المسائل المستحدثة

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
384 /
303

(5) التحويل الخارجي و تكييف تخريجه الفقهي التحويل الخارجي

شخص في بلد كالعراق مثلا مدين لشخص في بلد آخر كالهند، و أراد تسديد دينه و الوفاء به في بلده هناك المقيم فيه فما هو طريقه؟

و الجواب: ان لذلك عدة طرق: الأول: ان الشخص المدين يصدر خطابا إلى البنك المدين له مباشرة، و يتضمن الخطاب الأمر بدفع قيمة الدين بعملة أجنبيه لدائنه المستفيد في بلده الهند المقيم فيه بواسطة ممثله هناك ان كان، و إلا فبواسطة بنك آخر، فإذا قبل البنك ذلك و قام بالعملية و لعب دورها فادى إلى وصول الدين للمستفيد هناك بأحد الطريقين، أصبح الشخص العميل مدينا للبنك بعملة أجنبية، و هو مدين للعميل بعملة داخلية، و بما أنه لا مماثلة بين الدينين، فلا يسقطان بالتهاتر. نعم بإمكان كل منهما إسقاط ما في ذمة الآخر، إلا إذا كانت قيمة أحدهما أزيد من قيمة الآخر فيطالب بالزائد، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى إذا كان للبنك فرع في بلد المستفيد و أمره بدفع دين المستفيد هناك بعملة أجنبية فدفعه، لم يضمن البنك ما دفعه، لما مر من أن فرعه ممثل له و وكيل عنه فدفعه دفع البنك، لا دفع جديد في مقابل دفعه، و أما إذا لم يكن له فرع في بلده هناك، فله أن يتصل ببنك آخر فيه و يأمره بدفع دين المستفيد هناك، فإذا دفعه ضمن البنك الآمر ما دفعه البنك المأمور بموجب هذا الآمر، فيصبح بذلك مدينا له. هذا إذا لم يكن للبنك الآمر رصيد مالي عند البنك المأمور هناك، و إلا فهو يدفعه من رصيده، و حينئذ فلا ضمان. و هل بإمكان البنك من الناحية الشرعية أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذه العملية أو لا؟

و الجواب: نعم فإن بإمكانه ذلك على أساس أنه غير ملزم بدفع قيمة الدين بعملة أجنبية، و لا ببلدة أخرى غير بلدة القرض، كما إن للبنك في بلد المستفيد إذا لم يكن للبنك الآمر رصيد مالي عنده، و لا قرار و معاهدة بينهما على ذلك، ان يتقاضى عمولة لقاء قبوله الأمر منه و تنفيذه بدفع قيمة الدين للمستفيد في بلده من ماله. الثاني: ان العميل المدين للمستفيد في خارج البلد يقوم ببيع ماله في ذمة البنك من العملة الداخلية بعد‌

304

قبضها منه أصالة أو وكالة بالعملة الأجنبية، فيصبح البنك بذلك مدينا لعميله بالعملة الأجنبية، ثمّ يأمر العميل البنك بالحوالة، فيقوم البنك بموجب أمر عميله بدور الحوالة، فيحيله على فرع من فروعه في الخارج الممثل له، و لكن هذا لا يكون حوالة بالمعنى الفقهي، على أساس ما مر من أنه ليس للفرع ذمة أخرى في مقابل ذمة الأصل ليحال عليها، و أما إذا لم يكن له فرع فيه، فيحيله على بنك آخر هناك و يكون هذا حوالة بالمعنى الفقهي، إذ بها ينتقل الدين من ذمة البنك المحول إلى ذمة البنك المحول عليه، فيصبح البنك المحول بموجب هذه الحوالة مدينا للعميل الآمر، و حينئذ فبإمكان العميل أن يحيل دائنه المستفيد على البنك المحول عليه، و يكون هذا حوالة ثانية و بموجبها يصبح البنك المحول عليه مدينا للمستفيد و تبرأ ذمة العميل عنه. هذا إذا كان البنك المحول عليه مدينا للبنك المحول، و إلا فصحة الحوالة مشروطة بالقبول، باعتبار إنها حوالة على البري و هل بإمكان البنك من الناحية الشرعية أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بالحوالة أو لا؟

و الجواب: نعم، فإن له ذلك، على أساس أنه غير ملزم بحوالة الدائن في بلد آخر، و له أن يطلب عمولة لقاء تنازله عن هذا الحق و قبوله الحوالة. الثالث: ان العميل المدين بعد عملية بيع العملة الداخلية بالعملة الأجنبية مع البنك، يطلب منه أن يدفع العملة الأجنبية للمستفيد بواسطة فرع من فروعه في الخارج أو بنك آخر، فإذا قام البنك بالعملية و تمت، برأت ذمة العميل من المستفيد و ذمة البنك من العميل، و اشتغلت ذمته، أي: البنك الآمر للبنك المأمور. هذا إذا لم يكن للبنك الآمر رصيد مالي عند البنك المأمور، و إلا فهو يدفع من رصيده و حينئذ فلا ضمان، و هل للبنك حينئذ أن يتقاضى عمولة شرعا لقاء قيامه بهذه العملية أو لا؟

و الجواب: نعم، فإن له ذلك: إذ لا يجب عليه تسديد الدين في بلد آخر غير بلد القرض، و له حق الامتناع عن ذلك و عدم القبول بدون عمولة. التحويل إلى غير الدائن قد يقوم البنك بتحويل عميله غير الدائن على فرعه في بلد آخر أو بنك فيه، و لكن هذا لا يكون حوالة بالمعنى الفقهي، بل هو في الحقيقة اقراض من البنك ذلك العميل أو التبرع و الاهداء له، فلذلك لا يكون المحول له مالكا لقيمة الحوالة ما لم يقبضها نقدا، و هذه الحوالة جائزة شرعا، شريطة أن لا تكون ربوية باعتبار إنها ليست بحوالة، بل هي اقراض.

305

(6) خصم الكمبيالات أو تنزيلها و كيفية تخريجه الشرعي

" خصم الكمبيالات أو تنزيلها" يراد بالخصم و التنزيل أن يدفع البنك أو غيره قيمة الكمبيالة قبل الموعد المحدد لها مقابل استقطاع مبلغ معين. و يمكن تخريج ذلك فقهيا بوجوه: الوجه الأول: بيع الكمبيالة نقدا بأقل مما تضمنتها من المبلغ. بيان ذلك: ان الكمبيالة المتداولة في الأسواق لم تعتبر لها مالية، و انما هي مجرد وثيقة لإثبات ان المبلغ الذي تضمنته دين في ذمة موقعها لمن كتبت باسمه، و هذا بخلاف الأوراق النقدية، فإن لها قيمة مالية، على أساس ان الجهة المصدرة لتلك الأوراق اعتبرتها ما لا بديلا عن الذهب و الفضة، لا مجرد انها وثيقة، و من هنا إذا دفع المشتري الكمبيالة للبائع لم يدفع ثمن البضاعة، و لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لم يتلف منه مال و لم تفرغ ذمة المشتري، بينما إذا دفع المشتري له ورقة نقدية فقد دفع ثمن البضاعة و برأت ذمته منه و إذا تلفت عنده بعد ذلك و ضاعت فقد تلف ماله، و بعد ذلك نقول ان المستفيد من الكمبيالة الذي عرضها على البنك طالبا منه خصمها يبيع الدين الذي تمثله في ذمة محررها مؤجلا باقل منه نقدا، كما إذا كان الدين مائة دينار مثلا، فباعه المستفيد بخمسة و تسعين ديناراً نقدا، فإذا قبل البنك ذلك و اشترى ملك الدين الذي كان المستفيد يملكه في ذمة موقعها لقاء الثمن الذي يدفعه إليه حالا بموجب هذا البيع، فيكون هذا من بيع الدين نقدا باقل منه. و قد تسال: هل هذا البيع جائز أو لا؟

و الجواب: ان المشهور بين الفقهاء جوازه إذا لم يكن الدين من الذهب و الفضة أو المكيل و الموزون، و حيث أن الدين الذي تمثله الكمبيالة ليس من الذهب و الفضة، فيجوز بيعه باقل منه نقدا، و لكنه لا يخلو عن اشكال، بل لا يبعد عدم جوازه، و ذلك للنصوص الخاصة الظاهرة في عدم جواز ذلك. منها: صحيحة محمد بن الفضيل، قال: قلت للرضا (ع): رجل اشترى دينارا على رجل، ثمّ ذهب‌

306

إلى صاحب الدين، فقال له: ادفع إلي ما لفلان عليك، فقد اشتريته منه، قال: ( (يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، و برئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه)) (1). فانها ظاهرة في ان المدين غير ملزم بدفع أكثر من المبلغ الذي دفعه المشتري إلى المستفيد، و أنه لا يستحق أكثر مما دفعه، و يعتبر الزائد عليها ساقطا عن ذمة المدين رأسا، و لا تشتغل ذمته بأكثر منه. و بكلمة ان المستفاد من الرواية أمور: الأول: بطلان بيع الدين نقدا بأقل منه. الثاني: براءة ذمة المدين من الدائن المستفيد. الثالث: اشتغال ذمته للمشتري بمقدار ما دفعه إلى المستفيد دون الأكثر. و دعوى: ان الرواية ساقطة بأعراض المشهور عنها، مدفوعة: بأن سقوط الرواية بأعراض المشهور منوط بتوفر أمرين: احدهما: ان يكون الاعراض من قدماء الاصحاب الذين يكون عصرهم متصلا بعصر اصحاب الائمة. و الآخر: ان يكون تعبدياً، بمعنى انه وصل اليهم من اصحاب الائمة (ع) يداً بيد و طبقة بعد طبقة، و لكن ليس بامكاننا احراز توفر كلا الامرين معاً، كما حققناه في علم الاصول، فإذا لا اثر لإعراض المشهور، و لا يكشف عن سقوط الرواية عن الاعتبار. و قد يقال: انه لم يفرض في الروايات شراء الدين باقل منه؟

و الجواب: ان الروايات ظاهرة في ذلك عرفا بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية، و مع الاغماض عن هذا، فلا شبهة في اطلاقها و شمولها لصورة شراء الدين نقداً بالأقل منه. و على هذا فليس بامكاننا من الناحية الشرعية تخريج عملية خصم الكمبيالات فقهياً على اساس شراء الدين بأقل منه نقدا. الوجه الثاني: يمكن تكييف عملية خصم الكمبيالات فقهياً على اساس اشتراط البنك على المستفيد في عقد الشراء هبة مبلغ محدد من قيمة الكمبيالة، بان يقول له: اشتري منك الدين الذي تمثّله الكمبيالة بنفس قيمته بدون اي نقيصة مشروطاً، بان تهب لي من قيمتها مبلغاً محدداً بعد الشراء نقداً، و حينئذٍ فان وفى‌

307

بالشرط فهو المطلوب، و إلّا فله فسخ الشراء، و لا بأس بهذا التكييف و التخريج شرعاً. الوجه الثالث: ان بامكاننا تكييف هذه العملية و تخريجها فقهياً، على اساس ان المشتري كالبنك يشترط على المستفيد في عقد الشراء عملا، كخياطة ثوب او كتابة شي‌ء أو قراءة القرآن أو غير ذلك لقاء شرائه الدين الذي تضمنته الكمبيالة بنفس قيمته من دون اي نقص فيها، فان قبل المستفيد الشرط وجب عليه الوفاء به، و إلا كان له فسخ الشراء. الوجه الرابع: ان البنك يشتري الدين الذي تضمنته الكمبيالة بما يساوي قيمته، و لكنه يقتطع من القيمة مبلغاً معيناً، كعمولة لقاء الخدمة أو لقاء تحصيل المبلغ اذا كان يدفع في مكان آخر، لان العمولة لقاء الخدمة كأجرة كتابة الدين و تسجيله في السّجلات و حفظه جائزة، و لهذا يكون بامكان البنك ان يتقاضاها في كل قرض يقدمه لقاء تلك الخدمة، و حينئذٍ فيجوز هنا للبنك ان يتقاضى عمولة لقاء تحصيل قيمة الكمبيالة و تسجيلها بعنوان اجرة الكتابة و غير ذلك. الكمبيالات الصورية (المجاملية) قد تعارف بين الناس ان يكتب شخص لآخر من دون ان تكون ذمّته مشغولة له ورقة (كمبيالة)، تفيد بانه مديون له بمبلغ كذا كمائة دينار مثلًا، فمن اجل ذلك اطلق عليها (كمبيالة مجاملة) و حيث انّها لا تتضمن ديناً في ذمة محررها، فلا يصح بيعها؛ لانها في نفسها لا مالية لها و لا تمثل مالًا، و انما كتبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب، و على هذا فيمكن تكييف عملية الخصم في المقام على اساس احد أمرين: الأوّل: القرض. الثاني: البيع. اما الأوّل، فلان المستفيد قد ينوي القرض من الطرف الثالث كالبنك على ذمّته، فيستقرض خمسة و تسعين ديناراً مثلًا منه بمائة دينار مؤجلة لمدّة خمسة اشهر مثلًا، و بعد تمامية عقد القرض يقوم المستفيد بتحويل الطرف الثالث على الموقع للكمبيالة لكي يقبض منه المبلغ عند الاجل، و هذه الحوالة و ان كانت على البري في الواقع، الا انه بموجب توقيعه للكمبيالة و تعهده كان قد قبلها، و اذا‌

308

قام بعملية تسديد المبلغ و سدده، اصبحت ذمة المستفيد مشغولة له بنفس المبلغ، و قد ينوي القرض من الطرف الثالث في ذمة الموقع للكمبيالة بالوكالة، فيستقرض منه خمسة و تسعين ديناراً بمائة دينار على ذمته مؤجلة لمدة خمسة اشهر، و بعد تمامية عقد القرض يستقرض المستفيد منه هذا المبلغ و هو خمسة و تسعون ديناراً وكالة بمائة دينار على ذمّته مؤجلة، و لكن لا يمكن تكييف هذه العملية من الناحية الشرعية، على اساس القرض؛ لانه ربوي على كلا الفرضين. و أما الثاني، فيمكن تخريجه فقهياً على اساس صورتين تاليتين: الاولى: ان المستفيد يشتري من الطرف الثالث، كالبنك مثلًا مبلغاً قدره خمسة و تسعون ديناراً بمائة دينار على ذمته مؤجلة لمدة خمسة اشهر، و بعد تكميل عملية البيع بين الطرفين يقوم المستفيد بعمليّة التحويل، فيحول الطرف الثالث على الموقع للكمبيالة ليتسلم مائة دينار عند الاستحقاق، و لا يمكن للموقع ان لا يقبل هذه الحوالة، فانها و ان كانت حوالة على البري في الواقع، إلا انّه قد قبلها بتوقيعه لها، فاذا قام بتسديد المبلغ الى الطرف الثالث، اصبح المستفيد مدينا له بنفس المبلغ و هو مائة دينار، و على هذا فلا اشكال في هذه العملية من الناحية الشرعية على الأظهر. الثانية: ان المستفيد بموجب هذه الكمبيالة وكيل من قبل الموقع في تنفيذ عملية الخصم مع الطرف الثالث، و عليه فيقوم المستفيد ج بموجب هذه الوكالة ج ببيع مبلغ قدره مائة دينار مثلًا على ذمة موكله مؤجلة لمدة خمسة اشهر بمبلغ قدره خمسة و تسعون ديناراً نقداً، و بعد تكميل هذه المعاملة البيعية، يكون الموقع مديناً للطرف الثالث بمائة دينار مؤجلة في مقابل خمسة و تسعين ديناراً نقداً، و هذا المبلغ حيث انه ملك للموقع، فلا يجوز للمستفيد ان يتصرف فيه، و حينئذٍ فعليه ان يجري معاملة جديدة مع الموقع وكالة، فيشتري منه المبلغ المذكور و هو خمسة و تسعون ديناراً نقداً بمبلغ قدره مائة دينار في الذمة مؤجلة لخمسة اشهر، فاذا تم هذا البيع بينهما أصبح المستفيد مالكاً للمبلغ نقداً و مدينا للموقع مؤجّلًا، و هذه العملية لا اشكال فيها شرعاً. قد يقال كما قيل: ان شرعية كلتا العمليتين مبنية على صحة بيع الاوراق النقدية الشخصية بالكلي منها في الذمة، كبيع خمسة و تسعين ديناراً مثلًا نقداً بمائة دينار في الذمة مؤجلة، و صحته موضع البحث و الاشكال.

و الجواب: ما مرّ من أن الاظهر صحة ذلك، و مع الاغماض عنه و تسليم ان هذا قرض واقعاً بلباس البيع، و لكن بامكاننا تخريج ذلك من الناحية الشرعية بطريقة اخرى، و هي ان للمستفيد أن يقوم ببيع عملة اجنبية على ذمته مؤجّلة للطرف الثالث، كالبنك مثلًا بعملة داخلية‌

309

نقدية، كما اذا باع الف تومان مثلًا على ذمته مؤجّلًا للبنك بثمانية و اربعين ديناراً نقداً، و لا اشكال في ان هذا بيع واقعاً لمكان التباين بين الثمن و المثمن و عدم انطباق احدهما على الآخر، ثمّ ان المستفيد يقوم باحالة البنك على الموقع للكمبيالة بما يساوي قيمة المبيع (ألف تومان) من الدينار العراقي و هو خمسون ديناراً مع التراضي بينهما على ذلك، و يكشف عن هذا التراضي قبول البنك الكمبيالة بما تضمنته من العملة و قبول الموقع الحوالة بتوقيعه لها. كما ان بامكان المستفيد ان يبيع الف تومان على ذمة الموقع وكالة عنه للبنك بثمانية و اربعين دينارا نقداً، و بعد عملية البيع يقدم المستفيد الكمبيالة الى المشتري و هو البنك في المثال، فاذا قبلها يملك ما يساوي قيمة المبيع في ذمة الموقع (الف تومان) و هو خمسون ديناراً عراقياً. ثمّ ان المستفيد يجري مع الموقع معاملة جديدة فيشتري منه المبلغ المذكور و هو ثمانية و اربعون ديناراً بألف تومان مؤجّلًا.

(7) تحصيل الشيكات التجارية و كيفية تخريجه الفقهى

تحصيل الشيكات التجارية: يقوم البنك بتحصيل قيمة الشيكات من المدينين لحساب الدّائنين، فانه قبل حلول موعد استحقاق الشيك بايام اخطر المدين، و يوضح فيه رقم الشيك و تاريخ استحقاقه و ما تضمنه من المبلغ، و بعد الحصول على قيمته من الدين يدفعها الى المستفيد اذا طلب ذلك او يقيدها في رصيده بعد خصم مصارف التحصيل، و هذه العملية جائزة شرعاً و لا اشكال فيها. نعم، لا بد من الاقتصار على تحصيل نفس قيمة الشيك، فلا يجوز تحصيل فوائدها الربوية، و هل بامكان البنك ان يتقاضى عمولة ازاء قيامه بهذه الخدمة أولا؟

و الجواب: نعم اذ لا يجب عليه ان يقوم بتلك الخدمة مجاناً. و من هذا القبيل الشيكات التي يقدمها المستفيد الى البنك و هي غير محولة عليه ابتداءً، و يطلب منه تحصيل قيمتها عند الاستحقاق و دفعها اليه نقداً، او تقييدها في رصيده، و يجوز للبنك اخذ عمولة لقاء هذه الخدمة، كاتصاله بالمدين و مطالبته بالوفاء. نعم لو كانت الشيكات محولة على البنك ابتداءً من عميله الدائن، لم يجز له أخذ العمولة على الوفاء بها، لأن البنك يصبح بموجب حوالة محرر الشيك عليه مدينا للمستفيد بقيمة الشيك، باعتبار ان للمُحرر رصيداً مالياً فيه، و‌

310

التحويل من الدائن على مدينه نافذ من دون حاجة الى قبول المدين، الا اذا اشترط على الدائن في عقد القرض عدم الحوالة عليه، و عملية الوفاء بالدّين و ان توقفت على بذل جهد و انفاق عمل، فلا يستحق المدين عليها عمولة. يتضح من ذلك ان بامكان البنك ان يأخذ عمولة على تحصيل الشيكات و الكمبيالات اذا لم تكن محولة عليه ابتداءً، و يمكن تخريج هذه العمولة من الناحية الشرعية بوجوه: الأوّل: ان تكون العمولة من باب اجرة المثل من دون ان تكون بينهما معاقدة على الأجرة المحدّدة. الثاني: ان تكون العمولة جعالة، بتقريب ان المستفيد يجعل جعلا للبنك إذا قام بتحصيل قيمة الشيك و الصك من المدين، و بعد التحصيل يستحق البنك العمولة على المستفيد. الثالث: أن تكون اجارة، فان المستفيد يستأجر البنك على القيام بهذه العملية و الخدمة لقاء أجرة معينة، فتكون الاجارة على نفس العمل، و على هذا فصحة الاجارة منوطة بكون البنك قادرا على تحصيل الدين و تسليمه إلى الدائن، و إلا فالاجارة باطلة، لأن الاجير لا يمكن أن يملك ما ليس من منافعه المملوكة. و بكلمة: إن قدرة الأجير على الفعل معتبرة في صحة الاجارة لسببين: الأول: ان القدرة دخيلة في مالكية الاجير للمنفعة التي يملكها للمستأجر في عقد الاجارة مثلا إذا لم يكن الشخص قادرا على الخياطة، فلا يكون مالكا لهذه المنفعة لكي يصح منه تمليكها لغيره. الثاني: إن القدرة على التسليم معتبرة في صحة الاجارة، بلا فرق بين أن تكون الاجارة على الاعمال أو على منافع الاموال، فاذا عجز الاجير عن العمل المستأجر عليه فقد أخل بشرطية القدرة على التسليم. و قد تسأل: هل يحكم بصحة الاجارة مع الشك في قدرة البنك على تحصيل الدين أولا؟

و الجواب: ان الاجارة الواقعة مع الشك في القدرة تتبع الواقع، فتصح إذا كان البنك قادرا على تحصيل الدين واقعا، و تبطل اذا كان عاجزا عنه كذلك، و حينئذ فلا يستحق البنك الاجرة بالمطالبة باعتبار ان الاجارة لم تقع عليها و انما وقعت على تحصيل الدين، فان تسلم الدين واخذه من المدين و دفعه إلى الدائن أو قيده في رصيده كشف ذلك عن قدرته على العمل المستأجر عليه، و بالتالي عن صحة الإجارة و استحقاقه الأجرة، و إلا كشف عن‌

311

عدم قدرته عليه و بالتالي عن بطلان الاجارة و عدم استحقاق الاجرة. فالنتيجة ان البنك يستحق الاجرة على ضوء الوجه الأول و الثاني بعد العمل المستأجر عليه و هو تحصيل الدين من المدين، و على الوجه الثالث بعد تمامية العقد و اكماله اذا كان قادرا على تحصيل الدين. نعم لو كانت الجعالة أو الاجارة على المطالبة، فإن البنك يستحق الاجرة على الجعالة بعد المطالبة و الالحاح، سواء أدى إلى تحصيل الدين أم لا، و على الاجارة من حين العقد و أن لم يكن قادرا على تحصيل الدين إذا كان قادرا على المطالبة.

(8) قبول البنك الأوراق التجارية بتوقيعه عليها الشيكات و

الكمبيالات قبول البنك الاوراق التجارية: و هو على نحوين: أحدهما: ان البنك يقبل الورقة التجارية، بمعنى أنه يتحمل مسئوليته أمام المستفيد من الورقة و يجعلها في عهدته، و الآخر أنه يقبلها و لكنه لا يتحمل أي مسئولية أمام المستفيد، و انما يؤكد على وجود رصيد مالي له أي: لمحرر الورقة التجارية باسم الشيك أو الكمبيالة عنده يصلح لأن تخصم منه قيمة تلك الورقة، أما الأول فهو جائز شرعا، و هل هو على أساس عقد الضمان بمعناه الفقهي المعروف لدى فقهاء الإمامية و هو نقل دين من ذمة إلى ذمة، لا ضم ذمة إلى ذمة الذي هو باطل، أو على أساس التعهد بوفاء المدين بدينه؟

و الجواب: أنه على أساس التعهد لا على أساس عقد الضمان بمعناه المعروف، إذ من الواضح إن البنك لا يقصد بقبوله الورقة التجارية باسم الكمبيالة أو الشيك نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمته، بل يقصد به معنى آخر للضمان، و هو تعهده بوفاء المدين دينه، فالضمان هنا ليس ضمانا لنفس مبلغ الدين بديلا عن الدين، بل هو ضمان لأدائه مع بقاء الدين في ذمة المدين الأصلي، و نتيجة ذلك أنه لو تخلف المدين عن الوفاء، فعلى البنك المتعهد الوفاء به، و هذا يعني إن المستفيد من الورقة يرجع إليه و يأخذ قيمتها منه. و أما الثاني: و هو قبول البنك الورقة و توقيعه لها بدون أن يتحمل مسئولية الوفاء أمام المستفيد، و إنما يقصد به التأكد على وجود رصيد مالي لمحرر الورقة يكفي لخصم قيمتها منه فهو أيضا جائز شرعا و لا مانع منه أصلا، و حيث أن ذمة المحرر قد أكسبت من قبول البنك الورقة و توقيعه لها اعتبارا و ثقة بين الناس، فبإمكان البنك أن يأخذ عمولة على هذا القبول.

312

(9) خطابات الضمان (الكفالات) و تكييف تخريجها الشرعي الكفالة

(خطاب الضمان) ذات أطراف ثلاثة: 1. المكفول: و هو المتعهد و المقاول. 2. المكفول له: و هو المتعهد له المستفيد سواء كان جهة حكومية عامة أو خاصة أم أهلية كذلك. 3. الكفيل: و هو البنك. المتعهدون و المقاولون الذين يتولون مشروعا بالمناقصة، كبناء مستشفى أو مصنع أو معمل أو إحداث طرق أو تبليطها أو مجمع سكني أو مسجد أ، غير ذلك لجهة حكومية أو شركة أهلية على المواصفات المعينة و في فترة زمنية محددة، فاذا تمت المقاولة و المعاهدة بينهما بمواصفاتها و شروطها وجب عليهم القيام بالعمل و تنفيذ المشروع، و قد تشترط تلك الجهة على المقاولين في ضمن عقد المقاولة و المعاهدة أن يدفعوا مبلغا معينا من المال في حالة عدم انجاز المشروع و عدم اكماله في موعده المحدد، أو الانسحاب عنه دون الاتمام، و لتعزيز عنصر الثقة و الامانة للوفاء بالشرط تطلب الجهة المستفيدة من المقاولين ضمانات و كفالات مالية لذلك فالمقاولون من أجل تعزيز هذا العنصر يلجئون إلى البنك، و يطلبون منه الضمان و التعهد لتلك الجهة بالمبلغ المذكور، فإذا وافق البنك على ذلك أصدر خطاب ضمان يتعهد فيه للجهة المستفيدة بالمبلغ المقرر في حالة تخلف المقاولين عن القيام بتعهداتهم. و هذا الشرط صحيح شرعا و نافذ و يجب الوفاء به ما دام واقعا في عقد صحيح كعقد الايجار مثلا، و مقتضى صحته ان للجهة المستفيدة حقا شرعيا ان ترجع الى البنك و تطلب منه المبلغ المشروط في حالة تخلف المقاولين عن القيام بتعهداتهم و الامتناع عن دفع المبلغ لها و أما إذا كان تخلف المقاولين من جهة بطلان العقد فلا تستحق الجهة المستفيدة ان تطالب المقاولين بالمبلغ المشروط، لفرض أن الشرط قد بطل ببطلان العقد، و ذلك كما إذا كان العقد عقد اجارة و كان مورد الاجارة المنفعة الخارجية لا المنفعة في الذمة، ففي مثل ذلك اذا كان الاجير عاجزا عن ممارسة العمل المستأجر عليه، فمعنى هذا بطلان أصل الاجارة، لانكشاف ذلك كون تلك المنفعة ليست من منافع الاجير، و حينئذ فيبطل الشرط المفروض في عقد الاجارة بالتبع، ثمّ ان هذا الشرط هل يمكن ان يكون بنحو شرط النتيجة، بمعنى: أن الجهة المستفيدة (و هي المكفول و المتعهد له) تشترط على المقاول أن تكون مالكة كذا مبلغا في ذمته إذا تخلف عن تعهداته أو لا؟

313

و الجواب: أن شرط النتيجة في المقام غير صحيح لأن النتيجة المشترطة و هي اشتغال ذمة المقاول كذا مبلغا من المال ابتداء ليست من المضامين المعاملية المشروعة، و أدلة نفوذ الشرط لا تكون مشرعة لأصل المضمون، و انما هي متكفلة لبيان صلاحية الشرط لان ينشأ به المضمون المشروع في نفسه. و الخلاصة: أن الشرط في المقام لا يمكن أن يكون بنحو شرط النتيجة، بل لا بد أن يكون بنحو شرط الفعل، بأن تشترط الجهة المستفيدة على المقاول أن يملك لها كذا مبلغا من المال في حالة تخلفه عن تعهداته، و لا فرق في صحة هذا الشرط بين أن يكون الفعل المشترط خصوص فعل المقاول أو الاعم منه و من فعل غيره كالبنك. و قد تسال: ما هو المراد من الضمان في خطابات الضمان؟

و الجواب: ان المراد منه التعهد بشي‌ء و جعله في عهدة الشخص، لا نقل الدين من ذمة إلى ذمة و لا ضم ذمة إلى ذمة، فانه باطل، و من هنا قلنا: ان قبول البنك للكمبيالات أنما هو بمعنى تعهده لأداء الدين و جعل نفسه مسئولة عنه لا بمعنى نقل الدين من ذمة إلى ذمة فالمدين مسئول و مشغول الذمة بذات المبلغ و الضامن كالبنك مسئول عن أداء ذلك المبلغ أي أنه مسئول عن خروج المدين عن عهدة مسئوليته و تفريغ ذمته، و عليه فليس للدائن أن يرجع ابتداء على الضامن بهذا المعنى، و انما يرجع إليه اذا أمتنع المدين عن الوفاء فان معنى هذا الامتناع ان ما تعهد به الضامن و هو اداء المدين الدين لم يتحقق، فاذن تشتغل ذمته بقيمة الاداء و هي قيمة الدين، باعتبار أن الاداء في نفسه لا مالية له إلا بلحاظ مالية نفس الدين، و على هذا الأساس فمعنى خطاب الضمان هو تعهد البنك بأداء الشرط و جعله في عهدته كتعهده بأداء الدين على حد أداء العين المغصوبة الذي هو على عهدة الغاصب، غاية الأمر أن أداء العين المغصوبة على عهدة الغاصب أمر قهري، و أما أداء الشرط أو أداء الدين في عهدة البنك انما هو بسبب إنشائه هذا التعهد اختيارا النافذ بمقتضى الارتكاز العقلائي الممضى شرعا، بل هو مشمول لعموم قوله تعالى: ( (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) باعتبار أنه عقد بين اثنين، و كما أن العين المغصوبة اذا تلفت اشتغلت ذمة الغاصب ببدلها من المثل أو القيمة، كذلك أداء الشرط أو أداء الدين، و معنى تلف أداء الشرط أو الدين: امتناع المشروط عليه و المدين عن الاداء، فاذن تحولت العهدة الجعلية إلى اشتغال الذمة بقيمة اداء الشرط أو اداء الدين الذي هو قيمة نفس الشرط و الدين و بالتالي بالشرط و الدين.

314

و هناك إشكال، و هو: ان تعهد البنك باداء الدين و ان كان يؤدي الى اشتغال ذمته بالاداء عند امتناع المدين عنه و بالتالي بالدين، على اساس ان الدين مملوك للدائن إلا ان تعهده بأداء الشرط في المقام لا يؤدي إلى اشتغال ذمته بالاداء عند امتناع المشروط عليه عنه و بالتالي بنفس الشرط، باعتبار أن المشترط لا يكون مالكا للشرط في ذمة المشترط عليه، و في المقام أن الجهة المستفيدة التي تشترط على المقاول بنحو شرط الفعل أن يدفع إليها ألف دينار مثلا إذا تخلف عن تعهداته لا تكون مالكة لألف دينار في ذمته لأن مفاد الاشتراط في موارد شرط الفعل هو أن المشروط عليه يلتزم للمشروط له بالفعل كالخياطة و تمليك مبلغ من المال أو غير ذلك، لا أنه يلتزم بان الفعل للمشروط له و ملك له، و على هذا فلا يمكن افتراض ان تعهد البنك بالشرط يؤدي الى تملك الجهة المستفيدة للشي‌ء في ذمته، رغم أنها لا تملك شيئا بسبب الشرط في ذمة المقاول و المتعهد.

و الجواب: ان المشروط له و ان كان لا يملك العمل في ذمة المشروط عليه، إلا أنه لا شبهة في أن الشرط بما هو شرط حق للمشروط له و له مالية، و لهذا يبذل بازاء اسقاطه المال، فاذا كانت للشرط مالية كان يضمن بالتفويت، و على هذا فاذا تعهد البنك باداء الشرط من المشروط عليه كان مرجعه إلى ضان قيمته عند تفويته، و تفويته إنما هو بامتناع المشروط عليه عن الاداء و الوفاء به، و حيث أن قيمة الاداء إنما هي بلحاظ قيمة الفعل لا في نفسه، فاذن تشتغل ذمته بقيمة الفعل، و دعوى: أنه لا معنى للضمان بالتفويت و الاتلاف إذا لم يكن المفوت و المتلف مملوكا، و المفروض أن الفعل المشروط لا يكون مملوكا للمشروط له حتى يضمن بالاتلاف و التفويت. مدفوعة بأنه لا موجب لتخصيص الضمان بالتفويت و الاتلاف بما إذا كان المفوت و المتلف مملوكا لغير المفوت و المتلف، بل يكفي في ذلك كونه مضافا إلى غيره و لو بنحو من الحقية التي لها مالية عرفا، لكي يكون مشمولا لدليل الضمان في نظر العرف و العقلاء. و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنه لا معنى للضمان و الاتلاف إذا لم يكن المفوت و المتلف مملوكا، و لكن بإمكاننا أن نقول: أن معنى تعهد البنك باداء الشرط: التزامه به على تقدير تخلف المشروط عليه و عدم الاداء، و هذا يعني أن البنك تعهد أن المقاول إذا لم يف بالشرط و لم يؤد و امتنع عن الاداء فهو يفي به و يؤديه، فيكون وجوب الوفاء عليه كوجوب الوفاء على المشروط عليه، بمعنى انه تكليفي من دون أن تكون ذمته مشغولة بشي‌ء، و لا مانع من صحة هذا‌

315

التعهد بمقتضى أدلة وجوب الوفاء بالعقود، و بما ذكرناه ظهر أنه لا وجه لمحاولة تطبيق الكفالة بمعناها المعروف لدى الفقهاء، و هو كفالة النفس على خطابات الضمان للبنك، و كفالاته للمقاولين، ثمّ الاشكال على أن هذه الكفالة لا تقتضي الضمان المالي، فان أثرها احضار نفس المكفول فقط لا غير، وجه الظهور ما مر من أن كفالة البنك إنما هي بمعنى الضمان المالي، لكن لا بمعنى نقل الدين من ذمة إلى ذمة، و لا ضم ذمة إلى ذمة، بل بمعنى التعهد بأداء الدين أو الشرط كما مر، لا بمعنى إحضار نفس المكفول، ثمّ أن الطرف الثالث كالبنك إذا أصدر خطاب ضمان و تعهد بموجب أمر طالب الضمان للجهة المستفيدة بالمبلغ المقرر في حالة تخلف المقاول عن تعهداته و التزاماته، فان كان ذلك الخطاب مرتبطا بالعقد الواقع بينها و بين المقاول، أو كان في ضمن عقد آخر لازم، كان من خطاب الضمان النهائي، فيجب عليه الوفاء به إذا تخلف المقاول عن تعهداته و لم يف بالشرط عليه عند التخلف، و ان لم يكن مرتبطا بالعقد اللازم لا بالعقد الواقع بينهما و لا بعقد آخر، فهو من الضمان الابتدائي، فلا يجب الوفاء به، لأنه وعد ابتدائي من الطرف الثالث و غير ملزم.

العمولة على الكفالة:

للبنك أن يتقاضى عمولة من المقاولين لقاء كفالته للجهة المستفيدة، و يمكن تخريج ذلك من الناحية الشرعية بوجوه: الأول: يمكن أن يكون ذلك من باب أجرة المثل التي يتقاضاها الأجراء للقيام بمثل هذا العمل من دون أي عقد بينهما على الأجرة. الثاني: يمكن أن يكون ذلك من باب الجعالة، فإن المقاول جعل للبنك جعلا بإزاء كفالته، و يكون ملزما بدفعه له بعد صدور خطاب الكفالة و الضمان من البنك. الثالث: يمكن أن يكون ذلك من باب المصالحة و التراضي بينهما على أجرة محددة.

رجوع البنك على المقاول فيما دفعه عنه:

الظاهر أن بإمكان البنك الرجوع على المقاول و مطالبته بما دفعه من المبلغ المشروط في عقد المقاولة للجهة المستفيدة على أساس أن ذلك إنما يكون بأمر المقاول و طلب منه، و عليه فاذا قام البنك بالاداء بموجب أمره و طلبه و ادّاه فعليه ضمانه، يتلخص من ذلك أن ذمة المقاول تشتغل للبنك اذا قام البنك و ادّى الشرط بموجب أمره. نعم، إذا كانت كفالته للمقاول بدون أمره و طلبه، فليس من حقه أن يرجع إليه و يطالبه بما دفعه عنه.

316

(10) فتح الاعتماد و كيفية تخريجه الشرعي

فتح الاعتماد: يعرف فتح الاعتماد بأنه عقد و تعهد بين البنك و العميل، و يضع البنك بموجب هذا العقد و التعهد مبلغا تحت تصرف العميل في فترة محددة، و له أن يسحب مبلغ الاعتماد دفعة واحدة أو على فترات أو بالشكل المتفق عليه في طول تلك الفترة، و أثره تعهد البنك و التزامه بإيجاد الاعتماد و الائتمان للعميل، و إما العميل فهو لا يكون ملزما باستعماله، فإذا استخدم العميل مبلغ الاعتماد فعلا أصبح العقد لازما من الطرفين، و على العميل حينئذ أن يرد المبالغ التي سحبها من الاعتماد و يدفع فوائدها، و أما إذا لم يضطر في عملياته التجارية إلى سحب الأموال الموضوعة تحت تصرفه، فلا يلزم بدفع فائدة عنها، لعدم تحقق عملية القرض، على أساس إنها مشروطة بقبض المال المقترض و ما لم يتحقق القبض فلا قرض. و الخلاصة: إن فتح الاعتماد يتمثل في وضع البنك مبلغا من المال المحدد تحت تصرف عميله في فترة زمنية محددة، و له استخدامه في عملياته التجارية دفعة واحدة أو تدريجيا إذا لم يكن هناك شرط، و حيث إن استخدامه للمال اقتراض مع الفائدة فلا يجوز. و قد تسال: هل يمكن تكييف هذه الفائدة فقهيا بفائدة غير ربوية أو لا؟

و الجواب: قد يقال بإمكان ذلك، بتقريب أن من حق البنك أن يتقاضى عمولة من العميل لقاء قيامه بعملية عقد فتح الاعتماد، و هو وضع مقدار من ماله تحت تصرفه متى شاء، على أساس إن هذه العملية ليست عملية الاقتراض التي تتمثل في دفع المقرض نفس المال إلى المقترض. نعم، إذا قام العميل بسحب ذلك المال من البنك كلا أو بعضا تحقق القرض بالنسبة إلى المال المقبوض، و ما دام لم يسحب منه فلا قرض. و يمكن المناقشة في هذا التقريب بأنه ليس لدى العرف و العقلاء لهذه العملية مالية إضافية وراء مالية نفس المال الذي وضع تحت يده و تصرفه، بل ماليتها هي مالية نفس ذلك المال، و لهذا لا تقبل الضمان و لا تصح الجعالة عليها و لا الإجارة، و على هذا فاخذ العمولة عليها في الحقيقة أخذ العمولة على المال المسحوب و المقترض و هو ربا محرم شرعا، و على هذا فلا يمكن هذا التكييف الشرعي. نعم يمكن تحويل هذه الفائدة الربوية إلى فائدة غير ربوية باشتراط العميل على البنك القيام بتلك العملية في ضمن إيقاع عقد معه كهبة أو بيع أو صلح مع أخذ نسبة الفائدة فيه بعين الاعتبار.

317

(11) فتح الاعتماد المستندي و صوره و شروطه و تكييف تخريجها من وجهة النظر الشرعية

فتح الاعتماد المستندي:

تعريفه:

و هو عقد يتعهد البنك بموجبه و يلتزم على عاتقه أن يدفع ثمن البضاعة نقدا أو يقبل الشيكات عند تسليم المستندات من المصدر بكامل شروطها المتفق عليها مسبقا. و ذلك بموجب طلب فاتح الاعتماد و هو المشتري المستورد من البنك ذلك لصالح المصدر بالخارج مقابل عمولة محددة، فإذا تم الاتفاق على ذلك أصدر البنك خطاب ضمان و تعهد إلى المصدر، و أصدر خطاب ضمان و تعهد إلى المستورد و يتعهد فيهما بجميع ما في الاعتماد المستندي من الشروط، مثال ذلك: تاجر عراقي إذا أراد استيراد البضائع الأجنبية من الخارج عن طريق البنوك، يصدر أوامره و تعليماته إلى احد البنوك المحلية في العراق بفتح اعتماد مستندي لصالح المصدر الأجنبي، و يذكر فيه كافة التفاصيل التي يجب أن تظهر في المستندات التي يطلب من المصدر قبل أن يدفع له الثمن، و حينئذ يقوم البنك في العراق بالاتصال مع بنك مراسل الذي يعمل كوكيل له في بلد المصدر، و يرسل إلى البنك المراسل إشعار بفتح اعتماد مستندي لصالح المصدر، فيقوم البنك المراسل بتقديم الإشعار إلى المصدر و يحتفظ بنسخة منه، و ذلك فيما يسمى في عالم البنوك بخطاب الاعتماد، و إذا تسلم المصدر خطاب الاعتماد من البنك الوكيل كان يطمئن بدفع ثمن البضاعة، و من ثمّ يبدأ في تحضير البضاعة المباعة و اتخاذ إجراءات لتصديرها بحرا أو برا أو جوا، و عند ذلك يقدم للبنك المراسل مستندات البضاعة المتمثلة في سند الشحن و وثيقة التأمين و فاتورة الثمن، و يطلب منه تسليم الثمن المتفق عليه في عقد البيع و المذكور في الاعتماد المستندي المفتوح لصالحه، و يقوم البنك في هذا الوقت بفحص المستندات بدقة كاملة وفقا لشروط الاعتماد المستندي، فإن وجدها سليمة و مطابقة لجميع الشروط و المواصفات الواردة في الاعتماد المستندي قام بدفع الثمن للمصدر. و بكلمة: إن البنك الوكيل مأمور بموجب ما تلقاه من التعليمات من البنك الأصلي في بلد المستورد بفحص المستندات بكامل الدقة، و مطابقتها لشروط الاعتماد المستندي قبل دفع قيمة البضاعة، فإن تم كل ذلك حسب الشروط، قام البنك الوكيل يدفع القيمة للمصدر ثمّ يقوم بإرسال المستندات إلى البنك الأصلي، و اثر فتح الاعتماد المستندي تعزيز عنصر الثقة المتبادلة بين المصدرين و المستوردين، فالمصدر البائع قد لا يعرف المستورد المشتري في البلد الأجنبي و بالعكس، أو يعرفه‌

318

و لكنه لا يدري مدى قدرته المالية و ثقته، و في هذه الحالة لا يرغب المصدر التخلي عن المستندات التي تمثل ملكية البضاعة حتى يكون واثقا و مطمئنا إلى دفع الثمن، و لا المستورد الدفع إلى البائع المصدر ما لم يكن مطمئنا بسلامة المستندات، و هنا يأتي دور البنك بموجب طلب المستورد المشتري منه فتح الاعتماد المستندي لصالح المصدر الأجنبي حتى يمنح كل منهما الثقة المطلوبة بالآخر و يعززها، و يفي برغبات كل من المصدر و المستورد في البيوع المتبادلة بينهما، و من هنا قد يطلب المصدر من البنك الوكيل أن يدفع ثمن البضاعة بواسطة كمبيالة مسحوبة على البنك الأصلي في بلد المستورد مباشرة، لا على المستورد الذي قد لا يكون معروفا في البلد الأجنبي. و من ثمّ قد أصبح فتح الاعتماد المستندي من أهم الوسائل و الطرق للتجارات الخارجية و أكثرها انتشارا في العالم لتسوية المبادلات الدولية و غيرها، لما يوفره من ثقة و طمأنينة لأطراف الصفقات التجارية بعضهم ببعض، و يجوز استخدامه في البيوع و التجارات الداخلية أيضا، و إن شئت قلت، إن البنك إذا طلب منه أحد عملائه فتح اعتماد مستندي أصدر خطاب اعتماد إلى المصدر و يتعهد فيه بدفع ثمن البضاعة، شريطة أن يقدم المصدر المستندات التي تمثل بضاعة منقولة أو معدة للنقل مطابقة لتمام شروط الاعتماد المستندي و مواصفاته حرفيا، و إلا فان البنك يمتنع عن الدفع، و أصدر خطاب اعتماد إلى المستورد، و يتعهد فيه بعدم دفع الثمن ما لم يستلم المستندات مطابقة لجميع الشروط و المواصفات الواردة في عقد الاعتماد، و على ضوء هذا الأساس فالبنك بموجب عقد فتح الاعتماد المستندي متعهد لزوما بدفع ثمن البضاعة مطابقة للمواصفات و الشروط الواردة في الاعتماد المستندي، و قد يكون عقد فتح الاعتماد جائزا، و يسمى في عالم البنوك بالاعتماد القابل للإلغاء أو بالاعتماد غير المؤبد، و يقتصر دور البنك في هذا النوع من الاعتماد على مجرد إخطار المصدر المستفيد بأنه قد فتح الاعتماد لحسابه بناء على طلب الآمر اعتمادا في حدود مبلغ معين من دون أي التزام أو مسئولية من جانب الآمر، و هذا النوع من الاعتماد غير مرضي في التبادل التجاري بين المصدر و المستورد إلا في حالات خاصة، و هي ما إذا كان عنصر الثقة بين البائع و المشتري وطيدا، فان في مثل هذه الحالة أختار هذا النوع من الاعتماد، على أساس أنه رخيص و قليل التكاليف فلا داعي لاختيار الاعتماد غير القابل للإلغاء و المؤبد.

و هنا حالتان أخريان:

الأولى: إن المعيار في الاعتماد قد يكون بقبول المستورد المستندات

و اعتماده عليها دون البنك، و في هذه‌

319

الحالة لا يكون البنك ملزما بدفع الثمن بمجرد تسلم المستندات من المصدر و مطابقتها للشروط المتفق عليها مسبقا قبل إرسالها إلى المستورد، بل عليه أن يرسل تلك المستندات إليه، فإذا وافق عليها و وجدها مطابقة للشروط المسبقة كان على البنك ان يدفع الثمن إلى المصدر.

الثانية: إن المصدر قد يقوم بإرسال المستندات للبضائع بمواصفاتها الخاصة

كما و كيفا إلى البنك من دون معاملة مسبقة بينه و بين المشتري في بلد البنك، و إرسال تعليمات تتضمن الأمر بعرض المستندات على المستثمرين و رجال الأعمال و شروطها، و حينئذ فيقوم البنك بعرض تلك المستندات عليهم في بلد البنك، فإن رغب منهم في شراء تلك البضائع و قبل المستندات يطلب من البنك فتح الاعتماد، و حينئذ يقوم البنك المستورد بالاتصال مع البنك المراسل في بلد المصدر و يرسل إليه أشعارا بالبيع و بفتح الاعتماد لصالحه، و يأمره بإرسال البضائع بطريق البر أو البحر أو الجو، فإذا قام بإرسالها و شحنها دفع البنك المراسل ثمنها إليه. و فتح الاعتماد المستندي بتمام أشكاله المشار إليها و صوره جائز من الناحية الشرعية، و لا مانع شرعا من قيام البنك بدور الضمان و التعهد للبائع المصدر بدفع ثمن البضاعة عند تسلم المستندات مطابقة لتمام الشروط، و بدوره للمشتري بعدم دفع الثمن ما لم يتسلم المستندات بكامل شروطها و مواصفاتها، و كما يجوز شرعا للبنك أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذا الدور الذي يوسع مجال المبادلات التجارية الدولية، كذلك يسهل المعاملات في العالم ككل، و يعزز عنصر الثقة و الأمانة بين المصدرين و المستوردين، لأنها أجرة على العمل الحلال،

و لمزيد من التعرف على حكم هذه المسألة فتح الاعتماد المستندي من الناحية الشرعية نذكر فيما يلي عددا من الحالات:

الحالة الأولى: ما إذا كان للمستورد رصيد مالي لدى البنك في بلده

و حينئذ فيقوم البنك بدوره بتكليف البنك المراسل في بلد المصدر بدفع قيمة البضاعة بعد تسلم المستندات مطابقة لتمام الشروط الواردة في الاعتماد المستندي، ثمّ يقوم البنك الاصيل بخصم القيمة من رصيده المالي بسعر الوقت، و يمكن تخريج ذلك فقهيا بأحد وجوه: الأول: إن البنك يقوم بدفع ثمن البضاعة للمصدر بواسطة البنك المراسل في بلده بعملة أجنبية بموجب تعهده بذلك في عقد الاعتماد، و حيث إن هذا الدفع كان بامر المستورد، فبطبيعة الحال‌

320

يضمن تلك العملة و يصبح بذلك مدينا للبنك بعملة أجنبية، و البنك مدين له بعملة محلية، و بما إن فتح الاعتماد يتضمن توكيل البنك في أن يخصم قيمة البضاعة من حسابه الجاري لديه، فبإمكانه أن يأخذ عملة محلية من حسابه بديلا عن العملة الأجنبية بسعر الوقت، و هذا جائز شرعا، كما يجوز له اخذ العمولة عليه، على أساس أن الدائن أمر المدين بأداء دينه في غير مكانه الطبيعي، و له أن لا يقبل ذلك من دون عمولة. الثاني: إن المشتري المستورد يقوم بخصم مبلغ من رصيده لدى البنك المساوي لثمن البضاعة، ثمّ يقوم ببيعه على البنك بعملة أجنبية، فإذا باع أصبح مالكا في ذمة البنك عملة أجنبية، و بعد ذلك يقوم البنك بدوره بتكليف البنك المراسل في بلد المصدر بدفع الثمن إليه بالعملة الأجنبية و هذا جائز شرعا لأنه من يبيع عملة محلية حاضرة بعملة أجنبية في الذمة. نعم، لا يجوز للمستورد أن يبيع ما في ذمة البنك من العملة المحلية بعملة أجنبية في ذمته لأنه من بيع الدين بالدين و هو غير جائز، كما أن للبنك أن يأخذ عمولة لقاء تسديد الدين في غير مكانه الطبيعي. الثالث: إن البنك في بلد المستورد يقوم باحالته على البنك المراسل في بلد المصدر الأجنبي، و بموجب هذه الحوالة أصبح ذلك البنك في بلد المصدر مدينا للمستورد بعملة أجنبية، و حينئذ فيحيل المستورد دائنه المصدر على البنك المراسل المدين له، فتكون هنا حوالتان متعاقبتان، و كلتاها من الحوالة على المدين، و تكون صحتها على القاعدة، و كما يجوز للبنك أخذ العمولة على هذه الحوالة، على أساس أنها تتضمن أداء الدين في غير مكانه الطبيعي بموجب طلب الدائن.

الحالة الثانية: ما إذا لم يكن للمستورد رصيد مالي لدى البنك،

و لكن البنك بموجب اعتماده عليه و ثقته به قبل طلبه بفتح الاعتماد المستندي، و اصدر خطاب ضمان و تعهد للبائع بدفع الثمن الأجنبي له في بلده من ماله الخاص عند تسلم المستندات بكامل شروطها، و حينئذ فإذا قام البنك بدوره بتكليف البنك المراسل بدفع الثمن له ضمن المستورد قيمة الثمن بموجب أمره بالدفع، و أصبح مدينا له، و هذه العملية في نفسها جائزة شرعا، و يجوز أخذ عمولة عليها كذلك. نعم إن هذه العملية تتبع فائدة ربوية في حالتين: إحداهما: إن البنك بموجب نظامه التقليدي الربوي يحسب فائدة على المستورد مقابل الدين في ذمته.

321

و الأخرى: إن البنك إذا أخر دفع الثمن الذي يستحقه المصدر على المستورد عن وقت الدفع إلى فترة يحسب له فائدة، و حيث إنها فائدة على تأخير الدين فهي ربوية، فلا يجوز أخذها. و هل بامكاننا تكييف هذه الفائدة في كلتا الحالتين فقهيا إلى فائدة غير ربوية أو لا؟

و الجواب: نعم، فان بامكاننا ذلك. أما في الحالة الأولى، فيمكن للبنك أن يضيف هذه الفائدة المجددة إلى عمولة فتح الاعتماد، فإنه حينما قبل فتح الاعتماد بموجب طلب عميله في مقابل عمولة يضيف إليها تلك الفائدة و لا يحسب على الدين، كما ان بامكانه أن يأخذ الفائدة المذكورة بعنوان أجرة الكتابة و التسجيل و غيرهما مما تتطلبه هذه العملية من الخدمات، فإذا لا ربا في القرض. و أما في الحالة الثانية فيمكن للمصدر ان يشترط في عقد البيع على المستورد أن يدفع دينارا مثلا عن كل شهر يسبق تحصيل الثمن، فان المستورد حينئذ يكون ملزما بدفع دينار عن كل شهر يتأخر فيه عن دفع الثمن و ليس ذلك الزاما بالربا المحرم، لأن ذلك الالزام إنما هو بحكم عقد البيع لا بحكم عقد القرض حتى يكون ربا. نعم، إذا أشترط عليه أن يكون له دينار في كل شهر يتأخر فيه عن دفع الثمن بنحو شرط النتيجة، لم يجز و إن كان في عقد البيع، لأن المستورد حينئذ يكون ملزما بدفع الدينار للمصدر، على أساس أنه مالك له في مقابل الأجل، و هو من اشتراط الربا، و هذا بخلاف ما إذا كان ذلك بنحو شرط الفعل، فان الزام المستورد به إنما هو بحكم عقد البيع لا بحكم عقد القرض، و لا بحكم كونه عوضا مملوكا في مقابل الأجل، كما في شرط النتيجة. و الخلاصة: إن الشرط المدعى في المقام بما أنه غير واقع في عقد القرض لكي يكون قرضا ربويا، و لا هو من اشتراط كون المال في مقابل الأجل بنحو شرط النتيجة لكي يكون من اشتراط الربا، بل هو واقع في عقد البيع بنحو شرط الفعل و الالزام به بملاك أنه في عقد البيع.

322

الحالة الثالثة: يجوز للبنك أن يتقاضى عمولة على عملية الاعتماد المستندي،

على أساس إنها تتطلب قيامه بدور الاتصال مع البنك المراسل في بلد المصدر، و اطلاعه بفتح الاعتماد و تكليفه بدفع الثمن عند ما تسلم مستندات البضاعة مطابقة لجميع الشروط و المواصفات الواردة في الاعتماد المستندي. و يمكن تخريج ذلك فقهيا بأحد وجوه: الأول: أن يكون ذلك من باب الجعالة، فان المستورد بموجب طلبه من البنك فتح الاعتماد يقول له، إن قمت بهذه العملية و متطلباتها فلك كذا و كذا مبلغا محددا من المال، و حينئذ فان وافق البنك على ذلك و قام بدوره بكامل متطلباته، أستحق الجعل المحدد له في العقد. الثاني: أن يكون ذلك من باب الاجارة، فان المستورد يقوم باستئجار البنك للقيام بعملية الاعتماد مقابل أجرة معينة، فاذا قبل البنك ذلك و وافق استحق الاجرة. الثالث: أن يكون ذلك من باب أجرة المثل التي تتقاضاها الاجراء عادة بالقيام بمثل هذا العمل، فانه إذا لم تحدد الاجرة بالعقد لا بعقد الاجارة و لا بالجعالة، فالمتعين أجرة المثل.

الحالة الرابعة: ان ديون البنوك على المستثمرين و رجال الاعمال الذين يقومون باستيراد البضائع من الدول الاجنبية

أو تصديرها إليها بواسطة الاعتماد المستندي لديها على نحوين: أحدهما: أن تكون الديون بموجب عقد القرض الواقع بين المستورد و البنك، فإن المستورد في هذه الحالة يرجع إلى البنك و يقترض منه مباشرة مبلغا محددا ثمّ بعد عملية القرض سلم المبلغ إلى البنك لكي يقوم البنك بدوره بتكليف البنك المراسل في بلد المصدر بدفع الثمن إليه عند ما تسلم مستندات ملكية البضاعة بكاملها. الثاني: إن المستورد لا يرجع إلى البنك لا بنفسه و لا بوكيله، بل يتصل به من مكتبه و يطلب منه الاعتماد المستندي و دفع ثمن البضاعة للمصدر في بلد إقامته عند تسلم المستندات منه، و بذلك يصبح المستورد مدينا للبنك بقيمة ثمن البضاعة، و لا فرق بين الحالتين من هذه الناحية، و إنما الفرق بينهما من ناحية أخرى،

323

و هي إن سبب الدين في الحالة الأولى عملية القرض، و في الحالة الثانية الأمر بالاتلاف، على أساس إن المستورد إذا أمر البنك بدفع دينه للمصدر في بلده الأجنبي و هو ثمن البضاعة، و قام البنك بدوره و أدى دينه من ماله الخاص، ضمن المستورد قيمة التالف، باعتبار أنه كان بأمره، و لا مانع من وفاء دين شخص بمال شخص آخر حتى تبرعا، فضلا عما إذا كان بأمر الشخص المدين. و قد تسال: هل هناك فرق بين الزيادة على الدين في الحالة الأولى و الزيادة في الحالة الثانية أو لا؟ قد يقال بالفرق بينهما، بتقريب ان الزيادة في الحالة الأولى زيادة على المال المقترض في عقد القرض فتكون ربا، و في الحالة الثانية لا تكون كذلك، إذ ليس فيها عقد قرض بين المستورد و البنك لكي تكون الزيادة على المال المقترض في عقد القرض بل فيها ضمان غرامة للمال التالف بسبب أمره بالاتلاف، و لا يكون هذا الضمان ضمانا قرضيا، بل هو ضمان إتلاف، و على هذا فالزيادة المشترطة على المستورد على ما دفعه البنك للمصدر من ثمن البضاعة ليست زيادة على المال المقترض في عقد القرض لكي تكون ربا، و لا يصدق عنوان القرض على ضمان الغرامة، فإنه لا يتضمن تمليكا معامليا لا التمليك على وجه الضمان بالمثل و لا غيره. و بكلمة: إن الربا المحرم إنما يكون في المعاملة كعقد القرض أو البيع، و أما ضمان الغرامة فإنه ضمان ابتداء بموجب الأمر بالاتلاف و لا يتضمن أي تمليك عقدي، فلهذا لا يجري فيه الربا. و يمكن المناقشة في ذلك: أما أولا: فلان المتفاهم العرفي من أدلة حرمة الربا بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو حرمة الزام الدائن مدينه بالزيادة على مقدار الدين، سواء أ كان الدين حاصلا بالقرض أم بالأمر بالاتلاف، حيث لا يرى العرف خصوصية لعنوان القرض و موضوعية له إلا كونه سببا للدين و اشتغال الذمة، بل إن هذا هو مقتضى إطلاق بعض روايات المسألة ايضا، و على هذا فلا فرق بين أن يكون الشخص مدينا بموجب عقد القرض أو بموجب الأمر بالاتلاف، فعلى كلا التقديرين لا يجوز للدائن أن يلزم مدينه بالزيادة على مقدار الدين. ثانيا: لو سلمنا اختصاص الربا المحرم في عقد القرض لا مطلقا و لا يكون الزام الدائن مدينه بالزيادة في الحالة الثانية محرما، إلا ان ذلك بحاجة إلى موجب و سبب يجعل المدين ملزما بدفع الزيادة كاشتراطها في ضمن عقد، و المفروض أنه لا عقد هنا غير الأمر بالاتلاف، فإذن لا يكون اشتراطها عليه من الشرط في ضمن العقد لكي يجب الوفاء به، بل هو من الشرط الابتدائي الذي لا دليل على صحته و نفوذه.

324

نعم، بإمكان البنك أن يقوم في هذه الحالة بعملية اشتراط الزيادة في ضمن عقد الجعالة، على أساس إن من حق البنك أن لا يقبل تسديد دين المستورد بموجب طلبه للمصدر في بلد إقامته من دون جعل و عمولة، فإذا وافق على ذلك و حدد الجعل لقاء قيامه بعملية التسديد فإذا قام بها أستحق الجعل المحدد بموجب عقد الجعالة و قيمة الدين بقانون ضمان الاتلاف. و الحاصل: إن البنك بعد قيامه بالعملية المذكورة أستحق أمرين: أحدهما: قيمة الدين بموجب الأمر بالاتلاف. و الآخر: الجعل بموجب عقد الجعالة. قد يناقش في صحة الجعالة في المقام، بتقريب ان صحتها مبنية على أن للعمل المجعول عليه قيمة مالية لدى العرف و العقلاء، على أساس إن الجعالة مركبة من جزءين: أحدهما: الأمر بالعمل الذي تكون له أجرة المثل في نفسه و قابل للضمان. و الآخر: تعيين الجعل و الأجر بإزاء ذلك العمل. و الجزء الأول من الجعالة: هو ملاك الضمان و الضمان فيها من قبيل ضمان الغرامة، لا الضمان المعاوضي. و الجزء الثاني: يحدد قيمة العمل المضمون بضمان الغرامة، حيث إن الأصل في الضمان هو أجرة المثل ما لم يحصل الاتفاق على الضمان بغيرها. و حيث انه ليس لعملية تسديد الدين مالية وراء مالية نفس المال المسدد، فلا يحق للبنك ان يتقاضى عمولة لقاء قيامه بعملية التسديد زائدة على قيمة المال المسدد، فإنه إذا لم تكن للعملية مالية زائدة على مالية نفس المال المسدد، فلا يتحمل المستورد إلا ضمانا واحد، و هو ضمان المال المسدد، و لا يعقل ضمانا آخر و هو ضمان عملية التسديد في مقابل الضمان الأول، لعدم الموضوع له و هو المالية، فمن أجل ذلك لا يعقل الجعالة، لأنها لا تنشئ الضمان و إنما تحدده في الأجر المعين. و يمكن الجواب عن هذه المناقشة في المقام: بأن العميل المديون هنا فبما انه يطلب من البنك القيام بتسديد دينه لدائنه في البلد الأجنبي، فمن الواضح أنه يتطلب بذل جهد و عمل زائد على مجرد دفع المال إلى الدائن، و حينئذ فيكون من حقه أن يتقاضى عمولة على ذلك إذا طلب منه القيام به، على أساس ان لعملية التسديد عندئذ قيمة مالية زائدة على القيمة المالية للمال المسدد.

325

و الخلاصة: إن المدين المستورد إذا طلب من البنك القيام بعملية التسديد للمصدر الدائن في بلد إقامته، فبما أنه يتطلب بذل جهد و عمل زائد كاتصاله بالبنك المراسل و إصدار خطاب إليه بدفع دينه في بلده، فله أن لا يقبل ذلك بدون عمولة، فإذاً لا مانع من عقد الجعالة عليها، باعتبار انها مضمونة بضمان آخر غير ضمان المال المسدد، و يحدد الضمان في الأجر المعين بموجب عقد الجعالة. نعم، إذا لم تتطلب عملية تسديد الدين بذل جهد و عمل زائد على نفس دفع المال إلى الدائن، كما إذا كانت العملية في نفس بلد البنك، فلا تصح الجعالة عليها لأنه لا ضمان لها في مقابل ضمان المال المسدد لكي تقبل الجعالة. إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، و هي أن اشترط الزيادة في كلتا الحالتين المذكورتين من اشتراط الربا، إلا إذا كان ذلك الاشتراط في عقد الجعالة أو الإجارة. و قد تسأل: هل بإمكاننا تحويل شرط الزيادة الربوية إلى غيرها أو لا؟

و الجواب: نعم، أما في الحالة الأولى فبإمكاننا هذا التحويل بالطريق التالي: و هو أن المستورد يقوم بعملية الاقتراض من البنك مبلغا محددا، و بعد القبض يقدم البنك على شراء المبلغ منه بعملة أجنبية في ذمته، و يضيف إلى المبلغ مقدار الفائدة بدلا عما إذا اشترطها عليه في عقد القرض، فتحول الفائدة بذلك من الربوية إلى غيرها عن طريق البيع و الشراء، و يصبح البنك حينئذ مدينا للمستورد بعملة أجنبية، ثمّ يقوم البنك بعملية التسديد من طريق البنك المراسل في الخارج، و يجوز للبنك عندئذ ان يتقاضى عمولة لقاء قيامه بالعملية بتخريجين: أحدهما: إنها تتطلب بذل عمل زائد، و الآخر: إنها تمثل تأدية الدين في غير مكانه الطبيعي. و أما في الحالة الثانية فبإمكاننا تخريج ذلك بالنحو التالي: و هو ان المستورد يوكل البنك من اقراضه مبلغا معينا من ماله الخاص، ثمّ يقبضه بالوكالة عنه، و بعد تمامية عملية القرض بالقبض و الإقباض، يقوم البنك ببيع ذلك المبلغ لنفسه وكالة منه بعملة أجنبية في ذمته، و يضيف إليه مقدار الفائدة، فتحول الفائدة الربوية إلى غيرها من طريق البيع و الشراء، كما أن للبنك أن لا يقبل طلب المستورد تسديد دينه للمصدر في بلد إقامته بدون عمولة على أساس أنه تسديد الدين في غير مكانه، مضافا إلى أنه يتطلب مئونة زائدة.

326

الحالة الخامسة: إن الربا المحرم هو اشتراط الفائدة على المدين بإزاء الدين،

سواء أ كان الدين بعقد القرض أم كان بضمان الغرامة كما مر. و أما إذا كانت الفائدة لقاء عمل له مالية وراء مالية نفس المال المقترض، فهل يجوز أخذها و لا يكون ربا أو لا؟

و الجواب: نعم، يجوز أخذها، على أساس انها ليست لقاء المال المقترض لكي تكون ربا، بل لقاء عمل له قيمة مالية زائدة على القيمة المالية لنفس المال المقترض، فإذا أفترض إن لعملية الإقراض مالية وراء مالية المال المقترض كما إذا طلب العميل من البنك الإقراض في بلد أجنبي فان الاقراض فيه بحاجة إلى بذل عمل و جهد زائد على مجرد دفع المال إلى المقترض و حينئذ فله أن لا يقبل ذلك بدون عمولة. فالنتيجة: أنه لا يجوز للمقرض بنكا كان أم غيره أخذ فائدة على المال المقترض، و يجوز له أخذها لقاء عملية الإقراض إذا تطلبت مئونة زائدة مضمونة و لا يؤدي إلى الربا نعم إذا لم تتطلب مئونة زائدة على مجرد دفع المال إلى المقترض كما إذا كانت العملية في مكان المقرض فلا مالية لها زائدة على مالية نفس المال المقترض و حينئذ فلا يجوز أخذ العمولة عليها، لأن أخذها عليها أخذ فائدة على المال المقترض فيكون ربا، و لهذا لا تصح الجعالة عليها أيضا.

الحالة السادسة: إن اقتراض المستورد من البنك إذا كان ربويا، فهل يجوز للبنك أن يقوم بعملية تسديد دينه المستحق عليه للمصدر

في البلد الأجنبي و يتقاضى منه عمولة لقاء ذلك، على أساس أن العملية بحاجة إلى مئونة زائدة أو لا؟

و الجواب: أنه جائز بناء على ما هو الصحيح من عدم بطلان عقد القرض الربوي، و الباطل إنما هو الربا، أي: الزيادة، و حينئذ فالمقترض مالك لأصل المال المقترض، كما ان المقرض يملك مثله في ذمة المقترض و إنما لا يملك الزيادة فقط، و على هذا فيجوز للبنك أن يقوم بعملية تسديد دينه من ماله المقترض، و إذا كانت العملية بحاجة إلى مئونة زائدة، جاز له أن يأخذ عمولة عليها. نعم، لو قلنا ببطلان القرض الربوي و عدم كون المقترض مالكا للمال المقترض، فلا يكون البنك‌

327

حينئذ وكيلا و مخولا من قبله في تسديد دينه من ماله المقترض لفرض أنه لم ينتقل إليه بعقد القرض على أساس بطلانه.

الحالة السابعة: إن دور البنك في الاعتماد المستندي بالنسبة إلى البائع المصدر المستفيد هو في الواقع دور ضمان،

لا بمعنى نقل دين من ذمة إلى ذمة، و لا ضم ذمة إلى ذمة فإن الثاني باطل، و الأول ليس مقصودا منه في المقام، بل بمعنى: تعهد البنك بدفع ثمن البضاعة الذي يستحقه البائع المصدر على المشتري المستورد عند تسلم المستندات من البائع مطابقة لجميع الشروط الواردة في الاعتماد المستندي، و لا يكون تعهده مشروطا بامتناع المشتري عن الوفاء بالثمن، بل يكون مطلقا، فإن البائع ملزم بتسليم مستندات البضاعة منها سند الشحن للبنك المراسل، و البنك المراسل ملزم بدفع الثمن إليه إذا وجد المستندات مطابقة للشروط، و هذا معنى آخر للضمان عند العقلاء يتصور في الديون و الأعيان الخارجية معا. و أما دوره بالنسبة إلى المشتري المستورد، فهو في الواقع أيضا تعهد منه بتسلّم المستندات بكاملها من البائع و فحصها بدقة، فإن كانت مطابقة لتمام المواصفات و الشروط المقيدة في الاعتماد المستندي قام بدفع الثمن إليه، و إلا فلا.

الحالة الثامنة: إن المشتري المستورد إذا تقاعس عن الوفاء بالتزاماته و تخلف لسبب أو آخر،

و امتنع عن تسلم المستندات التي تمثل نقل البضاعة أو عن الوفاء بالثمن، فللبنك أن يحبس المستندات إلى فترة محددة من تاريخ إخطاره بوصول المستندات المطابقة للشروط، فان لم يدفع الثمن خلال هذه الفترة يقوم البنك ببيع البضاعة في الأسواق لاستيفاء ما دفعه إلى البائع من الثمن. و يمكن تخريج ذلك فقهيا بأحد وجهين: الأول: إن دفع البنك ثمن البضاعة لما كان بأمر المشتري فهو ضامن له بضمان الغرامة و هي ضمان الإتلاف، باعتبار إن الإتلاف كان بأمره، و حيث أنه ممتنع عن الأداء، فللبنك أن يقوم ببيع البضاعة لاستيفاء ما دفعه إلى البائع من الثمن تقاصا. نعم لو كان بامكان البنك تحصيل الثمن منه بطريق آخر كالرجوع إلى المحاكم و القضاة، لم يجز بيعها لاستيفاء ما دفعه تقاصا، و أما إذا أنحصر الطريق بالتقاص فيجوز.

328

الثاني: ان جواز بيع البضاعة في هذه الحالة، إنما هو على أساس الشرط الضمني من البنك على المستورد في ضمن عقد فتح الاعتماد المستندي، فان المرتكز فيه إن المستورد إذا أمتنع عن الوفاء بالتزاماته و دفع الثمن، فالبنك لا يصبر إلى الأبد، فلا محالة يتحرك و يقوم ببيعها بعد فترة محددة من تاريخ الإخطار بوصول المستندات، و حينئذ فيجوز للغير الشراء.

(12) الاعتماد الشخصي و تخريجه الفقهي الاعتماد الشخصي:

هو أن العميل قد يطلب من البنك تزويده بخطاب الاعتماد الشخصي باسمه في الخارج لدى فرع من فروعه أو مراسله هناك، و حينئذ يقوم البنك بعملية إصدار خطاب الاعتماد لصالحه بموجب طلبه، و يحدد المبلغ في ظهر الخطاب، و هل للبنك أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذه الخدمة أو لا؟

و الجواب: نعم. و هل فرق بين أن يكون للعميل رصيد مالي لدى البنك أو لا يكون؟ و الجواب: أنه لا فرق بين الحالتين في جواز أخذ العمولة. أخذ العمولة في الحالة الأولى: يمكن تخريج ذلك فقهيا بأحد وجوه: الأول: أن يكون خطاب الوثيقة بمثابة التوكيل للعميل الدائن في استيفاء دينه من حساب البنك في الخارج بجنس الدين كان أم بغير جنسه، و حيث أنه لا يجب على البنك المدين تسديد الدين في غير مكانه الطبيعي، فإذا طلب الدائن منه ذلك، فله أن لا يقبل بدون عمولة. الثاني: أنه لا يجب على المدين أداء الدين من غير جنسه، فإذا طلب الدائن منه ذلك، كان من حقه أن لا يقبله من دون عمولة. الثالث: إن البنك يقوم بشراء عملة محلية حاضرة من عميله بعملة أجنبية في ذمته بسعر الوقت و يضيف إليها مقدار حق العمل، و بعد عملية البيع و الشراء يصبح العميل مالكا للعملة الأجنبية في ذمة البنك بديلا عن العملة المحلية، و حينئذ فالبنك أما أن يقوم بإحالة العميل الدائن على فرع من فروعه هناك أو على بنك آخر، فإن كان على الفرع فبما أنه يمثل نفس ذمته، فلا‌

329

تكون هذه العملية حوالة بالمعنى الفقهي، بل هي اختلاف في شكل عملية الأداء، على أساس إن الذمة واحدة، و ان كان على بنك آخر هناك فهو حوالة بالمعنى الفقهي، و حينئذ فان كان البنك الآخر مدينا للبنك الأول كانت الحوالة على المدين، و إلا فعلى البري. و الخلاصة: إن بيع العملة الأجنبية بالمحلية جائز شرعا، و حينئذ فيجوز للبنك أن يضيف إلى الثمن حق العمل أو يتقاضاه من العميل لقاء قيامه بتزويده بخطاب الحوالة في خارج البلد، فان له أن لا يقبل ذلك بدون عمولة. أخذ العمولة في الحالة الثانية: يمكن تخريج ذلك فقهيا بما يلي: إن مرد خطاب الوثيقة من البنك إلى عميله في خارج البلد إلى إقراضه، و حيث أن القرض لا يتم إلا بالقبض، فإذا قبض العميل المبلغ المحدد على ظهر خطاب الاعتماد أصبح مديونا للبنك، و على هذا فالفائدة التي يتقاضاها البنك من العميل إن كانت على القرض فهي فائدة ربوية محرمة و ان كانت لقاء قيامه بعملية الاقراض في الخارج التي تتطلب جهدا و عملا زائدا على عملية الإقراض في نفس البلد فهي جائزة، و على هذا فبإمكان البنك أن يتقاضى فائدة في تلك الحالة لقاء قيامه بهذه العملية لا لقاء المال المقترض، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى إن العميل إذا قام بتسديد دين البنك في مكان القرض، فليس من حق البنك أن لا يقبل ذلك، و ان قام بتسديده في بلد آخر لا في مكان القرض كان من حق البنك أن لا يقبل ذلك مجانا و بدون عمولة.

(13) تخزين البضائع و شروطه من وجهة نظر الشريعة

تخزين البضائع: تخزين البنك للبضائع تارة يكون على حساب المصدر و أخرى على حساب المستورد. أما الأول/ فلأن المصدر إذا قام بتصدير البضائع المحلية بواسطة أحد البنوك، فبطبيعة الحال يقوم البنك بعملية التخزين في المخازن المخصصة لذلك إلى موعد شحنها، و هذه العملية جائزة شرعا، و يجوز للبنك أن يأخذ عمولة عليها زائدة على أجرة المخازن و غيرها من المصارف. و أما الثاني/ فلأن البضائع إذا وصلت إلى الجمارك يتحرك البنك للقيام بتخزينها في المخازن المخصصة عند تأخر المشتري المستورد عن تسلم البضائع أو امتناعه عنه لسبب او آخر فإن صلة‌

330

تلك البضائع قد انقطعت عن المصدر بتسلم البنك المراسل المستندات منه و دفع الثمن إليه، فيكون التخزين على حساب المستورد فقط، و عملية التخزين جائزة شرعا، و يجوز للبنك ان يأخذ عمولة لقاء قيامه بها. و قد تسأل: هل يجوز للبنك إذا لم يقم المستورد بتسلم البضائع خلال فترة محددة من تاريخ إخطاره بوصول تلك البضائع مطابقة لتمام المواصفات و الشروط الواردة في الاعتماد المستندي، أن يقوم ببيعها بالمزاد العلني أو من مستثمر آخر أو لا؟

و الجواب: يجوز له ذلك، على أساس إن تخزين البنك البضائع المستوردة في مخازن متخصصة إنما هو في فترة محددة، و بعد انتهاء تلك الفترة يقوم البنك ببيعها و يعلم التاجر المستورد بهذه الشروط، و مع هذا إذا امتنع عن تسلم البضائع خلال تلك الفترة عامدا و ملتفتا، فمعناه أنه راض ببيعها، لأن ذلك شرط في ضمن العقد الذي يوقع عليه التاجر الحاصل بينه و بين البنك، و أنه من أحد الشروط الواردة في هذا العقد. و الخلاصة: إن التاجر المستورد إذا لم يستلم البضاعة خلال الفترة المحددة، سواء أ كان من جهة انخفاض أسعارها في السوق بشكل لا يفي ثمنها لأجور المخازن و مصارف الجمارك و النقل أم كان بسبب آخر، فيجوز للبنك حينئذ أن يبيعها بموجب الشرط المذكور، و كذلك الحال إذا استورد التاجر البضائع من الدول الأجنبية مباشرة، و في كلتا الحالتين يجوز للغير ان يقوم بشرائها و التصرف فيها فإنها إذا وصلت إلى الجمارك و أخطر التاجر بوصول البضائع، و مع هذا إذا أمتنع عن تسلمها خلال فترة محددة، جاز للجمارك أن تقوم ببيعها بنفس ذلك الملاك و هو الشرط الضمني مباشرة و من دون واسطة البنك. و أما العمولة التي يأخذها البنك لقاء عملية التخزين فيمكن تكييفها بأحد وجهين: الأول: أن يكون ذلك على أساس الجعالة، بأن يأمر التاجر البنك بالقيام بعملية التخزين لقاء مبلغ محدد، فإذا قبل البنك ذلك و قام بالعملية استحق المبلغ المحدد. الثاني: أن يكون على أساس الإجارة، بأن يستأجر التاجر البنك على ممارسة هذه العملية مقابل أجر معين، فإذا وافق البنك على ذلك تحقق العقد أستحق الأجر.

331

(14) خصم الأوراق التجارية و كيفية تخريجه الفقهي

خصم الأوراق التجارية: و هو لون من ألوان التسليف المصرفي، إذ المستفيد يتقدم بالورقة التجارية ذات الاجل المحدود قبل حلول موعد وفائها إلى بنك معين بغرض تحصيل قيمتها، فيقوم البنك بدفع قيمتها بعد خصم مبلغ معين بعنوان فائدة القرض من يوم الدفع إلى يوم الوفاء، و إذا كانت هناك خدمة أخرى كان للبنك أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بها، كما إذا كانت الورقة تدفع في مكان آخر غير المكان الموجود فيه. و إذا حل الأجل أخطر البنك محرر الشيك بحلول موعد الوفاء و طلب منه قيمته، و في حالة تخلف المحرر المدين عن دفع قيمة الشيك المستحقة عليه يرجع إلى المستفيد من الشيك الذي خصم له البنك الورقة، فإنه المسئول أمام البنك عن دفع المبلغ على أساس تعهده بذلك في عقد القرض، و في حالة الاتفاق على تأخر الدفع بعد حلول الاجل، فإن البنك يحتسب فائدة على مدة التأخير، على أساس النظام التقليدي للفائدة على القرض، و يتقاضى هذه الفائدة من المحرر المدين للشيك. تكييف هذه العملية: إن خصم الورقة التجارية و تكييف هذه العملية يتمثل في تقديم قرض من البنك للمستفيد من الورقة مع تحويل المستفيد البنك الدائن على محرر الورقة المديون، و عليه فهذا التحويل من الحوالة على المدين و في جانب القرض، و و هذا التحويل يتضمن عنصرا آخر و هو تعهد المستفيد لدى البنك بوفاء محرر الورقة عند حلول أجلها، و نتيجة ذلك إن المستفيد يصبح مالكا للمبلغ المقترض و هو المبلغ الذي خصم البنك به الشيك بحكم القرض، و يصبح محرر ذلك الشيك مدينا للبنك بحكم الحوالة، و يصبح المستفيد مسئولا و مطالبا بتسديد قيمة الشيك إذا تخلف محرره عن الوفاء بها عند حلول الاجل بحكم تعهده به في حالة التخلف، و بحكم كون المحرر مدينا للبنك يتقاضى البنك منه فوائد على تأخير الدين عن موعده المحدد. و على أساس هذا التكييف فهنا صورتان ربويتان: الأولى: إن ما يقتطعه البنك من قيمة الشيك مبلغا محدداً لقاء المدة الباقية من موعد الدفع، ممثل للفائدة التي يتقاضاها على تقديم القرض إلى المستفيد و هو محرم شرعا لأنه ربا. الثانية: إن ما يتقاضاه من الفائدة على تأخير دفع الدين عن موعده المحدد ربا محرم، نعم إذا كان تحصيل قيمة الشيك في مكان آخر فمن حق البنك أن يتقاضى منه عمولة لقاء قبوله قيمته في ذلك المكان، على أساس ان البنك بخصم قيمة الشيك قد أصبح دائنا للمستفيد الذي خصم‌

332

له الشيك بعقد القرض، فإذا طلب منه قبول الدين في غير مكان القرض، فله أن لا يقبل مجانا و من دون عمولة. و هل يمكن تكييف هذه العملية من الناحية الشرعية؟ و الجواب: نعم، فإن بإمكان البنك ان ما اقتطعه من قيمة الشيك يعتبره أجرة لما قدمه له من الخدمات كأجرة الكاتب و غيرها من المتطلبات لذلك، بدلا عن ان يعتبره لقاء الأجل الباقي، حيث أن للبنك أن يشترط في عقد القرض على المقترض العميل ان يدفع له أجرة معقولة مقابل تسجيل الدين و حفظه و غير ذلك من الخدمات. و لكن بهذا الوجه لا يمكن تكييف العملية شرعا في الصورة الثانية، و ذلك لأنه ليس بإمكان البنك في هذه الصورة أن يأخذ من محرر الشيك بدلا عن الفائدة على تأخير دفع الدين مبلغا مماثلا بعنوان الاجرة، باعتبار إن المحرر أصبح مدينا للبنك بموجب حوالة ضمنية من المستفيد للبنك عليه من دون إنشاء أي عقد بينهما، لكي يشترط البنك في ضمن ذلك العقد الأجرة عليه. نعم يمكن تكييفها شرعا في هذه الصورة بالطريقة التالية: و هي إن المستفيد من الشيك بعد اقتراض قيمته من البنك بعملية الخصم، يقوم بتوكيل البنك في تحصيل قيمة الشيك من محرره عند حلول الأجل لا باحالته عليه، و نتيجة ذلك ان محرر الشيك يظل مدينا للمستفيد الذي خصم الشيك لصالحه لا للبنك، و إنما البنك دائن للمستفيد و وكيل عنه في تحصيل قيمة الشيك عند حلول الأجل و حينئذ فللبنك أن يشترط في إقراضه للمستفيد أن يدفع له أجرة معقولة (اجرة المثل) لقاء كتابة الدين و تسجيله و ما تتطلبه من النفقات. ثمّ إن هنا طريقا آخر ذكره الفقهاء، و هو تكييف عملية خصم الشيك، على أساس بيع الدين الذي يمثله الشيك بأقل منه حاضرا. مثلا إذا كان الشيك يمثل خمسة آلاف دينار، فالمستفيد يقوم ببيعه بأربعة ألاف و تسعمائة دينار حاضرا، و بموجب هذا البيع يملك البنك الدين الذي كان المستفيد مالكا له في ذمة موقع الشيك لقاء الثمن الذي يدفعه إليه نقدا، فيكون من بيع الدين باقل منه، و حيث إن الدين المباع بأقل منه نقدا، على أساس عملية الخصم ليس من النقود الذهبية أو الفضية و لا من المكيل أو الموزون، بل هو من النقود الورقية، فلا مانع من بيعها بأقل منها، لأن أحكام الصرف من التماثل و القبض في المجلس لا تترتب عليها، هذا و إن كان معروفا و مشهورا بين الاصحاب و لكنه لا يخلو عن أشكال، بل‌

333

لا يبعد عدم جوازه للنص الخاص الدال على أن الدائن إذا باع دينه باقل منه، فلا يستحق المشتري من المدين إلا بقدر ما دفع إلى البائع، و يعتبر الزائد ساقطا من ذمة المدين رأسا، و سوف نشير إلى شرح ذلك بأوسع من هذا.

(15) القروض و التسليفات و كيفية تخريجها من وجهة النظر الشرعية

القروض و التسليفات: تقديم البنوك القروض و التسليفات لعملائها بأشكالها المختلفة من طويلة الأجل أو متوسطة الأجل أو قصيرة الأجل: إذا تقدم العميل بطلب إلى البنك لمبلغ محدد إلى أجل معين، فإذا تأكد البنك على ذلك و عزز ثقته به قام بدفع مبلغ له قرضا إلى أجل محدد طويلا كان أم قصيرا، و يتقاضى منه فائدة على هذا القرض، و تعتبر هذه الفائدة فائدة ربوية محرمة. و قد تسأل هنا: هل يمكن تخريج هذه الفائدة من الناحية الشرعية و تحويلها إلى فائدة غير ربوية أو لا؟

و الجواب: أنه يمكن تخريج ذلك بوجوه: الأول: يمكن تحويل القروض و التسليفات الربوية إلى بدائل مشروعة كالمضاربات و نحوها كما تقدم تفصيل ذلك. الثاني: إن بإمكان العميل أن يقوم بشراء شي‌ء من البنك و يضيف إلى ثمنه مقدار الفائدة، و يشترط القرض عليه بمبلغ معين في ضمنه. الثالث: إن للبنك أن يتقاضى من عملائه أجرة معقولة لقاء قيامه بالخدمات التي تتطلبها تقديم القروض لهم، كأجرة الكاتب و الحارس و المحاسب و العمال الفنيين و غيرهم، و قيمة الدفاتر و السجلات التقليدية او التقنية و غير ذلك. و بكلمة: إن من أهم خدمات المصارف و البنوك و أكثرها انتشارا في البلاد تقديم القروض و التسليفات بأشكالها المختلفة و أحجامها المتعددة لعملائها، و من الواضح إن قيام البنوك بهذه العمليات يتطلب وجود كاتب و حارس و محاسب و دفاتر و سجلات و غيرها، و حينئذ فللبنوك بدلا عما يتقاضى عمولة على هذه القروض، يتقاضى أجرة معقولة منهم لقاء ما تتطلبه تلك العمليات من الخدمات.

334

(16) صرف العملات الأجنبية و تكييف تخريجه الشرعي

صرف العملات الأجنبية: تقوم البنوك بصرف العملات الأجنبية لرجال الأعمال و المستثمرين من أفراد دول متعددة، على أساس الديون التي تتولد بينهم بتصدير البضاعة إلى الخارج أو استيرادها منه، فان المستورد للبضاعة من بلده يكون مدينا لقيمتها بعملة تلك البلدة و المصدر من دولة يكون دائنا لقيمتها بعملة منها و حينئذ فالمدين بعملة أجنبية بدلا عن أن يشتري من سوق الصرف مبلغا من تلك العملة بالمقدار الكافي لتسديد دينه ثمّ يرسله إلى دائنه في الخارج، يرجع إلى البنك و يطلب منه القيام بعملية الصرف و تأدية الدين على اساس ان البنوك و المصارف قد تطورت في عمليات الصرف و تأدية الديون الخارجية من طريق إصدار الشيكات و الحوالات و غيره من الطرق و الوسائل التقنية الحديثة بدون نقل أي نقد من بلد إلى بلد آخر، فلذلك استطاعت السيطرة على عمليات التأدية في داخل البلاد و خارجها، و اتسعت رقعتها باتساع الأعمال و التبادلات الخارجية، و تطورت بتطورها، و أصبحت من الوسائل و الأدوات الاطمئنانية، فإذا استورد رجل عراقي بضاعة من دولة أجنبية بقيمة عشرة آلاف دولار مثلا، أصبح مدينا بالمبلغ من مصدر تلك الدولة، و حينئذ فبإمكانه تسديد دينه من طريق شيك تجاري يأخذه من بنك عراقي على بنك أجنبي بقيمة الدين من الدولارات، فهنا حوالتان: الأولى: حوالة من المستورد دائنه المصدر الأجنبي على بنك عراقي، و بذلك يصبح المصدر الأجنبي مالكا قيمة البضاعة في ذمة البنك العراقي. الثانية: حوالة من البنك العراقي دائنه الأجنبي على بنك خارجي يكون له حساب جار عنده. و كلتا الحوالتين صحيحة شرعا.

(17) بيع العملات الأجنبية و شراؤها و تخريجه الفقهي

بيع العملات الأجنبية و شراؤها: تقوم البنوك و المصارف ببيع العملات الأجنبية و شرائها للتسهيلات المصرفية المؤثرة في تطور التجارات الخارجية لعملائها يوما بعد يوم، و بغرض الحصول على ربح من تفاوت بين سعر الشراء و سعر البيع أو بداعي توفير النقود و العملات الاجنبية عنده، و لهذا تقوم ببيع و شراء العملات الأجنبية التي يحملها السياح الأجانب أو السياح العائدون من الخارج.

335

نعم، في العصر الحاضر قد استطاعت البنوك أن تقلل إلى درجة كبيرة من أهمية هذه الخدمة على المستوى العام، بإيجاد بديل لها أكثر تطورا و هو البطاقات الائتمانية و تزويد عملائها بها، فإنها قد أصبحت من أهم الخدمات المصرفية في العالم، و تحقق أمانا كبيرا للإنسان على أمواله في السفر و الحضر، فإن السواح بدلا عن أن يحملوا معهم في السفر نقودا أو شيكات التي لا تخصم إلا في البنوك و المصارف، يحملوا البطاقة الائتمانية و يستعملونها لتوفير متطلباتهم متى شاءوا، كقطع التذاكر للسفر و أجور الفنادق و المطاعم و السيارات و الخدمات في المحطات و غيرها، و يستغني حاملها من عمليات بيع و شراء العملات الاجنبية و خصم الشيكات في البنوك و المصارف، و عملية بيع و شراء العملات الأجنبية و تبادل بعضها مع بعضها الآخر جائزة شرعا، سواء أ كانت نقدية أم مؤجلة، كما إذا قام البنك بشراء عملة اجنبية من البنوك الخارجية مؤجلة إلى شهر مثلا بثمن حاضر لسبب أو آخر ما لم يكن الثمن أيضا مؤجلا، و إلا فهو محل إشكال بل منع لأنه من بيع الدين بالدين.

(18) التحويل المصرفي الخارجي و تكييف تخريجه الشرعي

التحويل المصرفي الخارجي: التحويل المصرفي الخارجي من أهم أسباب التعامل بالتجارات الخارجية و أسلم الوسائل، فإن المستورد إذا استورد بضاعة أجنبية أصبح مدينا لمصدر أجنبي، و في هذه الحالة يلجأ إلى البنك و يطلب منه الحوالة لصالح المصدر الاجنبي الدائن على البنك المراسل في بلده، فإذا قبل البنك الحوالة قام العميل المدين بدفع قيمة الحوالة إليه بعملة بلده أما نقدا أو بالخصم من رصيده. و يمكن تخريج ذلك فقهيا باحد وجوه: الأول: إن عملية التحويل المصرفي الخارجي تقوم على أساس إن البنك يبيع ما يملكه من عملة أجنبية في ذمة البنك المراسل في خارج البلد بما يملكه المستورد من عملة محلية حاضرة عنده (البنك) في الداخل. و بذلك تصبح ذمة البنك المراسل في الخارج مدينة للمستورد، و حينئذ يقوم المستورد بتحويل دائنه المصدر على ذلك البنك الأجنبي.

336

مثال ذلك: إن البنك في الداخل مدين للمستورد بعملة محلية و في الخارج مالك للعملة الأجنبية في ذمة البنك المراسل، و حينئذ فيقوم البنك ببيع ما يملكه من العملة الخارجية بما يملكه العميل المستورد من العملة الداخلية عنده و بموجب هذا البيع يصبح العميل المستورد مالكا للعملة الأجنبية في ذمة البنك الأجنبي مقابل ما ملكه البنك الداخلي من رصيده من العملة الداخلية، و عندئذ فبإمكان المستورد ان يحيل دائنه المصدر على ذلك البنك الاجنبي المراسل فتكون هنا عمليتان: الأولى: بيع الدين. الثانية: حوالة الدين. و كل ذلك جائز شرعا، و هل يجوز للبنك حينئذ أن يأخذ عمولة لقاء قيامه بعملية بيع عملة اجنبية بعملة محلية، و الجواب يجوز له ذلك على أساس ان هذه العملية بحاجة إلى مئونة زائدة على ما تتطلبه طبيعة البيع، و بإمكانه أن يضيف العمولة إلى الثمن في عملية البيع. الثاني: إن البنك يقوم بتسديد دين عميله المستورد لدائنه الاجنبي بغير جنسه في الخارج بواسطة فرعه أو بنك مراسل، و هذا جائز شرعا مع رضا الدائن به، و له ان يتقاضى عمولة لقاء تسديد دينه في غير مكانه الطبيعي إذا طلب منه ذلك كما هو المفروض في المقام. الثالث: إن العميل المدين يحيل دائنه المصدر على البنك في الداخل بعملة أجنبية، و حيث إن البنك لا يكون مدينا له بهذه العملة، و إنما هو مدين له بعملة داخلية، فيكون هذا من الحوالة على البري، فإن قبل البنك صحت و إلا فلا. و يجوز للبنك أن يتقاضى عمولة لقاء قبوله الحوالة. نعم قد تكون الحوالة المصرفية مجرد إصدار أمر من البنك إلى البنك المراسل في الخارج بدفع مبلغ محدد للمصدر، و هذا ليس حوالة بالمعنى الفقهي، فإن المصدر لا يصبح بذلك مالكا لقيمة التحويل في ذمة البنك المراسل، فإنه إنما يملك المبلغ بالتسليم و القبض مباشرة أو بالتوكيل، و هذه العملية جائزة شرعا، و للبنك أن يتقاضى عمولة لقاء قيامه بها إذا طلب منه ذلك.

337

(19) قبول البنك الودائع من عملائه

الودائع على ثلاث أقسام الأول: الودائع الثابتة. و هي رءوس أموال يقوم عملاء البنك بتقديمها إليه في فترة زمنية محددة بدافع الادخار و الاستثمار، و ليس من حقهم المطالبة بها في تلك الفترة المحددة. الثاني: الودائع المتحركة. و هي ودائع تحت الطلب التي يطلق عليها اسم الحساب الجاري، و لمودعها الحق في أن يسحب أي مبلغ على ذلك البنك، شريطة أن لا تزيد قيمة المبلغ المسحوب عما هو له من الرصيد عنده. نعم قد يسمح البنك له في أن يسحب مبالغ يعين البنك مقدارها، على أساس عنصر الثقة بينهما، و يسمى ذلك بالسحب على المكشوف. الثالث: ودائع التوفير. و لا فرق بين القسم الثاني و الثالث، فإن كليهما تحت الطلب، و المودع متى شاء قادر على السحب، إلا أن البنك بموجب نظامه التقليدي ملتزم بتقديم الفائدة على ودائع التوفير و لو بنسبة ضئيلة. هذا بحسب مصطلحات البنوك و المصارف الربوية. و أما بالنظر إلى مفهوم الوديعة في الفقه الإسلامي، فلا يمكن أن تكون الاموال وديعة عند البنوك حتى تخرج فوائدها عن كونها فوائد ربوية على القرض، لأن المودعين يسمحون للبنك التصرف فيها بكامل حريته و سلطنته من التصرفات الاعتبارية و الخارجية، و من الواضح إنه لا يراد بهذا الإذن السماح له بالتصرف مع بقاء الوديعة في ملك صاحبها، و إلا لزم حينئذ أن يعود الثمن و الربح معا إلى المالك بقانون المعاوضة لا إلى البنك بل يراد بالإذن المذكور السماح للبنك بتملك الوديعة على وجه الضمان بالمثل، و هو معنى القرض، و عليه فتكون الفوائد التي يدفعها البنك إلى المودعين فوائد على القرض و هي ربا المحرم شرعا. نعم، قد ذكرنا في مقدمة الكتاب إن الأموال المودعة لدى البنك و إن أمكن كونها وديعة بالمعنى الفقهي، إلا إنه مجرد تصور نظريا و لا واقع موضوعي له خارجا، و على هذا فتلك الاموال ليست وديعة فقهية، بل هي قروض ربوية، و المبالغ التي يتقاضاها المودعون فوائد على القرض و هي محرمة،

338

و هل بإمكاننا إيجاد بديل لهذه الفوائد و التخلص من كونها فوائد ربوية أو لا؟

و الجواب: نعم، انه ممكن شريطة أن لا يتقيد البنك بنظامه التقليدي الربوي، و يمارس عملياته على طبق النظام الإسلامي، إذ حينئذ بإمكانه أن يقوم بهبة مبلغ للمودع مسبقة، و يشترط في ضمنها الاقراض بمبلغ معين إلى فترة و يلحظ في الهبة نسبة الفائدة الربوية على القرض بعين الاعتبار، و لا مانع من ذلك شريطة أن تكون الهبة بينهما واقعية لا صورية، و إن كان الدافع من ورائها القرض المماثل، إلا أن ذلك كما لا يجعل الهبة صورية كذلك لا يجعل القرض ربويا، كما إن بإمكان البنك أن يقوم بعملية بيع شي‌ء للمودع بثمن أقل مسبقا، و اشتراط قرض مبلغ معين عليه في مدة محددة، أو يقوم بالمصالحة كذلك. و الخلاصة: إن بإمكان كل من البنك و المودع إيجاد البديل الإسلامي للفائدة الربوية و التعامل به بدلا عن التعامل بالفائدة على القرض التي هي محرمة شرعا.

(20) الشيكات المصرفية و كيفية تخريجها الشرعي

الشيكات المصرفية: كما قد يسحب العميل صاحب الحساب الجاري لدى البنك شيكا عليه، كذلك قد يسحب البنك نفسه شيكا لصالح عميله على البنك المراسل في البلد الأجنبي، فيقدم العميل الشيك إلى البنك المسحوب عليه لتسلم قيمته، و تؤخذ قيمة الشيك من حساب البنك لدى البنك المسحوب عليه، و هنا حالتان: الأولى: أن لا يكون للعميل المستفيد رصيد مالي بالعملة الداخلية عند البنك الساحب. الثانية: ان يكون له رصيد مالي كذلك. ففي الحالة الأولى بما أن الشيك مجرد تسهيل مصرفي للعميل دون غطاء و رصيد مالي، فيمكن تخريج ذلك بأحد وجوه: الأول: أن يعتبر الشيك من البنك الساحب أمرا منه للبنك المسحوب عليه باقراض العميل من رصيده الدائن لديه، فإذا تمت عملية القرض أصبح العميل المستفيد مدينا للبنك الساحب. و هذه العملية جائزة شرعا، و يجوز أخذ العمولة عليها من الناحية الشرعية، على أساس‌

339

أحد تخريجين: الأول: أن للبنك الساحب ان يتقاضى عمولة لقاء قيامه بعملية اقراض العميل في الخارج بواسطة البنك المراسل بعملة أجنبية، على أساس ان هذه العملية بحاجة إلى بذل جهد و عمل زائد على مجرد دفع المال المقترض إلى المقترض، و لها قيمة مالية زائدة على قيمة نفس المال المقترض. نعم، إذا لم تتوقف عملية الاقراض على بذل جهد زائد على مجرد دفع المال المقترض، فليست لها قيمة مالية زائدة على المال المقترض، و لا يجوز أخذ العمولة عليها. و الخلاصة: إن عملية الاقراض إذا توقفت على بذل عمل و جهد زائد كما إذا طلب العميل الاقراض في مكان آخر كان من حق المقرض أن يأخذ عمولة لقاء تحمله الجهد الزائد. الثاني: إن العميل المستفيد بما انه أصبح مدينا للبنك الساحب بعملة أجنبية، فللبنك الساحب أن يبيعها عليه بعملة داخلية حاضرة و يضيف إليها مقدار الفائدة على القرض، و لا مانع من ذلك، على أساس ان أحكام الصرف لا تترتب على الأوراق النقدية. الثالث: إن الشيك الصادر من البنك الساحب يعتبر أمرا للبنك المسحوب عليه باقراض العميل قيمة الشيك من ماله الخاص بضمان البنك الساحب، و بذلك يصبح العميل مدينا للبنك المسحوب عليه، و هذه العملية جائزة شرعا، و إذا طلب من البنك القيام بها كان له أن يأخذ عمولة لقاء ذلك و لا يقبل القيام بها مجانا، حيث لا يجب عليه أن يقوم بإصدار شيك على بنك أجنبي في الخارج بإقراض عميله بعملة أجنبية مع الضمان و التعهد بالاداء مجانا و بدون عمولة. نعم، ليس للبنك المسحوب عليه أن يأخذ عمولة لقاء قيامه بعملية الاقراض، على أساس ان قيامه بها لا يتوقف على بذل جهد زائد على دفع نفس المال إلى الشخص المقترض لأن مالية الاقتراض في نظر العرف و العقلاء إنما هي مالية المال المقترض، و ليس لنفس عمل الاقراض بما هو عمل مالية زائدة ما لم يتوقف على بذل جهد و عمل زائد، و على هذا فإذا أخذ البنك المسحوب عليه عمولة من العميل المستفيد لقاء قيامه بعملية الاقراض له، فهي زيادة على المال المقترض و محرمة. الرابع: إن البنك الساحب يبيع ما يملكه في ذمة البنك المسحوب عليه من عملة أجنبية‌

340

بسعر مساو لقيمة الشيك في ذمة العميل المستفيد بالعملة الداخلية الحاضرة، و يضيف على الثمن مقدار الفائدة على القرض. و هذا العمل جائز شرعا، و لا بأس بهذه الزيادة ما دامت العملية عملية البيع و الشراء دون القرض. و في الحالة الثانية: يمكن تخريج الشيك المصرفي من الناحية الشرعية بأحد وجوه: الأول: إن البنك الساحب يقوم ببيع في حدود قيمة الشيك من العملة الأجنبية في ذمة البنك المراسل بالعملة المحلية التي يملكها العميل المستفيد في ذمته و بذلك يصبح المستفيد مالكا للعملة الأجنبية في ذمة البنك المراسل بدلا عما يملكه البنك الساحب ما يساوي قيمة الشيك من العملة المحلية من رصيد العميل عنده، و هذه العملية جائزة شرعا، شريطة أن لا يكون الثمن مؤجلا أيضا في عقد البيع حتى لا يكون من بيع الدين بالدين، و يجوز للبنك أن يأخذ من العميل المستفيد عمولة لقاء تسديد دينه في بلد آخر غير بلد القرض. الثاني: إن بإمكان البنك الساحب أن يحيل دائنه المستفيد على البنك المراسل، و حيث إن البنك مدين للمستفيد بعملة داخلية، فلا بد أن تكون هذه الحوالة مسبوقة ضمنا بعقد بيع بين العمليتين لكي يكون البنك مدينا للمستفيد بعملة خارجية، و حينئذ فيتاح له أن يحيل المستفيد على البنك المراسل المدين له بالعملة الاجنبية حتى يكون من حوالة الدائن على المدين. و كل ذلك جائز شرعا، و كذا يجوز للبنك أن يأخذ عمولة من المستفيد لقاء قيامه بتسديد دينه في غير مكان القرض. الثالث: إن للبنك الساحب أن يفوض عميله الدائن المستفيد من الشيك بتسلم قيمة الشيك من البنك المسحوب عليه وفاء لما يملكه في ذمة البنك الساحب من العملة الداخلية، و لا مانع من ذلك، لأنه من وفاء الدين بغير جنسه و هو جائز شرعا برضا الدائن. و يجوز للبنك أن يأخذ عمولة من العميل المستفيد لقاء دفع دينه في غير مكانه بموجب طلبه.

341

(21) بطاقات الائتمان و أنواعها و تكييف تخريجها الشرعي

بطاقات الائتمان: إن بطاقة الائتمان من أهم الخدمات المصرفية في العالم في العصر الحاضر، فإنها تحقق أمانا كبيرا للإنسان على أمواله من حملها معه في السفر و الحضر، حيث إن في حملها خطرا على المال من الضياع و السرقة، بل على النفس إضافة إلى متاعب اخرى، فالإنسان بدلا عن أن يحمل النقود معه لتوفير متطلباته و حاجياته في حال السفر و الحضر يحمل معه بطاقة الائتمان و يستعملها في توفير حاجياته من التسويق اليومي و قطع التذاكر للسفر و أجور الفنادق و المطاعم و السيارات و الخدمات في المحطات للقطارات و محطات البنزين و غيرها و المحلات التجارية لشراء السلع و البضائع و سحب النقود من البنوك و أجهزة الصرف الآلي إذا دعت الحاجة إليها و نحوها من الحوائج، كل ذلك شريطة أن لا تتجاوز عن الحد الاعلى للائتمان الذي توفره له البطاقة. البطاقة الائتمانية علاقة بين الأطراف الثلاثة الطرف الأول: الجهة التي تصدر البطاقة، و هي في الغالب البنوك و المصارف، و قد تكون جهة أخرى كالشركات العامة أو الخاصة أو المنظمات. الطرف الثاني: الجهة التي تحمل البطاقة، و هي عملاء شراء البطاقة. الطرف الثالث: الجهة التي تقبل البطاقة، و هي عملاء البيع بالبطاقة. فحامل البطاقة عند ما يرغب شراء سلعة او خدمة أو الحصول على نقود أو غير ذلك، فما عليه إلا ان يبرز تلك البطاقة للطرف الثالث المسمى بالتاجر، فإذا أبرزها له قدم التاجر إليه ما أراده من السلعة او الخدمة أو النقود او غير ذلك، ثمّ يسجل رقم بطاقته و توقيعه على قسيمة تبين ثمن السلعة أو الخدمة بعد التأكد من صحة البطاقة و تاريخ انتهاء صلاحيتها، ثمّ يقوم التاجر بتقديم تلك القسيمة إلى الطرف الأول (مصدر البطاقة) مباشرة أو بالواسطة، فيحصل على المبلغ المدون‌

342

عليها مطروحا منه رسم يتراوح بين 1 إلى 4 أو أكثر على إختلاف البطاقات الائتمانية باختلاف الشركات التي تصدرها، و الجهة المصدرة ملتزمة بدفع المبلغ بمجرد التأكد من دقة البيانات، بقطع النظر عما إذا كان حامل البطاقة قد سدد الثمن للبنك أو لا، باعتبار إن ذمتها قد اشتغلت به بقبولها الحوالة تجاه التاجر ثمّ يقوم بإرسال فاتورة إلى حامل البطاقة في كل شهر مرة تتضمن تمام مشترياته بالبطاقة في فترة شهر واحد، و تطالبه بدفع ما تضمنته الفاتورة من المبلغ.

(22) أنواع البطاقات الائتمانية و أحكامها شرعا

أنواع البطاقات الائتمانية‌

النوع الأول: بطاقة الائتمان باسم الخصوم أو المدينة،

و هو متمثل في بطاقة يصدرها البنك مشروطا بأن يكون للعميل حساب مصرفي عنده أو عند أي بنك آخر، و لا يكون حسابه أقل من الحد الأعلى للائتمان الذي توفره له البطاقة و هو ما يسمى بالخط الائتماني، و لا يسمح له بأن ينخفض رصيد حسابه المذكور عن ذلك المبلغ، و هذا نوع من الضمان النقدي، و على هذا فكلما أستخدم العميل البطاقة في شراء حاجياته و توفير متطلباته، يقوم البنك المصدر بالسحب من رصيده مباشرة لتسديد قيمة الفاتورة المرسلة إليه من التاجر، و هذا النوع من البطاقات متواجد في كثير من الدول النامية.

النوع الثاني: بطاقة الائتمان العادية،

و هذه البطاقة تمتاز عن النوع الأول في عدم اشتراط الجهة المصدرة لها، بأن يفتح العميل حسابا ماليا عندها لا يقل عن الحد الأعلى للائتمان الذي توفره له البطاقة، فالحصول عليها لا يكون منوطا بوجود مثل ذلك الحساب، و على هذا فحامل البطاقة إذا اراد استخدامها لشراء السلع أو الخدمة أو غيرها قام بإبرازها للطرف الثالث و هو بعد التأكد على صحتها وافق على تقديم ما اراد حامل البطاقة واخذ توقيعه على الفاتورة و رقم البطاقة و هذه الموافقة ليست من جهة ان حامل البطاقة يحصل على قرض ائتمان مساوي لقيمة السلع و الخدمة من الجهة المصدرة او تماميتها باعتبار ان صحة القرض منوط بقبض المال المقترض حتى تشتغل ذمته بمثله و هذا الشرط غير متوفر في المقام بل من جهة ان الطرف الثالث كان يعلم بأن الجهة المصدرة متعهدة بأداء قيمة السلع أو الخدمات و الحاجيات للطرف الثالث و مسئولة عنه عند وصول الفاتورة إليها و يحدد الحد الأعلى للتعهد لكل عميل الحد الأعلى من الائتمان الذي توفره له البطاقة‌

343

المسمى بخط الائتمان و في هذه الحالة يلتزم حامل البطاقة طبقا لشروط الاصدار بتسديد كامل مبلغ الفاتورة خلال فترة لا تزيد عن ثلاثين يوما من تاريخ استلامه لها، و في حالة المماطلة يقوم المصدر بالغاء عضوية حامل البطاقة و سحبها منه و ملاحقته قضائيا لتسديد ما تعلق بذمته من المبلغ المذكور و أشهر أنواع هذه البطاقات أمريكان أكسبريس.

النوع الثالث: بطاقة الائتمان القرضية،

و تمتاز هذه البطاقة عن النوع السابق في نقطة، و هي إن الائتمان الذي تخلقه هو عدم الزام حامل البطاقة بدفع المبلغ تماما عند تسلمه للفاتورة الشهرية، و الغالب الزامه بدفع نسبة ضئيلة منه، و يظل الباقي في ذمته، و يقوم شهريا بدفع فوائد التأخير، و تحسب الفوائد بصفة يومية على المبالغ المتبقية، و أشهر أنواع هذه البطاقة (بطاقة فيزا) و هناك أنواع أخرى من البطاقة الائتمانية التي تستخدم في جهات خاصة، و لكن حيث أنه لا دخل لها في حكم البطاقة من وجهة النظر الشرعية فلا مبرر للدخول في تفصيلاتها، كما إن امتياز بعض أقسام البطاقات عن بعض أقسامها الأخرى غير دخيل في حكمها كبطاقة فيزا، فإنها على ثلاثة أقسام: القسم الأول: بطاقة الفيزا الفضية. القسم الثاني: بطاقة الفيزا الذهبية. القسم الثالث: بطاقة الفيزا الألكترونية. و تمتاز الأولى عن الثانية في نقطة، و هي ان الأولى ذات حدود ائتمانية منخفضة نسبيا، و الثانية ذات حدود ائتمانية عالية، فإنها إضافة إلى الخدمات المتوفرة للبطاقة السابقة، تأمينا على الحياة و خدمات أخرى دولية فريدة، كاولوية الحجز في مكاتب السفر و الفنادق و التأمين الصحي و الخدمات القانونية، و أما الأخيرة فهي تستخدم في جهة خاصة، و هي أجهزة الصرف الآلي الدولي.

344

(23) طبيعة العلاقة بين الأطراف الثلاثة للبطاقة الائتمانية و أحكامها من وجهة النظر الشرعية

1- العلاقة بين الجهة المصدرة للبطاقة و بين حاملها

يمكن تفسير هذه العلاقة بأحد أمرين: الأول: على أساس الضمان العقدي، و نريد به تعهد الجهة المصدرة للبطاقة لأداء ديون حاملها تجاه التاجر الذي يشتري منه حاجياته بابرازه البطاقة له و جعلته في مسئوليتها، لا نقل الدين من ذمة إلى ذمة، بل الدين قد ظل في ذمة الحامل للبطاقة، و الجهة المصدرة جعلت نفسها مسئولة عن الأداء، فاذا قامت بأدائه و أدّته اشتغلت ذمة الحامل بنفس المبلغ لتلك الجهة، و برأت ذمته عن التاجر. الثاني: على أساس تعهد الجهة المصدر للبطاقة لقبول الحوالة من حاملها المدين للتاجر الذي اشترى منه السلع و البضائع بابراز البطاقة له، فإنه بعد الشراء يحيله على تلك الجهة، و هي ملزمة بقبولها على أثر تعهدها في عقد البطاقة و إن لم يكن له رصيد مالي عندها، ثمّ إن الظاهر منهما التفسير الثاني، و عليه فالعلاقة بينهما متمثلة في تعهد الجهة المصدرة بقبول الحوالة من العضو الحامل للبطاقة لثمن المشتريات بها، و الأمارة على الحوالة هي توقيع الحامل على القسيمة. و قد تسأل: هل يمكن أن تكون العلاقة بينهما على أساس الوكالة بأن تكون الجهة المصدرة و هي البنك وكيلة عن حامل البطاقة في أداء دينه تجاه التاجر؟

و الجواب: الظاهر أنه لا يمكن أن تكون العلاقة بينهما على أساس الوكالة في جميع أنواع البطاقات الائتمانية. نعم، إن العلاقة بينهما في النوع الأول من البطاقة الائتمانية، و هو ما إذا كان لحامل البطاقة رصيد مالي عنده لا تبعد أن تكون بنحو الوكالة، بأن يكون البنك وكيلا عنه في أداء دينه تجاه التاجر من رصيده، و أما في النوعين الآخرين فهي بعيدة و بحاجة إلى مئونة زائدة. و قد تسأل: هل يمكن أن تكون العلاقة بينهما على أساس عقد القرض، بأن تقوم الجهة المصدرة بإقراض العميل الحامل للبطاقة بمقدار ما اشتغلت به ذمته تجاه التاجر أوتوماتيكيا،

345

و هذا يعني: ان العميل هل يحصل بصرف استخدامه للبطاقة على قرض اوتوماتيكي من الجهة المصدرة؟

و الجواب: أنه لا يمكن ان تكون العلاقة بينهما من باب القرض، فان المعتبر في صحة القرض و تحققه أن يقبض المقترض مبلغ القرض، و هذا لا يوجد في شي‌ء من صيغ البطاقة الائتمانية، إلا إذا فرض أن العميل وكل البنك في قبض مبلغ القرض منه وكالة، ثمّ يؤدي دينه كذلك، و لكن هذا مجرد افتراض و خارج عن مرتكزات المتعاملين بها. و الخلاصة: أن العلاقة بينهما على اساس التعهد و الالتزام من الجهة المصدرة بقبول الحوالة من الحامل في عقد البطاقة، و هذا المعنى هو المتبادر في الأذهان و المرتكز في أعماق نفوسهم، حيث أن العميل عند ما يبرز بطاقته للتاجر، فإنه بعد التأكد من صحتها يحصل له اليقين بأن الجهة المصدرة متعهدة بأداء ثمن البضائع أو الخدمات و مسئولة أمامه.

2 العلاقة بين حامل البطاقة و التاجر:

الظاهر ان هذه العلاقة بينهما متمثلة في عقد الحوالة، فإن العميل الحامل للبطاقة عند ما يشتري سلعة أو خدمة من التاجر باستخدامه البطاقة تشتغل ذمته بقيمتها له، فيكون العميل حينئذ مدينا و التاجر دائنا، و يقوم العميل المدين عندئذ لعملية الحوالة فيحيل التاجر الدائن على الجهة المصدرة للبطاقة، و يكون توقيعه على الفاتورة المرسلة إلى تلك الجهة يدل على الاحالة و التاجر يقبلها فيرسل الفاتورة الى الجهة المصدرة التي تقوم بدفع المبلغ له، و لا فرق في ذلك بين أن تكون تلك الجهة مدينة لحامل البطاقة أو لا، فإن الحوالة على الثاني و ان كانت حوالة على البري‌ء، إلا أن إصدارها البطاقة الائتمانية بمثابة قبولها الحوالة، فعلى كلا التقديرين فهي ملزمة بقبولها الحوالة، و حينئذ فتصبح بموجب هذه الحوالة مدينة للتاجر بديلا عن حامل البطاقة. و يمكن ان نتصور بان العلاقة بينهما متمثلة في الوكالة، فحامل البطاقة يجعل التاجر وكيلا عنه في الاقتراض من البنك أي: البنك المصدر للبطاقة باسمه، ثمّ يقوم بتسديد دين الحامل وكالة عنه لنفسه، و لكن هذا التصور بعيد عن أذهان المتعاملين بالبطاقة كما مر.

346

3 العلاقة بين التاجر و الجهة المصدرة للبطاقة:

هي علاقة المحال و المحال عليه، على أساس ان حامل البطاقة يحيل التاجر على تلك الجهة و يترتب على ذلك كون الجهة المصدرة مدينة للتاجر، و هذا إضافة إلى أن التاجر من عملاء البيع بالبطاقة أو خدمة أخرى، فتكون علاقته بالجهة المصدرة علاقة العميل، و معنى ذلك: أنه قبل تمام شروط البطاقة منها اقتطاع الجهة المصدرة من ثمن البضائع عند تسديده بنسبة مئوية محددة.

قد يقال: كما قيل إن الفاتورة التي وقع عليها المشتري أي: حامل البطاقة، هي كمبيالة مستحقة الدفع يقوم التاجر بحسمها لدى البنك المصدر فاذن تكون علاقة التاجر مع البنك المصدر علاقة البيع و الشراء، فإن التاجر يقوم ببيع قيمة الفاتورة في ذمة المشتري للبنك نقدا بأقل منها، فيكون من بيع الدين نقدا بالأقل.

و الجواب: أولا: ان الفاتورة ليست من الأوراق التجارية كالكمبيالة، بل هي قائمة فيها قيمة الاشياء المشتريات، و توقيع المشتري عليها أمارة على الحوالة لا على انها كمبيالة، فإذا لا وجود للبيع و الشراء. و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم انها كمبيالة، و لكن قد مر أن الاظهر بطلان بيع الدين نقدا بالاقل منه، و أما اقتطاع البنك من الثمن بنسبة مئوية فهو على أساس القرار بينه و بين التاجر لقاء ما قدمه البنك المصدر من الخدمة له و قبول التاجر ذلك، و لهذا لا إشكال فيه شرعا.

العمولة على البطاقات الائتمانية و تخريجاتها الفقهية:

من حق الجهة المصدرة للبطاقات الائتمانية و توفيرها للعملاء المستثمرين و رجال الأعمال و السياح أن تتقاضى عمولة لقاء قيامها بهذه الخدمة القيمة التي هي أمان للإنسان على ماله و نفسه، و لا يحتاج مع وجودها إلى حمل أي نقود معه، مع أن ما في حمل النقود من خطر السرقة و الضياع و عوائق و متاعب أخرى، و إنها توفر له الراحة و الطمأنينة و الثقة، و تسهل له الحصول على ما يرغب إليه من شراء سلعة أو خدمة او نقود إذ ليس عليه حينئذ إلا إبراز البطاقة للتاجر. و يمكن تخريج هذه العمولة من الناحية الشرعية بأحد وجوه: الأول: أن تكون من باب أجرة المثل، على اساس أن تزويد العميل بالبطاقة انما كان بامره و طلبه من ناحية،

347

و عدم تحديد الاجرة في عقد من ناحية أخرى. الثاني: ان تكون من باب الجعالة، بمعنى: إن العميل يجعل أجرا و جعلا للمصدر لقاء قيامه بهذه الخدمة، بأن يقول له ان زودتني بالبطاقة الائتمانية فلك كذا مبلغا من المال في رأس كل شهر، و حينئذ فإذا قام و زوده بالبطاقة استحق الجعل حسب ما عين و حدد. و بكلمة: ان استحقاق الجعل المحدد في الجعالة ليس في الحقيقة إلا بملاك ضمان عمل غيره بأمره به لا على وجه التبرع، فإذا امرت الخياط مثلا بان يخيط ثوبك كذا او الكاتب بان يكتب لك الدفتر الفلاني، فاذا خاط أو كتب فعليك قيمة عمله من الخياطة او الكتابة، بمعنى: ان ذمتك تشتغل باجرة المثل، و هذا قسم من الضمان الغرامة في الاعمال على حد ضمان الغرامة في الاموال، و في هذه الحالة بامكانك ان تحول اجرة المثل منذ البدء الى مقدار محدد، فتقول: من خاط ثوبي الفلاني فله دينار، و حينئذ فيكون الضمان بمقدار ما حدد في هذا الجعل، و يسمى هذا جعالة، فالجعالة في الحقيقة تنحل إلى جزءين: أحدهما: الامر الخاص أو العام بالعمل الذي له قيمة. و الآخر: تعيين مبلغ معين بازاء ذلك، فالجزء الأول من الجعالة هو ملاك الضمان، أي: ضمان الغرامة لا الضمان المعاوضي. و الجزء الثاني يحدد قيمة العمل المضمون، فاجرة المثل هي الاصل في الضمان ما لم يحصل الاتفاق على غيرها، و على هذا الاساس فان عين العميل الاجرة للجهة المصدرة لقاء تزويده بالبطاقة ضمن نفس الاجرة المحددة، و إلأ فأجرة المثل. الثالث: انها عوض في المعاقدة بينهما بالتراضي، فانهما يتفقان على ان تقوم الجهة المصدرة باصدار البطاقة له و تزويده بها مقابل مبلغ محدد بنسبة مئوية في رأس كل شهر، و لا بأس بهذه المعاقدة بينهما شرعا فانه و ان لم ينطبق عليها شي‌ء من العناوين الخاصة للمعاملات، الا أنه يكفي في صحتها شرعا عموم قوله تعالى: ( (إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ)) على اساس ان عنوان التجارة عن تراض يصدق عليها.

348

و قيل أنه لا يجوز شرعا استخدام هذه البطاقات، بدعوى: ان المبالغ التي تحصل عليها الجهة المصدرة للبطاقة، كالبنك او الشركة بطريق الحسم من اثمان البضائع و الخدمات عند سداد قيمتها عن اصحابها، ما هي في الحقيقة الا فائدة يدفعها حامل البطاقة الى الجهة المصدرة و هذه الفائدة تعتبر مقابلا لاقراض الجهة المصدرة المبلغ له بالسداد نيابة عنه الى ان يقوم الحامل بدفع القرض لها، و هذه فائدة ربوية محرمة.

و الجواب: ان اقتطاع مصدر البطاقة عن اثمان البضائع و الخدمات عند سداد قيمتها بنسبة 2% إلى 4% ثمّ أخذ هذه النسبة من حامل البطاقة ليس بملاك فائدة على الدين، لان حامل البطاقة و ان اصبح مدينا للجهة المصدرة اذا لم يكن له رصيد مالي لديها عند ما قامت الجهة لدفع اثمان البضائع و الخدمات للتاجر، سواء أ كان قيامها لذلك بالوكالة و النيابة عنه ام بالحوالة عليها، و لكنه مدين بقدر ما دفعته الى التاجر دون الزائد، و أما اخذ الزائد فهو ليس بعنوان الفائدة على الدين، بل من اجل تزويده بالبطاقة و حصوله عليها، حيث انها خدمة كبيرة له. و بكلمة: ان تقديم البنك او الشركة البطاقة للعميل ليس على وجه التبرع، بل لقاء ما اقتطعه من اثمان السلع و الخدمات بنسبة مئوية محددة، و العميل يأخذها في مقابل ذلك، و هذا هو المرتكز في اذهان المتعاملين من بطاقات الائتمان، فاذن ما اقتطعته من الاثمان ليس فائدة على الدين، هذا اضافة الى ان ذلك لا يتم اذا كان للعميل رصيد مالي لدى المصدر إذ حينئذ لا موضوع للدين هذا من ناحية، و من ناحية اخرى إن الظاهر من استخدام العميل البطاقة لشراء السلع او الخادمات او الحصول على النقود من الطرف الثالث، هو احالته على المصدر من باب احالة الدائن على المدين أو على من تعهد بقبول الحوالة لا التوكيل و الاستنابة في اداء الدين عنه. و الحاصل: إن الظاهر و المرتكز في الذهن ان استخدام العميل البطاقة في شراء السلع او الخدمات او غير ذلك من الطرف الثالث، احالة لذلك الطرف اتوماتيكيا على الجهة المصدرة في اخذ اثمان البضائع و الخدمات منها بلا فرق في ذلك بين ان يكون له رصيد مالي عندها أو لا باعتبار ان معنى تزويدها العميل بالبطاقة تعهد منها بتسديد الاثمان و ان لم يكن للعميل رصيد مالي لديها، و نتيجة ذلك ان العميل اذا استخدم البطاقة لشراء البضائع او الخدمات و اشتراها و وقع على فاتورة المشتريات، فهذه منه حوالة على تلك الجهة تلقائيا.

349

و الخلاصة: ان المرتكز من البطاقات الائتمانية و التعامل بها ان الزيادة انما هي في مقابل تمتع العميل بالبطاقة لا في مقابل الدين. نعم، هنا اشكال في خصوص النوع الثاني من البطاقة الائتمانية و النوع الثالث، اما في النوع الثاني فلان حاملها ملتزم بدفع ما عليه من اثمان البضائع او الخدمات خلال ثلاثين يوما و الا تقوم الجهة المصدرة بالغاء عضويته في البطاقة الائتمانية و ملاحقته عند اجهزة القضاء و الامن لارغامه على الدفع، و تنص عقود هذا النوع من البطاقات على ان العضو ملتزم بدفع الفوائد على المبالغ المتأخرة ابتداء من تاريخ الغاء عضويته، و هذا شرط ربوي. و أما في النوع الثالث فعقده لا يوجب الزام العميل بدفع ما عليه من الديون خلال ثلاثين يوما عند تسلمه الفاتورة الشهرية و لكنه ملزم بدفع فائدة على التأخير، و تحسب الفوائد يوميا على المبالغ المتبقية على ذمة العميل و هذا ربا. و قد تسال: هل يمكن تخريج ذلك فقهيا من الناحية الشرعية أو لا؟

و الجواب: يمكن ذلك بأحد وجهين: الأول: ان البنك المصدر يجعل العميل في عقد البطاقة وكيلا عنه في شراء السلع او الخدمات على ذمته، ثمّ يقوم ببيعها وكالة عنه على نفسه، و يشترط في ضمن هذا البيع على نفسه من قبل البنك وكالة ان يدفع له دينارا في رأس كل شهر يتاخر فيه عن دفع الثمن، و لا مانع من ذلك لانه ليس ربا فان الزامه بدفع الدينار انما هو بحكم البيع لا بحكم عقد القرض و ليس في مقابل الاجل. نعم لو شرط ان يكون له دينار في مقابل التأجيل بنحو شرط النتيجة لم يصح، لانه من اشتراط الربا. و بكلمة: كما يمكن للبائع ان يشترط على المشتري ان يهب له دينارا في كل شهر إلى ستة اشهر مثلا، كذلك له ان يشترط عليه ان يدفع له دينارا في كل شهر يتأخر فيه عن دفع الثمن، ثمّ ان هذا التخريج الفقهي مبني على ان يشترط العميل على البنك في عقد البطاقة ان يكون وكيلا عنه في شراء البضائع او الخدمات بالبطاقة على ذمته، ثمّ يبيعها على نفسه وكالة منه، و الا فلا تخريج له شرعا.

350

الثاني: ان البنك المصدر يتعهد في ضمن عقد البطاقة ان لا يقبل الحوالة من العميل اذا لم يكن له رصيد مالي عنده الا لقاء عمولة يقتطعها من الفاتورة الشهرية بنسبة مئوية لا مجانا، إذ من حقه ان لا يقبل بدون عمولة اذا كان بريئا، و أما اذا كان مدينا للعميل، فهو ملزم بقبول الحوالة شرعا، و لا يجوز له ان يتقاضى عمولة لقاء عملية اداء الدين، فانها وظيفة المدين و هو ملزم بها شرعا و ان استلزمت مزيد جهد و انفاق عمل، و أما اذا كان البنك وكيلا عن العميل في تسديد ديونه، فله ان لا يقبل الوكالة عنه الا لقاء عمولة محددة، حتى فيما اذا كان له رصيد مالي عنده اذ لا يكون ملزما بقبول الوكالة عنه في اداء دينه لدائنه و لو من ماله عنده مجانا، و لكن هذا الوجه لا يدفع الاشكال عن اشتراط الفوائد على تاخير الديون المتبقية على ذمة العميل، لانه من اشتراط الربا، و انما يدفع الاشكال عن ذلك، على اساس امكان تبديل ذلك باخذ تلك الفائدة بعنوان العمولة لقاء قبول الحوالة أو الوكالة، و يمكن تخريج ذلك فقهيا بالنسبة الى خصوص تعامل حامل البطاقة بها فحسب دون مصدرها، فانه يجوز للعميل الدخول في عضوية عقود البطاقة و اشتراكه فيها و حصوله عليها إذا كان ملتزما بالدفع خلال الفترة المسموح بها، أو كان له رصيد مالي عند المصدر لا يقل عن الحد الأعلى من الائتمان الذي توفره له البطاقة. و أما اذا كان العضو الحامل غير ملتزم بالدفع خلال الفترة المسموح بها فهل يجوز له الدخول في عضوية عقد البطاقة في النوع الثالث من البطاقات الائتمانية أو لا؟

و الجواب: أنه لا مانع من دخوله فيها و حصوله على البطاقة و التعامل بها، و أما اشتراط المصدر الفائدة على تأخير الدين الثابت في ذمته فهو و ان كان شرطا ربويا، إلا أن بإمكان حامل البطاقة عدم الالتزام به، بل وظيفته ذلك و فساده لا يوجب فساد العقد حتى لو قلنا بأن الشرط الفاسد مفسد، فإن هذا الشرط ليس شرطا للعقد أي: عقد البطاقة الواقع بين المصدر و العميل، بل هو اشتراط فائدة محددة على تأخير الدين على ذمة العميل عن الفترة المسموح بها، هذا نظير من باع داره مثلا من شخص و اشترط عليه أن يكون له مبلغ من المال في مقابل تأجيل الثمن بنحو شرط النتيجة، فان فساد هذا الشرط لا يرتبط بالبيع أصلا، لأنه لا يكون من شئون البيع و لا من شئون المبيع و لا الثمن، بل هو شرط بازاء التأجيل و التأخير للثمن، و حيث أن هذا الشرط فاسد، فلا يكون العميل ملزما به شرعا نعم هو مجبور بالعمل بهذا الشرط بمعنى انه يفي به بعنوان أنه مجبور لا بعنوان الشرط أو يتبرع به و لو بداعي أن لا تلغي الشركة المصدرة عضويته في عقد البطاقة، و في هذه الحالة فلا شي‌ء عليه.

351

نتيجة بحوث البطاقات الائتمانية:

النتائج من وجهة النظر الشرعية أمور: الأول: أنه يجوز للعميل ان يدخل في عضوية عقود البطاقة و الحصول عليها بدون فرق في ذلك بين أنواعها. الثاني: ان من حق الجهة المصدرة للبطاقة ان تتقاضى عمولة من العميل لقاء قيامها بعملية تزويده بالبطاقة، لأنها خدمة، فلا يجب عليها القيام بها مجانا و بدون أجرة. الثالث: ان الاجرة التي تتقاضاها لا تخلو من ان تكون من باب أجرة المثل، على اساس ان تزويد العميل بها إنما هو بأمره و طلبه، و هو يوجب الضمان بها أو من باب الجعالة أو المعاقدة أو المصالحة على ما تقدم شرحه. الرابع: ان الزيادة التي تأخذها الجهة المصدرة من حامل البطاقة ليست فائدة على الدين كما مر، بل هي أجرة لما قدمته من الخدمة له، فإذا لا ربا. الخامس: ان الفائدة على تاخير الدين عن المدة المقررة و ان كانت ربا، الا ان بامكان حامل البطاقة عدم الالتزام بهذا الشرط الباطل، و هذا لا يضر بصحة عقد البطاقة الواقع بينه و بين الجهة المصدرة، و حينئذ فان أجبر على دفعها فلا شي‌ء عليه، و إلا لم يجز إلا بعنوان الهبة و التبرع. السادس: يجوز للجهة المصدرة للبطاقة ان تقطع من اثمان البضائع و السلع و الخدمات عند تسديدها للتاجر بنسبة مئوية محددة، على أساس قبوله و التزامه بشروط البطاقة حيث لا يجب عليه ذلك مجانا كما تقدم. السابع: ان المتحصل من كل ذلك، أنه لا مانع شرعا من التعامل بالبطاقات بانواعها و استخدامها في السفر و الحضر في اقسام المعاملات و الخدمات السائغة من الناحية الشرعية.

352

(24) الأسهم و السندات

السهم و تعريفه:

هو أوراق مالية ذات قيمة اسمية محددة تكتب عليها، و هي تعادل حصة من رأس المال للشركة.

الشركة المساهمة:

هي التي تتكون من رءوس اموال محددة تقسم الى اسهم عديدة، و لهذه الاسهم خصائص مميزة منها تساوي قيمتها حسب ما يحددها قانون الشركة، و منها تساوي حقوقها، و منها ان مسئولية كل مساهم بقدر قيمة اسهمه، و منها قابليتها للتداول في الاسواق، و يتم تداولها وفق انظمة و اجراءات محددة في الاسواق المالية (البورصة). و تترتب على ملكية الاسهم حقوق و التزامات، منها حق بقاء مالكها في الشركة، و منها حق الاولوية في الاكتتاب، و منها حق اقتسام موجودات الشركة، و منها حق التدخل في قرارات الشركة، و منها غير ذلك.

أقسام الشركة المساهمة:

القسم الأول: الشركة المساهمة التي رأس مالها حلال و تتعامل بالحلال بكل نشاطاتها الاستثمارية،

على اساس ان نظامها التأسيسي ينص على انها تتعامل في حدود دائرة الحلال و ذلك كشركة الكهرباء المساهمة و شركة السمنت و الزراعة و المعادن و النفط و الصناعة التوليدية و غيرها، شريطة ان تقتصر تلك الشركات على اعمالها الاستثمارية في حدود دائرتها المحللة و لا تتعامل بالربا اقراضا و اقتراضا و لا غيره من الاعمال المحرمة.

القسم الثاني: الشركة المساهمة التي رأس مالها حرام او مخلوط بالحرام،

و تتعامل على الحلال و الحرام كتوليد الخمور و غيرها و الربا و غير ذلك و لا تتقيد بالحلال.

القسم الثالث: الشركة المساهمة التي رأس مالها حلال،

و لكنها لا تتقيد بنص نظامها التأسيسي على ان تتعامل بالحلال لا بالحرام.