تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
405

[الخامس من واجبات عمرة التمتع التقصير]

التقصير و هو الواجب الخامس في عمرة التمتع، و معناه أخذ شي‌ء من ظفر يده أو رجله أو شعر رأسه أو لحيته أو شاربه و يعتبر فيه قصد القربة و لا يكفي النتف عن التقصير (1).

____________

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لأن الوارد في لسان الروايات كلمة الأخذ و التقصير و التقليم دون النتف.

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: إذا فرغت من سعيك و انت متمتع فقصر من شعرك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك و قلم من اظفارك و ابق منها لحجك، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحل منه المحرم- الحديث» (1).

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث السعي: «قال ثم قصر من رأسك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك و قلم اظفارك و ابق منها لحجك، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحل منه المحرم و أحرمت منه» (2).

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سمعته يقول:

طواف المتمتع أن يطوف بالكعبة و يسعى بين الصفا و المروة، و يقصر من شعره، فاذا فعل ذلك فقد أحل» (3).

و منها: صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: «ثمّ ائت منزلك فقصر من شعرك و حل لك كل شي‌ء» (4).

____________

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث: 2.

(4) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث: 3.

406

[مسألة 350: يتعين التقصير في إحلال عمرة التمتع]

(مسألة 350): يتعين التقصير في إحلال عمرة التمتع، و لا يجزئ عنه حلق الرأس (1)،

____________

و هذه الروايات تدل على أن الواجب أحد تلك الأمور من الأخذ أو التقصير أو التقليم، و من الواضح أن النتف لا يكون مصداقا لشي‌ء منها.

و دعوى: أن الغرض من التقصير و الأخذ هو إزالة الشعر، و لا خصوصية لهما، فاذن يجزي النتف أيضا.

مدفوعة: بأن هذه الدعوى بحاجة الى قرينة تدل على ذلك، و لا قرينة لا في نفس تلك الروايات و لا من الخارج، فاذن لا يمكن رفع اليد عن ظهور الروايات في الموضوعية و حملها على الطريقية الصرفة.

فالنتيجة: ان هذه الروايات تدل باطلاقها الناشئ من السكوت في مقام البيان على أن ما يحل به المحرم منحصر بفعل أحد هذه الأمور الثلاثة.

(1) لجملة من النصوص:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «اذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدّته فقد وجب عليك الحلق، و ليس لك التقصير، و إن انت لم تفعل فمخير لك التقصير، و الحلق في الحج أفضل و ليس في المتعة الّا التقصير» (1)، فانها ناصة في أن وظيفة المتمتع التقصير و إن كان ملبدا أو معقوصا، على أساس أن قوله (عليه السّلام): «في الحج» ظاهر في أنه قيد للجميع لا لخصوص الجملة الأخيرة، كما هو واضح.

و منها: صحيحة جميل بن دراج: ا «انه سأل ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة، قال: ان كان جاهلا فليس عليه شي‌ء، و ان تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شي‌ء، و إن تعمد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث: 8.

407

..........

____________

الشعر للحج فان عليه دما يهريقه» (1) فانها تدل على عدم جواز الحلق للمتمتع بعد ثلاثين يوما من أول شهور الحج عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي، و مقتضى اطلاقها عدم جواز ذلك له حتى بعد اعمال العمرة و الفراغ منها، و حتى اذا لبدّ شعره أو عقصه، و اذا فعل ذلك و الحال هذه عامدا و عالما فعليه دم.

فالنتيجة: ان وظيفة المتمتع التقصير دون الحلق.

قد يقال- كما قيل- ان هذه الروايات معارضة بروايات أخرى تدل باطلاقها على أن وظيفة المتمتع معقوصا أو ملبدا الحلق دون التقصير.

منها: صحيحة هشام بن سالم قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا عقص الرجل رأسه أو لبده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق» (2) فانها تدل على وجوب الحلق على المعتمر اذا كان ملبدا أو معقوصا، و باطلاقها تشمل المتمتع أيضا.

و منها: صحيحة سالم بن الفضيل، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): دخلنا بعمرة نقصر أو نحلق، فقال: احلق، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ترحم على المحلقين ثلاث مرات، و على المقصرين مرة واحدة» (3)، فانها باطلاقها تشمل عمرة التمتع أيضا.

و منها: صحيحة عيص، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل عقص شعر رأسه و هو متمتع، ثم قدم مكة فقضى نسكه و حل عقاص رأسه فقصر و ادهن و احل؟ قال: عليه دم شاة» (4).

و الجواب: ان هذه الروايات لا تصلح أن تعارض الروايات المتقدمة، أما صحيحة هشام فلا يبعد أن يكون المراد من العمرة فيها العمرة المفردة فقط،

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب التقصير، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث: 13.

(4) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث: 9.

408

..........

____________

دون الأعم منها و من عمرة التمتع، و ذلك بقرينة جعلها في مقابل الحج، و على تقدير تسليم أنها مطلقة، فمن الواضح ان اطلاقها لا يصلح أن يعارض دلالة صحيحة معاوية المتقدمة، و هي قوله (عليه السّلام): «ليس في المتعة الّا التقصير» فانه باعتبار كونه مسبوقا فيها ببيان أن وظيفة المعقوص أو الملبد في الحج تعين الحلق، و وظيفة غيره فيه التخيير بينه و بين التقصير، فتكون هذه المسبوقية قرينة على أن وظيفة المتمتع في كلتا الحالتين التقصير، و بذلك تصبح دلالة صحيحة معاوية أقوى و أظهر من الدلالة الاطلاقية لصحيحة هشام، و حينئذ فلا بد من تقديمها عليها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر، و أما صحيحة سالم فالظاهر أن موردها العمرة المفردة دون الأعم منها و من عمرة التمتع بقرينة تخيير المعتمر فيها بين الحلق و التقصير و ان كان الحلق أفضل، مع أن وظيفة المتمتع في عمرة التمتع هي التقصير فقط لا غيره، كما أنه لا بد من حملها على غير المعقوص و الملبد، بقرينة ان المعتمر بالعمرة المفردة اذا كان شعره معقوصا أو ملبدا كانت وظيفته الحلق فحسب، لا التخيير بينه و بين التقصير.

و أما صحيحة عيص فهي مجملة، باعتبار أن قوله (عليه السّلام): «فقضى نسكه» لا يكون ظاهرا في أن المراد من النسك فيه خصوص نسك العمرة، اذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون المراد منه جميع النسك الواجبة عليه من الوقوفين و اعمال منى، و على هذا الاحتمال فالصحيحة خارجة عن محل الكلام.

فالنتيجة: في نهاية المطاف أن وظيفة المتمتع التقصير و إن كان شعره معقوصا أو ملبدا، و لا يجزي الحلق، بل عليه كفارة اذا كان عامدا و ملتفتا.

و هناك صحيحة اخرى لمعاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: ينبغي للصرورة أن يحلق و إن كان قد حج فإن شاء قصر و إن شاء حلق، فاذا لبدّ شعره‌

409

بل يحرم الحلق عليه و إذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة إذا كان عالما عامدا بل مطلقا على الأحوط (1).

____________

أو عقصه، فان عليه الحلق و ليس له التقصير» (1).

و ذكر السيد الاستاذ (قدّس سرّه) على ما في تقرير بحثه ان هذه الصحيحة صريحة في أن الحلق على الملبد و المعقوص انما هو في الحج، و بها نرفع اليد عن اطلاق صحيحة هشام و تقييده بالعمرة المفردة.

و فيه ان الصحيحة لا تدل على أن وجوب الحلق منحصر بالملبد و المعقوص في الحج فقط دون غيره، لا بالنص و لا بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، اما بالنص فظاهر حيث لم تكن فيها أداة حصر لكي تنص بسببها على حصر الحلق بالملبد و المعقوص في الحج فقط، و أما بالاطلاق فلأن الصحيحة انما هي في مقام بيان وظيفة الحاج فقط، و تدل على تعيّن الحلق عليه اذا كان ملبدا أو معقوصا، و لا نظر لها الى وظيفة المعتمر بعمرة التمتع اذا كان ملبدا أو معقوصا و أنها الحلق أو التقصير، و ساكتة عنها، و عليه فكيف تكون مقيدة لإطلاق صحيحة هشام. و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنها مطلقة، و لكن بما أن اطلاقها ناشئ عن السكوت في مقام البيان فلا تصلح أن تعارض صحيحة هشام، باعتبار أن اطلاقها لفظي و اطلاق هذه الصحيحة سكوتي، و قد ذكرنا في غير مورد ان الاطلاق السكوتي لا يمكن أن يعارض الاطلاق اللفظي.

(1) في الاحتياط اشكال بل منع، و الأقوى أنه لا كفارة على من حلق رأسه جاهلا بالحكم و لا شي‌ء عليه، و انما الكفارة على من حلق رأسه عامدا و ملتفتا.

و تنص على هذا التفصيل صحيحة جميل بن دراج (2) المتقدمة. و أما رواية ابي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 4 من أبواب التقصير، الحديث: 5.

410

[مسألة 351: إذا جامع بعد السعي و قبل التقصير جاهلا بالحكم فعليه كفارة بدنة على الأحوط]

(مسألة 351): إذا جامع بعد السعي و قبل التقصير جاهلا بالحكم فعليه كفارة بدنة على الأحوط (1).

____________

بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه، قال:

عليه دم يهريقه- الحديث» (1) فهي و إن كانت تدل على وجوب الكفارة في صورة الخطأ، إلّا أنها ضعيفة سندا، فلا يمكن الاعتماد عليها.

(1) بل على الأظهر، و تدل عليه صحيحة الحلبي، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) جعلت فداك إني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي و لم أقصر، قال: عليك بدنة، قال: قلت: إني لمّا أردت ذلك منها و لم تكن قصرت امتنعت فلمّا غلبتها قرضت بعض شعرها باسنانها. فقال: رحمها اللّه كانت أفقه منك، عليك بدنة و ليس عليها شي‌ء» (2) بتقريب أنها ظاهرة في أن الحلبي كان جاهلا بالمسألة، و قوله (عليه السّلام) في ذيلها: «رحمها اللّه كانت أفقه منك» صريح في ذلك، و على هذا فلا مانع من الالتزام بالكفارة على الجاهل في مورد الصحيحة.

نعم، قد يقال: ان صحيحة معاوية بن عمار، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن متمتع وقع على أهله و لم يزر، قال: ينحر جزورا، و قد خشيت أن يكون قد ثلم حجه ان كان عالما، و ان كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و سألته عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء، قال: عليه جزور سمينة، و إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء- الحديث» (3) تنص على نفي الكفارة عن الجاهل، و حيث إنها ناصة في ذلك، و صحيحة الحلبي ظاهرة في ثبوتها عليه، فلا بد من تقديمها عليها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص، هذا.

و لكن ذلك مبني على كون الصحيحة مشتملة على جملة «لم يقصر» و اشتمالها عليها غير معلوم، باعتبار أن الكليني روى هذه الرواية بنفس السند‌

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من ابواب التقصير، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب التقصير، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث: 1.

411

[مسألة 352: يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي، فلو فعله عالما عامدا لزمته الكفارة]

(مسألة 352): يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي، فلو فعله عالما عامدا لزمته الكفارة (1).

[مسألة 353: لا تجب المبادرة الى التقصير بعد السعي فيجوز فعله في أيّ محل شاء]

(مسألة 353): لا تجب المبادرة الى التقصير بعد السعي فيجوز فعله في أيّ محل شاء (2) سواء كان في المسعى أو في منزله أو غيرهما.

____________

و المتن في موردين، رواها في أحدهما مشتملة على جملة «لم يقصر» و في الآخر مشتملة على جملة «لم يزر» و كذلك الشيخ (رحمه اللّه).

و بما أن الظاهر كون الرواية رواية واحدة بقرينة اتحاد السند و المتن، فاذن لا نعلم أن الصادر من الامام (عليه السّلام) هل هو نسخة «لم يقصر» أو نسخة «لم يزر» فلو كان الثابت النسخة الأولى لكانت الصحيحة حاكمة على صحيحة الحلبي، و لو كان الثابت النسخة الثانية فالرواية أجنبية عن محل الكلام، فان موردها حينئذ طواف الحج، و حيث إن شيئا من النسختين غير ثابت، فلا يمكن الاستدلال بها لا هنا و لا هناك.

فالنتيجة: انه لا مانع من الالتزام بصحيحة الحلبي في موردها.

و دعوى: أن المشهور قد أعرضوا عنها، فيكون اعراضهم قرينة على سقوطها عن الحجية.

مدفوعة: بما ذكرناه غير مرة من أنه لا أثر لاعراض المشهور عن الرواية المعتبرة، و إنه لا يوجب سقوطها عن الاعتبار و خروجها عن دليل الحجية، على تفصيل قدمناه في علم الأصول.

(1) هذا لا لدليل خاص في المسألة، بل من جهة الروايات العامة التي تدل على أن من قلم ظفره و نتف ابطه، و حلق رأسه، فان كان ناسيا أو جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان عامدا و ملتفتا فعليه دم شاة، و قد تقدم الكلام فيها في باب الكفارات.

(2) لعدم دليل يدل على وجوب المبادرة اليه، لأن ما يجب على المعتمر‌

412

[مسألة 354: إذا ترك التقصير عمدا فأحرم للحج بطلت عمرته]

(مسألة 354): إذا ترك التقصير عمدا فأحرم للحج بطلت عمرته و الظاهر أن حجه ينقلب الى الافراد (1)

____________

بعمرة التمتع هو أن يفرغ من أعمالها و واجباتها في وقت يتمكن من احرام الحج، و ادراك الموقف، و لا يكون لها وقت محدد زمنا.

(1) هذا لموثقة ابي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المتمتع اذا طاف و سعى ثم لبّى بالحج قبل أن يقصر، فليس له أن يقصر و ليس له متعة» (1) فانها تدل على بطلان عمرته بذلك، و لا يكون حجّه حينئذ حج متعة، و حيث إن ظاهر الموثقة انه ظل على احرامه بقرينة منعه عن التقصير فبطبيعة الحال ينقلب الى الافراد.

و بكلمة: ان ظاهر الموثقة انه اذا لبّى للحج قبل التقصير انعقد احرامه، و بما أن حجه ليس بمتعة فلا محالة يكون افرادا، و هذا يكشف عن أن احرامه انقلب عن احرام حج التمتع الى احرام حج الافراد، ثم ان مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون ذلك صادرا منه عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي أو جاهلا به.

فالنتيجة: ان قوله (عليه السّلام): «و ليس له متعة» ناص في بطلان عمرته، و أن حجه هذا ليس بحج تمتع، كما أن قوله (عليه السّلام): «فليس له أن يقصر» ناص في صحة احرامه و أنه منعقد، فاذن لا مناص من القول بانقلابه الى احرام حج الافراد و ان نوى احرام حج التمتع، و تؤيد ذلك رواية العلاء بن الفضيل، قال: «سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل أن يقصر، قال: بطلت متعته هي حجة مبتولة» (2) هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى أن مقتضى اطلاق الموثقة انه اذا لبى بالحج انعقد احرامه و انقلبت وظيفته من التمتع الى الإفراد، و ليس له التقصير حينئذ مطلقا،

____________

(1) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث: 4.

413

فيأتي بعمرة مفردة بعده و الأحوط اعادة الحج في السنة القادمة (1).

[مسألة 355: إذا ترك التقصير نسيانا فأحرم للحج صحت عمرته]

(مسألة 355): إذا ترك التقصير نسيانا فأحرم للحج صحت عمرته (2)

____________

و إن كان الوقت واسعا لوضوح أنه لا فرق في ذلك بين سعة الوقت و ضيقه، لأن الاحرام اذا بطل قبل التقصير قصر فورا، و احرم من جديد، و من المعلوم أن ذلك لا يتوقف على وقت، اذ يمكن أن يصنع ذلك اثناء السير في الطريق الى عرفات، فاذن يكون اطلاق الموثقة من هذه الناحية محكما.

و من ناحية ثالثة هل يكفي حج الافراد عن التمتع، أو أنه يجب عليه الاتيان به في العام القادم؟

و الجواب: انه يكفي عن التمتع باعتبار أن ذمته انقلبت حينئذ من التمتع الى الإفراد و تشتغل به، فاذا أتاه و بعد بالعمرة المفردة برئت منه أيضا، و عندئذ فلا مقتضى للإتيان بالتمتع في السنة القادمة.

(1) في الاحتياط اشكال بل منع، لما مر من أن مقتضى موثقة ابي بصير المتقدمة انقلاب وظيفته من التمتع الى الإفراد، و بعد الانقلاب و الاتيان به و بعمرة مفردة بعده فلا مقتضى للاحتياط و لا شي‌ء عليه.

(2) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) و تنص عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن رجل أهل بالعمرة و نسي أن يقصر حتى دخل في الحج، قال: يستغفر اللّه و لا شي‌ء عليه و قد تمت عمرته» (1)، و مقتضى هذه الصحيحة ان عمرته تامة و لا شي‌ء عليه غير الاستغفار.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل متمتع نسي أن يقصر حتى أحرم بالحج، قال: يستغفر اللّه عز و جل» (2)، فان ظاهرها أيضا صحة العمرة و لا شي‌ء عليه غير الاستغفار.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت ابا ابراهيم (عليه السّلام)

____________

(1) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث: 1.

414

..........

____________

عن رجل تمتع بالعمرة الى الحج، فدخل مكة فطاف و سعى و لبس ثيابه و أحل، و نسي أن يقصر حتى خرج الى عرفات، قال: لا بأس به، يبني على العمرة و طوافها و طواف الحج على أثره» (1)، فانها ظاهرة في صحة العمرة أيضا، و مقتضى اطلاقها الناشئ من السكوت في مقام البيان عدم وجوب شي‌ء عليه كالتقصير أو غيره.

فالنتيجة: ان الصحيحتين الأخيرتين ظاهرتان في صحة عمرته و تماميتها و عدم وجوب شي‌ء عليه، و صحيحة معاوية المتقدمة ناصة في ذلك، و في مقابلها موثقة اسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي ابراهيم (عليه السّلام) الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج، فقال: عليه دم يهريقه» (2)، فانها تدل بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان على تمامية العمرة، و تدل بالنص على وجوب الكفارة عليه، و هي دم شاة، و على هذا فان لوحظ نسبة هذه الموثقة الى صحيحة عبد اللّه بن سنان و صحيحة الحجاج المتقدمتين فهي تتقدم عليهما، لأن دلالتها على وجوب الكفارة دلالة لفظية، و دلالتهما على عدم وجوبها بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، و قد ذكرنا غير مرة أن هذه الدلالة من أضعف مراتب الدلالات، و تتقدم عليها سائر أصنافها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر، و إن لوحظ نسبتها الى صحيحة معاوية المتقدمة، و حينئذ فان كان المراد من الشي‌ء في قوله (عليه السّلام) في ذيل الصحيحة: «و لا شي‌ء عليه» أعم من التقصير و الكفارة، فتصلح الموثقة أن تكون مقيدة لإطلاقه بخصوص التقصير، تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيّد، و إن كان المراد منه خصوص الكفارة فالامر بالعكس، فان الصحيحة ناصة في نفي الكفارة، و الموثقة ظاهرة في ثبوتها، فلا بد من رفع اليد عن ظهورها بنص الصحيحة من باب تطبيق حمل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث: 6.

415

و الأحوط التكفير عن ذلك بشاة (1).

[مسألة 356: إذا قصر المحرم في عمرة التمتع حلّ له جميع ما كان يحرم عليه من جهة احرامه ما عدا الحلق]

(مسألة 356): إذا قصر المحرم في عمرة التمتع حلّ له جميع ما كان يحرم عليه من جهة احرامه ما عدا الحلق، أما الحلق ففيه تفصيل و هو أن المكلف إذا أتى بعمرة التمتع في شهر شوال جاز له الحلق الى مضي ثلاثين يوما من يوم عيد الفطر و أما بعده فالأحوط أن لا يحلق (2)،

____________

الظاهر على النص. ثم ان الصحيحة هل هي ظاهرة في أن المراد من الشي‌ء خصوص الكفارة، أو الأعم منها و من التقصير؟

و الجواب: انه لا يبعد أن يكون المراد منه الأعم من التقصير، و عليه فثبوت الكفارة في المقام لو لم يكن أقوى فلا شبهة في أنه أحوط.

(1) بل لا يبعد ذلك، و يظهر وجهه مما تقدم.

(2) بل على الأظهر، و ذلك لظهور جملة من الروايات في عدم الجواز:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث السعي:

«قال: ثم قصر من رأسك من جوانبه، و لحيتك، و خذ من شاربك، و قلم اظفارك، و ابق منها لحجك، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحل منه المحرم و أحرمت منه» (1) بتقريب أن الأمر بالبقاء للحج يدل على عدم جواز الحلق الى أن يجي‌ء وقته، و الّا فلا مبرر له.

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: اذا فرغت من سعيك و أنت متمتع فقصر من شعرك من جوانبه و لحيتك، و خذ من شاربك، و قلم من اظفارك، و ابق منها لحجك، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحل منه المحرم- الحديث» (2).

و منها: صحيحة جميل بن دراج قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة، قال: إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء، و إن تعمد ذلك في أول‌

____________

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث: 4.

416

و إذا حلق فالأحوط التكفير عنه بشاة إذا كان عن علم و عمد (1).

____________

شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شي‌ء، و إن تعمد ذلك بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه» (1)، فانها تدل باطلاقها على عدم جواز الحلق حتى بعد أعمال العمرة و قبل موعد الحج و إن أصبح محلا من احرام العمرة، حيث ان عدم جواز الحلق ليس من آثار احرامها، بل هو من آثار الحج، فان من أراده فعليه أن يوفر شعره بعد مضي ثلاثين يوما من أول شهور الحج الى بعد اعمال منى سواء أ كان محرما أم لا.

فالنتيجة: ان من يقوم باعمال العمرة و أتى بها و قصر خرج عن الإحرام، و أحل له كل شي‌ء يحل منه المحرم الا الحلق، حيث لم يجز ذلك له الى اليوم العاشر من ذي الحجة.

و دعوى: ان هذه الروايات ساقطة عن الحجية باعراض الأصحاب عنها.

مدفوعة: بما ذكرناه غير مرة من أنه لا قيمة لاعراضهم عن الرواية، و لا يوجب سقوطها عن الحجية و خروجها عن دليل الاعتبار، فانه انما يوجب ذلك عند توفر أمرين فيه:

أحدهما: أن يكون ذلك من قدماء الأصحاب الذين يكون عصرهم متصلا بعصر اصحاب الأئمة (عليه السّلام) في نهاية المطاف.

و الآخر: أن لا يكون في المسألة ما يحتمل كونه مدركا لهم أو لمعظمهم، فاذا توفر هذان الأمران فيه كان ذلك كاشفا عن وجود خلل فيها من زمان الأئمة (عليهم السّلام) و وصوله إلينا يدا بيد. و قد ذكرنا في محله انه لا طريق لنا الى احراز توفر كلا الأمرين معا.

(1) بل هو الأقوى لدلالة صحيحة جميل بن دراج المتقدمة عليه، و عدم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 5 من أبواب الاحرام، الحديث: 1.

417

[مسألة 357: لا يجب طواف النساء في عمرة التمتع]

(مسألة 357): لا يجب طواف النساء في عمرة التمتع (1) و لا بأس بالاتيان به رجاء، و قد نقل شيخنا الشهيد (قدّس سرّه) وجوبه عن بعض العلماء.

____________

وجود معارض لها، أو حاكم عليها، فاذن لا مبرر لرفع اليد عن ظهورها في وجوب الكفارة.

(1) هذا مما لا اشكال فيه، و تنص عليه صحيحة صفوان بن يحيى، قال:

«سأله ابو حرث عن رجل تمتع بالعمرة الى الحج فطاف و سعى و قصر، هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، انما طواف النساء بعد الرجوع من منى» (1).

و في مقابلها رواية سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السّلام): «قال: اذا حج الرجل فدخل مكة متمتعا فطاف بالبيت، و صلى ركعتين خلف مقام ابراهيم (عليه السّلام) و سعى بين الصفا و المروة و قصر، فقد حل له كل شي‌ء ما خلا النساء، لأن عليه لتحلّة النساء طوافا و صلاة» (2) بدعوى أنها تدل على وجوب طواف النساء في عمرة التمتع.

و الجواب: إن الرواية ضعيفة سندا، لأن في سندها سليمان بن حفص المروزي، و هو ممن لم يثبت توثيقه، و مجرد انه وارد في اسناد كامل الزيارات لا يكفي و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنها تامة سندا، فاذن يقع التعارض بينها و بين صحيحة صفوان بن يحيى، فتسقطان معا من جهة المعارضة، فالمرجع يكون حينئذ أصالة البراءة عن وجوبه، هذا اضافة الى أن طواف النساء لو كان واجبا في عمرة التمتع لشاع بين أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) لمكان الابتلاء به في كل سنة، مع أنه لا قائل به منهم عدا ما نسب الشهيد (قدّس سرّه) الوجوب الى فرد مجهول.

فالنتيجة: انه لا شبهة في عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتع.

نتيجة ما ذكرناه حول التقصير في عمرة التمتع أمور:

الأول: ان التقصير في عمرة التمتع متمثل في أحد أمور:

____________

(1) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث: 6.

(2) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث: 7.

418

..........

____________

1- الأخذ من الشارب.

2- تقليم الاظفار.

3- التقصير من شعر الرأس أو اللحية، و لا يكفى النتف، و لا يجوز له الحلق حتى اذا كان ملبدا أو معقوصا، فلو فعل ذلك متعمدا فعليه كفارة دم.

الثاني: ان المتمتع بعمرة التمتع، اذا أتى أهله قبل التقصير فعليه كفارة بدنة حتى إذا كان جاهلا بالحكم على الأظهر، و أما اذا قلم ظفره، أو نتف ابطه، أو حلق رأسه، فان كان ناسيا، أو جاهلا، فلا شي‌ء عليه، و إن كان متعمدا فعليه دم شاة.

الثالث: ان المتمتع اذا لبى بالحج قبل التقصير بطلت عمرته، و انقلب حجه من التمتع الى الافراد من دون فرق فيه بين أن يكون جاهلا بالحكم أو عالما به.

و قد تسأل: أنه اذا أتى بحج الافراد، فهل هو يجزى عن حج التمتع؟

و الجواب: انه يجزئ على الأظهر شريطة أن يأتي بعده بعمرة مفردة، و أما إذا نسى أن يقصر و أهل بالحج فالظاهر أن عمرته تامة، و لكن لا يبعد ثبوت كفارة دم عليه. و هل يلحق الجاهل المركب بالناسي؟ لا يبعد الالحاق.

الرابع: ان على المتمتع بالعمرة الى الحج أن يوفر شعره بعد مضي ثلاثين يوما من أول شهور الحج، و لا يجوز له أن يحلق الى اليوم العاشر من ذي الحجة.

419

[واجبات الحج ثلاثة عشر]

[1- احرام الحجّ]

احرام الحجّ تقدم في الصفحة (المسألة 149) أن واجبات الحج ثلاثة عشر ذكرناها مجملة، و إليك تفصيلها:

الاول: الاحرام، و أفضل اوقاته يوم التروية، و يجوز التقديم عليه بثلاثة أيام (1)، و لا سيما بالنسبة الى الشيخ الكبير و المريض إذا خافا من الزحام، فيحرمان و يخرجان قبل خروج الناس، و تقدم جواز الخروج من مكة محرما بالحج لضرورة بعد الفراغ من العمرة في أيّ وقت كان.

____________

(1) لموثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: «سألته عن الرجل يكون شيخا كبيرا او مريضا يخاف ضغاط الناس و زحامهم، يحرم بالحج و يخرج إلى منى قبل يوم التروية، قال: نعم، قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا أو يتروح بذلك المكان، قال: لا، قلت: يعجل بيوم، قال: نعم، قلت:

بيومين، قال: نعم، قلت: ثلاثة، قال: نعم، قلت: اكثر من ذلك، قال: لا» (1) فانها تنص على جواز تقديم احرام الحج ثلاثة أيام مطلقا للصحيح و المريض و الشيخ الكبير و غيره، و لا يجوز اكثر من ذلك، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى قد ذكرنا مفصلا في المسألة (3) من (فصل صورة حج التمتع) أنه ليس للعمرة وقت محدد زمني من ناحية المنتهى، و المعيار فيه انما هو بخوف فوت الركن من الوقوف بعرفات، فاذا خاف فوته من القيام بالاتيان بالعمرة لم يجز، و حينئذ فتنتقل وظيفته من التمتع الى الافراد، و قد ذكرنا هناك ان ذلك هو مقتضى الجمع بين روايات المسألة بمختلف السنتها، فلاحظ.

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 1.

420

[مسألة 358: كما لا يجوز للمعتمر إحرام الحج قبل التقصير لا يجوز للحاج أن يحرم للعمرة المفردة قبل إتمام اعمال الحج]

(مسألة 358): كما لا يجوز للمعتمر إحرام الحج قبل التقصير لا يجوز للحاج أن يحرم للعمرة المفردة قبل إتمام اعمال الحج (1)، نعم، لا مانع منه بعد إتمام النسك قبل طواف النساء.

____________

(1) هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، و قد استدل على ذلك بوجوه:

الأول: الاجماع. و فيه ما تقدم منا غير مرة من أنه لا يمكن الاعتماد عليه.

الثاني: ان الروايات الواردة في باب الإحرام ظاهرة في احرام المحل، و منصرفة اليه، سواء أ كان للحج أم للعمرة، متعة كانت أم منفردة، باعتبار أن الأمر بالاحرام ظاهر عرفا في احداثه، و أما اذا كان الشخص محرما فلا يصدق عليه انه أحرم، يعنى أحدث الإحرام.

و الجواب: ان الروايات و إن كانت ظاهرة في احداث الإحرام، الّا أن المحرم للحج إذا احرم للعمرة المفردة صدق أنه أحدث الإحرام لها، على أساس أن الإحرام أول جزء من كل من الحج و العمرة مستقلا، و على هذا فاذا احرم للحج، ثم احرم للعمرة صدق أنه أحدث احرام العمرة كإحرام الحج.

و بكلمة: ان الاحرام لو لم يكن جزء من الحج و العمرة، بأن يكون مقدمة لهما، فعندئذ لا معنى للإحرام ثانيا من أجل العمرة، لفرض أن ما هو مقدمة لهما قد تحقق، و تحصيله مرة ثانية لا معنى له، لأنه تحصيل للحاصل.

و إن شئت قلت: إن جزء الحج حصة خاصة من الإحرام، و هي الإحرام بقصد حج التمتع، و من المعلوم أنه مباين للإحرام بقصد العمرة المفردة أو عمرة التمتع، على أساس أن قصد اسم العبادة المميز لها شرعا من مقدماتها، فاذا أحرم قاصدا به احرام حج التمتع، ثم أحرم قاصدا به احرام العمرة المفردة- مثلا- كان الثاني مباينا للأول، فاذن كيف لا يصدق عليه احداث الإحرام من جديد.

421

..........

____________

و عليه فلا مانع لمن كان محرما باحرام الحج أن يحرم للعمرة المفردة أيضا، لأنهما حصتان متباينتان، و لا مانع من ايجاد احداهما بعد الأخرى، هذا نظير ما لو قلنا بجواز ادخال صلاة في صلاة أخرى، فان تكبيرة الاحرام في الصلاة الأولى لا تمنع عن تكبيرة الاحرام في الصلاة الثانية.

و دعوى: ان اثر الاحرام حرمة اشياء معينة محدودة، و المفروض أنها قد حرمت بالاحرام الأول، فاذن لا أثر للإحرام الثاني.

مدفوعة: بأن حقيقة الاحرام عبارة عن التلبية، فاذا لبّى لعمرة مفردة تحقق احرامها، و إن لم تترتب عليه آثاره لسبب أو آخر، هذا اضافة الى أنه لا مانع من حرمتها عليه من جهتين.

الثالث: ان ذلك لو كان مشروعا و سائغا لوقع في الخارج مرة أو اكثر، مع أنه لا عين له و لا أثر.

و الجواب: ان عدم وقوعه في الخارج لا يكون دليلا على عدم مشروعيته، لأن عدم وقوعه فيه إنما هو باعتبار أنه على خلاف المتعارف و المرتكز في الأذهان، مع أنه لا مبرر له، لأن المكلف بدل ما يأتي بالعمرة أثناء الحج يأتي بها بعد الفراغ منه.

الرابع: ان الروايات الناهية عن الخروج من مكة بعد عمرة التمتع تدل على عدم مشروعية العمرة المفردة له، باعتبار أنها تتوقف على الخروج من مكة و لو الى أدنى الحل، و هو غير جائز.

و الجواب، أولا: ما ذكرناه في المسألة (2) من (فصل في صورة حج التمتع على الاجمال) من أن المستفاد من الروايات الناهية عن الخروج عن مكة بعد اعمال عمرة التمتع هو عدم جواز الخروج منها اذا خاف فوت الحج لا مطلقا، على تفصيل تقدم هناك.

422

[مسألة 359: يتضيق وقت الاحرام فيما إذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة]

(مسألة 359): يتضيق وقت الاحرام فيما إذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة (1).

[مسألة 360: يتحد احرام الحج و احرام العمرة في كيفيته و واجباته و محرماته]

(مسألة 360): يتحد احرام الحج و احرام العمرة في كيفيته و واجباته و محرماته، و الاختلاف بينهما إنما هو في النية فقط (2).

____________

و ثانيا: ان مورد الروايات عدم جواز الخروج بعد اعمال العمرة، و محل الكلام هنا الخروج من أجل الاتيان بالعمرة المفردة اثناء أعمال الحج، و هو غير مشمول لها، و من هنا لا دليل على انقلابها متعة، بل انها إما أن تكون باطلة أو صحيحة مفردة. نعم لا يجوز الفصل بين عمرة التمتع و بين الحج بعمرة مفردة، لما مر من أن عمرة التمتع لا بد أن تكون موصولة بالحج، و لا يجوز الفصل بينهما بعمرة مفردة. و ينص عليه قوله (عليه السّلام) في صحيحة حماد بن عيسى: «و إن دخل في غير الشهر دخل محرما، قلت: فأي الاحرامين و المتعتين، متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته، و هي المحتبس بها التي وصلت بحجته- الحديث» (1) بتقريب أن قوله (عليه السّلام): «و هي المحتبس بها التي وصلت بحجته» بمثابة التعليل و الاشارة الى أن عمرة التمتع لا بد أن تكون متصلة بالحج، و الحاصل ان العمرة المفردة لا تكون مشروعة بعد عمرة التمتع و قبل الحج، و لكن لا دليل على أنها غير مشروعة اثناء واجبات الحج.

فالنتيجة: انه لا يتم شي‌ء من هذه الوجوه، و عليه فصحة العمرة المفردة خلال اعمال الحج غير بعيدة.

(1) فيه ان المعيار في ضيق الوقت إنما هو بخوف فوت الركن من الوقوف، كما تقدم ذلك موسعا ضمن المسألة (3) من (فصل صورة حج التمتع على الاجمال).

(2) فان الاحرام بما أنه جزء من العمرة و الحج، فلا بد حين الاتيان به أن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب اقسام الحج، الحديث: 6.

423

[مسألة 361: للمكلف أن يحرم للحج من مكة من أي موضع شاء]

(مسألة 361): للمكلف أن يحرم للحج من مكة من أي موضع شاء و لكن الاحوط (1) وجوبا أن يحرم من مكة القديمة،

____________

ينوي أنه من واجبات الحج أو العمرة، فاذا كان للعمرة فينوي الإحرام لعمرة التمتع من حجة الإسلام قربة الى اللّه تعالى، و إذا كان للحج فينوي الإحرام لحجة الإسلام كذلك، و أما صورته نفس صورة الإحرام لعمرة التمتع.

(1) في الاحتياط اشكال بل منع، و إن كان الأولى و الأجدر، و ذلك لأن صحيحة حريث الصيرفي، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): من أين اهل بالحج، فقال: إن شئت من رحلك و إن شئت من الكعبة، و إن شئت من الطريق» (1) تنص على أنه ليس لإحرام الحج موضع معين، بل الحاج مخير بين أن يحرم من منزله، أو من المسجد، أو من الطريق.

و دعوى: أن رحله في ذلك الزمان لما كان في مكة القديمة، فلا محالة يكون المتيقن هو الإحرام منها.

مدفوعة أولا: بأن المراد من مكة القديمة و هو مكة في زمن الرسول الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و أما في زمن الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) فقد توسعت و أحدث فيها ما لم يكن في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و على هذا فمقتضى اطلاق قوله (عليه السّلام): «من رحلك» يعم ما اذا كان رحله في احياء جديدة بعد زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) هذا اضافه الى أنها تنص على جواز الإحرام من الطريق، و هو يعم الطريق في خارج مكة، و على ذلك فلا خصوصية لمكة القديمة.

و دعوى: ان صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): اذا دخلت مكة و انت متمتع، فنظرت الى بيوت مكة، فاقطع التلبية، و حد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن، فاقطع التلبية، و عليك بالتكبير و التهليل و التحميد و الثناء على اللّه بما‌

____________

(1) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث: 2.

424

و يستحب له الاحرام من المسجد الحرام (1) في مقام ابراهيم أو حجر اسماعيل (2).

[مسألة 362: من ترك الاحرام نسيانا، أو جهلا منه بالحكم الى أن خرج من مكة، ثم تذكر أو علم بالحكم وجب عليه الرجوع الى مكة]

(مسألة 362): من ترك الاحرام نسيانا، أو جهلا منه بالحكم الى أن خرج من مكة، ثم تذكر أو علم بالحكم وجب عليه الرجوع الى مكة، و لو من عرفات و الاحرام منها (3)،

____________

استطعت» (1) تدل على أن الأحكام مترتبة على مكة القديمة.

مدفوعة: بأن الصحيحة في مقام بيان وجوب قطع التلبية في احرام عمرة التمتع، و تدل على أن وظيفة المحرم في احرامه أن يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة القديمة، في مقابل المحرم باحرام العمرة المفردة، فانه إن كان جائيا من الخارج يقطعها عند دخول الحرم، و إن خرج من مكة الى أدنى الحل يحرم منه ثم يرجع الى مكة فعليه أن يقطع التلبية عند مشاهدة الكعبة، و أما المحرم باحرام الحج فهو يقطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة.

فالنتيجة: ان الصحيحة اجنبية عن الدلالة على أن احرام الحج لا بد أن يكون من مكة القديمة، اذ لا يكون فيها ما يشعر على ذلك، فما ظنك بالدلالة، لأنها مسوقة لتحديد حدود مكة القديمة بلحاظ أن وجوب قطع التلبية في احرام عمرة التمتع مرتبط بذلك فحسب لإتمام أحكام مكة، اذ لا شاهد فيها على ذلك. لحد الآن قد تبين ان الأظهر جواز الاحرام من أيّ موضع من مواضع مكة شاء، بدون فرق بين المحلات القديمة و الحديثة و احيائها الجديدة.

(1) هذا على المشهور، و قد تقدم في الأمر الرابع من (فصل صورة حج التمتع على الاجمال) انه لا دليل على أن الاحرام منه أفضل من الاحرام من سائر المواضع.

(2) تقدم في نفس الفصل ان افضلية الاحرام فيه أيضا غير ثابتة.

(3) هذا هو مقتضى القاعدة، لأن المكلف اذا كان متمكنا من الاحرام عن‌

____________

(1) الوسائل باب: 43 من أبواب الاحرام، الحديث: 1.

425

فان لم يتمكن من الرجوع لضيق الوقت أو لعذر آخر يحرم من الموضع الذي هو فيه و كذلك لو تذكر أو علم بالحكم بعد الوقوف بعرفات و ان تمكن من العود الى مكة و الاحرام منها (1)

____________

الميقات، و هو في مكة المكرمة، وجب عليه ذلك و إن كان بالرجوع من عرفات، و لا يحتاج هذا الى دليل خاص، فان اطلاقات أدلة وجوب الاحرام من الميقات كافية لمن يتمكن منه.

(1) هذا هو الصحيح و ان تذكر و هو بعرفات، و ذلك لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السّلام)، قال: «سألته عن رجل نسي الاحرام في الحج، فذكر و هو بعرفات، ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك و سنة نبيك (صلّى اللّه عليه و آله) فقد تم احرامه- الحديث» (1)، فانها تدل باطلاقها على عدم وجوب العود الى مكة، و الاحرام منها، ثم الرجوع الى عرفات و ادراك الموقف فيها و إن كان متمكنا من ذلك، و الّا لكان على الإمام (عليه السّلام) تقييد حكمه بتمامية الاحرام بما اذا لم يتمكن من العود.

و دعوى: أن الرواية ناظرة الى زمان صدورها، و في ذلك الزمان اذا كان الحاج في عرفات و تذكر أنه نسى الإحرام لم يتمكن من العود الى مكة و الاحرام منها ثم الرجوع الى عرفات و ادراك الموقف فيها.

مدفوعة: (أما أولا) فلأن الامام (عليه السّلام) في مقام بيان الحكم الكلي العام بدون خصوصية لزمن صدوره، فلو كان هذا الحكم مختصا بغير المتمكن لكان على الامام (عليه السّلام) أن ينصب قرينة على ذلك، و مجرد أنه غير متمكن من الرجوع الى مكة و الإحرام منها و ادراك الموقف في زمن صدورها لا يصلح أن يكون قرينة على اختصاص الحكم بغير المتمكن مطلقا حتى في زماننا هذا، فان اطلاق الحكم فيها و عدم تقييده بغير المتمكن، مع أنه في مقام البيان يدل على اطلاقه، و أنه اذا تذكر و هو بعرفات لم يجب عليه الرجوع و إن تمكن منه.

و ثانيا: انه قد يتمكن في ذلك الزمن أيضا من العود الى مكة و الاحرام و لو‌

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث: 8.

426

و لو لم يتذكر و لم يعلم بالحكم الى أن فرغ من الحج صح حجه (1).

____________

منها، ثم الرجوع الى عرفات لإدراك الموقف، كما اذا كانت عنده دابة سريعة السير، أو ناقة أو فرس كذلك، و لا سيّما بناء على ما قويناه من جواز الاحرام من مكة مطلقا، فانه حينئذ اذا عاد من عرفات أحرم من أول نقطة منها الى عرفات و هي أقرب اليها من المسجد بثلث المسافة أو أكثر. و من هنا يظهر حكم ما اذا تذكر بعد الموقف، كما اذا تذكر في المشعر أنه نسى الاحرام لم يجب عليه الرجوع و إن تمكن منه و ادراك الموقف في المشعر، و ذلك لعدم احتمال أن يكون للتذكر في عرفات خصوصية.

(1) تدل على ذلك صحيحة علي بن جعفر (عليه السّلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام)، قال: «سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر و هو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك و سنة نبيك (صلّى اللّه عليه و آله)، فقد تم احرامه، فان جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده ان كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه» (1).

بقي هنا أمران: أحدهما: ان مورد السؤال الأول في الصحيحة نسيان الإحرام و تذكره و هو بعرفات.

و الآخر: أن مورد السؤال الثاني فيها الجهل بالإحرام و العلم به بعد الفراغ من المناسك كلها، و الرجوع الى بلده.

و قد تسأل: هل يمكن التعدي عن مورد السؤال الأول الى الجهل بالاحرام؟

و الجواب: انه لا مانع منه أما أولا: فلأن الجهل المركب كالنسيان، فلا فرق بينهما الّا في المنشأ و السبب.

و ثانيا: ان قوله (عليه السّلام): «اللهم على كتابك و سنة نبيك (صلّى اللّه عليه و آله)» ظاهر عرفا في‌

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث: 8.

427

[مسألة 363: من ترك الاحرام عالما عامدا لزمه التدارك]

(مسألة 363): من ترك الاحرام عالما عامدا لزمه التدارك فان لم يتمكن منه قبل الوقوف بعرفات فسد حجه و لزمته الاعادة من قابل (1).

____________

كفايته عن الاحرام للمعذور، بلا خصوصية للنسيان، و على هذا فلا فرق بين الناسي و الجاهل، سواء أ كان جهله مركبا أم كان بسيطا، شريطة أن يكون معذورا فيه، و أما اذ لم يكن معذورا فيه، فهو تارك للإحرام متعمدا و بدون عذر، و عندئذ فلا يمكن الحكم بصحة حجّه.

و قد تسأل: هل يمكن التعدي عن مورد السؤال الثاني الى نسيان الاحرام و تذكره بعد أداء المناسك و الرجوع الى بلده؟

و الجواب: نعم، أما أولا، فلأن الظاهر من الجهل في الصحيحة الجهل المركب، و هو كالنسيان فلا فرق بينهما الّا في المنشأ.

و ثانيا: على تقدير تسليم أن يكون المراد منه الأعم من الجهل البسيط، الّا أنه لا شبهة في أن المراد منه الجهل العذري، دون الأعم منه و من غير العذري، و على هذا فالمتفاهم العرفي منها أن تارك الإحرام اذا كان معذورا سواء أ كان من جهة الجهل بالحكم أم النسيان، و التفت اليه بعد قضاء المناسك كلها فلا شي‌ء عليه.

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) حيث ان الفساد حينئذ يكون على القاعدة، على أساس أن المأمور به لا ينطبق على الفرد المأتي به في الخارج الفاقد للجزء أو الشرط، فان الحاج اذا ترك الاحرام عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي، و وقف في عرفات بطل وقوفه، لأن صحته مشروطة بكونه مسبوقا بالاحرام، و ملحوقا بسائر الاجزاء و المناسك. نعم هنا مسألة أخرى و هي أن من يكون معذورا من الوقوف بعرفات لسبب من الأسباب، فهل يجوز له أن يؤخر الاحرام عامدا و ملتفتا الى ليلة العيد و يحرم من هذه الليلة للوقوف بالمشعر، أو لا؟

و الجواب: يجوز له ذلك باعتبار أن الإحرام ليس موقتا بوقت معين، و أما‌

428

[مسألة 364: الأحوط أن لا يطوف المتمتع بعد احرام الحج قبل الخروج الى عرفات طوافا مندوبا]

(مسألة 364): الأحوط أن لا يطوف المتمتع بعد احرام الحج قبل الخروج الى عرفات طوافا مندوبا (1) فلو طاف جدّد التلبية بعد الطواف على الأحوط.

____________

الاتيان به قبل الوقوف في عرفات فهو من جهة أن صحته مشروطة بكونه مسبوقا به، و أما من لم يتمكن من ذلك فلا دليل على وجوب الاتيان به قبل زوال يوم عرفة و لا موجب له، و انما يجب عليه الاتيان به في وقت يتمكن من ادراك الوقوف الاختياري في المشعر، حيث إن صحته كصحة الوقوف في عرفات مشروطة بأن يكون مسبوقا بالاحرام، و الّا لم يصح. فالنتيجة ان الاحرام انما يجب فورا اذا خاف أن تأخيره يؤدي الى فوت الموقف عنه و الّا فلا.

(1) في الاحتياط اشكال، و لا بأس بتركه و إن كان أولى و أجدر، و ذلك لأن في المسألة طائفتين من الروايات:

الطائفة الأولى: الروايات التي تنص على أنه لا يجوز للمتمتع أن يطوف طوافا مندوبا بعد إحرام الحج.

منها: صحيحة الحلبي، قال: «سألته عن رجل أتى المسجد الحرام و قد أزمع بالحج، أ يطوف بالبيت؟ قال: نعم، ما لم يحرم» (1) فانها ظاهرة في عدم الجواز اذا أحرم.

و منها: صحيحة حماد بن عيسى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج الى أن قال: فلا يزال على احرامه، فان رجع الى مكة رجع محرما و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس الى منى على احرامه- الحديث» (2) فان قوله (عليه السّلام): «و لم يقرب البيت» كناية عن المنع من الطواف حوله.

____________

(1) الوسائل: الباب 83 من أبواب الطواف الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 22 من أبواب اقسام الحج، الحديث: 6.

429

..........

____________

فالنتيجة: أن مفاد هاتين الروايتين ارشاد الى مانعية الطواف المندوب عن صحة الحج.

الطائفة الثانية: الروايات التي تنص على الجواز.

منها: موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت ابا الحسن (عليه السّلام) عن المتمتع اذا كان شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض يعجل طواف الحج قبل أن يأتى منى، فقال: نعم، من كان هكذا يعجّل، قال: و سألته عن الرجل يحرم بالحج من مكة، ثم يرى البيت خاليا فيطوف به قبل أن يخرج، عليه شي‌ء؟ فقال: لا- الحديث» (1)، فانها ظاهرة في الجواز و عدم المانعية.

و منها: رواية عبد الحميد بن سعيد عن أبي الحسن الأول (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحج، ثم طاف بالبيت بعد احرامه، و هو لا يرى أن ذلك لا ينبغي، أ ينقض طوافه بالبيت احرامه؟ فقال: لا، و لكن يمضى على احرامه» (2) فانها و إن دلت على صحة احرامه الّا أنها ضعيفة سندا، فان في سندها عبد الحميد بن سعيد، و هو ممن لم يثبت توثيقه، فاذن العمدة في هذه الطائفة الرواية الأولى، و حيث إنها ظاهرة في الإرشاد الى عدم مانعية الطواف عن الإحرام، و الطائفة الأولى ظاهرة في الإرشاد الى المانعية، فيقع التعارض بينهما، و بما أنه لا ترجيح في البين، فتسقطان معا، فيكون المرجع أصالة البراءة عن المانعية.

فالنتيجة: ان الأظهر جواز الطواف المندوب بعد احرام الحج، و ان كان الأولى و الأجدر به تركه.

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب اقسام الحج، الحديث: 7.

(2) الوسائل: الباب 83 من أبواب الطواف، الحديث: 6.

430

..........

____________

نتيجة البحث حول احرام الحج أمور:

الأول: ان المعروف و المشهور بين الأصحاب بطلان العمرة المفردة أثناء مناسك الحج، و لكنه لا يخلو عن اشكال، و لا يبعد الصحة لعدم دليل صالح في المسألة قابل للاعتماد عليه.

الثاني: ان موضع احرام الحج مكة، بدون فرق بين المحلات القديمة و الأحياء الجديدة ما دامت داخلة في حدود مكة، و لا خصوصية لمكة القديمة، و ما في صحيحة معاوية من تحديد مكة القديمة بمكة في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، انما هو بالنسبة الى موضع وجوب قطع التلبية، فانه في عمرة التمتع عند مشاهدة بيوت مكة القديمة، و في العمرة المفردة للنائي عند دخول الحرم، و لمن كان في مكة عند مشاهدة الكعبة، كما أن في الحج عند زوال الشمس من يوم عرفة، و لا نظر لها الى أن هذا التحديد بلحاظ أحكام مكة القديمة.

و قد تسأل: عن ان الاحرام من المسجد هل هو أفضل من الاحرام عن سائر مواضع مكة؟

و الجواب: ان ذلك و إن كان مشهورا، و لكن لا دليل عليه. نعم الاتيان بركعتي الصلاة للإحرام في المسجد أفضل من الاتيان بهما في سائر المواضع.

الثالث: ان من نسي احرام الحج و ذهب الى عرفات و تذكر و هو فيها لم يجب عليه العود الى مكة و الإحرام منها، ثم الرجوع إليها ثانيا، و إن كان متمكنا من ذلك، و وظيفته حينئذ أن يقول: اللهم على كتابك و سنة نبيك، بدل الإحرام.

و قد تسأل: أن هذا الحكم هل يختص بالناسي، أو يشمل الجاهل المركب أيضا؟

431

..........

____________

و الجواب: يشمل الجاهل المركب أيضا، بل لا يبعد شموله للجاهل البسيط اذا كان معذورا، و أما اذا جهل الإحرام و مضى الى عرفات و مارس اعمال الحج و واجباته الى أن فرغ منها و رجع الى بلده، ثم علم بالحكم، فلا شي‌ء عليه، و قد تم حجه، و يلحق به الناسي، بل الجاهل البسيط أيضا اذا كان معذورا.

الرابع: ان من لم يتمكن من ادراك الموقف بعرفات لسبب من الأسباب، فهل يجوز له أن يؤخر الإحرام الى ليلة يوم العيد؟

و الجواب: يجوز له ذلك، لأن وجوبه قبل الموقف بعرفات انما هو من أجل ادراك الموقف فيها، لا من جهة أنه موقت بوقت خاص، و مع انتفائه فلا مبرر لوجوبه فورا.

432

[2- الوقوف بعرفات]

الوقوف بعرفات الثاني من واجبات حج التمتع الوقوف بعرفات بقصد القربة و المراد بالوقوف هو الحضور بعرفات من دون فرق بين أن يكون راكبا أو راجلا ساكنا أو متحركا (1).

____________

(1) لا شبهة في أصل وجوب الوقوف بعرفات، حيث إنه من أهم أركان الحج و واجباته، و الروايات الدالة على وجوبه من الروايات البيانية و غيرها تبلغ من الكثرة حد التواتر اجمالا، فمن أجل ذلك لا حاجة للبحث عن أصل وجوبه.

نعم يقع البحث هنا في جهتين:

الأولى: ان الوقوف باسمه الخاص عبادة متقومة بالنية بتمام عناصرها الثلاثة:

(1) قصد القربة.

(2) قصد الاخلاص.

(3) قصد اسمه الخاص المميز له شرعا.

و أما اعتبار قصد القربة فيه فمضافا الى الارتكاز القطعي الكاشف عن ثبوته في زمن المعصومين (عليهم السّلام) الواصل إلينا طبقة بعد طبقة، يدل عليه قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ ... (1) بتقريب أن الأمر بالاتمام للّه ارشاد الى أنهما عبادة، فلا بد من الاتيان بهما بما لهما من الواجبات للّه تعالى، و بقصد التقرب اليه، و الاخلاص.

الثانية: ان المراد من الوقوف بعرفات التواجد فيها بدون فرق بين أن يكون قائما أو جالسا أو نائما أو راكبا، حيث لا يعتبر فيه خصوصية خاصة.

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 196.

433

[مسألة 365: حدّ عرفات من بطن عرنة و ثوية و نمرة الى ذي المجاز]

(مسألة 365): حدّ عرفات من بطن عرنة و ثوية و نمرة الى ذي المجاز، و من المأزمين الى اقصى الموقف (1)، و هذه حدود عرفات و خارجة عن الموقف.

[مسألة 366: الظاهر أن الجبل موقف و لكن يكره الوقوف عليه]

(مسألة 366): الظاهر أن الجبل موقف (2) و لكن يكره الوقوف عليه و يستحب الوقوف في السفح من مسيرة الجبل.

____________

(1) تدل على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال:

و حد عرفة من بطن عرنة و ثوية و نمرة الى ذي المجاز و خلف الجبل موقف» (1).

و منها: صحيحة أبي بصير، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): حد عرفات من المأزمين الى أقصى الموقف» (2)، و مثلها صحيحة معاوية و أبي بصير معا (3)، و أما تطبيق تلك الحدود على الخارج و تعيينها فيه يكون بيد أهل الخبرة من البلد.

فالنتيجة: ان حدود عرفات من عرنة و ثوية و نمرة الى ذي المجاز، و من المأزمين الى أقصى الموقف، و هذه الحدود خارجة عن عرفة، و تدل على خروجها موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال: و اتق الاراك و نمرة و هي بطن عرنة و ثوية و ذا المجاز، فانه ليس من عرفة، فلا تقف فيه» (4).

و بكلمة: ان عرفات مساحة كبيرة من الأرض، و هي خارجة عن الحرم، و تتصل حدودها به، و يكون المأزمين منطقة فصل بينها و بين المشعر الحرام و حدودها خارجة عنها، فلا يجوز الوقوف فيها.

(2) بل لا اشكال فيه، لأن الموقف يمتد الى ما وراء الجبل و إن كان‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 2.

(3) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 8.

(4) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 6.

434

[مسألة 367: يعتبر في الوقوف أن يكون عن اختيار]

(مسألة 367): يعتبر في الوقوف أن يكون عن اختيار (1) فلو نام أو غشي عليه هناك في جميع الوقت لم يتحقق منه الوقوف.

[مسألة 368: الأحوط للمختار أن يقف في عرفات من أول ظهر التاسع من ذي الحجة الى الغروب]

(مسألة 368): الأحوط للمختار أن يقف في عرفات من أول ظهر التاسع من ذي الحجة الى الغروب، و الأظهر جواز تأخيره الى بعد الظهر بساعة تقريبا (2)، و الوقوف في تمام هذا الوقت و إن كان واجبا يأثم المكلف بتركه إلا أنه ليس من الأركان، بمعنى أن من ترك الوقوف في مقدار من هذا الوقت لا يفسد حجه. نعم، لو ترك الوقوف رأسا باختياره فسد حجه، فما هو الركن من الوقوف هو الوقوف في الجملة.

____________

الوقوف في سفح الجبل و على الأرض أفضل من الوقوف عليه، و تدل على ذلك موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت ابا ابراهيم (عليه السّلام) عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض، فقال: على الأرض» (1)، و حيث أنها ناصة في جواز الوقوف فوق الجبل اختيارا، غاية الأمر ان الوقوف على الأرض أفضل منه، فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور موثقة سماعة بن مهران في ان فوق الجبل موقف اضطراري فلا يجوز الوقوف فيه اختيارا.

(1) هذا واضح على أساس أنه عبادة، و العبادة متقومة بالقصد، كقصد القربة و الاخلاص و اسمها الخاص، فاذن لا محالة يكون الواجب حصة خاصة من الوقوف، و هي الحصة الاختيارية.

(2) تدل على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم انزل اللّه عليه: وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ ... الى أن قال: حتى انتهوا الى نمرة و هي بطن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 5.

435

..........

____________

عرنة بحيال الأراك فضربت قبته و ضرب الناس اخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و معه قريش و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثم صلّى الظهر و العصر باذان واحد و اقامتين، ثم مضى الى الموقف فوقف به- الحديث» (1) بتقريب أن الفراغ من صلاتي الظهرين و مقدماتهما و الوعظ و الارشاد لا يقل عن ساعة.

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «قال: فاذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباءك بنمرة، و نمرة هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة، فاذا زالت الشمس فاغتسل و صل الظهر و العصر بأذان واحد و اقامتين، فانما تعجل العصر و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء و مسألة» (2).

فالنتيجة: أن تأخير الوقوف بعرفات عن الزوال بمقدار ساعة جائز بالاشتغال بصلاتي الظهرين و استماع الوعظ و الارشاد و نحو ذلك.

و أما التأخير عامدا و ملتفتا و بدون الاشتغال بالعبادات فهل هو جائز أو لا؟

و الجواب: انه لا يبعد جوازه، اذ لا دليل على وجوب الوقوف بعرفات من أول زوال يوم عرفة و هو اليوم التاسع من ذي الحجة، حيث إن الدليل في المسألة متمثل في الروايات المذكورة، و هي ساكتة عن حكم هذه الصورة.

و بكلمة: ان الواجب على الحاج من أول زوال يوم عرفة، هو قطع التلبية للروايات التي تنص عليه، و أما الوقوف و التواجد فيه فلا دليل عليه، و لو شك فيه فالمرجع أصالة البراءة.

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب اقسام الحج، الحديث: 4.

(2) الوسائل: الباب 9 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 1.

436

..........

____________

و أما صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: المتمتع له المتعة الى زوال الشمس من يوم عرفة، و له الحج الى زوال الشمس من يوم النحر» (1) فهي في مقام بيان أن حد عمرة التمتع الى زوال الشمس من يوم عرفة، و أما من الزوال فهو للحج، و لا نظر لها الى أن الوقوف واجب فيها من أول الزوال، بل تدل على العكس، لان من فرغ من العمرة عند الزوال ثم احرم للحج و مضى الى عرفات فلا محالة يصل فيها بعد زوال الشمس بفترة كساعة أو أقل أو أكثر، كما في العصور المتقدمة.

فالنتيجة: ان الأظهر عدم وجوب الوقوف عند الزوال من يوم عرفة، بل يجوز التأخير اختيارا الى ساعة بعده بدون الاشتغال بعبادة، هذا من ناحية المبدأ.

و أما من ناحية المنتهى فهو محدد بغروب الشمس و استتارها واقعا، و تدل عليه جملة من الروايات.

منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ان المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس فخالفهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أفاض بعد غروب الشمس» (2).

و منها: موثقة يونس بن يعقوب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) متى الافاضة من عرفات؟ قال: اذا ذهبت الحمرة يعني من الجانب الشرقي» (3) فانها و إن دلت على أن الملاك في جواز الافاضة انما هو بذهاب الحمرة من الجانب الشرقي، و لكن الظاهر أن جعل ذلك حدا من جهة أنه أمارة قطعية على استتار القرص، هذا من ناحية.

____________

(1) الوسائل: الباب 20 من ابواب اقسام الحج، الحديث: 15.

(2) الوسائل: الباب 22 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 22 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 3.

437

..........

____________

و من ناحية أخرى ان الركن انما هو مسمى الوقوف فيها عرفا، فاذا تركه عامدا و ملتفتا فسد حجه، و أما الزائد عليه فهو واجب مستقل، و لا يكون ركنا، و تركه عامدا و عالما لا يضر بالحج.

و تدل عليه مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، قال: إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان متعمدا فعليه بدنة (1).

و منها: صحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله» (2) و منها غيرها.

و مقتضى اطلاق هذه الروايات كفاية مسمى الوقوف فيها، و ترك الزائد لا يضر، نعم اذا كان متعمدا فعليه كفارة بدنة. لحد الآن قد تبين أمور:

الأول: ان زمان الوقوف و التواجد بعرفات من الناحية المبدئية ساعة بعد الزوال تقريبا.

الثاني: ان زمان الوقوف من ناحية المنتهى غروب الشمس و استتارها حقيقة.

الثالث: ان الركن هو الوقوف في فترة قصيرة خلال هذا الوقت.

الرابع: ان ترك الوقوف الزائد لا يضر بالحج و إن كان متعمدا. نعم اعتبر آثما على ذلك.

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 23 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 3.

438

[مسألة 369: من لم يدرك الوقوف الاختياري (الوقوف في النهار) لنسيان أو لجهل يعذر فيه أو لغيرهما من الاعذار]

(مسألة 369): من لم يدرك الوقوف الاختياري (الوقوف في النهار) لنسيان أو لجهل يعذر فيه أو لغيرهما من الاعذار، لزمه الوقوف الاضطراري (الوقوف برهة من ليلة العيد) (1)

____________

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه)، و ذلك لمجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «قال في رجل ادرك الإمام و هو بجمع، فقال: إن ظن انه يأتي عرفات فيقف بها قليلا، ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها و إن ظن انه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها و ليقم بجمع فقد تم حجه» (1) فانها تدل بوضوح على أن من لم يدرك الوقوف الاختياري بعرفات، و تمكن من الوقوف الاضطراري فيها، وجب عليه ذلك، ثم يفيض منها الى المشعر و يقف فيه قبل طلوع الشمس، و إن لم يدرك ذلك أيضا فليقف بجمع و قد تم حجه.

و منها: صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في سفر فاذا شيخ كبير، فقال: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما تقول في رجل ادرك الإمام بجمع؟ فقال له: إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها و قد تم حجه» (2) فانها تنص على أمرين:

أحدهما: ان من لم يدرك الوقوف الاختياري بعرفات و تمكن من الوقوف الاضطراري بها وجب عليه ذلك، و لا يجوز له تركه عامدا و ملتفتا، فلو صنع ذلك فسد حجه.

و الآخر: ان من لم يدرك الوقوف بعرفات مطلقا حتى الاضطراري منه، و تمكن من الوقوف الاختياري بالمشعر وجب عليه ذلك و قد تم حجه و لا شي‌ء عليه.

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 4.

439

و صح حجه، فان تركه متعمدا فسد حجه (1).

[مسألة 370: تحرم الافاضة من عرفات قبل غروب الشمس عالما عامدا]

(مسألة 370): تحرم الافاضة من عرفات قبل غروب الشمس عالما عامدا، لكنها لا تفسد الحج (2)،

____________

و منها: صحيحة الحلبي، قال: «سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فان اللّه تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، و قبل أن يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل» (1) فانها تدل على أمور:

الأول: ان من لم يتمكن إلّا من ادراك الوقوف الاضطراري بعرفات وجب عليه ذلك، و لا يجوز تركه عامدا و ملتفتا، و إلّا بطل حجه.

الثاني: ان من لم يتمكن من الوقوف الاضطراري بعرفة أيضا و لكنه متمكن من الوقوف الاختياري بالمشعر كفى ذلك و صح حجه و لا شي‌ء عليه.

الثالث: ان من لم يتمكن من الوقوف الاختياري في المشعر فقد فاته الحج و إن تمكن من الوقوف الاضطراري فيه، و حينئذ فتنقلب وظيفته الى عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل.

(1) مر أن الأمر كما افاده (قدّس سرّه).

(2) الأمر كما افاده (قدّس سرّه)، و تدل على ذلك مجموعة من الروايات.

منها: صحيحتا مسمع و ضريس المتقدمتان، و نتيجة هذا أن حرمة الافاضة تكليفية صرفة لا وضعية، بمعنى أن النهي عنها لا يكون ارشادا إلى‌

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 2.

440

..........

____________

مانعيتها عن الوقوف، و بالتالي عن الحج. و اما وجوب الوقوف بعرفات بعد الزوال بساعة الى الغروب فهو واجب مستقل على أساس أن الوقوف في هذه الفترة ليس من اجزاء الحج و واجباته، بل هو واجب في هذه الحالة بوجوب مستقل ما عدا المسمى منه. و هاهنا مسألتان:

الأولى: قد تسأل عن أن الخروج من عرفات قبل الغروب لا بقصد الإفاضة هل هو جائز أو لا؟

و الجواب: انه جائز، لأن المحرم انما هو الخروج من عرفات قبل الغروب بقصد الافاضة لا مطلقا، فانه لا دليل على حرمته كذلك. و أما اذا خرج بقصد الإفاضة ثم ندم و رجع قبل الغروب فهل عليه شي‌ء؟

و الجواب: انه لا شي‌ء عليه، و ذلك لأن الروايات الناهية عن الافاضة قبل الغروب عامدا و ملتفتا منصرفة عن ذلك، لأن الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية النهي عن الافاضة الحقيقية لا عن الافاضة الخيالية.

و بكلمة: أن ظاهر روايات الباب التي تدل على حرمة الافاضة من عرفات قبل الغروب الافاضة واقعا، و هي التي لا رجعة فيها، و أما من أفاض منها ثم رجع اليها قبل الغروب فلا إفاضة حتى تكون مشمولة لها.

الثانية: قد تسأل عن أن حكم الناسي لحرمة الافاضة منها قبل الغروب، هل هو حكم الجاهل بها؟

و الجواب: ان حكمه حكم الجاهل، فان المذكور في الروايات و إن كان الجاهل دون الناسي إلّا أنه لا فرق بينهما في المقام لأمور:

الأول: أن موضوع الكفارة في صحيحة مسمع المتقدمة (1) حيث ان‌

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفه، الحديث: 1.

441

فاذا ندم و رجع إلى عرفات فلا شي‌ء عليه، و إلا كانت عليه كفارة بدنة ينحرها في منى (1)، فان لم يتمكن منها صام ثمانية عشر يوما و الاحوط ان تكون متواليات (2). و يجري هذا الحكم في من أفاض من عرفات نسيانا أو جهلا منه بالحكم فيجب عليه الرجوع بعد العلم أو التذكر فان لم يرجع حينئذ فعليه الكفارة على الأحوط.

____________

الافاضة منه عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي، فلا ينطبق على الافاضة نسيانا، و لا يوجد دليل آخر عليها.

الثاني: ان المتفاهم العرفي من الصحيحة أنه لا موضوعية للجاهل إلّا باعتبار كونه معذورا في ذلك، و عليه فيكون مفادها عرفا أن من أفاض من عرفات قبل الغروب و كان معذورا فيها فلا كفارة عليه، سواء أ كان عذره جهلا أم نسيانا.

الثالث: ان مقتضى حديث الرفع نفي الكفارة عن الفعل المنسي.

(1) أما كون الكفارة بدنة فقد صرح بها في صحيحتي مسمع (1) و ضريس (2) المتقدمتين، و أما نحرها في منى فهو و إن لم يرد في شي‌ء من الروايات، و انما الوارد في صحيحة ضريس هو نحرها يوم النحر، و لكن مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي أن المراد هو نحرها في منى، بقرينة أن المراد من يوم النحر هو يوم العيد، و حيث إن الناس ينحرون الإبل و يذبحون الشياه في منى يوم العيد، فيكون المتفاهم العرفي من نحرها يوم النحر هو نحرها يوم العيد في منى أو لا أقلّ أنه المتيقن منها.

(2) و لا بأس بتركه و إن كان أولى و أجدر، و ذلك لأن الدليل عليه منحصر‌

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 3.

442

..........

____________

بصحيحة ضريس (1) المتقدمة، و هي لا تدل على التوالي، لأنها في مقام بيان أن من أفاض من عرفات قبل غروب الشمس عامدا و ملتفتا فعليه كفارة بدنة، فإن لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما مخيرا بين أن يصوم بمكة أو في الطريق أو في أهله، و لا دلالة فيها على أنه يصوم بمكة أو في الطريق أو في الأهل متتابعا، بل لا اشعار فيها بذلك فضلا عن الدلالة.

و إن شئت قلت: ان الصحيحة انما هي في مقام بيان أمرين: (أحدهما) بدلية الصيام عن الجمل الذي أكمل السنة الخامسة. (و الآخر) الترخيص فيه في الطريق، و هذا يعني أنه مخير بين أن يصوم في مكة أو في الطريق أو في بلدته، و لا نظر لها الى اعتبار أنه لا بد أن يكون ذلك بنحو التتابع و التوالي.

و دعوى: أن المولى اذا أمر بشي‌ء في أيام معينة كعشرة أو نحوها فهو ظاهر عرفا في اعتبار التوالي و التتابع فيه بين تلك الأيام، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

مدفوعة: بأنه لا ظهور لها في ذلك ما لم تكن هناك قرينة حالية أو سياقية و إن كانت تلك القرينة مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية، هذا. اضافة الى ما مر من أن الصحيحة ليست في مقام البيان من هذه الناحية. فالنتيجة أن الأظهر عدم اعتبار التتابع و التوالي في صيام تلك الأيام. و أما اذا افاض قبل الغروب من عرفات نسيانا أو جهلا بالحكم، فان تذكر أو علم بالحال في وقت كان لا يتمكن من الرجوع اليها قبل الغروب فلا شي‌ء عليه و إن كان يتمكن منه وجب، و حينئذ فإن لم يرجع اليها فهل تجب عليه كفارة أو لا؟

الظاهر عدم وجوبها، و ذلك لأن الكفارة منوطة بكون الافاضة قبل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث: 3.

443

[مسألة 371: إذا ثبت الهلال عند قاضي أهل السنة، و حكم على طبقه، و لم يثبت عند الشيعة]

(مسألة 371): إذا ثبت الهلال عند قاضي أهل السنة، و حكم على طبقه، و لم يثبت عند الشيعة ففيه صورتان:

الاولى: ما إذا احتملت مطابقة الحكم للواقع فعندئذ وجبت متابعتهم و الوقوف معهم و ترتيب جميع آثار ثبوت الهلال الراجعة إلى مناسك حجه من الوقوفين و اعمال منى يوم النحر و غيرها و يجزئ هذا في الحج على الأظهر. و من خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه أن الاحتياط في مخالفتهم ارتكب محرما و فسد وقوفه.

و الحاصل أنه تجب متابعة الحاكم السني تقية، و يصح معها الحج و الاحتياط حينئذ غير مشروع، و لا سيما إذا كان فيه خوف تلف النفس و نحوه، كما قد يتفق ذلك في زماننا هذا.

الثانية: ما إذا فرض العلم بالخلاف، و ان اليوم الذي حكم القاضي بأنه يوم عرفة هو يوم التروية واقعا، ففي هذه الصورة لا يجزئ الوقوف معهم (1)، فان تمكن المكلف من العمل بالوظيفة و الحال هذه، و لو بان يأتي بالوقوف الاضطراري في المزدلفة دون أن يترتب عليه أي محذور (و لو كان المحذور مخالفته للتقية) عمل بوظيفته، و إلا بدّل حجه بالعمرة المفردة، و لا حجّ له، فان كانت استطاعته من السنة الحاضرة و لم تبق بعدها، سقط عنه الوجوب إلا اذا طرأت عليه الاستطاعة من جديد.

____________

الغروب من عرفات متعمدا و بما أن الافاضة منها في مفروض الكلام ليست كذلك، فلا تكون مشمولة لها، و مجرد عدم الرجوع اليها قبل الغروب مع تمكنه من الرجوع لا يجعل تلك الافاضة افاضة عمدية.

(1) في عدم الاجزاء اشكال، و لا يبعد الاجزاء، تفصيل ذلك يقتضي التكلم في مرحلتين:

444

..........

____________

الأولى: في الروايات العامة للتقية و مدلولاتها.

الثانية: في صحة الوقوف معهم بعرفات مطلقا حتى في صورة العلم بالخلاف.

أمّا الكلام في المرحلة الأولى: فهل الروايات التي جاءت بهذا النص:

«التقية ديني و دين آبائي» (1)، و «من لا تقية له لا دين له» (2) و غيرهما (3) تدل على صحة العمل المتقى به أو لا؟

قد يقال- كما قيل- انها تدل على الصحة، بدعوى ان مفادها محبوبية العمل المتقى به بعنوان ثانوي و هو عنوان التقية، فاذا كان محبوبا كان الاتيان به صحيحا، هذا.

و التحقيق أنها لا تدل على الاجزاء، و ذلك لأن الظاهر منها أن منشأ وجوب التقية انما هو المصلحة المترتبة على نفسها و هي حفظ النفس المحترمة، أو العرض، أو المال، أو غير ذلك، لا المصلحة المترتبة على العمل المتقى به.

و بكلمة: ان روايات التقية تدل على وجوب الصلاة مع التكتف، أو الوقوف معهم في عرفات و إن كان في يوم التروية، و لكن لا من أجل وجود مصلحة ملزمة في الصلاة مع التكتف، أو الوقوف معهم، بل من أجل الحفاظ على النفس أو العرض أو المال، بدون الدلالة على أن في العمل المتقى به كالصلاة أو الوقوف معهم مصلحة ملزمة في هذه الحالة. فالنتيجة أن هذه الروايات بما أنها لا تكشف عن محبوبية العمل المتقى به، و وجود مصلحة ملزمة فيه، فلا تدل على الاجزاء، اي صحة ذلك العمل، فاذن مقتضى القاعدة‌

____________

(1) راجع الوسائل: الباب 24 من ابواب الامر و النهي.

(2) راجع الوسائل: الباب 24 من ابواب الامر و النهي.

(3) راجع الوسائل: الباب 24 من ابواب الامر و النهي.

445

..........

____________

عدم الاجزاء، و على هذا فلا يكون الوقوف معهم تقية مجزيا، لأنه من أجل مصلحة أخرى، و هي حفظ النفس المحترمة أو العرض أو المال، لا من أجل مصلحة فيه. فاذن الاجزاء بحاجة الى دليل خاص، كما في باب الصلاة و الوضوء، فان الأمر بالصلاة تقية أو مداراة مع التكتف يكشف عن محبوبيتها في هذه الحالة، و وجود ملاك فيها، فلذلك يجزي الاتيان بها، و كذلك الوضوء منكوسا، فان الأمر به يكشف عن أنه محبوب في حال التقية و مشتمل على الملاك، فمن أجل ذلك يجزي. أو فقل: ان في كل مورد تعلق الأمر بالعمل المتقى به باسمه الخاص من أجل التقية يكون كاشفا عن محبوبيته و وجود الملاك فيه، فالتقية حينئذ جهة تعليلية للأمر المتعلق بالعمل المتقى به لا تقييدية، و عندئذ فلا مناص من القول بالاجزاء، و في كل مورد يتعلق الأمر بالتقية بعنوانها تكون التقية جهة تقييدية.

و دعوى: ان العمل المتقى به و إن لم يكن محبوبا في نفسه و بعنوان أوّلي، إلّا أنه محبوب بعنوان ثانوي كالتقية، و حينئذ فلا مانع من الحكم بالاجزاء.

مدفوعة: بأن التقية لا تدل على أن العمل المتقى به محبوب بعنوان ثانوي، بل تدل على أن ما هو محبوب وداع إلى الأمر بها حفظ النفس المحترمة أو العرض أو المال أو نحوه، و حيث إن ذلك يتوقف على العمل المتقى به فيكون العمل محبوبا بالعرض، بملاك كونه مقدمة للواجب، فاذا دعت التقية- مثلا- الى الصلاة بدون البسملة أو مع التكتف لم تدل على أن الصلاة الفاقدة للبسملة أو الواجدة للتكتف مشتملة على ملاك. و أدلة التقية العامة ظاهرة في أن المصلحة انما هي مترتبة على الاتقاء أو فقل ان المصلحة التي تدعو المولى الى الأمر بالتقية انما هي في حفظ النفس المحترمة أو العرض أو المال لا في العمل‌

446

..........

____________

المتقى به لأنه الواجب بالاصالة و العمل المتقى به مقدمة له و واجب بالعرض، و تنص على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: قوله (عليه السّلام) في صحيحتي محمد بن مسلم و ابي حمزة الثمالي: «انما جعلت التقية ليحقن بها الدم» (1) فانه واضح الدلالة على أن التقية انما هي واجبة بملاك حقن الدماء، لا بملاك في العمل الخارجي، و هذا بخلاف ما اذا تعلق الأمر بالعمل بعنوانه الخاص من أجل التقية، فانه ظاهر في كشفه عن وجود ملاك فيه و محبوبيته.

و دعوى: أن ظهوره في ذلك ممنوع، اذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون تأكيدا للأمر بالتقية، لا أنه ناشئ من وجود الملاك فيه.

مدفوعة: بأن الظاهر من الأمر المتعلق بالعمل المتقى به بعنوانه الخاص الأمر النفسي، و حمله على الأمر الغيري، أو على التأكيد خلاف الظاهر و بحاجة الى قرينة، و على هذا فيكون هنا ملاكان أحدهما مترتب على نفس التقية، و الآخر على العمل المتقى به.

و بعد ذلك نقول: ان الدليل على صحة الوقوف معهم تقية ليس هو الأدلة العامة لها، لما مرّ من أنها لا تدل على صحة العمل المتقى به، بل سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) و تابعيهم الجارية على الوقوف معهم في تمام الحالات و الاوقات بدون استثناء في طول التاريخ الزمني لحياتهم، و من المعلوم أنه من غير المحتمل جزما أن لا يتفق شك في ثبوت الهلال، بل القطع بعدم الثبوت في طول هذا التاريخ الزمني الذي لا يقل عن ثلاثمائة سنة، على أساس أن مسألة ثبوت الهلال في طول تاريخ زمن الائمة الأطهار (عليهم السّلام) كانت بأيدي هؤلاء، من‌

____________

(1) الوسائل: الباب 31 من ابواب الامر و النهي، الحديث: 1 و 2.

447

..........

____________

قضاتهم و حكامهم، و من الواضح أن حكمهم بثبوت الهلال لم يكن مبنيا على الدقة، و تحقيق حال الشهود و مدى صدقهم و عدم خطأهم و اتفاقهم في موضع رؤية الهلال و صفاته كما و كيفا، و عدم توفر قرائن على كذبهم أو خطأهم، و من هذه القرائن انفراد اثنين بالشهادة على رؤية الهلال من بين جماعة كبيرة من المستهلين الذين لم يستطيعوا أن يروه مع صفاء الجو و نقاء الأفق و اتجاه الجميع الى نفس النقطة التي اتجه الشاهدان إليها في الأفق، و تقاربهم في القدرة البصرية، و هذا معنى قوله (عليه السّلام): «اذا رآه واحد رآه مائة» (1).

و منها: التنبوء العلمي المسبق بوقت خروج القمر من المحاق، فانه اذا حدد له وقت معين و شهد الشاهدان بالرؤية قبل ذلك الوقت كان التحديد العلمي المسبق عاملا سلبيا يضعف من قوة شهادتهما و هكذا، فالنتيجة ان حكمهم بذلك لما كان مبنيا على التساهل و التسامح و عدم الدقة و مراعاة ما يكون دخيلا في الموضوع، فمن أجل ذلك يقع الشك في صحة حكمهم، بل ربما يقطع بعدم الصحة. و مع هذا و ذاك لم يصدر من الأئمة الاطهار (عليهم السّلام) في طول هذا التاريخ الزمني الممتد ما يشير الى عدم كفاية الوقوف معهم في حالة الشك في ثبوت الهلال، أو القطع بعدم ثبوته، و من الطبيعي أن الوقوف معهم لو لم يكن مجزيا في هذه الحالة لأشار اليه في الروايات بمناسبة أو أخرى، قولا أو عملا، فعدم صدور شي‌ء منهم (عليهم السّلام) في طول هذا التاريخ لا ابتداء و لا جوابا، لا تصريحا و لا كناية، دليل على الاجزاء و الحكم بالصحة، كما أنه يظهر من عدم السؤال عن ذلك منهم (عليهم السّلام) في طول تاريخ حياتهم ان الاجزاء كان أمرا مرتكزا في الاذهان حتى في صورة القطع بالخلاف، و إلّا فبطبيعة الحال يقع السؤال عن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من ابواب احكام شهر رمضان، الحديث: 10.

448

..........

____________

ذلك لدى الابتلاء بالمسألة لشدة الاهتمام بها، و لو ورد منهم (عليهم السّلام) شي‌ء حول المسألة في مورد واحد طول هذا التاريخ لاشتهر بين الأصحاب و شاع، على أساس انهم مهتمون بهذه الفريضة الكبرى التي هي فريضة إلهية اجتماعية ذات المغزى العظيم، و يمارس كل فرق المسلمين هذه الفريضة الإلهية بتمام شعائرها بنقلة جماعية موحدة زمانا و مكانا.

و بكلمة: أنه كان بمقدور الأئمة (عليهم السّلام) في طول هذه المدة التنبيه و الإشارة بمناسبة أو أخرى الى عدم الاجزاء في حالة القطع بالخلاف على أساس اهتمامهم (عليهم السّلام) بعدم تفويت هذه الفريضة الإلهية الكبرى، و مع ذلك فعدم صدور التنبيه و الاشارة منهم (عليهم السّلام) الى ذلك مطلقا كاشف عن الاجزاء كذلك.

و النكتة فيه ان الحج فريضة اجتماعية في الإسلام، و يمتاز بذلك عن سائر الفرائض الإلهية و ذات المغزى الكبير روحيا و مدنيا، و اعتكاف جماعي، يعني نقلة جماعية الى بيوت اللّه، و يتجه اليها من كل اصناف المسلمين المكلفين بأداء هذه الفريضة، أو المتطوعين للتواجد في مكان واحد و زمان واحد و لممارسة شعائر موحدة. و من الواضح أن في ذلك مصلحة نوعية عامة، و هي توحيد صفوف المسلمين من كافة فرقهم، و نقلهم الجماعي من مكان الى مكان آخر في وقت واحد تحت شعار التوحيد، و من هنا قد اهتم الشارع بتوحيد صفوف المسلمين الذي تتبلور فيه أصالتهم و مكانتهم رغم اختلافهم في معتقداتهم، و قد حث في مجموعة من الروايات المعتبرة على التواجد في مساجدهم و الحضور في جماعاتهم و جنائزهم، و في بعضها أن الصلاة خلفهم كالصلاة خلف النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله). و من الطبيعي أن ذلك ليس إلّا من جهة ما يترتب عليه من المصالح العامة، كوحدة صفوفهم و أصالتهم و مكانتهم في مجتمعات العالم.

449

..........

____________

و لو كنا نحن و هذه الروايات لقلنا بصحة الاقتداء بهم مطلقا، و لكن قد نبّه الامام (عليه السّلام) على شروطها في مورد آخر. و في المقام لو كان لصحة الوقوف معهم بعرفات في حالة الشك أو القطع بالخلاف شرط لنبّه عليه في طول هذه الظروف التاريخية لمكان الابتلاء بها، فعدم التنبيه عليه دليل على أنه لا شرط لها. أو فقل انه لما تترتب على الوقوف معهم بموقف موحد مصلحة عامة، و هي وحدة المسلمين بمختلف فرقهم في ممارسة شعائر اللّه الموحدة زمانا و مكانا، و تتبلور من خلال ذلك اصالتهم و مكانتهم و شخصيتهم الاسلامية المستقلة المستمدة من الكتاب و السنة في طول التاريخ، و اهتمام الإسلام بها، رجح الشارع جانب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، و تقديمها عليها في مقام المزاحمة، و حكم بالاجزاء من أجل هذه المصلحة العامة و إن أدى ذلك الى تفويت المصالح الخاصة.

الى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، و هي ان اهتمام الشارع بالحج كفريضة اجتماعية موحدة في شعائره من ناحية، و الأمر بالوقوف معهم قولا و عملا بدون استثناء حالة من ناحية أخرى، دليل على الاجزاء مطلقا.

و لمزيد من التعرف على ما ذكرناه نظريا و تطبيقيا نذكر فيما يلي أمورا:

الأول: ان عرفات رقعة كبيرة من الأرض، و تكون خارج الحرم، و تبعد عن المسجد الحرام حوالي اثنين و عشرين كيلومترا، و حدودها متصلة بالحرم، و يفصل بينها و بين المشعر الحرام منطقة تسمى ب‍ (المأزمين) و لها حدود، و قد جاء في الروايات المناطق الخاصة باسماء معروفة كحدود موقف عرفات، و هي (الثوية) و (بطن عرنة) و (النمرة) و (ذو المجاز) و جملة من هذه الأسماء لا تزال ثابتة و منعكسة في الخرائط، كمسجد نمرة، و جملة منها غير واضحة،

450

..........

____________

و لكن الموقف واضح في حدوده و علاماته المنصوبة في اطرافه، و لا يجوز الوقوف في تلك الأماكن، و كذلك الأماكن المنصوبة عليها العلامات، بل لا بد أن يكون الوقوف في داخلها.

الثاني: ان الوقوف بعرفات واجب بعد الزوال بساعة الى الغروب، و لكن الركن منه الذي يبطل الحج بتركه متعمدا هو الوقوف في فترة قصيرة خلال هذا الوقت، و أما الزائد عليه فهو واجب، و لكن لا يبطل الحج بتركه كذلك.

و بكلمة: ان جزء الحج هو مسمى الوقوف عرفا خلال فترة ما بعد الزوال بساعة الى الغروب، و أما الزائد فهو و إن كان واجبا، إلّا أنه ليس جزء الحج، و لذا لا يبطل الحج بتركه عامدا و ملتفتا، و إن اعتبر آثما.

الثالث: اذا لم يتمكن الحاج من الوقوف بعرفات خلال هذا الوقت، وجب عليه الوقوف بها برهة من ليلة العيد المسمّى بالوقوف الاضطراري، و لا يسوغ له تركه عامدا و ملتفتا، و إلّا بطل حجه و إن ادرك الوقوف الاختياري في المشعر الحرام.

الرابع: ان من افاض من عرفات قبل الغروب، فان كان جاهلا بالحكم، أو ناسيا، فلا شي‌ء عليه، و إن كان متعمدا لم يضر بحجه، و لكنه اعتبر آثما، و عليه كفارة جمل قد اكمل الخامسة، و يلحق الجاهل البسيط بالعامد اذا كان مقصرا و غير معذور، و يلحق بالجاهل المركب اذا كان معذورا و غير مقصر.

و قد تسأل: عن أن موضع نحره، هل هو منى، أو يجوز نحره في أي مكان كان؟

و الجواب: انه منى على الأظهر.

الخامس: اذا لم يتيسر له الجمل، فتكون وظيفته أن يصوم بديلا عنه ثمانية عشر يوما.

451

..........

____________

و قد تسأل: عن أن التتابع هل هو معتبر في صوم هذه الايام؟

و الجواب: أنه غير معتبر.

السادس: اذا افاض الحاج من عرفات قبل الغروب جاهلا بالحكم، أو ناسيا، ثم تذكر، أو علم بالحكم، فان تمكن من الرجوع اليها قبل الغروب وجب، و لكنه اذا لم يرجع عامدا و ملتفتا، فهل عليه كفارة بدنة؟ و الجواب انه اعتبر آثما، و لكن لا كفارة عليه.

السابع: ان صحة العمل المتقى به العبادي منوطة بوجود مصلحة ملزمة فيه حتى يكون محبوبا في نفسه، و مقربا، و لا يكفي في صحته ترتب مصلحة على نفس الاتقاء.

و بكلمة: ان التقية اذا كانت جهة تعليلية، و كان الأمر متعلقا بنفس العمل المتقى به بعنوانه الخاص و اسمه المخصوص، فلا مناص من الالتزام بالصحة، و اذا كانت جهة تقييدية و كان الأمر متعلقا بها من أجل ما يترتب عليها من المصلحة، فلا يمكن الحكم بالصحة.

الثامن: لا شبهة في أن مخالفة التقية مبغوضة، لأنها مخالفة للدين، فلا يمكن التقرب بالعمل الذي تتحقق به المخالفة، و عليه فالوقوف في يوم عرفة اذا كان مخالفا للتقية كان مبغوضا، فلا يمكن التقرب به.

التاسع: اذا افترض أنه لا تقية في البين، و كان بمقدور المكلف أن يقف بعرفات في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، فهل يجب عليه ذلك و ترك المتابعة لهم؟ و الجواب لا يجب نظريا، و لا يبعد وجوب المتابعة حتى في هذه الحالة، حيث يظهر من طريقة الأئمة (عليهم السّلام) أنهم لا يرضون بشق وحدة المسلمين و تفريق صفوفهم، فان ضرر ذلك اكثر من نفعه.

452

..........

____________

و بكلمة: ان الموقفين من أعظم شعائر اللّه و مظاهره الموحدة، حيث أنه قد اجتمع فيها مئات الألوف من المسلمين من كافة فرقهم، بل الملايين بشكل موحد، بدون تمييز بين الغني و الفقير، و الداني و العالي، و العبد و المولى، و من الطبيعي أن الشارع لا يرضى بتفريق صفوف المسلمين في هذه العبادة الاجتماعية في الإسلام التي هي ذات مغزى كبير روحيا و مدنيا، و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يجمع بين الوقوف معهم و الوقوف في يوم عرفة في صورة العلم بالخلاف، و إلّا فالأحوط الاعادة في السنة القادمة.

العاشر: قد يقال- كما قيل- ان معتبرة ابي الجارود، قال: «سألت ابا جعفر (عليه السّلام) انا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الأضحى، فلما دخلت على ابي جعفر (عليه السّلام) و كان بعض اصحابنا يضحّى، فقال: الفطر يوم يفطر الناس، و الأضحى يوم يضحّى الناس، و الصوم يوم يصوم الناس» (1) تدل على ما عرفت.

و الجواب: ان مورد الرواية التقية، و قد تقدم أنه لا شبهة في صحة الوقوف معهم حال التقية، بل الأظهر صحته حتى في صورة العلم بالخلاف، و انما الكلام في صحة الوقوف معهم مطلقا و إن لم تكن هناك تقية، و قد مر أنها غير بعيدة نظريا.

الحادي عشر: ان الأدلة العامة للتقية لا تدل على صحة العمل المتقى به كما تقدم، فاذن لا يمكن التمسك بها على صحة الوقوف معهم في حالتي الشك و العلم بالخلاف، بل الدليل على الصحة في هاتين الحالتين هو سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) على تفصيل قد سبق.

____________

(1) الوسائل: الباب 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث: 7.

453

..........

____________

الثاني عشر: قد يقال- كما قيل-: ان العامة لا يرون نفوذ حكم الحاكم في صورة القطع بالخلاف فاذا كان الشيعي قاطعا بالخلاف لم يكن حكمه بنظرهم نافذا في حقه، فلا يكون حينئذ عمله موضوعا للتقية.

و الجواب: أولا: ان العامة مختلفون في ذلك فمنهم من يرى نفوذ حكمه حتى في هذه الصورة بل بعضهم يقولون بموضوعية حكم الحاكم.

و ثانيا: ان محل الكلام انما هو في ثبوت الهلال بحكم الحاكم، فاذا ثبت لهم بحكمه، فهل يجب على الشيعي متابعتهم في ذلك؟ و الجواب نعم يجب على تفصيل تقدم فإن دعواه القطع بالخطإ غير مسموعة.

الثالث عشر: ان الوقوف معهم صحيح في حالة الشك في الموقف، و ثبوت الهلال، و لا يجب عليه حينئذ الاحتياط و إن كان متمكنا منه، و أما في حالة العلم بالخلاف فقد ذكرنا أنه لا يبعد صحته أيضا. اذا كانت هناك تقية، و أما اذا لم تكن فالأحوط و الأجدر به وجوبا الجمع كما مر.

454

[3- الوقوف في المزدلفة]

الوقوف في المزدلفة و هو الثالث من واجبات حج التمتع (1) و المزدلفة اسم لمكان يقال له المشعر الحرام و حد الموقف من المأزمين الى الحياض الى وادي محسّر (2)

____________

(1) للتسالم على ذلك بين جميع فرق المسلمين، و يدل عليه الكتاب و السنة:

اما الكتاب فقوله تعالى: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ (1).

و اما السنة فهي روايات كثيرة تبلغ من الكثرة حد التواتر اجمالا، و تنص على وجوب الوقوف بالمشعر بمختلف الألسنة و البيان.

منها: الروايات البيانية، و منها غيرها، و سنشير إليها في ضمن المسائل القادمة.

(2) تدل على ذلك مجموعة من الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمار: «قال: حد المشعر الحرام من المأزمين الى الحياض الى وادي محسر، و انما سميت المزدلفة لأنهم ازدلفوا اليها من عرفات» (2).

و منها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: «لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة» (3).

و منها: صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: حد المزدلفة من‌

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 198.

(2) الوسائل: الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث: 3.