تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
255

..........

____________

و المواسم كانت الحركة غالبا في الليل كما في الصيف الحار و لا سيما اذا كانت الحرارة في النهار شديدة و في بعض المواسم، كانت الحركة في مقدار من الليل و مقدار من النهار كما في الربيع و الجو المعتدل و عليه فلا يمكن انكار وقوع سيرهم في الليل نهائيا، و مع هذا نهى الشارع الرجل المحرم عن ركوب القبة أو الكنيسة بدون الاشارة في طول التاريخ الزمني للحج في شي‌ء من رواياته الى أن نهيه عن ركوبها انما هو في النهار لا مطلقا، قرينة على أنه لا يجوز له أن يستظل بظل و يتستر بساتر متحرك مع حركته و إن لم يكن هناك شمس و لا مطر و لا برد، لأنه مقتضى اطلاقها، هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى أنه لا يحتمل عرفا أن يكون لعنوان القبة أو الكنيسة خصوصية ما عدا كونها ساترة، اذ مضافا الى أن العرف لا يرى موضوعية لعنوانها، أن التفصيل في رواياتها بين الرجل المحرم و المرأة المحرمة، و بين الرجل السالم و المريض قرينة على أن حرمة ركوب الرجل المحرم السالم فيها انما هي من جهة أنه محرم، اذ ليس هناك جهة أخرى يحتمل أن تكون مانعة عن ركوبه فيها غير هذه الجهة.

و دعوى: أن قوله (عليه السّلام) في صحيحة عبد اللّه بن المغيرة من الطائفة الأولى للروايات: «ما من حاج يضحى ملبيا حتى تغيب الشمس الّا غابت ذنوبه معها» (1) بمثابة العلة للحكم، فيصلح أن يكون قرينة على تقييد اطلاق الطائفة الثانية.

مدفوعة: بأنه ليس علة له، بل هو بيان لما يترتب على ذلك من الآثار و الفوائد و الحكم، فلا يصلح أن يكون قرينة على تقييد اطلاقها، و لا على نفي تلك الفوائد عن غير موردها.

____________

(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

256

..........

____________

لحد الآن قد تبين أن ما نتج من هذه الطوائف الثلاث من الروايات أنه لا يجوز للرجل المحرم أن يستظل بظل فوق رأسه، و يتحرك بحركته مطلقا، اي سواء أ كانت هناك شمس أم مطر أم ريح أم لا، كما اذا كان الجو صافيا و معتدلا و الهواء ساكنا، هذا بدون فرق بين أن تكون الحركة أفقية، كما في راكب السيارة و الطائرة و هي تتحرك، أو عمودية كالواقف في المصعد الكهربائي و هو يصعد أو ينزل.

و من هنا يظهر أن المراد من الضحى في الطائفة الأولى مطلق البروز في مقابل المستور بساتر، و ليس المراد منه خصوص البروز للشمس و إن كان موردها ذلك، الا أنه من باب التطبيق بملاك أنه من اظهر افراده، لا أنه معناه، لأن معناه لغة و عرفا هو البروز و الظهور، سواء أ كان للشمس أم كان لغيره.

و لمزيد من التعرف لحكم المسألة و احتمالاتها نظريا و تطبيقيا نذكر فيما يلي أمورا:

الأول: لا يجوز للرجل المحرم أن يتظلل بظل، و يتستر بساتر متحرك بحركته في حالة سيره مطلقا، أي سواء أ كان هناك شمس أم مطر أم برد شديد أم لم يكن شي‌ء منها.

الثاني: لا فرق في حرمة ذلك على الرجل المحرم بين أن يكون في الليل أو النهار.

الثالث: أن المراد من التظليل مطلق التستر بساتر متحرك بحركته فوق رأسه، اذ مضافا الى أنه معناه لغة و عرفا، و أنه مقتضى اطلاق الطائفة الثانية و الثالثة، تشهد عليه جملة من الروايات الأخر أيضا:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس بأن‌

257

..........

____________

يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس، و لا بأس أن يستر بعض جسده ببعض» (1) فانها تدل على أن ما لا يجوز للمحرم أن يفعله هو ما يتستر بساتر و يستظل بظل متحرك بحركته.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان: «قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول لأبي و شكى اليه حر الشمس و هو محرم و هو يتأذى به، فقال: ترى أن استتر بطرف ثوبي، قال: لا بأس بذلك ما لم يصب رأسك» (2)، فانها تنص على أن المرتكز في الذهن من التظليل في الروايات هو التستر بساتر، في مقابل البروز و الظهور، و تؤيد ذلك رواية المعلى بن خنيس عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا يستتر المحرم من الشمس بثوب، و لا بأس أن يستر بعضه ببعض» (3).

فالنتيجة: ان المستفاد من هذه الروايات أيضا هو حرمة التظليل بظل ساتر و إن لم تكن هناك شمس و لا علة أخرى.

الرابع: قد يقال كما قيل: ان ما ورد في الروايات من الأمر بالاضحاء يدل على جواز التظليل في الليل بركوب السيارة أو الطيارة أو غيرها، على أساس أن الاضحاء معناه البروز و الظهور للشمس، و لا موضوع له في الليل.

و الجواب، أولا: ما مر من أن الاضحاء معناه لغة و عرفا مطلق البروز و الظهور، غاية الأمر أن البروز للشمس من أظهر مصاديقه و افراده، و من المعلوم أن ذلك لا يوجب انصرافه اليه.

و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان الاضحاء معناه البروز للشمس فقط، الّا أن روايات المسألة لا تنحصر بروايات الاضحاء، بل هناك طائفتان أخريان من الروايات تدلان على أنه لا يجوز للرجل المحرم ان يستر نفسه بساتر و إن لم يكن هناك شمس.

____________

(1) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

258

..........

____________

احداهما: الروايات الناهية عن ركوب المحرم للقبة و الكنيسة، و قد تقدم أن مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون ركوبه فيها في النهار أو الليل، و لا قرينة على تقييد اطلاقها بالأول، لا من الداخل و لا من الخارج، و روايات الاضحاء لا تصلح أن تكون قرينة على ذلك، اذ ليس فيها ما يدل على نفي حرمة التظليل بظل اذا لم يكن هناك شمس، فان موردها حرمة التظليل بظل منها، و لا نظر لها الى أنه جائز اذا لم يكن هناك شمس، لأنها ساكتة من هذه الناحية نفيا و اثباتا.

و الأخرى: الروايات الناهية عن التظليل بظل و التستر بساتر متحرك بحركة المحرم من المطر أو البرد الشديد أو نحوه، و مقتضى هذه الروايات عدم جواز ركوب السيارة أو الطائرة للتظليل و التستر بساتر من المطر أو البرد غير الاعتيادي، ما لم يسبّب الاضرار و الايذاء له سواء أ كانت هناك شمس أم لا؟.

و دعوى: أن السيارة أو الطيارة كما أنها مظلة مانعة عن البرد الطبيعي غير الاعتيادي كذلك أنها مظلة مانعة عن البرد الشديد الناشئ من سرعة حركتها، فلا فرق بين الصورتين.

مدفوعة: بما مر من أن الظاهر من الروايات الناهية عن التظليل بظل من البرد الشديد هو البرد الطبيعي غير الاعتيادي، و لا نظر لها الى البرد الناشئ من سرعة حركتها في الأرض أو الجو أو البحر، و منصرفة عنه عرفا.

الخامس: قد تسأل ان السفينة في البحر هل تلحق بالمنزل لكي يجوز التظليل فيها بظل، أو أنها ملحقة بالسيارة و الطائرة؟

و الجواب: أنها ملحقة بالسيارة و الطيارة، فلا يجوز الركوب فيها، و قد مر أن المستفاد من الروايات حرمة التظليل على المحرم بظل يتحرك بحركته‌

259

..........

____________

كسقف السيارة و الطائرة و الباخرة، فاذن لا وجه لإلحاقها بالمنزل.

السادس: قد تسأل هل يجوز للمحرم أن يتحرك تحت ظل ثابت كظل الجسور و الانفاق و الجبال و الجدران و الاشجار و السحاب؟

و الجواب: يجوز له ذلك، لأن الظاهر من الروايات التي تدل على حرمة التظليل بظل أنه لا يجوز للمحرم أن يحدث ظلا و ساترا على نفسه باختياره و يتحرك بحركته كسقف السيارة أو الطائرة أو الباخرة أو يحمل بيده مظلة يستظل بها، و أما الظل الثابت في الطريق كظل الجسور و الأودية و القرى و الجبال و غيرها، فهو بما أنه غير مرتبط بالمحرم و لا يكون بصنعه، فلا مانع من أن يتحرك فيه مارا و عابرا، حيث لا يصدق عليه أنه ظلّل.

هذا اضافة الى أن التظليل بالظل الثابت لو كان ممنوعا لشاع و أصبح من الواضحات لكثرة الابتلاء به، فان من أحرم من مسجد الشجرة- مثلا- يمر من بين الجبال و الأودية و الاشجار و القرى.

و قد تسأل عن أن الظل الثابت اذا لم يكن في الطريق الاعتيادي، بل كان في جانب يمينه أو يساره، كما اذا كانت هناك جبال أو أشجار و أراد المحرم أن يستظل بظلها من الشمس، بأن ينحرف من الطريق اليه بهذا الدافع، و يتحرك تحته، فهل يجوز له ذلك أم لا؟

و الجواب: أنه لا يبعد جوازه، و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الروايات الناهية عن التظليل بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو تظليل المحرم بظل يتحرك بحركته، كسقف السيارة أو الطائرة أو نحوه، و اما تظليله بظل ثابت فلا يكون مشمولا لها، و لكن مع هذا فالاحتياط في محله، و تؤكد ذلك صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السّلام) قال: «قال أبو حنيفة: ايش فرق ما بين‌

260

..........

____________

ظلال المحرم و الخباء، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ان السنة لا تقاس» (1) بتقريب أنها تدل على الفرق بين التظليل بظل يتحرك بحركة المحرم و التظليل بظل ثابت كالخباء، فالأول غير جائز، و الثاني جائز.

السابع: قد تسأل عن أن حرمة التظليل و التستر على المحرم بساتر هل تختص بما يكون فوق رأسه كالمظلة و سقف القبة و السيارة و الطائرة و نحوها، أو تعم ما اذا كان جانبيا أيضا، كما اذا ركب سيارة يكون المكشوف هو الجزء الواقع فوق رأسه فقط، دون غيره من الاجزاء.

و الجواب: انها تختص بما يكون فوق رأس المحرم و لا تعم ما اذا كان جانبيا، و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الروايات الناهية عن التظليل بظل، و الآمرة بالاضحاء بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو منع المحرم عن التظليل بظل فوق رأسه، بأن يكون رأسه مكشوفا و بارزا تحت السماء، و أما التظليل بالظل الجانبي مع كون رأسه مكشوفا فلا يكون مشمولا لتلك الروايات.

و بكلمة: ان روايات الباب لا تشمل تظليل المحرم الجانبي، و لا يوجد دليل آخر يدل على المنع عنه، فالنتيجة أن الأظهر جوازه.

الثامن: قد تسأل أن حرمة التظليل هل هي مختصة بالرجل المحرم اذا كان راكبا، أو أنها تعم غيره أيضا؟

و الجواب: أنها غير مختصة بالمحرم الراكب، لأنها من آثار احرامه، فاذا أحرم حرم التظليل عليه، بدون فرق بين حالاته ككونه راكبا أو ماشيا، و لذلك يكون الماخوذ في لسان الروايات عنوان المحرم، لا عنوان الراكب.

التاسع: أنه لا مانع من الاستظلال بظل في حال الوقوف كحالة القعود و النوم، لانصراف الروايات عن ذلك.

____________

(1) الوسائل: الباب 66 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

261

و لا بأس بالسير في ظل جبل أو جدار أو شجر و نحو ذلك من الاجسام الثابتة، كما لا بأس بالسير تحت السحاب المانعة من شروق الشمس، و لا فرق في حرمة التظليل بين الراكب و الراجل على الأحوط، و الأحوط بل الاظهر حرمة التظليل بما لا يكون فوق رأس المحرم بان يكون ما يتظلل به على أحد جوانبه. نعم، يجوز للمحرم ان يتستر من الشمس بيديه (1) و لا بأس بالاستظلال بظل المحمل حال المسير (2)، و كذلك لا بأس بالاحرام في القسم المسقوف من مسجد الشجرة (3).

[مسألة 270: المراد من الاستظلال التستر من الشمس او البرد أو الحر أو المطر أو الريح و نحو ذلك]

(مسألة 270): المراد من الاستظلال التستر من الشمس او البرد أو الحر أو المطر أو الريح و نحو ذلك، فاذا لم يكن شي‌ء من ذلك بحيث كان وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها و لا فرق فيما ذكر بين الليل و النهار.

____________

(1) لصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس أن يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس، و لا بأس أن يستر بعض جسده ببعض» (1) فانها تنص على جواز الستر من حرّ الشمس باليد، و أما صحيحة سعيد الاعرج: «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يستتر من الشمس بعود و بيده، قال: لا الّا من علة» (2)، فهي و ان كانت ظاهرة في المنع عن التستر باليد، الّا أنه لا بد من رفع اليد عن ظهورها في عدم الجواز، و حملها على الكراهة بقرينة صحيحة معاوية، تطبيقا لحمل الظاهر على النص.

(2) لنص صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: قال: «كتبت الى الرضا (عليه السّلام): هل يجوز للمحرم أن يمشي تحت ظل المحمل؟ فكتب (عليه السّلام): نعم- الحديث» (3).

(3) هذا لا من أجل نص خاص فيه، بل من جهة أنه من الظل الثابت، و قد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(3) الوسائل: الباب 67 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

262

[مسألة 271: لا بأس بالتظليل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله إلى مكة]

(مسألة 271): لا بأس بالتظليل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله إلى مكة (1) و ان كان بعد لم يتخذ بيتا كما لا بأس به حال الذهاب و الاياب في المكان الذي ينزل فيه المحرم و كذلك فيما إذا نزل في الطريق للجلوس أو لملاقاة الاصدقاء أو لغير ذلك (2) و الأظهر جواز الاستظلال في هذه الموارد بمظلة و نحوه أيضا و ان كان الأحوط الاجتناب عنه.

[مسألة 272: لا بأس بالتظليل للنساء]

(مسألة 272): لا بأس بالتظليل للنساء (3)،

____________

مر أنه لا مانع من المشي تحته، و الجلوس فيه، و الاحرام منه.

(1) مر أنه لا بأس من أن يتحرك المحرم و يمشي تحت الظل الثابت، كظل الجدران و السقوف و الجسور و الأشجار و نحوها، و على هذا فاذا وصل الحاج الى مكة فلا مانع من أن يمشي في اسواقها تحت ظل جدرانها و سقوفها و جسورها و أشجارها، بدون فرق بين أن يكون ذلك قبل اتخاذه بيتا أو بعده.

(2) لنفس ما تقدم من أنه لا مانع من التظليل بظل ثابت، هذا اضافة الى أن صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السّلام)، قال: «قال أبو حنيفة: أيش فرق ما بين ظلال المحرم و الخباء؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ان السنة لا تقاس» (1)، تدل على جواز الاستظلال تحت الخباء، بل يظهر منها ان ما لا يجوز على المحرم هو الاستظلال بظل في حال السير لا مطلقا، و لذا سأل ابو حنيفة عن الفرق بينهما.

(3) لعدة روايات تنص على ذلك:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السّلام) قال: «سألته عن المحرم يركب القبة، فقال: لا، فقلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: نعم» (2).

و منها: صحيحة هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 66 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

263

و الاطفال (1) و كذلك للرجال عند الضرورة (2) و الخوف من الحر أو البرد.

____________

يركب في الكنيسة، قال: لا، و هو للنساء جائز» (1).

و منها: صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس بالظلال للنساء- الحديث» (2).

(1) لصحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا بأس بالقبة على النساء و الصبيان و هم محرمون- الحديث» (3)، فانها تنص على أن الصبيان كالنساء، فيجوز لهم التظليل، هذا اضافة الى أن عدم حرمة محرمات الاحرام على الصبيان يكون على القاعدة، على أساس أن تلك الحرمات بما أنها محرمات مستقلة و لا تكون وجودها من موانع الحج و عدمها من واجباته، فيكون مقتضى حديث رفع القلم عن الصبي ان حرمتها مرفوعة عنه، فلا تكون ممارسة شي‌ء منها محرمة عليه الا ما كانت حرمته وضعية كعقد النكاح.

(2) لعدة من النصوص:

منها: صحيحة ابراهيم بن ابي محمود قال: «قلت للرضا (عليه السّلام): المحرم يظلل على محمله و يفدي اذا كانت الشمس و المطر يضران به، قال: نعم، قلت:

كم الفداء؟ قال: شاة» (4) فان موردها و إن كان الشمس و المطر، الّا أن التظليل منهما باعتبار أنهما يضران، فاذن المعيار انما هو بالضرر سواء أ كان من ناحية الشمس، أم كان من ناحية المطر أو البرد.

و منها: صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال:

«سألته عن المحرم يظلل على نفسه، فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس و هو محرم، فقال: هي علة يظلل و يفدى» (5) فانها تدل على جواز التظليل بظل من علة سواء أ كانت العلة حر الشمس أم كانت غيره، و عليه فالمعيار في جواز‌

____________

(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 10.

(3) الوسائل: الباب 65 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

(5) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 4.

264

[مسألة 273: كفارة التظليل شاة]

(مسألة 273): كفارة التظليل شاة (1)

____________

التظليل إنما هو بوجود العلة التي تتطلب ذلك. و منها غيرهما.

(1) تنص عليه صحيحة ابي محمود المتقدمة، و صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السّلام) قال: «سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس و أنا أسمع، فأمره أن يفدي شاة و يذبحها بمنى» (1)، و صحيحته الأخرى قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس، فقال: أرى أن يفديه بشاة و يذبحها بمنى» (2)، و على هذا فالروايات التي تدل على اهراق الدم تارة و الكفارة أخرى محمولة عليها تطبيقا لحمل المجمل على المبين.

فالنتيجة: أنه لا شبهة في ان كفارة التظليل شاة.

بقى هنا شي‌ء و هو أن الظاهر من صحيحتي ابن بزيع وجوب ذبحها بمنى، و لكن في مقابلهما موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: الرجل يخرج من حجه و عليه شي‌ء يلزمه فيه دم، يجزيه أن يذبح اذا رجع الى اهله، فقال: نعم، و قال فيما اعلم يتصدق به» (3) فان مقتضى هذه الموثقة جواز الذبح في أي موضع شاء في احرام الحج، فاذن تكون النسبة بينهما عموما من وجه، فان الصحيحتين أعم من جهة أن يكون التظليل في احرام الحج أو العمرة، و الموثقة أعم من جهة أن يكون سبب الكفارة التظليل أو كان غيره، و مورد الالتقاء بينهما كفارة التظليل في احرام الحج، فمقتضى اطلاق الموثقة جواز ذبحها في بلدته بعد الرجوع اليها، و مقتضى اطلاق الصحيحتين وجوب ذبحها في منى، فيسقط كلا الاطلاقين من جهة المعارضة، فالمرجع حينئذ أصالة البراءة عن الوجوب، فالنتيجة جواز ذبحها في بلده اذا رجع.

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 50 من أبواب كفارات الصيد، الحديث: 1.

265

و لا فرق في ذلك بين حالتي الاختيار و الاضطرار (1) و إذا تكرر التظليل فالأحوط التكفير عن كل يوم و ان كان الأظهر كفاية كفارة واحدة في كل إحرام (2).

____________

(1) لجملة من النصوص:

منها: معتبرة عبد اللّه بن المغيرة، قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السّلام): أظلل و أنا محرم، قال: لا، قلت: أ فأظلل و اكفر؟ قال: لا، قلت: فان مرضت، قال: ظلل و كفر- الحديث» (1).

و منها: صحيحتا اسماعيل بن بزيع المتقدمتان (2).

و منها: صحيحة أبي محمود المتقدمة (3).

(2) ذلك لا من جهة ما ادعي من الاجماع و التسالم في المسألة، لما مرّ منا غير مرة من أن الاجماع انما يكون حجة و كاشفا عن ثبوت حكم المسألة في زمن المعصومين (عليهم السّلام) اذا توفر فيه أمران رئيسيان:

أحدهما: ثبوته بين القدماء من الأصحاب الذين يكون عصرهم متصلا بعصر أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) في نهاية الشوط.

و الآخر: أن لا يكون في المسألة ما يصلح أن يكون مدركا لها، و كلا الأمرين غير متوفر في المقام كما هو الظاهر، بل من جهة أن موثقة ابي علي بن راشد قال: «قلت له (عليه السّلام): جعلت فداك أنه يشتد عليّ كشف الظلال في الإحرام، لأني محرور يشتد علي حر الشمس، فقال: ظلل و أرق دما، فقلت له: دما أو دمين، قال: للعمرة، قلت: إنا نحرم بالعمرة و ندخل مكة فنحل و نحرم بالحج، قال: فأرق دمين» (4) فانها ناصة في أن للتظليل في احرام العمرة كفارة، و للتظليل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاستمتاع، الحديث: 6 و 3.

(3) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاستمتاع، الحديث: 5.

(4) الوسائل: الباب 7 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

266

..........

____________

في احرام الحج كفارة، و لا تتعدد الكفارة بتعدد التظليل في احرام واحد، بل ان ذلك مقتضى اطلاقات الروايات التي تنص على أن المحرم اذا اضطر الى التظليل فله أن يظلل و يكفر، بتقريب ان مقتضاها أنه مرخص في التظليل بظل في طول فترة احرامه، و عليه تكفير واحد باعتبار أن الأمر المتعلق بالتكفير ظاهر في أن متعلقه صرف وجوده المنطبق على وجود واحد في الخارج.

267

[22- اخراج الدم من البدن]

22- اخراج الدم من البدن لا يجوز للمحرم اخراج الدم من جسده (1)

____________

(1) لا بالحجامة و لا بالحك، أما بالحجامة فقد تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة الحلبي قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يحتجم، قال: لا، الّا أن لا يجد بدا فليحتجم و لا يحلق مكان المحاجم» (1).

و منها: معتبرة زرارة عن ابي جعفر (عليه السّلام): «قال: لا يحتجم المحرم الّا أن يخاف على نفسه أن لا يستطيع الصلاة» (2)، و منها غيرهما.

و في مقابلها صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس أن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر» (3)، فانها ناصة في جواز الاحتجام، و لا تعارضها الروايات المتقدمة من هذه الناحية، و لكن بما أنها مطلقة و باطلاقها تشمل المضطر و المختار معا، فمن أجل ذلك تتقدم تلك الروايات عليها تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد.

و أما الحك فقد تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم كيف يحك رأسه؟ قال: باظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر» (4) فانها تدل على جواز حك المحرم رأسه شريطة عدم الإدماء و عدم قطع الشعر.

و منها: صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا بأس بحك الرأس و اللحية ما لم يلق الشعر و بحك الجسد ما لم يدمه» (5)، و منها غيرهما.

____________

(1) الوسائل: الباب 62 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 62 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 62 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 5.

(4) الوسائل: الباب 73 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(5) الوسائل: الباب 73 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

268

و ان كان ذلك بحك بل بالسواك على الأحوط، و لا بأس به مع الضرورة أو دفع الأذى، و كفارته شاة على الأحوط الأولى (1).

____________

ثم إن مورد هذه الروايات و إن كان حك الرأس و البدن، الّا أن المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع أنه لا موضوعية لحك الرأس و الجسد، و المعيار انما هو بالادماء، فإنه غير جائز و إن كان بغير الحك. نعم اذا اضطر الى الإدماء فلا بأس به، و تدل عليه موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

«سألته عن المحرم يكون به الجرب فيؤذيه، قال: يحكه فان سال الدم فلا بأس» (1) بتقريب ان الظاهر منها انه اذا اضطر الى الحك جاز و إن أدى الى الإدماء.

و أما الإدماء بالاستياك، فالظاهر جوازه، و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) في المحرم يستاك، قال: نعم، قلت: فإن أدمى يستاك؟ قال: نعم، هو من السنة» (2) فانها ظاهرة في جواز الاستياك للمحرم عامدا و ملتفتا و ان أدمى معللة بأنه من السنة، و في مقابلها صحيحة الحلبي، قال:

«سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحرم يستاك، قال: نعم، و لا يدمى» (3) فانها تدل على عدم جواز الاستياك الموجب للإدماء، و لكنها لا تصلح أن تعارض صحيحة معاوية، فانها ناصة في الجواز مع الإدماء، و هي ظاهرة في المنع، و حينئذ فيرفع اليد عن ظهورها بنص تلك الصحيحة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص.

(1) لعدم الدليل، حيث لم يرد في شي‌ء من روايات الباب وجوب الكفارة عليه فضلا عن كونها شاة.

____________

(1) الوسائل: الباب 71 من أبواب تروك الاحرام الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 92 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 73 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

269

[23- التقليم]

23- التقليم لا يجوز للمحرم تقليم ظفره و لو بعضه إلا أن يتضرر المحرم ببقائه (1)، كما إذا انفصل بعض ظفره و تألم من بقاء الباقي فيجوز له حينئذ قطعه، و يكفر عن كل ظفر بقبضة من الطعام (2).

[مسألة 274: كفارة تقليم كل ظفر مدّ من الطعام]

(مسألة 274): كفارة تقليم كل ظفر مدّ من الطعام (3)،

____________

(1) فيه ان المعيار في جواز التقليم انما هو بتأذي المحرم ببقائه، سواء أ تضرر به أم لا، و تنص عليه صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال:

«سألته عن الرجل المحرم تطول اظفاره، قال: لا يقص شيئا منها إن استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصها (فليقلعها) و ليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام» (1) بتقريب أن الايذاء لا يكون مساوقا للضرر، و قد يؤدي اليه.

(2) تنص عليه صحيحة معاوية، المتقدمة آنفا.

(3) لصحيحة ابي بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل قص ظفرا من أظافيره و هو محرم، قال: عليه في كل ظفر قيمة مد من طعام حتى يبلغ عشرة، فان قلم اصابع يديه كلها فعليه دم شاة، فان قلم اظافير يديه و رجليه جميعا، فقال: إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، و إن كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان» (2) و لا تنافي بينها و بين صحيحة معاوية المتقدمة التي تنص على أن لتقليم كل ظفر قبضة من طعام، و ذلك لأن قص الأظافير في مورد صحيحة معاوية انما هو للاضطرار، فاذن تكون قرينة على أن تقليم الأظافير إن كان للاضطرار و دفع الأذى فلكل ظفر قبضة من طعام، و الّا فمد بمقتضى‌

____________

(1) الوسائل: الباب 77 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

270

و كفارة تقليم أظافير اليد جميعها في مجلس واحد شاة، و كذلك الرجل، و إذا كان تقليم أظافير اليد و أظافير الرجل في مجلس واحد فالكفارة أيضا شاة (1)، و إذا كان تقليم أظافير اليد في مجلس و تقليم أظافير الرجل في مجلس آخر فالكفارة شاتان.

____________

صحيحة أبي بصير، و على هذا فتكون صحيحة معاوية مقيدة لإطلاقها بما اذا قلم اظافره متعمدا و بدون ضرورة، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان صحيحة زرارة بن أعين قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: من نتف إبطه، أو قلم ظفره، أو حلق رأسه ناسيا أو جاهلا فليس عليه شي‌ء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة» (1) تدل على أن في تقليم ظفر واحد شاة، باعتبار أن الجنس يصدق على الواحد و الكثير، و عليه فتكون منافية لصحيحة ابي بصير التي تنص على أن في تقليم كل ظفر مد من طعام، و في تقليم الجميع شاة، و حينئذ فلا بد من رفع اليد عن اطلاق صحيحة زرارة و حمله على تقليم كل اظافير يديه تطبيقا لحمل الظاهر على النص، و المطلق على المقيد.

(1) تدل على ذلك كله صحيحة ابي بصير المتقدمة، و صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا قلم المحرم اظفار يديه و رجليه في مكان واحد فعليه دم واحد، و إن كانتا متفرقتين فعليه دمان» (2)، و به يظهر حال ما بعده.

و قد تسأل أن من قلم اظفاره جاهلا أو ناسيا فهل عليه شي‌ء؟

و الجواب: انه لا شي‌ء عليه، و تدل عليه جملة من الروايات:

منها: صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السّلام): «ان من فعل ذلك- يعني تقليم الاظفار- ناسيا أو ساهيا، أو جاهلا فلا شي‌ء عليه» (3).

و منها: صحيحته الأخرى عن ابي جعفر (عليه السّلام): «قال: من قلم اظافيره ناسيا‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(3) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

271

[مسألة 275: إذا قلم المحرم اظافيره فأدمى اعتمادا على فتوى من جوّزه وجبت الكفارة على المفتي على الأحوط]

(مسألة 275): إذا قلم المحرم اظافيره فأدمى اعتمادا على فتوى من جوّزه وجبت الكفارة على المفتي على الأحوط (1).

____________

أو ساهيا أو جاهلا فلا شي‌ء عليه- الحديث» (1).

و منها: صحيحته الثالثة (2) المتقدمة آنفا.

و في مقابلها صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في المحرم ينسى فيقلم ظفرا من اظافيره، قال: يتصدق بكف من الطعام، قلت: فاثنين، قال: كفّين، قلت: فثلاثة، قال: ثلاث اكف، كل ظفر كف حتى يصير خمسة، فاذا قلم خمسة فعليه دم واحد، خمسة كان أو عشرة أو ما كان» (3). و لكنها لا تصلح أن تعارض الصحاح المتقدمة، لأنها ظاهرة في وجوب الكفارة على الناسي، و تلك الصحاح ناصة في عدم وجوبها عليه، و حينئذ فلا بد من حملها عليها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص.

فالنتيجة: هي استحباب التصدق بكف من الطعام لكل ظفر، هذا اضافة الى أن الكليني روى هذه الرواية عن حريز مرسلة، و الظاهر أن الرواية واحدة، فاذن لم يثبت كونها مرسلة أو مسندة، فمن أجل ذلك أيضا لا يمكن الاعتماد عليها.

(1) لكن الأظهر عدم الوجوب، اذ لا دليل عليه ما عدا روايتين:

الأولى: رواية اسحاق الصيرفي، قال: «قلت لأبي ابراهيم (عليه السّلام): إن رجلا أحرم فقلّم اظفاره، فكانت له اصبع عليلة، فترك ظفرها لم يقصه، فافتاه رجل بعد ما أحرم فقصّه فادماه، فقال: على الذي افتى شاة» (4).

و هذه الرواية و إن كانت تامة دلالة و لكنها ضعيفة سندا، فان في سندها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(3) الوسائل: الباب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

272

..........

____________

محمد بن البزاز أو الخزاز، و هو ممن لم يثبت توثيقه، و كذلك زكريا المؤمن، و لا يجدي كونه من رجال كامل الزيارات.

الثانية: موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن رجل نسى أن يقلم اظفاره عند احرامه، قال: يدعها، قلت: فان رجلا من اصحابنا افتاه بأن يقلم اظفاره و يعيد احرامه، ففعل، قال (عليه السّلام): عليه دم يهريقه» (1)، فانها و إن كانت تامة سندا، الّا أنها ضعيفة دلالة، لأن دلالتها مبنية على أن الضمير في قوله (عليه السّلام): «عليه دم يهريقه» يرجع الى المفتي، و هو غير ظاهر فيه، بل لا يبعد ظهوره في رجوعه الى من يقلم اظفاره، أو لا أقل من الاجمال.

فالنتيجة: ان كلتا الروايتين ساقطة، فلا يمكن الاستدلال بشي‌ء منهما.

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

273

[24- قلع الضرس]

24- قلع الضرس

[مسألة 276: ذهب جمع من الفقهاء الى حرمة قلع الضرس على المحرم و ان لم يخرج به الدم]

(مسألة 276): ذهب جمع من الفقهاء الى حرمة قلع الضرس على المحرم و ان لم يخرج به الدم و أوجبوا له كفارة شاة، و لكن في دليله تأملا بل لا يبعد جوازه (1).

____________

(1) بل هو الأظهر، لعدم الدليل على المنع غير رواية مرسلة عن رجل من أهل خراسان، «أن مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شي‌ء محرم قلع ضرسه، فكتب (عليه السّلام): يهريق دما» (1) و لكن بما أنها مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها، هذا اضافة إلى أن قلع الضرس بما أنه لا ينفك عادة عن الإدماء، فلا يسوغ للمحرم بملاك الإدماء، لا بملاك قلع الضرس، و لكن قد مر أنه لا كفارة على الإدماء أيضا.

____________

(1) الوسائل: الباب 19 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 1.

274

[25- حمل السلاح]

25- حمل السلاح

[مسألة 277: لا يجوز للمحرم حمل السلاح كالسيف و الرمح و غيرهما مما يصدق عليه السلاح عرفا]

(مسألة 277): لا يجوز للمحرم حمل السلاح كالسيف و الرمح و غيرهما مما يصدق عليه السلاح عرفا. و ذهب بعض الفقهاء إلى عموم الحكم لآلات التحفظ أيضا كالدرع و المغفر و هذا القول أحوط (1).

____________

(1) لكن الأظهر اختصاص الحكم بالسلاح، كالسيف و البندقية و نحوهما، و أما آلات القتال الوقائية كالدرع و المغفر و نحوهما، فلا مانع من حملها، بل لبسها على أساس ما تقدم من أن ما لا يجوز للرجل المحرم هو لبس الثياب الاعتيادية، كالقميص و السراويل و العباءة و الدرع و هو الثوب الذي له يدان أو فتحتان على نحو يتيح للابس أن يدخل يديه فيهما، و أما لبس غيرها فلا يكون محرما عليه، و حيث أنه لا يصدق على الدرع و المغفر و نحوهما من الآلات الوقائية للقتال شي‌ء من هذه الثياب، فلا مانع من لبسها.

و اما الروايات التي تدل على عدم جواز لبس السلاح، فهي لا تشمل تلك الآلات، لعدم صدق السلاح عليها، و هذه الروايات كما يلي:

منها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «ان المحرم اذا خاف العدو يلبس السلاح فلا كفارة عليه» (1).

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام): أ يحمل السلاح المحرم؟ فقال: اذا خاف المحرم عدوا أو سرقا فليلبس السلاح» (2).

و منها: صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المحرم اذا خاف لبس السلاح» (3).

____________

(1) الوسائل: الباب 54 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 54 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 54 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

275

[مسألة 278: لا بأس بوجود السلاح عند المحرم اذا لم يكن حاملا له]

(مسألة 278): لا بأس بوجود السلاح عند المحرم اذا لم يكن حاملا له و مع ذلك فالترك أحوط.

[مسألة 279: تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختيار و لا بأس به عند الاضطرار]

(مسألة 279): تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختيار و لا بأس به عند الاضطرار.

[مسألة 280: كفارة حمل السلاح شاة على الأحوط]

(مسألة 280): كفارة حمل السلاح شاة على الأحوط (1).

إلى هنا انتهت الامور التي تحرم على المحرم.

____________

و هذه الروايات جميعا تنص بمنطوقها على أنه يجوز للمحرم أن يلبس السلاح اذا خاف عدوا أو سرقا، و بمفهومها تدل على عدم جوازه اذا لم يخف، كما اذا لبس لإظهار التشخص، أو بدافع آخر، فانه غير جائز للمحرم.

ثم إن من غير المحتمل عرفا أن تكون للبس خصوصية، بل المراد منه مطلق أخذ السلاح من أجل دفع العدو عن نفسه أو عرضه أو ماله، سواء أ كان بنحو اللبس أم كان بنحو الحمل بأخذه بيده، أو وضعه في جيبه أو نحو ذلك، و بذلك يظهر حال المسألتين الآتيتين.

(1) هذا اذا كان لبسه عامدا و ملتفتا و بدون ضرورة، و أما اذا كان لضرورة كالخوف من العدو، فلا كفارة، لنص قوله (عليه السّلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة: «اذا خاف العدو يلبس السلاح فلا كفارة عليه» (1).

و دعوى: أنه يدل بمقتضى مفهومه على ثبوت الكفارة اذا لبس السلاح بدون خوف عامدا عالما.

مدفوعة: بأن مفهومه حرمة لبس السلاح اذا لم يخف العدو، و أما اذا لبس في هذه الحالة و ارتكب محرما عالما عامدا فهل عليه كفارة أو لا؟ فهو لا يدل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 54 من ابواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

276

..........

____________

على ثبوتها بالمفهوم، فان مفهومه حرمة اللبس عند انتفاء الخوف، لا ثبوت الكفارة عند اللبس في هذه الحالة.

و دعوى: أن الصحيحة و إن لم تدل على ثبوت الكفارة بالمفهوم، الّا أنها تدل على ثبوتها بنكتة اخرى، و هي أن تفريع عدم الكفارة على اللبس في حالة الخوف من العدو، يدل على ثبوتها في حالة عدم الخوف، بملاك دفع اللغوية، و الّا لكان هذا التفريع لغوا و بلا فائدة، لفرض أنها غير ثابتة في كلتا الحالتين، بدون فرق بينهما، فاذن يكون تفريع عدم ثبوتها على احداهما بلا مبرر، فمن أجل ذلك يشكّل هذا التفريع دلالة التزامية لها على ثبوتها في حالة عدم الخوف و الاضطرار اذا لبس متعمدا أو ملتفتا، غير بعيدة عرفا، و من هنا لو لم يكن ثبوت الكفارة في هذه الحالة أقوى، فلا أقل أنه احوط.

277

[الصيد في الحرم و قلع شجره و نبته]

الصيد في الحرم و قلع شجره و نبته و هناك ما تعم حرمته المحرم و المحل و هو امران:

أحدهما: الصيد في الحرم فانه يحرم على المحل و المحرم كما تقدم.

ثانيهما: قلع كل شي‌ء نبت في الحرم أو قطعه (1) من شجر و غيره و لا بأس بما يقطع عند المشي على النحو المتعارف (2)

____________

(1) تدل عليه عدة من الروايات:

منها: صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: كل شي‌ء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس اجمعين» (1) فانها تدل على الحرمة في الجملة، باعتبار أنها ليست في مقام البيان من جهة ان الحرام عليه كل فعل تعلق به حتى لمسه و مسحه و شمه، أو أن الحرام قلعه أو قطعه، فاذن يكون القدر المتيقن الثاني.

و منها: صحيحة زرارة، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: «حرم اللّه حرمه بريدا في بريد أن يختلا خلاه أو يعضد شجره الّا الإذخر، أو يصاد طيره، و حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة ما بين لابتيها صيدها و حرم ما حولها بريدا في بريد أن يختلى خلاها و يعضد شجرها الّا عودي الناضح» (2).

(2) لانصراف الروايات عن ذلك، فان الظاهر منها ما اذا كان قطع اشجار الحرم و حشيشه عن قصد و اختيار، و أما اذا كان اتفاقيا عند المشي بنحو المعتاد فهو غير مشمول لها، هذا اضافة إلى أن ذلك لو كان حراما لشاع و اشتهر بين الأصحاب، لكثرة الابتلاء به في الأزمنة السابقة في الطرقات و الممشاة في‌

____________

(1) الوسائل: الباب 86 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 87 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

278

كما لا بأس بأن تترك الدواب في الحرم لتأكل من حشيشه (1) و يستثنى من حرمة القلع أو القطع موارد:

1- الإذخر و هو نبت معروف (2).

2- النخل و شجر الفاكهة (3).

3- الاعشاب التي تجعل علوفة للإبل (4).

____________

اطراف مكة المكرمة و المدينة المنورة.

(1) لأن ذلك غير مشمول للروايات الدالة على حرمة القطع أو النزع، حيث انه لا يصدق على تعليف الحيوان.

(2) لجملة من الروايات:

منها: صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الّا الإذخر» (1).

و منها: صحيحة زرارة المتقدمة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: حرم اللّه حرمه بريدا في بريد أن يختلا خلاه أو يعضد شجره الّا الإذخر- الحديث» (2).

(3) لصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال: لا ينزع من شجر مكة شي‌ء الا النخل و شجر الفاكهة» (3).

(4) تنص عليه صحيحة محمد بن حمران، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام):

عن النبت الذي في أرض الحرم، أ ينزع؟ فقال: أما شي‌ء تأكله الابل فليس به بأس أن تنزعه» (4).

قد يقال- كما قيل-: بانها معارضة برواية عبد اللّه بن سنان، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): المحرم ينحر بعيره، أو يذبح شاته، قال: نعم، قلت له: أن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 88 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 87 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 87 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(4) الوسائل: الباب 89 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

279

4- الاشجار أو الاعشاب التي تنمو في دار نفس الشخص أو في ملكه أو يكون الشخص هو الذي غرس ذلك الشجر أو زرع العشب (1).

و أما الشجرة التي كانت موجودة في الدار قبل تمكلها فحكمها حكم سائر الاشجار.

____________

يحتش لدابته و بعيره، قال: نعم، و يقطع ما شاء من الشجر حتى يدخل الحرم، فاذا دخل الحرم فلا» (1) لأنها تدل على المنع من ذلك اذا دخل الحرم.

و الجواب- أولا: ان رواية عبد اللّه بن سنان ضعيفة سندا.

و ثانيا: انها لا تصلح أن تعارض صحيحة حمران، باعتبار أنها ناصة في الجواز، و هي ظاهرة في الحرمة، فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الحرمة، و حملها على الكراهة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص.

(1) تدل على ذلك مجموعة من النصوص:

منها: صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: كل شي‌ء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين الّا ما انبتّه انت و غرسته» (2) فانها تنص على جواز قطع ما غرسه من الاشجار و ما زرعه، و أما الشجرة التي في دار الانسان، فان كانت موجودة قبل تملكه الدار، فلا يجوز له قطعها أو قلعها، و إن كانت نبتت في داره و هي له جاز له قلعها، و تدل عليه صحيحة حماد بن عثمان قال:

«سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يقلع الشجرة من مضربه أو داره في الحرم، فقال: إن كانت الشجرة لم تزل قبل أن يبني الدار، أو يتخذ المضرب، فليس له أن يقلعها و إن كانت طريّة عليه فله قلعها» (3).

و تؤيد ذلك روايته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في الشجرة يقلعها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 85 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 86 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 87 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 2.

280

[مسألة 281: الشجرة التي يكون أصلها في الحرم و فرعها في خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة التي يكون جميعها في الحرم]

(مسألة 281): الشجرة التي يكون أصلها في الحرم و فرعها في خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة التي يكون جميعها في الحرم (1).

[مسألة 282: كفارة قلع الشجرة قيمة تلك الشجرة، و في القطع منها قيمة المقطوع]

(مسألة 282): كفارة قلع الشجرة قيمة تلك الشجرة، و في القطع منها قيمة المقطوع (2)، و لا كفارة في قلع الاعشاب و قطعها.

____________

الرجل من منزله في الحرم، فقال: إن بنى المنزل و الشجرة فيه، فليس له أن يقلعها، و إن كانت نبتت في منزله و هو له فليقلعها» (1).

(1) تنص عليه صحيحة معاوية بن عمار، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن شجرة أصلها في الحرم و فرعها في الحلّ، فقال حرم فرعها لمكان أصلها، قال:

قلت: فان اصلها في الحل و فرعها في الحرم، فقال: حرم أصلها لمكان فرعها» (2).

(2) لصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن الرجل يقطع من الأراك الذي بمكة، قال: عليه ثمنه يتصدق به، و لا ينزع من شجر مكة شيئا إلّا النخل و شجر الفواكه» (3) و مورد السؤال فيها و إن كان الأراك، الّا أنه يظهر من قوله (عليه السّلام): «و لا ينزع من شجر مكة شيئا» عدم اختصاص الحكم به، حيث انه ناص بعموم الحكم لكل اشجار مكة إلّا ما استثنى، و لا خصوصية للأراك، فاذن تدل الصحيحة على ان كفارته ثمنه.

و قد تسأل عن أن الصحيحة هل تشمل قطع أغصان الشجر؟

و الجواب: ان شمولها لذلك لا يخلو عن اشكال، باعتبار أن الأراك اسم جنس و هو لا ينطبق الا على افراده الحقيقية في الخارج دون اغصانه و اجزائه، فمن أجل ذلك لا يبعد حسب الصناعة عدم وجوب الكفارة على قطع اغصان الشجر، و إن كان الأحوط و الأجدر به وجوبا أن يتصدق بثمنه.

____________

(1) الوسائل: الباب 87 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 90 من أبواب تروك الاحرام، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 18 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 2.

281

[اين تذبح الكفارة؟ و ما مصرفها]

اين تذبح الكفارة؟ و ما مصرفها

[مسألة 283: إذا وجبت على المحرم كفارة لأجل الصيد في العمرة فمحل ذبحها مكة المكرمة]

(مسألة 283): إذا وجبت على المحرم كفارة لأجل الصيد في العمرة فمحل ذبحها مكة المكرمة، و إذا كان الصيد في احرام الحج فمحل ذبح الكفارة منى (1).

____________

(1) تدل عليه جملة من الروايات:

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من وجب عليه فداء صيد أصابه و هو محرم، فان كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى، و إن كان معتمرا نحره بمكة قبال الكعبة» (1).

و منها: صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السّلام): «قال: في المحرم اذا أصاب صيدا فوجب عليه الفداء، فعليه أن ينحره إن كان في الحج بمنى حيث ينحر الناس، فان كان في عمرة نحره بمكة- الحديث» (2) و منها غيرهما، هذا اضافة الى الآية الشريفة، و هي قوله تعالى: لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ، وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ (3).

و في مقابلها روايات عمدتها صحيحة ابي عبيدة عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام):

«قال: اذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد، قوم جزاؤه من النعم دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما، ثم جعل لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما-

____________

(1) الوسائل: الباب 49 من ابواب كفارات الصيد، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 51 من أبواب كفارات الصيد، الحديث: 2.

(3) سورة المائدة، الآية: 95.

282

[مسألة 284: إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب غير الصيد]

(مسألة 284): إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب غير الصيد فالأظهر جواز تأخيرها إلى عودته من الحج (1)

____________

الحديث» (1) بتقريب أنها تدل على أن موضع الذبح و مكانه موضع الاصباة، هذا و لكن الظاهر أنها لا تدل على أن موضع الإصابة هو مكان الذبح، بل تدل على أن وظيفته اذا لم يجد البدنة في موضع الاصابة قوّمها، ثم صرف القيمة في الطعام، و أما اذا كان واجدا للبدنة فلا تدل على أن مكان ذبحها موضع الاصابة، أو فقل ان الرواية انما هي في مقام بيان وظيفة العاجز عن الفداء و هو البدنة، و ليست في مقام بيان مكان الذبح، و لا أقل من الاجمال.

(1) تدل عليه موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له:

الرجل يخرج من حجته شيئا يلزمه منه دم، يجزيه ان يذبحه اذا رجع الى أهله، فقال: نعم، و قال- فيما اعلم- يتصدق به» (2) فان مقتضى اطلاقها و إن كان جواز تأخير الذبح الى أن يرجع الى بلدته حتى اذا كان كفارة الصيد، و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بغير كفارة الصيد بالنصوص المتقدمة.

نعم، في خصوص كفارة التظليل ورد الأمر بالذبح بمنى في روايتين.

الأولى: صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السّلام)، قال: «سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس، و أنا اسمع، فأمره ان يفدي شاة، و يذبحها بمنى» (3).

الثانية: صحيحته الأخرى، قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس، فقال: أرى أن يفديه بشاة، و يذبحها بمنى» (4)، فانهما ظاهرتان في وجوب الذبح بمنى، فاذن يقع التعارض بين اطلاقهما و اطلاق الموثقة المتقدمة بالعموم من وجه، فانهما أعم من ناحية كون الفداء في احرام‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب كفارات الصيد، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 5 من أبواب الذبح، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 6.

(4) الوسائل: الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث: 3.

283

..........

____________

العمرة المفردة أو الحج، و الموثقة أعم من ناحية كون الفداء للتظليل أو غيره، فيكون مورد الالتقاء بينهما عندئذ ما اذا كان الفداء للتظليل في احرام الحج، فان مقتضى اطلاق الموثقة أنه يجزي أن يذبحه في بلده اذا رجع، و مقتضى اطلاقهما وجوب ذبحه في منى، و بما أنه لا ترجيح في البين، فيسقطان معا في مورد الالتقاء، و يرجع فيه الى أصالة البراءة عن وجوب الذبح في منى، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان صحيحة منصور بن حازم، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن كفارة العمرة المفردة أين تكون؟ فقال: بمكة، الّا أن يشاء صاحبها أن يؤخرها الى منى، و يجعلها بمكة أحب إليّ و أفضل» (1) تدل على أنه مخير في كفارة العمرة المفردة بين أن يجعلها بمكة و أن يجعلها في منى، و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بغير كفارة الصيد بمقتضى الروايات المتقدمة.

و من ناحية ثالثة إن صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام):

من ساق هديا في عمرة فلينحره قبل أن يحلق، و من ساق هديا و هو معتمر نحر هديه في المنحر و هو بين الصفا و المروة، و هي بالحزورة، قال: و سألته عن كفارة المعتمر أين تكون؟ قال: بمكة الّا أن يؤخرها الى الحج فتكون بمنى، و تعجيلها افضل و أحب إليّ» (2) تدل بمقتضى صدرها على حكم من ساق الهدي في العمرة المفردة، و هو خارج عن محل الكلام، و بمقتضى ذيلها على حكم الكفارة في عمرة التمتع، و هو التخيير بين مكة و منى، و لكنها معارضة بموثقة اسحاق بن عمار المتقدمة، فان المراد من الحج في موردها أعم من العمرة، على أنه لا يحتمل عرفا جواز تأخير كفارة احرام الحج الى ان يرجع إلى بلده، دون عمرته، فاذن لا بد من تقديم الموثقة عليها باعتبار أن الصحيحة تدل على جواز‌

____________

(1) الوسائل: الباب 49 من ابواب كفارات الصيد، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 4 من ابواب الذبح،، الحديث: 4.

284

فيذبحها أين شاء، و الافضل انجاز ذلك في حجه، و مصرفها الفقراء (1)،

____________

التأخير الى الحج، و أما دلالتها على عدم جواز تأخيرها الى أن يرجع الى أهله فانما هي بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، و هي لا تصلح أن تعارض دلالة الموثقة على جواز التأخير الى أن يرجع الى أهله، فانها دلالة مستندة الى اللفظ، و هي أقوى منها، و تتقدم عليها تطبيقا لحمل الظاهر على الأظهر.

فالنتيجة: ان الأظهر جواز تأخير الكفارة الى أن يرجع الحاج الى بلدته، بدون فرق بين كفارة احرام الحج، او عمرة التمتع، أو المفردة غير كفارة الصيد.

(1) تدل على ذلك مجموعة كبيرة من الروايات:

منها: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام)، قال: «سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: عليه بدنة، فان لم يجد فليتصدق على ستين مسكينا، فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما، قال: و سألته عن محرم أصاب بقرة، ما عليه؟ قال: عليه بقرة، فان لم يجد فليتصدق على ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة أيام، قال: «و سألته عن محرم أصاب ظبيا، ما عليه؟ قال: عليه شاة، فان لم يجد فليتصدق على عشرة مساكين، فان لم يجد فليصم ثلاثة أيام» (1).

و منها: صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «في محرم قتل نعامة، قال: عليه بدنة، فان لم يجد فاطعام ستين مسكينا، فان كانت قيمة البدنة اكثر من اطعام ستين مسكينا لم يزد على اطعام ستين مسكينا، و إن كانت أقل من اطعام ستين مسكينا لم يكن عليه الا قيمة البدنة» (2) فانها تدل على أن مصرف البدنة الفقراء، و لذلك لا يجب عليه في صورة عدم وجدانها اطعام اكثر من قيمتها.

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب كفارات الصيد، الحديث: 6 و 7 و 8.

(2) الوسائل: الباب 2 من أبواب كفارات الصيد، الحديث: 9.

285

و لا بأس بالأكل منها قليلا (1)

____________

و منها: صحيحة أبي عبيدة عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما، ثم جعل لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما» (1)، و منها غير ذلك.

ثم إن المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية عدم خصوصية لموردها، و أن هذا الحكم حكم طبيعي الكفارة. و مثل هذه الروايات، الروايات الواردة في كفارة غير الصيد، حيث قد ورد في لسان جملة منها الأمر بالتصدق بالكفارة، و في بعضها التصريح بالتصدق بها على المساكين، و من الواضح أن الأمر بالتصدق ظاهر عرفا في أنه للفقراء.

(1) و تدل عليه جملة من الروايات:

منها: موثقة اسحاق بن عمار، قال: «قلت لأبي ابراهيم (عليه السّلام): الرجل يخرج من حجته ما يجب عليه الدم و لا يهريقه حتى يرجع الى أهله، قال: يهريقه في أهله و يأكل منه الشي‌ء» (2).

و منها: معتبرة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: يؤكل من الهدي كله مضمونا كان أو غير مضمون» (3).

و منها: صحيحة جعفر بن بشير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن البدن التي تكون جزاء الايمان و النساء و لغيره يؤكل منها، قال: نعم يؤكل من كل البدن» (4).

و في مقابلها روايات تدل على عدم جواز الأكل:

منها: صحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن فداء الصيد يأكل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب كفارات الصيد، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 5 من أبواب الذبح، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 40 من أبواب الذبح، الحديث: 6.

(4) الوسائل: الباب 40 من أبواب الذبح، الحديث: 7.

286

..........

____________

من لحمه، فقال: يأكل من اضحيته و يتصدق بالفداء» (1).

و منها: صحيحة ابي بصير، قال: «سألته عن رجل اهدى هديا فانكسر، فقال: إن كان مضمونا- و المضمون ما كان في يمين يعني نذرا أو جزاء- فعليه فداؤه، قلت: أ يأكل منه؟ فقال: لا، انما هو للمساكين، فان لم يكن مضمونا فليس عليه شي‌ء، قلت: أ يأكل منه؟ قال: يأكل منه» (2).

و حيث إن الطائفة الأولى ناصة في جواز الأكل، و الطائفة الثانية ظاهرة في عدم الجواز، فلا بد من رفع اليد عن ظهورها في الحرمة، و حملها على الكراهة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص.

و دعوى: أن تعليل النهي عن الأكل في صحيحة ابي بصير بأنه للمساكين، ناص في عدم جواز الأكل منه، و حينئذ فتصلح أن تعارض الطائفة الأولى، و بما أنه لا ترجيح في البين و حينئذ فيرجع الى صحيحة الحلبي الظاهرة في عدم جواز الأكل.

و بكلمة: أن هاهنا ثلاث طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى: ناصة في جواز الأكل.

الطائفة الثانية: ناصة في عدم جوازه.

و الطائفة الثالثة: ظاهرة في عدم الجواز، فالأوليان تسقطان من جهة المعارضة، فيصل الدور الى الثالثة ...

مدفوعة: فان قوله (عليه السّلام): «إنما هو للمساكين» بيان لعلة النهي، و هي ان مصرفه الفقراء دون غيرهم، و هذا لا ينافي جواز أكل صاحب الفداء منه اذا قام دليل عليه، و المفروض أن الطائفة الأولى ناصة في جواز الأكل.

____________

(1) الوسائل: الباب 40 من أبواب الذبح، الحديث: 15.

(2) الوسائل: الباب 40 من أبواب الذبح، الحديث: 16.

287

مع الضمان (1) و دفع قيمته.

____________

فالنتيجة: ان الأظهر جواز أكل صاحب الفداء منه و إن كان الأولى و الأجدر به تركه.

(1) في الضمان اشكال بل منع، و ذلك لعدم الدليل عليه غير رواية السكوني عن جعفر عن أبيه، «قال: اذا أكل الرجل من الهدي تطوعا فلا شي‌ء عليه، و إن كان واجبا فعليه قيمة ما أكل» (1) و هي ضعيفة سندا لأن في سندها بنان ابن محمد، و هو لم يثبت توثيقه غير وروده في اسناد كامل الزيارات، و قد ذكرنا غير مرة ان مجرد وروده في اسناده لا يكفي في توثيقه.

____________

(1) الوسائل: الباب 40 من ابواب الذبح، الحديث: 5.

288

[الثاني من واجبات عمرة التمتع الطواف]

[شرائط الطواف]

شرائط الطواف الطواف هو الواجب الثاني في عمرة التمتع و يفسد الحج بتركه عمدا سواء أ كان عالما بالحكم أم كان جاهلا به أو بالموضوع (1) و يتحقق الترك بالتأخير الى زمان لا يمكنه ادراك الركن من الوقوف بعرفات (2) ثم انه إذا بطلت العمرة بطل احرامه أيضا على الأظهر (3)،

____________

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لأن الطواف من أهم واجبات الحج و العمرة، فاذا تركه في العمرة فمقتضى القاعدة بطلانها و إن كان عن جهل، باعتبار أن العمرة المأمور بها لا تنطبق على الفرد الفاقد له، و كذلك الحال اذا تركه في الحج.

و أما الحكم بالصحة في باب الصلاة اذا كان المصلي تاركا للجزء او الشرط غير الركني عن جهل، فهو انما يكون من جهة الدليل الخاص، و هو حديث لا تعاد، و لا دليل في المقام، و تؤكّد ذلك صحيحة علي بن يقطين، قال:

«سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة، قال: إن كان على وجه الجهالة أعاد الحج، و عليه بدنة» (1) فانها واضحة الدلالة على بطلان الحج بترك الطواف جهلا، و وجوب الكفارة، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين طواف الحج و طواف العمرة.

(2) تقدم الكلام فيه موسعا في المسألة (3) من (فصل: صورة حج التمتع و شرائطه) في الجزء التاسع من كتابنا تعاليق مبسوطة.

(3) بل لا شبهة في بطلانه على أساس ان الاحرام جزء من الحج أو العمرة، فاذا بطل الحج أو العمرة لم يعقل بقاء الاحرام صحيحا، و الّا لزم كونه واجبا مستقلا، و هذا خلف.

____________

(1) الوسائل: الباب 56 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

289

و الأحوط الأولى حينئذ العدول إلى حج الافراد و على التقديرين تجب اعادة الحج في العام القابل و يعتبر في الطواف أمور:

[الأول: النية]

الأول: النية (1)، فيبطل الطواف إذا لم يقترن بقصد القربة (2).

[الثاني: الطهارة من الحدثين الاكبر و الاصغر]

الثاني: الطهارة من الحدثين الاكبر و الاصغر (3) فلو طاف المحدث عمدا أو جهلا أو نسيانا لم يصح طوافه.

____________

(1) قد اشرنا في ضمن البحوث السالفة أن النية شرط لكل عبادة، و حيث إن الطواف عبادة فالنية شرط فيه، و نقصد بها ان تتوفر فيها العناصر التالية:

الأول: قصد القربة، لأنه عبادة، و كل عبادة لا تصح بدون قصد القربة.

الثاني: قصد الاخلاص، يعني الاخلاص في النية بمعنى عدم الرياء، لأن الرياء في العبادة محرم و مبطل لها.

الثالث: قصد اسمه الخاص المميز له شرعا، بأن يأتي به باسم طواف عمرة التمتع من حجة الإسلام، و اذا كان حجا مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام، و اذا كانت العمرة مفردة اسقط كلمة عمرة التمتع، و اذا كان الحج حج قران أو افراد أسقط كلمة حجة التمتع، و اذا كان نائبا ذكر اسم المنوب عنه، و أما اذا طاف حول البيت بدون أن ينوي كونه لعمرة أو حجة، فلا يقع لشي‌ء منها، و يكون لاغيا.

(2) نقصد بالاقتران أن لا تتأخر النية عن أول جزء من أجزاء الطواف، لا أن لا تتقدم عليه.

(3) تنص عليه مجموعة كثيرة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لا بأس أن يقضي المناسك كلها على غير وضوء الّا الطواف بالبيت، و الوضوء أفضل» (1).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أحدهما (عليهما السّلام) عن رجل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

290

..........

____________

طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور، قال: يتوضأ و يعيد طوافه، و إن كان تطوعا توضأ و صلى ركعتين» (1).

و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه ابي الحسن (عليه السّلام)، قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب، فذكر و هو في الطواف، قال: يقطع الطواف و لا يعتد بشي‌ء مما طاف، و سألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء، قال:

يقطع طوافه و لا يعتد به» (2) و منها غيرها، و مقتضى هذه الروايات أن الطهارة من الحدث شرط في صحة الطواف مطلقا حتى اذا كان الطائف جاهلا أو ناسيا، أما الأول فلإطلاق جملة منها، و أما الثاني فمضافا الى الاطلاق فقد نص بذلك في بعض تلك الروايات، هذا كله في الطواف الواجب.

و أما الطواف المندوب فلا تكون الطهارة شرطا في صحته، لعدة من الروايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (3).

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل طاف تطوعا و صلى ركعتين و هو على غير وضوء، فقال: يعيد الركعتين، و لا يعيد الطواف» (4).

و منها: صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «قلت له: رجل طاف على غير وضوء، فقال: إن كان تطوعا فليتوضأ و ليصل» (5).

و منها: صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: اني اطوف طواف النافلة و أنا على غير وضوء، قال: توضأ و صلّ و إن كنت متعمدا» (6).

و نذكر فيما يلى مسألتين:

____________

(1) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 4.

(3) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 7.

(5) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 8.

(6) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 9.

291

..........

____________

الأولى: قد تسأل أن هذه الروايات التي تنص على عدم اشتراط صحة الطواف المندوب بالطهارة من الحدث، هل تختص بالطواف المستقل، أو تعم ما اذا كان جزء الحج المندوب، أو العمرة المندوبة؟

و الجواب: انها تعم ما اذا كان جزء الحج او العمرة أيضا، اذ مضافا الى أن ذلك مقتضى اطلاق تلك الروايات، أن ذلك هو مورد الصحيحة الثانية لعبيد بن زرارة المتقدمة.

الثانية: قد تسأل أن الطواف المندوب اذا صار واجبا بالعرض كالنذر أو العهد أو اليمين أو الاجارة أو غير ذلك، فهل يخرج عن موضوع هذه الروايات و يدخل في موضوع الروايات التي تنص على أن الطواف الواجب مشروط بالطهارة؟

و الجواب: انه لا يبعد أن يقال بعدم خروجه عن موضوع تلك الروايات، اذ مضافا الى امكان دعوى ان المتبادر من الطواف المتطوع هو المتطوع في اصل الشرع، فان النذر أو غيره لا يوجب خروجه عن التطوع فيه و جعله فريضة، و من هنا إذا نذر صلاة الليل، فانه لا يوجب خروجها عن النافلة الى الفريضة، لأن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بقرينة جعلها التطوع في مقابل الفريضة تشهد على ان المراد من الطواف الواجب هو الطواف المفروض، في أصل الشرع، و لا يعم ما اذا كان مفروضا بالعرض كالنذر أو نحوه و كان في الأصل نافلة، هذا اضافة الى أن صحيحة عبيد المتقدمة التي تدل على أن طواف النافلة غير مشروط بالطهارة تشمل ما اذا كان منذورا أيضا، لأن النذر لا يوجب خروج المنذور عن عنوان النافلة.

فالنتيجة: ان الطواف إن كان فريضة في أصل الشرع كانت صحته‌

292

[مسألة 285: إذا أحدث المحرم اثناء طوافه فللمسألة صور]

(مسألة 285): إذا أحدث المحرم اثناء طوافه فللمسألة صور.

الاولى: أن يكون ذلك قبل بلوغه النصف، ففي هذه الصورة يبطل طوافه و تلزمه اعادته بعد الطهارة (1).

الثانية: أن يكون الحدث بعد اتمامه الشوط الرابع و من دون اختياره، ففي هذه الصورة يقطع طوافه، و يتطهر، و يتمه من حيث قطعه.

____________

مشروطة بالطهارة، و إن كان نافلة لم تكن مشروطة بها و إن كان مفروضا بالعرض، و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر أن يأتي به مع الطهارة من الحدثين الأكبر و الأصغر.

(1) في لزوم الاعادة اشكال بل منع، لعدم الدليل غير مرسلة جميل عن بعض اصحابنا عن أحدهما (عليه السّلام): «في الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه، قال: يخرج و يتوضأ، فان كان جاز النصف بنى على طوافه، و إن كان أقل من النصف أعاد الطواف» (1) و لكنها لا تصلح أن تكون دليلا، فاذن ليس في المسألة إلا الشهرة و دعوى عدم الخلاف، و من الواضح انه لا أثر لها. نعم قد يستدل على البطلان و وجوب الاعادة بأمرين:

أحدهما: ان مقتضى اعتبار الطهارة في الطواف بطلانه بصدور الحدث اثناءه، كما هو الحال في الصلاة.

و الجواب: أولا: ان ذلك لو تم لكان مقتضاه بطلان الطواف به، و إن كان صادرا في الشوط الأخير، مع أن بناء المشهور على الصحة و عدم البطلان اذا كان صدوره بعد تجاوز النصف.

و ثانيا: ان مقتضى ادلة اعتبار الطهارة فيه أنها معتبرة في اجزائه و واجباته الخاصة، و هي سبعة اشواط، دون الأكوان المتخللة بينها، على أساس أن حقيقة الطواف عبارة عن تلك الأشواط السبعة فحسب، و أما الأكوان المتخللة فهي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 40 من ابواب الطواف،، الحديث: 1.

293

الثالثة: أن يكون الحدث بعد النصف و قبل تمام الشوط الرابع، أو يكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختيار. و الأحوط في هذين الفرضين أن يتم طوافه بعد الطهارة من حيث قطع ثم يعيده، و يجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الاعم من التمام و الاتمام. و معنى ذلك: أن يقصد الاتيان بما تعلق بذمته، سواء أ كان هو مجموع الطواف، أم هو الجزء المتمم للطواف الاول، و يكون الزائد لغوا.

____________

خارجة عنها، و على هذا فما دل من الدليل على اعتبار الطهارة فيه لا يشمل تلك الأكوان.

فالنتيجة: ان الاتيان بالأشواط السبعة لا بد أن يكون مع الطهارة سواء أ كان بوضوء واحد، أم كان باكثر منه، و أما اعتبار الطهارة في الأكوان المتخللة بين اجزاء الصلاة و واجباتها فانما هو بدليل خاص، و الّا فمقتضى القاعدة عدم اعتبارها فيها أيضا، على أساس أنها خارجة عن حقيقة الصلاة، و لو لا دليل خاص في المسألة لكان مقتضى أدلة شرطية الطهارة للصلاة أنها شرط لها بما لها من اجزائها و واجباتها فحسب.

و الآخر: صحيحة حمران بن أعين عن ابي جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده، فطاف منه خمسة اشواط، ثم غمزه بطنه فخاف أن يبدره، فخرج الى منزله فنقض، ثم غشي جاريته، قال: يغتسل ثم يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان قد بقي عليه من طوافه، و يستغفر اللّه و لا يعود، و ان كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة اشواط، ثم خرج فغشي فقد أفسد حجه، و عليه بدنة و يغتسل ثم يعود فيطوف اسبوعا» (1) فانها تنص على بطلان الطواف لصدور الحدث اثناءه اذا كان قبل تجاوز النصف، و موردها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث: 1.

294

..........

____________

و إن كان طواف النساء، إلا أنه لا خصوصية له، لأن المتفاهم العرفي من الصحيحة أن ثبوت هذا الحكم انما هو باعتبار أنه محرم، بدون خصوصية أن ما صدر منه من الاستمتاع الجنسي بالمرأة جماعا، كان في طواف النساء، أم في طواف الحج.

و الجواب: ان مورد الصحيحة بما أنه الجماع مع المرأة اثناء الطواف، فالتعدي عنه الى مطلق الحدث بحاجة الى دليل، باعتبار أن للجماع في باب الحج أحكاما خاصة، و لا تترتب تلك الأحكام على مطلق الحدث.

فالنتيجة: أنه لا دليل على المشهور، بل صحيحة محمد بن مسلم، قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن امرأة طافت ثلاثة اشواط أو أقلّ من ذلك، ثم رأت دما، قال: تحفظ مكانها فاذا طهرت طافت و اعتدت بما مضى» (1) تدل على خلاف ما هو المشهور بين الأصحاب، بتقريب أن مفادها أمران:

أحدهما: عدم بطلان الطواف بحدوث الحيض اثناءه و إن كان قبل تجاوز النصف.

و الآخر: أن الفصل الزمني الطويل بين مبدأ الحيض و منتهاه لا يضر بصحته.

فالنتيجة: ان الأظهر عدم بطلان الطواف بصدور الحدث أثناءه و إن كان قبل تجاوز النصف، فاذا صدر فعليه أن يتوضأ و يكمل ما بقي من طوافه و إن كان الاستئناف من جديد أحوط و أجدر، بل الأحوط و الأولى أن يقصد به الأعم من التكميل و الاستئناف حسب ما هو المطلوب واقعا. هذا اذا لم تفت الموالاة، و الّا وجب الاستئناف على القاعدة بدون فرق بين أن يكون الحدث قبل الشوط الرابع أو بعده، حتى اذا كان صدور الحدث منه عامدا و اختيارا، لعدم الدليل على‌

____________

(1) الوسائل: الباب 85 من ابواب الطواف،، الحديث: 3.

295

[مسألة 286: إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف أو في اثنائه]

(مسألة 286): إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف أو في اثنائه، فان علم ان الحالة السابقة كانت هي الطهارة، و كان الشك في صدور الحدث بعدها لم يعتن بالشك (1) و إلا وجبت عليه الطهارة و الطواف أو استينافه بعدها.

____________

أن صدوره كذلك اثناء الطواف قاطع له، لما مر من أن ظاهر الأدلة شرطية الطهارة للطواف بما له من الأجزاء دون الأكوان المتخللة بينها، و أما خروجه من المطاف من أجل الوضوء أو الغسل، فلا يضر ما دام لم تطل مدة الخروج الى المقدار الذي تختل به الموالاة، لعدم الدليل على أنه مانع عن صحته.

(1) لاستصحاب بقاء الطهارة، و حينئذ فان كان الشك في بقاء الطهارة بعد الفراغ من الطواف و قبل صلاته لم يجر استصحاب بقائها بالنسبة الى الطواف، لأن المرجع فيه قاعدة الفراغ شريطة احتمال الالتفات حين العمل، دون الاستصحاب.

و أما بالنسبة الى صلاته فالمرجع هو الاستصحاب، و إن كان الشك في بقائها قبل الطواف أو اثنائه جرى استصحاب بقائها، و يترتب عليه جواز الاتيان به أو اتمامه بدون حاجة الى الوضوء أو الغسل من جديد. و إن كانت الحالة السابقة الحدث، و حينئذ فان كان الشك في بقائه بعد الفراغ من الطواف و قبل صلاته لم يجر استصحاب بقائه بالنسبة الى الطواف، لنفس ما تقدم من الملاك.

و أما بالنسبة الى صلاته، فلا مانع منه، و إن كان الشك فيه قبل الطواف أو اثنائه وجب عليه الوضوء أو الغسل، و استيناف الطواف في الفرض الثاني من جديد، و الغاء ما أتى به من الأشواط.

و أما إذا كانت الحالة السابقة متبادلة، بأن تكون في زمن الطهارة، و في زمن آخر الحدث، و يشك في المتقدم و المتأخر منهما، ففي هذه الصورة لا مانع من جريان استصحاب بقاء كل منهما في نفسه للشك فيه، و لكن يسقط من جهة‌

296

[مسألة 287: إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف لم يعتن بالشك]

(مسألة 287): إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف لم يعتن بالشك (1)، و إن كانت الاعادة أحوط و لكن تجب الطهارة لصلاة الطواف (2).

____________

المعارضة بدون فرق في ذلك بين أن يكون تاريخ كليهما مجهولا، أو تاريخ أحدهما مجهولا و الآخر معلوما، غاية الأمر ان المستصحب على الأول كلي في كليهما معا، و على الثاني كلي في المجهول و شخصي في المعلوم، و على كلا التقديرين فالاستصحابان متعارضان، فيسقطان معا، و حينئذ فان كان الشك قبل الشروع في الطواف وجب عليه الوضوء أو الغسل على أساس قاعدة الاشتغال، و إن كان الشك في الاثناء وجب عليه الوضوء أيضا و استيناف الطواف من جديد.

و دعوى: أنه لا مانع من الرجوع الى قاعدة الفراغ بالنسبة الى الأشواط السابقة، و أما بالنسبة الى الأشواط اللاحقة فالمرجع فيها قاعدة الاشتغال بعد سقوط الاستصحابين بالتعارض، فالنتيجة أنه يتوضأ و يتم الطواف، و لا حاجة الى استينافه من جديد.

مدفوعة: بأنه لا مجال للقاعدة في المقام، لأن المكلف فيه يعلم بأنه كان غافلا حين الاتيان بالأشواط المذكورة، ثم تذكر قبل اكمالها و علم بأنه كان متطهرا في زمان و محدثا في آخر، و لا يدري المتقدم و المتأخر منهما، و قد ذكرنا غير مرة أن المعتبر في جريانها احتمال الالتفات حين العمل، و الّا فلا موضوع لها.

(1) لقاعدة الفراغ شريطة احتمال أنه كان ملتفتا حين العمل الى ما يعتبر فيه من الشروط.

(2) لاستصحاب بقاء الحدث، لأن مقتضى قاعدة الفراغ التي هي قاعدة عقلائية، و تكون حجيتها على أساس نكتة أماريتها نوعا، و إن كان صحة‌

297

[مسألة 288: اذا لم يتمكن المكلف من الوضوء يتيمم و يأتي بالطواف]

(مسألة 288): اذا لم يتمكن المكلف من الوضوء يتيمم و يأتي بالطواف، و إذا لم يتمكن من التيمم أيضا جرى عليه حكم من لم يتمكن من أصل الطواف، فاذا حصل له اليأس من التمكن لزمته الاستنابة للطواف (1) و الأحوط الأولى أن يأتي هو أيضا بالطواف من غير طهارة.

____________

الطواف، الّا أنها لا تثبت لازمها و هو الغسل، لأنها و إن كانت قاعدة عقلائية و تكون حجيتها على أساس نكتة أماريتها نوعا، و لكن بما أن لسانها ليس لسان الحكاية عن الواقع بما هو، بل لسان البناء العملي على صحة ما أتى به في ظرف الشك و التحير، فمن أجل ذلك لا تكون مثبتاتها حجة.

و بكلمة: ان نكتة جعل هذه القاعدة و البناء العملي عليها هي أمارية حال المكلف في ظرف الامتثال و الاطاعة، و لكن حيث أن هذه الأمارية أمارية حالية فلا تكشف اكثر من مدلولها المطابقي، و لا فرق في ذلك بين أن تكون الحالة السابقة الطهارة أو الحدث.

فالنتيجة: ان الطواف محكوم بالصحة بقاعدة الفراغ، و لكن عليه أن يغتسل لصلاته بمقتضى استصحاب بقاء الحدث. نعم اذا أحدث بالأصغر بعد الطواف و قبل صلاته فقد علم اجمالا إما ببطلان الطواف، أو وجوب الوضوء لصلاته، اذ لا يمكن الرجوع الى قاعدة الفراغ بالنسبة الى الطواف و استصحاب بقاء الجنابة بالنسبة الى صلاته، لاستلزام ذلك المخالفة القطعية العملية، للقطع حينئذ إما ببطلان طوافه إذا كان في الواقع جنبا، او بطلان صلاته اذا لم يكن في الواقع جنبا، حيث انه صلى بدون وضوء، و عليه فتسقط قاعدة الفراغ من جهة معارضتها مع الاستصحاب، فالمرجع هو قاعدة الاشتغال بالنسبة الى الطواف، و الوضوء بالنسبة إلى صلاته، و هذا يعني أن وظيفته في هذه الحالة الجمع بين اعادة الطواف مع الغسل، و الوضوء بعد ذلك لصلاته.

(1) لأن المكلف اذا لم يتمكن من الطهارة المائية فوظيفته الطهارة‌

298

[مسألة 289: يجب على الحائض و النفساء بعد انقضاء أيامهما و على المجنب الاغتسال للطواف]

(مسألة 289): يجب على الحائض و النفساء بعد انقضاء أيامهما و على المجنب الاغتسال للطواف، و مع تعذر الاغتسال و اليأس من التمكن منه يجب الطواف مع التيمم، و الأحوط الأولى حينئذ الاستنابة أيضا، و مع تعذر التيمم تتعين الاستنابة.

[مسألة 290: إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع حال الاحرام أو بعده]

(مسألة 290): إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع (1) حال الاحرام أو بعده و قد وسع الوقت لأداء أعمالها صبرت الى أن تطهر فتغتسل و تأتي بأعمالها، و إن لم يسع الوقت فللمسألة صورتان:

الأولى: أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم، ففي هذه الصورة ينقلب حجها إلى الافراد و بعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة إذا تمكنت منها.

الثانية: ان يكون حيضها بعد الاحرام، ففي هذه الصورة تتخير بين الاتيان بحج الافراد كما في الصورة الأولى و بين أن تأتي بأعمال عمرة التمتع من دون طواف، فتسعى و تقصر ثم تحرم للحج و بعد ما ترجع إلى مكة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج،

____________

الترابية، و اذا لم يتمكن منها أيضا فهو عاجز عن الطواف، و وظيفة العاجز الاستنابة فيه، أما أنه عاجز عنه فلإطلاق دليل شرطية الطهارة، فان مقتضاه أنها شرط له مطلقا حتى في حال العجز، فاذا عجز سقط الأمر عنه، و يصل الدور الى الاستنابة فيه دون الإطافة به، لأنها وظيفة العاجز عن الطواف، و المفروض أنه غير عاجز عنه، و انما هو عاجز عن تحصيل شرطه، و بذلك يظهر حكم المسألة الآتية.

(1) تقدم حكمها بتمام صورها موسعا في المسألة (4) من (فصل صورة حج التمتع على الاجمال).

299

و فيما إذا تيقنت ببقاء حيضها و عدم تمكنها من الطواف حتى بعد رجوعها من منى استنابت لطوافها، ثم أتت بالسعي بنفسها. ثم ان اليوم الذي يجب عليها الاستظهار فيه بحكم أيام الحيض فيجري عليه حكمها.

[مسألة 291: إذا حاضت المحرمة اثناء طوافها]

(مسألة 291): إذا حاضت المحرمة اثناء طوافها (1) فالمشهور على أن طروء الحيض إذا كان قبل تمام اربعة اشواط بطل طوافها، و إذا كان بعده صح ما أتت به و وجب عليها اتمامه بعد الطهر و الاغتسال، و الأحوط في كلتا الصورتين أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام و الاتمام. هذا فيما إذا وسع الوقت، و إلا سعت و قصرت و احرمت للحج و لزمها الاتيان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى و قبل طواف الحج على النحو الذي ذكرناه.

[مسألة 292: إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف و قبل الاتيان بصلاة الطواف صح طوافها]

(مسألة 292): إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف و قبل الاتيان بصلاة الطواف صح طوافها (2) و أتت بالصلاة بعد طهرها و اغتسالها،

____________

(1) تقدم حكمها موسعا في المسألة (5) من الفصل المذكور فلا نعيد.

(2) هذا من جهة الروايات الخاصة و الا فمقتضى القاعدة البطلان اذ لا يجوز الفصل بين الطواف و صلاته بفترة طويلة عرفا و الروايات كما يلي:

منها: صحيحة زرارة، قال: «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل أن تصلي الركعتين، فقال: ليس عليها اذا طهرت الا الركعتين، و قد قضت الطواف» (1).

و منها: صحيحة ابي الصباح الكناني، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثم حاضت قبل أن تصلي الركعتين، قال: اذا طهرت فلتصل ركعتين عند مقام ابراهيم و قد قضت طوافها» (2)، فانهما باطلاقهما تشملان طواف عمرة التمتع أيضا.

____________

(1) الوسائل: الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

300

و إن ضاق الوقت سعت و قصرت و قضت الصلاة قبل طواف الحج (1).

[مسألة 293: إذا طافت المرأة وصلت ثم شعرت بالحيض و لم تدر انه كان قبل الطواف أو قبل الصلاة]

(مسألة 293): إذا طافت المرأة وصلت ثم شعرت بالحيض و لم تدر انه كان قبل الطواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أنه حدث بعد الصلاة بنت على صحة الطواف و الصلاة (2) و إذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة و ضاق الوقت سعت و قصرت و أخرت الصلاة إلى أن تطهر و قد تمت عمرتها.

____________

(1) على الأحوط، اذ لا دليل على وجوب الاتيان بالصلاة قبل طواف الحج، فان مورد الروايات انما هو تقديم طواف العمرة على طواف الحج، و لا يعم تقديم صلاة طواف العمرة على طواف الحج، و من تلك الروايات صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المرأة المتمتعة اذا قدمت مكة، ثم حاضت، تقيم ما بينها و بين التروية، فان طهرت طافت بالبيت، وسعت بين الصفا و المروة، و إن لم تطهر الى يوم التروية اغتسلت و احتشت، ثم سعت بين الصفا و المروة، ثم خرجت الى منى، فاذا قضت المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج، ثم خرجت فسعت، فاذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شي‌ء يحل منه المحرم الّا فراش زوجها، فاذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها» (1)، و منها غيرها (2).

و على هذا فاذا فرض أن المرأة حاضت بعد طواف العمرة و قبل صلاته و ضاق الوقت و احرمت للحج و أخرت الصلاة الى ما بعد أعمال منى، فان هذه الروايات لا تدل على تقديمها على طواف الحج، لأن هذه الصورة خارجة عن موردها، و لا يوجد دليل آخر غيرها، و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر به وجوبا التقديم.

(2) هذا لا من جهة قاعدة الفراغ، لما ذكرناه من أن جريانها مرتبط بما اذا‌

____________

(1) الوسائل: الباب 84 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) راجع الوسائل الباب 84 من أبواب الطواف.

301

..........

____________

احتمل المكلف أنه حين العمل كان ملتفتا الى ما يعتبر فيه دون مثل المقام، فإنها كانت غافلة عن حيضها حال العمل، و بعده شعرت به، و شكت في أنه حدث قبل العمل أو بعده أو اثناءه، و في هذه الحالة لا تجرى القاعدة، بل من جهة استصحاب عدم حدوثه حال العمل.

قد يقال- كما قيل- إن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم الطواف في واقع زمان يكون ذلك زمان عدم الحيض، و يترتب عليه نفي الحكم بنفي أحد جزئي الموضوع المركب.

و قد أجاب عن ذلك السيد الاستاذ (قدّس سرّه) بوجهين:

أحدهما: انه لا يثبت وقوعه في زمان الحيض الّا بنحو مثبت، و بدونه لا اثر له.

و الآخر: أن الموضوع بما أنه مركب من جزءين، أحدهما وجود الطواف، و الآخر عدم الحدث كالحيض مثلا، و حينئذ فان كان المستصحب عدم وجود الطواف في نفسه بمفاد كان التامة فلا شك فيه حتى يستصحب عدمه، و إن كان المستصحب عدم وجوده المقيد بزمان الحادث الآخر و هو عدم الحيض في المقام، فيرده:

أولا: انه لا حالة سابقة للمقيد لكي يستصحب.

و ثانيا: ان وجوده المقيد بما هو مقيد ليس موضوعا للحكم حتى ينتفي بنفيه، فان الموضوع مركب لا مقيد.

و لكن كلا الوجهين غير تام، اما الوجه الأول؛ فلأن الغرض من هذا الاستصحاب ليس اثبات وقوع الطواف في زمان الحيض، لكي يقال إنه مثبت، بل الغرض منه نفي الموضوع المركب بنفي أحد جزأيه، و المفروض انه ينفى ذلك.

302

..........

____________

و أما الثاني: فلأن ما هو معلوم وجدانا صرف وجود الطواف، و أما وجود الحصة منه في واقع زمان لا طريق لنا الى الاشارة اليه الّا بعنوان زمان عدم الحيض بدون أن يكون ذلك العنوان مأخوذا في مصب التعبد الاستصحابي، فهو مشكوك فيه، فلا مانع من استصحاب عدم وجودها فيه، و حينئذ يكون المنفي نفس جزء الموضوع المركب، فينتفي الحكم بانتفائه، و على ضوء هذه النكتة يجري استصحاب بقاء أحد جزأيه الى واقع زمان الجزء الآخر، كاستصحاب بقاء الجزء الأول المقيد بكونه في زمان الجزء الآخر، لأن استصحاب بقاء الجزء الأول المقيد بكونه في زمان الجزء الآخر، لأن الاستصحاب فيه مضافا الى انه لا يجري في نفسه لعدم حالة سابقة له، أن الموضوع للحكم مركب لا مقيد، بل المقصود اثبات الجزء الأول في واقع زمان يكون ذلك زمان الجزء الآخر، فالنتيجة أن ما ذكره (قدّس سرّه) من الحل لا يتم.

و الصحيح في حل هذا الاشكال أن يقال: إن موضوع الحكم صرف وجود المركب من ذاتي الجزءين في الخارج بدون أخذ أي عنوان زائد فيه، و على هذا الأساس يكون الموضوع في المقام صرف وجود الطواف و صرف عدم الحيض خارجا بدون تقييد أحدهما بالآخر، فاذا تحقق ذلك الموضوع في أي زمن من الأزمنة ترتب عليه حكمه، و حينئذ فلا يمكن نفي الحكم عن هذا الموضوع الّا بنفيه، و من الواضح أنه لا يمكن نفيه بنفي فرده بالاستصحاب الّا بنحو مثبت، فان المستصحب في المقام هو عدم وجود حصة من الطواف و هي الحصة في واقع زمان يكون ذلك زمان الحادث الآخر، و هو عدم الحيض من جهة الشك في وجودها فيه، و هي بما أنها فرد من طبيعي جزء الموضوع، فلا يمكن نفي الطبيعي بنفي فرده، فانه مثبت، فمن أجل ذلك لا يصلح أن يعارض‌

303

[مسألة 294: إذا دخلت المرأة مكة و كانت متمكنة من اعمال العمرة و لكنها أخرتها الى أن حاضت حتى ضاق الوقت مع العلم و العمد]

(مسألة 294): إذا دخلت المرأة مكة و كانت متمكنة من اعمال العمرة و لكنها أخرتها الى أن حاضت حتى ضاق الوقت مع العلم و العمد فالظاهر فساد عمرتها و الأحوط أن تعدل الى حج الافراد (1) و لا بد لها من اعادة الحج في السنة القادمة.

[مسألة 295: الطواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة]

(مسألة 295): الطواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة (2) فيصح بغير طهارة و لكن صلاته لا تصح الا عن طهارة.

____________

استصحاب بقاء الجزء الأول و هو عدم الحيض في المقام الى واقع زمان يكون ذلك زمان الجزء الآخر و هو الطواف.

فالنتيجة: انه لا يترتب على استصحاب نفي الفرد نفي الطبيعي، بدون فرق في ذلك بين الأفراد الطولية و الأفراد العرضية، كما في القسم الثالث من اقسام استصحاب الكلي، فان الأثر الشرعي اذا كان مترتبا على الطبيعي الجامع فلا يمكن نفيه بضم استصحاب عدم تحقق الفرد الطويل الى عدم بقاء الفرد القصير وجدانا في الزمن الثاني الّا بنحو مثبت، هذا اضافة الى أن استصحاب عدم الطواف في واقع زمان يكون ذلك الزمان زمان الحيض من الاستصحاب في الفرد المردد و هو باطل لان واقع ذلك الزمان مردد بين زمان نعلم بعدم الطواف فيه و زمان نعلم بثبوته فيه على تفصيل ذكرناه في محله.

(1) تقدم الكلام فيها موسعا في المسألة (4) من (فصل صورة حج التمتع) فلا نعيد.

(2) و تنص عليه جملة من الروايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم: سألت أحدهما (عليهما السّلام): «عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور؟ قال: يتوضأ و يعيد طوافه، و إن كان تطوعا توضأ و صلى ركعتين» (1).

____________

(1) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

304

[مسألة 296: المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور و المسلوس]

(مسألة 296): المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور (1) و المسلوس (2) اما المبطون فالأحوط ان يجمع مع التمكن بين الطواف بنفسه و الاستنابة (3)

____________

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل طاف تطوعا و صلّى ركعتين و هو على غير وضوء، فقال: يعيد الركعتين، و لا يعيد الطواف» (1).

و منها: موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «قلت له: رجل طاف على غير وضوء، فقال: إن كان تطوعا فليتوضأ و ليصل» (2).

و منها: موثقته الأخرى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: اني اطوف طواف النافلة و أنا على غير وضوء، قال: توضأ و صل و إن كنت متعمدا» (3).

و هذه الروايات واضحة الدلالة على أن صحة الطواف المندوب غير مشروطة بالطهارة، فلو جاز دخول الجنب أو الحائض في المسجد لجاز أن يطوف تطوعا.

(1) فيه ما تقدم منا في المسألة (30) في الجزء الأول من تعاليق مبسوطة في (فصل أحكام الجبائر) من أن الوضوء الجبيري رافع للحدث كالوضوء التام، فاذا أتى به المكلف جاز له الاتيان بكل ما هو مشروط بالطهارة، كالصلاة و نحوها على تفصيل هناك.

(2) تقدم في (فصل: في حكم دائم الحدث) أن وضوء المسلوس و المبطون رافع للحدث، و لا ينتقض بما يخرج منهما قهرا ما لم يحدثا بحدث آخر من نوم أو نحوه على تفصيل هناك.

(3) لا بأس بتركه و إن كان أولى و أجدر، لأن الروايات التي تنص على أن المبطون يطاف عنه و يرمى عنه، فلا بد من حملها على العاجز عنهما، اذ لا يحتمل أن يكون مجرد البطن موجبا لذلك، و من هذه الروايات صحيحة معاوية‌

____________

(1) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 7.

(2) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 8.

(3) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 9.