة غير مشروعة، و كذلك حج التمتع، فاذن لا محالة تكون الاجارة عليهما باطلة، فان ما هو مشروع- و هو كون كل منهما جزء الواجب- لم تقع عليه الاجارة، و ما وقعت الاجارة عليه و هو كون كل منهما واجبا مستقلا لم يكن مشروعا، و تفصيل الكلام في ذلك في الأمر الخامس من (فصل: في صورة حج التمتع و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

97

[مسألة 151: إذا فرغ المكلف من اعمال عمرة التمتع وجب عليه الاتيان باعمال الحج]

(مسألة 151): إذا فرغ المكلف من اعمال عمرة التمتع وجب عليه الاتيان باعمال الحج، و لا يجوز له الخروج من مكة لغير الحج (1)، الا ان يكون خروجه لحاجة و لم يخف فوات اعمال الحج، فيجب- و الحالة هذه- أن يحرم للحج من مكة، و يخرج لحاجته، ثم يلزمه ان يرجع الى مكة بذلك الاحرام و يذهب منها الى عرفات، و اذا لم يتمكن من الرجوع الى مكة ذهب الى عرفات من مكانه و كذلك لا يجوز لمن اتى بعمرة التمتع ان يترك الحج اختيارا و لو كان الحج استحبابيا.

نعم، إذا لم يتمكن من الحج فالأحوط ان يجعلها عمرة مفردة و يأتي بطواف النساء.

____________

ثم هناك شرط سادس و هو ان حجة التمتع ترتبط صحتها بوقوع عمرة التمتع قبلها و بصورة صحيحة، كما ان عمرة التمتع ترتبط صحتها بوقوع حجة التمتع بعدها و بصورة صحيحة.

(1) في اطلاقه اشكال بل منع، و الأقوى جواز الخروج الى المناطق القريبة من مكة كجدة و الطائف و نحوهما مع الوثوق و الاطمئنان بالرجوع اليها و ادراك الحج، بل لا يبعد جواز الخروج منها الى الأماكن البعيدة شريطة أن يكون واثقا و متأكدا بالرجوع الى مكة و ادراك الحج، و لا فرق فيه بين أن يكون الخروج من أجل ضرورة أو لا، فان المعيار انما هو بالوثوق و الاطمئنان بالتمكن من الرجوع الى مكة و ادراك الحج، كما أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون خروجه من مكة محرما أو محلا، و إن كان الأولى و الأجدر أن يكون محرما باحرام الحج، و تفصيل ذلك في المسألة (3) من (فصل: في صورة الحج و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

98

[مسألة 152: كما لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد تمام عمرته كذلك لا يجوز له الخروج منها في اثناء العمرة]

(مسألة 152): كما لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد تمام عمرته كذلك لا يجوز له الخروج منها في اثناء العمرة (1)، فلو علم المكلف قبل دخوله مكة باحتياجه الى الخروج منها، كما هو شأن الحملدارية فله أن يحرم- أولا- بالعمرة المفردة لدخول مكة فيقضي اعمالها، ثم يخرج لقضاء حوائجه، و يحرم ثانيا لعمرة التمتع، و لا يعتبر في صحته مضي شهر من عمرته الاولى كما مرّ.

[مسألة 153: المحرّم من الخروج عن مكة بعد الفراغ من اعمال العمرة أو اثنائها انما هو الخروج عنها الى محل آخر]

(مسألة 153): المحرّم من الخروج عن مكة بعد الفراغ من اعمال العمرة أو اثنائها انما هو الخروج عنها الى محل آخر، و لا بأس بالخروج الى اطرافها و توابعها، و عليه فلا بأس للحاج أن يكون منزله خارج البلد فيرجع الى منزله اثناء العمرة، أو بعد الفراغ منها.

[مسألة 154: إذا خرج من مكة بعد الفراغ من اعمال العمرة من دون احرام، و تجاوز المواقيت]

(مسألة 154): إذا خرج من مكة بعد الفراغ من اعمال العمرة من دون احرام، و تجاوز المواقيت ففيه صورتان:

____________

(1) في عدم الجواز اشكال بل منع، و الأظهر جواز الخروج من مكة اثناء عمرة التمتع اذا كان واثقا و مطمئنا بالتمكن من الرجوع الى مكة و اتمام العمرة و ادراك الحج، كما اذا احرم المكلف لعمرة التمتع و جاء الى مكة ثم خرج منها الى بلدة أخرى، فاذا رجع منها الى مكة أتم عمرته و أحرم للحج، أو اذا خرج منها بعد السعي بين الصفا و المروة، و قبل التقصير، فان كل ذلك لا مانع منه شريطة الوثوق و الاطمئنان بالرجوع اليها و اتمام العمرة و ادراك الحج، بل لا مانع من جواز ذلك و إن قلنا بعدم جواز الخروج بعد اتمام العمرة، باعتبار أن الروايات الناهية عن الخروج مختصة بالخروج بعد العمرة، و لا تشمل الخروج في اثنائها.

99

الاولى: ان يكون رجوعه قبل مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة يلزمه الرجوع إلى مكة بدون احرام (1)، فيحرم منها للحج، و يخرج الى عرفات.

الثانية: ان يكون رجوعه بعد مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة تلزمه اعادة العمرة.

[مسألة 155: من كانت وظيفته حج التمتع لم يجز له العدول الى غيره من افراد او قران]

(مسألة 155): من كانت وظيفته حج التمتع لم يجز له العدول الى غيره من افراد او قران، و يستثنى من ذلك من دخل في عمرة التمتع، ثم ضاق وقته فلم يتمكن من اتمامها و إدراك الحج، فانه ينقل نيته الى حج الافراد و يأتي بالعمرة المفردة بعد الحج، و حدّ الضيق المسوّغ لذلك خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري في عرفات (2).

[مسألة 156: اذا علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة]

(مسألة 156): اذا علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة، و ادراك الحج قبل أن يدخل في العمرة لم يجز له العدول من الاول (3)، بل وجب عليه تأخير الحج إلى السنة القادمة.

____________

(1) هذا للنصوص الخاصة التي تنص على ذلك، و كذلك الحال في الصورة الثانية. و تمام الكلام في هاتين الصورتين في المسألة (2) من (فصل:

صورة حج التمتع و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(2) هذا القول هو الصحيح، و في مقابله اقوال اخرى، و قد فصلنا الحديث في هذه الاقوال و في الروايات الواردة فيها و علاج مشكلة التنافي و التعارض بينها في المسألة (3) من (فصل: في صورة حج التمتع و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(3) لأن روايات الباب جميعا متفقة على أن من احرم لعمرة التمتع و دخل مكة و ضاق وقتها و خاف فوت الموقف تنقلب وظيفته من التمتع الى‌

100

[مسألة 157: اذا احرم لعمرة التمتع في سعة الوقت، و أخّر الطواف و السعي متعمدا الى زمان لا يمكن الاتيان فيه بهما و إدراك الحج]

(مسألة 157): اذا احرم لعمرة التمتع في سعة الوقت، و أخّر الطواف و السعي متعمدا الى زمان لا يمكن الاتيان فيه بهما و إدراك الحج، بطلت عمرته (1)، و لا يجوز له العدول الى الافراد على الأظهر، لكن الأحوط ان يعدل اليه و يتمها بقصد الأعم من حج الافراد و العمرة المفردة.

____________

الافراد، و لا تشمل من علم بضيق الوقت قبل الدخول في الاحرام، و لا تدل على أن وظيفته الانقلاب على تفصيل ذكرناه في المسألة (3) من (فصل: في صورة الحج و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) هذا لا من جهة أنها واقعة في خارج وقتها، بل من جهة أنه اذا أتى بها فقد فات عنه الموقف، و بما أن فوته كان مستندا الى اهماله و تقصيره، فلا محالة يوجب بطلان الحج، و مع بطلانه بطلت العمرة، لما مر من أن صحتها مرتبطة بصحة الحج بعدها. و أما ان المقام غير مشمول لروايات العدول و الانقلاب، فلأن مورد تلك الروايات ما اذا لم يكن ضيق الوقت مستندا الى اهمال المكلف و تقصيره، و بما أن ضيق الوقت في المقام مستند الى اختياره فلا تشمله الروايات، فاذن يكون المرجع فيه مقتضى القاعدة، و هو بطلان الاحرام و اعادة الحج من قابل.

101

[حج الافراد]

حج الافراد مرّ عليك أن حج التمتع يتألف من جزءين، هما: عمرة التمتع و الحج، و الجزء الأوّل منه متصل بالثاني، و العمرة تتقدم على الحج.

أما حج الأفراد فهو عمل مستقل في نفسه واجب- كما علمت- على من يكون الفاصل بين منزله و بين المسجد الحرام أقل من ستة عشر فرسخا و فيما اذا تمكن مثل هذا المكلف من العمرة المفردة وجبت عليه بنحو الاستقلال أيضا.

و عليه فاذا تمكن من أحدهما دون الآخر وجب عليه ما يتمكن منه خاصة، و إذا تمكن من أحدهما في زمان و من الآخر في زمان آخر وجب عليه القيام بما تقتضيه وظيفته في كل وقت، و إذا تمكن منهما في وقت واحد وجب عليه- حينئذ- الاتيان بهما و المشهور بين الفقهاء في هذه الصورة وجوب تقديم الحج على العمرة المفردة و هو الأحوط.

[مسألة 158: يشترك حج الافراد مع حج التمتع في جميع أعماله، و يفترق عنه في امور]

(مسألة 158): يشترك حج الافراد مع حج التمتع في جميع أعماله، و يفترق عنه في امور (1):

أولا: يعتبر اتصال العمرة بالحج في حج التمتع و وقوعهما في سنة واحدة- كما مر- و لا يعتبر ذلك في حج الافراد.

____________

(1) الفوارق بين الحجّتين:

الاول: ان صحة حج التمتع ترتبط بوقوع العمرة قبله، و بصورة صحيحة، بمعنى انهما مترابطان ثبوتا و سقوطا، صحة و فسادا، بينما لا ترتبط صحة حج‌

102

ثانيا: يجب النحر أو الذبح في حج التمتع- كما مر- و لا يعتبر شي‌ء من ذلك في حج الافراد.

ثالثا: لا يجوز تقديم الطواف و السعي على الوقوفين في حج التمتع مع الاختيار، و يجوز ذلك في حج الافراد.

رابعا: ان احرام حج التمتع يكون بمكة، و أما الاحرام في حج الافراد فهو من أحد المواقيت الآتية.

خامسا: يجب تقديم عمرة التمتع (1) على حجه، و لا يعتبر ذلك في حج الافراد.

____________

الافراد بوقوع العمرة المفردة قبله و بصورة صحيحة، و لعل هذا هو المقصود من اتصال العمرة بالحج في حج التمتع في المتن.

الثاني: يعتبر في حج التمتع الذبح أو النحر، بينما لا يعتبر ذلك في حج الافراد. نعم اذا صحب المؤدّي لحج الافراد هديا معه وقت الاحرام و يسوقه في حجه، وجب عليه أن يضحّي بذلك الهدي يوم العيد و يسمى الحج حينئذ بحج القران، باعتبار أن الحاج يقرن معه الهدي.

الثالث: لا يجوز تقديم الطواف و السعي على الوقوفين في حج التمتع مع الاختيار، بينما يجوز ذلك في حج الافراد.

الرابع: ان موضع احرام حج التمتع يكون بمكة، و يقصد بمكة هنا البلدة على امتدادها، فالأحياء الجديدة التي تشكل الامتداد الحديث لمكة و تعتبر جزءا منها عرفا يجوز الاحرام فيها، و لا يجوز الاحرام في بلدة أو قرية أخرى لها عنوانها المتميز و إن اتصلت بمكة عن طريق توسع العمران، و أما موضع احرام حج الافراد فهو من أحد المواقيت الخمسة.

(1) فيه ان هذا ليس مائزا خامسا بينهما، لأنه داخل في المائز الأول.

103

سادسا: لا يجوز بعد احرام حج التمتع الطواف المندوب على الأحوط (1) الوجوبي، و يجوز ذلك في حج الافراد.

[مسألة 159: اذا احرم لحج الأفراد ندبا جاز له أن يعدل إلى عمرة التمتع إلا فيما إذا لبّى بعد السعي]

(مسألة 159): اذا احرم لحج الأفراد ندبا جاز له أن يعدل إلى عمرة التمتع إلا فيما إذا لبّى بعد السعي، فليس له العدول- حينئذ- إلى التمتع (2).

[مسألة 160: إذا أحرم لحج الأفراد، و دخل مكة جاز له ان يطوف بالبيت ندبا]

(مسألة 160): إذا أحرم لحج الأفراد، و دخل مكة جاز له ان يطوف بالبيت ندبا، و لكن يجب عليه التلبية (3)، بعد الفراغ من صلاة الطواف على الأحوط.

____________

(1) لكن الأظهر جوازه، فان ما دل على عدم الجواز محكوم بما دل على الجواز، و سيأتي بيانه في احرام الحج.

(2) للنصوص الخاصة الدالة على جواز العدول الى عمرة التمتع اذا لم يلبّ، و أما اذا لبى بعد السعي و قبل التقصير فلا يجوز له العدول.

(3) في الوجوب اشكال، و لا يبعد عدمه، لأن الأصل فيه معتبرة معاوية ابن عمار قال: «سألته عن المفرد للحج، هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟

قال: نعم، ما شاء، و يجدد التلبية بعد الركعتين، و القارن بتلك المنزلة، يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية» (1) و لكن دلالة هذه المعتبرة على وجوب التلبية لا تخلو عن اشكال، فان الظاهر منها عرفا بمناسبه الحكم و الموضوع الارتكازية استحبابها، لأنها لا تدل على ان الطواف المندوب بعد طواف الفريضة مبطل للإحرام، و الّا لدلّت على بطلان الطواف أيضا، مع أنها لا تدل عليه، فاذن لا بد من حمل الأمر بالتلبية على الاستحباب، اذ احتمال أنها واجبة تعبدا غير محتمل عرفا.

نعم، لا بأس بالاحتياط.

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب اقسام الحج، الحديث: 2.

104

[حج القران]

حج القران

[مسألة 161: يتحد هذا العمل مع حج الافراد في جميع الجهات، غير ان المكلف يصحب معه الهدي وقت الاحرام]

(مسألة 161): يتحد هذا العمل مع حج الافراد في جميع الجهات، غير ان المكلف يصحب معه الهدي وقت الاحرام، و بذلك يجب الهدي عليه و الاحرام في هذا القسم من الحج، كما يكون بالتلبية يكون بالاشعار أو بالتقليد، و إذا أحرم لحج القران لم يجز له العدول الى حج التمتع.