المسائل المستحدثة

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
384 /
253

السؤال الحادي و العشرون: هل يجوز للمرأة أن تتولى منصب الإفتاء الفقهي و مرجعية التقليد؟

الجواب:

تقدم أن أكثر الفقهاء يقولون بأن المرأة لا تتولى هذا المنصب.

السؤال الثاني و العشرون:" وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ" الأحزاب/ 52، 53." و قرن في بيوتكن" الأحزاب/ 32، 33. هذه الآيات هل تختص بنساء الرسول (ص)

أم يتوجه الخطاب بها ليشمل سائر نساء المسلمين؟

الجواب:

إن هذه الآيات مختصة بنساء النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم).

السؤال الثالث و العشرون: إذا تعارضت الحقوق الزوجية الواجبة على المرأة المسلمة

كالمضاجعة و الخروج من المنزل بإذن الزوج مع الحقوق السياسية و الاجتماعية للدولة الإسلامية هل تقدم الحقوق الزوجية أم حقوق الأمة و الدولة الإسلامية؟

الجواب:

إن حق الزوج على الزوجة الاستمتاع بها متى شاء و في أي وقت أراد، و لا يحق للزوجة الامتناع و الخروج من البيت المنافي لهذا الحق و ليعلم أن ثبوت هذا الحق للزوج على الزوجة إنما هو بالمقدار المتعارف الاعتيادي و هذا المقدار لا ينافي توظيف المرأة و خروجها من البيت بمقدار ستة ساعات أو ثمانية باعتبار إن الرجل نوعا يخرج من البيت بهذا المقدار في نفس الوقت. و إما إذا كانت المطالبة من باب العناد و المنع من التوظيف فهل تجب على المرأة الإطاعة؟ فيه وجهان و لا يبعد عدم الوجوب، هذا نظير ما إذا طلب من المرأة الاستمتاع طول (24) ساعة فان إطاعته غير واجبة في هذا الفرض لانصراف الأدلة عن مثل هذه الفروض نعم لو كانت الوظيفة واجبة على المرأة في الدولة الإسلامية من قبل ولي الأمر لمصلحة عامة فلا يحق لزوجها أن يمنعها من الوظيفة و ان كانت منافية لحقه و إلا فالوظيفة غير واجبة على المرأة حتى تصلح أن تزاحم الواجب. نعم لو كانت المرأة موظفة في الدولة كأن تكون معلمة أو متصدية لمنصب‌

254

من المناصب فيها، و أقدم الرجل على الزواج بها على الرغم من أنها موظفة، و قبلت المرأة شريطة أن تبقى في الوظيفة و جرى العقد بينهما على هذا الشرط، فلا يحق للرجل حينئذ أن يمنعها من الوظيفة، أو أن المرأة اشترطت على الرجل في ضمن عقد الزواج التوظيف في الحكومة، فإذا رضي الرجل بالعقد كذلك، و جرى العقد بينهما على هذا الشرط، فليس له أن يمنعها من ذلك، و إما المضاجعة فهي حق الزوجة على الزوج لا العكس.

السؤال الرابع و العشرون: هل يحق للمرأة المسلمة أن تضع قيودا أو شروطا في عقد الزواج تتعلق بالواجبات الزوجية" المضاجعة و الخروج من المنزل بإذن الزوج"؟

الجواب:

إن للمرأة أن تشرط على الرجل في ضمن عقد النكاح شروطا، فإذا رضي الرجل بها و جرى العقد بينهما على هذه الشروط وجب عليه الوفاء بها.

السؤال الخامس و العشرون: هل من صلاحيات الحاكم ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب في:- محاولة تحديد المهور.

تحديد مدة غياب الزوج عن زوجته.- العطاء للمولود الذي فطمته أمه و ليس قبل ذلك، ثمّ العدول عن ذلك إلى قانون العطاء لكل مولود.

الجواب:

نعم يجوز تحديد المهور إذا رأى الحاكم الشرعي فيه مصلحة عامة باعتبار أنها غير محددة في الشريعة المقدسة، و كذلك له تحديد غياب الزوج إلى مدة معينة إذا رأى فيه مصلحة كذلك. و أما تغيير الحكم الشرعي فهو ليس من صلاحية الحاكم الإسلامي مهما كانت مرتبته و مقامه حتى النبي الأكرم (ص) فليس له ذلك، لأنه بمقتضى الآية الكريمة ( (وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ)) ليس له هذا الحق.

255

ملحوظة

تقدم أنه يجب على المرأة المسلمة الحفاظ على كرامتها و شرفها و عفتها و نجابتها و حجابها كمرأة مسلمة مؤمنة في كافة الحالات و الاتجاهات من الاجتماعية و الفردية و العائلية و السياسية و الاقتصادية و التعليمية و ما شاكلها كما أنه يجب على الرجل المسلم أيضا الحفاظ على كرامته و شرفه و عزته و دينه كرجل مسلم و مؤمن في تمام الحالات السياسية و غيرها و لا فرق بين الرجل و المرأة من هذه الناحية كما أن على كل من يتقلد منصباً من المناصب الحكومية إسلامية كانت أم غيرها أن يكون هدفه من وراء ذلك خدمة الإسلام و المسلمين و البلد بمختلف جهاته لتحقيق الأمن و الاستقرار و العدالة الاجتماعية و التوازن لا أن يكون هدفه الكرسي و الوصول إلى المصالح الشخصية و لو بذبح المصالح النوعية الاجتماعية و لا فرق في ذلك أيضا بين الرجل و المرأة. 6/ شوال/ 1424 ه‍ محمد إسحاق الفياض‌

256

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

257

الفصل السادس البنوك أحكام البنوك و الأسهم و السندات و الأسواق المالية" البورصات" من وجهة النظر الإسلامية

258

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

259

بسم الله الرحمن الرحيم‌

موضوعات الكتاب

1. معالجة مشكلة المعاملات الربوية في البنوك و المؤسسات النقدية، و تحويلها نظريا إلى المعاملات المشروعة في الإسلام. 2. تطبيق هذه النظرية مرتبطة بالعناصر التالية: 1) عملية التحويل لا تقلل من دور البنوك في طبيعة الحياة الاقتصادية، و نشاطاتها في الحركة التجارية و فوائدها. 2) عملية تطبيق وظيفة المسلمين ككل بحكم اعتقادهم بالإسلام و مسئوليتهم أمام الله تعالى. 3) عملية التطبيق تدل على أصالة المسلمين و استقلالهم في تشريعاتهم المستمدة من الكتاب و السنة. 3. الخدمات البنكية التقليدية في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية للإنسان الاجتماعية و الفردية، و تخريج هذه الخدمات من الناحية الشرعية. 4. الأسهم و السندات: و هي متمثلة في الأوراق المالية التي تصدرها الشركات المساهمة بقيمة اسمية محددة، و تتغير أسعارها كسائر السلع، و تخريج أحكام تداولها من الناحية الشرعية. 5. التعامل في الأسواق المالية (البورصات) و حكمه من وجهة النظر الشرعية.

260

بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين‌

قبل الدخول في صلب الموضوع و تفاصيله نقدم مقدمتين

المقدمة الأولى: جواب سؤال عن تحديد دائرة موضوع حرمة القروض الربوية في البنوك و المصارف

السؤال:

هدف هذه الرسالة: الحصول على فتواكم بخصوص عملي (وضعي الخاص) في المصرف، بعد اطلاعكم على النقاط المدرجة أدناه.

261

المقدمة:

أنا على علم بالحكم الشرعي بخصوص العمل المصرفي، و الذي أبنيه على فتوى السيد الخوئي (قدس سره) بحرمة العمل في البنك، إذا كان له علاقة بالربا. فأنا لست بصدد الحكم الشرعي العام، و لكني بصدد فتواكم في وضعي الخاص، في البيئة الجديدة للعمل المصرفي، في ظل الظروف الحالية التي نعيشها في المنطقة مع مراعاة:

أ) طبيعة عملي. ب) البيئة الجديدة للعمل المصرفي. 5) بنوك باسماء أخرى. 6) حاجتنا لمصرفيين إسلاميين. 7) ظروف الحصول على وظيفه في المنطقة. 8) علاقة العمل البعيد عن الربا. 9) أعمال أخرى في البنك.

أ) طبيعة عملي:

تخصصي هو الحساب الآلي، و أعمل حاليا في قسم نظم المعلومات، و أنا مدير لبعض من الفنيين و المشغلين لأجهزة و برامج الحاسب الآلي، و عملي هو إدارة هؤلاء الأفراد لتقديم خدمات فنّيّة متعلقة بتركيب و تشغيل هذه الأجهزة لموظفي و عملاء البنك هذه الأجهزة تشغل برامج تحسب الفائدة و برامج كثيرة ليس لها علاقة بالفائدة بل بالعكس، فقد أجزم ان معظم الاجهزة لا تستخدم لأغراض ربوية بل تستخدم لبعث الرسائل الالكترونية أو لطباعتها، أو لتحضير جداول أو خلافه. مثلي بإمكانه القيام بنفس الأعمال في شركة الكهرباء أو في مستشفى، لا يتغير إلا اسم الشركة. ليس لي أي علاقة مباشرة بالربا.

ب) البيئة الجديدة للعمل المصرفي:

مصارفنا في المنطقة لا تقوم فقط باعمال ربوية، بل تقدم من الخدمات غير الربوية، و هذه المعاملات غير الربوية تمثل نسبة من إجمالي عمليات المصارف اليومية و كذلك اجمالي ارباح المصارف، و التالي أمثلة على هذه الخدمات:

1. الاعتمادات:

لعب دور الوسيط بين تاجرين في بلدين مختلفين لاستلام البضائع و تسليم الاموال.

262

2. الضمانات:

اصدار خطاب ضمان لتاجر معين حتى يعرف في السوق التجاري.

3. الكفالات:

اصدار خطاب كفالة لمقاول يضمن البنك حفظ بعض من ماله لصاحب المشروع حال اخلال المقاول بالمواصفات المتفق عليها.

4. الصراف الآلي:

يوفر البنك أجهزة آلية تعمل على مدار الساعة لصرف النقود. فبإمكان المؤمن ان يسحب من حسابه الخاص من أي جهاز في اي مكان في العالم بالعملة المحلية للبلد الذي هو فيه.

5 نقاط البيع:

و هي أجهزة آلية تمكن مستخدمها شراء احتياجاته من المتجر مثلا و الدفع باستخدام بطاقة بلاستيكيه.

6. بيع و شراء الأسهم المحلية و الدولية.

7. بيع و شراء العملات الأجنبية.

و يوجد الكثير من الخدمات الأخرى و التي ليس لها أي علاقة مباشرة بالربا و لكن يقتطع البنك مبلغا معينا باتفاق الطرفين، البنك و طالب الخدمة اذن مصارف اليوم هي شركات خدمات، تبيع خدماتها لمن يطلبها و كذلك يقوم المصرف باعطاء القروض واخذ الفوائد عليها فينبغي ان يؤخذ بعين الاعتبار هذه الخدمات غير الربوية. فاذا قلنا بان البنك يقدم ثلاثين خدمة لعملائه، و ليس منها إلا ثلاث تتعلق بالفائدة، أ لا يحسن بنا ان نغير مفهومنا للعمل المصرفي. بعبارة اخرى ان الصورة الراسخة في اذهان الناس على ان البنك لا يتعامل الا بالربا ليست صحيحة، بل هناك خدمات كثيره لا تتعلق بالفائدة الربوية، و المصارف اليوم تعمل جاهدة لزيادة الخدمات غير الربوية و زيادة ايراداتها.

ج‍) بنوك بأسماء أخرى:

يتواجد عندنا في منطقتنا (و في العالم أيضا) شركات تتعامل بالاستثمار، او بالمتاجرة تقوم بما يقوم به البنك، فما هو حكم العمل بهذه الشركات؟ بل يوجد شركات تتعامل ظاهرا في اعمال غير مصرفية مثل شركات بيع المرطبات أو شركات النفط، و يكون لها قسم خاص يسمى بالخزينة، وظيفته ادارة اموال الشركة و الحصول على التمويل المالي لمشاريعها، مثل اصدار سندات ذات فائدة ثابتة للاقتراض من عامة الناس، أو الاستدانة من طرف بنسبة ما و اقراض نفس المبلغ لطرف آخر بنسبة اعلى، واخذ الفائدة المتمثلة في الفارق بين النسبتين، من ضمنها المصاريف الادارية. فهل العمل في مثل هذه الشركات جائز؟

263

د) حاجتنا لمصرفيين اسلاميين:

مع اني لست مصرفيا بل خبير حاسب آلي، الا انه لا يخفى على سماحتكم بان القوة الاقتصادية و للأسف هي التي تسير حركة عالمنا اليوم. فالمصارف تمثل البنية الاساسية في الاقتصاد و ادارة الأموال، و القائمون عليها ربما يؤثرون على مسيرتها حسب رغباتهم و توجهاتهم. و للأسف لا يوجد عندنا نحن المؤمنين الكثير من العلماء المتخصصين في علم الاموال و المصارف التجارية كما يعرفه الغرب او كما يعرفه العالم و نحن جزء من هذا العالم، فهو علم يتجدد و يتغير حسب تغير المعاملات التجارية. فانتم على علم بمعاهدة التجارة الدولية و كل دولة لا تشارك فيها سيضيق عليها الخناق اقتصاديا، و الدول الاوربية وحدت عملتها لمواجهة التحديات المالية القادمة و اليهود و للأسف هم اساتذة فنّ ادارة الاموال فتراهم مثلا يستغلون الظروف الاقتصادية المرتبطة بامور سياسية للتحكم في سياسات دول أخرى و أنا لا أقلل من معرفة فقهائنا في احكام المعاملات المصرفية و الاتحادات التاجرية و لكن انى لهم معرفتها اذا لم تنقل لهم عن طريق ابنائهم المؤمنين الثقات. فهل ترون سماحتكم الحاجة لأن يكون هناك مؤمنون يعملون في القطاع المصرفي؟ هؤلاء ليسوا ربويين، بل لا توجد لديهم حسابات توفير، و خسروا الكثير من التطور الوظيفي بسبب عدم رغبتهم بالقيام بأعمال ربوية، و هم ملتزمون بالأحكام الشرعية و لهم نشاطات في خدمة المجتمع. و أحد الأمور التالية قد يكون سببا لعملهم في المصارف: 1) طلب الرزق. 2) نقل مستجدات التغيير في الاعمال المصرفية لسماحتكم. 3) تقديم الاستشارات المالية لعموم المؤمنين و تنبيههم لما قد يؤدي بهم إلى الربح أو الخسارة في المعاملات الدولية. 4) عدم ترك الفرصة لغير المسلمين في التحكم في ثروات بلادنا بإعطاء توصيات خاطئة للمسئولين. 5) الاهتمام بأموال المؤمنين. و من يوجد اليوم من يحفظ رأسماله في بيته. بل حتى رواتب الحوزات العلمية تحفظ بالبنوك، أ ليس الأجدر أن يقوم المؤمنون بإدارة أموالهم. 6) قد يكونون هؤلاء هم البذرة في تكوين المصرف الإسلامي المثالي، و الذي نبحث‌

264

عنه جميعا، فللأسف يندر في المنطقة اليوم ما يمكن أن يطلق عليه المصرف الإسلامي المثالي، و إنشاء مثل هذا المصرف يحتاج إلى كفاءات تعرف النظام البنكي العالمي و المعاملات الدولية.

ه‍) ظروف الحصول على وظيفة في المنطقة:

صعب مؤخرا على مثقفينا الحاصلين على شهادات جامعية و في تخصصات تقنية مثل علوم الكمبيوتر و الهندسة الكهربائية الحصول على وظيفة مناسبة لمؤهلاتهم في قطاعات معينة، حيث يوجد طلب لمثل هؤلاء في البنوك. عمل هؤلاء لا يختلف في البنك عن عملهم في قطاعات أخرى لو حصل لهم. فقد يتخرج الشاب و لا تتوفر له شي‌ء من متطلبات الحياة و العصر التي أصبحت شبه ملحة، و لا يوجد وظيفة لمدة سنة أو أكثر إلا في البنك. فما ذا يصنع؟ أ يجلس عاطلا عن العمل يعوله أباه و الذي كان ينتظر طويلا مساعدة ابنه؟ لقد مر ببعض من الملتزمين الكثير من الضغوط النفسية و الأسرية و الاجتماعية التي دعتهم لكره انفسهم و اعتزال الناس و احسوا بانهم عالة على المجتمع و تأسفوا لزواجهم المبكر و تأسفوا لانجابهم الاطفال في سن مبكرة لعدم قدرتهم على اعالتهم؟ فاذا لم يجد مثل هؤلاء غير البنك للعمل فيه. هل يجلسون عالة في بيوتهم، أم يعملون في البنك في اعمال غير ربوية مباشرة؟

و) علاقة العمل البعيد بالربا:

حسب ما فهمت من فتوى السيد الخوئي (قدس سره) بأنه يرى حرمة العمل في البنك ان كان له علاقة بالربا من قريب أو بعيد. و عسى ان افهم العلاقة الربوية القريبة مثل مسئول القروض و الذي يحدد الفائدة، أو الكاتب للفائدة، أو من يحصل الفائدة، لكني لا أفهم العلاقة البعيدة. فهل يوجد على وجه المعمورة من لا يتعامل مع البنك. فالموظف عندنا يستلم راتبه عن طريق البنك، و المزارع يودع أمواله في البنك. و كل من له علاقة بالبنك له علاقة بالربا من بعيد. الدولة هنا تستثمر أمواله في بنوك محلية و خارجية تتعاطى الربا و تجني منها الارباح و تصرف من هذه الارباح رواتب الموظفين و الاطباء و المهندسين، هؤلاء الموظفون يعلمون بان رواتبهم تصرف من الدولة عن طريق البنوك، لكنهم لا يعلمون جزما ان كانت مصادر رواتبهم ربويه ام لا، فالاموال مختلطه و مشتركه ربوية و غير ربوية فليس لهؤلاء الموظفين علاقة بعيدة بالربا؟ و ما الفرق بينهم و بين العاملين في البنك ان كانوا جميعا (في الدولة أو في البنك) يتعاملون مع آلات و اجهزة؟ هلا وضح سماحتكم هذه العلاقة البعيدة؟

265

ز) أعمال أخرى في البنك:

يوجد في البنك عمال متعاقدون عن طريق شركات اخرى لوظائف مختلفه مثل: مترجم، مزارع، مهندس تلفونات و خلافهم. دوامهم يوميا في البنك، و لكن تدفع رواتبهم عن طريق شركتهم بعد اخذها نسبة معينة. قد ينتهي عقد شركتهم مع البنك في اية لحظة. ما هو حكم عمل هؤلاء كمتعاقدين مع البنك؟

الخاتمة: أرغب من سماحتكم افتائي بخصوص عملي في البنك مع وضع اعتبار لطبيعة عملي الخاصة كخبير حاسب آلي،

وفقا للمفهوم الجديد لتعريف البنك و هو تقديمه خدمات أخرى غير ربوية كما مر في ضل ظروفنا الخاصة، و ظروف و مخاطر الاقتصاد العالمي.

الجواب: 1 ان المحرم شرعا من الخدمات المصرفية بوجه مطلق و قطعي هو القروض الربوية.

و قد تسأل عن حدود حرمتها في الشريعة المقدسة بوجه دقيق واضح لا لبس فيه؟

و الجواب: ان القروض الربوية محرمة شرعا على المقرض و المقترض و كاتبها و شاهدها و لا تتجاوز حرمتها عن حدود هؤلاء الاشخاص بعناوينهم الخاصة المحددة على اساس ان كل بيع موضوعه في الخارج و يدور مداره وجودا و عدما و على هذا فكل من كان يعمل في البنوك و المصارف و لا ينطبق عليه احد هذه العناوين الخاصة المحددة فلا يكون عمله محرما و ان كان مربوطا بالقرض الربوي بجهة من الجهات بدون ان يكون مصداقا له. و بكلمة أن كل من يكون شغله في البنوك و المصارف القروض الربوية، بان يكون عمله الاقراض او الاقتراض او كتابة ذلك و تسجيله في السجلات فانه محرم و أما من يكون شغله فيها سائر الخدمات البنكية التقليدية فلا يكون محرما 1) كبيع الأسهم و السندات المحلية و الدولية على تفصيل يأتي. 2) بيع و شراء العملات الأجنبية. 3) عملية عقد التأمين. 4) الحوالات الداخلية و الخارجية.

266

5) تخزين البضائع المستوردة و المصدرة 6) خصم الأوراق التجارية. 7) الاعتمادات التي تلعب دور الوسيط بين المصدر و المستورد. 8) الضمانات. 9) الكفالات. 10) الصراف الآلي. 11) بطاقات الائتمان. 12) و غيرها من الخدمات الجارية في المصارف و المؤسسات النقدية في العالم. و المعيار الكلي لذلك ان كل من عمل في البنوك و المصارف فان كان عمله القروض الربوية و كتابتها فهو حرام، و إن كان سائر الخدمات البنكية المشار إلى جل منها فهو جائز شرعا. و أما عمل عملاء البنوك و المصارف في تلك الخدمات قد ترتبط بالتصرف في أموالها، منها الفوائد الربوية كنقلها من مكان إلى مكان آخر أو حسابها أو المحافظة عليها و غير ذلك فهو جائز شريطة أن يكون ذلك مسبوقا بأذن من الحاكم الشرعي أو وكيله و ستأتي الاشارة الى هذه الخدمات البنكية تفصيلا و تخريجها شرعا. و بذلك يظهر حكم الوظيفة في الشركات الاستثمارية التي تقوم بما يقوم به البنك أيضا فان من تكون وظيفته في هذه الشركات عملية الاقراض و الاقتراض الربوي أو كتابة ذلك فهي محرمة شرعا و الا فلا باس بها. 2 لا شبهة في ان البنوك و المصارف النقدية من اهم و اكبر المؤسسات المالية في العالم ككل، و لها دور أساسي في تدعيم الحركات التجارية و الاقتصادية و توسيعها و تطويرها بشكل أكثر عمقا و حركة بمرور العصور و الاوقات، و لكن تاسيس هذه المؤسسات و المصارف و تطويرها و توسيعها في كل عصر بما يناسب ذلك العصر و تهيئة الكوادر الفنية لها و المتخصصين فيها ليس من وظائف علماء المسلمين و فقهائهم، بل هي من وظائف الدولة الإسلامية و رجال أعمال المسلمين و اصحاب الاختصاص في ادارة الاموال و المصارف التجارية عالميا و محليا، فان عليهم جميعا بحكم ايمانهم بالاسلام كعقيدة و مسئوليتهم أمام الله تعالى التحكم على ثروات البلاد بتاسيس المصارف و المؤسسات المالية و الشركات التجارية الخارجية و الداخلية‌

267

و ايجاد الشغل للناس المؤمنين و الشباب المثقفين و تهيئة الكوادر الفنية و المتخصصة و تحريك الحياة الاقتصادية في الاسواق الداخلية و الخارجية و الاستفادة من تجارب المتخصصين في الاقتصاد و استخدامهم في تشغيل الحياة الاقتصادية في البلاد و دخولهم في المعاهدات الدولية و الاتفاقيات الاقتصادية و تحريك الحركات التجارية في البلد لرفع مستوى معيشة الناس و ايجاد النشاط في الاسواق المالية، و تقديم التسهيلات بكافة اشكالها من التجارية و الزراعية و الصناعية و غيرها، و في ذلك خدمة لأنفسهم و في نفس الوقت يكون خدمة للناس المؤمنين بل خدمة للدين ايضا، فان أتاحة فرصة العمل امام الشباب المثقفين سد منيع عن انحرافاتهم السلوكية و اللااخلاقية و أما وظيفة العلماء فهي ارشاد الناس و بيان وظائفهم الشرعية في التعامل بهذه المؤسسات و المصارف المالية و تخريجها من وجهة النظر الاسلامية، كما هو الحال في الشركات التجارية العالمية و المحلية، و الصناعات و الزراعات و غيرها من المشاريع المالية فان تاسيسها و توسيعها و تطويرها ليس من وظيفة العلماء، فان وظيفتهم بيان حدودها في دائرة الشرع كما و كيفا و وظائف الناس في التعامل بها من وجهة نظر الشارع نعم وظيفة العلماء دعوة الحكومة و رجال الاعمال ببذل اقصى الجهد الجاد بكافة الوسائل الممكنة و المتاحة في دعم الحركات الاقتصادية بكافة اشكالها و انواعها و تأسيس المعاهد و الكليات المتخصصة للتقنيات العالية و ارسال المفكرين و المبدعين و المثقفين من الشباب الى الخارج للتزود بالعلوم المعاصرة و التكنلوجيا المتقدمة بمختلف انواعها من الطبية و الهندسية و الاقتصادية و الامنية و العسكرية و هكذا لأن تخلف بلاد المسلمين في هذه التقنيات و التكنلوجيا سبب لاضطراباتهم و مشاكلهم الداخلية و الخارجية و منشأ لإيجاد التطرف و الارهاب باسم الاسلام مع ان الاسلام برئ منه تماما لان الاسلام دين عدل و سلم و رأفة و هو الدين الوحيد الذي اهتم بحياة البشر اهتماما بالغا و شجب القتل و استنكر غاية الاستنكار بقوله تعالى ( (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً)) ( (وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً)) و من هنا على قادة المسلمين رص صفوفهم و توحيد كلمتهم و اتخاذ موقف موحد تجاه الشرق و الغرب و الاهتمام الجاد و السعي الحثيث بكافة الطرق و الوسائل في تكوين مجتمع مترقي امن من التطرف و الارهاب لان من العوامل المؤثرة في ايجاد التطرف و الارهاب التخلف و الفقر في المجتمع، كما ان التخلف فيه يفتح الابواب امام دخول الاجانب في البلاد الاسلامية و نشر افكارهم المضللة و ثقافتهم المبتذلة بذرائع مختلفة تارة بذريعة ان الدين الاسلامي يروج التطرف و الارهاب رغم انه دين‌

268

سلم و عدل و اخرى بذريعة نشر الحرية و الديمقراطية و ثالثة ان المسلمين غير قادرين على ازالة التطرف و الارهاب عن بلادهم منشأ ذلك كله عدم وحدة الكلمة بين المسلمين و قادتهم السياسيين هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان مسئولية قادة المسلمين و رؤسائهم السياسيين امام الله تعالى و امام شعوبهم المسلمة تتطلب منهم بذل اقصى الطاقات في اتاحة الفرصة للقادة الدينيين لنشر الافكار الاسلامية و ثقافتها الاجتماعية و العائلية و الفردية بكافة الوسائل الممكنة و المتاحة و المنع البات عن نشر الافكار المضللة المتطرفة التي تضر بالاسلام و المسلمين و وحدتهم لان الثقافة الاسلامية تزود الانسان بالملكات الفاضلة و الاخلاق السامية و تجهزه بالايمان الراسخ و تهذب سلوكه في الخارج و تمنعه من السلوكيات المنحرفة الأخلاقية كما ان عليهم السعي الجاد في تطبيق القوانين الاسلامية في بلادها بدل القوانين الوضعية الشرقية و الغربية فانهم بذلك يحافظون على كيان المسلمين و استقلالياتهم و عزتهم و كرامتهم و شرفهم لان قوة الاسلام و ثقافته الانسانية ترغب الاعداء و تنتشر يوما بعد يوم في الشرق و الغرب رغم المعارضة الشديدة باساليب متنوعة و ذرائع مختلفه. و في الختام ناسف جدا ان قادة المسلمين السياسيين غالبا من الذين كانوا مهتمين بالكرسي كهدف لا كوسيلة و لا يهتمون بمصالح البلاد العامة و شعوبها و تطورها اجتماعيا و اقتصاديا و تقنيا بقدر ما كانوا يهتمون بالكرسي. ندعوا الباري عز و جل التوفيق و العناية التامة للجميع و رص الصفوف و توحيد الكلمة و نبذ الفرقة و الله هو الموفق و المعين. 3 و في ضوء ذلك يجوز تعامل الناس مع البنوك و المؤسسات المالية في جميع اقسامها الخدمية المشار إليها آنفا غير قسم التعامل بالقروض الربوية كما مر، فيجوز ان يكون الشخص محاسبا في تلك المؤسسات بان تكون وظيفته تشغيل الاجهزة و برامج الحاسوب الآلي في العصر الحالي، و لا مانع من تشغيلها لحساب الفوائد الربوية و غيرها من البرامج و لا يكون ذلك محرما فان المحرم فيها كما عرفت انما هو عملية الاقراض و الاقتراض و تسجيل ذلك دون غيرها من الخدمات التي لا تتعلق بها و هي كثيرة جدا بحيث لا تتجاوز نسبة عملية القرض عن كل الخدمات المتوفرة في هذه المؤسسات عن 5% بنسبة تقريبية، و يجوز ان يكون الشخص مفتشا او مراقبا فيها او محافظا او كاتبا فيما عدا كتابة القروض الربوية. و كذلك الحال في الشركات المالية التجارية و الزراعية الصناعية و غيرها في ما عدا المعاملات المحرمة‌

269

كالتعامل بالربا و الخمور و لحوم الميتة و الخنزير و نحو ذلك، فان التوظيف فيها غير جائز شرعا هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان القروض الربوية حيث انها من اهم خدمات البنوك و المصارف و اكثرها انتشارا فلذلك جعلنا لها في هذا الكتاب بدائل شرعية و سوف نشير اليها، و لكن تطبيق تلك البدائل عمليا عوضا عن المعاملات الربوية المحرمة في الشريعة المقدسة ليس بايدي العلماء، نعم ان عليهم ارشاد المسلمين ككل الى عملية التطبيق لان عملية التطبيق وظيفة المسلمين كافة بحكم اعتقادهم بالاسلام و مسئوليتهم امام الله تعالى و عدم خروجهم عن دائرة الشريعة الاسلامية، و ان هذه العملية لا تقلل من دور البنوك و المصارف في طبيعة الحياة الاقتصادية و نشاطاتها في الحركات التجارية و فوائدها و انها تدل على اصالة المسلمين و استقلالهم في تشريعاتهم المستمدة من الكتاب و السنة.

270

المقدمة الثانية: الأموال المودعة في البنوك و المصارف هل هي ودائع حقيقية بالمعنى الفقهي أو أنها في الحقيقة قروض ربوية

بسم الله الرحمن الرحيم فائدة دينية فائدة دنيوية في إيداع الأموال في البنوك الإسلامية اللاربوية‌

271

مقدمة: المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك و المصارف، هل هي ودائع بالمعنى الفقهي، أو أنها قروض ربوية تملكها البنوك و المصارف على وجه الضمان بالمثل؟

و الجواب: أنه لا بد لنا من ملاحظة مفهوم الوديعة بالمعنى الفقهي و حدوده سعة و ضيقاً، فنقول أن الوديعة بالمعنى الفقهي عبارة عن إيداع مال عند الأمين المسمى بالودعي بغاية الحفاظ عليه مع بقاء عينه في ملك مالكه، و هي بهذا المفهوم المحدد لا تنطبق على الأموال المودعة لدى البنوك، على أساس أن البنوك مسموحة من قبل أصحابها بالتصرف بها ما شاءت و تبديلها بأعيان أخرى، و هذا لا ينسجم مع مفهوم الوديعة بالمعنى الفقهي. و من هنا ذكر بعض الأعلام إن الودائع المصرفية لا يمكن تصوير كونها ودائع حقيقية، بحيث تخرج فوائدها عن كونها فوائد ربوية على القرض، و ذلك لأن المالك يأذن للبنك بالتصرف فيها، و لا يراد بهذا الأذن السماح للبنك بالتصرف مع بقاء الوديعة في ملك صاحبها، و الا لزم حينئذ أن يعود الثمن و الربح إلى المالك بقانون المعاوضة لا إلى البنك، بل يراد بالإذن المذكور السماح للبنك بتملك الوديعة على وجه الضمان بالمثل، و هو معنى القرض، و عليه فتكون الفوائد التي يدفعها البنك إلى المودع فوائد على القرض، و بكلمة إن إباحة التصرف للبنك في الأموال المودعة عنده من قبل أصحابها، إنما هي إباحة في تملك تلك الأموال بضمان مثلها، فإن صاحب المال إذا أذن للأمين و سمح له بالتصرف فيه تصرفا ناقلا، كان معناه الإذن منه بتملك المال على وجه الضمان بالمثل. ثمّ إن تملك البنك للأموال المودعة عنده يكون بأحد الطريقين التاليين: الأول: إن المودع من البداية كان يقصد إقراض البنك للوديعة، أي: تمليكها له على وجه الضمان بالمثل، و هذا المعنى هو المرتكز في أذهان كل مودع أودع ماله في البنك، لأن الدافع من ورائه تضمينه بالمثل لا بقاء عينه في ملكه. الثاني: إن المودع بما أنه قد أذن للبنك بالتصرف في الوديعة حتى التصرف الناقل، فلا محالة يكون مرده إلى الإذن و السماح له بالتملك على وجه الضمان بالمثل لا مجاناً.

272

الخلاصة:

إن الودائع المصرفية جميعا أي: سواء أ كانت من الودائع المتحركة أم الثابتة، فهي ليست بودائع حقيقية، بل هي قروض ربوية للبنك فيملكها البنك على وجه الضمان، و إطلاق الودائع عليها إنما هو بالعناية و بدافع إغراء الناس في إيداع أموالهم فيه حفظاً لها من التلف و تعويدا لهم على الادخار. نعم، يمكن تصوير أن هذه الودائع، ودائع بالمعنى الفقهي ثبوتاً و باقية في ملك أصحابها، و إن الإذن بالتصرف فيها إنما هو مع الاحتفاظ بملكية المودع للوديعة من طريق ضمان البنك الودائع، لا بالقرض لكي تخرج عن ملك أصحابها، و لا بمعنى النقل من ذمة إلى ذمة، فإنه لا يتصور إلا في الدين، بل بمعنى تعهد البنك و جعلها في مسئوليته مع بقائها على ملك المودع، و هذا نحو من الضمان المعاملي: فإنه على نحوين: أحدهما: مختص بباب الديون، و يعبر عنه بنقل الدين من ذمة إلى ذمة. و ثانيهما: لا يختص بها، بل يشمل الأعيان الخارجية أيضاً، و هو التعهد بشي‌ء و جعله في عهدة الشخص، و في المقام يقوم البنك بإنشاء التعهد و تعاقده مع المودعين على ذلك، فإذا قام البنك بذلك تصبح الودائع في عهدته و مسئوليته مع بقائها على ملك المودعين، و نتيجة هذا التعهد هي أن خسارتها على ذمة البنك لو تلفت. و لكن هذا التصوير لا ينسجم مع النظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف، فإن مقتضى ذلك النظام إن الودائع المتوفرة لديها جميعا قروض ربوية، و خارجة عن ملك المودعين و داخلة في ملك البنوك على وجه الضمان بالمثل، و لا يمكن أن تكون ودائع حقيقة و بالمعنى الفقهي، إذ لازم كونها ودائع حقيقة أن يعود ثمنها و ربحها إلى المودع لا إلى البنك، فإن عوده إلى البنك مع بقاء نفسها في ملك المودع بحاجة إلى عناية زائدة، و هي وقوع شرط في ضمن عقد الضمان أو أي عقد أخر بين البنك و المودع، بأن يشترط البنك في ضمنه على المودع أن يكون الثمن ملكاً له بنحو شرط النتيجة، بمعنى أنه ينتقل إليه في طول انتقاله إلى المودع، لا بمعنى أنه ينتقل إليه ابتداء، فإنه باطل و مخالف لقانون المعاوضة، و أيضاً لا بد على هذا من استثناء المبلغ الذي دفعه البنك إلى المودع بمعنى: أنه يشترط عليه أن يكون مالكاً لما يزيد على المبلغ المذكور. فالنتيجة: إن افتراض تطبيق هذا التصوير و النظرية يستدعي تبديل النظام البنكي التقليدي بنظام جديد، إذ مع فرض بقاء ذلك النظام في البنوك لا يمكن تطبيق هذه النظرية.

273

نعم، تصلح هذه النظرية أن تكون بديلة عن النظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف، و على هذا فبإمكاننا تبديل النظام البنكي التقليدي ببدائل جديدة مطابقة للشرع و هي متمثلة في الصيغ التالية: 1 عقد المضاربة. 2 عقد المشاركة. 3 عقد المرابحة. 4 عقد الوكالة. 5 عقد السلم. 6 بيع الأوراق النقدية الشخصية بمثلها الكلي في الذمة و غيرها، و يأتي شرح الجميع في ضمن البحوث القادمة. يتلخص من ذلك أن البنوك و المصارف بنظامها التقليدي الربوي تملك الأموال المودعة عندها على نحو الضمان.

274

" البنوك و المؤسسات الحكومية و كيفية تملك الأموال المودعة عندها"

و قد تسأل أن البنك إذا كان حكوميا فيرتبط تملكه للمال بتملك الحكومة، على أساس أنه فرع من فروعها، و المفروض أن الحكومة لا تملك و لا نقول بتملك الحكومة.

و الجواب: إن البنك جهة مالية ذات شخصية مستقلة، فيملك المال بنفسه و باسمه لا بعنوان الوكالة عن غيره أو الولاية عليه، لكي يتوقف نفوذ تصرفه و تملكه على إثبات الوكالة أو الولاية، و على هذا فلا يتوقف تملك البنك للمال على أي مقدمة، و بكلمة: إن البنك في نفسه قابل لأن يتملك شيئا، سواء أ كان بالتمليك أم بالاستيلاء و بذل الجهد، و لا يكون ذلك مشروطا بشي‌ء، و لا هناك مانع يمنع عنه. و هذا بخلاف الحكومة فإنها شخصية آلية تعمل بعنوان الوكالة عن الملة و الرعية و الممثلة لهم، أو بعنوان الولاية عليهم اذا كانت الحكومة شرعية و هي الحكومة القائمة على اساس مبدأ المالكية لله وحده لا شريك له و على الأول تتوقف شرعيتها على الاذن من الملة أو أوليائها و الا فلا تكون شرعية و الخلاصة أن نفوذ تصرفات الحكومة و تملكها للمال سواء أ كان بالتمليك من قبل الغير، أم بالاستيلاء بسبب الأحياء، أو الحيازة أو نحوهما يتوقف على توفر أحد هذين العنصرين فيها: أما الوكالة أو الولاية، و حيث أن شيئا منهما غير متوفر في الحكومات الحاضرة في البلاد الإسلامية فعلا، فلا تكون تصرفاتها نافذة، سواء أ كانت في الميادين الاقتصادية كإحياء الأراضي و انشأ السدود لحيازة المياه و استخراج المعادن الطبيعية من الظاهرية و الباطنية و حيازة الثروات الطبيعية و إنشاء المعامل و المصانع و غيرهما، أم كانت في الميادين الإدارية، كاستخدام الأشخاص و استئجارهم في مختلف مرافق الحكومة، فإن نفوذ تلك التصرفات وضعا و تكليفا منوط أما بالوكالة عنهم جميعا أو بالولاية عليهم كذلك، و إلا فلا قيمة لها من وجهة النظر الشرعية. نعم إذا كانت الحكومة حكومة إسلامية شرعية بأن تكون قائمة على اساس مبدأ الدين و يكون على رأسها الولي الفقيه في زمن الغيبة الجامع للشروط التي منها الأعلمية، كانت تصرفاتها في حدود دائرة الشرع، التي قد حددت من قبل الولي الفقيه، على أساس الخطوط العامة للإسلام المستمدة من الكتاب و السنة نافذة مطلقا، اي: وضعا و تكليفا. فالنتيجة: ان البنك جهة مالية مستقلة و ملحوظ كالمعنى الاسمي، بينما الحكومة جهة آلية غير‌

275

مستقلة و ملحوظة كالمعنى الحرفي، بنكتة إنها تدعى تمثيلها من قبل الشعب، و هي أما بالوكالة أو الولاية، و على هذا فلا شبهة في أن البنوك و المصارف تملك الودائع المودعة عندها على وجه الضمان بالمثل و هو معنى القرض، و لها حرية التصرف فيها بالاقراض و المنحة و غيرها، و يترتب على ذلك أن المال المأخوذ من البنك قرضا كان أو منحة ليس من المال المجهول مالكه، بل ملك للآخذ بتمليك البنك أما على وجه الضمان كما في القرض أو مجانا كما في المنحة، و لا يترتب عليه أحكام مجهول المالك، و بكلمة أن ترتيب أحكام مجهول المالك عليه منوط بكون الودائع عنده ودائع حقيقيه و باقية في ملك أصحابها، و قد مر أنه لا يمكن تصوير ذلك على ضوء النظام البنكي التقليدي في البنوك و المصارف. نعم، تكون أموال البنك مختلطة بالحرام من ناحية أخرى، و هي أن الفوائد التي أخذها البنك على القروض، فإنها باقية في ملك أصحابها، و عليه فتكون أمواله مختلطة بها، و حيث أن نسبة تلك الفوائد إلى رءوس الأموال قليلة، فتكون نتيجة ذلك أن المال المأخوذ من البنك إن كان قرضا، فإن علم المقترض بوجود الحرام فيه بطل القرض بالنسبة إليه فحسب، و على المقترض حينئذ أن يعامل معه معاملة المجهول مالكه، فإن كان غنيا تصدق به على الفقراء، و إن كان فقيرا فله أن يقبله صدقة من قبل صاحبه، و إن لم يعلم بوجود الحرام فيه صح القرض في كله و لا شي‌ء عليه، و إن كان منحة، فإن علم بوجود الحرام فيها تصدق به إن كان غنيا، و إلا قبله صدقة، و إن لم يعلم بوجود الحرام فيه فلا شي‌ء عليه، و هذا يختلف بإختلاف الموارد و ليس لذلك ضابط كلي.

276

" البدائل الشرعية للمعاملات الربوية التقليدية للبنوك و المؤسسات النقدية"

البدائل الشرعية للمعاملات الربوية نظرة سريعة و معمقة في أحكام البنوك و المصارف على ضوء التخريجات الفقهية الإسلامية: لا ريب في أن البنوك و المصارف النقدية من أهم و أكبر المؤسسات المالية في العالم ككل، و لها دور أساسي في تدعيم الحركات التجارية و تصويرها شكلا و عمقا في الأسواق المالية كافة، و في تنمية الحياة الاقتصادية بكل أشكالها من التجارية و الصناعية و الزراعية و المهنية و الحرفية و غيرها، و تقديم خدمات و تسهيلات لعملائها بكافة الوانها و أشكالها و تطور تلك الخدمات و التسهيلات يوما بعد يوم كل ذلك لتحقيق أهدافها الرئيسية المادية، و حيث أن مجموعة من خدماتها الاقتصادية لا تتفق مع طبيعة الشريعة الإسلامية و احكامها، فلذلك نحاول بشكل جاد إيجاد البدائل لها التي تتفق مع الشريعة من ناحية، و تخريج خدماتها فقهيا من وجهة النظر الشرعية من ناحية اخرى، هذا من دون أن يقلل من شانها في نشاطاتها الاقتصادية و تنميتها و حركاتها التجارية و تحقيق أهدافها المطلوبة.

و يمكن تقسيم الوظائف و الخدمات الاساسية التي تمارسها البنوك و المصارف إلى نوعين:

النوع الأول: تقديم البنوك القروض الربوية لعملائها بمختلف اشكالها و ألوانها، و هي من أكبر خدماتها و أكثرها انتشارا في العالم اليوم. النوع الثاني: تقديمها خدمات تسهيلية لعملائها و المستثمرين في مختلف الميادين الاقتصادية، و الاستثمارات التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو الإنشائية أو غيرها، و منها الخدمات المصرفية المساعدة مثل الحوالات و الشيكات السياحية و المحاسبات الداخلية أو الخارجية، و فتح الاعتمادات و إصدار بطاقات الائتمان و غيرها. و هذه الرسالة وضعت لتقديم البدائل الشرعية للنوع الاول من الخدمات التي تمارسها البنوك و هي القروض الربوية التي هي محرمة في الشريعة المقدسة بالكتاب و السنة و محذورة فيها المعيقة للقيم و المثل الدينية. أما النوع الثاني من الخدمات التي تمارسها البنوك فهي بكافة أنواعها جائزة شرعا و قد تقدمت‌

277

الإشارة إلى تلك الخدمات بأسمائها الخاصة و عناوينها المخصوصة و ستأتي أحكامها تفصيلا في ضمن البحوث القادمة.

و أما النوع الأول من الخدمات المصرفية هو تقديم البنوك القروض الربوية لعملائها بمختلف أشكالها،

و حيث أن ذلك محرم شرعا في الإسلام فلذلك اتجهت أنظار فقهاء الإسلام منذ زمن إلى إيجاد بدائل مطابقة للشرع في البنوك و المصارف التقليدية عن النظام التقليدي الربوي المخالف للشرع، و بإمكاننا تبديل هذا النظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف في البلاد الإسلامية بمجموعة من البدائل الموافقة للشرع بالتخريج الإسلامي و هي كما يلي:

278

" البديل الاول للمعاملات الربوية في البنوك عقد المضاربة"

و هو أول ما اتجهت إليه أنظار علماء المسلمين في بحوثهم عن وجود بدائل للنظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف، و قد نقل إن هذه الفكرة قد تلقت نجاحا كبيرا في بعض البنوك الإسلامية.

و نجاحه يتطلب دراسة عدة نقاط:

الأولى: إن عقد المضاربة في المصطلح الفقهي الإسلامي عقد خاص بين المالك و هو رب المال و العامل المستثمر،

فإنهما يقومان بإنشاء عقد تجارة يكون رأس مالها من الاول و العمل من الثاني بشروط، و يحددان حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية، و غالبا يكون إنشاء هذا العقد بين المالك و العامل مباشرة، و قد يكون بواسطة ثالث و هو وسيط بينهما، و وكيل عن المالك في إنشاء هذا العقد بينه و بين العامل، و في المقام يكون البنك هو الوسيط، فإنه وكيل عن المودع في تقديم أمواله للعملاء لعقد المضاربة بينهم و بين المودع بشروط، و تعيين حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية.

الثانية: إن نجاح عقد المضاربة [مرتبط بتعزيز عنصر الثقة و الامانة بين الأعضاء الثلاثة: المالك، و العامل، و الوسيط،]

بوصف كونه بديلا عن النظام التقليدي الربوي في تنمية الحياة الاقتصادية و الصناعية و الزراعية و غيرها مرتبط بتعزيز عنصر الثقة و الامانة بين الأعضاء الثلاثة: المالك، و العامل، و الوسيط، و تذليل العقبات و العوائق دون تطبيقها، و هو مرتبط بفرض شروط ائتمانية بين الأعضاء الثلاثة.

الأول: أن يكون البنك جاهدا بتوفير المناخ المناسب لعقود المضاربة مع عملائه،

و لا يتجاهل في تهيئة الفرص المتاحة له لإنشاء تلك العقود و ايجادها، و لا يتسامح في تأخير استثمار الأموال المودعة عنده.

الثاني: أن يكون للبنك كامل الحرية في التصرف في الودائع

بإبرام عقد المضاربة في الأسواق المالية داخل البلد و خارجه و البورصات العالمية مع عملائه بأنواع من المعاملات التجارية كلا أو بعضا حسب مؤشرات السوق عالميا أو محليا إلى التحسن و النمو الاقتصادي العالمي أو المحلي و التحرك في الاسواق المالية.

279

الثالث: مراقبة البنك بدقة لأوضاع السوق في العرض و الطلب و تقلبات الأسعار فيها محليا و عالميا،

و تحسن أوضاعها في المستقبل في انشأ العقود معهم.

الرابع: تجزئة رءوس اموال المضاربة على فترات للتأكد من جدية المضارب و إتقانه في العمل و أمانته.

الخامس: تعزيز عنصر الثقة و الأمانة في العامل المضارب لدى البنك الممول،

و إلا فمن كان يضمنه ضد الخيانة في التجارة و الغش و التزوير و التقصير و التعدي و إخفاء الأرباح، فإن القوانين وحدها لا تكفي ما لم تتوفر فيه حدود معقولة من الأخلاق و الأمانة و الوثاقة التي تحافظ على اموال الغير كمحافظتها على أمواله.

السادس: أن تكون للعامل خبرة سابقة في مجال التجارة و الصناعة و الاستثمار المهني و الحرفي و وضع الاسواق و مؤشراتها.

السابع: أن يقدم البنك دراسة متكاملة عن مفهوم التجارة و حدوده سعة و ضيقا،

تصديرا و استيرادا، و دراسة أوضاع السوق في العرض و الطلب و المؤشرات التي تشير إلى تحسن أوضاعها، و على العامل المضارب أن يتبادل مع البنك ما لديه من الخبرة في أوضاع السوق، و أن يخضع لما يملي البنك عليه من الشروط و القيود لكي تكون باستطاعة البنك تقدير نتائجها و السيطرة عليها للتجنب من المخاطر فيها.

الثامن: أن يلزم البنك المودع بملزم شرعي بإبقاء وديعته مدة لا تقل عن سنة مثلا تحت تصرفه

لكي يتيح له الفرصة لتقديمها للمضاربة مع رجل عمل، و تلعب دورها في الاستثمار.

التاسع: تقييد البنك المحول للعامل في المضاربة،

بأن لا تتجاوز المصارف و الأجور عن حد معين و معقول يتم الاتفاق عليه، و إلا فعليه ضمان الزائد.

العاشر: يشترط البنك على العامل تزويده بكافة المعلومات عن سير دور عملية المضاربة في الأسواق المالية

من ساعة تنفيذها إلى ساعة شراء البضائع و المادة، و عن حدود سعرها وقت الشراء و التفاوت بين السعرين و كميتها إلى انتهاء مدة عقود المضاربة، و بإمكان البنك المحافظة على هذه المعلومات و السيطرة عليها بالوسائل الآلية الحديثة المتوفرة لديه من ناحية، و على أوضاع السوق في هذه المدة صعودا و نزولا إقليميا و عالميا من ناحية أخرى، و للبنك أن يزيد في الشروط إذا رأى مصلحة.

280

الثالثة: ان البنك كما أنه وكيل من قبل المودعين في إنجاز عقود المضاربة، وكيل من قبلهم في إنشاء الشركة بين ودائعهم جميعا بنحو الاشاعة،

و بعد ذلك يقوم بعقد المضاربة من مجموع الودائع، و حينئذ فيكون رأس المال في كل عقد مضاربة مشتركا بين مجموعة من الأطراف، و هذا يعزز ثقة المودعين بنجاح المضاربة و تقليل مخاطرها، على أساس ان احتمال الخسران في تمام هذه العقود غير محتمل عادة، و بكلمة ان وديعة كل مودع و إن كانت تظل محتفظة بملكية صاحبها لها، و لا تنتقل ملكيتها إلى البنك كما هو الحال في البنوك الربوية، إلا انها لا تبقى منعزلة عن ودائع الآخرين، بل البنك بمقتضى وكالته عن أصحابها ككل يقوم بالاجراء الشرعي، و هو جعل مجموع الودائع ملكا مشاعا لمجموع المودعين، و عليه فتكون حصة كل مودع من هذا المجموع بنسبة وديعته، و نتيجة ذلك إن رأس مال كل مضاربة مشترك بين الجميع بنسبة وديعته.

الرابعة: إن الوديعة في البنوك الربوية مضمونة،

على أساس أن الودائع التي تحصل عليها تلك البنوك ليست في الحقيقة ودائع بالمعنى الفقهي، و إنما هي قروض، فإذا كانت كذلك فهي مضمونة بمثلها في الذمة، و لهذا تصبح المبالغ التي يتقاضاها المودعون عليها فوائد على القرض، و أما في البنوك اللاربوية فبما أنها ودائع بالمعنى الفقهي و باقية في ملك أصحابها، فلا تكون مضمونة من هذه الناحية، و لكن للبنك و لأجل تعزيز ثقة المودعين بنظامه الإسلامي، أن يقوم بضمان الوديعة بقيمتها الكاملة للمودع في حالة خسارة رأس مال المشروع، و لا مانع من قيام البنك بذلك، باعتبار أنه يلعب دور الوسيط لا دور العامل لكي يقال بعدم جواز ضمان العامل رأس المال في عقد المضاربة، و نقصد بهذا الضمان تعهد البنك للمودع بقيمة الوديعة عند وقوع الخسارة عليها في عقد المضاربة، أو تلفت بدون تفريط من العامل و تقصيره. و بكلمة: إن الضمان المعاملي يتصور على نحوين: أحدهما: نقل الدين من ذمة إلى ذمة و هذا هو المشهور بين الفقهاء و المرتكز في الأذهان، و مورده الدين خاصة، و الآخر التعهد بشي‌ء و جعله في مسئولية الشخص، و مرده في نهاية المطاف إلى اشتغال ذمته ببدله على تقدير التلف من المثل أو القيمة، و هذا معنى آخر للضمان عرفا، و هو يتصور في الديون و الأعيان معا.

281

أما في الأولى: فليس معناه نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة الضامن و لا ضم ذمة إلى ذمة، فانه باطل شرعا، بل معناه التعهد بأداء الدين مع بقائه في ذمة المدين، و من هذا القبيل قبول البنك للشيكات، فإنه لا يقصد به نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمته، و لا الضم لأنه باطل، بل يقصد به معنى آخر للضمان و هو تعهده بأداء الدين إلى الدائن خارجا مع بقائه في ذمة المدين و عدم انتقاله إلى ذمته، و نتيجة هذا التعهد ان للدائن أن يرجع إلى البنك إذا أمتنع المدين عن الاداء و مطالبته بذلك على أساس تعهده به. و أما في الثانية فلأن معناه تعهد الشخص بتكفل الخسارة للعين و تداركها في حالة وقوعها عليها، لأن مقتضى القاعدة كون تلف المال يعتبر خسارة على المالك لا على غيره، و لكن إذا تعهد غيره بتكفل خسارته و تداركها إذا وقعت، كانت عليه لا على مالكه، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإن البنك يتعهد للمودع بتكفل خسارة وديعته في حال وقوعها و بدلها في حال تلفه من دون تقصير من العامل، فإذا تعهد البنك الوسيط لذلك فقد عززت ثقة المودع، بأن وديعته مضمونة و لا ترد الخسارة عليه في حال تلفها. هذا نظير الضمان في باب الغصب، فإن الغاصب ملزم شرعا بأداء نفس العين المغصوبة إلى مالكها ما دامت موجودة، و بدلها من المثل أو القيمة في حال تلفها، غاية الأمر أن الضمان في باب الغصب يكون على القاعدة، و في المقام يكون بالجعل و الشرط لا على القاعدة.

الخامسة: إن نسبة الفوائد التي تتقاضاها البنوك اللاربوية على استثمار الودائع بعقود المضاربة مع عملائها و المستثمرين على ضوء الشروط المتقدمة،

بدرجة أكبر عن الفوائد التي تتقاضاها البنوك الربوية على قروض عملائها، و لا سيما إذا كانت الظروف الاقتصادية العالمية أو المحلية في نمو و تحسن مستمر و من الطبيعي ان ذلك من العوامل المهمة، في جلب الناس و أرباب الأعمال لإيداع أموالهم في البنوك اللاربوية هذا مضافا إلى العامل الديني النفسي. و قد يناقش في ذلك بالفرق بين عقود المضاربة في البنوك الاسلامية و بين القروض الربوية في البنوك التقليدية لأن الفائدة على القروض الربوية في البنوك التقليدية مضمونة مائة بالمائة بينما الفائدة على عقود المضاربة في البنوك الاسلامية غير مضمونة مائة في المائة على أساس انه لا يمكن دفع احتمال الخسارة في العقود المذكورة نهائيا مهما كانت مؤشرات أوضاع السوق في صالح تلك العقود لأنها لا تدفع احتمال الخسارة باسباب غير متوقعة و لهذا السبب لا يرغب الناس و رجال‌

282

الاعمال بايداع أموالهم في البنوك الاسلامية اللاربوية بينما كانوا يرغبون لإيداعها في البنوك التقليدية الربوية؟

و الجواب: ان بامكان البنك اللاربوي تقليل احتمال الخسارة في عقوده الاستثمارية الى حد الصفر بحساب الاحتمالات على اساس انه لا يقوم بابرام عقد المضاربة بحساب كل عميل من عملائه بنحو مستقل بماله الخاص بل هو يقوم بعقود تجارية متعددة في مختلف أنواع التجارات الاستثمارية براس مال مشترك بين كل كتلة من عملائه لا يقل عددها عن مائة فرد مثلا و على هذا فجميع اعضاء الكتلة مشتركون في رأس مال كل عقد من هذه العقود التجارية بنسبة خاصة و في ضوء ذلك يكون احتمال الخسارة في جميع هذه العقود غير محتمل على حساب الاحتمالات و أما احتمالها في بعضها دون بعضها الآخر و ان كان موجودا الا انه ضعيف على ضوء المواصفات و الشروط التي تقع هذه العقود عليها فاذن اصل الفائدة مضمون مائة بالمائة بل قد تكون الفائدة اكبر بكثير من الفائدة على القروض الربوية في البنوك التقليدية و لا سيما اذا كانت اوضاع السوق في تحسن و نمو مستمر عالميا و اقليميا الى هنا قد تبين ان الفائدة كما انها مضمونة في البنوك التقليدية الربوية كذلك هي مضمونة في البنوك الاسلامية اللاربوية بل قد تكون الفائدة في البنوك الاسلامية اكبر بمراتب من الفائدة في البنوك التقليدية و لهذا قلنا ان دور البنوك الاسلامية لا يقل عن دور البنوك التقليدية في نمو الحياة الاقتصادية و نشاطاتها الحيوية في الحركات التجارية الاستثمارية في الاسواق المالية الدولية و الاقليمية هذا كله بالنظر الى العامل المادي، و أما العامل الديني الاسلامي فهو الاهم لأنه يتطلب عملا جادا من المسلمين ككل بحكم اعتقادهم بالاسلام و مسئوليتهم امام الله تعالى و الحفاظ على اصالتهم و استقلالهم في تشريعاتهم المستمدة من الكتاب و السنة ان يقوموا بايداع اموالهم في البنوك الاسلامية اللاربوية و الابتعاد عن ايداعها في البنوك التقليدية الربوية التي هي محرمة بالكتاب و السنة المعيقة عن القيم و المثل الدينية و الاخلاقية.

283

" تقسيم الأرباح بين اصحاب المال و العاملين" تقسيم الأرباح:

تقسم الأرباح بين المالك و العامل بمقتضى عقد المضاربة بنسبة مئوية، و أما البنك فحيث أنه ليس طرفا للعقد، فلا يتطلب العقد اشتراكه في الأرباح، و لكن بما أن قيامه بعملية المضاربة بين المالك و العامل و انجازها و الاشراف عليها إلى نهايتها عمل محترم فمن حقه أن يأخذ عمولة لقاء هذا العمل و يمكن تخريج ذلك فقهيا بوجوه: الأول: أن يكون ذلك على أساس عقد الجعالة، فان المودع يطلب من البنك قيامه بعملية المضاربة لودائعه و انجازها و الاشراف عليها لقاء جعل محدد و لا مانع من ذلك، و حينئذ فان كان الجعل من ماله الخارجي المملوك له بالفعل فلا إشكال فيه، و إن كان حصة من الربح فقد يشكل فيه تارة بأنه مجهول و أخرى بأنه معدوم فعلا، و لكن كلا الاشكالين لا أثر له في المقام. أما الأول فلان كون الجعل مجهول القدر و لا يضر بصحة عقد الجعالة، إذ لا يعتبر فيها كون الجعل معلوم القدر. نعم، يعتبر أن لا يكون أصل وجوده مجهولا، كما يعتبر أن لا يكون من المجهول المطلق كالشي‌ء. و أما الثاني: فلا يعتبر في صحة عقد الجعالة أن يكون الجعل قابلا للتمليك حين العقد، اما ان يكون شيئا موجودا في الخارج و مملوكا للجاعل بالفعل فيملكه المجعول له بالجعالة أو يكون شيئا ثابتا في الذمة لأن المجعول له لا يملك الجعل بنفس عقد الجعالة من الجاعل، و إنما يملك بعد إنجاز العمل المأمور به خارجا، و في هذا الظرف لا بد ان يكون الجعل قابلا للتمليك من الجاعل و إن لم يكن قابلا له حين العقد، و المفروض في المقام أن المودع كان يجعل للبنك حصة من الربح إذا انجز المضاربة و واصل الاشراف عليها إلى انتهاء مدتها، و في هذا الظرف تكون الحصة من الربح موجودة في الخارج و مملوكه للجاعل فعلا و قابلة للتمليك كذلك. و قد تسأل: ان الربح لا يكون مضمونا، فإنه قد يتحقق و قد لا يتحقق، فلا يصح للمودع أن يجعل حصة منه جعلا في عقد الجعالة؟

و الجواب: ان الربح بالنسبة إلى كل مضاربة مستقلة و ان كان مشكوكا و غير مضمون، إلا أنه بالنسبة إلى مجموع عقود المضاربة التي قام البنك بانجازها كان مضمونا عادة و قد تسال هل يمكن جعل حصة من الربح للبنك على أساس عقد المضاربة و لا؟

و الجواب: أنه لا يمكن، لأن عقد المضاربة إنما هو بين المودع و العامل و البنك ليس طرفا له، و إنما‌

284

هو وسيط بينهما في إنجازه و الأشراف عليه، و حينئذ فمن الطبيعي يكون مفاده اشتراك العامل مع المودع في الربح بنسبة مئوية دون غيره، كالبنك الذي هو خارج عن طرفي العقد، و افتراض عقد مضاربة جديدة بينه و بين المودع خلف. الثاني: أن يكون ذلك على اساس الاجارة فيستأجر المودع البنك للقيام بعملية المضاربة لأمواله و الاشراف عليها إلى نهايتها لقاء اجرة معينة، و لكن هذا التخريج إنما يتم إذا جعل المودع الأجرة من المال القابل للتمليك حين عقد الاجارة، بأن يكون شيئا خارجيا مملوكا له بالفعل، أو شيئا ثابتا في ذمته، و لا يتم هذا التخريج إذا جعل الأجرة حصة من الربح لسببين: الأول: أن الحصة من الربح بنسبة مئوية مجهولة و يعتبر في صحة الإجارة أن تكون الأجرة فيها معلومة. الثاني: ان الأجرة لا بد أن تكون قابلة للتمليك من قبل المودع حين العقد، على أساس أن الأجير أنما يملك الأجرة بنفس العقد، و المفروض أن الربح غير موجود حين العقد حتى يملكه المودع للأجير، فالاجرة لا بد أما أن تكون شيئا ثابتا في الخارج المملوك للمودع بالفعل، أو شيئا ثابتا في الذمة، و إلا فلا تصلح أجرة في عقد الإجارة. الثالث: أن يكون ذلك على أساس شرط النتيجة، فيشترط البنك على المودع في عقد ما أن يكون مالكا لحصة معينة من الربح إذا ظهر، و لا بأس بهذا الشرط، لأن معناه ليس دخول الحصة من الربح في ملكه في ظرف ظهوره ابتداء لكي يقال أنه غير معقول و خلاف قانون المعاوضة، بل معناه دخولها في ملكه في طول دخولها في ملك المودع بمقتضى الشرط و لا مانع من ذلك. الرابع: ان يكون ذلك على أساس شرط الفعل، فيشترط البنك على المودع أن يعطي مبلغا معينا من الربح إزاء ما قام له من الخدمات، و هي قيامه بعقد المضاربة على أمواله و انجازها و الاشراف عليها. الخامس: أن يكون ذلك على أساس أجرة المثل التي يتقاضاها الاجراء للقيام بمثل هذا العمل. ثمّ ان من حق البنك أن يطلب من العامل المضارب أيضا عمولة لقاء ما قدمه له من الخدمة، و هي تقديم الأموال له للمضاربة و الاستثمار و إتاحة الفرصة و توفير المناخ المناسب لنجاحها، و تقديم المعلومات له عن أوضاع السوق و مؤشراته، و يمكن تخريج ذلك فقهيا أيضا بأحد الوجوه المتقدمة،

285

و هناك جوانب أخرى في المسألة: (منها) تعيين الوقت لعقد المضاربة مع عملائه و تحديده في كل أسبوع أو شهر مثلا مرة حسب الظروف المالية و الودائع المجمعة عنده، و اعلان ذلك لعملائه، و طلب حضورهم فيه بشروط محددة. (و منها) تحديد أرباح المضاربات التي تمت بواسطته في نهاية مدتها و معرفتها. (و منها) كيفية توزيعها على نسبة رءوس الأموال للمضاربة بين أصحابها. (و منها) غير ذلك. و أما تطبيق هذه الجوانب و غيرها عمليا في الخارج، فهو بيد أهل الفن و الخبرة في هذه الأمور، و حينئذ فبإمكان البنك اللاربوي استخدام هيئة فنية في تطبيق تلك الجوانب من عقود المضاربة و تقسيم أرباحها بين جميع المشتركين في رأس مال المضاربة بنسب معينة و يصل لكل منهم من الأرباح بنسبة حصته من رأس المال، كما أن بإمكانه استخدام هيئة فنية من أهل الخبرة للمراقبة بالوسائل الحديثة المتوفرة عنده. هذه فكرة كبروية سريعة عن عقد المضاربة في البنوك و المصارف التقليدية بديلا عن القروض الربوية المحرمة شرعا.

286

" البديل الثاني للمعاملات الربوية في البنوك" عقد الوكالة:

البنك بصفة كونه وكيلا عن المودعين في التصرف في أموالهم المودعة عنده حسب ما يراه فيه من المصلحة، فله بدلا عن أن يقرض عميله من الودائع بفائدة ربوية يقدم إليه أموالا، و يوكله في شراء متطلباته الشخصية أو التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو غيرها من قبله، و بعد الشراء و القبض يبيعها وكالة منه على نفسه بثمن مؤجل يتضمن ربحا لا يقل عن سعر الفائدة في القرض الربوي.

و تطبيق هذا البديل في النظام المصرفي بديلا عن التعامل الربوي فيه يبتني على توفر أمور:

الأول: عنصر الثقة و الأمانة في العميل الوكيل في الشراء،

أو هناك طرف ثالث يضمن رأس المال.

الثاني: إشراف البنك على عملية الشراء و اطلاعه على أوضاع السوق و تقلباته صعودا أو نزولا

عالميا أو إقليميا و مؤشرات تحسنه بالنسبة إلى السلع الذي أراد العميل أن يشتريه من الأسواق.

الثالث: إذا لم تكن له خبرة في عملية الشراء أو في معرفة الأجناس، فعلى البنك أن يرسل معه من أهل الخبرة في ذلك،

و حينئذ فاما أن يكون شراؤه بنظره أو هو يقوم بالشراء لمتطلباته من الأجناس و البضائع من قبل البنك، ثمّ يبيعها عليه بربح مؤجل.

الرابع: تقييد عمله بزمن معين أو مكان كذلك أو شركة خاصة لتجنب المخاطر و غيرها

مما يراه البنك دخيلا في تعزيز الثقة و الأمانة.

287

" البديل الثالث للمعاملات الربوية في البنوك" بيع المرابحة:

و هو أن البنك بدلا عن أن يقرض عملاءه بفائدة ربوية لكي يقوموا بشراء حاجياتهم الشخصية أو التجارية، يقوم البنك بنفسه بشراء تلك الحاجيات نقداً ثمّ يبيعها عليهم بثمن مؤجل يتضمن ربحا، و تطبيق هذه العملية لا يتطلب أن تكون للبنك مخازن و مستودعات تفي بكافة متطلبات عملائه من المواد الشخصية و التجارية أو الإنشائية أو المهنية أو الصناعية أو غيرها، و ذلك لأن البنك لا يقوم بشرائها إلا بعد مطالبة العميل بذلك، و حينئذ فاذا لم يرغب العميل في إتمام الشراء من البنك، فله أن يبيع البضاعة إلى طرف ثالث، و إذا خسر في هذا البيع، فهل الخسارة على العميل أولا؟

و الجواب: ان الشراء حيث كان بأمره و طلبه كانت الخسارة على ذمته، و بذلك تتفادى مشكلة تراجع العملاء عن الوفاء بعهودهم مع البنك، فان وعد الشراء منه و ان كان غير ملزم لهم إذا لم يكن شرطا في ضمن عقد لازم، إلا أن قيام البنك بشراء السلعة و البضاعة لما كان بأمر منهم و طلبهم كان موجبا للضمان، فان الأمر بالعمل الذي له قيمة مالية في نفسه، سواء أ كان بالأمر الخاص أم العام موجب للضمان، لأنه ملاك الضمان في باب الجعالة، باعتبار أن الضمان فيه ضمان الغرامة لا ضمان المعاوضة، و على هذا فاذا أمر العميل البنك بشراء السلع و البضائع متعهدا على نفسه شراءها منه بفائدة نسبية محددة، و حينئذ فان امتنع عن الشراء لسبب ما و خسر البنك في ذلك، كان العميل ضامنا للخسارة بموجب امره، يمكن تخريج الضمان في المقام فقهيا على اساس الجعالة بلحاظ ان حقيقة الجعالة تنحل الى جزءين: أحدهما: الامر بالعمل الذي له قيمة مالية، و الآخر: تعيين الأجرة بازاء ذلك العمل و تحديدها، و في المقام يشكل امر العميل البنك بشراء السلع الجزء الاول من الجعالة، و تعهده بشرائها منه بربح نسبي يشكل الجزء الثاني منها، فمن أجل ذلك اذا تراجع العميل عن الشراء منه، ضمن اجرة مثل عمله من ناحية، و الخسارة على تقدير وقوعها من ناحية أخرى، و الاول بموجب عقد الجعلة و الثاني بموجب أمره، و بكلمة ان بامكان البنك بدلا عن تلبية العملاء بالأقراض الربوية، تلبيتهم بشراء الاغراض الشخصية و الاجتماعية من السلع المطلوبة كالسيارات و البيوت السكنية‌

288

و الاثاث المنزلي و الادوات الانشائية و غيرها، فانهم اذا كانوا بحاجة اليها طلبوا من البنك شراءها لنفسه نقدا، ثمّ يبيعها عليهم بنفس تكليفها مع اضافة ربح لا يقل عن سعر الفائدة، و بذلك يصلح ان يكون بيع المرابحة بديلا عن القروض الربوية في كثير من الموارد.

" البديل الرابع للمعاملات الربوية في البنوك" بيع السلم:

و هو عقد بيع يعجل فيه الثمن، و يؤجل فيه تسليم المبيع الى اجل محدود، و على هذا فبدلا عن ان يقرض البنك عملاءه بفائدة ربوية لشراء السلع بغاية الاستثمار و الاتجار او لحاجة شخصية سلما، يقوم البنك بشرائها كذلك، و بعد نهاية المدة و قبض السلع يبيعها عليهم بثمن التكليف مؤجلا مع اضافة ربح محدد يقوم مقام سعر الفائدة، و من هنا يقوم عقد السلم مقام القرض الربوي كوسيلة لتوفير التمويل للشركات التجارية أو المؤسسات الصناعية او الزراعية او الانشائية عن طريق قيام البنك بشراء منتجات تلك الشركات و المؤسسات سلما، و دفع الثمن اليها نقدا لتمويلها بدلا عن اقراضها ربويا، فاذا نتجت الشركات قام اصحابها ببيع منتجاتها لعملائها وكالة عن البنك، و يدفع ثمنها اليه، و بذلك يكون شراء البنك منتجاتها من اصحابها بثمن نقدي سلما، بديلا عن القروض الربوية.

" البديل الخامس للمعاملات الربوية في البنوك" الشركة:

و هي عقد بين شخصين او اكثر، و مقتضاه ان يساهم كل منهم في مشروع معين تجاري أو صناعي أو زراعي، بتقديم حصة من المال لاستثمارها بهدف الربح و الفائدة، و الشركة بدلا عن ان تقترض من البنك بفائدة ربوية تطلب منه تمويل الشركة بحصة من المال، و تمثل هذه الحصة مساهمة منه في المشاركة، فيكون البنك من احد الشركاء، و على هذا فيتكون رأس مال الشركة من مجموع حصة من البنك و العميل، و تحدد حصة كل من الشركاء بنسبة مئوية، و تقسم الارباح عليهم بهذه النسبة، و من الطبيعي ان الفائدة التي يحصل عليها البنك من المساهمة و المشاركة في الشركات التجارية او الصناعية او الزراعية او غيرها، لا تقل من الفائدة التي يحصل عليها من تقديم القروض الربوية لعملائه، على اساس ان البنك لا يقدم على المشاركة و المساهمة في الشركات الاستثمارية اعتباطا، و انما يقدم عليها بعد دراسة حدود نجاحها و معرفة المساهمين فيها، و انهم من ذوي سمعة جيدة‌

289

في المجالات التجارية او الصناعية او غيرها، و بامكان البنك عندئذ ان يجعل نفس العميل وكيلا عنه في ادارة الشركة، او يجعل شخصا آخر وكيلا عنه في ادارتها مع العميل، و في كلتا الحالتين لا يكون الوكيل مسئولا و ضامنا للخسارة إلا مع التعدي و التفريط.

" البديل السادس للمعاملات الربوية في البنوك" تحويل القرض إلى البيع

و هو ان يقوم البنك بدلا عن ان يقرض مائة دينار مثلا لعميله بمائة و عشرة دنانير الى ستة اشهر، يبيع المائة عليه بمائة و عشرة الى ستة اشهر، و لا يكون في ذلك ربا. بيان ذلك: ان الاوراق النقدية المالية بما انها لا تكون من الذهب و الفضة، و لا انها نائبة عنهما لكي تكون محكومة بحكمهما، و لا من المكيل و الموزون، فلذلك لا تعتبر المساواة بين الثمن و المثمن منها مع انها معتبرة في بيع الذهب بالذهب و الفضة بالفضة، كما انها معتبرة في بيع المكيل بالمكيل و الموزون بالموزون، و على هذا فلا مانع من بيع تلك الاوراق نقدا بازيد منها في الذمة مؤجلا، كما اذا اشترى شخص عشرين دينارا خارجيا مثلا بخمسة و عشرين دينارا كليا في الذمة الى ثلاثة أشهر. هذا، و هنا اشكالان: احدهما: انه قرض واقعا و لكنه البس ثوب البيع؛ لان المعتبر في البيع المغايرة بين الثمن و المثمن و لا مغايرة بينهما في المقام، على اساس ان الثمن ج و هو الكلي في الذمة ج ينطبق على المثمن في الخارج.

و الجواب: انه يكفي في صدق البيع عرفا المغايرة الناشئة من كون المثمن عينا خارجية و الثمن امرا كليا في الذمة، و مجرد كون الثمن منطبقا على المثمن في الخارج، لا ينافي المغايرة بينهما الناشئة من كون احدهما كليا في الذمة و الآخر عينا خارجية، و المفروض في المقام ان الثمن هو الكلي الثابت في الذمة، لا خصوص الحصة المنطبقة منه على المثمن في الخارج، لكي يقال انه لا مغايرة بينهما، و من هنا لا اشكال عرفا في صدق البيع على بيع الشي‌ء القيمي الخارجي بجنسه الكلي في الذمة بزيادة، كبيع فرس معين خارجا بفرسين في الذمة الى اجل محدد فانه منصوص، و هذا يدل على ان هذا المقدار من المغايرة يكفي في صدق البيع. و بكلمة: ان مفهوم البيع غير مفهوم القرض؛ فان مفهوم البيع متمثل في تمليك مال بعوض، و لهذا‌

290

يعتبر في صدقه ان يكون العوض غير المعوض و الثمن غير المثمن، و مفهوم القرض متمثل في تمليك مال خارجي على وجه الضمان بمثله بدون النظر الى المبادلة و المعاوضة بينهما، و مجرد كون مآلهما واحدا في المقام لا يجعل البيع قرضا؛ لان المعيار في صدق البيع انما هو بانشاء مفهومه عن جد و ان كان قد يفيد فائدة القرض، و من هنا يكون الصلح عقدا مستقلا باعتبار ان مفهومه مغاير لمفهوم البيع، و مفهوم القرض، مع انه قد يفيد فائدة البيع، و قد يفيد فائدة القرض. ثانيهما: ان القرض بمقتضى الارتكاز العقلائي تبديل المال المثلي الخارجي بمثله في الذمة، فيصدق عنوان القرض عرفا على كل معاملة تتكفل لهذا التبديل و لو كان المنشأ فيها عنوان التمليك بعوض، و لا يريد العرف من كلمة القرض الا المعاملة التي تؤدي الى ذلك النحو من التبديل.

و الجواب: الظاهر ان الامر ليس كذلك، لان المرتكز لدى العرف العام، ان صدق عنوان البيع او القرض او غيره من المعاملات منوط بكون المنشأ فيه مفهومه عن جد، فان كان مفهوم البيع كان بيعا و ليس بقرض و لا غيره، و ان كان مفهوم القرض فهو قرض و ليس ببيع و لا غيره، و هكذا. و بكلمة: ان مفهوم القرض يتوقف على كون المال المقترض مثليا خارجيا، فانه اذا كان كذلك و قصد تضمينه بمثله في الذمة من دون لحاظ كون احدهما ثمنا و الآخر مثمنا فهو قرض، و مفهوم البيع لا يتوقف على ذلك؛ فانه عبارة عن تمليك عين بعوض و ان لم تكن العين او العوض موجودة في الخارج، فاذا قصد تمليك مائة دينار خارجي مثلا بمائة و عشرة دنانير كلية في الذمة الى ستة اشهر بجعل احدهما ثمنا و الآخر مثمنا كان بيعا، و لا يصدق عليه عنوان القرض. يتلخص: انه لا مانع من صحة بيع الاوراق النقدية الشخصية بالكلي منها في الذمة، كبيع الف دينار مثلا نقدا بالف و خمسين دينارا في الذمة الى أجل معين، و بيع ثمانية دنانير مثلا بعشرة في الذمة الى ثلاثة اشهر و هكذا، فانه لا يصدق على ذلك عنوان القرض، على اساس انه لوحظ احدهما ثمنا و الآخر مثمنا و قصد المعاوضة بينهما، و لا يصدق على هذا الا عنوان البيع، و مفهومه دون مفهوم القرض. و على هذا فبإمكان كل من البنك و العميل تحويل القرض في البنوك إلى البيع، فيخرج بذلك عن النظام التقليدي الربوي.

291

و لو سلمنا ان تبديل القرض بالبيع لا يمكن في عملة واحدة على النحو الذي عرفته، باعتبار انه قرض في الواقع بصورة البيع، الا انه لا مانع منه بين عملتين كالدينار و التومان و الدينار و الدولار و نحوهما، بان يبيع ثمانين دينارا مثلا بألفي تومان مؤجلا بدلا عن ان بيع الثمانين بمائة دينار كذلك، على اساس ان احكام بيع الصرف لا تجري على بيع النقود الورقية، فلا يجب فيه التقابض في المجلس، بل يجوز ان يكون الثمن مؤجلا، و حينئذ ففي نهاية الاجل يمكن للبائع ان يتقاضى من المشتري الفي تومان او ما يساوي ذلك من الدنانير العراقية و هو مائة دينار من باب وفاء الدين بغير جنسه، و بذلك تحصل نفس النتيجة المطلوبة لمن يريد ان يقترض من البنك ربويا. و بكلمة: ان البنك بدلا عن ان يبيع اربعين ديناراً مثلًا بخمسين ديناراً مؤجلًا الى ثلاثة اشهر، يبيع الاربعين بالف تومان مؤجلا الى نفس المدة، و لو قيل في بيع اربعين دينارا بخمسين انه قرض واقعاً و ان البس ثوب البيع صورة، فلا يقال هذا في بيع اربعين ديناراً بألف تومان، لعدم المماثلة بين الثمن و المثمن فيه، و كذلك العميل، فانه بدلًا عن يبيع اربعين ديناراً مثلًا من البنك بخمسين ديناراً مؤجلًا، يبيع الاربعين بالف تومان، و في نهاية المدة يمكن له ان يتقاضى من البنك الف تومان او ما يساوي ذلك من الدنانير و هو خمسون ديناراً مثلًا. و دعوى: ان النظر العرفي في باب النقود انما هو الى ماليتها دون خصوصياتها، فالمنظور اليه عرفا من بيع اربعين دينارا بالف تومان، هو تبديل مالية بمالية، فاذا كان النظر العرفي الى مالية الدنانير و التوامين التي وقعت ثمناً و مثمنا، فلا تغاير بين الثمن و المثمن حينئذٍ الا في كون احدهما امراً خارجياً و الآخر امراً ذميّاً، و هذا معنى تبديل الشي‌ء الى مثله الذي هو معنى القرض. مدفوعة: بان المنظور اليه في باب النقود و ان كان المالية، الا انه المالية الخاصة، فان النظر العرفي الى مالية الدينار إنما هو في ضمن الدينار لا مطلقاً، و الى مالية التومان إنما هو في ضمن التومان و إلى مالية الدولار إنما هو في ضمن الدولار و هكذا، و على هذا ففي بيع الدينار بالتومان يكون النظر العرفي الى تبديل مالية الدينار بمالية التومان، لا الى تبديل مالية بمالية من دون خصوصية للدينار و التومان، فاذن يكون الثمن مغايراً للمثمن و لا مماثلة بينهما. و قد يقال: ان هذا البديل لا يحقق كل فوائد القرض الربوي المحرم شرعاً، و ذلك لان الشخص اذا أخذ عشرين ديناراً مثلًا من البنك مؤجلًا الى شهرين، فان كان اخذها على اساس‌

292

القرض الربوي، فان وفى خلال الشهرين فهو، و إلا كان البنك يلزمه بفائدة جديدة عن التأخير، و ان كان اخذها على اساس البيع، لم يجز له الزامه بفائدة جديدة مقابل التأخير. و ان شئت قلت: ان تأخر المدين عن السداد في البنوك التقليدية لا يمثل معضلة كبرى، طالما ان الضمانات كافية لسداد قيمة الدين، و كلما تأخر المدين عن السداد و الوفاء اضيفت فوائد التأخير إلى مديونيته و تكرار التأخير يتضاعف الفائدة على رأس المال، و اما في البنوك غير الربوية فلا يجوز الزام المدين بفائدة جديدة مقابل التأخير لأنه ربا.

و الجواب: ان بامكاننا علاج هذه المعضلة بالتقريب التالي، و هو ان يشترط البنك على عميله المشتري في عقد البيع ان يدفع ديناراً مثلًا عن كل شهر اذا لم يسدد الدين في موعده، و لا يكون هذا ربا، فانّ الزام البنك المدين انما يكون بحكم الشرط في ضمن البيع لا في ضمن القرض حتى يكون ربا. نعم، لو اشترط أن يكون له الدينار في كل شهر في مقابل التأجيل و التأخير لكان من اشتراط الربا. و بكلمة كما أن بإمكان البائع أن يشترط على المشتري في ضمن البيع أن يخيط له في كل شهر ثوبا إلى سنة أو اكثر، أو أن يهب له في كل شهر دينارا إلى ستة أشهر مثلا، كذلك بإمكانه أن يشترط عليه في عقد البيع أن يدفع دينارا في كل شهر يتأخر فيه عن دفع الثمن المقرر من حين حلول موعده، و حيث أن الزام المدين هنا بدفع الدينار يكون بحكم البيع لا بحكم عقد القرض، و لا في مقابل الأجل، فلا يكون من اشتراط الربا. و هناك بدائل أخرى غيرها إذ بإمكان البنك اللاربوي القيام بكل معاملة مشروعة مع عملائه حسب ما يراه فيها من المصلحة و الفائدة للطرفين. الخلاصة: استعرضنا الآن البدائل التي يمكن تطبيقها عمليا في البنوك و المصارف بديلا عن النظام التقليدي الربوي، و لا يقل دور مجموع هذه البدائل و تطبيقها عمليا في تنمية الاقتصاد و الحركة التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو غيرها عن دور القروض الربوية فيها، و من هنا قد ألغى الإسلام بشكل جاد و قاطع النظام الربوي عن الاقتصاد الإسلامي نصا و روحا، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى إن الإسلام بقدر ما يؤكد في نظامه الاقتصادي على الجانب المادي نصا و روحا يؤكد على الجانب المعنوي أيضا، على أساس إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يزود الإنسان بطاقات نفسية و ملكات‌

293

فاضلة و أخلاق سامية لمعالجة مشاكل الإنسان الكبرى المعقدة في مختلف مجالات الحياة الفردية و العائلية و الاجتماعية، و هو يرتبط بين الدوافع الذاتية و الميول الطبيعية الذاتية للإنسان و المصالح الكبرى، و هي العدالة الاجتماعية التي قد أهتم الإسلام بإيجادها و إيجاد المجتمع الفاضل، فلذلك يكون الدين الإسلامي هو الوسيلة الوحيدة لحل التناقضات بين الدوافع الذاتية لمصالح شخصية و بين المصالح النوعية، و هو يجهز الإنسان بطاقات غريزة الدين و دوافعه المتمثلة في الإيمان بالله العظيم، و بذلك تصبح المصالح العامة للمجتمع الإنساني على طبق الميول الطبيعية و الدوافع الذاتية، و من هنا يكون الإنسان المسلم بحكم غريزة الدين التي أصبحت ميولا ذاتية له يقدم بأقصى درجة الحب و الميل و الرغبة على بذل أعز ما لديه، و هذا معنى حل الدين الإسلامي مشكلة الإنسان الكبرى. و تطبيق هذه البدائل عمليا مرتبط بعدة عوامل: الأول: العامل النفسي و هو ان المسلمين بحكم ضرورة تبعيتهم للدين الإسلامي و مسئوليتهم أمام الله تعالى ملزمون باستخدام هذه البدائل في طريق التعامل المصرفي بديلا عن النظام التقليدي الربوي المحرم بالضرورة من الشرع. الثاني: إن تطبيق تلك البدائل عمليا المتمثلة في النظام اللاربوي بديلا عن النظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف، يدل على أصالة المسلمين الفكرية و شخصيتهم التشريعية المستقلة المستمدة من الكتاب و السنة من ناحية، و على النظام الاقتصادي الإسلامي في حدود دائرة الشرع من ناحية أخرى. الثالث: إن دور هذه البدائل في الحركات التجارية الصناعية و الزراعية و غيرها لا يقل عن دور القروض الربوية.

294

النوع الثاني" الخدمات البنكية المصرفية في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية و هي عدة خدمات"

(1) معالجة الديون الميتة المتعثرة

معالجة الديون الميتة: و هي الديون التي تظل من دون سداد من المدين في البنك‌

و يمكن علاج هذه المعضلة بأحد وجوه:

الأول: إن احتمال بقاء الديون في حسبان البنك على أساس النظام البنكي اللاربوي ضعيف جدا،

لما تقدم من أن البنك لا يقدم على اعمال البدائل في البنوك و المصارف عوضا عن النظام العملي الربوي فيها، إلا بعد توفر عنصر الثقة و الأمانة الكاملة لديه في العملاء المستثمرين و خبرويتهم المسبقة في الأمور التجارية، و تزويدهم بكافة المعلومات عن أوضاع السوق و تقلباته و مؤشراته و الاشراف عليها، و من الطبيعي ان التأكيد على ذلك كفيل عادة على عدم ضياع رأس المال و الضمان له.

الثاني: ان من حق البنك أن يطلب من عميله التأمين على المال الذي يقدمه له للاتجار به و المداولة،

فإن أتى بالكفيل و المؤمن فهو المطلوب، و إلا فله الامتناع عن التقديم، و على هذا فبإمكان البنك أن يقوم بنفسه بالتأمين لقاء عمولة معينة، كما أن له أن يطلب منه بضمان من شركة التأمين، فإذا أمّنت الشركة و قبلت التأمين، قدم البنك له المبلغ المقرر، و عليه أن يدفع أجور التأمين، و ان كان الشركة فعليه أن يدفع أجوره لها، فإذا وقعت خسارة عندئذ في رءوس الأموال لسبب أو آخر أو تلفت، فهي على المؤمن سواء أ كان البنك أم الشركة.

الثالث: ان للبنك أن يأخذ مبلغا من كل فائدة لأجل التعويض عن الديون الميتة،

فان البنك يقدر على أساس احصاءات سابقة و الظروف المالية الاقتصادية، ان نسبة معينة من الديون تظل دون وفاء، فيعوض عنها بذلك و يمكن تخريج ذلك فقهيا بما يلي: إن من حق البنك أن يأخذ أجرة على كتابة الدين و شراء أدوات الكتابة و ضبط الحسابات و هكذا، فإن له الامتناع عن ذلك مجانا، كما أن بإمكان الدائن ان يمتنع عن تحمل هذه الاجرة، فيتحملها المدين توصلا إلى أخذ المبلغ.

295

إلى هنا قد تبين أن بإمكان البنك التخلص من الديون الميتة و الوقوع في خسارتها باختيار أحد هذه الوجوه.

(2) عقد التأمين و أركانه و تخريجه الشرعي

عقد التأمين يشتمل على أركان أربعة: 1) الإيجاب من طالب التأمين. 2) القبول من المؤمن (الشركة أو البنك). 3) المؤمن عليه (النفس أو المال أو عير ذلك). 4) مبلغ التأمين. فالتعاقد بين طالب التأمين و المؤمن و هو الشركة، أما أن يكون بنحو من الضمان المعاملي، بمعنى أن الشركة قد انشأت تعهدا بتحمل الخسارة أو تداركها على تقدير وقوعها بشروط، فإذا قبل طالب التأمين ذلك تحقق عقد الضمان بينهما، أو يكون من الهبة المعوضة، بمعنى أن طالب التأمين و هو العميل في المقام يهب مبلغا محددا في رأس كل شهر للمؤمن و هو الشركة أو البنك مشروطا، بأن يتحمل الخسارة في رءوس الأموال على تقدير وقوعها بسبب من الأسباب، فإذا قبل المؤمن المبلغ الموهوب مشروطا بذلك تحقق الهبة المعوضة، أو يكون عقدا مستقلا بين طالب التأمين و الشركة أو البنك، فلا يكون داخلا لا في الهبة المعوضة و لا في الضمان العقدي، و لا ينطبق عليه عنوان آخر من عناوين المعاملات الخاصة.

و دعوى أنه على هذا لا يمكن الحكم بصحته، مدفوعة بأنه و إن لم يكن مشمولا لإطلاق الأدلة الخاصة التي تدل على صحة المعاملات و امضائها بأسمائها المخصوصة، إلا أنه يكفي في الحكم بصحته عموم قوله تعالى: ( (إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ)) فإنه مشمول له، و سيأتي شرح عقد التأمين بصورة أوسع و أشمل في ضمن البحوث الآتية.

296

(3) تحصيل قيمة الشيكات و كيفية تخريجه الشرعي

تحصيل قيمة الشيكات يقوم البنك بتحصيل قيمة الشيكات لمصلحة المستفيد بالطرق التالية:

الأول: الشيك الصادر من العميل المدين لمصلحة دائنه المستفيد على البنك المدين له،

و في هذه الحالة تواجه البنك المدين في تحصيل قيمة الشيك حوالة واحدة من محرر الشيك لدائنه المستفيد، فالدائن المستفيد بموجب هذه الحوالة يملك قيمة الشيك في ذمة البنك المحول عليه، و على هذا فبإمكان المستفيد أن يبيع قيمة الشيك في ذمة البنك من شخص نقدا، و يكون هذا من بيع الدين بنقد و لا مانع منه شرعا، حتى فيما إذا كان الثمن و المثمن من عملة واحدة لما مر من أنه يكفي في صدق البيع وجود المغايرة بينهما الناجمة من كون احدهما شخصياً خارجيا و الآخر كليا في الذمة، و يرجع المشتري حينئذ إلى البنك و يطلب منه تقييد قيمة الشيك في حسابه أو تسليمها إليه نقدا. نعم، إذا اشترط البنك المدين على عملائه الدائنين من الأول في ضمن عقد ما بعدم الحوالة عليه، فعندئذ كان من حقه ان لا يقبل الحوالة بدون اذنه المسبق كما ان له في هذا الفرض المطالبة بالعمولة لقاء قبولها. هذا إذا كان البنك مدينا لصاحب الشيك، و أما إذا لم يكن مدينا له، فتدخل الحوالة عليه من الحوالة على البري، و صحة هذه الحوالة مرتبطة بقبولها، فان قبل صحت و أصبح البنك مدينا للدائن المستفيد، و إلا بطلت، كما أن له في هذه الحالة أن لا يقبل الحوالة إلا لقاء عمولة.

الثاني: ان العميل المدين قد أصدر شيكا لمصلحة دائنه المستفيد على فرع من فروع البنك المدين له،

و في هذه الحالة لا توجد ايضا إلا حوالة واحدة، على أساس أن للبنك ذمة واحدة في كافة فروعه في أنحاء البلاد، مثال ذلك البنك المركزي في بغداد أو طهران مثلا، و له فروع في جميع أنحاء العراق أو إيران، و تلك الفروع كلها وكلاء للجهة العامة التي تملك البنك، و كل فرع منه في أي مكان و بلد كان، فهو وكيل لتلك الجهة العامة، و كل مال مودع في فرع من فروعه، فهو في الحقيقة دين على تلك الجهة العامة، فإذا سحب العميل شيكا على فرع من فروعه لصالح دائنه فقد حول في الحقيقة دائنه عليها، فلذلك كانت الحوالة حوالة واحدة لوحدة المدين و هو الجهة العامة، و على هذا فإذا كان الفرع المسحوب عليه الشيك في النجف الأشرف و الفرع المطالب بتحصيل قيمة الشيك في البصرة مثلا، فهل بامكان الفرع في البصرة أن يطالب عمولة على تحصيل قيمة الشيك و تسديدها أو لا؟

297

و الجواب: ان المدين لصاحب الشيك و إن كان نفس البنك من دون فرق بين فرع و فرع منه في جميع أنحاء البلاد، فإذا أودع ماله في فرع منه كان المدين له نفس البنك، إلا أنه غير ملزم بدفع الدين إلى الدائن المستفيد إلا في المكان الذي وقع عقد القرض فيه. و بكلمة ان البنك هو المدين و كل فرع من فروعه وكيل عنه، و لكنه غير ملزم بتسديد الدين للدائن في غير مكانه، فان كان مكانه النجف الأشرف مثلا كان عليه تسديده فيه دون مكان آخر كالحلة أو بغداد أو البصرة مثلا، و على هذا فإذا كان للعميل حساب جاري مع فرع النجف و لكنه أصدر شيكا لصالح دائنه على فرع البصرة، ففي مثل ذلك لا يكون فرع البصرة ملزما بعنوان أنه وكيل عن البنك بتحصيل قيمة الشيك و تسديدها فيها، لأن مكان وقوع القرض هو الأصل في مكان الوفاء، و عليه فيكون من حق البنك أن يطالب المستفيد بعمولة لقاء قيامه بتسديد الدين في مكان آخر غير مكان القرض، و كذلك الحال إذا أصدر العميل شيكا لدائنه المستفيد على نفس المركز، فإنه غير ملزم بتسديد الدين في غير مكان عقد الدين، و من هذا القبيل ما إذا سلم شخص مبلغا في فرع منه في مكان كالنجف الأشرف مثلا و يطلب منه الحوالة على فرعه في البصرة أو مكان آخر داخل العراق، فانه غير ملزم بقبول الحوالة مجانا، و بإمكانه في هذه الحالة أن يطالب لقاء ذلك عمولة.

الثالث: ان العميل المدين إذا سحب شيكا لصالح دائنه على بنك آخر لا على فرع من فروع البنك الأول،

و تقدم الدائن المستفيد بالشيك إلى البنك الأول ليقوم بتحصيل قيمة الشيك من البنك الثاني و تقييدها في رصيده، ففي هذه الحالة فقد حول العميل دائنه على البنك المسحوب عليه الشيك كبنك التجارة مثلا، و بموجب هذه الحوالة صار البنك المذكور مدينا للمستفيد، و لكن المستفيد بسبب أو آخر يرجع إلى البنك الأول كبنك الزراعة مثلا، و يطالب منه تحصيل قيمة الشيك، و على هذا فان كان بين البنك الأول و البنك الثاني قرار و معاهدة على أن بإمكان دائن كل منهما أن يرجع إلى الآخر للوفاء بدينه و تسديده، كان رجوعه إلى البنك الاول حوالة ثانية من البنك الثاني فهنا حوالتان: الاولى: حوالة العميل دائنه المستفيد على البنك الثاني. الثانية: حوالة البنك الثاني دائنه على البنك الأول، و لا فرق في صحة الحوالة الثانية بين أن يكون البنك الاول مدينا للبنك الثاني أو لا، لأن صحتها مرتبطة بالمعاهدة بينهما‌

298

على ذلك، لا بكون البنك المحول عليه مدينا له، و أما إذا لم تكن معاهدة بينهما كذلك، فلا يكون رجوع الدائن المستفيد إلى البنك الاول حوالة من البنك الثاني، بل رجوعه إليه يقوم بتحصيل قيمة الشيك و لو عن طريق اتصاله بالبنك المسحوب عليه بعد التأكد من صحة الشيك، و في هذه الحالة بإمكان المستفيد بدلا عن الرجوع إلى البنك الأول لتحصيل قيمة الشيك أن يقوم ببيع ما ملكه بموجب الحوالة في ذمة البنك الثاني على البنك الأول نقدا، و لا مانع من هذا لأنه من بيع الدين بالنقد. ثمّ أنه هل يجوز للبنك الأول (المحصل) أن يطالب عمولة من المستفيد لقاء قيامه بتحصيل قيمة الشيك من البنك الثاني المسحوب عليه، باعتبار أن ذلك عمل محترم، فيجوز له أخذ الأجرة عليه أو لا؟

و الجواب: ان في ذلك تفصيلا، فانه ان كانت بينهما معاهدة على ان بامكان دائن كل منهما أن يرجع إلى الآخر لاستيفاء حقه منه، لم يجز للبنك المحصل أن يطالب عمولة لقاء ذلك، على أساس أنه ملزم بالقيام بهذه الخدمة بموجب المعاهدة بينهما، و لا فرق في ذلك بين أن يكون البنك المحصل مدينا للبنك الثاني أو لا، و إن لم تكن معاهدة بينهما كذلك كان من حقه أن يطالب منه عمولة لقاء قيامه بهذا العمل، و لا فرق في ذلك بين أن يكون البنك المحصل مدينا للبنك الثاني أو لا، باعتبار أن رجوعه إلى البنك المحصل ليس بموجب حوالة البنك الثاني عليه، بل من جهة أنه كان يعلم بأنه إذا رجع إليه و هو يقوم بتحصيل قيمة الشيك من البنك المسحوب عليه، و له حينئذ أن يطالبه بعمولة لقاء هذه الخدمة.

الرابع: إذا كان الشيك مسحوبا من المدين للدائن المستفيد على بنك في البلد

و لكن المستفيد يطلب من البنك دفع قيمة الشيك في خارج البلد بعملة أجنبية، كما إذا فرض أن المستفيد يسافر إلى البلد لسبب أو آخر و يحتاج إلى عملة أجنبية، مثال ذلك: شخص مريض أراد أن يسافر إلى لندن مثلا للعلاج، و عنده شيك يتضمن مبلغا من المال على بنك في داخل البلد، يراجع البنك و يطلب منه تحويل المبلغ بعملة أجنبية بسعر الصرف في البلد إلى الخارج كلندن،

ففي مثل ذلك يمكن تكييف العملية بأحد وجوه:

الاول/ أن يبيع الدائن المستفيد ما ملكه بموجب الحوالة على ذمة البنك من العملة الداخلية بعملة أجنبية كالدولار مثلا،

و بذلك يصبح البنك مدينا للمستفيد بعملة أجنبية بديلا عن العملة الداخلية، ثمّ يقوم البنك بتزويد الدائن بالحوالة على خارج‌

299

البلاد من طريق ممثله ان كان له فرع فيه، و إلا فعلى بنك آخر هناك، و لكن هذا الوجه غير صحيح شرعا، لأنه من بيع الدين بالدين و هو باطل.

الثاني/ ان الدائن يتقدم بالشيك إلى البنك المدين لمحرره و يطالب منه تسليم قيمة الشيك المسحوب عليه،

فإذا تسلم القيمة باعها منه بعملة أجنبية على ذمته، و بذلك يصبح البنك مدينا للمستفيد بعملة أجنبية، و حينئذ فان أشترط المستفيد على البنك في عقد البيع تزويده بالحوالة بتلك العملة الأجنبية في الخارج فعليه ذلك، و على هذا فان كان له فرع فيه أصدر خطابا إليه بتسديد دين دائنه المستفيد، و حيث أنه لا ذمة للفرع في مقابل الأصل، فلا يصبح مديونا للمستفيد، لما مر من ان فروع البنك جميعا وكلاء له، فلا ذمة لهم في مقابل الأصل، و ان لم يكن له فرع ممثل له في الخارج فعليه أن يزوده بالحوالة على بنك آخر هناك، فإذا احاله عليه أصبح البنك مدينا للمستفيد بموجب الحوالة، و عندئذ فإذا سدد دينه في الخارج قيد المبلغ المسدد في حساب البنك المحول، هذا إذا كان للبنك المحول رصيد مالي عنده، و أما إذا لم يكن فهو من الحوالة على البري فان قبلها صحت و اصبح مدينا للمستفيد، و إلا بطلت. نعم له أن يطالب عمولة لقاء قبوله الحوالة و لا مانع شرعا من اخذ العمولة لقاء ذلك لأن المال المأخوذ إنما هو بإزاء قبول الدين لا على الدين، و الممنوع إنما هو الثاني، لأنه ربا دون الأول، و أما إذا لم يشترط المستفيد على البنك الحوالة على بلد آخر في ضمن البيع، فلا يجب على البنك قبول الحوالة منه مجانا، و له أن يتقاضى منه عمولة في هذا التحويل لقاء قبوله بالدفع في مكان آخر.

الثالث/ ان البنك يقوم بموجب طلب المستفيد من الشيك تزويده بالحوالة بعملة أجنبية في دولة أخرى

يريد المستفيد أن يسافر إليها بسبب أو آخر أو يستورد السلع منها أو غير ذلك، فإذا وافق البنك بتنفيذ طلبه و زوده بالحوالة بها هناك، أصبح المستفيد مدينا للبنك بعملة اجنبية و البنك مدين له بعملة داخلية، فلذلك لا يسقط الدين بالتهاتر، لعدم التماثل بينهما، و لكن بإمكان كل منهما إسقاط ماله عن ذمة الآخر، غاية الأمر إذا كانت مالية أحدهما أزيد من الآخر طولب بالزائد. و بكلمة: أنه لا مانع من هذه الحوالة شرعا، سواء أ كانت على على فرع له هناك أم‌

300

كانت على بنك آخر على تفصيل قد مر، و يمكن للبنك حينئذ أن يتقاضى عمولة من المستفيد لقاء قبوله الحوالة هناك، على أساس أنه لا يجب عليه تسديد الدين في غير المكان الذي وقع فيه عقد القرض ما لم يشترط ذلك في عقد ما، و يمكن تخريج ذلك فقهيا بأحد وجوه: الاول: أن ذلك يكون في باب الجعالة، فان الدائن يقول للبنك: إذا سددت قيمة الشيك بعملة أجنبية في خارج البلد فلك كذا مبلغا من المال، و حينئذ فاذا قام البنك بالعملية و سدد قيمته بها في الخارج استحق الجعل. الثاني: أن يكون ذلك بعقد الاجارة، بأن يقوم الدائن المستفيد باستئجار البنك على القيام بهذا العمل، و هو تزويده بالحوالة على خارج البلد بعملة أجنبية لقاء أجرة محددة، فإذا قبل ذلك و تحقق العقد بينهما أستحق الأجرة. الثالث: أن يكون ذلك من باب أجرة المثل التي يتقاضاها الاجراء للقيام بمثل هذا العمل بدون تحديدها بعقد الجعالة أو الإجارة.

(4) التحويل الداخلي و تكييف تخريجه الفقهي التحويل الداخلي

شخص في بلد كالنجف الأشرف مثلا مدين لشخص في بلد آخر كالبصرة و أراد أن يسدد دينه في بلده المقيم فيه فلذلك طرق: الأول: ان الشخص المدين قد أصدر خطابا إلى البنك مباشرة، و يتضمن أمره بدفع مبلغ معين لدائنه المستفيد في بلده المقيم فيه، و حينئذ فان كان للبنك المدين للعميل الآمر فرع ممثل له في بلده أتصل به و أمره بدفع قيمة الدين له، و إن لم يكن له فرع في بلده، فله أن يتصل ببنك آخر هناك و يأمره بدفع قيمة الدين للمستفيد، فإذا دفعها له هناك ضمن البنك الآمر ما دفعه من قيمة الدين بموجب أمره بالدفع، و في هذه الحالة إذا كان للبنك الآمر رصيد مالي عند البنك المأمور، جاز للبنك المأمور أن يدفع قيمة الدين من رصيد البنك الآمر، على أساس أن امره للبنك هناك بدفع قيمة الدين للمستفيد في بلده إقامته، يدل على إذنه و سماحه له بدفعها من رصيده عنده.

301

الثاني: إن العميل المديون يحيل دائنه المستفيد على البنك و يصبح البنك بموجب هذه الحوالة مدينا للمستفيد، على أساس أن معناها نقل الدين من ذمة إلى ذمة، و حينئذ فإن احال البنك المستفيد على فرعه في بلده المقيم فيه لم يكن هذا حوالة ثانية بالمعنى الفقهي، على أساس ما مر أن الفرع ممثل للبنك و وكيل من قبله و ليس له ذمة أخرى لكي يحال عليها من جديد، فإذن يكون في المقام حوالة واحدة، و ان أحال البنك المستفيد على بنك آخر في بلده كان هذا حوالة ثانية، فهنا حوالتان: الأولى/ من العميل المدين للمستفيد على البنك. الثانية/ من البنك المدين للمستفيد على بنك آخر في بلده، و عندئذ فان كان البنك الآخر مدينا للبنك المحول وجب عليه قبول الحوالة، و كذلك إذا كانت بينهما معاهدة على ذلك، و إن لم يكن مدينا له و لا معاهدة بينهما كان هذا حوالة على البري، فإن قبل صحت، و إلا فلا. الثالث: ان البنك بوصف كونه مدينا لعميله، فيحيل العميل على بنك آخر، فيصبح البنك الآخر بموجب هذه الحوالة مدينا للعميل، و حينئذ فإن احال العميل دائنه في بلده على البنك المدين له كان هذا حوالة ثانية، الأولى من البنك لعميله الدائن على بنك آخر، و الثانية من العميل لدائنه المستفيد على ذلك البنك. و الخلاصة إن هذه العملية بكل تخريجاتها صحيحة و جائزة شرعا.

و هل يجوز أخذ العمولة عليها أولًا؟

و الجواب: إن ذلك يقوم على أساس مجموعة من الضوابط: 1) إن من حق الدائن أن يطالب المدين بتسديد الدين في المكان الذي وقع فيه عقد القرض، من دون فرق في ذلك بين أن يكون الدائن متمثلا في الجهة العامة كالبنك أو في الجهة الخاصة، و لا يسمح شرعا للمدين أن يمتنع عن ذلك إلا إذا تنازل الدائن عن حقه، و على هذا فيجوز للدائن أن يتقاضى عمولة لقاء تنازله عن حقه، و قبول الوفاء بالدين في مكان آخر. 2) إن من حق الدائن أن يطالب المدين بتسديد الدين كما استدان فان استدان نقدا فمن حقه ان يطالبه بتسديده نقدا و لا يقبل الحوالة، و إن استدان حوالة فله أن يطالبه بتسديده كذلك، و لا يقبل تسديده نقدا، كما أن من حق المدين ان لا يقبل الحوالة إذا استدان نقدا، أو لا يقبل‌

302

التسديد نقدا إذا استدان حوالة، و يسوغ لكل منهما أن يتقاضى عمولة لقاء تنازله عن حقه. 3) إن من حق المدين الامتناع عن اداء الدين في غير المكان الذي وقع فيه عقد القرض، و لا يحق للدائن أن يطلب منه الوفاء في غير مكان العقد، و له ان يتقاضى عمولة لقاء التنازل عن حقه و قبوله الوفاء في مكان آخر. و على ضوء هذه الضوابط يظهر أنه يسوغ للبنك من الناحية الشرعية أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذه العملية بكافة تخريجاتها. و أما تخريجها على الطريق الأول، فلأن العميل إذا أمر البنك بتسديد قيمة الدين لدائنه المستفيد في بلده المقيم فيه، كان من حق البنك أن يطلب منه عمولة لقاء تسديد دينه في غير بلد القرض، إذ لا يجب عليه أن يلعب دور الاتصال بفرعه هناك أو بنك آخر، و يأمره بدفع قيمة الدين تطبيقا لتنفيذ أمر العميل مجانا، بل له أن لا يقوم بهذا الدور أو الخدمة بدون أجرة و عمولة، على أساس ان البنك غير ملزم بتسديد الدين في أي مكان يقترحه الدائن تطبيقا للضابط الثالث، و على هذا فان أراد الدائن من المدين الوفاء بدينه في مكان آخر غير مكان القرض، كان من حق المدين أن يتقاضى منه عمولة لقاء التنازل عن حقه. و أما تخريجها على الطريق الثاني، فلأن العميل حيث أنه أحال دائنه على البنك، فيصبح البنك بموجب هذه الحوالة مدينا لدائنه المستفيد و لكن لا يجب على البنك أن يسدد دينه إلا في مكان الحوالة و هو مكان الدين، و لا يكون ملزما بدفعه في بلد الدائن المقيم فيه، و إذا أراد الدائن ذلك، كان من حقه أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذا الدور. و أما تخريجها على الطريق الثالث، فلأن البنك المدين لعميله الآمر بالتحويل غير ملزم بأن يلعب دور الحوالة، بأن يحيل عميله على البنك في بلد المستفيد، لأنه ملزم بالأداء في مكان الدين لا في كل مكان أراد الدائن، و على هذا فإذا أمر العميل البنك بالتحويل على البنك في بلد المستفيد، فمن حق البنك المأمور ان لا يقبل ذلك مجانا و بدون عمولة. يتحصل من ذلك أنه يجوز للبنك أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذه العملية بكل تخريجاتها و تكييفاتها الشرعية.