تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
355

..........

____________

الأول، و لا يوجد دليل على أن قضاء الطواف المنسي بحاجة الى احرام جديد، و إن كان رجوعه بعد شهر ذي الحجة وجب عليه الاحرام، لا من أجل الطواف، بل من أجل أنه لا يجوز له الدخول في مكة في شهر آخر بدون إحرام.

و دعوى: أنه محرم، و لم يخرج بعد عن الإحرام، فلا معنى لإحرامه ثانيا، لأنه تحصيل للحاصل.

مدفوعة: بأنه خرج عن الاحرام بالانتهاء من النسك و الفراغ منها، و انما بقي عليه بعض أحكامه، كحرمة الطيب و النساء أو فقل انه بقى على احرامه نسبيا لا مطلقا، و عليه فلا مانع من احرامه ثانيا لعمرة مفردة، غاية الأمر أنه لا تترتب عليه حرمة الطيب و النساء فحسب، و أما سائر المحرمات فهي مترتبة عليه بل تترتب عليه حرمتهما أيضا نسبيا.

الخامس: انه اذا دخل في مكة في آخر يوم ذي الحجة، و لكنه لا يتمكن من الاتيان بالطواف الّا في أول شهر محرم، فهل يجب عليه أن يحرم حين دخوله في مكة؟

و الجواب: انه لا يجب، لأنه دخل في نفس الشهر الذي احرم فيه لا في شهر آخر، و المعيار في وجوب الإحرام و عدم وجوبه انما هو بزمان الدخول في مكة، لا بزمان العمل.

السادس: انه ليس لقضاء الطواف المنسي وقت محدد، لعدم الدليل على ذلك، كما أنه لا دليل على أنه لا بد من الاتيان به في السنة القادمة في أيام الحج، بل له الاتيان به في أي وقت أراد و شاء في طول السنة.

السابع: ان المنسي اذا كان بعض الطواف دون الكل، وجب تدارك ذلك البعض، سواء أ كان بالأصالة أو بالاستنابة، و سواء أ كان تذكره في مكة أم في بلده،

356

[مسألة 323: إذا نسي الطواف حتى رجع إلى بلده و واقع أهله لزمه بعث هدي إلى منى]

(مسألة 323): إذا نسي الطواف حتى رجع إلى بلده و واقع أهله لزمه بعث هدي إلى منى إن كان المنسي طواف الحج و إلى مكة ان كان المنسي طواف العمرة و يكفي في الهدي أن يكون شاة (1).

[مسألة 324: إذا نسي الطواف و تذكره في زمان يمكنه القضاء قضاه باحرامه الاول]

(مسألة 324): إذا نسي الطواف و تذكره في زمان يمكنه القضاء قضاه باحرامه الاول من دون حاجة الى تجديد الاحرام.

نعم، إذا كان قد خرج من مكة و مضى عليه شهر أو أكثر لزمه الاحرام لدخول مكة كما مرّ (2).

[مسألة 325: لا يحل لناسي الطواف ما كان حله متوقفا عليه حتى يقضيه بنفسه أو بنائبه]

(مسألة 325): لا يحل لناسي الطواف ما كان حله متوقفا عليه حتى يقضيه بنفسه أو بنائبه (3).

____________

و يدل عليه قوله (عليه السّلام) في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة: «و وكل من يطوف عنه ما تركه من طوافه» (1).

(1) هذا باعتبار أن الوارد في لسان الروايات المعتبرة الهدي، و هو يعم الشاة، و محل ذبحها منى إن كان المنسي طواف الحج، و مكة إن كان طواف العمرة، كما مر في المسألة المتقدمة.

(2) مر تفصيل ذلك في المسألة (322).

(3) هذا لإطلاق ما دل على حرمة الطيب على المحرم قبل أن يطوف حول البيت، و هذا لا ينافي وجوب الإحرام عليه من جديد اذا رجع الى مكة من أجل قضاء الطواف بعد شهر، باعتبار أنه صار محلا بعد الذبح و الحلق او التقصير في منى، و انما يبقى عليه حرمة الطيب فقط، لأن حليته مرتبطة بالطواف، و على هذا فاذا نسي طواف الحج و رجع الى بلده، ثم تذكر فحينئذ إن جاء الى مكة من أجل قضاء الطواف، فان كان بعد شهر وجب عليه الإحرام‌

____________

(1) الوسائل: الباب 58 من ابواب الطواف، الحديث: 1.

357

[مسألة 326: إذا لم يتمكن من الطواف بنفسه لمرض أو كسر و أشباه ذلك لزمته الاستعانة بالغير في طوافه]

(مسألة 326): إذا لم يتمكن من الطواف بنفسه لمرض أو كسر و أشباه ذلك لزمته الاستعانة بالغير في طوافه و لو بأن يطوف راكبا على متن رجل آخر، و إذا لم يتمكن من ذلك أيضا وجبت عليه الاستنابة فيطاف عنه (1)

____________

لدخول مكة كما تقدم، و إن كان في شهر ذي الحجة لم يجب عليه الإحرام كما مر، و كذلك الحال في طواف النساء إذا نسى.

(1) تدل على هذا الترتيب عدة روايات:

منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المريض المغلوب و المغمى عليه يرمى عنه و يطاف به» (1)، فان هذا التفصيل يدل على الفرق بين الرمي و الطواف، باعتبار أن المريض اذا لم يقدر على الرمي رمي عنه، و أما بالنسبة الى الطواف إذا لم يقدر عليه بخطواته المختاره فيطاف به راكبا أو محمولا على متن انسان، و اذا لم يقدر على ذلك أيضا فعليه الاستنابة.

و منها: صحيحة صفوان بن يحيى، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الرجل المريض يقدم مكة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت، و لا بين الصفا و المروة، قال:

يطاف به محمولا يخط الارض برجليه حتى تمس الأرض قدميه في الطواف، ثم يوقف به في اصل الصفا و المروة اذا كان معتلا» (2).

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن الرجل يطاف به و يرمى عنه، قال: فقال: نعم، اذا كان لا يستطيع» (3).

و منها: موثقة اسحاق بن عمار، قال: سألت ابا الحسن موسى (عليه السّلام): «عن المريض يطاف عنه بالكعبة، قال: لا، و لكن يطاف به» (4)، و مثلها موثقته الأخرى (5).

____________

(1) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 7.

(5) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 5.

358

..........

____________

و منها: صحيحة الربيع بن خيثم قال: «شهدت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) و هو يطاف به حول الكعبة في محمل و هو شديد المرض، فكان كلّما بلغ الركن اليماني امرهم فوضعوه بالأرض، فاخرج يده من كوّة المحمل حتى يجرها على الأرض، ثم يقول: ارفعوني، فلما فعل ذلك مرارا في كل شوط، قلت له: جعلت فداك يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ان هذا يشق عليك، فقال: اني سمعت اللّه عز و جل يقول: ليشهدوا منافع لهم، فقلت: منافع الدنيا أو منافع الآخرة، فقال: الكل» (1) و هذه الروايات تدل على أنه ما دام يمكن ان يطاف بالمريض فلا يصل الدور الى أن يطاف عنه، فاذن لا يصل الدور الى الاستنابة الّا اذا تعذرت المرتبة الثانية أيضا.

فالنتيجة: ان المستفاد من الروايات أن الواجب على الطائف أولا الطواف حول البيت بخطواته المختارة مباشرة، و إن لم يتمكن من ذلك فبالاستعانة بالغير و لو محمولا، و إن لم يتمكن من ذلك أيضا فبالاستنابة.

و اما صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: الصبيان يطاف بهم و يرمى عنهم، قال: و قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا كانت المرأة مريضة لا تعقل يطاف بها أو يطاف عنها» (2) فلا تدل على التخيير، لأنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، بل هي في مقام بيان أن وظيفتها في هذه الحالة إما الاستعانة بالغير في طوافها، او الاستنابة فيه، أما أنها التخيير أو تقديم الأولى على الثانية فليست ناظرة الى ذلك.

و مع الاغماض عن ذلك، و تسليم أنها ظاهرة في التخيير بينهما، و لكن لا بد من رفع اليد عن ظهورها فيه بالروايات المتقدمة، و لا سيما موثقتي اسحاق‌

____________

(1) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 8.

(2) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 9.

359

و كذلك الحال بالنسبة إلى صلاة الطواف فيأتي المكلف بها مع التمكن و يستنيب لها مع عدمه (1)، و قد تقدم حكم الحائض و النفساء في شرائط الطواف.

____________

ابن عمار المتقدمتين، فانهما ناصتان على عدم كفاية الاستنابة مع التمكن من الطواف بالاستعانة بالغير.

و اما الروايات التي تدل على جواز الاستنابة مطلقا، كصحيحة حريز بن عبد اللّه عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المريض المغلوب و المغمى عليه يرمى عنه، و يطاف به» (1) و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه قال: «المبطون و الكسير يطاف عنهما و يرمى عنهما» (2) و غيرهما، فلا بد من تقييد اطلاقها بالروايات المتقدمة، و حملها على المريض الذي لا يمكن أن يطاف به.

(1) هذا باعتبار أن الصلاة ليست كالطواف، فان المكلف اذا لم يقدر على الطواف مباشرة فوظيفته أن يطوف محمولا على متن انسان، و اذا لم يقدر على ذلك أيضا فوظيفته الاستنابة، و اما الصلاة فان تمكن منها مباشرة فهو، و الّا فعليه الاستنابة، و لا يتصور فيها مرتبة اخرى قبل مرتبة الاستنابة.

____________

(1) الوسائل: الباب 47 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 49 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

360

[الثالث من واجبات عمرة التمتع صلاة الطواف]

صلاة الطواف و هي الواجب الثالث من واجبات عمرة التمتع و هي ركعتان يؤتى بهما عقيب الطواف (1) و صورتها كصلاة الفجر و لكنه مخير في قراءتها بين الجهر و الاخفات، و يجب الاتيان بها قريبا من مقام إبراهيم (ع) و الأحوط بل الأظهر لزوم الاتيان بها خلف المقام، فان لم يتمكن فيصلي في أي مكان من المسجد مراعيا الأقرب فالأقرب إلى المقام على الأحوط هذا في طواف الفريضة، أما في الطواف المستحب فيجوز الاتيان بصلاته في أي موضع من المسجد اختيارا.

____________

(1) يقع الكلام هنا في أمور:

الأول: في أصل وجوب صلاة الطواف شرعا.

الثاني: في وجوب الاتيان بها بعد الطواف.

الثالث: في وجوب الاتيان بها خلف المقام.

الرابع: في تعيين وظيفة من لم يتمكن من الاتيان بها خلف المقام.

اما الأمر الأول: و هو وجوب صلاة الطواف، فلا اشكال فيه، و تدل عليه الروايات المتعددة بمختلف الألسنة، و هي لا يبعد أن تبلغ من الكثرة حد التواتر اجمالا، فمن أجل ذلك لا شبهة في أصل وجوبها، و لا كلام فيه، كما أن مقتضى تلك الروايات هو أن المكلف مخير في القراءة فيها بين الجهر و الاخفات، اذ تعيين كل منهما بحاجة الى قرينة، و لا قرينة فيها على تعيين أحدهما.

و أما الأمر الثاني: فتنص عليه الروايات الكثيرة:

منها: الروايات البيانية.

361

..........

____________

و منها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس، قال: وجبت عليه تلك الساعة الركعتان، فليصلهما قبل المغرب» (1).

و منها: معتبرة رفاعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يطوف الطواف الواجب بعد العصر، أ يصلى الركعتين حين يفرغ من طوافه؟ فقال: نعم، أما بلغك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يا بني عبد المطلب، لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر، فتمنعوهم من الطواف» (2).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم، فصلّ ركعتين- إلى أن قال-: و هاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصليهما في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس و عند غروبها، و لا تؤخّرها ساعة تطوف و تفرغ فصلهما» (3).

و منها: صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن ركعتي طواف الفريضة، قال: لا تؤخرها ساعة اذا طفت فصل» (4) و منها غيرها.

و أما الأمر الثالث: فتنص عليه عدة روايات:

منها: صحيحة ابراهيم بن ابي محمود، قال: «قلت للرضا (عليه السّلام): أصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، حيث هو الساعة، أو حيث كان على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: حيث هو الساعة» (5).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم (عليه السّلام) فصل ركعتين، و اجعله إماما، و اقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد- قل هو اللّه أحد- و في الثانية- قل يا أيها الكافرون- ثم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 5.

(5) الوسائل: الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

362

..........

____________

تشهد، و احمد اللّه واثن عليه، و صل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و اسأله أن يتقبل منك- الحديث» (1).

و منها: صحيحة ابي بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، و قد قال اللّه تعالى: (وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى) حتى ارتحل، قال: إن كان ارتحل فإني لا أشق عليه، و لا آمره أن يرجع، و لكن يصلي حيث يذكر» (2) بتقريب أنها ظاهرة في أن وظيفة المكلف هي الصلاة خلف المقام، و لكنه اذا نسيها حتى ارتحل من مكة يصلي حيث ذكر.

و منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل نسي الركعتين خلف مقام ابراهيم (عليه السّلام) فلم يذكر حتى ارتحل من مكة، قال: فليصلهما حيث ذكر، و إن ذكرهما و هو في البلد فلا يبرح حتى يقضيهما» (3)، بتقريب أنها تدل على أن الوظيفة هي الصلاة خلف المقام اذا نسي و ارتحل من مكة، فحينئذ يصلي متى تذكر.

و هنا روايات أخرى تدل على وجوب الصلاة عند المقام أو فيه:

منها: صحيحة عبيد بن زرارة عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل طاف طواف الفريضة، و لم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة، ثم طاف طواف النساء، فلم يصل الركعتين حتى ذكر بالأبطح، يصلي أربع ركعات؟ قال: يرجع فيصلي عند المقام أربعا» (4).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «سئل عن رجل طاف طواف الفريضة، و لم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة، ثم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 10.

(3) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 18.

(4) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 7.

363

..........

____________

طاف طواف النساء، و لم يصل لذلك الطواف حتى ذكر و هو بالأبطح، قال: يرجع الى المقام فيصلى ركعتين» (1).

و منها: صحيحة ابي الصباح الكناني، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل نسي أن يصلي الركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السّلام) في طواف الحج و العمرة، فقال:

إن كان في البلد صلّى ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السّلام)، فإن اللّه عز و جل يقول:

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى و إن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع» (2).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «اذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم فصل ركعتين- الحديث» (3) و منها غيرها.

و غير خفي أن الصحاح الأولى من الروايات الأخيرة الآمرة بالصلاة عند المقام، فلا اطلاق لها من هذه الناحية، لأنها في مقام بيان حكم موضوع آخر و هو الناسي للصلاة، لا في مقام بيان موضعها، و على تقدير تسليم أنها مطلقة فلا بد من رفع اليد عن اطلاقها بالروايات المتقدمة الدالة على ايقاعها خلف المقام. و من هنا يظهر حال الصحيحة الأخيرة منها، فإنها و إن كانت مطلقة من هذه الناحية، الا أنه لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بتلك الروايات.

و أما الأمر الرابع: و هو ما اذا لم يتمكن من الصلاة خلف المقام، فالأظهر ان وظيفته الاتيان بها في أي موضع من مواضع المسجد شاء، و إن كان الأحوط و الأجدر به مراعاة الأقرب الى المقام فالأقرب، فههنا أمران:

الأول: عدم سقوط صلاة الطواف بسقوط شرطها و هو خلف المقام.

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 16.

(3) الوسائل: الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

364

..........

____________

الثاني: جواز الاتيان بها في هذه الحالة في أي موضع من مواضع المسجد شاء، و لا يلزم أن يكون في طرف يمين المقام أو يساره.

أما الأمر الأول: فالروايات الواردة في نسيان صلاته الى أن ارتحل من مكة، ثم تذكر، الآمرة بالاتيان بها حيث ما يذكر، ناصة في عدم سقوطها بسقوط شرطها، بل يظهر منها أن عدم سقوطها بعدم التمكن من الاتيان بها خلف المقام أمر مفروغ عنه.

فالنتيجة: ان الروايات الدالة على أن من ترك صلاة الطواف نسيانا أو جهلا، فان تمكن بعد التذكر أو العلم من الرجوع الى المسجد و الصلاة خلف المقام وجب ذلك، و اذا تعذر العود أو فيه مشقة صلاها في مكانه.

و تؤكد ذلك صحيحة الحسين بن عثمان، قال: «رأيت ابا الحسن موسى (عليه السّلام) يصلي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريبا من ظلال المسجد» (1) فان مقتضاها عدم اعتبار وقوع الصلاة خلف المقام، و بما أنها في مقام الحكاية عن فعل الإمام (عليه السّلام) فلا اطلاق لها لكي تصلح أن تعارض الروايات المتقدمة الظاهرة في شرطية وقوعها خلف المقام، هذا اضافة الى أنها لو سقطت عن العاجز عن ايقاعها خلف المقام لشاع ذلك بين الأصحاب و اشتهر، مع أنه لا قائل به من المسلمين عامة.

و أما الأمر الثاني: فلأن الشرط انما هو ايقاعها خلف المقام، و اذا لم يتمكن منه فلا دليل على وجوب ايقاعها في يمينه أو يساره مع مراعاة الأقرب فالأقرب، و لو شك فيه فالمرجع اصالة البراءة، و حينئذ فيجوز له أن يصليها في أي موضع من مواضع المسجد شاء، و مع هذا فالأولى و الأجدر به مراعاة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 75 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

365

[مسألة 327: من ترك صلاة الطواف عالما عامدا بطل حجه]

(مسألة 327): من ترك صلاة الطواف عالما عامدا بطل حجه لاستلزامه فساد السعي المترتب عليها (1).

____________

الأقرب فالأقرب الى المقام، هذا كله في طواف الفريضة، و أما الطواف المندوب فيجوز ايقاع صلاته في أي نقطة من المسجد شاء، و تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «كان أبي يقول: من طاف بهذا البيت اسبوعا، و صلّى ركعتين في أي جوانب المسجد شاء، كتب اللّه له ستة آلاف حسنة- الحديث» (1).

و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام)، قال:

«سألته عن الرجل يطوف بعد الفجر، فيصلي الركعتين خارجا من المسجد، قال:

يصلي بمكة لا يخرج منها، الّا أن ينسى فيصلي اذا رجع في المسجد- اي ساعة أحب- ركعتي ذلك الطواف» (2) و لكن لا بد من تقييد اطلاقهما بالطواف المندوب بسبب الروايات التي تنص على اشتراط صلاة الطواف الفريضة بايقاعها خلف المقام.

(1) بل فساد الطواف أيضا، و تقريب ذلك: ان الروايات البيانية الواردة في بيان واجبات العمرة و الحج تنص على أن صلاة الطواف واجبة، سواء أ كانت من واجبات نفس العمرة و الحج أم كانت من واجبات اجزائهما، كالطواف، و على كلا التقديرين فبطلان الطواف بتركها عالما عامدا يكون على القاعدة، على أساس أن صحة الطواف مشروطة بوجود الصلاة بعدها بملاك ارتباطية اجزاء الحج و العمرة.

و بكلمة: ان صلاة الطواف ليست بواجبة مستقلة اثناء العمرة و الحج، بل هي جزء منهما، إما بالمباشرة أو الواسطة، و حيث ان اجزاء الواجب الواحد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 73 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 73 من أبواب الطواف، الحديث: 4.

366

[مسألة 328: تجب المبادرة الى الصلاة بعد الطواف]

(مسألة 328): تجب المبادرة الى الصلاة بعد الطواف بمعنى أن لا يفصل بين الطواف و الصلاة عرفا (1).

____________

ارتباطية، فبطبيعة الحال صحة كل جزء من اجزائه مشروطة بوجود الجزء الآخر، بدون فرق فيه بين الجزء السابق و اللاحق، و هذا يعني كما أن صحة الجزء السابق مشروطة بوجود الجزء اللاحق، كذلك العكس. و من هنا يظهر أن مرد الوجوه الثلاثة التي ذكرها السيد الاستاذ (قدّس سرّه) لإثبات فساد السعي الى وجه واحد، و هو ما عرفت، و الاختلاف بينها إنما هو في التعبير لا في المضمون و المؤدى، لأن مرجع الكل الى معنى واحد.

(1) يظهر ذلك من جملة من الروايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت ابا جعفر (عليه السّلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس، قال: وجبت عليه تلك الساعة الركعتان، فليصلهما قبل المغرب» (1).

و منها: صحيحة رفاعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يطوف الطواف الواجب بعد العصر، أ يصلي الركعتين حين يفرغ من طوافه، فقال: نعم، أما بلغك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا بني عبد المطلب لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر فتمنعوهم من الطواف» (2).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم، فصل ركعتين، الى ان قال: و هاتان الركعتان هما الفريضة، ليس يكره لك أن تصليهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس و عند غروبها، و لا تؤخرها ساعة تطوف و تفرغ فصلهما» (3).

و منها: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن ركعتي طواف الفريضة، قال: لا تؤخرها ساعة اذا طفت فصل» (4)، و منها غيرها،

____________

(1) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 5.

367

[مسألة 329: إذا نسي صلاة الطواف و ذكرها بعد السعي أتى بها]

(مسألة 329): إذا نسي صلاة الطواف و ذكرها بعد السعي أتى بها (1)

____________

فان تلك الروايات ظاهرة في عدم جواز تأخير الصلاة عن الطواف عرفا، و في مقابلها صحيحة علي بن يقطين، قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن الذي يطوف بعد الغداة و بعد العصر، و هو في وقت الصلاة أ يصلي ركعات الطواف نافلة كانت أو فريضة، قال: لا» (1)، فانها تدل على جواز التأخير و عدم وجوب المبادرة الى صلاة الطواف، فاذن تصلح ان تعارض الروايات المتقدمة.

و الجواب: ان الصحيحة ناظرة الى عدم وقوع صلاة الطواف في وقت الغداة و العصر، و لا نظر لها الى جواز تأخيرها عامدا و ملتفتا و بدون أي سبب، و عليه فلا تصلح أن تعارض تلك الروايات الظاهرة في عدم جواز التأخير، هذا اضافة الى أنها محكومة بصحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس، قال:

وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب» (2)، باعتبار أنها ناصة في جواز الاتيان بها في وقت الفريضة، و لا سيّما بناء على ما قويناه، من أن وقت صلاة المغرب يدخل بغروب قرص الشمس عن الأفق كاملا، و حينئذ فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور صحيحة علي بن يقطين، و حملها على الكراهة تطبيقا لحمل الظاهر على النص، أو لا أقلّ من حمل المطلق على المقيد، حيث ان صحيحة محمد بن مسلم خاصة بطواف الفريضة، و صحيحة علي بن يقطين عامة لطواف الفريضة و النافلة.

و مع الإغماض عن ذلك و تسليم التعارض بينهما فتسقطان معا من جهة المعارضة، و يرجع حينئذ الى الروايات المطلقة، فان مقتضى اطلاقها جواز الاتيان بها في وقت الفريضة.

(1) تدل عليه جملة من الروايات:

____________

(1) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 11.

(2) الوسائل: الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

368

و لا تجب إعادة السعي بعدها و إن كانت الاعادة أحوط، و إذا ذكرها في اثنا السعي قطعه و أتى بالصلاة في المقام ثم رجع و أتم السعي حيثما قطع (1)

____________

منها: موثقة عبيد بن زرارة قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل طاف طواف الفريضة، و لم يصل الركعتين حتى ذكر و هو بالأبطح يصلي أربعا، قال:

يرجع فيصلي عند المقام أربعا» (1) و مثلها موثقته الأخرى (2).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «سئل عن رجل طاف طواف الفريضة و لم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة، ثم طاف طواف النساء، و لم يصل لذلك الطواف حتى ذكر و هو بالأبطح، قال: يرجع الى المقام فيصلي ركعتين» (3) فان هذه الروايات واضحة الدلالة على وجوب الرجوع الى المقام، و الصلاة عنده اذا تذكر في الطريق الى منى و قبل الوصول اليه، ثم ان الظاهر منها عرفا أنه لا موضوعية للأبطح فان المعيار في وجوب الرجوع الى المقام انما هو بالتذكر في مكان قريب لا تكون فيه مشقة أو حرج عادة.

(1) تنص عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «انه قال في رجل طاف طواف الفريضة، و نسي الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة ثم ذكر، قال: يعلم ذلك المكان ثم يعود فيصلي الركعتين، ثم يعود الى مكانه» (4).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: «سألته عن رجل يطوف بالبيت ثم ينسى أن يصلي الركعتين حتى يسعى بين الصفا و المروة خمسة اشواط، أو أقل من ذلك، قال: ينصرف حتى يصلي الركعتين، ثم يأتي مكانه الذي كان فيه فيتم سعيه» (5).

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 7.

(3) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 5.

(4) الوسائل: الباب 77 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(5) الوسائل: الباب 77 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

369

و إذا ذكرها بعد خروجه من مكة لزمه الرجوع و الاتيان بها في محلها (2)

____________

(2) في اطلاقه اشكال، بل منع، و الصحيح هو التفصيل بين ما اذا خرج عن مكة مسافة قليلة، و ما اذا خرج منها مسافة كثيرة، فعلى الأول انه مخير بين أن يرجع الى مكة و يصليهما خلف المقام، و بين أن يأمر غيره ليصليهما عنه، و تدل عليه صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «فيمن نسي ركعتي الطواف حتى ارتحل من مكة، قال: إن كان قد مضى قليلا فليرجع فليصلّهما، أو يأمر بعض الناس فليصلّهما عنه» (1) بتقريب أنها واضحة الدلالة على تخيير من خرج من مكة بمسافة قليلة ناسيا صلاة الطواف بين الرجوع بنفسه الى مكة و الصلاة عند المقام و بين الاستنابة، و في مقابلها روايات أخرى.

منها: صحيحة ابي الصباح الكناني، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل نسي أن يصلي ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السّلام) في طواف الحج و العمرة، فقال: إن كان بالبلد صلّى ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السّلام)، فان اللّه عز و جل يقول:

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى و إن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع» (2).

و منها: صحيحة أبي بصير، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل نسي أن يصلي ركعتى طواف الفريضة خلف المقام، و قد قال اللّه تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى حتى ارتحل، قال: إن كان ارتحل فانى لا أشق عليه، و لا آمره أن يرجع، و لكن يصلي حيث يذكر» (3).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل نسي الركعتين خلف مقام ابراهيم (عليه السّلام)، فلم يذكر حتى ارتحل من مكة قال: فليصلّهما حيث ذكر، و إن ذكرهما و هو في البلد فلا يبرح حتى يقضيهما» (4).

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 16.

(3) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 10.

(4) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 18.

370

فان لم يتمكن من الرجوع أتى بها في أي موضع ذكرها فيه (1).

نعم، إذا تمكن من الرجوع الى الحرم رجع إليه و أتى بالصلاة فيه على الأحوط الأولى و حكم التارك لصلاة الطواف جهلا حكم الناسي و لا فرق في الجاهل بين القاصر و المقصر.

____________

و لكن لا بد من تقييد اطلاق هذه الروايات بالرواية الأولى تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد.

فالنتيجة: أن من نسي صلاة الطواف و خرج عن مكة، فان كان بمسافة قليلة فعليه أن يرجع بنفسه أو يستنيب، و لا يجوز له أن يصلي في مكانه، و ان كان بمسافة كثيرة أو بعد رجوعه الى بلده يصلي حيث يذكر.

(1) مر أن الاتيان بها في موضع ذكرها لا يكون مقيدا بعدم التمكن من الرجوع، بل يجوز ذلك مع التمكن منه أيضا، اذا كان بعيدا عن مكة او كان في بلده، كما هو مقتضى الجمع بين الصحيحة الأولى و الصحاح الأخرى.

بقيت هنا مسألة: و هي ان من نسي صلاة طواف العمرة و أحرم للحج و ذهب الى عرفات، و وصل في الطريق الى منى، ثم تذكر، فهل يجب عليه الرجوع الى مكة و الصلاة خلف المقام أو الاستنابة أو لا؟ فيه وجهان: و لا يبعد الوجه الأول، و ذلك لأن صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «انه سأله عن رجل نسي أن يصلي الركعتين ركعتي الفريضة عند مقام ابراهيم حتى أتى منى، قال: يصليهما بمنى» (1) تدل على أن وظيفته الاتيان بهما في منى و عدم الرجوع الى مكة، و صحيحة أحمد بن عمر الحلال قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن رجل نسي ان يصلي ركعتي طواف الفريضة، فلم يذكر حتى أتى منى، قال:

يرجع الى مقام ابراهيم فيصليهما» (2)، تدل على أن وظيفته الرجوع و الصلاة خلف المقام، فاذن يقع التعارض بينهما، و بما أنه لا ترجيح في البين لإحداهما‌

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 8.

(2) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 12.

371

..........

____________

على الأخرى، فتسقطان معا من جهة المعارضة، و يرجع حينئذ الى اطلاق صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة الدالة على أن من نسي صلاة الطواف و خرج من مكة بمسافة قليلة فعليه أن يرجع إما بنفسه أو بنائبه، و حيث ان المسافة بين مكة و منى مسافة قليلة عرفا، فاذا خرج من مكة و وصل الى منى صدق عرفا أنه خرج منها بمسافة قليلة، و عليه حينئذ أن يرجع بنفسه، أو يستنيب.

و دعوى: أن صحيحة أحمد بن عمر قد قيد اطلاقها بما اذا لم يكن في الرجوع مشقة و عسر بقرينة قوله (عليه السّلام) في صحيحة أبي بصير المتقدمة «فاني لا أشق عليه و لا آمره أن يرجع» (1) فانه يدل على عدم وجوب الرجوع اذا كان فيه مشقة و عسر، و حينئذ فتنقلب النسبة بين صحيحة أحمد و صحيحة عمر بن يزيد من التباين الى عموم مطلق.

مدفوعة: بأن المراد من المشقة في قوله (عليه السّلام): «لا اشق عليه» هو المشقة النوعية، حيث إن في التكليف بالرجوع الى مكة ثانيا للصلاة خلف المقام مشقة نوعية، و هي التي تدعو المولى الى عدم الأمر به مطلقا، فان المتفاهم العرفي منه ذلك، دون المشقة الشخصية التي لا تتحمل عادة، اذ أن ذلك لا ينسجم مع اطلاق قوله (عليه السّلام): «و لا آمره أن يرجع ...» لوضوح أنه ليس في الرجوع دائما مشقة، فاذن عدم الأمر به مطلقا قرينة على أن المراد من المشقة المشقة النوعية، باعتبار أن في التكليف بالرجوع الى المقام و الصلاة خلفه مشقة نوعا، و حيث لا تكون في الرجوع إلى المقام من المسافة القليلة كمنى مشقة عادة و نوعا، فلا يكون لصحيحة أحمد اطلاق من هذه الناحية حتى تقيد اطلاقها بصحيحة ابي بصير.

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 10.

372

..........

____________

و ثانيا: قد مر أن اطلاق صحيحة أبي بصير قد قيد بصحيحة عمر بن يزيد المتقدمة الدالة على أنه اذا تذكر بعد الخروج من مكة بمسافة قليلة فعليه أن يرجع، أو يأمر من يصلي عنه، و لا يجوز له أن يصلي في مكانه، فاذن يختص موردها بمن خرج من مكة مسافة كثيرة، أو رجع الى بلده ثم تذكر، فان وظيفته أن يصلي في مكان ذكرها فيه دون الرجوع أو الاستنابة، و على هذا فالصحيحة لا تصلح أن تكون مقيدة لإطلاق صحيحة أحمد بن عمر، لعدم اشتراكهما في المورد، لأن مورد صحيحة احمد من خرج من مكة الى منى، و هو مسافة قليلة، فوظيفته الرجوع إن أمكن، و الّا فالاستنابة، و مورد صحيحة ابي بصير من خرج منها الى مسافة كثيرة، أو وصل الى بلده ثم تذكر، فان وظيفته الصلاة في موضعه.

فالنتيجة: أنه لا يمكن أن تكون صحيحة أبي بصير مقيدة لإطلاق صحيحة أحمد.

و ثالثا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن مورد صحيحة أحمد لا يكون مشمولا لإطلاق صحيحة عمر بن يزيد الأولى، بدعوى أن المسافة بين مكة و منى ليست بقليلة حتى تكون مشمولة له، الّا أنه مع ذلك لا يمكن تقييد اطلاق صحيحة أحمد بصحيحة أبي بصير، بل العكس هو المتعين، باعتبار ان نسبة الأولى الى الثانية نسبة المقيد الى المطلق، لأن موردها خاص، و هو ارتحال الحاج من مكة الى منى، فانها تدل على أن من نسى صلاة الطواف و ارتحل من مكة الى منى ثم تذكر، وجب عليه أن يرجع الى مكة من أجل الصلاة، و أما مورد الصحيحة الثانية فهو أعم من أن يكون ارتحاله من مكة الى منى، أو الى بلده أو بلد آخر، و تدل على عدم وجوب الرجوع اليها ثانيا للإتيان بالصلاة خلف المقام، بل يكفي الاتيان بها في أي موضع ذكرها فيه، فاذن لا بد من رفع اليد عن‌

373

..........

____________

اطلاقها بقرينه الصحيحة الأولى تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد، هذا بلا فرق بين أن يكون المراد من المشقة في صحيحة أبي بصير المشقة النوعية أو الشخصية.

و رابعا: مع الاغماض عن كل ذلك، فقد ذكرنا في علم الأصول أن كبرى انقلاب النسبة غير تامة، فانه على تقدير تسليم تقييد اطلاق صحيحة أحمد بصحيحة أبي بصير، فهو لا يوجب انقلاب النسبة بينها و بين صحيحة عمر بن يزيد الأخيرة، بل هي باقية على حالها و هي التباين، فتسقطان معا حينئذ من جهة المعارضة، و يرجع في موردها الى اطلاق صحيحة أخرى لعمر بن يزيد المتقدمة.

ثم إنه قد تسأل أن صحيحة عمر بن يزيد الأولى هل هي ظاهرة في التخيير بين الرجوع الى مكة للإتيان بصلاة الطواف بنفسه و مباشرة، و بين الاستنابة فيها مع فرض التمكن من الرجوع اليها بنفسه، أو لا بد من حمل الاستنابة فيها على صورة عدم التمكن من الرجوع اليها كذلك.

و الجواب: إنها ظاهرة في التخيير على أساس ظهور كلمة (أو) فيه، و حملها على الترتيب خلاف الظاهر، و بحاجة الى قرينة، و لا قرينة عليه لا في نفس الصحيحة و لا من الخارج، أو فقل: إن تقييد وجوب الاستنابة فيها بعدم التمكن من الرجوع بنفسه بحاجة الى قرينة، و لا قرينة على ذلك فيها.

فالنتيجة: أنه لا شبهة في ظهورها في التخيير، و تؤكد ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: «سألته عن رجل نسي أن يصلي الركعتين، قال: يصلى عنه» (1).

و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من نسي أن يصلي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 4.

374

..........

____________

ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكة، فعليه أن يقضي أو يقضي عنه وليه، أو رجل من المسلمين» (1) فان مقتضى اطلاقهما جواز أن يصلى عنه و إن كان متمكنا منه، غاية الأمر ان اطلاقهما مقيد بمفهوم صحيحة عمر بن يزيد الذي ينص على أن من ارتحل من مكة بمسافة كثيرة فلا تكون وظيفته التخيير و حملها على الخروج من مكة بمسافة قليلة، و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يرجع بنفسه الى مكة للإتيان بالصلاة خلف المقام إن أمكن، و الّا فعليه الاستنابة.

و نتيجة ما ذكرناه حول المسألة أمور:

الأول: انه لا فرق فيما ذكرناه بين صلاة طواف الحج، و صلاة طواف العمرة.

الثاني: ان الناسي لصلاة الطواف اذا خرج من مكة و طوى مسافة قليلة، ثم تذكر فعليه أن يرجع و يأتي بها مباشرة، أو يستنيب من يقوم بالاتيان بها عنه، و الأحوط وجوبا أن تكون الاستنابة في حالة عجزه عن التمكن من القيام بها.

الثالث: ان هاهنا قاعدتين:

الأولى: ان من خرج من مكة و مشى مسافة قريبة فحكمه ما مر.

الثانية: ان من خرج منها و مشى مسافة طويلة، أو وصل الى بلده، ثم تذكر فوظيفته أن يصلي في مكانه، و لا يجب عليه الرجوع و لا الاستنابة.

الرابع: ان من خرج من مكة ناسيا ركعتي الطواف، و وصل الى منى، ثم تذكر، فهل هو داخل في القاعدة الأولى و من عناصرها، أو أنه داخل في الثانية؟

الظاهر أنه داخل في الأولى، لأن قوله (عليه السّلام) في صحيحة عمر بن يزيد: «ان كان قد مضى قليلا» يصدق على من ارتحل من مكة و مضى الى منى، باعتبار أنه قليل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 13.

375

[مسألة 330: إذا نسي صلاة الطواف حتى مات وجب على الوليّ قضاؤها]

(مسألة 330): إذا نسي صلاة الطواف حتى مات وجب على الوليّ قضاؤها (1).

____________

بالنسبة الى الحاج الجائي من البلاد النائية.

الخامس: ان صحيحة أحمد بن عمر معارضة بصحيحة عمر بن يزيد فتسقطان من جهة المعارضة، و المرجع حينئذ هو اطلاق صحيحة أخرى لعمر ابن يزيد، و مع الاغماض عنه فالمرجع في المسألة أصالة الاشتغال، باعتبار أن ذمته مشغولة بالصلاة، و لا يعلم بالبراءة عنها الّا اذا رجع و صلّى خلف المقام بنفسه أو بنائبه تطبيقا لقاعدة أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية.

السادس: انه لا يمكن تقييد اطلاق صحيحة احمد بصحيحة ابي بصير، و على تقدير التقييد فلا تنقلب النسبة بينها و بين صحيحة عمر بن يزيد من التباين الى عموم مطلق، على أساس ما حققناه في الأصول من عدم صحة كبرى انقلاب النسبة.

(1) لصحيحة ابن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه- الحديث» (1) فانها باطلاقها تعم صلاة الطواف أيضا. هذا كله في الناسي.

و اما الجاهل بأصل الحكم أو بالخصوصيات المعتبرة في صحتها، كما اذا صلى في غير مقام ابراهيم (عليه السّلام)، أو صلّى في النجس، فهل حكمه حكم الناسي؟

الظاهر أن حكمه حكم الناسي و إن كان مقصرا، و ذلك لإطلاق صحيحة جميل ابن دراج عن أحدهما (عليهما السّلام): «ان الجاهل في ترك الركعتين عند مقام ابراهيم بمنزلة الناسي» (2) فانها باطلاقها تشمل الجاهل المقصر أيضا.

فالنتيجة: ان الطواف يمتاز عن صلاته، فان تركه اذا كان عن جهل أوجب البطلان- كما تقدم- دون ترك صلاته كذلك، هذا اضافة الى عموم حديث لا‌

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أحكام شهر رمضان، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

376

[مسألة 331: إذا كان في قراءة المصلي لحن فان لم يكن متمكنا من تصحيحها فلا إشكال في اجتزائه بما يتمكن منه في صلاة الطواف و غيرها]

(مسألة 331): إذا كان في قراءة المصلي لحن فان لم يكن متمكنا من تصحيحها فلا إشكال في اجتزائه بما يتمكن منه في صلاة الطواف و غيرها و أما إذا تمكن من التصحيح لزمه ذلك فان أهمل حتى ضاق الوقت عن تصحيحها فالأحوط أن يأتي بصلاة الطواف حسب امكانه و أن يصليها جماعة (1) و يستنيب لها أيضا.

[مسألة 332: إذا كان جاهلا باللحن في قراءته و كان معذورا في جهله صحت صلاته]

(مسألة 332): إذا كان جاهلا باللحن في قراءته و كان معذورا في جهله (2) صحت صلاته و لا حاجة إلى الاعادة حتى إذا علم بذلك بعد الصلاة، و أما إذا لم يكن معذورا فاللازم عليه إعادتها بعد التصحيح (3) و يجري عليه حكم تارك صلاة الطواف نسيانا.

____________

تعاد، لما ذكرناه في محله من أنه يعم الناسي و الجاهل و إن كان مقصرا، شريطة أن يكون مركبا، و أما اذا كان بسيطا و كان مقصرا فلا يشمله الحديث.

(1) هذا هو المتعين، و ذلك لان قراءته إن كانت صحيحة تخيّر بين أن يصليها فرادى و أن يصليها جماعة، و أما اذا لم تكن صحيحة و تسامح في تصحيحها و تساهل إلى أن ضاق الوقت فحينئذ يتعين عليه أن يصليها جماعة إذا أمكن، و إلّا فعليه أن يصلي فرادى، و الأحوط أن يستنيب من يصلي عنه أيضا. نعم اذا لم يكن متمكنا من تصحيحها، كما إذا كان في قراءته لحن ذاتا لم يجب عليه أن يصليها جماعة، بل يكفي أن يصليها فرادى.

(2) بل و إن لم يكن معذورا شريطة أن يكون جهله مركبا، لما ذكرناه في (فصل الصلاة في النجس) في مبحث الطهارة أن حديث لا تعاد يعم الجاهل المركب و إن كان مقصرا. نعم، لا يعم الجاهل البسيط اذا كان مقصرا، على تفصيل تقدم هناك.

(3) هذا اذا كان جهله بسيطا، و أما اذا كان مركبا فلا تجب عليه الاعادة كما مر.

377

[الرابع من واجبات عمرة التمتع السعي]

السعي و هو الرابع من واجبات عمرة التمتع و هو أيضا من الأركان، فلو تركه عمدا بطل حجة سواء في ذلك العلم بالحكم و الجهل به (1)، و يعتبر فيه قصد القربة، و لا يعتبر فيه ستر العورة و لا الطهارة من الحدث أو الخبث و الأولى رعاية الطهارة فيه (2).

____________

(1) لأن بطلان الحج بترك السعي يكون على القاعدة، باعتبار أن المأمور به حينئذ لا ينطبق على الفرد المأتي به في الخارج الفاقد له، هذا بدون فرق بين أن يكون تركه عامدا و ملتفتا أو جاهلا أو ناسيا، لأن الصحة بحاجة الى دليل، و قد دل الدليل على أن تركه نسيانا لا يوجب البطلان، فاذا تذكر وجب عليه قضاؤه بنفسه و مباشرة إن أمكن، و الّا فبنائبه، و أما اذا تركه متعمدا و إن كان جاهلا بالحكم، فلا دليل على الصحة، بل مضافا الى أن بطلانه مقتضى القاعدة، تدل عليه أيضا مجموعة من الروايات.

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل ترك السعي متعمدا قال: «عليه الحج من قابل» (1) و منها صحيحته الثانية (2)، و الثالثة (3).

(2) الأمر كما افاده (قدّس سرّه)، أما الطهارة الخبثية فلا يوجد أي دليل على اعتبارها، و أما الطهارة الحدثية، فقد دلت على عدم اعتبارها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال لا بأس أن تقضى المناسك كلها على غير وضوء الّا الطواف، فان فيه صلاة، و الوضوء أفضل على كل حال» (4) و لكن بازائها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب السعي، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب السعي، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 7 من أبواب السعي، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 15 من أبواب السعي، الحديث: 1.

378

[مسائل]

[مسألة 333: محل السعي إنما هو بعد الطواف و صلاته]

(مسألة 333): محل السعي إنما هو بعد الطواف و صلاته (1)، فلو قدّمه على الطواف أو على صلاته وجبت عليه الاعادة بعدهما و قد تقدم حكم من نسي الطواف و تذكره بعد سعيه.

____________

روايات أخرى تدل على اعتبار الطهارة فيه.

منها: موثقة ابن فضال، قال: «قال أبو الحسن (عليه السّلام): لا تطوف و لا تسعى الّا بوضوء» (1).

و منها: صحيحة علي بن جعفر (عليه السّلام) عن أخيه، قال: «سألته عن الرجل يصلح أن يقضى شيئا من المناسك و هو على غير وضوء، قال: لا يصلح الّا على وضوء» (2).

و منها: صحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المرأة تطوف بين الصفا و المروة و هي حائض، قال: لا، ان اللّه يقول: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ» (3).

و لكن هذه الروايات لا تصلح أن تعارض صحيحة معاوية، لأنها ناصة في عدم اعتبار الطهارة فيه، و تلك الروايات ظاهرة في اعتبارها، فاذن لا بد من رفع اليد عن ظهورها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص، هذا اضافة الى أن صحيحة الحلبي لا تدل على اعتبارها فيه، فانها تدل على أن الحيض مانع، و لا ملازمة بين الأمرين، على أنه لا بد من حملها على الأفضل بقرينة الروايات الدالة على ترخيص الحائض في السعي و هي حائض.

(1) هذا مما لا شبهة فيه، اذ مضافا الى أن سيرة المسلمين قد جرت على ذلك من لدن عصر النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) الى زماننا هذا فقد نصت عليه الروايات الكثيرة، منها الروايات البيانية الواردة في تفصيل واجبات الحج و العمرة كما‌

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب السعي، الحديث: 7.

(2) الوسائل: الباب 15 من أبواب السعي، الحديث: 8.

(3) الوسائل: الباب 87 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

379

[مسألة 334: يعتبر في السعى النية بأن يأتي به عن العمرة إن كان في العمرة و عن الحج إن كان في الحج]

(مسألة 334): يعتبر في السعى النية بأن يأتي به عن العمرة إن كان في العمرة و عن الحج إن كان في الحج قاصدا به القربة إلى اللّه تعالى (1).

____________

و كيفا و ترتيبا، و منها الروايات الواردة فيمن قدم السعي على الطواف، كصحيحة منصور بن حازم، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا و المروة، قال: يرجع فيطوف بالبيت، ثم يستأنف السعي، قلت: ان ذلك قد فاته، قال: عليه دم، ألا ترى أنك اذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك» (1).

و صحيحته الأخرى، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة قبل أن يطوف بالبيت، قال: يطوف بالبيت ثم يعود الى الصفا و المروة، فيطوف بينهما» (2) و موثقة اسحاق بن عمار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل طاف بالكعبة، ثم خرج فطاف بين الصفا و المروة، فبينما هو يطوف اذ ذكر أنه قد ترك من طوافه بالبيت، قال: يرجع الى البيت فيتم طوافه، ثم يرجع الى الصفا و المروة، فيتم ما بقى، قلت: فانه بدأ بالصفا و المروة قبل أن يبدأ بالبيت، فقال:

يأتى البيت فيطوف به، ثم يستأنف طوافه بين الصفا و المروة، قلت: فما فرق بين هذين، قال: لأن هذا قد دخل في شي‌ء من الطواف، و هذا لم يدخل في شي‌ء منه» (3). فان هذه الروايات واضحة الدلالة على اعتبار الترتيب بين السعي و الطواف، و أن محل الأول بعد الثاني، فلو قدمه عليه لأخل بالترتيب، و لا ينطبق عليه السعي المأمور به، و الرواية الأخيرة و هي الموثقة تدل على أن من بدأ بالسعي قبل الطواف حول البيت بطل سعيه، و وجب عليه استئنافه بعد الطواف، و أما من بدأ به في اثناء الطواف، ثم تذكر ما تركه منه، فلا يبطل بل عليه أن يقطع سعيه و يرجع و يكمل ما تركه من طوافه، ثم يأتي و يكمل ما بقي من سعيه.

(1) هذا باعتبار أنه من الأجزاء الرئيسية للحج و العمرة، و قد تقدم أن كل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

380

[مسألة 335: يبدأ بالسعي من أول جزء من الصفا]

(مسألة 335): يبدأ بالسعي من أول جزء من الصفا (1) ثم يذهب بعد ذلك إلى المروة و هذا يعد شوطا واحدا ثم يبدأ من المروة راجعا الى الصفا الى أن يصل اليه فيكون الاياب شوطا آخر، و هكذا يصنع الى أن يختم السعي بالشوط السابع في المروة، و الأحوط لزوما اعتبار الموالاة (2) بأن لا يكون فصل معتد به بين الاشواط.

____________

عبادة متقومة بالنية، و نقصد بها أن تتوفر فيها العناصر التالية:

الأول: نية القربة.

الثاني: نية الخلوص، و نقصد بها عدم الرياء.

الثالث: قصد الاسم الخاص المميز لها شرعا.

و هذه العناصر الثلاثة كما أنه لا بد من توفرها في العبادات المستقلة كالصلاة و الصيام و الحج و غيرها، كذلك لا بد من توفرها في اجزائها العبادية كالسعي و نحوه، فان صحته مرتبطة بتوفر تلك العناصر فيه، و هذا يعني أن من أتى به فعليه أن ينوي مضافا الى القربة و الخلوص كونه من عمرة التمتع، أو الحج، أو العمرة المفردة، كما هو الحال في الطواف و صلاته و غيرهما من أجزاء الحج و العمرة.

(1) صورته على النحو التالي: ينوي المكلف السعي بين الصفا و المروة متقربا الى اللّه تعالى و مخلصا لعمرة التمتع من حجة الإسلام، بادئا من الصفا و منتهيا الى المروة، ثم يعود من المروة الى الصفا، ثم من الصفا الى المروه و هكذا حتى يسير بينهما سبع مرات ذاهبا من الصفا الى المروة أربع مرات و من المروة الى الصفا ثلاث مرات، و يسمى كل مرة شوطا، و يكون ختامه عند المروة.

(2) بل هو الأظهر، و لا يحتاج اعتبارها فيه الى دليل خارجي، بل يكفي كونه عملا واحدا مركبا من سبعة اشواط، و من الواضح أن وحدة ذلك العمل‌

381

..........

____________

عرفا متقومة بالموالاة بين هذه الأشواط.

و بكلمة: ان المتبادر في الأذهان من الروايات البيانية و غيرها اعتبار الموالاة بين اجزائه المعينة المحددة، كما هو الحال في الطواف.

و أما الروايات الدالة على جواز الجلوس أثناء السعي:

فمنها: صحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام): عن الرجل يطوف بين الصفا و المروة، أ يستريح؟ قال: نعم، إن شاء جلس على الصفا و المروة و بينهما فليجلس» (1).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار في حديث: «انه قال لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

يجلس على الصفا و المروة، قال: نعم» (2)، فلا تدل على عدم اعتبارها بين الأشواط، لأن الجلوس بقدر الاستراحة لا يضر بالموالاة بينها عرفا.

و أما ما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام):

«قال: لا يجلس بين الصفا و المروة الّا من جهد» (3). من النهي عن الجلوس بينهما، فهو محمول على الكراهة بقرينة الروايات المتقدمة الناصة في جواز الجلوس بينهما.

فالنتيجة: ان الأظهر اعتبار الموالاة فيه عرفا، و اما الجلوس اثناؤه على الصفا و المروة، أو بينهما فهو لا يضر بالموالاة العرفية.

و أما الروايات الواردة فيمن نقص سهوا من طوافه و تذكر اثناء السعى، و من نسي صلاته و تذكر بعد الشروع في السعي الدالة على أنه يقطع سعيه و يرجع و يتم طوافه، أو يصلي ثم يأتي فيكمل سعيه، فلا تصلح أن تكون قرينة على عدم اعتبار الموالاة فيه مطلقا، فانه مضافا إلى امكان المناقشة في أن هذا‌

____________

(1) الوسائل: الباب 20 من أبواب السعي، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 20 من أبواب السعي، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 20 من أبواب السعي، الحديث: 4.

382

[مسألة 336: لو بدأ بالمروة قبل الصفا فان كان في شوطه الأول الغاه و شرع من الصفا]

(مسألة 336): لو بدأ بالمروة قبل الصفا فان كان في شوطه الأول الغاه و شرع من الصفا و ان كان بعده ألغى ما بيده و استأنف السعي من الأول (1).

[مسألة 337: لا يعتبر في السعي المشي راجلا فيجوز السعي راكبا على حيوان أو على متن انسان أو غير ذلك]

(مسألة 337): لا يعتبر في السعي المشي راجلا فيجوز السعي راكبا على حيوان أو على متن انسان أو غير ذلك، و لكن يلزم على المكلف أن يكون ابتداء سعيه من الصفا و اختتامه بالمروة.

____________

المقدار من الفصل الزمني بين اشواطه لا يضر بالموالاة العرفية، لا يمكن التعدي عن موردها الى سائر الموارد و الحكم بجواز القطع مطلقا و إن كان عن عمد و اختيار و بفترة زمنية مخلة بالموالاة، و كذلك ما دل على جواز قطعه اذا دخل وقت الفريضة، فانه مضافا الى أن مقدار وقت أداء الفريضة لا يضر بالموالاة العرفية، كما هو الحال في الطواف لا يمكن التعدي عن مورده الى سائر الموارد.

لحد الآن قد تبين أن الأظهر كون الاخلال بالموالاة العرفية عامدا و ملتفتا و بدون عذر شرعي مبطل الا ما قام الدليل على عدم البطلان.

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لدلالة مجموعة من الروايات على ذلك:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى، و يبدأ بالصفا قبل المروة» (1)، فانها ظاهرة في الغاء ما أتى به من الأشواط، و البدء بالصفا قبل المروة.

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال: و إن بدأ بالمروة فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا» (2)، و مثلهما صحيحته الثالثة (3).

و في مقابلها روايتان قد يتوهم انهما تدلان على أن الملغى هو الشوط الأول فحسب دون الثاني و الثالث:

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب السعي، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب السعي، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 10 من أبواب السعي، الحديث: 3.

383

..........

____________

إحداهما: رواية علي بن ابي حمزة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: يعيد، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء» (1)، بتقريب أن المكلف حين الوضوء اذا بدأ بغسل يده اليسرى ثم اليمنى كان الملغى هو غسل اليسرى فحسب دون اليمنى، لعدم الموجب لإلغائه.

و الأخرى: رواية علي الصائغ، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا حاضر عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: يعيد، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه ثم يعيد على شماله» (2)، فانها كالأولى في الدلالة و الظهور، و لكن بما أن الروايتين ضعيفتان سندا، فلا تصلحان للمعارضة مع الطائفة الاولى، أما الرواية الأولى فمن جهة ان في سندها علي بن أبي حمزة، و هو ممن لم يثبت توثيقه، و أما الثانية فلأن في سندها اسماعيل بن مرار، و هو كذلك، و مجرد كونه من رجال كامل الزيارات لا يكفي.

و مع الاغماض عن سندهما فلا دلالة لهما، لأن الظاهر منهما ان التشبيه بلحاظ عدم الاكتفاء بغسل الشمال قبل اليمين، و أنه ملغى، بلا نظر لهما الى حكم غسل اليمين، و هذا يعني انهما تدلان على أن من بدأ بغسل يساره أولا، ثم يمينه فعليه أن يلغى الأول فقط دون الثاني، اذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون مدلولهما الغاء كليهما، و استئناف الوضوء من الأول، و حيث إنهما لا تدلان على ذلك فيرجع الى مقتضى القاعدة، و من الطبيعي ان مقتضى القاعدة عدم وجود مبرر لإلغاء غسل اليمين.

فالنتيجة: أن هاتين الروايتين ساقطتان سندا و دلالة.

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب السعي، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب السعي، الحديث: 5.

384

[مسألة 338: يعتبر في السعي أن يكون ذهابه و ايابه فيما بين الصفا و المروة من الطريق المتعارف]

(مسألة 338): يعتبر في السعي أن يكون ذهابه و ايابه فيما بين الصفا و المروة من الطريق المتعارف فلا يجزئ الذهاب أو الاياب من المسجد الحرام أو أيّ طريق آخر.

نعم، لا يعتبر أن يكون ذهابه و إيابه بالخط المستقيم (1).

[مسألة 339: يجب استقبال المروة عند الذهاب إليها]

(مسألة 339): يجب استقبال المروة عند الذهاب إليها كما يجب استقبال الصفا عند الرجوع من المروة إليه فلو استدبر المروة عند الذهاب إليها أو استدبر الصفا عند الاياب من المروة لم يجزئه ذلك (2)، و لا بأس بالالتفات الى اليمين او اليسار أو الخلف عند الذهاب أو الاياب.

[مسألة 340: يجوز الجلوس على الصفا أو المروة أو فيما بينهما للاستراحة]

(مسألة 340): يجوز الجلوس على الصفا أو المروة أو فيما بينهما للاستراحة، و إن كان الأحوط ترك الجلوس فيما بينهما (3).

____________

(1) هذا هو الظاهر و المتفاهم العرفي من الآية الكريمة و الروايات، لأن المعيار في ذلك انما هو بصدق السعي بين الصفا و المروة عرفا، فاذا صدق كفى و إن لم يكن بالخط المستقيم، حيث إن الواجب على المكلف السير بين الصفا و المروة بادئا من الصفا مستقبلا المروة، ثم يعود من المروة مستقبلا الصفا، و هكذا. و إن لم يكن بالخط المستقيم، فان المعتبر في السعي من كل منهما الى الآخر أن يكون مستقبلا في مقابل أن يكون مستدبرا، أو يمينا، أو يسارا.

(2) لأن المتفاهم العرفي من الآية الشريفة و الروايات أن المأمور به السعي المتعارف بين الصفا و المروة مستقبلا من كل منهما الآخر عرفا، و لا يجوز السعي من كل منهما مستدبرا الآخر، أو يمينا أو شمالا. نعم لا بأس بأن يلتفت الساعي اثناء السعي يمينا و يسارا، لأنه لا يضر بالاستقبال العرفي.

(3) فيه أن الاحتياط و إن كان استحبابيا، الّا أنه لا منشأ له، لنص قوله (عليه السّلام) في صحيحة الحلبي: «نعم إن شاء جلس على الصفا و المروة و بينهما‌

385

..........

____________

فليجلس» (1) في الجواز، و قد تقدم في المسألة (335) أن النهي في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (2) عن الجلوس بينهما إلّا من جهد محمول على الكراهة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص. ثم ان الظاهر من الآية الشريفة و الروايات أن الواجب هو السعي بين الصفا و المروة، و أما الصعود الى الجبل فهو غير واجب، و لا يوجد دليل عليه.

____________

(1) الوسائل: الباب 20 من ابواب السعي، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 20 من ابواب السعي، الحديث: 4.

386

[احكام السعي]

احكام السعي تقدم أن السعي من أركان الحج فلو تركه عمدا عالما بالحكم أو جاهلا به أو بالموضوع الى زمان لا يمكنه التدارك قبل الوقوف بعرفات بطل حجه و لزمته الاعادة من قابل و الأظهر أنه يبطل إحرامه أيضا (1) و إن كان الأحوط الاولى العدول الى الافراد و إتمامه بقصد الاعم منه و من العمرة المفردة.

[مسألة 341: لو ترك السعي نسيانا أتى به حيث ما ذكره، و ان كان تذكره بعد فراغه من أعمال الحج]

(مسألة 341): لو ترك السعي نسيانا أتى به حيث ما ذكره، و ان كان تذكره بعد فراغه من أعمال الحج فان لم يتمكن منه مباشرة أو كان فيه حرج و مشقة لزمته الاستنابة و يصح حجه في كلتا الصورتين (2).

____________

(1) بل هو الظاهر لأن الإحرام جزء من الحج و العمرة، و لا يعقل بطلان الحج أو العمرة مع عدم بطلان الإحرام، لأنه خلف فرض كونه جزءا منه. و به يظهر حال ما بعده.

(2) تدل على الصحة مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا و المروة، قال: يعيد السعي، قلت: فانه خرج، قال: يرجع فيعيد السعي، ان هذا ليس كرمي الجمار، ان الرمي سنة، و السعي بين الصفا و المروة فريضة- الحديث» (1).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «سألته عن رجل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب السعي، الحديث: 1.

387

..........

____________

نسي أن يطوف بين الصفا و المروة، قال: يطاف عنه» (1)، بتقريب أن الظاهر منهما ان السعي واجب على الناس بعد تذكره بوجوب مستقل، لا بملاك أنه جزء من الحج أو العمرة، باعتبار أن مقتضى اطلاقهما وجوبه عليه و إن كان بعد مضي شهر ذي الحجة، فاذن وجوبه بعد خروج الوقت لا محالة يكون وجوبا جديدا، لأن وجوبه الأول وجوب ضمني قد سقط عنه بسقوط موضوعه و هو الوقت، و هذا الوجوب الجديد الذي هو بديل للوجوب الأول لا يمكن أن يكون وجوبا ضمنيا، لفرض أنه واجب بعد خروج الوقت، فاذن لا محالة يكون مقتضى اطلاقهما أن وجوبه بعد الوقت وجوب مولوي مستقل و من هنا لو تركه عامدا و ملتفتا لم يضر بعمله.

و بكلمة: أن الأمر بالاعادة إن كان في الوقت فهو إرشاد الى بقاء الأمر الأول و عدم سقوطه، و إن كان خارج الوقت فهو أمر مولوي مستقل لأن الأمر الأول قد سقط بسقوط وقته، و لا مانع من أن يراد من الأمر بالاعادة في صحيحة معاوية المتقدمة الأعم من الأمر المولوي و الأمر الارشادي، بمعنى أنه ان كان في الوقت فهو ارشادي، و إن كان في خارج الوقت فهو مولوي. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى، ان اطلاق الصحيحة الأولى قد قيد بالتمكن من الاعادة، و عدم كونها حرجية، و اطلاق الصحيحة الثانية قد قيد بجواز قيام الناسي بنفسه بعد التذكر بعملية الاعادة، إذ لا يحتمل أن تكون الاستنابة واجبة عليه تعيينا، فههنا حالتان:

الحالة الأولى: ان الناسي اذا لم يتمكن بعد التذكر من القيام المباشر بعملية الاعادة، فما هو وظيفته؟

الثانية: انه اذا تمكن من ذلك بدون الوقوع في حرج و مشقة،

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب السعي، الحديث: 3.

388

..........

____________

فهل يكفي أن يستنيب؟

أما في الحالة الأولى فوظيفته الاستنابة بمقتضى الصحيحة الثانية و عدم معارضتها بالصحيحة الأولى، لما مر من أن اطلاقها قد قيد بغير هذه الحالة.

و اما في الحالة الثانية فقد يقال بوقوع التعارض فيها بين اطلاق الأولى و اطلاق الثانية، فان مقتضى اطلاق الأولى وجوب الاعادة عليه تعيينا، و مقتضى اطلاق الثانية أنه مخير بين قيامه بها مباشرة و بين الاستنابة.

و قد أجيب عن ذلك، بأن النسبة بين الصحيحة الأولى و الثانية تنقلب من التباين الى عموم مطلق بعد تقييد اطلاق الأولى بالتمكن من الاعادة و عدم كونها حرجية، و حينئذ فتصلح الأولى أن تكون مقيدة لإطلاق الثانية بعدم تمكنه من الاعادة.

فالنتيجة: أن من تمكن منها مباشرة فلا يصل الدور الى الاستنابة.

و لكن هذا الجواب غير صحيح، لأنه مبني على تمامية كبرى انقلاب النسبة، و قد ذكرنا في علم الأصول أن هذه الكبرى غير تامة، فاذن تظل النسبة بينهما ثابتة و لا تنقلب.

و الصحيح في الجواب أن يقال، أولا؛ انه لا ظهور عرفا للصحيحة الثانية في الاطلاق، فان قوله (عليه السّلام) فيها: «يطاف عنه ...» مجمل، فلا ظهور له في صحة السعي عنه مطلقا حتى في فرض تمكنه من القيام به مباشرة، اذ كما يحتمل ذلك يحتمل اختصاصها بحالة عدم التمكن، فلا دلالة له على الاطلاق حتى تصلح أن تكون معارضة لإطلاق الصحيحة الأولى.

و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك، و تسليم أنها مطلقة، فعندئذ تقع المعارضة بينهما، و بما أنه لا ترجيح لإحداهما على الأخرى فتسقطان معا من جهة‌

389

..........

____________

المعارضة، فالمرجع حينئذ أصالة عدم مشروعية الاستنابة في حالة التمكن، و هذا يعني عدم سقوط الواجب عن ذمته بفعل غيره.

و لمزيد من التوضيح و التعرف على حكم المسألة نذكر فيما يلي عددا من الحالات:

الأولى: ان من ترك السعي نسيانا في عمرة التمتع، و تذكر بعد التقصير، و قبل أن يحرم للحج وجب عليه الاتيان به، و لا تجب عليه اعادة التقصير و إن كانت أولى.

الثانية: نفس الصورة الأولى، و لكن كان تذكره بعد الاحرام للحج، و حينئذ فإن تمكن من السعي و ادراك الموقف وجب عليه ذلك، و الّا فيستنيب، و إن لم يتمكن من الاستنابة أيضا، فعليه أن يقضيه بعد أعمال الحج.

و قد تسأل: أن في الفرض الأول، و هو فرض تمكنه من السعي و ادراك الموقف، فهل يكشف ذلك عن بطلان احرامه للحج أو لا؟

و الجواب: أنه يكشف عن بطلانه، على أساس أنه لا يصح احرام الحج قبل الفراغ من أعمال العمرة، و بما أن تذكره كان في وقت يتمكن من اتمام العمرة بدون أن يوجب تفويت الموقف فيكون كاشفا عن ان احرامه كان قبل اكمال العمرة فيبطل.

الثالثة: ما اذا تذكر في اثناء اعمال الحج أو بعد الانتهاء منها، و قبل خروجه من مكة وجب عليه أن يقضيه، و أما عمرته فهي محكومة بالصحة كما تقدم.

الرابعة: ما اذا تذكر بعد خروجه من مكة، أو بعد رجوعه الى بلده، فانه يجب عليه الرجوع إن امكن، و الّا فيستنيب.

390

[مسألة 342: من لم يتمكن من السعي بنفسه و لو بحمله على متن إنسان أو حيوان و نحو ذلك]

(مسألة 342): من لم يتمكن من السعي بنفسه و لو بحمله على متن إنسان أو حيوان و نحو ذلك، استناب غيره فيسعى عنه و يصح حجه (1).

____________

الخامسة: ما اذا ترك السعي نسيانا في الحج، فان تذكر قبل أن يخرج من مكة وجب عليه الاتيان به، و ان تذكر بعد أن يخرج من مكة وجب عليه أن يرجع الى مكة، و يأتي بالسعي ان أمكن، و الّا فيستنيب.

السادسة: ان الأمر بالاعادة إن كان في الوقت فهو ارشاد الى أنه جزء من الحج أو العمرة، غاية الأمر ان الموالاة بينه و بين سائر الأجزاء و الواجبات في حالة النسيان غير معتبرة، و إن كان في خارج الوقت فهو أمر مولوي مستقل، و هذا يعني أن السعي حينئذ واجب مستقل، لا انه جزء الواجب لفرض أن الواجب موقت بوقت معين، و ينتهي بانتهاء ذلك الوقت، فلا يعقل بقاؤه بعد خروج الوقت، و الّا لزم الخلف. هذا اضافة الى أنه لو كان جزء الواجب فلازمه بطلانه لدى تركه عامدا و ملتفتا، مع أن ظاهر الروايات هو الصحة.

السابعة: ان وجوب الاستنابة في السعي عنه إنما هو في فرض عدم تمكنه من القيام به مباشرة، و أما مع التمكن منه فلا يصل الدور الى النيابة.

(1) هذا على أساس أن السعي ذات مراتب طولية:

الأولى: أن يسعى المكلف بنفسه و بخطواته المختارة، و بدون الاتكال على غيره.

الثانية: أن يسعى مع الاتكال على غيره، كما اذا سعى محمولا على متن انسان.

الثالثة: ان يستنيب في السعي عنه، و هذه المراتب لما كانت طولية فلا يصل الدور الى المرتبة الثانية الّا بعد العجز عن الأولى و هكذا، فان ذلك مما تقتضيه القاعدة، و لا يحتاج الى دليل خاص في المسألة، لأن المكلف ما دام متمكنا من القيام بالعمل مباشرة و لو بالاتكال على غيره، فلا يصل الدور الى‌

391

[مسألة 343: الأحوط أن لا يؤخر السعي عن الطواف و صلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة]

(مسألة 343): الأحوط أن لا يؤخر السعي عن الطواف و صلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة كشدة الحر أو التعب و إن كان الأقوى جواز تأخيره الى الليل (1).

____________

الاستنابة، باعتبار أن سقوط الواجب عن ذمة شخص بفعل غيره بحاجة الى دليل، و الّا فمقتضى الأصل عدم السقوط، هذا اضافة الى أن الروايات الدالة على وجوب الطواف بتمام مراتبه الطولية يشمل باطلاقها السعي بين الصفا و المروة أيضا، باعتبار أنه طواف حقيقة، و قد أطلق عليه الطواف في الآية الشريفة و الروايات. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى أن صحيحة صفوان بن يحيى، قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن الرجل المريض يقدم مكة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت، و لا بين الصفا و المروة، قال: يطاف به محمولا يخط الأرض برجليه حتى تمس الأرض قدميه في الطواف، ثم يوقف به في أصل الصفا و المروة اذا كان معتلا» (1) ناصة في ذلك.

فالنتيجة: ان السعي كالطواف حول البيت في وجوبه على المكلف بكل مراتبه الطولية ترتيبا.

(1) هذا هو الصحيح، تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن الرجل يقدم مكة و قد اشتد عليه الحر، فيطوف بالكعبة، و يؤخر السعي الى أن يبرد، فقال: لا باس به، و ربما فعلته، و قال: و ربما رأيته يؤخر السعي الى الليل» (2) بتقريب أن مقتضى اطلاقها جواز التأخير من جهة شدة الحر مطلقا، و إن لم يكن تحملها حرجيا، و من الواضح أن شدة الحر اذا كانت كذلك فهي من الدواعي للتأخير، لا من مسوغاته شرعا، و نتيجة ذلك‌

____________

(1) الوسائل باب: 47 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 60 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

392

نعم، لا يجوز تأخيره الى الغد في حال الاختيار (1).

[مسألة 344: حكم الزيادة في السعى حكم الزيادة في الطواف فيبطل السعي إذا كانت الزيادة عن علم و عمد]

(مسألة 344): حكم الزيادة في السعى حكم الزيادة في الطواف فيبطل السعي إذا كانت الزيادة عن علم و عمد (2) على ما تقدم في الطواف. نعم إذا كان جاهلا بالحكم فالأظهر عدم بطلان السعي بالزيادة و ان كانت الاعادة أحوط.

____________

جواز تأخيره الى الليل مطلقا، و إن لم يكن هناك عذر شرعي.

و صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أحدهما (عليهما السّلام) عن رجل طاف بالبيت فأعيى، أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة؟ قال: نعم» (1)، بتقريب أن مقتضى اطلاقها جواز التأخير من جهة التعب مطلقا، و إن لم يكن تحمله حرجيا، و نتيجة ذلك عدم اعتبار الموالاة بين الطواف و صلاته، و بين السعي، فالحاصل ان جواز تأخير السعي في الصحيحتين و إن كان معلقا على شدة الحر و التعب، الّا أن مقتضى اطلاقهما جوازه، و إن لم يكن تحملهما حرجيا، و لازم ذلك جواز تأخيره الى الليل بدون أي عذر شرعي.

(1) للنص الخاص، و هو صحيحة العلاء بن رزين، قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى، أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة الى غد؟ قال: لا» (2)، فانها تدل على عدم جواز التأخير الى الغد بوضوح.

(2) تنص على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: إن طاف الرجل بين الصفا و المروة تسعة اشواط فليسع على واحد و ليطرح ثمانية، و إن طاف بين الصفا و المروة ثمانية اشواط فليطرحها و ليستأنف السعي- الحديث» (3) فانها واضحة الدلالة على أن الزيادة مبطلة.

____________

(1) الوسائل: الباب 60 من أبواب الطواف، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 60 من أبواب الطواف، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 12 من أبواب السعي، الحديث: 1.

393

..........

____________

و منها: صحيحة عبد اللّه بن محمد عن ابي الحسن (عليه السّلام): «قال: الطواف المفروض اذا زدت عليه مثل الصلاة، فاذا زدت عليها فعليك الاعادة، و كذا السعي» (1)، فانها تدل بوضوح على بطلان السعي بالزيادة فيه كالصلاة المفروضة.

ثم ان الصحيحة الأولى مطلقة، و تعم باطلاقها العالم و الجاهل معا، و أما الصحيحة الثانية فهي ظاهرة في الاختصاص بالزيادة عن علم و عمد، بقرينة جعل الزيادة فيه كالزيادة في الصلاة، و بما ان الزيادة المبطلة للصلاة هي الزيادة فيها عامدا و ملتفتا، فتكون الزيادة المبطلة للسعي أيضا كذلك.

و أما الصحيحة الأولى فلا بد من تقييد اطلاقها بالروايات التالية:

منها: صحيحة هشام بن سالم، قال: «سعيت بين الصفا و المروة أنا و عبيد اللّه بن راشد، فقلت له: تحفظ علي، فجعل يعد ذاهبا و جائيا شوطا واحدا فبلغ مثل ذلك فقلت له: كيف تعد؟ قال: ذاهبا و جائيا شوطا واحدا، فاتممنا أربعة عشر شوطا، فذكرنا لأبي عبد اللّه (عليه السّلام)، فقال: قد زادوا على ما عليهم و ليس عليهم شي‌ء» (2).

و منها: صحيحة جميل بن دراج، قال: «حججنا و نحن صرورة فسعينا بين الصفا و المروة أربعة عشر شوطا، فسألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ذلك، فقال: لا بأس سبعة لك و سبعة تطرح» (3).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار: «قال: من طاف بين الصفا و المروة خمسة عشر شوطا طرح ثمانية و اعتد بسبعة- الحديث» (4) فان هذه الروايات تصلح ان تكون مقيدة لإطلاق الصحيحة الأولى، بتقريب انها تدل على ان‌

____________

(1) الوسائل: الباب 12 من أبواب السعي، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب السعي، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب السعي، الحديث: 5.

(4) الوسائل: الباب 13 من أبواب السعي، الحديث: 4.

394

..........

____________

الزيادة في السعي لا تكون مبطلة، و مورد هذه الروايات و إن كانت الزيادة فيه بسبعة اشواط أو اكثر الا أن المتفاهم العرفي منها ان الزيادة بما هي زياده، لا تكون مبطلة سواء أ كانت قليلة أم كانت كثيرة اذا كان الساعي جاهلا بالحكم، لأن المعيار انما هو بصرف وجود الزيادة فانه ان كان عن عمد كان مبطلا و الا فلا و لا عبرة بالكثرة.

و بكلمة: ان محتملات هذه الروايات متمثلة في أمرين:

احدهما: ان السبعة الأولى باطلة و الثانية صحيحة و هذا يعني ان المكلف اذا زاد على السبعة بطلت السبعة دون الزائد و اذا اكمل الزائد الى السبعة صح.

و الآخر: ان السبعة الأولى صحيحة و الثانية ملغية و هذا يعني أن المكلف اذا زاد على السبعة فالزائد ملغي و بعد ذلك نقول ان الأظهر من هذين المحتملين المحتمل الأخير اذ مضافا الى امكان دعوى ان ذلك هو المتفاهم العرفي من تلك الروايات يشهد عليه قوله (عليه السّلام) في صحيحة هشام بن سالم «قد زادوا على ما عليهم و ليس عليهم شي‌ء» فان المتبادر منه ان الزائد لا يضر بما عليهم و انه ملغي و يؤكد ذلك أيضا قوله (عليه السّلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الآتية: «ان كان خطأ اطرح واحدا و اعتدّ بسبعة» (1) باعتبار أن الجاهل المركب و الجاهل البسيط المعذور ملحق بالخاطئ من هذه الناحية كما أن الجاهل البسيط المقصر ملحق بالعامد الملتفت.

كما انه لا بد من تقييد اطلاقها بصحيحة الحجاج أيضا بصورة ما اذا كانت الزيادة عمدية.

فالنتيجة: ان الزيادة في السعي اذا كانت عن عمد و التفات الى الحكم الشرعي كانت مبطلة، و أما اذا كانت عن جهل فلا تكون مبطلة.

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من ابواب السعي، الحديث: 3.

395

[مسألة 345: إذا زاد في سعيه خطأ صح سعيه]

(مسألة 345): إذا زاد في سعيه خطأ صح سعيه (1) و لكن الزائد إذا كان شوطا كاملا يستحب له أن يضيف اليه ستة أشواط (2) ليكون سعيا كاملا غير سعيه الاول فيكون انتهاؤه الى الصفا و لا بأس بالاتمام رجاء إذا كان الزائد أكثر من شوط واحد.

____________

(1) و تنص عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي ابراهيم (عليه السّلام):

«في رجل سعى بين الصفا و المروة ثمانية اشواط، ما عليه؟ فقال: إن كان خطأ اطرح واحدا و اعتد بسبعة» (1).

فانها تنص بالمنطوق على عدم بطلان الطواف بالزيادة خطأ، و بالمفهوم على بطلان الطواف بها اذا كانت متعمدا.

(2) تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام) في حديث الطواف: «قال: و كذا اذا استيقن انه سعى ثمانية أضاف اليها ستا» (2) و مثلها صحيحته الأخرى (3).

ثم انهما تدلان على أمرين:

أحدهما: عدم بطلان الطواف بالزيادة السهوية.

و الآخر: ان الزيادة اذا كانت شوطا واحدا أضاف اليه ستا حتى يصير المجموع طوافا كاملا، و بما أن الطواف الأول صحيح فالثاني لا محالة يكون مستحبا، هذا مما لا اشكال فيه، و انما الاشكال في أن الزيادة اذا كانت اكثر من شوط واحد فهل يستحب تكميله طوافا كاملا أو لا؟

فيه وجهان: و لا يبعد الوجه الأول، لأن المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أنه لا خصوصية لكون الزائد شوطا واحدا و لا موضوعية له عرفا.

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب السعي، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 13 من أبواب السعي، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب السعي، الحديث: 2.

396

[مسألة 346: إذا نقص من أشواط السعي عامدا عالما بالحكم أو جاهلا به و لم يمكنه تداركه الى زمان الوقوف بعرفات]

(مسألة 346): إذا نقص من أشواط السعي عامدا عالما بالحكم أو جاهلا به و لم يمكنه تداركه الى زمان الوقوف بعرفات فسد حجه و لزمته الاعادة من قابل، و الظاهر بطلان إحرامه (1) أيضا،

و إن كان الاولى العدول الى حج الافراد و إتمامه بنية الاعم من الحج و العمرة المفردة. و أما إذا كان النقص نسيانا فان كان بعد الشوط الرابع (2) وجب عليه تدارك الباقي حيث ما تذكر و لو كان ذلك بعد الفراغ من أعمال الحج، و تجب عليه الاستنابة لذلك إذا لم يتمكن بنفسه من التدارك أو تعسّر عليه ذلك و لو لأجل أن تذكره كان بعد رجوعه الى بلده، و الأحوط حينئذ أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالاتمام أو بالتمام.

و أما إذا كان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فالأحوط أن يأتي بسعي كامل يقصد به الاعم من التمام و الاتمام، و مع التعسر يستنيب لذلك.

____________

و دعوى: أن السعي بما أنه لا يكون مستحبا في نفسه فلا بد من الاقتصار على موردهما، و التعدي بحاجة الى قرينة.

مدفوعة: بأن الأمر و إن كان كذلك، الّا أنه لا مانع من الالتزام باستحباب التكميل مطلقا، حتى فيما اذا كان الزائد اكثر من شوط واحد، و القرينة على هذا التعدي هو ظهورهما عرفا في عدم خصوصية لموردهما.

(1) بل لا شبهة فيه، لفرض انه جزء الحج و العمرة، فاذا بطل الحج و العمرة لم يبق مجال لبقاء الاحرام، و الّا لزم الخلف، و قد تقدم أن بطلان الحج أو العمرة بترك السعي عامدا و ملتفتا يكون على القاعدة، هذا، مضافا الى النصوص الدالة على ذلك.

(2) فيه أنه لا وجه لهذا التقييد، حيث لم يرد ذلك في شي‌ء من روايات الباب، و هي على طائفتين:

397

..........

____________

الطائفة الأولى: يكون موردها نسيان أصل السعي، و تنص على وجوب اعادته حيث يذكر و إن كان بعد الخروج من مكة.

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا و المروة، قال: يعيد السعي، قلت: فاته ذلك حتى خرج، قال: يرجع فيعيد السعي، ان هذا ليس كرمي الجمار، ان الرمي سنة و السعي بين الصفا و المروة فريضة- الحديث» (1).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: «سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة، قال: يطاف عنه» (2).

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت ابا ابراهيم (عليه السّلام) عن رجل كانت معه امرأة فقدمت مكة و هي لا تصلي، فلم تطهر الى يوم التروية، فطهرت و طافت بالبيت و لم تسع بين الصفا و المروة حتى شخصت الى عرفات، هل تعتد بذلك الطوف أو تعيد قبل الصفا و المروة، قال: تعتدّ بذلك الطواف الأول و تبني عليه» (3) فان هذه الروايات تنص على وجوب الاتيان بالسعي متى تذكر، و لا تدل على وجوب اعادة الحج أو العمرة.

الطائفة الثانية: يكون موردها نسيان شوط واحد، و تدل على وجوب الاتيان بذلك الشوط فقط متى تذكر.

منها: صحيحة سعيد بن يسار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل متمتع سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط، ثم رجع الى منزله و هو يرى أنه قد فرغ منه و قلم أظافره و أحل، ثم ذكر انه سعى ستة أشواط، فقال لي يحفظ انه قد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب السعي، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب السعي، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 61 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

398

..........

____________

سعى ستة أشواط، فان كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد و ليتم شوطا و ليرق دما، فقلت: دم ما ذا؟ قال: بقرة، قال: و ان لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة، فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط، ثم ليرق دم بقرة» (1).

و هذه الصحيحة تدل على أمرين:

أحدهما: أن المنسيّ ان كان شوطا واحدا وجب الإتيان به فقط حيثما تذكر.

و الآخر: انه اذا لم يكن حافظا عدد المنسي و لم يعلم أنه سعى ستة أشواط أو أقل بطل سعيه، و لزمته اعادته.

و قد تسأل: عن ان المنسي اذا كان اكثر من شوط، و كان حافظا للعدد، فهل يمكن التعدي عن موردها اليه؟ فيه وجهان:

و الجواب: انه لا يبعد التعدي، لأن المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية انه لا خصوصية لكون المنسي شوطا واحدا، و على هذا فلا فرق بين أن يكون النسيان بعد تجاوز النصف أو قبله.

و بكلمة: أنه لا دليل على هذا التفصيل، فانه إن قلنا بالتعدي عن مورد هذه الصحيحة الى سائر الموارد، فلا فرق حينئذ بين أن يكون النسيان قبل التجاوز أو بعده، و إن لم نقل بالتعدي فايضا لا فرق بينهما.

و دعوى: أن الفارق بينهما الاجماع فانه قد ادعي على الصحة اذا كان النسيان بعد التجاوز عن النصف، و لا اجماع فيما اذا كان النسيان قبل التجاوز عنه.

مدفوعة: بما ذكرناه غير مرة من أنه لا يمكن الاعتماد على الاجماع الّا‌

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من أبواب السعي، الحديث: 1.

399

[مسألة 347: إذا نقص شيئا من السعي في عمرة التمتع نسيانا فاحل لاعتقاده الفراغ من السعي]

(مسألة 347): إذا نقص شيئا من السعي في عمرة التمتع نسيانا فاحل لاعتقاده الفراغ من السعي فالأحوط بل الاظهر لزوم التكفير عن ذلك ببقرة (1)، و يلزمه إتمام السعي على النحو الذي ذكرناه.

____________

بشروط، و هي غير متوفرة كما أشرنا اليه في غير مورد.

(1) هذا هو الصحيح، و تدل عليه صحيحة سعيد بن يسار المتقدمة، و تؤيد ذلك رواية ابن مسكان (1). و هل يمكن التعدي عن موردها الى سائر الموارد كقص الشعر أو نحوه؟ فيه وجهان: و لا يبعد الوجه الأول، لأن المتفاهم العرفي من الصحيحة أنه لا خصوصية لموردها الا بلحاظ كونه وسيلة للإحلال، و على هذا فلا فرق بينه و بين قص الشعر او نحوه، باعتبار أن كل ذلك وسيلة له.

و بكلمة: ان المنظور فيها ليس تقليم الاظفار بعنوانه و اسمه، أي بنحو الموضوعية بل بعنوان أنه وسيلة و موضوع للإحلال. و من الواضح أن هذه الجهة مشتركة بينه و بين قص الشعر أو نحوه.

و دعوى: أنه لا كفارة في موارد الخطأ في غير الصيد، فاذن لا يمكن الأخذ بمضمون هذه الصحيحة التي تنص على ثبوت الكفارة في موارد الاشتباه و الخطأ.

مدفوعة: بأن مقتضى الاطلاقات و إن كان كذلك، الّا أن هذه الصحيحة تكون مقيدة لها بغير موردها تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد.

فالنتيجة: أنه لا مانع من ثبوت الكفارة في موردها، و أما العمل الجنسي و هو الجماع في المقام خطأ فلا دليل على ترتب الكفارة عليه، الّا رواية عبد اللّه ابن مسكان، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة ستة أشواط و هو يظن أنها سبعة، فذكر بعد ما أحل، و واقع النساء أنه انما طاف ستة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من ابواب السعي، الحديث: 2.

400

..........

____________

أشواط، قال: عليه بقرة يذبحها و يطوف شوطا آخر» (1) و هذه الرواية و إن كانت تامة دلالة، الّا أنها ضعيفة سندا، فان في سندها محمد بن سنان و هو لم يثبت توثيقه.

نعم، لو قلم اظفاره أو قص شعره غافلا عن كونه محرما باحرام الحج أو العمرة لم يكن مشمولا لإطلاق الصحيحة، و عليه فلا كفارة فيه.

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من أبواب السعي، الحديث: 2.

401

[الشك في السعي]

الشك في السعي لا اعتبار بالشك في عدد اشواط السعي بعد التقصير (1) و ذهب جمع من الفقهاء الى عدم الاعتناء بالشك بعد انصرافه من السعي و ان كان الشك قبل التقصير، و لكن الأظهر لزوم الاعتناء به حينئذ.

____________

(1) هذا شريطة احتمال أنه كان حين العمل أذكر بشروط الواجب و واجباته من حين الشك، و الّا فلا تجري، لما ذكرناه في علم الأصول من أن قاعدتي التجاوز و الفراغ من القواعد العقلائية التي تكون حجيتها مبنية على نكتة أماريتها و كاشفيتها عن الواقع، و على هذا فاذا علم المكلف انه كان غافلا حين العمل لم تتوفر فيها هذه النكتة فلا تجري.

و دعوى: أن مقتضى صحيحة سعيد بن يسار بطلان السعي في هذه الصورة، على أساس أن صحته فيها منوطة بكون الساعي حافظا للعدد، بأن لا يكون شاكا فيه، و الّا لكان السعي باطلا من جهة الشك، و بما أن الساعي في المقام شاك فيه فمقتضى الصحيحة بطلانه.

مدفوعة: بأن مورد الصحيحة ما اذا تذكر الساعي بالنقص في السعي و علم به، و في هذه الحالة اذا كان حافظا للعدد صح سعيه و وجب عليه الاتيان بالمنسي من السقوط و ان لم يكن حافظا له بطل سعيه، فاذن لا يكون المقام مشمولا لصحيحة سعيد، باعتبار أن الشك في المقام لا يكون مقرونا بالعلم بالنقص من ناحية، و يكون بعد التجاوز عن محل السعي من ناحية أخرى، و أما الشك في مورد الصحيحة فيكون مقرونا بالعلم بالنقص من جهة، و قبل اتمام السعي من جهة أخرى، اذ بعد التذكر يكشف عن أن اعتقاده بالفراغ كان خياليا‌

402

[مسألة 348: اذا شك و هو على المروة في أن شوطه الأخير كان هو السابع أو التاسع]

(مسألة 348): اذا شك و هو على المروة في أن شوطه الأخير كان هو السابع أو التاسع فلا اعتبار بشكه و يصح سعيه (1)،

____________

و غير مطابق للواقع، و على هذا فلا مانع من التمسك بقاعدة التجاوز في المقام.

هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: اذا شك في عدد الأشواط بعد الانصراف من السعي و الخروج من المسعى، و كان قبل التقصير، فهل يمكن الحكم بعدم الاعتناء به، تطبيقا للقاعدة؟

و الجواب: انه لا يمكن الحكم بعدم الاعتناء به، و ذلك لما ذكرناه في محله من أن موضوع القاعدة التجاوز عن محل الشي‌ء المشكوك وجوده، و المفروض أنه لم يتجاوز عن محل السعي بعد، لأن محله قبل التقصير، فاذا شك فيه قبله كان الشك في محله و وظيفته الاعتناء به.

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه)، و تدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي ابراهيم (عليه السّلام): «في رجل سعى بين الصفا و المروة ثمانية أشواط ما عليه؟

فقال: ان كان خطأ اطرح واحدا و اعتد بسبعة» (1) بتقريب أنها تنص على أن الزيادة اذا كانت خطأ لم تضر، كما أن المتفاهم العرفي منها عدم الفرق بين كون الزيادة شوطا واحدا أو أكثر، اذ لا يرى العرف خصوصية لكونها شوطا واحدا، فاذا كان اليقين بالزيادة سهوا أو خطأ لا يضر، كان الشك في الزيادة كذلك بالأولوية القطعية، و على هذا فاذا شك في أنه سعى سبعة أو ثمانية خطأ، فالسبعة متيقنة، و الشك انما هو في الثمانية، و لا يعتد به، و يمكن الاستدلال على عدم اعتباره أيضا بصحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية، فقال: اما السبعة فقد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب السعي، الحديث: 3.

403

و إذا كان هذا الشك اثناء الشوط بطل سعيه و وجب عليه الاستئناف (1).

[مسألة 349: حكم الشك في عدد الأشواط من السعي حكم الشك في عدد الأشواط من الطواف]

(مسألة 349): حكم الشك في عدد الأشواط من السعي حكم الشك في عدد الأشواط من الطواف فاذا شك في عددها بطل سعيه (2).

____________

استيقن، و انما وقع وهمه على الثامن، فليصل ركعتين» (1) بدعوى أن موردها و إن كان طواف البيت، الّا أن التعليل الوارد فيها يقتضي عموم الحكم للسعي أيضا، لأن المستفاد منها عرفا أن ملاك عدم جواز الاعتناء بالشك في الزائد انما هو تيقن الاتيان بالشوط السابع، اي بالمأمور به بكامل واجباته، و هذا الملاك متوفر في المقام.

و بكلمة: ان المتفاهم العرفي من الصحيحة بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أنه لا خصوصية لموردها، فالمعيار في عدم الاعتناء بالشك في الشوط الثامن انما هو بتيقن الاتيان بالشوط السابع بدون فرق بين أن يكون ذلك في الطواف حول البيت، أو الطواف بين الصفا و المروة.

(1) لصحيحة سعيد بن يسار المتقدمة، فانها تدل على أن الساعي اذا لم يكن حافظا عدد الأشواط فسعيه باطل، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون الشك في الزيادة و النقيصة، أو في النقيصة فقط.

(2) مر أن السعي يبطل بالشك في عدد اشواطه بين الصفا و المروة، كالشك في عدد أشواط الطواف حول البيت.

بقى هنا شي‌ء و هو انه قد يتوهم أن صحة السعي مشروطة باباحة لباس الساعي، و مركبه اذا سعى راكبا، بدعوى أن السعي في اللباس المغصوب أو المركب المغصوب مبغوض، فلا يمكن التقرب به.

و الجواب: ان الواجب- و هو السعي بين الصفا و المروة- لا يكون متحدا مع الحرام، لأن الواجب عبارة عن السعي بينهما، و طي المسافة مبتدئا من أول‌

____________

(1) الوسائل: الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث: 1.

404

..........

____________

جزء من الصفا متجها نحو المروة، فاذا وصل الى المروة اعتبر ذلك شوطا. ثم يبدأ من المروة متجها نحو الصفا و هكذا الى أن يصنع سبعة أشواط، يكون ختام سعيه بالمروة. و الحرام عبارة عن لبس الثوب المغصوب، أو ركوب الدابة المغصوبة، و هما فعلان موجودان في الخارج و لا يرتبط أحدهما بالآخر، و لا تسري حرمة الحرام الى الواجب، فاذن كما لا يكون الحرام جزءا من الواجب، كذلك لا يكون الواجب مشروطا بعدمه.

فالنتيجة: ان السعي او الطواف، بما أنه من مقولة الأين، و الحرام و هو اللبس أو الركوب من مقولة الوضع فلا يمكن اتحاد أحدهما مع الآخر، فاذن لا أساس لهذا التوهم. و من هنا يظهر حال الستر أيضا، فان غصبيته لا تضر بصحة السعي، حيث إنه غير معتبر فيها، بل لو قلنا باعتباره كما هو معتبر في الطواف فأيضا لا يمنع من صحة السعي، لما تقدم في باب الطواف من أن الواجب لا ينطبق على الحرام و هو ذات القيد، فانه خارج عنه و التقيد بعدمه داخل فيه، و هو أمر معنوي لا وجود له في الخارج على تفصيل تقدم هناك.