تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
205

[مسألة 245: إذا لبس المحرم متعمدا شيئا مما حرم لبسه عليه فكفارته شاة]

(مسألة 245): إذا لبس المحرم متعمدا شيئا مما حرم لبسه عليه فكفارته شاة (1)،

____________

بالحرير الخالص، فالنتيجة أنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس الحرير الخالص، و لا القفازين و هي محرمة. و أما لبس الذهب للمرأة في حال الإحرام كالحلي و الخلخال و المسكة و القرطان و غير ذلك، فالظاهر أنه لا مانع منه شريطة أن لا يكون بقصد الزينة، و تدل على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المحرمة تلبس الحلي كله الّا حليا مشهورا للزينة» (1) فانها تدل بوضوح على انه يجوز لها أن تلبس الذهب الّا للزينة.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن المرأة يكون عليها الحلي و الخلخال و المسكة و القرطان من الذهب و الورق تحرم فيه و هو عليها و قد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها أ تنزعه اذا أحرمت، أو تتركه على حاله؟ قال: تحرم فيه، و تلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها و مسيرها» (2) فانها تدل على أن لبسها بقصد الزينة و الإظهار للرجال محرم، لا في نفسه.

(1) تنص عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة زرارة بن أعين قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: من نتف ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله و هو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شي‌ء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة» (3) فانها واضحة الدلالة على أن من لبس ما لا يجوز لبسه عامدا و ملتفتا فعليه دم شاة. و منها غيرها (4).

____________

(1) الوسائل: الباب 49 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 49 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام: 1.

(4) راجع الوسائل: الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام.

206

و الأحوط لزوم الكفارة عليه، و لو كان لبسه للاضطرار (1).

____________

(1) في الاحتياط اشكال بل منع، و الأظهر عدم لزوم الكفارة عليه، كما هو الحال في موارد الجهل و النسيان، و ذلك لعدم الدليل، لأن الاجماع المدعى في المسألة على الكفارة فلا يمكن اثباته لا صغرى و لا كبرى، كما ذكرناه غير مرة.

و أما صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن المحرم اذا احتاج الى ضروب من الثياب يلبسها، قال: عليه لكل صنف منها فداء» (1) فلأن موردها الحاجة الى لبس ضروب من الثياب لا الاضطرار اليه و الحاجة عرفا و عقلا غير الاضطرار، و لا سيّما في مورد الصحيحة بقرينة فرضها الحاجة الى ضروب من الثياب و اصنافها، اذ فرض أنه مضطر الى ضروب متعددة منها بعيد جدا. و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنها مطلقة و تشمل باطلاقها الحاجة التي تبلغ حد الاضطرار، الّا أنه لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بحديث الرفع، فان مفاده رفع أثر العمل المضطر اليه.

فالنتيجة: انه لا دليل على ثبوت الكفارة في حالة الاضطرار، و إن كان الاحتياط أولى و أجدر.

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب بقية كفارات الاحرام: 1.

207

[10- الاكتحال]

10- الاكتحال

[مسألة 246: الاكتحال على صور]

(مسألة 246): الاكتحال على صور (1):

1- أن يكون بكحل أسود، مع قصد الزينة و هذا حرام على المحرم قطعا، و تلزمه كفارة شاة على الأحوط الأولى.

2- أن يكون بكحل أسود، مع عدم قصد الزينة.

3- أن يكون بكحل غير أسود مع قصد الزينة، و الأحوط الاجتناب في هاتين الصورتين، كما ان الاحوط الأولى التكفير فيهما.

4- الاكتحال بكحل غير أسود، و لا يقصد به الزينة و لا بأس به، و لا كفارة عليه بلا اشكال.

____________

(1) اعلم أن الاكتحال على صور:

الصورة الأولى: يحرم على المحرم رجلا كان أم امرأة أن يكتحل بالكحل الأسود، و تدل على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا يكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الأسود الّا من علة» (1) فان مقتضى اطلاقها ان اكتحال المحرم بالأسود محرم و إن لم يقصد به الزينة، الّا اذا كانت هناك علة تتطلب الاكتحال به كالمرض أو نحوه.

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن الكحل للمحرم، فقال: أما بالسواد فلا، و لكن بالصبر و الحضض» (2)، فان مقتضى اطلاقها انه محرم عليه، قصد به الزينة أم لا.

____________

(1) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 7.

208

..........

____________

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، ان السواد زينة» (1) فانها في مقام بيان ان الاكتحال بالسواد زينة، على أساس أن استعماله بين الناس بما انه كان غالبا للزينة، فيعد زينة في العرف العام و ان لم يكن مقصودا، فاذا كان زينة عرفا فالزينة محرم على المحرم.

و منها: صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المرأة تكتحل و هي محرمة، قال: لا تكتحل، قلت: بسواد ليس فيه طيب، قال: فكرهه من أجل أنه زينة، و قال: اذا اضطرّت اليه فلتكتحل» (2) بتقريب أن المراد من الكراهة فيها الحرمة بقرينة أنها مسبوقة بالنهي عن الاكتحال، و ملحوقة باستثناء حالة الاضطرار.

الصورة الثانية: يجوز للمحرم رجلا كان أم امرأة أن يكتحل بالكحل غير الأسود، الّا اذا كان بقصد الزينة، أو عد زينة في العرف العام، و تدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس أن يكتحل و هو محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه فاما للزينة فلا» (3)، بتقريب أن مقتضى اطلاقها أنه يجوز للمحرم أن يكتحل بالكحل مطلقا، أي سواء أ كان بالأسود أم كان بغيره، شريطة أن لا يقصد به الزينة، و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بغير الكحل الأسود بمقتضى الروايات المتقدمة، و نتيجة ذلك أنه يجوز للمحرم أن يكتحل بالكحل غير الأسود الّا للزينة.

و أما صحيحة زرارة عنه (عليه السّلام): «قال: تكتحل المرأة بالكحل كله الّا الكحل الأسود للزينة» (4)، فلا يمكن الأخذ باطلاقها.

أما بالنسبة إلى الكحل الأسود، فلأن الظاهر من تقييد عدم جواز استعماله‌

____________

(1) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 14.

(3) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

209

..........

____________

للمحرم بالزينة أنه من باب الغالب، حيث ان المتعارف و لا سيّما بين النساء كان استعماله للزينة، فاذن لا يدل تقييده بها على جواز استعماله اذا لم يكن للزينة، او لا أقل من الاجمال و عدم المفهوم له، و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن له مفهوما الّا أنا ذكرنا في علم الأصول أن مفهومه قضية مهملة، فلا يصلح أن يعارض صحيحتي الحلبي و حريز اللتين تنصان على أنه محرم عليه معللا بأنه زينة، و الزينة محرمة على المحرم، و اما بالنسبة الى الكحل غير الأسود فالصحيحة معارضة بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة بالعموم من وجه، فان صحيحة معاوية تدل على حرمة اكتحال المحرم إذا كان للزينة، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون بالكحل الأسود أو غيره، و هذه الصحيحة تدل على جواز الاكتحال بالكحل غير الأسود مطلقا، أي بلا فرق بين أن يكون بقصد الزينة أو لا، و مورد الالتقاء بينهما ما إذا كان الاكتحال بالكحل غير الأسود بقصد الزينة، فان الصحيحة الأولى تنص على عدم جوازه، و الثانية تنص على جوازه، فاذن مقتضى القاعدة سقوط اطلاق كلتيهما في مورد المعارضة و الرجوع الى الأصل العملي. نعم بناء على القول بانقلاب النسبة تصبح صحيحة معاوية أخص من الصحيحة المذكورة من جهة أن اطلاقها مقيد بالروايات التي تنص على أن الاكتحال بالكحل الأسود محرم و إن لم يكن بقصد الزينة، و عليه فتنقلب النسبة من عموم من وجه الى عموم مطلق، و لكن ذكرنا في علم الأصول أن القول بانقلاب النسبة غير تام، و عليه فالنسبة بين الصحيحتين تبقى على حالها، و هي العموم من وجه هذا. و لكنا نعلم من روايات هذه المسألة بضميمة روايات مسألة حرمة نظر المحرم الى المرآة للزينة، و مسألة حرمة لبس المرأة الذهب و الخلخال و المسكة بقصد الزينة، أن حرمة الزينة على المحرم رجلا‌

210

..........

____________

كان أم امرأة أمر مفروغ عنه، سواء أ كانت الزينة باللباس أم كانت بالنظر الى المرآة أم بالاكتحال أم بغير ذلك، فمن أجل هذا لا بد من رفع اليد عن عموم الصحيحة و حملها على ما اذا لم يكن بقصد الزينة.

و اما معتبرة الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سأله رجل ضرير و أنا حاضر، فقال: اكتحل اذا احرمت، قال: لا، و لم تكتحل؟ قال: اني ضرير البصر، و اذا أنا اكتحلت نفعني و إن لم اكتحل ضرّني، قال: فاكتحل- الحديث» (1) فيرفع اليد عن اطلاقها بتقييده بالكحل الأسود أو للزينة.

الصورة الثالثة: يجوز للمحرم رجلا كان أو امرأة أن يكتحل بالكحل و إن كان أسود من أجل علة كالتداوي به أو غيره، و تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: معتبرة الكاهلي الآنفة الذكر.

و منها: قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية المتقدمة «لا يكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الأسود الّا من علة» (2).

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول:

يكتحل المحرم إن هو رمد بكحل ليس فيه زعفران» (3).

الصورة الرابعة: لا يجوز للمحرم رجلا كان أم امرأة أن يكتحل بكحل فيه طيب، و تنص على ذلك أيضا عدة من الروايات.

منها: صحيحتا معاوية بن عمار و عبد اللّه بن سنان المتقدمتان، و منها غيرهما (4).

و الحاصل أنه نتجت من مجموع هذه الروايات أمور:

____________

(1) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 10.

(2) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 33 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(4) راجع الوسائل: الباب 18 من ابواب تروك الاحرام.

211

..........

____________

الأول: لا يجوز للمحرم أن يكتحل بالكحل الأسود و هو محرم و إن لم يقصد به الزينة، بدون فرق فيه بين الرجل المحرم و المرأة المحرمة.

الثاني: يجوز له أن يكتحل بالكحل غير الأسود الا اذا كان للزينة أو كان في العرف العام زينة.

الثالث: لا يجوز أن يكتحل بكحل فيه طيب.

الرابع: يجوز أن يكتحل لعلة و إن كان بالأسود، كالتداوي به أو غيره.

212

[11- النظر في المرآة]

11- النظر في المرآة

[مسألة 247: يحرم على المحرم النظر في المرآة للزينة]

(مسألة 247): يحرم على المحرم النظر في المرآة للزينة (1)، و كفارته شاة على الأحوط الأولى.

و أما إذا كان النظر فيها لغرض آخر غير الزينة كنظر السائق فيها لرؤية ما خلفه من السيارات، فلا بأس به، و يستحب لمن نظر فيها للزينة تجديد التلبية، أما لبس النظارة فلا بأس به للرجل أو المرأة اذا لم يكن للزينة، و الأولى الاجتناب عنه، و هذا الحكم لا يجري في سائر الاجسام الشفافة فلا بأس بالنظر إلى الماء الصافي أو الاجسام الصيقلية الأخرى.

____________

(1) لا يبعد عدم جواز نظر المحرم رجلا كان أم امرأة في المرآة اذا عد في العرف العام زينة و إن لم يقصد به الزينة، كما إذا كان نظره فيها بدافع اصلاح هندامه و وضعه الطبيعي بدون أن يكون قاصدا به التزين، و يستفاد ذلك من مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا تنظر في المرآة و أنت محرم، فانه من الزينة» (1) بتقريب أن المتبادر من النظر فيها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو النظر فيها لإصلاح هندامه و وضعه الطبيعي سواء أ كان قاصدا به الزينة أم لا، فان ذلك يعد في العرف العام زينة، و الزينة محرمة على المحرم.

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا تنظر في المرآة و أنت‌

____________

(1) الوسائل: الباب 34 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

213

..........

____________

محرم لأنه من الزينة» (1)، بتقريب أن المتبادر من النهي عن النظر هو النهي عن النظر المتعارف بين الناس في المرآة، و من الواضح ان استعمالها إما أن يكون بدافع التزيين، أو بدافع اصلاح وضعه الطبيعي من ناحية اللباس و غيره، بدون أن يكون قاصدا به الزينة، و لا يحرم اذا كان بدافع آخر كنظر السائق في المرآة الى المسافرين بداعي التأكد من عدم تخلف بعضهم عن السيارة أو وضعهم فيها، أو بداعي تعرفه على ما خلفه من السيارات، أو التأكد من عدم وجود حاجب على البشرة المانع من الوضوء أو الغسل.

فالنتيجة: ان المستفاد عرفا من الروايتين أن نظر المحرم في المرآة حرام إذا كان بقصد الزينة و إن لم يكن بقصده فهو حرام اذا عدّ في العرف العام زينة، و الّا فلا.

بقي هنا أمور:

الأوّل: قد ورد في صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لا ينظر المحرم في المرآة لزينة، فان نظر فليلب» (2)، ان المحرم اذا نظر في المرآة فعليه أن يعيد التلبية، و ظاهر الأمر بالاعادة ارشاد الى فساد الاحرام، هذا و لكن لا بد من رفع اليد عن ظهوره في ذلك، و حمله على الاستحباب بقرينة أن عدم نظر المحرم في المرآة ليس قيدا للإحرام حتى يكون وجوده مانعا عنه، على أساس أن محرمات الاحرام محرمات مستقلة، و لا يكون عدمها قيدا للحج أو العمرة، و لعل حكمة أمر المحرم بالتلبية اذا نظر في المرآة أنه نوع تنبيه له لكي ينصرف عن محرمات الاحرام و يلبي ما هو واجب عليه.

الثاني: لا يحرم على المحرم رجلا كان أم امرأة لبس النظارات اذا لم يكن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 34 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 34 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

214

..........

____________

بقصد الزينة و لا يعد في العرف العام زينة، فاذن لا مانع من لبسها بغرض الوقاية من الشمس أو الهواء الترابية أو غير ذلك، أو بدافع طبي.

الثالث: يجوز للمحرم أن ينظر في الأجسام الشفافة التي ينطبع فيها وجه الناظر كالماء الصافي أو غيره.

الرابع: قد تسأل أن على المحرم اذا نظر في المرآة كفارة؟

و الجواب: انه لا كفارة عليه لعدم الدليل.

215

[12- لبس الخف و الجورب]

12- لبس الخف و الجورب

[مسألة 248: يحرم على الرجل المحرم لبس الخف و الجورب]

(مسألة 248): يحرم على الرجل المحرم لبس الخف و الجورب (1)، و كفارة ذلك شاة على الأحوط (2) و لا بأس بلبسهما للنساء، و الأحوط الاجتناب عن لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم و اذا لم يتيسر للمحرم نعل أو شبهه ودعت الضرورة الى لبس الخف فالأحوط الأولى خرقه من المقدم،

____________

(1) تدل عليه جملة من النصوص.

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: و اي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفين اذا اضطر الى ذلك، و الجوربين يلبسهما اذا اضطر الى لبسهما» (1) فانها واضحة الدلالة على انه لا يجوز للمحرم لبس الجورب و الخف في حال الاختيار، و منها غيرها.

ثم إن هذا الحكم يختص بالرجل المحرم، و لا يعم المرأة المحرمة، لما مر من أنه يجوز لها أن تلبس ما شاءت من الثياب ما عدا الحرير الخالص و القفازين و الذهب للزينة.

(2) لكن الأظهر عدم وجوبها.

و دعوى: ان قوله (عليه السّلام) في صحيحة زرارة: «أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه- الى أن قال: و من فعله متعمدا فعليه دم شاة» (2) يدل على وجوب الكفارة عليه.

مدفوعة: بعدم صدق الثوب عليهما حتى يصدق على لبسهما لبس‌

____________

(1) الوسائل: الباب 51 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

216

و لا بأس بستر تمام ظهر القدم (1) من دون لبس.

____________

الثوب، و لكن مع هذا إذا لبس الجورب أو الخف عامدا و ملتفتا فالأولى و الأجدر به أن يكفر بدم شاة.

(1) فيه أن الأظهر عدم وجوب الاجتناب عنه لعدم الدليل، و اختصاص النص بالجورب و الخف، و التعدي بحاجة الى قرينة، و لا قرينة عليه، لا فيه و لا من الخارج، و لا نعلم أن ملاك المنع عن لبس الجورب و الخف انما هو سترهما تمام ظهر القدم حتى يمكن التعدي الى كل ما يكون ساترا له و إن لم يكن جوربا و لا خفا، و مع هذا فالأحوط و الأجدر به الاجتناب عنه.

217

[13- الكذب و السب]

13- الكذب و السب

[مسألة 249: الكذب و السب محرّمان في جميع الأحوال]

(مسألة 249): الكذب و السب محرّمان في جميع الأحوال، لكن حرمتهما مؤكدة حال الاحرام و المراد من الفسوق في قوله تعالى: (فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج) هو الكذب و السب (1)، اما التفاخر و هو اظهار الفخر من حيث الحسب أو النسب، فهو على قسمين:

الاول: أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحطّ من شأن الآخرين و هذا محرم في نفسه.

الثاني: أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه من دون أن يستلزم اهانة الغير، و حطا من كرامته، و هذا لا بأس به، و لا يحرم لا على المحرم و لا على غيره.

____________

(1) تدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إذا أحرمت فعليك بتقوى اللّه، و ذكر اللّه، و قلة الكلام الّا بخير، فان تمام الحج و العمرة أن يحفظ المرء لسانه الّا من خير، كما قال اللّه عزّ و جل، فان اللّه تعالى يقول: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ فالرفث الجماع، و الفسوق الكذب و السباب، و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه» (1) بتقريب أنها فسرت الفسوق بالكذب و السباب، و في مقابلها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو؟ و ما على من فعله؟ فقال: الرفث: جماع النساء، و الفسوق‌

____________

(1) الوسائل: الباب 32 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

218

..........

____________

الكذب و المفاخرة، و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه- الحديث» (1) فانها فسرت الفسوق بالكذب و المفاخرة، و حينئذ فان قلنا أن المفاخرة لون من ألوان السباب فلا تنافي بين الروايتين، و إن قلنا أن المفاخرة أعم من السباب فانها قد تشمل على الحط من الطرف المقابل و انتقاص قدره، كما اذا كان الشخص في مقام اثبات الفضائل لنفسه و سلبها عن الطرف المقابل المؤدي الى انتقاص قدره، و النيل من كرامته، أو في مقابل سلب الصفات الرذيلة عن نفسه و اثباتها للطرف المقابل، و قد لا تشتمل على الحط من كرامة الطرف المقابل، كما إذا كان في مقام اثبات الفضائل لنفسه من دون سلبها عن الطرف الآخر، أو سلب الرذائل عن نفسه بدون الإشارة الى ثبوتها في خصمه، و الظاهر بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن المراد من المفاخرة المعنى الأول، فانه فسق، و يناسب تفسير الفسوق في الآية الشريفة به دون المعنى الثاني، اذ المفاخرة بهذا المعنى اذا لم تكن مشتملة على الكذب لم تكن محرمة، و عليه فلا يناسب تفسير الفسوق به، لأنه ليس بفسق بذلك المعنى.

و دعوى: أن المراد من الفسوق في الآية الكريمة الفسوق بلحاظ حال الاحرام لا مطلقا.

مدفوعة: بأن الظاهر منها الفسوق في نفسها و بقطع النظر عن احرام المحرم، غاية الأمر أن الادانة و العقوبة عليها في حال الاحرام أشد، فالنتيجة ان هذه الدعوى ساقطة و غير محتملة عرفا.

ثم إن من مارس الفسوق في الحج عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي، فهل عليه كفارة؟

و الجواب: انه لا كفارة عليه، و ذلك لأن صحيحة سليمان بن خالد قال:

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث: 16.

219

..........

____________

«سمعت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول في حديث: في السباب و الفسوق بقرة، و الرفث فساد الحج» (1) و إن دلت على ثبوت الكفارة، الّا أنها معارضة عدم ثبوتها بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: «قلت: أ رأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل اللّه له حدا، يستغفر اللّه و يلبي» (2)، فانها دلت على عدم جعل الكفارة عليه. فاذن تسقطان معا من جهة المعارضة، فالمرجع هو أصالة البراءة عن وجوبها.

و دعوى: أن من المحتمل أن يكون المراد من الحد هو الحد الشرعي كحد الزنا و السرقة و ما شاكل ذلك لا الكفارة.

مدفوعة: بأن هذا الاحتمال غير محتمل في المقام، لأن السؤال فيها عن ثبوت الكفارة عليه، و جواب الإمام (عليه السّلام) بعدم جعل حد له ظاهر في نفيها، لأن المراد من الحد في المقام هو الكفارة، و يشهد عليه قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية ابن عمار: «حد الجدال دم يهريقه» (3) و كيف كان، فلا شبهة في ذلك.

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

220

[14- الجدال]

14- الجدال

[مسألة 250: لا يجوز للمحرم الجدال]

(مسألة 250): لا يجوز للمحرم الجدال، و هو قول «لا و اللّه، و بلى و اللّه (1)

____________

(1) هذا، لا يجوز للمحرم رجلا كان أم امرأة ان يستعمل الحلف بهاتين الصيغتين في مقام الخصومة و المخالفة، و هل تختص حرمة الحلف بهما على المحرم بموارد المخاصمة، أو تعم كل مورد و إن لم تكن فيه مخاصمة و لا مخالفة ما عدا المقابلة بالكلام، كما لو سأله احد: هل طفت بالبيت؟ فقال: لا و اللّه، فان كان كاذبا في حلفه فهو جدال في المرتبة الأولى، و عليه كفارته، و إن كان صادقا فيه فانه جدال شريطة أن يكرره ثلاث مرات ولاء و الظاهر هو الثاني و ذلك لأمرين:

أحدهما: أنه قد فسر الجدال في الروايات بهاتين الصيغتين، لا بالمخاصمة المشتملة عليها.

منها: صحيحتي معاوية بن عمار و علي بن جعفر المتقدمتين، فاذن ليس المراد من الجدال في الآية الشريفة معناه اللغوي و العرفي، بل المراد منه ما فسّر في الروايات.

و الآخر انه قد رتب في عدة من الروايات الجدال على الحلف، دون الحلف الواقع في المخاصمة.

منها: صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث:

و الجدال قول الرجل: لا و اللّه و بلى و اللّه، و اعلم ان الرجل اذا حلف بثلاثة ايمان ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل، فعليه دم يهريقه، و يتصدق به، و اذا‌

221

و الأحوط ترك الحلف حتى بغير هذه الالفاظ (1).

[مسألة 251: يستثنى من حرمة الجدال أمران]

(مسألة 251): يستثنى من حرمة الجدال أمران:

____________

حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل، و عليه دم يهريقه و يتصدق به. و سألته عن الرجل يقول: لا لعمري، و بلى لعمري، قال: ليس هذا من الجدال، و انما الجدال قول الرجل: لا و اللّه و بلى و اللّه» (1).

و منها: صحيحته الأخرى قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ان الرجل اذا حلف بثلاثة ايمان في مقام ولاء و هو محرم فقد جادل، و عليه حد الجدال دم يهريقه و يتصدق به» (2).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن الجدال في الحج، فقال: من زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم، فقيل له: الذي يجادل و هو صادق، قال: عليه شاة، و الكاذب عليه بقرة» (3) و منها غيرها (4).

فالنتيجة: ان المستفاد من هذه الروايات أن الجدال في الآية الشريفة عبارة عن قول الرجل: لا و اللّه، و بلى و اللّه، و بما أن هذا القول يستعمل في مقام الاخبار و التصديق بثبوت شي‌ء، أو عدم ثبوته، فلا محالة يكون في مقام المقابلة مع آخر بالكلام، سواء أ كانت بنحو المخاصمة أم لا.

و بكلمة: ان الظاهر منها كون المحرم اذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد، أو بيمين واحدة كاذبة، فانه مجادل كان في مقام المخاصمة أم لا.

(1) الأولى ذلك، اذ لا دليل على أن الحلف بغير تلك الألفاظ من محرمات الإحرام، لأن الظاهر من الروايات الواردة في تفسير الجدال في الآية الشريفة بقول الرجل: لا و اللّه، و بلى و اللّه هو الموضوعية لهذا القول، و حمله على أنه مأخوذ بنحو الطريقية و المعرفية الصرفة بحاجة الى قرينة.

____________

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(4) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام.

222

الاول: أن يكون ذلك لضرورة تقتضيه من احقاق حق أو ابطال باطل (1).

____________

(1) لأن الضرورة اذا تطلبت الحلف لإثبات حق أو ابطال باطل جاز، بل ان صحيحة ابي بصير قال: «سألته عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول له صاحبه و اللّه لا تعمله، فيقول: و اللّه لأعملنه، فيخالفه مرارا، يلزمه ما يلزم الجدال؟ قال: لا، انما اراد بهذا اكرام أخيه، انما كان ذلك ما كان فيه معصية» (1)، تدل على جواز الحلف لإكرام اخيه و احترامه، فضلا عما اذا كان لإحقاق حق أو ابطال باطل.

فالنتيجة: ان المستثنى من حرمة الحلف على المحرم في حال الإحرام موردان:

أحدهما: أن يكون لإثبات حق أو ابطال باطل، او بدافع حفظ نفس مؤمن.

و الآخر: ان يكون لإكرام مؤمن و احترامه، و أما في غير هذين الموردين فهو محرم و معصية للّه تعالى، و فيه كفارة عليه، و بذلك يظهر حال ما بعده.

قد تسأل عن أن الجدال في الآية الشريفة التي فسر في الروايات بصيغة خاصة من القسم، فهل يعتبر أن تكون تلك الصيغة بجملة خبرية، أو لا؟

و الجواب: يعتبر أن تكون بجملة خبرية بقرينة تقسيم القسم بالصيغة المذكورة في الروايات تارة بالقسم الصادق، و اخرى بالكاذب، هذا اضافة الى أنه إن اريد بالقسم الانشائي إنشاء مفهوم القسم بالحمل الأولي، فلا أثر له، اذ لا يحتمل أن يكون تلفظ المحرم بصيغة لا و اللّه بقصد إنشاء مفهوم القسم في عالم الاعتبار و الذهن حراما، و إن اريد به الالتزام بالمقسوم عليه في الخارج تركا أو فعلا، فهو قسم بالحمل الشائع، و اخبار و ليس بانشاء.

____________

(1) الوسائل: الباب 32 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 7.

223

الثاني: أن لا يقصد بذلك الحلف بل يقصد به أمرا آخر كإظهار المحبة و التعظيم كقول القائل: لا و اللّه لا تفعل ذلك.

[مسألة 252: لا كفارة على المجادل فيما اذا كان صادقا في قوله و لكنه يستغفر ربّه]

(مسألة 252): لا كفارة على المجادل فيما اذا كان صادقا في قوله و لكنه يستغفر ربّه، هذا فيما اذا لم يتجاوز حلفه المرة الثانية، و إلا كان عليه كفارة شاة. و أما إذا كان الجدال عن كذب فعليه كفارة شاة للمرة الاولى، و شاة اخرى للمرة الثانية و بقرة للمرة الثالثة (1).

____________

و قد تسأل: عن أن المعتبر في تحقق الجدال شرعا هل هو تحقق الصيغتين معا، أو كفاية تحقق واحدة منها؟

و الجواب: كفاية تحقق واحدة منها، لأن ذلك هو الظاهر من الروايات الواردة في تفسيره بدون الإشارة في شي‌ء منها أنه لا يتحقق الّا بتحقق كلتا الصيغتين معا، هذا اضافة الى أن اجتماعهما في مورد واحد غير ممكن، باعتبار أن مدلول احداهما تصديق بثبوت شي‌ء، و مدلول الأخرى تصديق بنفي شي‌ء آخر.

و قد تسأل: أن كلمة (لا) في إحدى الصيغتين، و كلمة (بلى) في الأخرى هل هما معتبرتان في ترتيب الأثر عليهما و كونهما مصداقا للجدال في الآية الشريفة؟

و الجواب: أنهما معتبرتان فيه، لظهور الروايات المفسرة له في ذلك.

(1) هذا هو المستفاد من روايات الباب، لأن المحرم رجلا كان أم امرأة إذا جادل و هو محرم فان كان صادقا في جداله بقوله لا و اللّه أو بلى و اللّه، فلا شي‌ء عليه في المرة الأولى، و لا في الثانية، و أما في الثالثة فعليه دم شاة، و تدل عليه جملة من الروايات.

منها: صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث:

224

..........

____________

و الجدال قول الرجل: لا و اللّه و بلى و اللّه. و اعلم ان الرجل اذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل و عليه دم يهريقه، و يتصدق به، و اذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل فعليه دم يهريقه و يتصدق به- الحديث» (1)، فانها تدل بمقتضى مفهوم الشرط أنه اذا جادل أقل من ثلاث مرات فان كان صادقا في جداله فلا شي‌ء عليه، و نقيد به اطلاق صحيحة سليمان بن خالد، قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: في الجدال شاة- الحديث» (2) و إن كان كاذبا في جداله فعليه دم شاة في المرة الأولى و الثانية، أما في المرة الأولى فقد نصت عليه صحيحة معاوية المتقدمة.

و أما في المرة الثانية فمن أجل أن العرف لا يفهم خصوصية للمرة الأولى، هذا اضافة إلى أن تعدد الكفارة بتعدد سببها يكون على القاعدة، و مع الاغماض عن ذلك انه يكفي لإثبات تعددها اطلاق صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة، لأن اطلاقها بالنسبة إلى اليمين الكاذبة يظل ثابتا، و في المرة الثالثة بقرة، و تنص عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن الجدال في الحج، فقال: من زاد على مرتين قد وقع عليه الدم، فقيل له: الذي يجادل و هو صادق، قال: عليه شاة، و الكاذب عليه بقرة» (3) و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: «قلت: فمن ابتلي بالجدال ما عليه؟ قال: إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه، و على المخطئ بقرة» (4) و المراد من المخطئ و المصيب بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية الكاذب و الصادق، و بهما نقيد اطلاق صحيحة سليمان بن خالد التي تدل على أن كفارته شاة بما دون ثلاث مرات، اذا كان كاذبا في جداله.

____________

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(4) الوسائل: الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

225

[15- قتل هوامّ الجسد]

15- قتل هوامّ الجسد

[مسألة 253: لا يجوز للمحرم قتل القمل و لا القاؤه من جسده]

(مسألة 253): لا يجوز للمحرم قتل القمل (1) و لا القاؤه من جسده (2) و لا بأس بنقله من مكان الى مكان آخر و إذا قتله فالأحوط التكفير عنه بكف من الطعام (3) للفقير،

____________

(1) للنصوص، منها: موثقة زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام): هل يحك المحرم رأسه و يغتسل بالماء؟ قال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة- الحديث» (1) فانها ظاهرة في عدم جواز قتل دابة الرأس و هي القمل.

و منها: معتبرة ابي الجارود قال: «سأل رجل ابا جعفر (عليه السّلام) عن رجل قتل قملة و هو محرم، قال: بئس ما صنع، قال: فما فداؤها؟ قال: لا فداء لها» (2) فانها ظاهرة في حرمة قتلها.

(2) تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قال:

المحرم يلقي عنه الدواب كلها الّا القملة فانها من جسده، و إن اراد أن يحول قملة من مكان الى مكان فلا يضره» (3).

(3) لكن الأظهر أنه لا كفارة فيه، و تنص عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما تقول في محرم قتل قملة، قال: لا شي‌ء عليه في القمل، و لا ينبغي أن يتعمد قتلها» (4) و مثلها صحيحته الأخرى (5).

و منها: معتبرة أبي الجارود المتقدمة.

نعم، ورد في عدة من الروايات الأمر باعطاء كف من الطعام اذا القى‌

____________

(1) الوسائل: الباب 73 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 78 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 78 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(4) الوسائل: الباب 78 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(5) الوسائل: الباب 78 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

226

اما البق و البرغوث و امثالهما فالأحوط عدم قتلهما (1) إذا لم يكن هناك ضرر يتوجه منهما على المحرم، و اما دفعهما فالأظهر جوازه و ان كان الترك أحوط.

____________

المحرم القملة عن جسده، و موردها القاء القملة من الجسد دون قتلها، و التعدي عن موردها الى مورد القتل بحاجة الى دليل و لا دليل عليه، و على تقدير وجود الدليل، فالروايات المتقدمة تصلح أن تكون قرينة على حمل الأمر بالكفارة بالنسبة إلى قتلها على الاستحباب، تطبيقا لحمل الظاهر على النص.

(1) فيه ان الأظهر جوازه، لعدم دليل على عدم الجواز، و قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن عمار: «اتق قتل الدواب كلها» (1)، منصرف عرفا عنهما، و يؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات الضعيفة من جواز قتلهما.

فالنتيجة أن حرمة القتل بحاجة إلى دليل، و لا دليل عليه، و إن كان الاحتياط أولى و أجدر، و أما القاؤهما من الجسد فلا اشكال في جوازه، و تنص عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة.

____________

(1) الوسائل: الباب 18 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 9.

227

[16- التزين]

16- التزين

[مسألة 254: يحرم على المحرم التختم بقصد الزينة]

(مسألة 254): يحرم على المحرم التختم بقصد الزينة (1)، و لا بأس بذلك بقصد الاستحباب، بل يحرم عليه التزين مطلقا، و كفارته شاة على الأحوط الأولى.

[مسألة 255: يحرم على المحرم استعمال الحناء فيما إذا عد زينة خارجا]

(مسألة 255): يحرم على المحرم استعمال الحناء فيما إذا عد زينة خارجا (2)، و ان لم يقصد به التزين. نعم، لا بأس به إذا لم يكن زينة، كما إذا كان لعلاج و نحوه.

____________

(1) فيه انه لا دليل على حرمته اذا لم يعد في العرف العام زينة، لأن الدليل عليه منحصر برواية مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: «و سألته أ يلبس المحرم الخاتم؟ قال: لا يلبسه للزينة» (1) و هذه الرواية و إن كانت واضحة الدلالة، الّا أنها ضعيفة من ناحية السند، لأن في سندها صالح بن السندي، و هو لم يثبت توثيقه، و على هذا فان كان زينة في العرف العام لم يجز للمحرم رجلا كان أم امرأة أن يلبسه، و الّا فلا بأس به، و لا أثر لقصده الزينة اذا لم يكن زينة عرفا.

(2) مر أن المستفاد من الروايات أن ما عدّ من الزينة في العرف العام فهو محرم على المحرم رجلا كان أم امرأة و إن لم يقصد به التزين، كما اذا استعمل الحناء بطريقة خاصة في أنامل أرجله و ايديه بنحو يعد في العرف العام زينة، و أما إذا لم يعد كذلك، أو لم يستعمل بشكل يجلب نظر الناس اليه بعنوان أنه زينة، فلا مانع منه. و قد نصت على ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان عن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 46 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

228

[مسألة 256: يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة]

(مسألة 256): يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة (1)، و يستثنى من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل احرامها و لكنها لا تظهره لزوجها، و لا لغيره من الرجال.

____________

أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن الحناء، فقال: ان المحرم ليمسه و يداوي به بعيره و ما هو بطيب، و ما به بأس» (1) فالنتيجة ان المعيار في حرمة استعماله على المحرم انما هي بكونه زينة في العرف العام، و الّا فلا بأس باستعماله، و لا قيمة للقصد المجرد.

(1) فيه أن المحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي و اظهاره للرجال في مركبها و مسيرها مطلقا حتّى لمحارمها كزوجها و غيره لا مطلق لبسه.

و بكلمة: ان لبسه و إن كان زينة في نفسها، الّا أنه لا يكون محرما على المرأة المحرمة إلّا اذا كان بفرض اظهاره للرجال. نعم إذا كان الحلي حليا مشهورا للزينة، حرم عليها أن تلبسه، و تدل على ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن المرأة يكون عليها الحلي و الخلخال و المسكة و القرطاس من الذهب و الورق تحرم فيه و هو عليها و قد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها، أ تنزعه اذا أحرمت أو تتركه على حاله، قال: تحرم فيه و تلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها و مسيرها» (2) و تؤكد ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المحرمة تلبس الحلي كله الّا حليا مشهورا للزينة» (3).

و أما صحيحة الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه قال: «تلبس المرأة المحرمة الحلي كله إلّا القرط المشهور و القلادة المشهورة» (4)، فلا بد من رفع اليد عن اطلاقها في عقد المستثنى منه، و حملها على ما اذا لم يكن لبسها الحلي أو غيره‌

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل باب: 49 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل باب: 49 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(4) الوسائل باب: 49 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 6.

229

..........

____________

بغرض الاشهار و اظهاره للرجال، كما أنه لا بد من تقييد اطلاقها فيه بغير الحلي المشهور للزينة بنص صحيحة محمد بن مسلم.

فالنتيجة ان لبس الحلي أو ما شاكله محرم عليها اذا كان بغرض الاشهار و الاظهار للرجال، سواء أ كانت معتادة في لبسها قبل الاحرام أم لا، و الّا فلا يكون محرما شريطة أن لا يكون مشهورا للزينة، كما أنه لا فرق في ذلك بين أقسام الحلي و أنواعه.

230

[17- الادّهان]

17- الادّهان

[مسألة 257: لا يجوز للمحرم الادهان، و لو كان بما ليست فيه رائحة طيبة]

(مسألة 257): لا يجوز للمحرم الادهان، و لو كان بما ليست فيه رائحة طيبة (1)، و يستثنى من ذلك ما كان لضرورة أو علاج.

____________

(1) للنصوص، منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا تدهن حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك و لا عنبر، من أجل أن رائحته تبقى في رأسك بعد ما تحرم، و ادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم، فاذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتّى تحل» (1) فانها ناصة في عدم جواز التدهين للمحرم بعد الإحرام رجلا كان أم امرأة.

و أما صحيحة محمد بن مسلم قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لا بأس بأن يدهن الرجل قبل أن يغتسل للإحرام و بعده، و كان يكره الدهن الخاثر الذي يبقى» (2) فهي على تقدير تسليم اطلاقها لما بعد الإحرام فلا بد من تقييده بصحيحة الحلبي المتقدمة.

نعم، يجوز التدهين للتداوي، و تنص عليه جملة من الروايات.

منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا خرج بالمحرم الخراج او الدمّل فليبطّه و ليداوه بسمن أو زيت» (3).

قد تسأل عن أنه هل يجوز التدهين قبل الإحرام بنحو يبقى أثره بعد الإحرام؟

و الجواب: أن مقتضى صحيحة الحلبي الجواز، فان قوله (عليه السّلام) في‌

____________

(1) الوسائل: الباب 29 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 30 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 31 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

231

[مسألة 258: كفارة الادهان شاة إذا كان عن علم و عمد]

(مسألة 258): كفارة الادهان شاة إذا كان عن علم و عمد، و إذا كان عن جهل فاطعام فقير على الأحوط في كليهما (1).

____________

الصحيحة: «و ادهن بما شئت حين تريد أن تحرم»، يدل بوضوح على أن بقاء أثره بعد الإحرام لا قيمة له، على أساس أن أثر التدهين لا يزول بمرور فترة زمنية قليلة، و لا سيما اذا كان في الشعر، و لا يكون مثل بقاء أثر الطيب، فانه يجب على المحرم ازالته كما تقدم.

و أما قوله (عليه السّلام) في صحيحة محمد بن مسلم «و كان يكره الدهن الخاثر الذي يبقى» فلا بد من حمله على الكراهة المصطلحة، إما من باب أنها المتيقنة منه اذا لم تكن قرينة على الحرمة، أو أن صحيحة الحلبي قرينة على ذلك، فالنتيجة أن بقاء أثر التدهين في بدن المحرم مكروه، لا أنه حرام.

(1) لكن الأظهر العدم، اذ لا دليل عليها، و ما ذكر من الوجوه ضعيفة و لا قيمة لها، و أما رواية معاوية بن عمار: «في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج، قال: إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، و إن كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه» (1)، فهي و إن كانت تامة دلالة، الّا أنه لم ينسب الرواية إلى الإمام (عليه السّلام)، فمن أجل ذلك لا تكون حجة لاحتمال أنها اجتهاد منه.

فالنتيجة: ان الأظهر عدم وجوب الكفارة في كلتا الحالتين، و إن كان الاحتياط أولى و أجدر.

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

232

[18- ازالة الشعر عن البدن]

18- ازالة الشعر عن البدن

[مسألة 259: لا يجوز للمحرم أن يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره، المحرم أو المحل]

(مسألة 259): لا يجوز للمحرم أن يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره، المحرم أو المحل (1)، و تستثنى من ذلك حالات أربع (2):

1- أن يتكاثر القمل على جسد المحرم و يتأذى بذلك.

2- أن تدعو ضرورة الى ازالته. كما إذا اوجبت كثرة الشعر صداعا أو نحو ذلك.

3- أن يكون الشعر نابتا في أجفان العين و يتألم المحرم بذلك.

4- أن ينفصل الشعر من الجسد من غير قصد حين الوضوء أو الاغتسال.

____________

(1) تدل على الأول مجموعة من النصوص:

منها: صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يحتجم؟

قال: لا، الّا أن لا يجد بدا فليحتجم، و لا يحلق مكان المحاجم» (1).

و منها: صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) «قال: «لا بأس أن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر» (2).

و تدل على حرمة الثاني صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام):

«قال: لا يأخذ المحرم من شعر الحلال» (3).

(2) أما في الحالة الأولى و الثانية و الثالثة، فلقوله تعالى: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (4)، فان‌

____________

(1) الوسائل: الباب 62 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 62 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(3) الوسائل: الباب 63 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(4) سورة البقرة، الآية: 196.

233

[مسألة 260: اذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة]

(مسألة 260): اذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة (1)،

____________

مورده و إن كان المحصور في الحج او العمرة، الّا أن الحكم لا يختص به، بل هو حكم للمضطر الى ازالة الشعر، و تشهد على عموم الحكم لمطلق المضطر صحيحتا زرارة و حريز الواردتان في تفسير الآية الشريفة، و تدلان على أن كفارة المضطر هو الجامع بين الصيام و الصدقة و النسك، و مقتضى اطلاقهما عدم الفرق بين كون المضطر محصورا أو غير محصور. و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن الآية الشريفة مختصة بالمحصور، الّا أنه يكفي في رفع حرمة ازالة الشعر عن المحرم في الحالات الثلاث قاعدة لا حرج.

و أما في الحالة الرابعة فتدل على جواز الازالة معتبرة هيثم بن عروة التميمي قال: «سأل رجل ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يريد اسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو الشعرتان، فقال: ليس بشي‌ء، مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1).

(1) لصحيحة زرارة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: من نتف ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه ناسيا أو جاهلا فليس عليه شي‌ء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة» (2) فان الظاهر من التعبير عن الكفارة بالدم في الروايات انه دم شاة، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون مضطرا أو مختارا، و لكن مقتضى صحيحتي حريز و زرارة الواردتين في تفسير الآية الشريفة و هي قوله تعالى: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (3) ان كفارة المضطر الجامع بين دم شاة و صوم ثلاثة أيام و الصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدان، فيكون مخيرا بين أحد هذه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(3) سورة البقرة، الآية: 196.

234

و اذا حلقه لضرورة فكفارته شاة، أو صوم ثلاثة أيام، أو اطعام ستة مساكين، لكل واحد مدّان من الطعام. و اذا نتف المحرم شعره النابت تحت ابطيه فكفارته شاة، و كذا اذا نتف احد ابطيه على الأحوط (1)

____________

الخصال الثلاث، فاذن نقيد اطلاق الصحيحة الأولى بهما.

فالنتيجة: أن من حلق رأسه و هو محرم، فان كان عامدا و عالما فكفارته دم شاة، و إن كان مضطرا فكفارته الجامع بين دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو صدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدّان على نحو التخيير.

(1) بل على الأظهر، و تنص عليه صحيحة زرارة، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: «من نتف ابطه أو قلم ظفره، أو حلق رأسه ناسيا او جاهلا فليس عليه شي‌ء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة» (1). و مثلها صحيحته الأخرى (2)، فان مقتضاهما أن المحرم رجلا كان أم امرأة، اذا نتف أحد إبطيه أو كليهما معا عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي فعليه دم شاة، على أساس أن الابط اسم جنس يصدق على القليل و الكثير و الواحد و الاثنين.

و في مقابلها صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا نتف الرجل ابطيه بعد الإحرام فعليه دم» (3)، فانها تنص بمنطوقها على وجوب الكفارة بدم شاة اذا نتف المحرم ابطيه معا، و بمفهومها على نفي وجوبها اذا لم ينتف ابطيه كذلك و إن نتف أحدهما، و على هذا فيقع التعارض بين اطلاق مفهومها و اطلاق الصحيحتين المتقدمتين بالعموم من وجه، فان مورد الافتراق من جانب اطلاق المفهوم، صورة عدم نتف المحرم شيئا من ابطيه، و مورد الافتراق من جانب اطلاق الصحيحتين صورة نتفه لكلا ابطيه معا، و مورد الاجتماع و الالتقاء بينهما صورة ما اذا نتف أحد ابطيه دون الآخر، فان مقتضى اطلاق المفهوم عدم ثبوت‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

235

..........

____________

الكفارة فيه، و مقتضى اطلاق الصحيحتين ثبوتها، و حيث أنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيسقطان معا من جهة المعارضة، و يكون المرجع حينئذ الأصل العملي، و هو أصالة البراءة عن وجوب الكفارة في نتف ابط واحد، هذا و لكن الذي يسهل الخطب أن ذكر الإبط بالتثنية في صحيحة حريز انما هو في رواية الشيخ (رحمه اللّه)، و أما الصدوق (رحمه اللّه) فقد رواها بنفس السند عن حريز الابط بالافراد، فاذن لا نعلم أن حريز سمع من الإمام (عليه السّلام) الابط بالتثنية أو بالافراد، فالنتيجة ان كلمة الابط بالتثنية لم يثبت كونها من الإمام (عليه السّلام) و على هذا فلا معارض للصحيحتين المتقدمتين.

ثم إن هنا رواية أخرى، و هي رواية عبد اللّه بن جبلة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

«في محرم نتف ابطه، قال: يطعم ثلاثة مساكين» (1) تدل على أن في نتف ابط واحد إطعام ثلاثة مساكين، فاذن تكون هذه الرواية معارضة للصحيحتين المذكورتين، لأن مقتضى اطلاقها أن كفارته وجوب اطعام ثلاثة مساكين تعيينا، و مقتضى اطلاق الصحيحتين أن كفارته دم شاة كذلك، فاذن يسقطان معا من جهة المعارضة، و يكون مقتضى الأصل العملي عدم وجوب شي‌ء منهما.

و اما ما ذكره السيد الاستاذ (قدّس سرّه) من أن كلا منهما لما كانت ناصة في الوجوب بنحو القضية المهملة، و ظاهرة في الوجوب التعييني بالاطلاق، كان نص كل منهما قرينة على رفع اليد عن اطلاق الأخرى، فالنتيجة هي التخيير بين وجوب دم شاة، و بين اطعام ثلاثة مساكين، و بما أن الأمر دائر بين التعيين و التخيير، فالأحوط التعيين، فلا يمكن المساعدة عليه، لما ذكرناه في علم الأصول من أن أحد الدليلين المنفصلين المتنافيين، انما يتقدم على الآخر‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

236

..........

____________

بالجمع الدلالي العرفي اذا كان مدلوله متعينا للقرينية بلحاظ الإرادة الجدية في العرف العام بملاك الأخصية أو الأظهرية أو النصوصية، و في المقام ليست دلالة الصحيحتين على أصل وجوب الشاة بنحو القضية المهملة. و دلالة رواية عبد اللّه ابن جبلة على أصل وجوب اطعام ثلاثة مساكين كذلك بدلالة مستقلة ناصة بالنسبة الى دلالة الدليل المعارض حتى تكون قرينة عليه، و موردا للجمع العرفي تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص، بل هي دلالة ضمنية مندكة في الدلالة المستقلة لكل منهما بلحاظ الارادة الجدية، و في المقام بما أن ظهور كل من الدليلين منعقد في المدلول الذي لا يصلح للقرينية فبطبيعة الحال يقع التعارض بينهما، فيسقطان معا، و يرجع الى الأصل العملي، و لا مجال لما ذكره (قدّس سرّه) من الجمع العرفي.

و بكلمة: ان ما ذكره السيد الاستاذ (قدّس سرّه) من امكان الجمع الدلالي العرفي بين الروايتين هما صحيحتا زرارة و رواية ابن جبلة في المقام، مبني على عدم سراية التعارض بينهما الى دليل الحجية، و حينئذ فلا مانع من شموله لكلتا الروايتين معا، و نتيجة ذلك أن يجعل نص كل منهما قرينة على رفع اليد عن اطلاق الأخرى تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص. و لكن هذا المبنى غير صحيح، و ذلك لان كلا من الروايتين باطلاقهما و نصهما معا و بنحو مستقل غير مشمول لإطلاق دليل الحجية حتى يكون نص كل منهما قرينة على هدم اطلاق الأخرى، على أساس ان نص كل منهما ليس دلالة تصديقية مستقلة بلحاظ الارادة الجدية في دليل كذلك لكي يكون مشمولا له، بل هي في ضمن الدلالة الاطلاقية لكل منهما. و من الواضح أن الجمع العرفي بين الدليلين المنفصلين المتنافيين انما هو بملاك القرينية المتمثلة في أخصية أحدهما أو الأظهرية، أو‌

237

..........

____________

النصوصية، و القرينية متفرعة على تعيين مفاد الدليل الصالح لها في المرتبة السابقة لكي يكون مفسرا للمراد الجدي من الدليل الآخر، و المفروض في المقام أن مفاد كل من الروايتين متعين عرفا في الاطلاق لا فيه و في النص معا، ضرورة أنه ليس لكل منهما مفادين مستقلين بلحاظ الارادة الجدية، أحدهما الاطلاق، و الآخر النص، فان لازم ذلك أن يكون كل منهما دليلين مستقلين، و هو خلف فرض كونه دليلا واحدا، بل حتى اذا كانت احداهما مجملة، بأن يكون مفادها مرددا بين المطلق و المقيد، و القدر المتيقن هو المقيد و الأخرى مطلقة، لأن الرواية المجملة لا تصلح أن تكون قرينة على الرواية المطلقة و موجبة لتقييدها بالقدر المتيقن، لم عرفت من أن قرينية أحد الدليلين المنفصلين على الدليل الآخر متمثلة في اظهريته، او نصوصيته، أو أخصيته بالنسبة الى الآخر مستقلا لا مطلقا، و على هذا فلا يمكن أن تكون نصوصيّة كل من الروايتين مشمولة لدليل الحجية الّا في ضمن شموله للمدلول الاطلاقي لكل منهما لا مستقلا، و من المعلوم أنه لا أثر لهذا الشمول، لأنه يسقط بسقوطه عن المدلول الاطلاقي لهما بسبب التعارض.

فالنتيجة: أنه لا يمكن شمول اطلاق دليل الحجية لكلتا الروايتين المتعارضتين معا، فاذن لا محالة يسقط و يرجع حينئذ الى أصالة البراءة.

و دعوى: ان مفاد دليل حجية الرواية سندا هو التعبد بأصل الصدور من دون أن يكون ناظرا الى مفادها و مدلولها، فيكون دوره تحقيق الصغرى لدليل حجية الظهور تعبدا، من دون أن تكون حجية السند مرتبطة بحجية الظهور، بل تكون مستقلة و غير مشروطة بها، و على هذا الأساس فلا مانع من شمول دليل الحجية لكلتا الروايتين معا، و بذلك تثبت قضيتان:

238

..........

____________

إحداهما: أن كفارة نتف شعر الابط الواحد شاة.

و الأخرى: أن كفارته اطعام ثلاثة مساكين، و حيث انه لا يمكن الأخذ باطلاق كلتا القضيتين معا، كما أنه لا يمكن طرحهما كذلك نهائيا لفرض العلم بصدورهما تعبدا، و هو كالعلم بصدورهما وجدانا، فلا مناص حينئذ من الالتزام بتقييد وجوب كل منهما بعدم الاتيان بالآخر.

فالنتيجة: هي التخيير، لا بمعنى وجوب الجامع بينهما، بل بمعنى وجوبين مشروطين، فان ذلك هو المتيقن منهما.

مدفوعة: اما أولا، فلما ذكرناه في علم الأصول من أن حجية السند و الدلالة مجعولة بجعل واحد بنحو الارتباط، لأن جعل الحجية للسند مستقلة بدون النظر الى دلالته و مفاده لغو و جزاف، فاذا ورد في دليل: لا بأس ببيع العذرة، و ورد في دليل آخر: ثمن العذرة سحت، ففي مثل ذلك لا يمكن شمول دليل الحجية لسند كل من الدليلين المنفصلين، فانه انما يشمل اذا كان الجمع الدلالي العرفي بينهما ممكنا بملاك القرينية من الأظهرية أو الأخصية، أو النصوصية، و أما إذا لم يمكن ذلك بملاك القرينية، باعتبار أن مفاد أحدهما عرفا لا يصلح لها كما في هذين الدليلين، فلا يمكن شموله للسند وحده، لما مر من المحذور المذكور.

و دعوى: أنه لا يلزم محذور اللغوية من شموله للسند وحده على أساس أنه قرينة على الجمع بينهما، و التأويل برفع اليد عن ظهور كل منهما و حمله على خلاف الظاهر.

مدفوعة: بأن شموله للسند يتوقف على ان الجمع العرفي بينهما ممكن بملاك القرينية في المرتبة السابقة، و هو حجة في العرف العام، فمن أجل ذلك يشمله السند أيضا، و لا يسري التعارض اليه، هذا اضافة الى أن هذا الجمع ليس‌

239

..........

____________

بجمع عرفي، بل هو عقلي من أجل دفع اللغوية عن كلام المولى، و من الواضح أن حكم العقل بهذا الجمع متفرع على الشمول، فلا يمكن أن يكون مصححا له، و مانعا عن سراية التعارض اليه، هذا أولا.

و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن حجية السند مستقلة و غير مربوطة بحجية الدلالة و الظهور، الّا أن هذا الجمع بين الدليلين المتعارضين ليس بملاك القرينية و الجمع الدلالي العرفي، بل بملاك العلم بصدورهما تعبدا، فانه منشأ لحكم العقل بذلك الجمع من أجل دفع اللغوية، بأن يرفع اليد عن الاطلاق في كلتا الروايتين المذكورتين في المقام، و يؤخذ بالقدر المتيقن منهما، و نتيجة ذلك هي التخيير، كما هو الحال فيما إذا كان كلا الدليلين قطعي الصدور و الجهة، فانه لا بد من التصرف و التأويل فيهما بعد ما لا يمكن الأخذ بظهورهما معا عرفا، فان القطع بالصدور و الجهة قرينة عقلا على هذا التصرف من أجل دفع اللغوية، و الأخذ بالمتيقن منهما اذا كان لهما متيقن، و كذلك الأمر اذا كان أحدهما معلوم الصدور وجدانا أو تعبدا، فانه لا بد من الأخذ به، و نتيجة ذلك هي التخيير، و إن كان أحدهما المعين معلوم الصدور وجدانا دون الآخر، فان كانت نسبته الى الدليل الآخر نسبة العام و الخاص، أو الظاهر و الأظهر، أو العكس، أمكن الجمع العرفي بينهما، و لا تصل النوبة الى المعارضة و سرايتها الى دليل الحجية، و إن كانت نسبته اليه نسبة المعارضة، سقط الدليل الآخر عن الحجية من جهة أنه مخالف للسنة.

الى هنا قد تبين أن ما افاده السيد الاستاذ (قدّس سرّه) من الحكم بالتخيير في المقام و غيره بجعل نص كل من الدليلين قرينة على رفع اليد عن اطلاق الدليل الآخر حتى تكون النتيجة التخيير، فلا يمكن المساعدة عليه أصلا، هذه نبذة مما ذكرناه في علم الأصول، و التفصيل هناك.

240

..........

____________

و ثالثا: أن ما افاده (قدّس سرّه) لا يتم في المقام و إن سلمنا تماميّته في غير المقام، و ذلك لأن رواية ابن جبلة ضعيفة سندا، فانه لم يوثق، و مجرد وروده في رجال التفسير و كامل الزيارات لا يكفي.

فالنتيجة: في نهاية المطاف أن في نتف الشعر النابت في الابط الواحد دم شاة، و كذلك في الابطين، فان ذلك هو مقتضى اطلاق الصحيحتين لزرارة المتقدمتين، على أساس أن الإبط المذكور فيهما اسم جنس يصدق على القليل و الكثير.

نذكر فيما يلي أمرين:

الأول: قد تسأل أن الكفارة هل هي على نتف المحرم رجلا كان أم امرأة تمام الشعر النابت في الابط، و حلق تمام الشعر النابت في الرأس، أو يكفي في ثبوتها نتف البعض، أو حلق البعض؟

و الجواب: أنه لا يكفى نتف البعض او حلقه، لأن المتبادر عرفا من صحيحتي زرارة المتقدمتين هو نتف تمام الشعر النابت في الإبط، أو حلق تمام شعر الرأس، باعتبار أن الموضوع للكفارة هو نتف الإبط و حلق الرأس، و هو لا يصدق الّا على نتف تمام الشعر النابت فيه، كما انه لا يصدق الّا على حلق تمام شعر الرأس.

فالنتيجة: أنه لا كفارة على نتف بعض الشعر النابت فيه، أو حلق بعض شعر الرأس.

الثاني: قد تسأل هل أن للنتف و الحلق خصوصية بحيث لو حلق الشعر النابت في الابط فلا كفارة فيه، كما أنه لو نتف شعر رأسه بدل الحلق فلا كفارة عليه، أو أنه لا خصوصية لهما؟

و الجواب: انه لا خصوصية لهما، فان المتفاهم العرفي من الصحيحتين‌

241

و إذا نتف شيئا من شعر لحيته و غيرها فعليه ان يطعم مسكينا بكف من الطعام (1) و لا كفارة في حلق المحرم رأس غيره محرما كان أم محلا.

[مسألة 261: لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن رأسه و ما لم يدمه]

(مسألة 261): لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن رأسه و ما لم يدمه. و كذلك البدن و اذا امرّ المحرم يده على رأسه أو لحيته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان فليتصدق بكف من طعام (2)

____________

المذكورتين أن المحرّم على المحرم انما هو ازالة الشعر سواء أ كانت بالنتف، أم كانت بالحلق، غاية الأمر أن ازالة الشعر النابت في الابط قد يكون بالنتف، و قد يكون بالحلق، و اما ازالة شعر الرأس فهي إنما تكون بالحلق، فالنتيجة انه لا خصوصية لهما عرفا.

(1) لصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «ان نتف المحرم من شعر لحيته و غيرها شيئا فعليه أن يطعم مسكينا في يده» (1).

(2) لعدة من الروايات:

منها: صحيحة منصور عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «في المحرم اذا مس لحيته فوقع منها شعرة، قال: يطعم كفا من طعام، أو كفين» (2).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): المحرم يعبث بلحيته فيسقط منها الشعرة و الثنتان، قال: يطعم شيئا» (3).

و في مقابلها رواية مفضل بن عمر، قال: «دخل النباجي على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال: ما تقول في محرم مس لحيته فسقط منها شعرتان، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لو مسست لحيتي فسقط منها عشر شعرات ما كان علي شي‌ء» (4)، فانها ناصة في عدم وجوب الكفارة، و تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور تلك الروايات في وجوبها و حملها على الاستحباب تطبيقا لقاعدة حمل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 9.

(2) الوسائل: الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

(4) الوسائل: الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 7.

242

و اما اذا كان في الوضوء و نحوه فلا شي‌ء عليه (1).

____________

الظاهر على النص، و لكن الاشكال انما هو في سند هذه الرواية من جهة وجود مفضل بن عمر فيه، و هو لم يثبت توثيقه.

(1) لمعتبرة هيثم بن عروة التميمي (1) المتقدمة.

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

243

[19- ستر الرأس للرجال]

19- ستر الرأس للرجال

[مسألة 262: لا يجوز للرجل المحرم ستر رأسه، و لو جزء منه]

(مسألة 262): لا يجوز للرجل المحرم ستر رأسه، و لو جزء منه (1)

____________

(1) في اطلاقه اشكال بل منع، لأن الظاهر من روايات الباب هو أن المنهي عنه تغطية تمام الرأس، و هي لا تصدق على تغطية بعضه، و هي كما يلي:

منها: صحيحة حريز قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن محرم غطى رأسه ناسيا، قال: يلقي القناع عن رأسه و يلبي و لا شي‌ء عليه» (1).

و منها: صحيحة زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): الرجل المحرم يريد أن ينام يغطي وجهه من الذباب، قال: نعم، و لا يخمّر رأسه، و المرأة لا بأس أن تغطي وجهها كله» (2).

نعم، قد يستدل على عدم جواز ستر بعض الرأس بصحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول لأبي و شكى اليه حر الشمس و هو محرم و هو يتأذى به فقال: ترى أن استتر بطرف ثوبي؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يصب رأسك» (3) بتقريب أن اصابة طرف من الثوب الرأس تشمل ما اذا أصاب بعضه.

و الجواب: ان المراد من الاستتار بطرف من الثوب هو الاستظلال به، بقرينة أنه يتأذى من حرارة الشمس، و لذا سأل الإمام (عليه السّلام) عن الاستظلال بطرف منه، و أجاب (عليه السّلام) بالجواز شريطة أن لا يصيب الثوب رأسه، فاذن تدل الصحيحة على أنه يجوز للمحرم أن يستظل به من الشمس شريطة أن لا يصيب رأسه، أي لا يستره، لأن المقصود من النهي عن الاصابة هو النهي عن الستر، و حينئذ فلو لم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 55 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 55 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(3) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

244

بأي ساتر كان، حتى مثل الطين بل و بحمل شي‌ء على الرأس على الأحوط (1). نعم، لا بأس بستره بحبل القربة، و كذلك تعصيبه بمنديل و نحوه من جهة الصداع و كذلك لا يجوز ستر الأذنين (2).

____________

يكن ظاهرا في أن النهي انما هو عن ستر تمام الرأس، فلا يكون ظاهرا في الأعم، هذا اضافة الى أن الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية، فالمرجع هو سائر الروايات.

فالنتيجة: أن الظاهر من الروايات أن المحرّم على الرجل المحرم ستر تمام الرأس، و لا يستفاد منها حرمة ستر بعض اجزائه لا بساتر خارجي و لا باليد أو نحوها.

(1) لكن الأظهر الجواز، لأن حمل شي‌ء على رأسه، كحمل الطبق أو الكتاب أو ما شاكل ذلك لا يوجب ستر تمام الرأس، بل و لا معظمه، و من هذا القبيل ستر بعض الرأس بحبل القربة، فانه لا مانع منه. و تؤيد ذلك رواية محمد ابن مسلم: «انه سأل ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يضع عصام القربة على رأسه اذا استسقى، فقال: نعم» (1).

و يستثنى من حرمة ستر الرأس ستره من جهة الصداع فيه، لصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس بأن يعصب المحرم رأسه من الصداع» (2).

(2) لصحيحة عبد الرحمن، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن المحرم يجد البرد في أذنيه، يغطيهما، قال: لا» (3).

بقي هنا شي‌ء و هو أن الرجل المحرم اذا نام فهل يجوز له أن يغطي رأسه في هذه الحالة و هو محرم؟ فيه وجهان: المعروف و المشهور عدم جوازه، و لكن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 57 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 56 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 55 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

245

[مسألة 263: يجوز ستر الرأس بشي‌ء من البدن كاليد، و الاولى تركه]

(مسألة 263): يجوز ستر الرأس بشي‌ء من البدن كاليد، و الاولى تركه.

[مسألة 264: لا يجوز للمحرم الارتماس في الماء]

(مسألة 264): لا يجوز للمحرم الارتماس في الماء (1)،

____________

الأظهر الجواز، لصحيحة زرارة عن أحدهما (عليه السّلام) في المحرم: «قال: له أن يغطي رأسه و وجهه اذا أراد أن ينام» (1)، و في مقابلها صحيحته الأخرى عن ابي جعفر (عليه السّلام) قال: «قلت: المحرم يؤذيه الذباب حين يريد النوم يغطي وجهه، قال:

نعم، و لا يخمر رأسه- الحديث» (2).

قد يقال- كما قيل-: بأنها معارضة للأولى فتسقطان من جهة المعارضة، فالمرجع هو العام الفوقي، و مقتضاه حرمة الستر.

و الجواب: ان الصحيحة الثانية لا تصلح أن تعارض الأولى، و ذلك لأن الأولى ناصة في الجواز، و هي ظاهرة في الحرمة، فمقتضى القاعدة هو حمل الظاهر على النص، فالنتيجة أن ستر الرأس مكروه في حال النوم، لا أنه محرم.

(1). للروايات التي تنص على حرمة الارتماس في الماء على المحرم رجلا كان أم امرأة.

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سمعته يقول: لا تمس الريحان و انت محرم- الى أن قال: و لا ترتمس في ماء تدخل فيه رأسك» (3).

و منها: صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال: و لا يرتمس المحرم في الماء، و لا الصائم» (4)، و مثلها صحيحة يعقوب بن شعيب (5).

ثم إن الظاهر من هذه الروايات أن الارتماس بعنوانه محرّم على المحرم،

____________

(1) الوسائل: الباب 56 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 59 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 58 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 58 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(5) الوسائل: الباب 58 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

246

و كذلك في غير الماء على الأحوط (1) و الظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة.

[مسألة 265: اذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة على الأحوط]

(مسألة 265): اذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة على الأحوط (2) و الظاهر عدم وجوب الكفارة في موارد جواز الستر و الاضطرار.

____________

لا بعنوان أنه مصداق لستر الرأس، باعتبار أن الوارد في روايات ستر الرأس حرمة تغطيته بغطاء، و تخميره بخمار، و من الواضح ان هذا العنوان لا يصدق على غمس الرأس في الماء، فلذلك لا تختص حرمة الارتماس في الماء بالرجل المحرم، بل تعم المرأة المحرمة أيضا، لأن الظاهر من الروايات أنها من أحكام الاحرام كمس الريحان و الطيب، كما أن حرمته في نهار شهر رمضان من احكام الصوم، بدون فرق بين الرجل الصائم و المرأة الصائمة.

(1) لكن الأظهر الجواز، لعدم الدليل على المنع، و إن كان الأولى و الأجدر تركه.

(2) لكن لا يبعد عدم وجوبها، اذ لا دليل عليها الّا دعوى الاجماع و هي غير ثابتة.

247

[20- ستر الوجه النساء]

20- ستر الوجه النساء

[مسألة 266: لا يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع أو النقاب أو ما شابه ذلك]

(مسألة 266): لا يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع أو النقاب أو ما شابه ذلك. و الأحوط أن لا تستر وجهها بأي ساتر كان (1).

____________

(1) بل على الأظهر، و تدل على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: «مر أبو جعفر (عليه السّلام) بامرأة محرمة قد استترت بمروحة، فأماط المروحة بنفسه عن وجهها» (1) بتقريب أن المروحة بما أنها ليست من نوع الساتر الاعتيادي كالبرقع و النقاب و غيرهما من الأثواب العادية، فتدل الصحيحة على انه لا يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بأي ساتر و إن كان غير اعتيادي كالمروحة و الطين و ما شاكلهما.

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «مرّ أبو جعفر (عليه السّلام) بامرأة متنقبة و هي محرمة فقال: أحرمي و اسفري و أرخي ثوبك من فوق رأسك، فإنك إن تنقبت لم يتغير لونك- الحديث» (2) بتقريب أن تعليل حرمة النقاب عليها بأنه مانع عن تغير لونها، يدل على أنه لا خصوصية للنقاب الّا باعتبار كونه مانعا عن ذلك، فاذن تدل الصحيحة على أن كل ساتر يكون حافظا على لونها و مانعا عن تغيره فهو محرم على المحرمة و إن كان غير اعتيادي.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليه السّلام): «قال: المحرمة لا تتنقب، لأن احرام المرأة في وجهها، و احرام الرجل في رأسه» (3)، بتقريب أن تعليل حرمة النقاب عليها بأن احرامها في وجهها يدل على أنه لا خصوصية للنقاب الّا كونه من أظهر افراد الساتر، فاذن يكون المحرم عليها ستر وجهها بأيّ‌

____________

(1) الوسائل: الباب 48 من ابواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 48 من ابواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 48 من ابواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

248

كما ان الأحوط أن لا تستر بعض وجهها أيضا (1).

____________

ساتر و إن كان غير اعتيادي.

فالنتيجة: ان المستفاد من هذه الروايات أنه لا موضوعية للنقاب أو ما يشبهه.

(1) لكن الأظهر الجواز، لأن المتفاهم العرفي من الروايات الناهية عن ستر المرأة المحرمة وجهها بالنقاب أو البرقع أو ساتر آخر هو ستر تمام وجهها، لا الأعم منه و من البعض، و من هنا اذا نهى المولى عبده عن ستر وجهه في الوقت الفلاني بالنقاب أو غيره، كان المتفاهم منه عرفا هو النهي عن ستر تمام وجهه دون الأعم، و لكن مع هذا فالاحتياط في محله. ثم إن هنا طائفة أخرى من الروايات التي تنص على أنه يجوز للمرأة المحرمة أن تسدل ثوبها على وجهها الى الذقن، و اذا كانت راكبة فإلى النحر.

منها: صحيحة عيص بن القاسم قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث كره النقاب يعني للمرأة المحرمة، و قال: تستدل الثوب على وجهها، قلت: حد ذلك الى أين؟ قال: الى طرف الأنف قدر ما تبصر» (1) فانها تنص على جواز ستر بعض الوجه.

و منها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «مرّ أبو جعفر (عليه السّلام) بامرأة متنقبة و هي محرمه، فقال: أحرمي و اسفري و ارخى ثوبك من فوق رأسك، فانك إن تنقبت لم يتغير لونك، فقال رجل: الى أين ترخيه، قال: تغطي عينها، قال: قلت: تبلغ فمها، قال: نعم» (2)، فانها تدل على أنه يسوغ لها أن تغطي وجهها بثوبها الى فمها.

و منها: صحيحة حريز قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): المحرمة تسدل الثوب على وجهها الى الذّقن» (3)..

____________

(1) الوسائل: الباب 48 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 48 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 48 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 6.

249

..........

____________

و منها: صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إن المحرمة تسدل ثوبها الى نحرها» (1).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «أنه قال: تسدل المرأة الثوب على وجهها من أعلاها الى النحر اذا كانت راكبة» (2)، فإنها تقيد اطلاق بعض الروايات المتقدمة بمنطوقها، و بعضها الآخر بمفهومها.

أما الأول: فلأنها تقيد اطلاق صحيحة حريز الدالة على عدم جواز اسدال الثوب الى ما دون الذقن بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، بما اذا لم تكن المرأة المحرمة راكبة، و اما اذا كانت راكبة فيجوز لها اسدال ثوبها الى النحر، كما أن صحيحة حريز من جهة أنها ناصة في جواز اسدال ثوبها الى الذقن قرينة على رفع اليد عن اطلاق صحيحتي عيص و الحلبي تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص.

و اما الثاني: فلأنها تقيد اطلاق صحيحة زرارة بما اذا كانت المرأة المحرمة راكبة، و إلّا لم يجز لها اسدال ثوبها الى نحرها.

ثم إن المراد من هذه الطائفة بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية، و بقرينة التفصيل بين كون المرأة المحرمة راكبة أو غير راكبة أنها في مقام بيان أنه يجوز للمرأة أن تتحجب من الأجنبي بأن تسدل ما على رأسها من الخمار أو غيره من ثيابها و ملابسها الى ما يحاذي ذقنها اذا لم تكن راكبة، و الى نحرها اذا كانت راكبة و إن مس وجهها مباشرة، و لا يمكن ان يستفاد منها جواز ذلك لها مطلقا حتى فيما اذا لم يكن هناك أجنبي.

فالنتيجة أنه لا تنافي بين هذه الطائفة و الطائفة المتقدمة التي تدل على أنه لا يجوز للمرأة المحرمه أن تستر وجهها بأي ساتر و إن كان غير اعتيادي.

____________

(1) الوسائل: الباب 48 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 7.

(2) الوسائل: الباب 48 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 8.

250

نعم، يجوز لها أن تغطي وجهها حال النوم و لا بأس بستر بعض وجهها (1) مقدمة لستر الرأس في الصلاة و الأحوط رفعه عند الفراغ منها (2).

[مسألة 267: للمرأة المحرمة أن تتحجب من الاجنبي]

(مسألة 267): للمرأة المحرمة أن تتحجب من الاجنبي (3) بأن تنزل ما على رأسها من الخمار أو نحوه إلى ما يحاذي أنفها أو ذقنها. و الأحوط أن تجعل القسم النازل بعيدا عن الوجه (4) بواسطة اليد أو غيرها.

[مسألة 268: كفارة ستر الوجه شاة على الأحوط]

(مسألة 268): كفارة ستر الوجه شاة على الأحوط (5).

____________

(1) بل الى الذقن إذا لم تكن المرأة راكبة، و الى النحر اذا كانت راكبة، شريطة أن يكون باسدال ثوبها من فوق رأسها، و تدل على ذلك مجموعة من الروايات.

(2) لا بأس بتركه، لما مر من أنه لا دليل على حرمة ستر بعض الوجه عليها.

(3) اذ لا فرق في وجوب الحجاب عليها من الأجنبي بين حال الاحرام و غيرها.

(4) لا بأس بتركه، فان الروايات مطلقة من هذه الناحية، و مقتضى اطلاقها أنه يجوز لها أن تنزل ما على رأسها من الخمار أو الثياب الى ما يحاذي الذقن أو النحر اذا كانت راكبة و إن مس وجهها مباشرة.

(5) فيه ان الأظهر عدم وجوب الكفارة في ستر الوجه لعدم الدليل.

251

[21- التظليل للرجال]

21- التظليل للرجال

[مسألة 269: لا يجوز للرجل المحرم التظليل حال مسيره بمظلة أو غيرها]

(مسألة 269): لا يجوز للرجل المحرم التظليل حال مسيره بمظلة أو غيرها و لو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة و نحوها (1)

____________

(1) لا شبهة في حرمة التظليل على الرجل المحرم، و انما الكلام في أن المحرّم عليه هل هو التظليل من الشمس فقط بظل يتحرك بحركة المحرم كسقف الطائرة أو السيارة أو الباخرة في حال حركتها، فان السقف و الراكب يتحركان معا، أو يحمل مظلة و يستظل بها حال سيره، أو الأعم منها و من المطر و البرد القارص، أو مطلق التظليل و التستر بظل، و إن لم يكن هناك شمس، كما إذا كان في الليل، و لا مطر و لا برد، كما إذا كان الجو صافيا و معتدلا؟ وجوه: الأقوى هو الوجه الثالث.

بيان ذلك: ان الروايات الواردة في المسألة تكون على ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات التي تنص على حرمة التظليل من الشمس:

منها: صحيحة عبد اللّه بن المغيرة، قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السّلام):

أظلّل و انا محرم، قال: لا، قلت: أ فأظلّل و اكفر، قال: لا، قلت: فان مرضت، قال:

ظلّل و كفر، ثم قال: أما علمت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما من حاج يضحى ملبيا حتى تغيب الشمس الّا غابت ذنوبه معها» (1) فانها واضحة الدلالة على ان المحرّم على الرجل المحرم هو التظليل من الشمس، و الاستشهاد بقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) انما هو لبيان حكمة حرمة التظليل منها.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

252

..........

____________

الرجل المحرم و كان اذا اصابته الشمس شق عليه و صدع فيستتر منها، فقال: هو أعلم بنفسه، اذا علم أنه لا يستطيع أن تصيبه الشمس فليستظل منها» (1).

و منها: صحيحة اسماعيل ابن عبد الخالق قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) هل يستتر المحرم من الشمس؟ فقال: لا الّا أن يكون شيخا كبيرا، أو قال: ذا علة» (2).

و منها: صحيحة عبد اللّه بن المغيرة قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن الظلال للمحرم، فقال: اضح لمن احرمت له، قلت: اني محرور و إن الحر يشتد علي، فقال: أما علمت أن الشمس تغرب بذنوب المحرمين» (3).

الطائفة الثانية: الروايات التي تنص على عدم جواز ركوب المحرم القبة و الكنيسة.

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السّلام) قال: «سألته عن المحرم يركب القبة، فقال: لا، قلت: فالمرأة المحرمة، قال: نعم» (4).

و منها: صحيحة الحلبي قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يركب في القبة، قال: ما يعجبني الّا أن يكون مريضا، قلت: فالنساء، قال: نعم» (5).

و منها: صحيحة هشام بن سالم قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يركب في الكنيسة، فقال: لا و هو للنساء جائز» (6).

و هذه الطائفة تدل على حرمة التظليل و التستر بظل و ان لم تكن هناك شمس و لا مطر و لا برد، كما اذا كان السفر في الليل و في الجو الصافي و الهواء الساكن، و أما البرد الناشئ من حركة الطائرة أو السيارة فالظاهر أنه غير مشمول للروايات التي تنص على التظليل و التستر منه بظل، فان الظاهر منها حرمة التستر‌

____________

(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 9

(3) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 11.

(4) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(5) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(6) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

253

..........

____________

من البرد القارص في نفسه و بقطع النظر عن حركة المركبة.

الطائفة الثالثة: الروايات التي تنص على حرمة التظليل و التستر بظل من البرد القارص و المطر:

منها: معتبرة عثمان بن عيسى الكلابي قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السّلام):

ان علي بن شهاب يشكو رأسه و البرد شديد، و يريد أن يحرم، فقال: ان كان كما زعم فليظلل، و أما انت فاضح لمن أحرمت له» (1).

و منها: صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السّلام): قال:

«سألته عن المحرم يظلل على نفسه، فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حرّ الشمس و هو محرم، فقال: هي علة يظلّل و يفدي» (2) بتقريب أنها تدل على عدم جواز التظليل و التستر للمحرم بظل و ساتر الّا من علة، فاذا كانت هناك علة جاز التظليل به من أجلها مع الفداء، و عليه فالمستفاد من الصحيحة ضابط كلي و هو عدم جواز التظليل الّا من علة، و الايذاء من حر الشمس بما أنه علة فيجوز التظليل من أجلها بدون خصوصية لها الّا كونها من احدى صغرياتها، و حينئذ فتعم الصحيحة الايذاء من المطر أو البرد على أساس أنه علة.

و منها: صحيحة ابراهيم بن ابي محمود قال: «قلت للرضا (عليه السّلام): المحرم يظلل على محمله و يفدي اذا كانت الشمس و المطر يضران به، قال: نعم، قلت:

كم الفداء؟ قال: شاة» (3).

و منها: صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السّلام) قال: «سأله رجل عن الظلال للمحرم من اذى مطر أو شمس و أنا اسمع، فأمره أن يفدي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 13.

(2) الوسائل: الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

254

..........

____________

شاة، و يذبحها بمنى» (1)، و مثلها صحيحته الأخرى (2).

هذا و لا يبعد أن يقال أن ذكر المطر و الشمس في هذه الروايات في كلام السائل يكون من باب المثال، و بلحاظ أن ايذاء المسافر بهما في السفر اكثر من ايذائه بغيرهما، و الّا فلا خصوصية لهما، فان المعيار انما هو بالايذاء سواء أ كان بهما أم بغيرهما، كالبرد الشديد أو نحوه.

ثم إن مقتضى اطلاق هذه الطائفة عدم جواز التظليل للمحرم اذا لم تكن هناك أذية من ناحية المطر أو الشمس و لو من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

و على هذا فالطائفة الثانية تنص على أنه لا يجوز للرجل المحرم أن يركب القبة أو الكنيسة و هو محرم، و مقتضى اطلاقها أنه لا فرق بين أن يكون في الليل أو النهار.

و احتمال أن عدم جواز ركوبها انما هو من جهة الاستظلال بها من الشمس.

مدفوع باطلاقها، فانها على الرغم من كونها في مقام البيان، و مع ذلك يكون سكوتها عن هذا القيد قرينة على الاطلاق، على أساس ضابط عرفي عام، و هو أن كل ما لم يقله المتكلم لم يرده.

فالنتيجة: أنه لا شبهة في اطلاق هذه الروايات، و يؤكد هذا الاطلاق أن حركة قوافل الحجاج في الأزمنة السابقة في موسم الحج من جميع الأقطار الاسلامية لم تكن متقيدة بأن تكون في النهار، يعني بين طلوع الشمس و غروبه، ضرورة أنها كانت تختلف باختلاف الظروف و الموسم و المناخ، ففي بعض الأحوال كانت الحركة غالبا في النهار كما في الشتاء و البرد، و في بعض الظروف‌

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 7.