المسائل المستحدثة

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
384 /
353

المشاركة في تلك الشركات من الناحية الشرعية:

يجوز المشاركة و المساهمة في القسم الاول من الشركات المساهمة باكتتاب اسهمه و شرائها و الاستفادة من الارباح التي تحصل الشركة عليها. و ما قيل من: ان الاسهم بما انها جزء من النظام الراس مالي فلا تتفق جملة و تفصيلا مع الاسلام غريب جدا، و ذلك لان المراد من النظام الاقتصادي الراس مالي هو ان لا يتقيد بحدود دائرة الشرع التي يتبناها الاسلام بنصوصه التشريعية المستمدة من الكتاب و السنة، و المراد من النظام الاقتصادي الاسلامي هو ما يتقيد بحدود دائرة الشرع التي يتبناها الاسلام في جميع نشاطاته الاقتصادية انتاجية كانت ام تبادلية، و لا يعترف باي نشاط اقتصادي خارج عن هذه الدائرة، و لهذا قد الغي الاسلام التعامل بالربا بكل الوانه عن الاقتصاد الاسلامي نصا و روحا، و كذلك التعامل بالخمور و انتاجها و لحوم الميتة و الخنزير و غيرها. و على هذا فيجوز المشاركة في شراء اسهم القسم الاول من الشركات المساهمة و الدخول في عضويته و الاتجار بها. و لا تجوز المشاركة في القسم الثاني من الشركات المساهمة بالقيام بعملية اكتتاب اسهمه و شرائها و الدخول في عضويته و الاستفادة من الارباح و الفوائد التي تحصل عليها الشركة، على اساس انها جميعا تعامل و انتفاع بالمال الحرام او المخلوط به و هو غير جائز. و أما القسم الثالث من تلك الشركات فهل تجوز المساهمة و المشاركة فيها أم لا؟

و الجواب: لا تجوز، لأن رأس ماله و ان كان حلالا، إلا انها لا تتقيد بموجب قراراتها التقليدية بالتعامل من طريق الحلال فانها كما تتعامل من هذا الطريق تتعامل من طريق الحرام ايضا، فمن اجل ذلك لا يجوز شراء اسهمها بغرض العضوية و المساهمة فيها و الاستفادة من ارباحها التي تحصل عليها من طريق الحلال و الحرام معا. و بكلمة: ان اسهمهما الاولية و ان كانت من اموال الحلال و لا مانع من التصرف فيها في نفسها، إلا ان شرائها بغرض المساهمة و العضوية فيها غير جائز، على اساس انه يعلم ان الشركة لا تتقيد بالتعامل بها على الحلال، و المفروض انه بموجب كونه عضوا فيها شريك في هذه العمليات، و لا فرق في ذلك بين ان يكون شرائها بقصد المساهمة و العضوية أو لا، حيث انه يعلم بكونه قد اصبح عضوا تلقائيا بمجرد الشراء و ان كان حين الشراء غافلا عن ذلك و غير قاصد، و حينئذ يكون شريكا في جميع‌

354

معاملاتها السوقية و فوائدها و لو في فترة قليلة، و ان شئت قلت ان الشركة بموجب قراراتها التقليدية غير مقيدة بالمعاملات و الاتجارات في الحدود المسموح بها شرعا اذ كما انها تقوم بالمعاملات و الاستثمارات في هذه الحدود كذلك تقوم بها في الحدود غير المسموح بها شرعا كالاتجار بالخمور و الميتة و لحم الخنزير و الربا فان حرمة هذه المعاملات و ان كانت وضعية فقط و ليست بتكليفية غير الربا فان حرمته تكليفية و وضعية معا الا ان المساهمة و المشاركة في هذه المعاملات توجب تبديل مال المساهم الحلال بالحرام فلذلك لا تجوز.

(25) سوق الأوراق المالية أو سوق تداول الأسهم و السندات

ينقسم سوق الاوراق المالية إلى قسمين:

السوق غير المنظم:

و يطلق عليه السوق غير الرسمي أو السوق المفتوح أو سوق فوق الحاجز، و كل ذلك تعبيرات عن شي‌ء واحد، و هو السوق غير الخاضع للنظم، و لا تتوفر فيه كفاءة التداول من حيث عدالة الاسعار، فان لسلوكيات الوسطاء و السماسرة و المستثمرين و المضاربين تاثير كبير في تحديد الاسعار هبوطا و صعودا، و في عدم الموازنة بين العرض و الطلب.

السوق المنظم:

و هو ما يعرف (بالبورصة) حيث انها سوق منظم للأوراق المالية، و مكان تنعقد في ردهته صفقات تداول الاسهم و السندات و تبادلها بالبيع و الشراء بطريقة منظمة، و يتم فيها تداول الاسهم و السندات المسجلة بها فقط لا مطلقا، و يكون تداولها خاضعا لقوانين و اجراءات رسمية، و في اوقات محددة، و يتم التداول فيها بواسطة الوسطاء المتخصصين المسجلين لدى ادارة السوق بالتعامل في هذه الاسواق كالسماسرة و نحوهم، حيث انهم يقومون بتنفيذ اوامر عملائهم بيعا و شراء، و يكون التداول فيها بشكل علني و بصورة مسموعة و مقروءة، و يتم التداول فيها بدون ان يكون هناك تماس بين السماسرة و العملاء، و تشرف على نشاطات السوق هيئة رقابة متخصصة، و من اجل ان للبورصة هذه المزايا و الخصوصيات تكون سوقا مثاليا لبيع و شراء الاسهم و السندات المالية، و حيث انها تخضع لرقابة شديدة فتستبعد امكانية تواجد اتفاقات سرية و حدوث سلوكيات غير قانونية، كالتلاعب بالاسعاء و استغلال المعلومات. ثمّ ان المستثمر يستعين باحد الوسطاء لتحقيق رغبته في التعامل بالاسهم بافضل الشروط في وقت‌

355

مناسب، و الوسيط بحكم عمله و تخصصه و المامه باوامر العرض و الطلب المتاحة له في السوق يمكنه ان يحقق آمال المستثمر بالبيع أو الشراء، و من هنا كان لكل سوق من اسواق الاوراق المالية وسطاء (سماسرة) سواء أ كان من البورصات ام كان من الاسواق فوق الحاجز و الوسيط يتمثل في الشخص المصرح له الاذن بممارسة تداول الاسهم و السندات لحساب عملائه، و قد يكون الوسيط همزة وصل بين المستثمرين و السماسرة، و قد يمارس مهمة السمسرة احيانا، و المستثمر له حرية اختيار الوسيط و تحديد الشروط و الاسعار التي يرغبها لاجراء التداول، و لا يجوز له التعدي عما حدده المستثمر من الشروط و الاسعار. نعم، انه قد يعول الاختيار و تحديد الاسعار للوسيط لثقته فيه، و على هذا الاساس فان العملاء الذين يرغبون في التعامل بالاوراق و الاسهم المالية يتصلون بالوسطاء كالبنك اما بالهاتف او بالفاكس او يصدرون اوامر البيع و شراء الاسهم اليهم، و البنك بعد التأكد و تحصيل الاطمئنان و الوثوق بالمسألة و وجود ارصدة لهم عنده يقبل التوسط، و يبدأ بالاتصال بالبورصة للوقوف و الاطلاع على سير الاسعار، فاذا كانت الاسعار بالنحو المرغوب فيها للعميل، قام بانجاز الشراء او البيع من طريق سماسرة الاوراق و الاسهم المالية او ممثل خاص له. و بكلمة: ان المستثمر اذا رغب التعامل بالاوراق و الاسهم المالية في السوق المنظم (البورصة) فبما انه ليس بامكانه ذلك عن طريق مباشر فيلتجئ الى ذلك من طريق الوسطاء (السماسرة) الذين هم مرخصون في القيام بتنفيذ اوامر عملائهم بيعا و شراء فيه على ضوء الشروط المحددة. نعم بامكانه التعامل بالاسهم في السوق غير المنظم و المفتوح من طريق مباشر بدون وسيط، كما ان هناك سوقا آخر يتم فيه تداول الاسهم في شركات الاستثمار بطريق مباشر، و لا يتقيد بان يكون من طريق الوسطاء.

(26) تكييف عمليات تداول الأسهم من الناحية الشرعية و أقسامها

عملية تداول اسهم القسم الأول من الشركات المساهمة:

يمكن تخريج هذه العملية فقهيا و تطبيقيا على العقود الشرعية بما يلي:

الوجه الأول: ان يتم تداول الاسهم في السوق المالي او البورصة بين المتعاقدين عاجلا،

بان يلتزم كل منهما بتنفيذ‌

356

العقود بينهما حالا بتسليم البائع الاسهم المالية و المشتري ثمنها أو في مدة لا تتجاوز اليوم. و في هذه الحالة قد يحتفظ المشتري بها بامل تحسن وضع السوق و ارتفاع الاسعار، فاذا ارتفعت قام ببيعها و يحقق بذلك ربحا، و قد يخسر لانخفاض الاسعار بسبب قلة الطلب و كثرة العرض، و على كل حال فهذا بيع عاجل بكامل الثمن و المثمن.

الوجه الثاني: ان يتم العقد بين المتعاقدين في السوق بتسليم المثمن،

و هو الاسهم، بعد شهر مثلا، و تسلم الثمن عاجلا و في هذه الحالة اذا تم العقد بينهما، فعلى المشتري ان يقوم بتسليم الثمن الى البائع حالا، و على البائع ان يقوم بتسليم الاسهم عند حلول الاجل، و هذا يكون من بيع السلم و لا اشكال في صحته.

الوجه الثالث: ان العقد يتم بينهما في اسواق البورصة بتسليم الثمن بعد شهر و تسليم المثمن عاجلا على عكس الاول،

و عندئذ فيجب على البائع ان يقوم بتسليم المثمن و هو الاسهم الى المشتري حالا و على المشتري ان يقوم بتسليم الثمن إليه عند حلول الموعد، و هذا يكون من عقد النسيئة، و لا ريب في صحته شرعا.

الوجه الرابع: ان تتم المبادلة بين الثمن و الاسهم بتسليم كل منهما بعد فترة زمنية محددة،

كشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، و حينئذ فعلى كل من المتعاقدين ان يقوم بالتسليم و التسلم و تصفية الحساب في الموعد المعين المتفق عليه. و قد تسأل هل يمكن الحكم بصحة هذه المبادلة و المعاقدة على الرغم من أنه لا يصدق عليها عنوان عقد السلم و لا النسيئة أو لا؟

و الجواب: نعم، يمكن الحكم بصحتها، على أساس أن صحة العقد لا تتوقف على أن يكون من أحد العقود الخاصة في الشريعة المقدسة، بل يكفي في صحته و مشروعيته انطباق عنوان عام التجارة عن تراض عليه، و المفروض انطباق هذا العنوان على المبادلة المذكورة، و بذلك تكون مشمولة لإطلاق قوله تعالى: ( (لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ)) فإذا لا مانع من الحكم بصحتها.

357

و بكلمة: إن نصوص إمضاء المعاملات من الكتاب و السنة على نوعين: النوع الأول: ما يدل على إمضاء المعاملات بعناوينها الخاصة، كالبيع و الصلح و الإجارة و المضاربة و نحوها. النوع الثاني: ما يدل على الإمضاء بعنوان عام، كعنوان العقود و التجارة عن تراض، و حيث أن ذلك العنوان العام يصدق على هذه المعاملة، فهي محكومة بالصحة شرعا، لأنها معاملة مستقلة و مشمولة لإطلاق الآية الشريفة. و قد تسأل: هل للبائع أو المشتري أن يجعل لنفسه خيار التنازل عن حق الأجل أو لا؟ و نتيجة ذلك: إن المشتري عند ما يرى مؤشرات لهبوط الاسعار في السوق، فيتنازل عن حق الأجل، و يطلب من البائع تسليم الأسهم المالية المتفق عليها، و حينئذ فإن كانت الأسهم موجودة عنده قام بتسليمها إلى المشتري، و إلا فيضطر شرائها من السوق بسعر العاجل، و المشتري يقوم ببيعها قبل موعد التصفية عن طريق وسيط، و أما البائع فعند ما يرى مؤشرات لارتفاع الأسعار في السوق فيتنازل عن حق الأجل و يطلب من المشتري تسليم الثمن المتفق عليه، فإذا تسلم البائع الثمن قام بشراء الأسهم من السوق بسعر العاجل.

و الجواب: أنه لا مانع من جعل كل من البائع و المشتري هذا الخيار لنفسه في ضمن العقد، فإذا جعل كان متمتعا به، و له أن يقوم بأعماله. و قد تسأل: هل يجوز لكل من البائع و المشتري ان يجعل لنفسه الخيار في عدم تنفيذ المعاملة التي تمت بينهما آجلا، و فسخها مقابل مبلغ من المال يتم عليه الاتفاق أو لا؟

و الجواب: نعم، يجوز ذلك و لا بأس به.

الوجه الخامس: يجوز شراء الأسهم معجلة بسعر و مؤجلة بسعر آخر،

كما هو الحال في سائر السلع و البضائع.

الوجه السادس: إن شراء الأسهم قد يكون بكامل الثمن،

بأن يدفع المستثمر تمام قيمة الأسهم المالية إلى البائع،

358

و هذا النوع من المعاملة قليل التداول في الأسواق و البورصات، إذ الغالب فيها التأجيل، فالذي يجري في أكثر تلك الأسواق، هو ان المستثمر يفتح حسابا مع الوسطاء كالسماسرة، مثل الحساب الجاري في البنك و يودع فيه الأسهم، و الأوراق المالية لصالحه، و يودع الوسيط ما يحصل للمستثمر من الارباح و الفوائد في حسابه، و حكم هذا النوع اذا كان الشراء بكامل الثمن أو من حسابه الجاري عند الوسطاء هو الصحة. و قد يكون الشراء بجزء من الثمن، بأن يدفع المشتري جزء من الثمن للبائع و يستدين الباقي من السماسرة أو من مصادر أخرى لهذا الغرض، و الجزء الذي يعين على المستثمر توفيره من الاول لشراء الاسهم يطلق عليه بالهامش، و تختلف نسبة الهامش من بورصة إلى بورصة أخرى بل في بورصة واحدة تختلف من فترة إلى اخرى، بل و قد تمثل النسبة في بورصة أو في فترة من بورصة واحدة 60% من قيمة السهام، و قد تمثل 40% من قيمة السهام و هكذا، مثال ذلك مستثمر اشترى مائة سهم كل سهم بمائة دولار مثلا، و دفع للسماسرة ستة آلاف دولارا فقط، و اقترض منهم أو من مصدر آخر الباقي من الثمن و هو أربعة آلاف دولاراً مع الفائدة، و حينئذ يحتفظ السماسرة بالأسهم رهينة على الدين، فالهامش الابتدائي في المثال هو 60%، و إذا انخفضت الاسعار و اصبحت قيمة كل سهم ثمانين دولارا، صارت قيمة مجموع السهام ثمانية آلاف دولار، ارتفعت نسبة القرض من السماسرة الى مجموع الثمن 50% و الهامش 50%، فما هو حكم هذا النوع من الشراء من الناحية الشرعية؟

و الجواب: ان حكمه الجواز من وجهة النظر الشرعية، إذ لا مانع من التداول بالأسهم بهذه الطريقة و الكيفية في أسواق المال و البورصات شرعا، شريطة أن لا تكون الأسهم من أسهم الشركات المحظورة من الناحية الشرعية. نعم يحرم عليه الاقتراض بالفائدة، لأنه ربا و محرم.

الوجه السابع: البيع القصير،

و نريد به بيع أسهم في فترة قصيرة، حيث يتم شراؤها مرة أخرى. بيان ذلك: أن المستثمر عند ما يتوقع و يتكهن بسبب أو آخر ارتفاع أسعار الأسهم في السوق في وقت لاحق، فيقوم باقتراض عدد من الأسهم من الشركات أو مثيلاتها في السوق بواسطة الوسطاء و يحتفظ بها، فإذا ارتفعت أسعارها و تحققت توقعاته قام ببيعها بالسعر السائد في السوق، ثمّ يعيد شراءها منه عند ما انخفضت الأسعار، و بعد ذلك يرجع السهام إلى صاحبها الأصلي تسديدا‌

359

للقرض، و يستفيد المستثمر من خلال هذه العمليات من الفرق بين سعر البيع و سعر الشراء، و الوسيط من أرباح الأسهم للشركة في الفترة ما بين العمليتين، مضافا إلى ما يحصل عليه مقابل خدماته الادارية، و المالك المقرض للأسهم من نسبة ربح العمليتين بدون أن يتحمل أي مخاطرة، فلو اتفق انخفاض الأسعار على خلاف ما تكهن المستقرض، فان المستقرض وحده يتحمل مخاطرة هذا التصرف و خسارته. و الخلاصة أن هاهنا عمليتين: الأولى: عملية القرض. الثانية: عملية البيع و الشراء في فترة قصيرة. أما حكم عملية القرض من الناحية الشرعية فعدم الجواز، على أساس إنها قرض ربوي و هو محرم شرعا. و أما حكم عملية البيع من وجهة النظر الشرعية فهو الجواز و الصحة. و دعوى إن صحة هذه العملية بيعا و شراء، تقوم على أساس أن تكون عملية القرض صحيحة حتى يكون المستثمر مالكا للأسهم المقترضة، و حيث أن العملية ربوية فلا تصح، و بالتالي لا يكون المستثمر مالكا للأسهم، مدفوعة بان اصل عقد القرض صحيح شرعا، و الباطل إنما هو الربا أي: مقدار الزيادة، و على هذا فلا مانع من صحة البيع و الشراء. ثمّ إن السمسار إذا قام بعملية البيع و الشراء بعد قبض السهام من المقرض، فلا إشكال في الصحة، و إما إذا قام بالعملية قبل القبض فهل تصح أو لا؟

و الجواب: إنها لا تصح، على أساس إن صحة القرض متوقفة على القبض، و ما لم يقبض السهام وكالة عن المستثمر لم يكن المستثمر مالكا لها، و عندئذ يكون هذا البيع من بيع ما لا يملك و هو باطل إذا لم يكن البيع على ما تعهد به السمسار في الذمة، و ألا فهو صحيح. ثمّ إن التراضي بين المتعاملين في الأسواق أو البورصات موجود بتصرف كل واحد منهم في مال الأخر بموجب قوانينها و أنظمتها التأسيسية و ان كانت المعاملات الواقعة بينهم باطلة من وجهة النظرة الشرعية، و المقام داخل في هذه الكبرى على تقدير بطلان البيع.

360

الوجه الثامن: البيع الطويل،

و نريد به شراء الأسهم بدافع الاحتفاظ بها، بأمل أن يحصل على الأرباح من الشركة أو يقوم ببيعها إذا ارتفعت أسعارها، و حكم هذا النوع من البيع من الناحية الشرعية الجواز و ان كان بغرض المشاركة و المساهمة في الشركة على أساس ما مر من انه لا مانع من المشاركة في الشركة التي تتقيد بتعاملاتها على الحلال و لا تتعامل بالحرام.

الوجه التاسع: قد تسأل: هل يجوز للبائع أن يقوم ببيع الأسهم التي اشتراها قبل أن يقبضها أو لا؟

و الجواب: نعم يجوز إذا لم يكن المبيع من المكيل أو الموزون، و إما إذا كان منه فلا يجوز إلا برأس ماله. و قد تسأل أن البائع قد يقوم ببيع الأسهم للعميل قبل أن يشتريها من الشركة المصدرة لتسليم شهر مثلا، و لكنه في وقت التسليم و التحويل يقوم بشرائها بغرض تسليمها إلى المشتري، فما هو حكم هذا البيع من الناحية الشرعية؟

و الجواب: أن بيع المعدوم بما هو معدوم و ان كان غير عقلائي بل غير معقول، و إما بيع شي‌ء موجود في وقت التسليم و التحويل، و لكنه كان معدوما في وقت إنشاء العقد فهل هو جائز أو لا؟ الأظهر الجواز، إذ لا مانع من إنشاء ملكية الأسهم، التي كان يملكها في وقت متأخر، من الآن في ذلك الوقت، ثمّ يقوم بتسليمها للمشتري، و لا يلزم منه محذور، و انفكاك زمان المنشأ و المجعول عن زمان الإنشاء و الجعل أمر اعتيادي و لا محذور فيه، على أساس إن فعلية المنشأ تتوقف على فعلية موضوعه في الخارج، و لا ترتبط بالإنشاء. و بكلمة: إن المنشأ بوجود الإنشائي يستحيل أن ينفك عنه، باعتبار انه عين الإنشاء، فلا اثنينية بينهما، و إما بوجوده الفعلي فلا مانع منه و نقصد بوجوده الفعلى فعلية فاعليته و محركيته في الخارج لا فعلية نفسه إذ يستحيل فعليته و وجوده فيه و الا لكان خارجيا و هذا خلف و من هنا قلنا في الاصول ان للحكم مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل و أما مرتبة المجعول و هي مرتبة فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج فهي ليست من مراتب الحكم و لا يمكن ان تكون من مراتبه لان الحكم امر اعتباري يوجد في عالم الاعتبار باعتبار المعتبر و يستحيل ان يوجد في الخارج و الا كان موجودا فيه و هو كما ترى و لهذا لا ترتبط مرتبة المجعول بالشارع اصلا هذا إضافة إلى إن المتعارف و المرتكز في مثل ذلك،

361

هو إن البائع يبيع الأسهم التي تعهد بتسليمها بعد شهر و المشتري يقوم بشراء ما تعهد من الأسهم، و حينئذ فلا إشكال في صحته. و الخلاصة: إن الشركة المساهمة إذا كانت من القسم الأول جازت المساهمة و المشاركة فيها بقصد العضوية و الاستفادة من أرباحها التي تحصل عليها، و كذلك يجوز شراء أسهمها بدافع التداول و الاتجار بها كسلع في الأسواق المالية أو البورصات من يد الى يد، و الاستفادة من فوارق الأسعار التي تطرأ عليها يوميا لسبب أو آخر.

عمليات تداول أسهم القسم الثاني من الشركات المساهمة:

تقدم انه لا تجوز المساهمة و المشاركة في هذا القسم من الشركات التي يكون رأس مالها حراما أو مخلوطا بالحرام باكتتاب أسهمها و شرائها بغرض العضوية، على اساس ان السهم جزء من رأس المال و هو حرام أو مخلوط به، فلا يصح شراؤه، و كذلك لا تصح عملية تداول أسهمها في الأسواق بغرض الاستثمار و التجارة بها من يد إلى يد، و الاستفادة من فروق أسعارها باعتبار إن كل سهم من أسهمها يمثل جزء من رأس مالها، و حيث انه حرام أو مخلوط بالحرام فلا يصح التصرف فيه بالبيع أو الشراء، كما لا يصح التعامل على الحرام.

عملية تداول أسهم القسم الثالث من الشركات المساهمة

مر أنه لا يسوغ وضعا المساهمة و المشاركة في هذا القسم من الشركات أيضا، على أساس إنها لا تتقيد بتعاملاتها في الحدود المسموح بها شرعا، و تقوم بالأعمال الاستثمارية من طريق الحلال و الحرام و يؤدي ذلك إلى تبديل حلال المساهم بالحرام كلا أو جزءا. و هل يجوز تداول أسهمها في أسواق البورصة بالبيع أو الشراء لا بدافع العضوية و الاستفادة من أرباح الشركة، بل بدافع الاتجار بها كسلعة في السوق و الاستفادة من فروق أسعارها التي تعرض عليها يوميا أم لا؟

و الجواب: لا يجوز للسببين. الأول: إن المشتري للأسهم بصرف الشراء أصبح احد الأعضاء المساهمين للشركة تلقائيا بموجب قوانينها الصارمة و ان كان غرضه من الشراء بيعها كسلعة للاستفادة من الفروق بين سعر الشراء و سعر البيع‌

362

لا للعضوية، و قد سبق أنه لا تجوز المساهمة فيها و لو بفترة زمنية يسيرة، على أساس إن المعاملات الواقعة في الشركة في هذه الفترة من المعاملات المحرمة أو المحللة فهو شريك فيها و في منافعها. الثاني: أن السهم يمثل جزء من رأس مال الشركة و رأس مالها في مرحلة تكوينها و ان كان حلالا إلا انه بدء بالاختلاط بالحرام من لحظة شروع الشركة بالتعامل و الاستثمار الخارجي على أساس انها بحسب نظامها التقليدي تتعامل بالحلال و الحرام كالربا و الخمور و غيرهما و لا تتقيد بالحلال فمن اجل ذلك لا يجوز التعامل بأسهمها كسلعة في السوق و البورصة لان التعامل بها بموجب إنها جزء من رأس مالها تعامل بالمال المختلط بالحرام. و دعوى: إن قيمة السهم بعد عملية الاكتتاب في الشركة بقيمتها الاسمية يحددها السوق و لم تبق لتلك القيمة بعد الاكتتاب أية أهمية، فان قيمتها في السوق قد تصل إلى أضعاف قيمتها الاسمية المحددة و قد تصل دونها بل إلى جزء بسيط منها و هذا يدل على أن قيمتها لا ترتبط برءوس أموال الشركة. مدفوعة: بان ارتفاع قيمة الأسهم و انخفاضها في الأسواق مرتبط بارتفاع مالية الشركة و انخفاضها بشكل مباشر، و ذلك لان الارتفاع أو الانخفاض فيها مرتبط بعدة عوامل: الأول: قوة العرض أو الطلب. الثاني: المركز المالي للشركة، فان كان قويا ارتفعت أسعار أسهمها و إلا انخفضت. الثالث: ديون الشركة كثرة و قلة، و على هذا فالسهم إذا ارتفعت قيمته في السوق، فمعنى ذلك إن مالية الشركة قد زادت، و حيث إن الشركة لا تتقيد بان تتعامل في حدود الحلال، فلا محالة اختلط رأس مالها بالحرام، فإذن لا يجوز التعامل به، لأنه من التعامل بالمال المختلط بالحرام و هو غير جائز، و بكلمة إن مالية السهم إنما هي بلحاظ ما بإزائه من جزء من رأس مال الشركة و المفروض أنه أما حرام أو مخلوط به و على كلا التقديرين لا يصح شراؤه و أما ارتفاع قيمته السوقية فهو منوط بعوامل أخرى كارتفاع قيمة سائر الأشياء. يتلخص: إن الشركة المساهمة إذا كانت تتقيد- بموجب أنظمتها التأسيسية على ان لا تتعامل إلا في حدود الحلال جاز الدخول في عضويتها و المساهمة فيها و الاستفادة من ارباحها التي تدر عليها، و كذلك‌

363

يجوز تداول أسهمها بيعا و شراء كسلع في الأسواق و البورصات بغرض الاتجار بها و الاستفادة من فوارق أسعارها، و إذا كانت لا تتقيد ج بموجب قراراتها التقليدية ج بان تتعامل في الحلال و إنها حرة في القيام باستثماراتها من طريق الحلال و الحرام، لم يجز الدخول و المساهمة فيها، و لا يجوز تداول أسهمها للاتجار بها كسلع في السوق، بلا فرق في ذلك بين أن يكون رأس مالها من بدء تكوينه حراما أو حلالا كما مر، و قد تسأل: إن المستثمر إذا لم يعلم أن ما اشتراه من الأسهم هل هو من اسهم القسم الاول من الشركة المساهمة أو من الثاني أو من الثالث فما ذا يصنع؟

و الجواب: انه يجوز ما لم يعلم بوجود الحرام و لا قيمة للشك. نعم إذا علم إجمالا بان الأسهم التي تباع في السوق منها أسهم محرمة فحينئذ اذا لم يكن جميع أطراف العلم الإجمالي مورد ابتلائه بمعنى: ان ما يكون مورد ابتلائه كان واثقا و مطمئنا بعدم وجود الحرام فيه، جاز له الشراء و البيع في ذلك المورد، و الا فلا. هذا كله في الأسهم العادية، و إما إذا كان بعض أسهم الشركة عادية و بعضها ممتازة، و حينئذ فان كان امتيازها في نسبة الربح التي تحصل عليه الشركة، بان يجعل من الربح حصة أصحاب الأسهم الممتازة بنسبة 10% من قيمة السهم، و حصة أصحاب الاسهم العادية بنسبة 5% من القيمة، فلا بأس بهذا الامتياز إذا كان ذلك بالجعل و القرار في عقد الشركة بنحو التراضي، و على هذا فالأرباح تقسم على الأعضاء من الصنفين بنسبة متفاوتة، و ان كان امتيازها بان أصحاب الأسهم الممتازة يحصلون على نسبة معينة من القيمة الاسمية لاسهمهم 10% مثلا من صافي الأرباح، و قبل توزيع أي ربح على بقية الأسهم الاخرى العادية، ثمّ يوزع ما تبقى من الأرباح بعد ذلك أما على الأسهم العادية فقط او على كل الاسهم من العادية و الممتازة، و لهذا قد يتفق أن لا يبقى من الربح ما يوزع عليهما، ففيه ان ذلك غير صحيح، حيث انه على خلاف مقتضى عقد الشركة، فان مقتضاه أن كل عضو من اعضائها شريك في الربح بنسبة سهمه بنحو الإشاعة، و لا يمكن تصحيح ذلك بنحو شرط النتيجة، لان صحة شرط النتيجة من أصحاب الأسهم الممتازة على الشركة متوقفة على أن تكون الارباح ملكا لها ابتداء لا للمساهمين، و لكن الأمر ليس كذلك، فان الأرباح تدخل في ملكهم من البداية، و الشرط المذكور لا يقتضي دخول ما يكون ملكا لهم في ملكهم في طول دخوله في ملك هؤلاء لا ابتداء، إلا إذا كان هذا الشرط منهم عليهم في عقد الشركة و هو بعيد.

364

هذا كله في أحكام الأسهم المالية في الشركات المساهمة المؤسسة في البلاد الاسلامية، أو كانت رءوس أموالها من المسلمين.

التنبيه

و غير خفي ان مقتضى النظام الاسلامي و ان كان عدم جواز الدخول و الاشتراك في الشركات المساهمة التي لا تتقيد بحسب نظامها التقليدي في تعاملاتها الاستثمارية ان تكون من طرق الحلال و مطابقته للشرع، و لكن حيث ان التراضي بين المستثمرين و المتعاملين في هذه الشركات و في تبادل اسهمها و الاتجار بها في الاسواق المالية موجود و ان كانت المعاملة باطلة فلا مانع من الدخول فيها و القيام بشراء اسهمها و الاتجار بها في الاسواق و التصرف في اثمانها على اساس التراضي الموجود بينهم في السوق كما هو الحال في كثير من المعاملات في الاسواق المالية (البورصات).

(27) الشركات المساهمة في البلاد الأجنبية غير الإسلامية و أقسامها و تخريجها الفقهي

الشركات المساهمة: و هي على أقسام: 1. أن تكون الشركة قائمة على الاستثمارات المحرمة فقط، كتوليد الخمور و انواع المسكرات المشروبة و التعامل بالربا. 2. أن تكون قائمة على الاستثمارات المحللة و المحرمة معا. 3. أن تكون قائمة على الاستثمارات المحللة فقط، كشركة الكهرباء المساهمة و النفط و المعادن و نحوها من الشركات الزراعية و التصنيعية و الإنشائية، شريطة اقتصارها على أعمالها المحددة.

حكم المساهمة من الناحية الشرعية

لا تصح المساهمة و المشاركة في القسم الاول لشراء اسهمه و القيام بعملياته الاستشارية المحرمة، و لا في القسم الثاني بنفس الملاك الا اذا كان الغرض من وراء المساهمة الاستيلاء على حصة من أموال الشركة و أخذها و ما يترتب عليها من الفائدة استنقاذا. نعم تصح في القسم الثالث مزاولة أعماله و القيام بنشاطاته.

365

" حكم التداول و الاتجار باسهم هذه الشركات كسلع من وجهة النظر الشرعية"

لا يصح شراء أسهم القسم الأول و الثاني، باعتبار انه لا موضوعية للسهم فان ما هو المشترى في الحقيقة انما هو جزء من رأس المال للشركة الذي هو حرام او مخلوط بالحرام و على كلا التقديرين لا يجوز شرائه وضعا. نعم بامكانه التخلص من ذلك، بجعل الشراء وسيلة للاستيلاء على الأسهم منهما و أخذها استنقاذا لا أخذها شراء، فإذا أخذها كذلك، جاز له أن يقوم ببيعها في الأسواق و الاتجار بها و الاستفادة من فوارق أسعارها، و إما أسهم القسم الثالث فلا إشكال في جواز شرائها و التداول بها بيعا و شراء في السوق بغرض الاستفادة من فوارق الأسعار باعتبار ان ما بازائها من المال حلال و لا مانع من شرائه و بيعه. نذكر فيما يلي نتائج البحث: 1. تجوز المساهمة و المشاركة في الشركات التي تتقيد بموجب قراراتها التأسيسية بان لا تتعامل إلا في حدود دائرة الشرع بغرض الاستفادة من أرباحها التي تحصل عليها كما يجوز شراء أسهمها بدافع التداول و الاتجار بها بيعا و شراء في السوق كسلع و الاستفادة من فوارق الأسعار التي تعرض عليها يوميا. 2. لا تجوز المساهمة و المشاركة في الشركات التي لا تتقيد بالتعامل في حدود شرع الله تعالى وضعا على اساس ان السهم عبارة عن جزء من رأس مال الشركة فالمشتري هو ذلك الجزء في الحقيقة بغرض الاتجار به كسلع كذلك. 3. يجوز تداول الأسهم في الأسواق مباشرة أو بواسطة الوسطاء بكل إشكال البيع و الشراء من العاجل أو الأجل أو السلم. 4. يجوز شراء الأسهم من السوق لتسليم الثمن أو المثمن بعد فترة زمنية محددة كشهر أو شهرين أو اقل. 5. يجوز قيام البائع ببيع الأسهم في السوق لتسليمها خلال شهر مع انها غير موجودة عنده فعلا، و حين حلول الشهر يقوم بشرائها من الشركة او غيرها و يسلمها إلى المشتري و قد تقدم وجه ذلك.

366

السندات و أنواعها

1. سندات الدولة تصدرها في الأسواق لتمويل الإنفاق العام. 2. سندات الهيئات العامة كالبنوك الدولية، فإنها تصدرها بدافع تمويل مشاريعها. 3. سندات الهيئات الخاصة كالبنوك المحلية رسمية كانت أم غير رسمية. 4. سندات المؤسسات الحكومية الخاصة التي تصدرها لتمويل مشاريعها و الإنفاق عليها. 5. سندات الشركات التجارية أو الصناعية أو الخدمية أو غيرها.

تعريف السند:

هو صك يمثل جزء من المال المحدد في ذمة الجهة المصدرة و وثيقة عليه. جدول المفارقة و المشاركة بين السند و السهم‌

المشاركة:

1. يشترك السند مع السهم في تساوي القيمة الاسمية لكل فئة. 2. يشترك في القابلية للتداول في الأسواق المالية. 3. يشترك في عدم القابلية للتجزؤ و التقسيم.

المفارقة:

1. إن السند يعتبر شهادة و وثيقة دين على الشركة و ليس جزء من رأس مالها، بينما يعتبر السهم جزء من رأس مالها. 2. صاحب السند يحصل على فائدة ربحت الشركة ام خسرت، بينما صاحب السهم يحصل على فائدة إذا ربحت الشركة و يخسر إذا خسرت. 3. صاحب السند لا يشارك أصحاب الشركة في إدارتها، باعتبار أنه ليس من أحدهم، بينما كان صاحب السهم يشاركهم في الإدارة، باعتبار أنه من أحد الشركاء.

367

الاتجار بالسند

السند كسائر السلع تتغير أسعاره بتغير أوضاع السوق هبوطا و صعودا، فإذا رغب رجال الأعمال و المستثمرين على شرائها بغرض الاستثمار و الربح من الفرق بين سعر الشراء و سعر البيع اتصلوا بالوسطاء في السوق كالبنك أو السماسرة، و الوسيط بعد التأكد و جدية الأمر و وجود أرصدة مالية لهم عنده، يبدأ بالاتصال بالبورصة للاطلاع على سير الأسعار فيها و وضع السوق، فإذا كان الوضع بالنحو المرغوب فيه للعميل قام بإنجاز البيع و الشراء.

و هاهنا مسألتان:

الأولى: مسالة تداول السندات و تبادلها من وجهة النظر الشرعية. الثانية: مسألة أخذ الوسيط العمولة على ذلك من الناحية الشرعية. أما المسألة الأولى فبإمكاننا تفسيرها على أساس أمرين:

الأول: إن عملية تبادل السندات و تعاطيها تقوم على أساس عقد القرض، فان الجهة المصدرة للسند التي تصدره بقيمة اسمية محددة، نفرضها مائة دولار و تبيعه مؤجلة إلى ستة اشهر مثلا 95 دولارا نقدا، تمارس في الحقيقة عملية الاقتراض، أي إنها تقترض 95 دولارا نقدا بمائة دولار مؤجلة، و تدفع إلى المقرض السند على أساس انه وثيقة دين، و في نهاية المدة تعتبر ما دفعته من الزيادة (خمسة دولارات) فائدة ربوية على القرض، و على هذا فلا يجوز تداول السندات لأنه في الواقع تداول قرض ربوي. الثاني: إن هذه العملية تقوم على أساس عقد البيع و الشراء بتأجيل المثمن إلى وقت معين، و ذلك لأن الجهة المصدرة للسند في المثال تقوم ببيع مائة دولار مؤجلة إلى ستة اشهر بخمسة و تسعين دولارا نقدا، و المعتبر في البيع أن يكون الثمن و المثمن مختلفين، و الفرض انهما مختلفان في المقام، فان الثمن عين خارجية و المثمن أمر كلي في الذمة، و هذا المقدار من المغايرة يكفي في صدق البيع. و دعوى: أن تفسير هذه العملية بالبيع تغطية لفظية فقط، لأنها في طبيعتها الواقعية قرض، فإن ملاك القرض هو أن يملك شخص مالا من شخص و تصبح ذمته مشغولة بمثله، و هذا الملاك تماما‌

368

ينطبق على عمليات بيع و شراء السندات. مدفوعة: بأن مفهوم البيع يختلف عن مفهوم القرض، فإن مفهوم البيع تمليك عين بعوض، و مفهوم القرض تمليك عين على وجه الضمان بمثلها، و على هذا فإن قصدت الجهة المصدرة تمليك ما في ذمتها من المبلغ بعوض خارجي، فهو بيع و إن كانت النتيجة نتيجة القرض و إن قصدت تملك شي‌ء بالضمان بمثله فهو قرض.

و الخلاصة:

إن عملية تبادل السندات و تداولها في الأسواق المالية أو البورصات لا يبعد أن تكون قائمة على أساس عملية البيع و الشراء، بان تقوم الجهة المصدرة للسندات ببيع قيمتها في الذمة إلى أجل بعين خارجية، لا على أساس عملية القرض، بأن تجعل السند وسيلة لأن تقترض مبلغا على وجه الضمان بمثله إلى مدة محددة، و يكون السند بمثابة الوثيقة على القرض، و مع ذلك فالاحتياط في المسألة لا يترك. نعم، إن بامكاننا التخلص عن فكرة إن هذه العملية مجرد تغطية لفظ عن عملية القرض الى فكرة اخرى، و هي القيام بعملية تبادل السندات و تداولها بعملات اجنبية، فاذا كانت قيمة السند بعملة محلية كالدينار مثلا تبيعها بعملة أجنبية كالدولار أو التومان تزيد قيمتها على الدينار بحسب اسعار الصرف بمقدار الفائدة، و لا إشكال في ان هذه العملية عملية بيع واقعا و صورة. و أما المسألة الثانية فان كان قيام الوسيط بدور التوسط في بيع و شراء السندات المالية في الاسواق جائزا شرعا، فمن حقه ان يتقاضى عمولة لقاء قيامه بهذا الدور، لأنها أجرة على العمل السائغ. نعم لو كانت هذه العملية بطبيعتها عملية اقتراض و ان كان بصورة البيع و الشراء لم يجز قيام الوسيط بهذه الدور، لأن العملية حينئذ غير مسموح بها شرعا، فلا يجوز له ان يتقاضى عمولة عليها، و لا فرق في ذلك بين أنواع السندات التي يتعامل بها في الأسواق المالية أو البورصات.

ثمّ ان هناك طرقا أخرى للتخلص من مظنة الربا في تبادل السندات

و هي كما يلي:

أما في السندات الحكومية:

فبإمكان المستثمر حينما يتسلم السند من الجهة الحكومية أن ينوي تسلمه كوثيقة على الدين غير الربوي، و لا ينوي الزيادة كشرط و ان علم ان الحكومة ملتزمة بذلك، فإن تسلم الزيادة تسلّم بعنوان المال المجهول مالكه أو مال لا مالك له، و على الأول يتصدق بمقدار نصفها او ثلثها للفقراء و على‌

369

الثاني فلا شي‌ء عليه.

و أما سندات الشركات الأهلية:

فحيث ان المستثمر يعلم ان صاحب الشركة متعهد بدفع الزيادة له على كل حال و من طيب نفسه بموجب قوانين الشركة الصارمة عند حلول الأجل، فبإمكانه التخلص من الربا بعدم اشتراطها عليه في اعماق نفسه، بمعنى ان يكون جادا في التزامه نفسيا بعدم المطالبة بها اذا لم يدفعها لسبب أو آخر، و حينئذ فاذا دفعها اليه جاز اخذها بملاك انه يرضى بالتصرف فيها و اما في سندات الشركات المشتركة بين الحكومة و الاهلية فيمكن له التخلص من الربا فيها بنفس الطريقة في السندات الحكومية و الاهلية.

سندات المقارضة (المضاربة):

و هي صكوك استثمارية يتمثل كل صك منها جزء من رأس مال المضاربة بنحو المشاع، و من يملك من هذه الصكوك و السندات صكا أو صكين أو أكثر، فهو يملك بقدره من رأس مال المضاربة و شريك في الربح بعد تحققه بنسبة مئوية منه، و على ذلك فيجوز بيع السندات و الصكوك في الاسواق المالية و شرائها، و لا مانع من ذلك، لأن كل من يملك من رأس مال المشروع بنسبة مئوية معينة، فله أن يبيع ما يملكه من النسبة، على أساس ان الصكوك المقارضة (المضاربة) قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب، و حينئذ فان كان البيع بعد الاكتتاب و قبل المباشرة في العمل بالمال اعتبر المعاملة نقدا بنقد، باعتبار ان رأس ماله لا يزال نقودا، و لا مانع من ذلك، لأن المغايرة بين الثمن و المثمن موجودة، لأن الثمن نقد خارجي معين و المثمن نقد خارجي مشاع، و لا فرق بين ان يكونا متساويين او متفاضلين و ان كان بعد المباشرة في العمل، و حينئذ قد يكون المثمن عينا خارجية و قد يكون دينا، و قد يكون مركبا منهما فقط، و قد يكون مركبا منهما و من النقد جميعا، فان البيع و شراء الصكوك في تمام هذه الصور صحيح شرعا شريطة ان تكون المضاربة على المعاملات المشروعة في شرع الإسلام.

370

(28) التعامل في الأسواق المالية (البورصات) و تخريجه من وجهة النظر الإسلامية

1. النقود الذهبية و الفضية. 2. النقود الورقية بمختلف أقسامها. 3. السلع بكافة أنواعها. 4. الطعام بكافة أشكاله.

النقود الذهبية و الفضية

التعامل بالنقود الذهبية و الفضية في السوق ان كان ببيع الذهب بالذهب و الفضة بالفضة، فالمعتبر فيه امر واحد و هو التماثل بين الثمن و المثمن و عدم زيادة احدهما على الآخر، و أما التقابض بينهما في مجلس العقد فالاظهر عندي عدم اعتباره، و هذا بلا فرق بين ان يكونا مسكوكين أولا، و ان كان ببيع الذهب بالفضة و الفضة بالذهب، فالمعتبر فيه أمر واحد و هو التقابض في المجلس، فلو افترق البائع و المشتري قبل القبض بطل البيع، فلا يجوز حينئذ تصرف كل منهما في مال الآخر، إلا إذا كان بينهما التراضي على ذلك، حتى اذا كان البيع باطلا كما هو الحال في الغالب و لا سيما في الاسواق المالية (البورصات)، و أما التساوي في الكمية فهو غير معتبر فيه، و ان كان ببيع الذهب او الفضة بالنقود الورقية، فلا يعتبر فيه شي‌ء من الامرين، على اساس ان احكام الصرف لا تترتب على النقود الورقية.

النقود الورقية

التعامل بالنقود الورقية ان كان من طريق البيع و الشراء النقدي لمختلف العمولات فلا اشكال فيه من الناحية الشرعية، و ان كان من طريق البيع و الشراء سلما او مؤجلا لتسليم اسبوعين او اشهر مثلا فأيضا لا اشكال في صحته شرعا، لا من ناحية الربا، باعتبار ان هذا التعامل انما هو على اساس عملية البيع و الشراء، لا على اساس عملية القرض و الاقتراض، و لا من ناحية احكام الصرف، لأن احكام الصرف كاعتبار التقابض في المجلس او التماثل بين العوضين لا تجري على النقود الورقية. و قد يتم التعاقد بينهما من طريق التحويلات البريدية البرقية و السفاتح (الحوالات) و اكثر التعامل في سوق الورق النقدية يتم من الخارج، و أما تكلفة الارسال فهي على حسب الاتفاق الواقع بين المتعاقدين، و لا فرق في الصحة بين ان يكون التعامل بالمباشرة او الحوالة من الخارج، و قد يتم‌

371

تداول العملات في البورصة بعقود مؤجلة ثمنا و مثمنا بتسليم شهر مثلا، و هل تصح هذه العقود من الناحية الشرعية أو لا؟

و الجواب: نعم، انها تصح كما مر، لا بملاك انها من مصاديق العقود الخاصة لما عرفت من انها ليست من مصاديقها، بل بملاك انها من مصاديق التجارة عن تراض، و عليه فتكون مشمولة لإطلاق قوله تعالى ( (لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ))، بل لا يبعد كونها مشمولة لإطلاق قوله تعالى: ( (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)). و هذا اضافة الى وجود التراضي بينهما في تصرف كل منهما في مال الآخر حتى و لو كان العقد باطلا بموجب قوانين السوق الصارمة.

السلع

التعامل بانواع السلع الخارجي في اسواق البورصة و غيرها كالاقمشة و المواد الانشائية و الكهربائية و التصنيعية و غيرها، يمكن تكييفه بأحد الأنحاء التالية: 1. يتم التعامل بكمية محددة من تلك الانواع باوصافها المعينة و شروطها الخاصة بعقود معجلة ثمنا و مثمنا. 2. يتم التعامل بها بالبيع و الشراء بعقود نقدا ثمنا و مؤجلة مثمنا، بأن يتم الاتفاق بين البائع و المشتري بتحويل المبيع بعد عشرة أيام أو أسبوعين أو أكثر. 3. يتم التعامل بها بعقود معجلة مثمنا و مؤجلة ثمنا، و لا إشكال في صحة هذه العقود بأقسامها الثلاثة. 4. يتم التعامل بها بعقود مؤجلة ثمنا و مثمنا، و قد تقدم ان هذه العقود و ان لم تكن مشمولة لأدلة الامضاء الخاصة، الا انها مشمولة لإطلاق قوله تعالى: ( (إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ)) بل لا يبعد ان تكون مشمولة لإطلاق قوله تعالى ( (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)). هذا اضافة الى وجود التراضي بينهما حتى فيما اذا كانت المعاملة باطلة. و قد تسال انه اذا قام الشخص ببيع سلع في السوق لتسليم شهر بدون ان يكون مالكا له حين البيع، و لكنه اذا حل الاجل اشتراه من السوق و سلمه الى المشتري، فهل هذا البيع صحيح أو لا؟

372

و الجواب: ان بيع ما لا يملك و ان كان باطلا في نفسه، و لكن البائع يملك المبيع عند حلول الاجل و قادرا على تحويله الى المشتري في وقته، فبالإمكان تصحيح ذلك بأحد وجهين: الأول: ما تقدم من انه لا مانع من ان يقوم شخص بانشاء ملكية ما يملكه في وقت متأخر من الآن، فيكون الانشاء فعليا و المنشأ متأخرا، و نقصد بالانشاء الوجود الانشائي و هو بطبيعة الحال يكون فعليا، و لا يتصور فيه التعليق، و بالمنشأ الوجود الفعلي له بفعلية موضوعه، و من هنا لا محذور في تاخر المنشأ عن الانشاء باعتبار انه يتوقف على فعلية موضوعه في الخارج. الثاني: الظاهر ان البائع في مثل هذه الحالة يبيع ما تعهد على نفسه، و المشتري يقوم بشراء ما تعهد به لا المعدوم في الخارج، هذا اضافة الى ان كلا منهما كان يرضى بتصرف الآخر في ماله حتى اذا كان البيع باطلا شرعا كما مر.

الطعام

التعامل بالطعام كالحنطة و الشعير و الارز و نحوها، فان كان الحنطة بالحنطة و الشعير بالشعير و الشعير بالحنطة و هكذا، اعتبر فيه التماثل حتى اذا كان احد العوضين اجود من الآخر، فلا يجوز بيع خمسين كيلو من الحنطة الجيدة بستين كيلوا من الحنطة الرديئة و ان كانتا متساويتين في القيمة، و لا فرق في ذلك بين ان يكون التعامل بالعقود المعجلة او المؤجلة، و ان كان التعامل بها بالنقود الورقية او الذهبية أو الفضية فلا اشكال فيه سواء أ كان بالعقد العاجل ام الاجل، بل يجوز ذلك حتى اذا كان كل من الثمن و المثمن مؤجلا، لما مر من ان مثل هذه المعاملة صحيحة في نفسها بلحاظ انطباق عنوان التجارة عن تراض عليها.

373

(29) سوق الاختيارات أو البيع و الشراء بالخيار من وجهة النظر الإسلامية

سوق الاختيار نريد به حق شراء أو بيع اسهم او سلع في فترة زمنية محددة بسعر متفق عليه بين البائع و المشتري سلفا، و يكون من له هذا الحق مخيرا بين أمرين، أما ان يقوم بعملية صفقة البيع أو الشراء أو لا يقوم بها. و هذا الاتفاق يكون بين البائع و المشتري على الأسس التالية: الأول: ان يقوم البائع باعطاء مشتريه حق شراء عدد من اسهمه او سلعه بسعر معين متفق عليه مسبقا يسمى سعر الممارسة خلال فترة زمنية محددة، كستة أشهر مثلا. الثاني: ان المشتري يدفع ثمن حق الخيار فقط الى البائع دون ثمن الاسهم او السلع، باعتبار انه لم يقدم على شرائها بعد، و انما يأخذ التصميم على الشراء او عدمه خلال تلك الفترة، و هي فترة الخيار لسبب او آخر، و ثمن حق الخيار لا يقل عن 10% من القيمة السوقية للسهم او السلعة. الثالث: ان يكون الحق للمشتري في تنفيذ عملية شراء الاسهم بنفس القيمة السوقية المتفق عليها خلال فترة الخيار، سواء ارتفعت قيمتها بعد ذلك ام لا، و يلزم على بائعه ان يقوم ببيع تلك الاسهم و السلع عند طلب المشتري اياه خلال تلك الفترة، و اذا لم يمارس المشتري حقه في تنفيذ عملية الشراء الى نهاية الفترة سقط حقه في ذلك اتوماتيكيا، و يخسر حينئذ قيمة الخيار فقط التي دفعها مقدما. الرابع: لا يحق للبائع ان يتصرف في اسهمه المباع خيارها بموجب هذا الاتفاق خلال فترة الخيار، و يتعين عليه الاحتفاظ باسهمه حتى نهاية الفترة او حتى ممارسة المشتري حقه في تنفيذ عملية الشراء خلال المدة، و الهدف من وراء ممارسة هذا السلوك الاستثماري، و هو حق الخيار أحد العاملين:

374

الأول: ان بعض المستثمرين يلجأ الى ممارسة ذلك السلوك، على أساس ان رأس ماله قليل لا يفي بشراء عدد من الأسهم أو السلع، فبدلا عن ان يشتري الف سهم بقيمة خمسين دولارا لسهم واحد بما عنده من المال، يشتري حق الخيار لشراء عشرة آلاف سهم في فترة محددة بثمن لا يقل عن 10% من القيمة السوقية و يدفع ثمن الخيار فقط، و حينئذ فاذا ارتفعت اسعار الاسهم او السلع قام ببيع حق الخيار من شخص آخر، و يستفيد من الفرق بين سعر الشراء و سعر البيع، و هكذا يقوم بالاتجار به و التداول في الاسواق، و يستفيد من الفروق بين الاسعار. الثاني: ان المستثمرين اذا توقعوا اتجاه اسعار الاسهم نحو الارتفاع الى حد يسمح بتحقق ربح جيد لهم قاموا بممارسة هذه العملية، مثلا لو توقع المشتري و تكهن ان قيمة الاسهم ترتفع في المستقبل القريب بنسبة 20% قام بشراء حق الخيار لتلك الأسهم خلال فترة محددة، و حينئذ فان ارتفعت اسعارها بتلك النسبة خلال شهر او شهرين، فانه حتما يمارس حقه في تنفيذ عملية الشراء بالسعر المتفق عليه سلفا، و يطلب البائع ببيع اسهمه بذلك السعر له بموجب الاتفاق بينهما و تعهده بذلك، و اذا كان هذا العقد اي عقد الخيار بواسطة الوسطاء كما في البورصات الرئيسية كلجنة السوق او السماسرة كان الوسيط هو الضامن لوفاء الطرفين بتعهداتهما، و لو انخفضت الاسعار السوقية بنسبة 20% فإنه حينئذ حتما سيفضل عدم القيام بتنفيذ الصفقة و شراء الأسهم تجنبا من الخسارة بازيد من قيمة حق الخيار، و من مميزات شراء حق الخيار أنه يعطي للمشتري الإمكانية التالية: 1. امكانية تخفيض نسبة الخسارة عن الحد الاقصى، و هو ما يساوي قيمة الخيار. 2. امكانية زيادة الربح بنسبة غير محددة طبقا للحد الذي يصل إليه ارتفاع الاسعار. 3. امكانية عدم تجاوز الحد الاقصى للخسارة عما يدفعه مقدما لقاء حق الخيار، هذا كله بالنسبة إلى خيار المشتري. و أما خيار البائع فهو عند ما يتوقع المستثمر اتجاه اسعار الأسهم أو السلع نحو الانخفاض بموجب مؤشرات السوق، يقوم بعرض اسهمه في السوق للبيع بالخيار على الاعتبارات التالية: الأول: أنه يتكهن انخفاض قيمة الاسهم السوقية خلال الأشهر القادمة بنسبة 20% من القيمة.

375

الثاني: انه لا يرغب في بيع اسهمه باقل من القيمة السوقية الحالية و هي خمسون دولارا. الثالث: انه لو ارتفعت الاسعار السوقية فهو راغب في بيعها، و إلا فهو يفضل الاحتفاظ بها. و على ضوء هذه الاعتبارات إذا توقع انخفاض الاسعار السوقية خلال الاشهر القادمة لجأ إلى شراء حق خيار البيع بثمن لا يقل عن 10% من القيمة السوقية، فإذا عرض مائة سهم في الاسواق للبيع بالخيار بقيمة مائة دولار لسهم واحد، فسيدفع إلى المشتري الف دولار مقابل ان يعطيه المشتري حق خيار البيع لمدة ستة أشهر، و حينئذ فان انخفضت الاسعار بنسبة 20% من القيمة السوقية و وصل سعر سهم واحد ثمانين دولارا، فان البائع سيقوم حتما بممارسة حقه و تنفيذ بيع اسهمه على المشتري بالقيمة السوقية المتفق عليها و هي مائة دولار لسهم واحد تفاديا عن بيعها بالسعر المنخفض، و لو حدث ان ارتفعت الاسعار السوقية على عكس توقعاته فمن حق البائع الاحتفاظ باسهمه و عدم القيام ببيعها بالقيمة السابقة و هي أقل من القيمة الحالية.

(30) تكييف حق خيار الشراء من الناحية الشرعية

خيار الشراء يمكن تكييف ذلك شرعا على اساس أمرين:

الامر الاول: على اساس عقد البيع،

فان المالك المساهم سواء أ كان جهة عامة ام خاصة، بما انه يملك حق بيع اسهمه أو سلعه لكل من اراد شراءها او لمشتر خاص او لمشتر لها بالخيار، فبإمكانه ان يعطي هذا الحق لمن اراد شراءها بالخيار بازاء ثمن لا يقل عن نسبة 10% من القيمة السوقية خلال فترة محددة فاذا اتفقا و تعاهدا على ان يكون للمشتري هذا الحق خلال تلك الفترة مقابل ما دفعه من الثمن تحقق البيع و المبادلة و تمتع المشتري به، و ليس للبائع حينئذ الامتناع و التخلف عن تعهده و اعطاء الحق للمشتري اذا طلب منه ذلك خلال الفترة. و بكلمة: ان تمتع العميل المشتري بحق خيار الشراء باعطاء المالك المساهم انما يكون على الاسس التالية: الاول: ان يكون ذلك لقاء عمولة لا مجانا، و يحدد العمولة بان لا تكون اقل من نسبة 10% من القيمة السوقية للسهم او السلعة.

376

الثاني: ان تمتعه به يكون في فترة خاصة محددة كستة اشهر مثلا. الثالث: ان على العميل فعلا هو دفع ثمن الحق فقط الى المالك دون الاسهم او السلع فان تصميمه على شرائها او عدم الشراء انما يتخذ خلال تلك الفترة. الرابع: ان المالك متعهد في ضمن عقد الخيار بتنفيذ بيع الاسهم او السلع اذا طلب من ذلك خلال المدة، كما انه متعهد بالاحتفاظ بالاسهم او السلع المباع خيارها و عدم التصرف فيها حتى نهاية المدة، و حيث ان هذه العمليات تجري في اسواق البورصة بواسطة الوسطاء فهم ضامنون لوفاء كل منهما بتعهداته. فالنتيجة: انه لا مانع من تكييف ثبوت هذا الحق للعميل على اساس عقد البيع.

الأمر الثاني: يمكن ان يكون ذلك على اساس تنازل المالك عن حقه لقاء عمولة محددة،

فإن قبول المالك، بيع اسهمه او سلعه للعميل خلال فترة زمنية محددة و بسعر معين متفق عليه سلفا و تعهده به اذا طلب منه، ذلك تنازل منه عن حقه فان له ان لا يقبل ذلك مجانا، و لا يكون ملزما بقبوله كذلك، و له حينئذ أن يتقاضى عمولة لقائه. و بكلمة: ان المالك المساهم اذا قبل بيع اسهمه او سلعه من العميل بالخيار في فترة معينة و تنازل عن حقه في تلك الفترة فنتيجته ثبوت هذا الحق للعميل و تمتعه به خلال الفترة المذكورة، و عندئذ فيجوز شرعا له ان يأخذ عمولة معينة من العميل لقاء منح هذا الحق.

377

(31) تكييف حق خيار البيع من الناحية الشرعية

تكييف حق خيار البيع‌

يمكن تكييف ذلك شرعا ايضا على اساس امرين:

الأول: ان يكون على اساس شراء حق خيار البيع من العميل،

فان البائع بدافع من الدوافع يطلب من العميل ان يعطي له حق خيار بيع اسهمه او سلعه خلال فترة محدودة و بسعر متفق عليه مقابل عمولة محددة لا تقل عن نسبة 10% من القيمة السوقية فاذا قبل العميل ذلك و وافق عليه تحقق عقد البيع و تمتع البائع بهذا الحق خلال الفترة و بموجب هذا الاتفاق تعهد العميل بالشراء اذا طلب منه البائع ذلك خلال تلك الفترة و لا يجوز له شرعا التخلف عنه.

الثاني: ان البائع يدفع للعميل مبلغا محددا لقاء تنازل العميل عن حقه

فان من حقه عدم قبول الشراء مجانا متى ما طلب منه ذلك خلال مدة معينة و له ان يتقاضى منه عمولة لقاء قبوله. فالنتيجة: انه يجوز شرعا للعميل ان يأخذ عمولة لقاء قبوله الشراء من البائع اذا طلب منه ذلك خلال فترة محددة. و قيل: ان عقد الاختيار شراء و بيعا يكون نوع من القمار، لان ضابط القمار هو ان يكون كل واحد من المتعاقدين اما غانما او غارما، و أما البيع الذي احله الله تعالى فيكون كل واحد من المتعاقدين غانما من جهة حصوله على العوض.

و الجواب: أولا: ان قمار لغة و عرفا ماخوذ من المقامرة. و هي الرهن على اللعب بشي‌ء من الآلات. نعم، اللعب بالآلة المخصوصة و الورق الخاص قمار و هو محرم شرعا و ان لم يكن مع الرهن و أما اللعب اذا كان مع الرهن فهو قمار عرفا و ان لم يكن بالآلات المخصوصة. و من هنا يطلق عرفا القمار على كل لعب يشترط فيه ان يأخذ الغالب من المغلوب شيئا، سواء أ كان اللعب بالورق ام كان بغيره و من الواضح انه لا يصدق على هذه المعاملة التي يكون كل واحد من المتعاملين فيها اما خاسرا او رابحا، فان غاية ما يمكن ان يقال: ان هذه المعاملة معاملة سفيه و غير عقلائية، لا انها قمار و محرمة شرعا.

378

و بكلمة: ان القمار الذي الغاه الاسلام عن الشرع نصا و روحا انما هو بمعناه العرفي و ليس له معنى شرعي في مقابل ذلك، و المفروض انه بمعناه العرفي لا يصدق على اي معاملة و ان افترض ان كلا من المتعاملين فيها اما ان يكون غانما او خاسرا لان الماخوذ في القمار الغلبة و الرهان عرفا، و شي‌ء من الامرين غير ماخوذ في المعاملات منها عقد الاختيار. ثانيا: ان عقد الاختيارات من الناحية النظرية و التطبيقية كعقد الاسهم و السندات و غيرها، فلا فرق بينهما من هذه الجهة اما من الناحية النظرية فلان الدافع من وراء جميع هذه العقود بدون فرق بين عقد الاختيار و غيره هو ان القيمة الاحتمالية للربح فيه اكبر من القيمة الاحتمالية للخسران لوضوح ان المستثمر لا يقدم على التعامل بعقد الاختيار، الا اذا كان احتمال الربح فيه اكبر من احتمال الخسران كما هو الحال في غيره. و أما من الناحية التطبيقية، فكما ان في عقد الاسهم او عقد السلع او غيرها قد يخسر البائع و يربح المشتري، و قد يكون الامر بالعكس، و قد لا يربح ايا منها و لا يخسر، و كذلك الحال في عقد الاختيار فلا فرق بينهما في هذه الناحية اصلا، فاذن لا يدور امر المتعاملين فيه بين الغانم و الخاسر.

و الخلاصة:

انه لا شبه في ان عقد الاختيار من العقود العقلائية، و لهذا شاع و اصبح سوقه من اهم اسواق المال بين المستثمرين و رجال الاعمال. شروط صحة عقد الاختيار و هي متمثلة في امرين: الأول: ان يكون بيع و شراء الاموال التي هي محل الاختيار و موضوعه كالاسهم او السندات او السلع جائزاً شرعا، و الا لم يجز عقد خيارها، و عليه فاذا افترضنا ان بيع السند غير جائز في الشرع، باعتبار انه في الواقع قرض ربوي و ان كان بيعا صورة، فلا يجوز عقد خياره ايضا. الثاني: ان الاسهم التي تباع وثيقة اختيارها لا بد ان تكون من الاسهم الواقعية الحقيقية، فلا يصح بيع خيار‌

379

الاسهم التي لا وجود لها في الواقع، كما لا يصح بيع نفس تلك الاسهم. نعم لو تعهد الوسيط من قبل البائع و المشتري في عقد الخيار بشراء الاسهم عند الطلب صح، و لا يلزم ان يكون مالكا لها حين عقد الخيار، ثمّ ان التعامل في عقد الخيار او البنوك المتخصصة بما انه قليل، فيقع التعامل بها نوعا في اسواق المال و البورصات و هي الاسواق المنظمة التي تشرف عليها هيئات حكومية متخصصة، و تكون العقود فيها نمطية في كل شي‌ء من الاسهم و السندات و السلع و الطعام و العملات و المعادن و الاختيارات عدا السعر الذي يخضع لعوامل العرض و الطلب، و يسمح فيها للوسطاء المتخصصين المسجلين لدى ادارة السوق في التعامل لدى هذه الاسواق و هؤلاء الوسطاء يقومون بعقود الاختيارات بين البائع و المشتري و ان لم يكن احدهما معروفا عند الآخر و يعبر عنهم بالهيئة الضامنة، و دور هذه الهيئة هو دور الوكيل عن طرفي العقد، فانها تتولى العقد وكالة عن المشتري في القبول و عن البائع بالايجاب، و ضامنة لوفاء كل منهما بتعهداته، و تحسب لهما الربح و الخسارة في المعاملات، و لا يجب على الهيئة ان تقوم بهذا الدور مجانا بل لها ان تتقاضى عمولة لقاء قيامها به، شريطة ان يتوفر فيه الشرطان المذكوران، و الا لم يجز قيامها به فاذا لم يكن جائزا شرعا اعتبر التوسط فيه توسط في امر غير جائز شرعا و حينئذ فلا يجوز اخذ الاجرة عليهم.

(32) الاختيار على العملة الأجنبية و تخريجه الفقهي

الاختيار على العملة الأجنبية نقصد به بطاقة شهادة تصدرها الشركة تعطي صاحبها الحق في الحصول على مبلغ معين من عملة اجنبية بسعر معين في فترة محددة كستة اشهر او اكثر، و حيث ان اسعار العملات الاجنبية تكون في تقلب هبوطا و صعودا، فقد يحقق ذلك الربح لصالحها.

حكم شراء الاختيار على العملة الأجنبية:

الظاهر جواز شرائه لان هذه العملية عقد بين الشركة و صاحب البطاقة، فان الشركة تبيع له عملة اجنبية بعملة محلية بسعر معين الى فترة محددة. و دعوى: أنه لا يجوز في النقود إلا يدا بيد، مدفوعة بان ذلك انما هو في النقود الذهبية و الفضية، و لا تجري أحكامها على النقود الورقية، فان تلك النقود لا تكون نائبة، عنها بل تمثل تعهدا من الدولة المصدرة بصرف قيمتها ذهبا عند الطلب و هذا مجرد التزام من الدولة تكسب بذلك الورقة قيمة مالية في المجتمع للوثوق بوفاء الدولة بتعهداتها، لأنها مجرد وثيقة و سند على اشتغال ذمة الدولة‌

380

بقيمة الورقة من الذهب أو الفضة، إذ من الواضح ان التعامل بهذه الاوراق بين الناس، انما هو على اساس ان لها قيمة مالية في نفسها، لا انها كالاوراق التجارية من سندات و كمبيالات، فان استهلاك السند او سقوطه عن الاعتبار لا يعني تلاشي الدين و سقوطه، كما ان استلامها لا يكون استلاما للدين، و هذا بخلاف الاوراق النقدية، فان استلامها استلام للدين، و اذا تلاشت بعد الاستلام، فلا يحق للدائن ان يرجع الى المدين ثانيا. فالنتيجة: ان احكام الصرف لا تجرى على النقود الورقية.

(33) العقود المستقبلية و أحكامها الفقهية العقود المستقبلية:

تعقد هذه العقود في سوق منظمة أنشأت بدافع التعامل بها، و تسمى سوق تبادل السلع، و من يحب ان يتعامل في المستقبليات يلزم ان يكون عضوا في هذا السوق، و ان العضوية تتكون من منتجي عدة سلع و تاجر بها، و من مؤسسات السماسرة و من اراد ان يتعامل في هذا السوق دون ان يكون عضوا فيها فانما يستطيع عن طريق السماسرة الاعضاء، و على المتعامل فيها ان يفتح حسابا عند ادارة السوق كضمان لتصفية التعامل حسب قواعد و مقررات السوق و لا يزيد حسابه عادة على 10% من قيمة العقد عند التوقيع، و الغرض من ذلك تغطية الخسارة المحتملة في حال تخلف احد الفريقين عن الوفاء بما التزمه، و بعد فتح الحساب يجوز للعضو ان يبيع و يشتري كمية معينة من السلع لتسليم شهر مثلا، و عقود هذا السوق عقود نمطية بمعنى: ان كميات السلع المتعامل بها مقسمة على وحدات تجارية كل وحدة منها عبارة عن كمية خاصة من تلك السلع المعروفة، فلا يقع التعامل فيه بكمية ادنى من هذه الكمية، فالوحدة المعتبرة في القمح هي خمسة آلاف كيس، فلا يباع بكمية ادنى من هذه الكمية و كذلك انواع السلعة و صفاتها محددة بدقة من حيث جودتها و ردائتها و يشار إلى هذه الانواع بارقام الدرجات، الدرجة الاولى و الدرجة الثانية و الدرجة الثالثة، و على هذا فمن اراد بيع وحدة من قمح الدرجة الاولى مثلا يقدم عرضه الى ادارة السوق، و المشترى يقبل هذا العرض عن طريق الادارة، و لا يحتاج اي منهما الى الالتقاء بالآخر او معرفته، و الادارة تتكفل ذلك و تقوم بتسليم السلعة من قبل البائع و الثمن من قبل المشتري عند حلول تاريخ التسليم. ثمّ ان المشتري لا ينتظر وقت التسليم، و انما يظل هذا العقد من الآن الى تاريخ التسليم محل بيع‌

381

و شراء في كل يوم بل عشرات البيوع يوميا، مثلا لو باع زيد على عمرو وحدة من القمح الى اجل محدد، فان عمروا يبيعها بعد ذلك الى خالد و خالد الى بكر و بكر الى حامد و هكذا كل واحد منهم بثمن، و يختلف عن الثمن الاول، و الفارق بين سعر المبيع و سعر الشراء هو الربح، و كل من اشترى بسعر اقل و باعه بسعر اكثر، فانه يستحق ان يطلب بفرق السعرين كربح له دون ان يدفع الثمن كمشتري او يسلم المبيع كبائع، ففي المثال المذكور لو اشترى عمرو من زيد وحدة القمح لتسليم ثلاثة اشهر بعشرة آلاف دولار مثلا و باعها عمرو من خالد باحد عشر الف دولار، فانه لا يدفع الثمن الى زيد و لا يسلم المبيع الى خالد، و انما يستحق الف دولار كالربح الحاصل على تعامله، و تقوم ادارة السوق بانجاز هذه العمليات المسجلة في غرفة المقاصة، و تتولى تصفية جميع الالتزامات في آخر النهار كل يوم، و اذا جاء وقت التسليم، يصدر من قبل ادارة السوق اخطار للمشتري الاخير بحلول تاريخ التسليم، و باستفساره هل يرغب في استلام المبيع في التاريخ المتفق عليه او يريد بيع هذا العقد، فان رغب في استلام المبيع فان البائع يسلم السلعة المبيعة الى مستودعات معينة، و يسلم وثيقة الادخال الى المستودع، و يحصل في مقابلها على الثمن، و ان لم يرغب المشتري الاخير في استلام السلعة و رغب في بيع العقد، فانه يبيعه من البائع الاول مرة اخرى حينئذ، فان المعاملة تقضي على اساس دفع فوارق السعر كما هو الحال في البيوع السابقة التي تم انجازها قبل التاريخ، و حينئذ لا يقع التسليم و التسلم حتى في المعاملة الاخيرة. و من هنا لا يريد المتعاملون في هذا السوق النمطي شراء السلع و بيعها بغرض الحصول على المبيع او الثمن، و انما يريدون الحصول على الارباح و الفوائد التي تتكون من فروق اسعار البيع و الشراء، على اساس ان الكمية المتداول لها بيعا و شراءً بما انها كبيرة، فالتفاوت اليسير في ارتفاع السعر يؤدي الى ربح كبير، و حيث انهم على ثقة من خبرويتهم بتقلبات الاسعار، فلذلك يقومون بشراء المستقبليات على امل انهم سوف يبيعونها بسعر اكثر، و يتخلص لهم ربح من وراء هذه العملية بدون ان يخضعوا في استلام المبيع و تسليمه.

تخريجات فقهيه للعقود المستقبلية:

و الهدف من هذه التخريجات تحويل هذه العقود الى عقود شرعيه. نذكر في ما يلي أهم ما يمكن ان يقال او قيل من المناقشة في مشروعية هذه العقود و عدم مطابقتها للشرع.

382

الأول: ان العقود الجارية في هذا السوق النمطي تقوم نوعا على بيع ما لا يملكه الانسان،

فان التاجر المستورد او منتج السلعة يقدم عرضه الى السوق ببيع وحدة او وحدتين من السلع كالقمح او النفط مثلا لتسليم ثلاثة اشهر من تاريخ البيع بينما هو لا يملك هذه الوحدة او الوحدتين فعلا، فيكون من بيع ما لا يملك. و هو باطل شرعا فاذا بطل هذا البيع بطلت البيوع اللاحقة جميعا و يمكن علاج هذه المناقشة بوجهين: 1 ان البائع الذي يبيع كمية من السلع في هذه السوق و ان كان لا يملكها حين انشاء البيع الا ان ادارة السوق التي تقوم بعملية البيع لا تقوم ببيع الكمية المعدومة فانه غير عقلائي بل تقوم ببيع ما تعهدت لتسليمه للمشتري خلال ثلاثة اشهر مثلا و المشتري يقوم بشراء ما تعهدت به الادارة و هذا جائز شرعا. 2 ان ما لا يملك بما هو لا يملك و ان كان غير عقلائي و لكن هل يصح بيعه في ذلك الوقت المتأخر من الآن للمشتري بمعنى انشاء ملكيته له من حين كونه مالكا له.

الجواب: انه لا مانع منه لان الانشاء خفيف المئونة حيث انه عبارة عن الاعتبار و لا مانع من اعتبار البائع بقوله بعت، ملكية ما يملكه في المستقبل لا انه اعتبر بقوله بعت ملكيته فعلا فانه غير عقلائي و لا يلزم على هذا انفكاك الانشاء عن المنشأ لان المنشأ بوجوده الانشائي الاعتباري عين الانشاء و لا فرق بينهما الا بالاعتبار كالايجاد و الوجود في التكوينيات و من هنا يظهر انه لا تعليق في الانشاء لكي يقال انه غير معقول لان التعليق يقتضي الاثنينية و لا اثنينية هنا و ان شئت قلت ان المنشأ و ان كان هو الملكية في زمن متأخر الا انه بوجوده الانشائي و الاعتباري في عالم الاعتبار و الذهن موجود فعلا و أما بوجوده الفعلي بفعلية موضوعه في الخارج فهو متأخر و لكنه غير مرتبط بالانشاء و الاعتبار و من هنا قلنا ان للحكم مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل و الانشاء و أما مرتبة المجعول و هي فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج فهي ليست من مراتب الحكم لانها معلولة لفعلية موضوعه فيه. و الخلاصة: أنه لا مانع من بيع من لا يملك السلع فعلا و لكنه يملكه في وقت متأخر بانشاء ملكيته للمشتري في ز» من تملكه له فيكون الانشاء من الآن و المنشأ بوجوده الفعلي متأخر، و هذا لا مانع منه.

383

هذا اضافة الى انا لو افترضنا ان هذه العقود باطلة شرعا، و لكن بطلانها لا يمنع من تصرف المتعاملين في السوق لا في الثمن و لا المثمن و لا في الربح، على اساس التراضي الموجود بينهم في هذا التصرف بموجب قوانين السوق و مقرراته الصارمة. نعم لو كانت قوانين السوق و مقرراته مبنية على طبق الاحكام الشرعية فعندئذ لو كانت العقود المذكورة باطلة لم يجز تصرفهم في السوق إذا لم يحرزا الرضا.

الثاني: ان العقود المستقبلية بما انها تقوم على اساس تأجيل الثمن و المثمن معا فلا تدخل في عقد السلم،

لأن المعتبر فيه تعجيل الثمن بكامله و لا في النسيئة فاذن لا يمكن الحكم بصحتها شرعا. و يمكن علاج هذه المناقشة اولا: بان الحكم بصحة عقد لا يدور مدار كونه داخلا في احد العقود الخاصة، بل يكفي في صحته انطباق عنوان التجارة عن تراض عليه، و بذلك يكون مشمولا لقوله تعالى ( (لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ))، و على هذا و ان لم ينطبق على تلك العقود عنوان بيع السلم و لا النسيئة الا انه مع ذلك لا مانع من الحكم بصحتها بملاك انها من التجارة عن تراض، بل لا يبعد ان تكون مشمولة لإطلاق قوله تعالى ( (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)). ثانيا: لو سلمنا ان العقود المستقبلية جميعا باطلة شرعا الا انه مع ذلك لا مانع من التصرف في السوق على اساس وجود التراضي بين المتعاملين فيه كما مر.

الثالث: ان البيوع المتلاحقة في العقود المستقبلية التي يتداول بها يوميا من يد إلى يد عشرات المرات المرات في الاسواق المالية

(البورصات) بين الناس و عملاء السوق، حيث انها غالبا تقع قبل حلول الاجل، فهي محكومة بالبطلان بلا فرق بين ان تكون الكمية المتداولة بها من المكيل و الموزون او من غيرهما.

و الجواب: ان المشهور بين الفقهاء و ان كان بطلان البيع قبل الاجل و لكنه لا يخلو عن اشكال، و الاقوى الصحة.

384

الرابع: ان البيوع اللاحقة في تلك العقود التي يتعامل بها يوميا في السوق،

بما انها بيوع تتم قبل قبض السلعة المبيعة، فلا تجوز و كذلك البيع الأول.

و الجواب: ان هذه المناقشة تامة اذا كان المبيع من المكيل او الموزون كالقمح و الارز و النفط و نحوها، فانه حينئذ لا يجوز بيعه قبل قبضه الا براس ماله فقط، و أما اذا لم يكن المبيع من المكيل او الموزون، فلا مانع من بيعه قبل قبضه، و لا يعتبر في صحته القبض، فالنتيجة انه يجوز التعامل في سوق المستقبليات بالبيع و الشراء اذا لم يكن المبيع من المكيل او الموزون، و أما اذا كان منه فلا يجوز الا براس ماله، و أما التعامل بالنقود الذهبية و الفضية فيه، فان كان الذهب بالذهب و الفضة بالفضة فالمعتبر فيه التماثل و المساواة بينهما، و أما التقابض في المجلس فالاظهر عدم اعتباره كما مر، و ان كان الذهب بالفضة او الفضة بالذهب فالمعتبر فيه التقابض في المجلس دون التماثل و المساواة، و عليه فلا يصح التعامل بهما كذلك بالعقود المستقبلية. و دعوى ان البيوع اللاحقة بيوع صورية و ليست بواقعية فانها مجرد وسيلة للاستفادة من فوارق الاسعار في فترة زمنية محددة، حيث لا تسليم و لا تسلم فيها، و مثل هذه البيوع لا تكون مشمولة لأدلة الامضاء. مدفوعة بان تلك البيوع بيوع حقيقية واقعية، غاية الامر ان نظر البائع و المشتري الى المبيع و الثمن بالمبادلة بينهما تارة يكون بالمعنى الاسمي، و اخرى بالمعنى الحرفي، و الغرض هو الاستفادة من فروق اسعارهما لا التسليم و التسلم، و قوام البيع انما بانشاء المبادلة بينهما عن جد، و هو موجود لا بالتسليم و التسلم، فانه ليس من مقوماته. يتلخص: ان المستثنى من العقود المستقبليات في اسواق البورصة أمران: أحدهما: ان المبيع اذا كان من المكيل او الموزون، فبما انه لا يصح بيعه قبل قبضه الا براس ماله، فلذلك لا تصح العقود اللاحقة المترتبة على العقد الاول ايضا، باعتبار انها جميعا قبل القبض، و لكن مع هذا يجوز التصرف في الربح على اساس التراضي كما مر. الثاني: ان المبيع اذا كان من الذهب و الثمن من الفضة أو بالعكس لم يصح التعامل بهما في سوق المستقبليات الا بتراضي كل منهما بالتصرف في مال الآخر.