بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
55

..........

____________

و ينقح به موضوع النجاسة.

و اما في الشك الثاني، فالرجوع إلى قاعدة الطهارة في نفسها مبني على تشخيص ان موضوع النجاسة هل هو أمر وجودي، أي كونه دما لذي نفس سائلة، أو أمر مطلق و خرجت منه عناوين وجودية كالبق و السمك و نحوها؟. فعلى الأول تكون الأصول مؤمنة بقطع النظر عن موثقة عمار، و على الثاني يجري استصحاب عدم كون الدم من تلك العناوين الوجودية الخارجة فثبتت النجاسة.

و ثانيا: ان الحمل على الحكم الواقعي هو مقتضى الظهور الاولى.

و ما ادعي قرينة صارفة من لزوم وروده عمليا بلحاظ الفرد النادر مدفوع بان حصول الاطمئنان بأن الدم الذي على منقار الصقر من القسم النجس ليس امرا غريبا، لوضوح ان الصفر ليس طائرا أهليا، فهو يعيش في اجواء غير سكنية عادة، و في مثلها لا يتواجد اللحم المذكى المطروح لنهش الطيور. كما ان بيئة الواقعة إذا كانت بيئة صحراوية بعيدة عن البحر كما في كثير من المواضع فبالإمكان ان يحصل الوثوق بأن هذا الصقر لا يتيسر له سمك أو حوت. فالظروف إذن كثيرا ما تبعث على الاطمئنان بأن الدم من القسم النجس، فلا محذور في الحمل على الحكم الواقعي.

و ثالثا: إنا لو سلمنا ندرة حصول الاطمئنان بأن الدم من القسم النجس فلا ضرر في ذلك، إذا لم يكن المقصود من قوله: «فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه و لا تشرب» بيان حكم آخر، بل تأكيد نفس ما تقدم من عدم الاجتناب بحصر غايته بأن يرى الدم على منقار الطير فان هذا بنفسه أسلوب عرفي للتأكيد على الإطلاق في المستثنى منه. و هو نظير ما وقع في فقرة أخرى من الرواية بالنسبة إلى حكم الدجاجة، إذ رخص في سؤرها مع عدم العلم بالقذر و منع معه إذ قال ان كان في منقارها قذر‌

56

..........

____________

فلا تتوضأ منه و لا تشرب منه و ان لم تعلم ان في منقارها قذرا توضأ منه و اشرب و القذر هو النجس، فليس الامام (ع) في هذه الفقرة بصدد بيان النجاسة الظاهرية، بل في مقام بيان ان الطهارة لا يرفع اليد عنها إلا بالعلم بالقذر تأكيدا على شمولها و رحابة صدرها.

الثانية: في توهم منافاتها لدليل الاستصحاب بالبيان المتقدم و تقريبه اما بدعوى: كونها معارضة لدليل الاستصحاب بالعموم من وجه، لشمولها لصورة العلم بالدم سابقا مع الشك في زواله. و إما بدعوى: كونها بحكم الأخص منه، لأن الغالب هو العلم عادة بتلوث منقار الصقر و نحوه في وقت متقدم.

أما الدعوى الاولى فيرد عليها: انه لو سلم التعارض كذلك فدليل الاستصحاب مقدم في مادة الاجتماع، إما لكونه بالعموم بلحاظ كلمة ابدا و العام مقدم على المطلق و لو للأظهرية. و إما لكونه أصلا موضوعيا متضمنا للعلم تعبدا ببقاء الدم، فيدخل بالحكومة تحت الجملة الثانية القائلة: «فإن رأيت في منقاره دما»، بعد استظهار أن الرؤية مأخوذة باعتبار الكاشفية و كونها مساوقة للعلم بوجود الدم، و استصحاب بقائه علم تعبدي بوجوده فعلا.

و أما الدعوى الثانية فيرد عليها: ان وجود الدم على المنقار سابقا و ان كان معلوما في الجملة و لكن عدمه سابقا معلوم في الجملة أيضا، إذ من الواضح ان منقار الطير لا يكون ملوثا بالدم دائما فيكون من توارد الحالتين، و يتعارض الاستصحابان. هذا كله لو بني على ان الاستصحاب في نفسه يجري بقطع النظر عن الموثقة المعارضة.

و لكن قد يستشكل في جريانه: إما بناءا على ان بدن الحيوان لا يتنجس بالنجاسة العرضية في حال وجود العين، فلتعذر اجراء الاستصحاب في النجاسة العينية و النجاسة الحكمية. أما في الاولى فلان إبقاء الدم استصحابا لا يثبت ملاقاة الماء للدم إلا بالملازمة، و أما في الثانية فلعدم الحالة السابقة‌

57

..........

____________

بحسب الفرض.

و اما بناءا على ان بدن الحيوان يتنجس بالنجاسة الحكمية ما دامت العين موجودة، فقد يقال: بإجراء الاستصحاب في النجاسة الحكمية، و يترتب على ذلك نجاسة الماء، لأنه ملاق للمنقار بالوجدان و هو نجس بالاستصحاب فينجس الماء.

و لكن يشكل ذلك تارة: في خصوص الماء المطلق بناءا على المختار من عدم انفعاله بملاقاة المتنجس، فان الاستصحاب المذكور لا ينقح موضوع الانفعال فيه حينئذ. و اخرى: مطلقا حتى بناءا على ان المتنجس ينجس، و ذلك للعلم بان المنقار في المقام غير منجس بما هو متنجس، لأن الدم ان كان باقيا فهو أسبق ملاقاة و تنجيسا للماء و المتنجس لا يتنجس، و ان لم يكن باقيا فلا نجاسة حكمية أصلا.

و قد يدفع هذا الإشكال: بأن مقتضى إطلاق دليل السراية ان الوجود الثاني للملاقاة منجس كالوجود الأول، و لا يلزم من ذلك تعدد التطهير و الغسل الواجب، لأن أصالة عدم التداخل إنما تجري في الأوامر المولوية لا الأوامر الإرشادية إلى النجاسة، لوضوح ان تعدد الإرشاد إلى النجاسة لا يستوجب تعدد النجاسة المرشد إليها على ما أوضحناه أكثر من مرة. و انما لا يلتزم بالإطلاق المذكور في دليل السراية للغوية بعد معلومية وحدة الغسل، و هذا انما يتم فيما إذا لم يكن للمتنجس الثاني أثر عملي كما في المقام، حيث يمكن بلحاظه إثبات النجاسة بالاستصحاب.

غير ان دفع اللغوية بمثل هذا الأثر قد لا يكون في محله، لان المقصود بها اللغوية العرفية لا العقلية، و اللغوية العرفية لا تندفع إلا بأثر عرفي مصحح في مرتكزات العرف للجعل المذكور، و ليس الأثر العملي المقصود في المقام من هذا القبيل. على انه لو سلم الدليل على تنجيس المتنجس‌

58

..........

____________

فيشكل إطلاقه- حتى بقطع النظر عن اللغوية- للوجود الثاني من الملاقاة، كما يظهر بالتتبع.

[نجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء]

و اما المورد الثاني للاستثناء فهو البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء، إذ يحكم عليه بالنجاسة- كما يحكم بالناقضية- على خلاف إطلاق قاعدة الطهارة، لروايات خاصة (1). و تحقيق حال هذه الروايات دلالة و سندا موكول الى محله، و انما نتكلم الآن بعد الفراغ عن تماميتها في إمكان إثبات النجاسة بها في مقابل قاعدة الطهارة.

و قد ذهب صاحب الحدائق (قدس سره)- خلافا للمشهور- الى قصور روايات الاستبراء عن إثبات النجاسة الخبثية، و اختصاصها بإثبات الناقضية و هذا الاتجاه بالإمكان تقريبه بأحد نحوين:

الأول: ان يقال بقصور المقتضي في دلالتها، لأن مفادها التعبد بالنقض، و لا ملازمة بينه و بين التعبد بالنجاسة في مرحلة الحكم الظاهري.

و الثاني: ان يقال- بعد تسليم دلالتها بالإطلاق على التعبد بالنجاسة أيضا- ان هذه الروايات معارضة لكل من دليل الاستصحاب و قاعدة الطهارة، غير أنها أخص من دليل الاستصحاب لأنها منافية له بتمام مدلولها و اما مع القاعدة فالنسبة بينهما العموم من وجه، لأن القاعدة تثبت الطهارة و لا تنفى النقض ظاهرا، و روايات الاستبراء تنفي الطهارة في البلل المشتبه و لا تتعرض لحال مشتبه آخر. و عليه فاما ان يقدم دليل القاعدة لكونه بالعموم و دلالة الروايات على النجاسة بإطلاق التنزيل، و اما ان يتساقطا في مادة الاجتماع و يرجع الى أصول مؤمنة أخرى أدنى مرتبة.

اما الاتجاه الأول فقد يجاب بعدة وجوه:

____________

(1) لاحظ وسائل الشيعة باب 13 من أبواب نواقض الوضوء و باب 11 من أبواب أحكام الخلوة.

59

..........

____________

أولها: ما ذكره السيد الأستاذ- (دام ظله)- من ان هذه الروايات دلت على ناقضية البلل المشتبه للوضوء، و قد ثبت بالأدلة القاطعة أن الناقض للوضوء من البلل منحصر بالبول، فتدل هذه الروايات على ان البلل المشتبه بول فتثبت النجاسة الخبثية (1).

و هذا البيان بظاهره غريب ما لم يؤول على ما يأتي، و ذلك لان هذين الدليلين ليسا في مرتبة واحدة لكي يجمع بينهما بالنحو المذكور و يضم أحدهما إلى الآخر في قياس فقهي، فإن أدلة حصر النواقض بالبول مفادها الحكم الواقعي، و روايات البلل المشتبه تنظر الى الحكم الظاهري المضروب كقاعدة في موارد الشك في ناقضية البلل، فلا يلزم من ثبوت هذه الناقضية ظاهرا- مع عدم ثبوت البولية- ما ينافي أدلة حصر النواقض واقعا بالبول لان الحصر الواقعي لا ينثلم إلا بجعل ناقض آخر واقعي كما هو واضح.

ثانيها: إن في روايات الاستبراء ما يتعرض للنجاسة الخبثية. ففي موثقة سماعة قال: «سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل أن يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل. قال: يعيد الغسل، فان كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله و لكن يتوضأ و يستنجي» (2). و تقريب الاستدلال: ان هذه الرواية تأمر بالاستنجاء من البلل المشتبه، و هو إرشاد إلى الحكم بنجاسته ظاهرا.

و قد يناقش في ذلك بان الرواية واردة في بلل مشتبه يحتمل كونه منيا، و لهذا أمر بالغسل منه إذا صدر قبل البول. و البلل المحتمل لكونه منيا تارة: يكون مرددا بين المني و البول، و أخرى: يتردد بنحو يحتمل فيه غير البول و المني معا. و الأمر بالاستنجاء يشمل كلتا هاتين الصورتين،

____________

(1) التنقيح الجزء الثالث ص 435.

(2) الوسائل باب 36 من أبواب الجنابة حديث 8.

60

..........

____________

و هو انما يعارض قاعدة الطهارة بلحاظ إطلاقه للصورة الثانية، لأن النجاسة في الصورة الأولى معلومة، فيكون التعارض بنحو العموم من وجه مع دليل قاعدة الطهارة. و سيأتي علاج ذلك في مناقشة الاتجاه الثاني.

ثالثها:- و هو تطوير أو تأويل للتقريب الأول الذي نقلناه عن السيد الأستاذ- (دام ظله)- و حاصله: ان مفاد روايات الاستبراء و ان كان هو النقض الحدثي، و التعبد بالحدث لا يلزم منه التعبد بالنجاسة أو البولية- فما أكثر التفكيك بين المتلازمات في مؤديات الأصول، و لهذا لا يثبت بأصالة الحل في المائع المردد بين الخمر و الخل خليته- غير ان هذا المعنى ينبغي التفصيل فيه بين ما إذا كان الدليل على الحكم الظاهري عاما كأصالة الحل، و ما إذا كان رواية في موضع خاص و بلحاظ أثر خاص. ففي الأول لا يكون للدليل نظر الى موضوع حكم بالخصوص، فيثبت به الحكم الظاهري و لا يثبت به تعبدا موضوع الحكم الواقعي المماثل لذلك الحكم الظاهري لأن التعبد يستكشف بقدر إفادة الدليل له. و في الثاني لما كان دليل الحكم الظاهري مسوقا بلحاظ تنجيز حكم واقعي معين و هو النقض و إثباته تعبدا، فبضم ارتكاز كون البول موضوعا لهذا الحكم واقعا و ارتباط الحكم بالانتقاض به شرعا، يكون لدليل التعبد بالنقض ظهور عرفي و لو التزاما في التعبد بالموضوع و إثبات البولية ظاهرا.

و على هذا فالمقتضي إثباتا لاستفادة النجاسة من روايات الاستبراء تام.

يبقى علينا بحث الاتجاه الثاني القائل بإيقاع المعارضة بين إطلاقها و إطلاق القاعدة. و يمكن دفع ذلك.

تارة: بتقديم مفاد روايات الاستبراء لكونه بمثابة الأصل الموضوعي لأنه يتكفل بالتعبد بالبولية، إما بلحاظ الوجه الثالث المتقدم في دفع الاتجاه الأول، و إما بلحاظ التعبير بالاستنجاء في موثقة سماعة المخصوص بمورد‌

61

[حكم غسالة الحمام]

(مسألة 3) الأقوى طهارة غسالة الحمام و ان ظن نجاستها (1) لكن الأحوط الاجتناب عنها.

____________

غسل البول باعتبار ملازمته الغالبية للنجو، فالأمر بالاستنجاء يتكفل التعبد بالبولية.

و اخرى: بتقديمها لاستظهار الأمارية بمناسبات الحكم و الموضوع، و كون الحكم بناقضية البلل المشتبه بلحاظ جعل العادة كاشفة عن تخلف شي‌ء في المجرى و خروجه بعد ذلك. و التعبيض في الأمارية بين النقض و النجاسة غير عرفي، لان نسبة الكاشفية الى الأثرين على نحو واحد، و لا بفهم العرف فرقا بين الأثرين من هذه الناحية. اللهم إلا زيادة اهتمام الشارع بأحدهما دون الآخر، على نحو يحكم الكاشف الظني على الأصول المؤمنة من ناحية النقض لا على الأصول المؤمنة من ناحية النجاسة.

و ثالثة: بتقديم الإطلاق في موثقة سماعة، لأن حملها على خصوص مورد العلم بكون الخارج بولا أو منيا حمل على فرد نادر، فتكون بحكم الأخص من دليل قاعدة الطهارة.

(1) و ذلك عملا بإطلاق قاعدة الطهارة غير انه قد يدعى وجود المقيد في الروايات الخاصة. و قد يدعى في مقابل ذلك ان المقيد مبتلى بالمعارض فيرجع على فرض التكافؤ إلى إطلاق القاعدة. فهنا جهتان من البحث:

الجهة الاولى: في الروايات المدعى كونها مقيدة

و هي عديدة:

منها:- رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأول (ع) قال:

«سألته- أو سأله غيري- عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، و غض بصرك، و لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم» (1).

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب الماء المضاف حديث 1.

62

..........

____________

و الاستدلال بها يتوقف على أمرين أحدهما: ان يستظهر كون الملحوظ حيثية النجاسة لا حيثية كون الماء من الماء المستعمل، و لو بقرينة عطف الناصب و ولد الزنا على الجنب. و الآخر: ان يستظهر كون الملحوظ معرضية الماء لسؤر هؤلاء الموجب للشك، لا كونه سؤرا بالفعل على أي حال، و إلا فقد يدخل في معلوم النجاسة و لا ينفع للمستدل.

و الرواية ساقطة سندا لعدم ثبوت وثاقة الراوي.

و منها: مرسلة علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (ع) (في حديث)

«. انه قال لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فإنه يغتسل فيه من الزنا، و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم» (1) و تقريب الاستدلال بها كما تقدم، و سندها ساقط بالإرسال.

و منها:- معتبرة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (ع) (في حديث)

«. قال: و إياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت فهو شرهم فان اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و إن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه» (2).

و تقريب الاستدلال بها كما تقدم.

و منها:- رواية أخرى في طريقها إرسال تنتهي الى ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (ع):

«قال لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرهما إن اللّه لم يخلق خلقا شرا من الكلب.» (3).

____________

(1) نفس المصدر السابق حديث 3.

(2) نفس المصدر السابق حديث 5.

(3) نفس المصدر السابق حديث 4.

63

..........

____________

و هناك رواية أخرى و هي معتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع):

«قال: سألته عن ماء الحمام فقال: ادخله بإزار و لا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيهم (فيه خ ل) جنب، أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا» (1). و قد تقدم الكلام عنها في بحث الماء المستعمل من هذا الشرح (2)، و ان المستظهر منها ارادة ماء الحياض الصغار من ماء الحمام، و عليه تكون خارجة عن محل الكلام، و هو غسالة الحمام أي المياه التي تتجمع في الحفرة نتيجة ما ينفق من ماء الحياض الصغار. و لو سلم ورودها في محل الكلام فلا دلالة فيها على النجاسة، لأن عدم جواز الاغتسال كما يناسب ذلك كذلك يناسب افتراض محذور في الماء المستعمل.

و مرد الفرق بين هذه الرواية و الروايات السابقة من هذه الناحية الى اقتصارها على ذكر الجنب على نحو لا يتم الأمر الأول من الأمرين المشار إليهما في تقريب الاستدلال. و اما الروايات السابقة فالاستدلال بها على تخصيص قاعدة الطهارة غير تام، من ناحية ان كلمة الشرية المأخوذة في تلك الروايات ظاهرة في الحزازة المعنوية لأنها مقابلة للخير، على عكس النجاسة المقابلة للنظافة فإنها ظاهرة في الحزازة المادية، و هذا على الأقل يوجب إجمالا في الروايات و عدم ظهورها في الحكم بالنجاسة بالمعنى المصطلح.

و من ناحية ثانية: ان من جملة المذكورات في بعض تلك الروايات ولد الزنا، و من المعروف بين المسلمين طهارته، و هذه المعروفية و الارتكاز بنفسه يمكن ان يكون بمثابة القرينة المتصلة على أن النظر في النهي ليس إلى النجاسة بل إلى حزازة معنوية، فيوجب الإجمال على أقل تقدير.

و من ناحية ثالثة: ان الأدلة التي دلت على طهارة أهل الكتاب‌

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 5.

(2) الجزء الثاني من البحوث صفحة 144- 148.

64

..........

____________

بنفسها تشكل قرينة منفصلة على أن النهي في هذه الروايات تنزيهي.

و من ناحية رابعة: انه إن بني على نجاسة العناوين المذكورة في الروايات فيمكن دعوى الاطمئنان بنجاسة ما في الحفرة غالبا، لان ماء الحفرة يتراكم بعضه على بعض و يبقى مددا طويلة، فلا تكون الروايات المذكورة معارضة لقاعدة الطهارة إلا بلحاظ فروض نادرة يمكن الالتزام فيها بتقديم القاعدة، بل لو بني على ان المتنجس ينجس الماء القليل فيمكن ان يدعى الجزم بنجاسة ماء الحفرة دائما، لأن نفس الحفرة متنجسة و هي لا تطهر عادة أو يجري استصحاب عدم تطهيرها، فتكون منجسة لما يرد إليها من ماء.

الجهة الثانية: في الروايات المدعى نفيها للنجاسة الظاهرية الآنفة الذكر

و هي عديدة:

منها:- رواية محمد بن مسلم. قال:

«رأيت أبا جعفر (ع) جائيا من الحمام و بينه و بين داره قذر، فقال: لو لا ما بيني و بين داري ما غسلت رجلي، و لا يجنب ماء الحمام» (1).

و منها:- رواية زرارة قال:

«رأيت أبا جعفر (ع) يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلي، (2).

و الروايتان معا معتبرتان سندا. و أما من حيث الدلالة فمصب النظر فيهما الى ماء الحمام المبثوت في الممر و الى أنه ليس بنجس، و هذا غير ماء الغسالة المجتمع في الحفرة الذي يدعى إجراء أصالة النجاسة فيه، فلا يمكن الاستدلال في المقام بمثل هاتين الروايتين إلا مع الجزم بعدم الفرق، مع ان الفرق محتمل لأن احتمال نجاسة الماء الواقع في الممر رهين باحتمال أن‌

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 3.

(2) الوسائل باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 2

65

..........

____________

يكون هذا الماء قد انحدر من جسد إنسان نجس، و أما النجاسة في ماء الحفرة فيكفي فيه أن يكون شي‌ء منه قد انحدر من جسم إنسان نجس إليه، إذ بوقوعه فيها يتنجس تمام ماء الحفرة. و من الواضح ان احتمال ان يكون هذا الماء الموجود في الممر فعلا نجسا أضعف من احتمال أن يكون واحد على الأقل من المياه التي تجمعت في الحفرة نجسا. هذا إذا لم نقل بأن المتنجس ينجس الماء و إلا فالأمر كما ذكرناه سابقا.

و منها:- معتبرة محمد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (ع) الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره اغسل من مائه؟. قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب، و لقد اغتسلت فيه و جئت فغسلت رجلي و ما غسلتهما إلا بما لزق بهما من التراب» (1). و الاستدلال بها قد يكون بلحاظ صدرها، و هو قول السائل: «الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره اغسل من مائه»، بدعوى إطلاق ماء الحمام فيه لماء الغسالة. و قد يكون بلحاظ قوله «و لقد اغتسلت فيه»، الظاهر في احتواء الماء له بقرينة الظرفية المناسب لماء الغسالة لا ماء الحياض الصغار. و قد يكون بلحاظ قوله: «و ما غسلتهما إلا بماء لزق بهما من التراب»، الظاهر في نفي المحذور من سائر الجهات.

و يرد على اللحاظ الأول: ظهور عنوان ماء الحمام في الماء المعد للاستحمام و هو يختص بماء الحياض، فلا يراد به مطلق ما في الحمام من ماء ليتمسك بإطلاقه لماء الغسالة. و يرد على اللحاظ الثاني: ان الضمير في قوله «و لقد اغتسلت فيه» يرجع الى الحمام لا الى ماء الحمام، و لا أقل من الاحتمال الموجب لسقوط القرينة المدعاة. و يرد على اللحاظ الثالث: أنه ناظر الى الممر، و بصدد بيان ان الاستطراق انما أوجب الغسل لاستقذار عرفي لا لنجاسة شرعية.

____________

(1) المصدر السابق حديث 3.

66

[استحباب رش معابد الكفار قبل الصلاة فيها]

(مسألة 4): يستحب رش الماء إذا أراد أن يصلي في معابد اليهود و النصارى مع الشك في نجاستها و ان كانت محكومة بالطهارة (1).

____________

هذا مضافا الى انه لو تمت دلالة هذه الرواية بالإطلاق، و تمت الروايات السابقة بنحو الخصوصية، كانت مقيدة لهذا الإطلاق. و اما لو تم الدليلان معا بدون افتراض الأخصية فقد يجمع بينهما بحمل تلك الروايات على الرجحان و التنزه، و لكنه لا يناسب مع لسان مثل هذه الرواية الذي لا يقتصر مفادها على نفي اللزوم، بل تفيد بظاهرها نفي الموجب رأسا.

و منها:- رواية الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: «سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب.

قال: لا بأس» (1).

و مع الجمود على مدلول هذه الرواية لا يمكن جعلها معارضة لحاق مدلول الروايات السابقة المستدل بها على المنع، لأن مفاد تلك النهي عن الاغتسال و مفاد هذه الحكم بطهارة الثوب الملاقي، و التفكيك بين الآثار في مرحلة الظاهر معقول. فلكي تتم المعارضة و القرينية- مثلا- لا بد أن تضم دعوى الملازمة العرفية بين الحكم بطهارة الثوب و طهارة الماء الملاقي له في مرحلة الظاهر كالتلازم في مرحلة الواقع. و الرواية على أي حال ساقطة سندا بالإرسال.

و على أي حال فقد اتضح من مجموع ما تقدم ان الصحيح ما في المتن.

(1) الكلام تارة يقع في الحكم بالرش ثبوتا و استحبابا، و أخرى في مورده.

اما الكلام في الحكم

فأصل ثبوته يستند الى عدة روايات:

منها:- صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (ع) قال:

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 9.

67

..........

____________

«سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس. فقال: رش و صل» (1) و في صحيحته الأخرى قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الصلاة في البيع و الكنائس. فقال: رش و صل. قال: و سألته عن بيوت المجوس. فقال: رشها وصل» (2).

و هذا المفاد يحتمل فيه بدوا: أن يكون الأمر بالرش بلحاظ الاستقذار المعنوي، فيثبت حتى مع القطع بالطهارة الحسية. و ان يكون بلحاظ نجاسة الكنيسة بما هي كنيسة بالمعنى المصطلح من النجاسة، و هذا يعني أنها نجاسة ذاتية غاية الأمر أنها تزول بالغسل كنجاسة الميت من الإنسان. و ان يكون بلحاظ الشك في النجاسة المصطلحة العرضية، و هذا ما عليه الماتن و لعله الذي فهمه المشهور من الأمر بالرش.

غير أن السيد الأستاذ- (دام ظله)- استظهر الاحتمال الأول، و استشهد له بأن الرش مرتبة أدنى من الغسل فلا يكون مطهرا بل ناشرا للنجاسة، و بأن الأمر به مطلق شامل حتى لصورة العلم بعدم النجاسة (3).

و ما أفيد موضع للنظر. أما الاستشهاد بأن الرش ليس مطهرا فهو مدفوع بأن الرش بمرتبة منه غسل بلا اشكال، و الذي يدل على ذلك الروايات الآمرة بالرش و لو استحبابا في موارد احتمال النجاسة، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث: «قال: رأيته في المنازل التي في طريق مكة يرش أحيانا موضع جبهته، ثم يسجد عليه رطبا كما هو، و ربما لم يرش المكان الذي يرى أنه نظيف». (4) فإنها كالصريحة في أن الحزازة المنظور إليها و الداعية إلى الرش هي القذارة المادية التي تقابل النظافة‌

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب مكان المصلي حديث 2.

(2) الوسائل باب 13 من أبواب مكان المصلي حديث 4.

(3) التنقيح الجزء الثاني ص 193

(4) الوسائل باب 22 من أبواب مكان المصلي حديث 1.

68

..........

____________

لا القذارة المعنوية، و كذلك ما ورد من الروايات الآمرة بالرش و النضح عند الصلاة في مرابض البقر و الغنم و أعطان الإبل [1]، و يقرب منها الروايات الآمرة بالنضح عند اصابة الكلب للثوب إذا لم تجد أثره [2]، و الروايات الآمرة برش ثوب المجوسي عند الصلاة فيه [3].

و اما أصل اختيار الاحتمال الأول فيبعده ارتكاز ان القذارة المعنوية إنما تزول بزوال سببها و هو كون المكان محلا للباطل لا بالرش، فعدم كون الرش مناسبا للمطهرية من القذارة المعنوية يبعد الاحتمال الأول، بل يوجب- بمناسبات الحكم و الموضوع- انسباق الذهن الى كون الرش بملاك النجاسة العرضية التي يترقب عادة زوالها بالتطهير بالماء. و إذا تم هذا الظهور- و لو بضم مناسبات الحكم و الموضوع- كان بنفسه مقيدا لإطلاق الأمر بالرش بصورة ترقب النجاسة و احتمالها، فلا يتم الاستشهاد بالإطلاق لتعيين الاحتمال الأول في مقابل الثالث. و بعد استظهار الاحتمال الثالث يتعين حمل الأمر‌

____________

[1] من قبيل معتبرة سماعة قال: «سألته عن الصلاة في أعطان الإبل و في مرابض البقر و الغنم؟ فقال: ان نضحته بالماء و قد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها» الوسائل باب 17 من أبواب مكان المصلي حديث 4.

[2] من قبيل معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال «سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أ يصلى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره بالماء» ثم قال:

«و في رواية أبي قتادة عن علي بن جعفر: و الكلب مثل ذلك، الوسائل باب 33 من أبواب النجاسات حديث 2- 3.

[3] من قبيل معتبرة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال: يرش بالماء» الوسائل باب 73 من أبواب النجاسات حديث 3.

69

..........

____________

بالرش على الاستحباب، لأن رش المكان المعلوم النجاسة ليس واجبا أو شرطا في الصلاة فيه مع عدم سراية النجاسة و وجود مسجد طاهر للجبهة فضلا عن المكان المشكوك حاله.

نعم لو حمل الأمر بالرش على الاحتمال الأول فلا بد من تكلف قرينة على نفي الوجوب.

و بالإمكان الاستناد الى قرينتين في نفي الوجوب:

إحداهما: معتبرة العيص بن القاسم قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البيع و الكنائس يصلى فيها؟ قال: نعم. و سألته هل يصلح بعضها مسجدا؟ فقال: نعم» (1). و المناقشة فيها تارة: بأن الملحوظ نفي المحذور من حيث كونها بيعة و كنيسة لا من حيثية أخرى، و أخرى: بأنها مطلقة قابلة للتقييد بالرش مدفوعة: بأن حيثية المعرضية للنجاسة لما كانت حيثية محفوظة غالبا في فرض السؤال فلا معنى لعدم نظر الجواب إليها، إلا بان يكون حيثيا بحتا و هو خلاف الظاهر، و التقييد بالرش ليس عرفيا أما لان المنع المحتمل عرفا انما هو بمعنى لزوم الرش فكيف يقيد ما هو بظاهره بديل هذا المنع بالرش، و أما لان مئونة التقييد بهذا القيد الذي فيه عناية فائقة خارجا أشد من مئونة حمل الأمر بالرش على التنزه.

و الأخرى: رواية حكم بن الحكم قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: و سئل عن الصلاة في البيع و الكنائس فقال: صل فيها قد رأيتها ما أنظفها» (2). الحديث، و هذه الرواية سليمة عن المناقشتين السابقتين، غير انها ضعيفة سندا بكلا طريقي الشيخ و الصدوق (3).

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب مكان المصلي حديث 1.

(2) الوسائل باب 13 من مكان المصلي حديث 3.

(3) أما الصدوق فرواها عن صالح بن الحكم الذي ضعفه النجاشي و اما الشيخ فرواها عن حكم بن الحكم و هو مجهول. و قد يصحح ما رواه الشيخ اما بدعوى: الوحدة بين الحكم بن الحكم و الحكم بن حكيم الذي وثقه النجاشي كما في معجم رجال الحديث الجزء السادس ص 166 و لكن ترجمة الشيخ في رجاله للحكم بن الحكم و الحكم بن حكيم كل منهما في عنوان مستقل ظاهر في التعدد و لا قرينة تامة على خلافه. و اما بدعوى: ان الراوي هنا الحكم بن حكيم الثقة لتطابق نسخ التهذيب على ذلك و لوجودها كذلك في الوافي المجلد الثاني ص 72 و له طريق صحيح الى التهذيب و لكن التطابق منخرم بورودها عن الحكم بن الحكم في الوسائل باب 13 من أبواب المصلي حديث 3 و في تفسير البرهان المجلد الثاني ص 444 و في المعتبر ص 158 و اما نقل الوافي بطريق صحيح فمعارض بنقل صاحب الوسائل بطريق صحيح ذكره في خاتمة الوسائل و بنقل صاحب البرهان بطريق صحيح ذكره في آخر البرهان.

70

و اما الكلام في مورد الحكم

____________

فقد ذكر السيد الأستاذ- (دام ظله)-:

بان الحكم لا يختص بمعابد الكفار بل يشمل دورهم أيضا (1). و هذا التعميم يمكن ان يقرب تارة: بدعوى إلغاء الخصوصية للكنيسة و البيعة بمناسبات الحكم و الموضوع، و اخرى: بالتمسك بما ورد من الأمر بالرش في بيوت المجوس مع إلغاء خصوصية المجوسية (2).

و كلا التقريبين محل الإشكال، اما الأول فلا يتم على مبناه- (دام ظله)- من حمل الرش على انه بلحاظ القذارة المعنوية، لوضوح أن القذارة‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 193.

(2) من قبيل معتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس؟ فقال:

رش و صل» الوسائل باب 13 من أبواب مكان المصلي حديث 2.

71

[حكم الفحص عند الشك في النجاسة]

(مسألة- 5) في الشك في الطهارة و النجاسة لا يجب الفحص بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة و لو أمكن حصول العلم بالحال في الحال (1).

____________

المعنوية في المعابد الباطلة لعلها أشد بمرات منها في بيوت سكنى الرواد لتلك المعابد. نعم قد يتم ذلك بناءا على ان يكون الرش بلحاظ المعرضية للنجاسة العرضية.

و اما الثاني فيرد عليه: أو لا: ان إلغاء خصوصية المجوسي لا يوجد ارتكاز يقتضيه، خصوصا على مبناه من حمل الرش على لحاظ القذارة المعنوية، لأن احتمال كون المجوسية أشد قذارة بهذا المعنى موجود، فيكف يتعدى منه الى الكتابي بالمعنى الأخص. و ثانيا: ان عبارة بيوت المجوس يحتمل ان يراد بها بيوت النار، التي هي بالنسبة إلى المجوس كالبيع و الكنائس بالنسبة إلى اليهود و النصارى كما يناسبه عطفها عليها في بعض تلك الروايات (1) و إضافتها إلى المجوس كجماعة لا إلى المجوسي كمفرد. و مما يشهد لإمكان التفكيك بين بيوت المجوسي و بيت النصراني و اليهودي رواية أبي أسامة عن أبي عبد اللّه (ع): «قال: لا تصل في بيت فيه مجوسي، و لا بأس بأن تصلي و فيه يهودي أو نصراني» (2). و الرواية و ان كانت ضعيفة سندا (3)، و لكنها تكفي للتأييد و إثبات احتمال التفكيك.

(1) إما تمسكا بإطلاق دليل قاعدة الطهارة و نحوه من أدلة الأصول المؤمنة التي لا مقيد لها بالفحص في الشبهات الموضوعية، أو استنادا الى لسان مخصوص من السنة القاعدة من قبيل لسان: «ما أبالي أ بول أصابني‌

____________

(1) كما في معتبرة عبد اللّه بن سنان المتقدمة.

(2) الوسائل باب 16 من مكان المصلي حديث 1.

(3) لأن في سندها أبا جميلة و هو لم يثبت توثيقه.

72

..........

____________

أو ماء إذا لم أعلم» (1). فإنه لو شكك في إطلاق أدلة الأصول العامة و ادعي ان الغاية فيها ليست هي العلم بالفعل بل العلم كلما أريد تحصيله، فلا يتطرق مثل هذا التشكيك الى هذا اللسان لوضوح انه في مقام بيان عدم الاهتمام بالواقع المحتمل، المساوق لعدم لزوم الفحص عنه بأي مرتبة من مراتب الفحص حتى ما لا يعتبر من تلك المراتب فحصا عرفا، لأن مدرك عدم الوجوب ليس دليلا قد أخذ في موضوعه عنوان الفحص ليجمد على حدود هذا العنوان، بل ما عرفت. و تتمة الكلام في المسألة تترك الى موضعها من علم الأصول.

____________

(1) كما في معتبرة حفص بن غياث المروية في الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 5.

73

فصل [في طرق ثبوت النجاسة)]

طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني أو البينة العادلة. و في كفاية العدل الواحد إشكال فلا يترك مراعاة الاحتياط. و تثبت أيضا بقول صاحب اليد (1) بملك أو إجارة أو إعارة أو أمانة، بل أو غصب (2).

____________

(1) تقدم في الجزء الثاني من هذا الشرح (1) الكلام عن وسائل إثبات النجاسة، و إثبات حجية الأمور المذكورة من العلم و البينة و شهادة الثقة و قول صاحب اليد، فلاحظ ما ذكرناه هناك.

(2) تقدم منا إثبات حجية قول صاحب اليد كبرويا (2) و استعراض مسلكين في إثباتها، أحدهما: الاستدلال بالسيرة على ذلك، إما بادعاء قيامها على ذلك بنحو ابتدائي، أو بإرجاعها إلى سيرة أعم، أو إلى قاعدة ان من ملك شيئا ملك الإقرار به. و الآخر: الاستدلال بالروايات. و قد محصنا كلا المسلكين بالنحو الذي تطلبه المقام، و بقيت بعض التفاصيل بعد الفراغ عن كبرى حجية قول صاحب اليد، تعرض السيد الماتن (قدس سره) لبعضها هنا، من قبيل انها هل تشمل قول الغاصب أو تختص بقول صاحب اليد الشرعية؟.

و الكلام في هذه التفاصيل يقع في عدة جهات:

الجهة الاولى: في سعة دائرة الحجية من حيث أقسام اليد.

فان اليد تارة تكون شرعية، و اخرى يد الغاصب. كما أنها تارة تكون‌

____________

(1) صفحة 77- 113.

(2) الجزء الثاني ص 102- 113.

74

..........

____________

استقلالية، و اخرى ضمنية، كيد الشريك.

اما من الناحية الأولى: فالظاهر التعميم، و تفصيله: ان المدرك في الحجية على ما تقدم هو السيرة العقلائية المنعقدة على العمل بخبر صاحب اليد، بنكتة الاخبرية، و هذه النكتة ليس لشرعية اليد دخل فيها، كما انه لا يكفي فيها مجرد كون الشي‌ء مملوكا للشخص شرعا أو داخلا تحت سلطانه خارجا، بل هي متقومة باليد بمعنى كون الشي‌ء تحت تصرفه و مباشرته، و هذا معنى محفوظ حتى في الغاصب. نعم لو كان مدرك الحجية الاخبار و قطعنا النظر عن تحكيم المرتكزات العقلائية في مفادها، فقد يدعى قصور إطلاقها عن الشمول للغاصب. و قد يكون الأمر كذلك لو كان المدرك هو السيرة بمعنى بناء المتشرعة خارجا لا بمعنى السيرة العقلائية لأن الجزم بوجود بناء متشرعي على العمل بقول الغاصب صادر من المتشرعة بما هم متشرعة في غاية الأشكال، و هذا خلافا للسيرة العقلائية التي يدور تشخيص سعتها مدار سعة نكاتها المرتكزة الممضاة.

و أما من الناحية الثانية: فالظاهر التعميم أيضا. و لا يقاس المقام على قبول قول صاحب اليد إذا ادعى ملكية ما تحت يده، حيث لا يثبت لصاحب اليد الضمنية إلا ملكية النصف، و ذلك لان اليد التي هي موضوع قاعدة اليد المثبتة للملكية بمعنى الحيازة و السيطرة، و من الواضح أن الشريك ليس متسلطا على تمام المال. و أما اليد التي يكون أخبار صاحبها حجة في المقام فهي يد المباشرة و التصرف، و من الواضح ان الشريك يمارس تمام المال من خلال تصرفه في النصف المشاع، فتجري بشأنه نكتة الأخبرية التي هي ملاك الحجية في المرتكز العقلائي.

الجهة الثانية: في سعة دائرة الحجية من حيث أقسام الخبر.

لأن خبر صاحب اليد تارة: يكون قبل الاستعمال، و أخرى: بعد الاستعمال و الخروج‌

75

..........

____________

عن يده، و ثالثة بعد الاستعمال مع بقاء اليد. و الحالة الأولى هي المتيقنة من دائرة الحجية.

و أما الحالة الثانية فقد استشكل في حجية خبر صاحب اليد فيها جماعة من الفقهاء [1]. و هذا الاستشكال قد يكون بتقريب: ان حجية خبر صاحب اليد فرع فعليه الموضوع لهذه الحجية، فما لم تكن اليد فعلية لا يكون الخبر خبرا من صاحب اليد ليشمله دليل الحجية. و قد يكون بتقريب: مقايسة المقام بأخبار صاحب اليد بعد بيعه للمال بأنه كان لزيد مثلا، ففي كل من المقامين لا يقبل قول صاحب اليد الصادر منه بعد انتفاء اليد، و يقبل منه حالة وجود اليد، لأنه يصدق فيما يرجع إلى ما تحت يده بالفعل من خصوصيات. و قد يكون بتقريب: مقايسة المقام بإقرار الشخص بما يكون مسلطا عليه من تصرف، فكما ان أخبار الزوج بالرجوع السابق لا يقبل منه إذا وقع الاخبار بعد انتهاء العدة، كذلك أخبار صاحب اليد بالنجاسة بعد خروج الشي‌ء عن حيازته.

أما التقريب الأول فيرد عليه: ان هذا انما يناسب افتراض دليل لفظي على حجية خبر صاحب اليد بهذا العنوان و الجمود على حاق مفاده، غير ان الصحيح ثبوت الحجية المذكورة بدليل لبي و هو السيرة العقلائية بنكتة الاخبرية كما ذكرنا سابقا، فلا بد من الرجوع الى مرتكزاتها و مدى سعتها، و لا ينبغي التشكيك في انها ما دامت بنكتة الاخبرية فلا يفرق فيها بين بقاء اليد و ارتفاعها ما دام الخبر ناظرا الى ظرف فعلية اليد.

و اما التقريب الثاني، فهو مبني على إرجاع الحجية لكل من أخبار‌

____________

[1] كالعلامة (ره) في التذكرة على ما نقل عنه في مفتاح الكرامة المجلد الأول ص 131 حيث قال: «و نص في التذكرة على أن اخباره بالنجاسة ان كان قبل الاستعمال قبل و إلا فلا».

76

..........

____________

صاحب اليد على المال بأنه لزيد و اخباره بأنه نجس إلى كبرى واحدة، و هي: حجية الشهادة من صاحب اليد فيما يرجع الى ما في يده من خصوصيات، و حيث ان شهادته بأن المال لزيد لا تقبل منه بعد إخراجه للمال من حوزته فيقال بان شهادته بالنجاسة كذلك أيضا.

و يرد عليه أولا: ما ذكرناه في محله من ان ثبوت كون المال لزيد بأخبار صاحب اليد بذلك ينحل إلى إقرار بأن المال ليس له، و شهادة بأنه لزيد، فان بني على ان هذه الشهادة حجة كما بنى عليه في المستمسك (1)- زائدا على حجية الإقرار- بملاك انه صاحب يد أمكن إرجاع الحجيتين الى كبرى واحدة، و تنظير إحداهما بالأخرى في السقوط بعد انتفاء اليد، و لكن قد نبني على ما حققناه في محله (2) من ان ثبوت كون المال لزيد بأخبار صاحب اليد بذلك ليس من باب حجية الشهادة، بل من باب التلفيق بين الإقرار و اليد، حيث ان اليد لها مدلولان عرفيان ثابتان بها شرعا، أحدهما:

ان المال ليس لأحد غير صاحب اليد، و الآخر: أن المال لصاحب اليد، و المفاد الثاني يسقط بالإقرار الحاكم على اليد، و اما المفاد الأول فلا موجب لسقوطه بالنسبة الى غير زيد، فينفي به مالكية غير زيد، و انما يسقط نفيه لمالكية زيد لأن حجية اليد مشروطة بعدم اخبار صاحبها على خلافها و ينتج بضم الإقرار إلى اليد ان المال ليس لصاحب اليد و ليس لأحد آخر سوى زيد، فيتعين كونه لزيد، إما لحجية الدلالة الالتزامية بهذا المقدار أو لأنه يدخل في كبرى الدعوى بلا معارض. و على هذا الأساس إذا باع صاحب اليد ما له ثم أخبر بأنه كان لزيد مثلا يكون من الواضح عدم ثبوت ذلك بهذا الأخبار، إذ لا يمكن التلفيق المذكور حيث لا يوجد ما ينفي‌

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 208 من الطبعة الرابعة.

(2) الجزء الثاني من هذا الشرح ص 104- 105.

77

..........

____________

كون المشترى مالكا، لان اليد السابقة تؤكد هذه الملكية في طول ملكية صاحب اليد و لا تنفيها، و الاخبار اللاحق ليس حجة في نفسه من باب الشهادة كما هو المفروض.

و بناءا على ذلك لا معنى لجعل شهادة صاحب اليد بالنجاسة و اخباره بأن المال لزيد من باب واحد، لما عرفت من ان هذا الاخبار ليس حجة من باب الشهادة بل من باب التلفيق بين اليد و الإقرار، فالقول بان هذا الاخبار ليس حجة بعد خروج المال عن اليد لعدم إمكان التلفيق المذكور لا يستلزم عدم حجية الشهادة بنجاسة الشي‌ء بعد خروجه عن اليد، بل لا بد من النظر الى ما دل على حجية هذه الشهادة على النحو الذي عرفت.

و ثانيا: انا لو سلمنا رجوع الحجية في كل من الموردين الى كبرى واحدة و هي: ان شهادة صاحب اليد حجة فيما يرجع الى ما في حوزته، و لكن حيث ان هذه الكبرى ثابتة بسيرة العقلاء و مرتكزاتهم، فلا بعد في ان يكون الارتكاز في بعض موارد تلك الكبرى مساعدا على بقاء الحجية حتى بعد انتفاء اليد دون بعض آخر. فبالنسبة الى اخبار صاحب اليد بان المال لزيد إذا صدر منه هذا الاخبار و المال في حوزته فلا يوجد من قبله ما يناقضه فيكون حجة، و اما إذا تصرف المالك فوهبه لعمرو ثم أخبر بأن المال كان لزيد فالشهادة هنا يوجد ما يناقضها من قبله، و هو ظهور تصرفه السابق في نفي كون المال لزيد، فمن هنا يتجه افتراض التفصيل و عدم حجية الأخبار المتأخر بما هو شهادة، و ان كان حجة بما هو إقرار و بمقدار ما يقتضيه قانون الإقرار. و هذا بخلاف الاخبار عن النجاسة فإنه لا يوجد ما يناقضه من قبل صاحب اليد سواءا صدر منه حال فعلية اليد أو بعد انتفائها، فلا غرو إذا افترضنا إطلاق الحجية هنا. نعم لو كان قد صدر منه ما يدل بظاهره قولا أو فعلا على الاخبار عن عدم النجاسة فيلتزم بعدم‌

78

..........

____________

الحجية للتعارض.

و اما التقريب الثالث، فيرد عليه ما عرفت في محله (1): من أن قبول خبر صاحب ليد في إثبات النجاسة ليس من صغريات قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، فلا يصح أن يقاس بمواردها، لان تلك القاعدة ليس الا مجرد توسيع لقاعدة ان إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ الناظرة الى الآثار التحميلية، فلا تشمل إثبات الطهارة و النجاسة و لو فرض أخذها كقاعدة مستقلة فمفادها نفوذ الإقرار بما يملك البيع أو الطلاق ينفذ إقراره به، و الإقرار في المقام تعلق بالنجاسة و لا معنى لملكها.

و دعوى: ان المالك لشي‌ء يملك تنجيسه فينفذ إقراره بالتنجيس. مدفوعة:

بأن لازم تطبيق القاعدة على هذا النحو نفوذ الإقرار المذكور من كل من له ان ينجس الشي‌ء و لو لم يكن في حيازته أو ملكا له، كما لو كان مأذونا من قبل المالك في ذلك، و لازمه أيضا نفوذ الإقرار من المالك بالتنجيس لا بوقوع النجاسة فيها، لان ما يملكه هو ذاك. و كل ذلك واضح البطلان، و هو يكشف عن ان قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به انما هي في ملك التصرفات المعاملية التي يتصور لها نفوذ و صحة و بطلان، لا ان كل من له ان يعمل شيئا يصدق في اخباره به و لو كان أجنبيا عن ذلك. و عليه فلا موجب لمقايسة المقام بموارد القاعدة المذكورة.

فالصحيح ما عليه السيد الماتن- (قدس سره)- من حجية أخبار صاحب اليد إذا صدر منه بعد ارتفاع يده و كان ناظرا الى زمان فعلية اليد، و ذلك لان السيرة العقلائية على العمل به شاملة لهذا الفرض، لانحفاظ نكتتها الارتكازية فيه و هي الاخبرية. و يؤيد ذلك: إمكان دعوى الإطلاق في بعض الروايات المستدل بها على الحجية أيضا، كمعتبرة عبد اللّه بن بكير قال:

____________

(1) الجزء الثاني من هذا الشرح ص 103.

79

..........

____________

«سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه، و هو لا يصلي فيه. قال: لا يعلمه. قال قلت: فإن أعلمه. قال يعيد» (1)، حيث ان الاخبار هنا يفرض بعد الاستعارة المساوقة لانتفاء اليد، فان انتقال الثوب بالاستعارة يوجب انتفاء اليد بالمعنى المقصود في المقام و هو الممارسة و التصرف، و ان كانت اليد بالمعنى المراد في قاعدة اليد باقية. غير ان الاستدلال بالروايات غير تام كما تقدم في محله (2). ثم انه لو لم يتم إطلاق في دليل الحجية أمكن التمسك باستصحاب الحجية الثابتة حال فعلية اليد، بناءا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و صحة إجراء الاستصحاب التعليقي.

و من مجموع ما ذكرناه ظهر حكم الحالة الثالثة و هي ما إذا كان الاخبار بعد الاستعمال مع فعلية اليد، فإنه حجة على ضوء ما تقدم، بل لو قيل بعدم حجيته بلحاظ الاستعمال السابق مع كونه حجة بلحاظ الاستعمال اللاحق للزم التفكيك بين الوضوء السابق من الحوض الذي أخبر صاحبه الآن بأنه نجس و الوضوء اللاحق، مع ان هذا التفكيك على خلاف المرتكز العقلائي الملحوظ فيه جهة كاشفية الأخبار التي نسبتها الى كل من الوضوءين على نحو واحد.

ثم ان اخبار صاحب اليد قد يكون ناظرا الى زمان ما قبل وقوع الشي‌ء في يده، فهل يقبل أو يشترط ان يكون المخبر به معاصرا لليد زمانا؟.

الظاهر هو الثاني، لأن المدرك هو السيرة العقلائية، و نكتتها الاخبرية النوعية: و لا اخبرية كذلك في المقام بلحاظ ذلك الزمان. و مجرد ان الشي‌ء انتقل الى حوزته و ملكه بعد ذلك لا يؤثر في درجة كاشفية خبره‌

____________

(1) الوسائل باب 47 من أبواب النجاسات حديث 3.

(2) الجزء الثاني من البحوث ص 107- 112.

80

..........

____________

عما مضى، فلو التزم بأنه يؤثر في حجية اخباره لكان مقتضاه حمل الحجية على التعبد الصرف و هو خلاف المرتكزات العقلائية. نعم لو بني على التمسك بالروايات و الجمود على مداليها بدون تحكيم للمرتكزات العرفية عليها أمكن التمسك بإطلاق بعضها لإثبات الحجية في المقام.

و على ضوء ما تقدم يمكن ان نعرف أيضا: ان صاحب اليد إذا أخبر بنجاسة ما في يده بدعوى مبنية على منشأ نسبته اليه و إلينا على نحو واحد فلا يعلم بشمول دليل الحجية لمثل ذلك، فلو قال- مثلا- عباءتي نجسة لأنها وقعت على عباءة فلان فتنجست بها، فهذا الكلام لا يثبت به نجاسة عباءة فلان جزما لعدم كونه صاحب اليد عليها، و لكن هل يثبت بها نجاسة عباءته؟، الأقرب العدم، لأن نكتة الاخبرية النوعية غير محفوظة حينئذ، و انما تحفظ في غير هذه الصورة.

الجهة الثالثة: في سعة دائرة الحجية لأقسام صاحب اليد،

و هي تشتمل على مسائل:

الأولى: في انه هل تختص الحجية بالثقة أو تشمل غيره.

و الجواب واضح، و هو عدم الاختصاص، سواءا استندنا في الحجية إلى السيرة العقلائية أو الى الروايات، لان العنوان المأخوذ فيها عنوان صاحب اليد، و لو قيد بالثقة لزم- بعد البناء على حجية خبر الثقة مطلقا- إلغاء خصوصية كونه صاحب يد رأسا، و هو على خلاف الارتكاز و الظهور. نعم في روايات البختج (1) قد أخذ فيها ما يدل على اعتبار الوثاقة، و سوف نتعرض لها في المسألة الأخيرة ان شاء اللّه تعالى.

الثانية: في انه هل تختص الحجية بالمسلم أو تشمل الكافر؟.

و تحقيق ذلك: انا إذا بنينا على المدرك العقلائي و ان نكتته الاخبرية‌

____________

(1) لاحظ وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

81

..........

____________

النوعية كما تقدم، فلا يفرق بين المسلم و الكافر، فان كونه أخبر بوقوع الدم عباءته لا دخل لإسلامه و كفره في ذلك.

نعم هنا أمران. أحدهما: ان الكافر يكون عادة جاهلا بالأحكام و المصطلحات الشرعية، فلا معنى لشهادته بالنجاسة و هو جاهل بمغزاها الشرعي، بخلاف الشهادة بأسبابها. و الثاني: ان كفر صاحب اليد قد يكون قرينة على انه ليس جادا في شهادته، بل هم زلا أو متهكما أو محرجا و هذا معناه وجود القرينة على التهمة في اخباره، و قيام القرينة على التهمة تمنع عن الحجية مطلقا. و كلا هذين الأمرين لا اختصاص لهما بالكافر، بل يمكن افتراضهما في المسلم البعيد عن دينه و المستهتر بشريعته، و مرجعها الى عدم تمامية الصغرى أحيانا، لا الى التفصيل في كبرى الحجية.

و إذا بنينا على الاستدلال بالروايات، فقد يقال: تارة بوجود ما يدل على اشتراط الإسلام. و يقال تارة أخرى- بعد فرض عدم الدال على التقييد- انه لا إطلاق في الروايات للكافر و هو يكفي في منع الحجية.

اما الدعوى الاولى، فقد يستشهد لها برواية الجبن [1] التي قال فيها الامام (ع): «اشتر من رجل مسلم». و يندفع ذلك: بان هذا التقييد كان بلحاظ دخل الإسلام في ظهور حال البيع الصادر من بائع الجبن في كونه مذكى، لا بلحاظ دخله في حجية اخباره.

و اما الدعوى الثانية، فتقريبها: ان الروايات لا إطلاق فيها، كما‌

____________

[1] و هي رواية بكر بن حبيب قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الجبن و انه توضع فيه الانفحة من الميتة؟ قال: لا تصلح ثم أرسل بدرهم فقال: اشتر من رجل مسلم و لا تسأله عن شي‌ء» الوسائل باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة حديث 4. و مضافا الى المناقشة الدلالية فهي ضعيفة السند ببكر بن حبيب لأنه لم يوثق.

82

..........

____________

يظهر بمراجعة ما تقدم منها عند البحث عن أصل الحجية، فروايات بيع الدهن المتنجس الآمرة بالأخبار [1] المتيقن منها أخبار السائل الراوي و هو مسلم، و رواية شراء الجبن (1) أخذ فيها قيد الإسلام، و رواية إعارة الثوب ممن لا يصلي في الثوب (2) لا تعم غير المسلم، لأنها فرضت المعير مصليا. و هكذا، و لكن توجد رواية واردة في المشركين خاصة، إذا تمت دلالتها كانت دالة على التعميم، و قد ورد فيها «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه» (3) فإذا بني على ان المقصود من السؤال السؤال من المشركين و التعبد بالجواب فهي واردة في غير المسلم.

الثالثة: في ان الحجية هل تختص بالبالغ أو تشمل غيره إذا كان مميزا

و الكلام عن ذلك، تارة: حول تمامية المقتضي إثباتا في دليل الحجية للشمول. و اخرى: حول وجود المانع عن الأخذ بإطلاقه لو تم في نفسه فهنا مقامان:

اما الأول: فتفصيله: ان المدرك إذا كان هو السيرة العقلائية فمرتكزاتها تأبى عن دخل البلوغ على نحو الموضوعية في الحجية. نعم قد يكون دخيلا بوصفه طريقا إلى إحراز النضج و الرشد، و نحن نتكلم الآن مع فرض إحراز ذلك في غير البالغ.

____________

[1] من قبيل معتبرة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح به» الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

____________

(1) مرت في هامش ص 81.

(2) مرت في ص 79.

(3) الوسائل باب 50 من أبواب النجاسات حديث 7.

83

..........

____________

و إذا كان المدرك هو الاخبار فلا بد من ملاحظة دلالاتها اللفظية، و وجود الإطلاق في جملة منها مشكل لو قطع النظر عن المناسبات العقلائية للحكم، لان عنوان الرجل مأخوذ فيها اما سؤالا، و اما جوابا، و اما بحكم كون مورد الحجية فرض صدور الاخبار من الراوي المخاطب و هو بالغ، فلا يمكن التعدي إلى الصبي لعدم صدق عنوان الرجل عليه، بل قد يشكل حينئذ الإطلاق للمرأة أيضا. نعم هناك ما لا بأس بالتمسك بإطلاقه لو تمت دلالته، من قبيل ما ورد من قوله «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك» (1)، فان عنوان المشرك مطلق يشمل البالغ و الصبي المشرك و مزاولة الصبيان للبيع أمر معروف فلا ينصرف عنه الدليل.

و اما المقام الثاني، فقد يستشهد للتقييد تارة: برواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «سألته عن الحجامة أ فيها وضوء؟. قال لا، و لا تغسل مكانها، لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه و لم يكن صبيا صغيرا» (2) و اخرى بحديث رفع القلم من الصبي [1] و ثالثة: بما دل على ان عمد الصبي خطأ [2].

أما الاستشهاد بالأول، فهو مبني على أن يراد بكلمة (صغيرا) مجرد‌

____________

[1] من قبيل رواية ابن ظبيان في حديث «فقال علي (عليه السلام):

اما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم.» الوسائل باب 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث 11.

[2] من قبيل معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» الوسائل باب 11 من أبواب العاقلة حديث 3.

____________

(1) الوسائل- باب 50 من أبواب النجاسات حديث 7.

(2) الوسائل باب 56 من أبواب النجاسات حديث 1.

84

..........

____________

تأكيد و توضيح، لا تقييد الصبي بقسم خاص منه، و الا أمكن حمله على غير المميز بمناسبات الحكم و الموضوع، و يكفي الإجمال و احتمال ذلك، لعدم تمامية الإطلاق في عقد المستثنى للمميز. هذا إضافة الى سقوط الرواية سندا [1] و أما الاستشهاد بالثاني، فيدفعه- بقطع النظر عما تقدم من المناقشة في سند الحديث (1)- ان ظاهره- بقرينة التقابل بين الرفع عنه و الوضع عليه- ان المرفوع هو الآثار التحميلية، و هذا يشمل حجية الإقرار لأنها اثر تحميلي، و لكنه لا يشمل حجية الاخبار عن النجاسة.

و اما الاستشهاد بالثالث، فيرد عليه أولا: ان ظاهر التنزيل إسراء حكم المنزل عليه للمنزل، فيختص بمورد يكون للخطإ بعنوانه أثر شرعي ليسري بالتنزيل الى العمد كما في باب الجنايات، و لا يشمل باب المعاملات و نظائره الذي يكون الأثر الشرعي فيه دائرا مدار العمد وجودا و عدما، لا مدار عنواني العمد و الخطأ.

و ثانيا: بأنه لو سلم أن المستفاد من ذلك تنزيل العمد منزلة اللاعمد، فهذا انما ينفع في باب المعاملات لإبطال معاملة الصبي و عقده، لدخالة العمد و القصد فيه شرعا، و المفروض انه نزل منزلة العدم، و لكنه، لا ينفع في محل الكلام، لان القصد و العمد هنا و ان كان مقوما للحكاية إذ لا يصدق الاخبار و الحكاية بدون قصد و عمد، و لكن موضوع الحجية ليس هو نفس عنوان الاخبار و الحكاية، بل الكشف النوعي الملازم لذلك تكوينا، بدليل ان المدلول الالتزامي يثبت أيضا و لو مع عدم التفات المخبر اليه رأسا.

فلو أخبر صاحب اليد بنجاسة ثوبه، و نحن نعلم بان نجاسته على تقدير ثبوتها توأم مع نجاسة العباءة، ثبتت بذلك نجاسة العباءة لتحقق الكشف‌

____________

[1] لأن في سندها على بن يعقوب الهاشمي الذي لم يثبت توثيقه.

____________

(1) تقدم ذلك في ص 30.

85

..........

____________

النوعي، و ان لم يصدق عنوان الاخبار و الحكاية بلحاظ المدلول الالتزامي، فما هو موضوع الحكم الشرعي بالحجية لازم تكويني للأخبار المتقوم بالقصد و العمد لا لنفسه، فالغاء القصد و تنزيل العمد منزلة عدمه انما يوجب نفي الآثار الشرعية التي كانت مترتبة على نفس القصد و العمد، لا المترتبة على أمر هو لازم تكويني للقصد و العمد، لان دليل التنزيل ظاهر في النظر إلى الآثار الشرعية للمنزل عليه لا لوازمه التكوينية.

الجهة الرابعة- في التفصيل من حيث النجاسة المخبر عنها بين بعض النجاسات و بعض

فيقبل قول صاحب اليد في بعضها مطلقا و لا يقبل في بعضها الآخر الا ضمن شروط.

و هذا التفصيل مأخوذ من روايات البختج التي قيدت جملة منها حجية قول ذي اليد بان يكون عادلا أو عارفا أو غير ذلك فيقال حينئذ بان اخبار صاحب اليد بحلية البختج بذهاب ثلثيه و بطهارته بذلك على القول بأنه ينجس كما يحرم بالغليان بالنار ليس حجة مطلقا بل بقيود خاصة.

و يمكن تصنيف تلك الروايات التي يتراءى منها ذلك الى ثلاث طوائف.

الطائفة الأولى- ما دل على اشتراط خصوصية في العصير زائدا على اخبار ذي اليد

من قبيل صحيحة معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البختج فقال إذا كان حلوا يخضب الإناء و قال صاحبه قد ذهب ثلثاه و بقي الثلث فاشربه (1) و مفادها إناطة جواز الشرب من العصير العنبي المغلي و قبول اخبار صاحب اليد بذهاب ثلثيه بوجود امارة تدعم شهادته و هي ان يكون العصير بنحو من الثخونة بحيث يصبغ الإناء و هذا يعني ان حجية خبر صاحب اليد ليست ثابتة على الإطلاق.

و التحقيق ان حلاوة العصير و كونه يخضب الإناء تارة يكون مأخوذا‌

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 3.

86

..........

____________

باعتباره قيدا في موضوع التحليل الواقعي بحيث يكون التحليل واقعا منوطا بذلك و بذهاب الثلثين معا، و اخرى يفترض ان تمام الموضوع للتحليل واقعا ذهاب الثلثين، فعلى الأول لا شهادة في الرواية على تقييد في حجية خبر صاحب اليد لأن الخصوصية المذكورة تكون مأخوذة لدخلها في الحكم الواقعي لا بوصفها إمارة، و على الثاني يكون أخذها بلحاظ جهة كشفها و لكن حيث أن وجودها يسبق غالبا ذهاب الثلثين فيمكن ان يكون أخذ هذا القيد بلحاظ ان عدم كون العصير بنحو يخضب الإناء يكون قرينة عرفية على عدم ذهاب الثلثين فتسقط حجية خبر صاحب اليد لان كل حجية من هذا القبيل منوطة بعدم قيام قرائن عقلائية نوعية على الكذب فيها كما ذكرناه في حجية خبر الثقة أيضا.

الطائفة الثانية ما دل على اشتراط الإسلام و العدالة بل الورع في قبول خبر صاحب اليد

كمعتبرة عمار عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث انه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث قال إن كان مسلما ورعا مؤمنا (مأمونا) فلا بأس ان يشرب (1) و تقريب الاستدلال بها على تقييد الحجية واضح غير انها معارضة بالطائفة الثالثة الصريحة في عدم اعتبار الايمان و العدالة و ان قول المخالف يقبل إذا كان لا يستحله على النصف و مقتضى الجمع العرفي حينئذ حمل هذه العناوين المأخوذة في رواية عمار على الطريقة الى عدم الاستحلال فيسقط الاستدلال بها.

الطائفة الثالثة- ما دل على اشتراط ان لا يكون صاحب اليد مستحلا للعصير المغلي بالنار قبل ذهاب الثلثين

أو ممن يشربه كذلك من قبيل معتبرة عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) الرجل يهدى اليه البختج من غير أصحابنا فقال: ان كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه و ان كان ممن‌

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 6

87

..........

____________

يستحل فاشربه، (1) و معتبرة معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ على الثلث و انا أعرف أنه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف فقال لا تشربه، قلت فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه قال قال نعم (2).

و نلاحظ انه في هذه الطائفة تارة أخذ فيها قيد عدم الاستحلال و اخرى قيد انه لا يشربه على النصف و مقتضى الجمع بمناسبات الحكم و الموضوع حمل الأول على الطريقية للثاني فإن الاستحلال بما هو مع الامتناع عن الشرب خارجا لا يضر بالحجة التي لم يكن يضر بها استحلال إنكار الإمامة الذي هو أشد بمراتب فالمتحصل من هذه الطائفة بعد إرجاع أحد العنوانين الى الآخر إسقاط حجية الخبر الصادر من صاحب اليد إذا كان ممن يشربه على النصف و يستحل ذلك عملا و من الواضح ان من كان يشربه كذلك و يطبخ العصير من أجل الحصول على الشراب المذكور يكون متهما في دعوى ذهاب الثلثين لان ذهابهما يفوت عليه العصير المطلوب و حجية خبر صاحب اليد منوطة بعدم التهمة الناشئة من قرينة من هذا القبيل.

الجهة الخامسة- في التفصيل بلحاظ نوع الشي‌ء المخبر عن نجاسته

فقد ذهب جماعة الى عدم الفرق فيما يقع تحت اليد بين ان يكون إنسانا أو غيره و ذهب بعض الفقهاء و منهم السيد الأستاذ- (دام ظله)- (3) الى التفصيل و عدم حجية خبر صاحب اليد فيما يخص ما تحت يده من‌

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 4.

(3) التنقيح الجزء الثاني ص 228.

88

[اشتراط عدم الظن بالنجاسة في حجية قول صاحب اليد بالطهارة]

و لا اعتبار بمطلق الظن و ان كان قويا فالدهن و اللبن و الجبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة و ان حصل الظن بنجاستها (1)

____________

رجل أو امرأة.

و الصحيح ان خروج هذه الحالة تخصص و ليس تخصيصا و تفصيلا لان المراد باليد هنا المباشرة و التصرف لا مجرد الدخول في الحوزة و اليد التي تفترض على العبد أو الجارية الكبيرين من قبيل الثاني لا الأول عادة.

و من هنا ظهر أيضا ان عدم الحجية التعبدية لاخبار مالك الدار بأن القبلة في هذه الجهة من داره ليس تخصيصا في قاعدة حجية خبر صاحب اليد فيما يرجع الى ما تحت يده من خصوصيات بل هو تخصص أيضا لأن مالك الدار و ان كانت الدار في حوزته و تصرفه إلا ان الجهة علاقة بين طرفين أحدهما الدار و الآخر الكعبة و هي خارجة عن استيلائه فاخباره بان هذه الجهة هي القبلة كإخباره بان بيته مجاور لمسجد فإنه لا يثبت مسجدية الأرض المجاورة و لا أحكام جيران المسجد على بيته.

(1) لما تقدم عند الحديث عن قاعدة الطهارة [1] بما يفهم منه إطلاق الطهارة الظاهرية المجعولة فيها و في دليل الاستصحاب لموارد الظن بل ورود جملة منها في موارد التعرض الشديد للنجاسة و التصريح فيها بإناطة التنجز بحصول اليقين بالنجاسة [2] يجعل الدليل كالنص غير القابل‌

____________

[1] تقدم الحديث عن قاعدة الطهارة في الجزء الثاني من البحوث ص 189 و ما بعدها.

[2] من قبيل معتبرة عبد اللّه بن سنان قال «سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر اني أعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام)

89

[حكم الاحتياط مع اخبار صاحب اليد بالطهارة]

بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها (1).

بل قد يكره أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس (2).

____________

للتقييد بغير حالة الظن و معه لو تم دليل على الأمر بالاجتناب في حالة المعرضية الظنية أو الغالبية [1] تعين حمله على التنزه و الاستحباب.

(1) لا شك في حسن الاحتياط في نفسه على القاعدة فلا بد لنفي رجحان الاحتياط اما من افتراض عنوان ثانوي مرجوح ينطبق على الاحتياط كالاسراف مثلا أو افتراض سببيته لأمر مرجوح كما لو كان مولدا للوسواس فيقع التزاحم بين الحيثيتين أو استفادة عدم اهتمام الشارع بالتحفظ الاحتمالي على الواقع المشكوك من دليل شرعي كما لا يبعد استفادته من مثل لسان «ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم» [2] فإن هذا اللسان يكشف عرفا عن عدم الاهتمام بالتحفظ الاحتمالي على الواقع و يعطي أن ديدن الامام (عليه السلام) كان على عدم رعاية النجاسة المشكوكة و التحرز منها و هو لا يناسب مع افتراض رجحان الاحتياط.

(2) قد يقال بحرمة الوسواس اما بما هو حالة نفسية من التشكك‌

____________

صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه» الوسائل باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1 و من قبيل معتبرة زرارة الواردة في الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 1 و معتبرة عمار باب 4 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[1] من قبيل معتبرة علي بن جعفر التي مر الكلام عنها في الجزء الثالث من البحوث ص 268.

[2] كما ورد في معتبرة حفص بن غياث: الوسائل باب 27 من أبواب النجاسات حديث 5.

90

..........

____________

إذا كانت اختيارية و اما باعتباره عنوانا ثانويا للعمل الذي يأتي به الوسواسي نتيجة لذلك، و قد يفرع على ذلك حرمة الاحتياط المؤدي بطبعه الى الوسواس باعتباره سببا توليديا للحرام فيحرم و لكن الصحيح انه لا مدرك لحرمة الوسواس غير دعوى كونه من ايحاءات الشيطان كما دلت عليه الروايات [1] مع حرمة اتباع خطواته و طاعته التي هي نحو من العبادة العملية له و هي مدفوعة بأن الطاعة و اتباع الخطوات و العبادة العملية و ما يساوق ذلك من العناوين متقومة بقصد امتثال الشيطان و لو بمعنى الكيان الباطل و اتخاذه قدوة و مطاعا فلو فرض ان هذه العناوين محرمة فلا يعنى ذلك حرمة احتياط الوسواسي الذي يقصد به اللّه سبحانه و تعالى و لا يريد به الانصياع لأي كيان شيطاني فمجرد الإتيان بذات ما يطلبه الشيطان بداع آخر لا يحقق عنوان الطاعة و العبادة للشيطان لا موجب لحرمته ما لم يكن الفعل في نفسه مما دل الدليل على حرمته.

هذا على ان المنساق من جميع ما دل على النهي عن اتباع الشيطان الإرشاد لا المولوية كما هو الحال فيما دل على الأمر باتباع اللّه سبحانه و تعالى و نكتة ذلك ان الشيطان ليس كائنا حسيا كزيد و عمرو يمكن التعرف على ما يريد و ما لا يريد بقطع النظر عن الشارع ليحمل النهي على المولوية كما لو صدر النهي عن اتباع زيد مثلا و انما المعروف لما يريده الشيطان و ما يغوى به عادة هو الشارع باعتبار انه يريد نقيض ما يريده الشارع فعن‌

____________

[1] كما في معتبرة عبد اللّه بن سنان قال «ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و اي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شي‌ء هو فإنه يقول لك:

من عمل الشيطان» الوسائل باب 10 من أبواب مقدمة العبادات حديث 1

91

[علم الوسواسي في الطهارة و النجاسة]

(مسألة 1) لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة و النجاسة (1).

____________

طريق النقيض يعرف نقيضه فيرجع النهي عن اتباع الشيطان عرفا الى وجه آخر للأمر باتباع الشارع لأن تحدد أمر الشيطان في طول تحدد أمر الشارع عادة و ان اتفق أحيانا تحدده بصورة مستقلة كما في المقام فهذه الطولية في التحدد عادة تجعل النهي عن اتباع الشيطان تعبيرا عرفيا آخر عن الأمر باتباع الشارع و يكون إرشاديا حينئذ.

و اما الأمر بالمضي بالنسبة إلى كثير الشك و نهيه عن الاعتداد بشكه (1) فهو أمر وارد مورد توهم الحظر فلا يدل على أكثر من الأذن في الاكتفاء بالمشكوك.

(1) الوسواسي هو عبارة عن الشخص الذي يتجه نفسيا اتجاها غير متعارف نحو جانب التحميل في التكاليف عند امتثالها بحيث يصبح طرف الإلزام أقرب الى قلبه و مائلا في خياله و وهمه بدرجة تؤثر في مداركه حتى يخرج عن الوضع العقلائي المتعارف فيشك غالبا و يحتمل الكلفة حيث لا يحتملها غيره عادة أو يحصل له الجزم بها كذلك خلافا لغيره من الناس فالأول شك الوسواسي و الثاني علمه و هو في موقفه هذا متأثر بتشبث وهمي بالإلزام ناشى‌ء عن حالة نفسية و هي خوفه منه و شدة حرصه على امتثاله، و هناك من يشابه الوسواسي في الخروج عن الوضع العقلائي المتعارف و لكن لا بسبب التشبث الوهمي بالإلزام و الكلفة و التخوف منهما بل للتشبث العقلي بأضعف الاحتمالات و أتفهها التي تنفى عادة بحساب الاحتمالات و من هنا لم يكن هذا شاذا في طرف الإلزام فقط بل في طرف الترخيص أيضا فكما يبطئ بقينه بالتطهير كذلك يبطئ يقينه بان تنجس لأنه لا يسد الاحتمالات التي تسد عادة بحساب الاحتمالات ارتكازا بينما الوسواسي بالمعنى المتقدم‌

____________

(1) كما في معتبرة محمد بن مسلم الاتية في هامش ص.

92

..........

____________

لا يبطئ اليقين بالإلزام عنده عن المتعارف و انما يبطئ عنده التصديق بنفي الإلزام لشدة السيطرة الوهمية للإلزام على نفسه.

و في مقابل هذا الأخير القطاع و هو شخص يسد بسرعة الاحتمالات التي لا تسد عادة بحساب الاحتمالات على العكس من سابقه فيلغى من ذهنه احتمالات معتد بها عقلائيا و بذلك يسرع الى اليقين و هي حالة عقلية أيضا نسبتها الى طرف الإلزام و الترخيص على نحو واحد.

فهناك إذن ثلاثة أنواع غير متعارفة. الوسواسي و من لا يؤثر ضعف الاحتمال في زواله من نفسه و من يزول الاحتمال بأدنى ضعف أو ملاحظة من نفسه و الأول يختص شذوذه بطرف الإلزام بخلاف الأخيرين كما ان الطرفين يتصور شذوذهما في اليقين بينما الوسط لا يشذ في اليقين بل في الشك فهو يشكك حيث لا ينبغي ان يشك لا انه يتيقن حيث لا ينبغي ان يتيقن و الأولان يتصور شذوذهما في الشك بمعنى انهما يتشككان حيث لا ينبغي و لا يتصور ذلك في الأخير.

و هناك فارق آخر بين الأنواع الثلاثة و هو ان الوسواسي لا يكنه ان يصدق بالنسبة إلى شخص حالة معينة من حالات شكه أو يقينه بأنها وسواس لان ذلك مساوق للاعتراف بنشوئها من الوهم و وجود الدليل على خلافها و اليقين بذلك يساوق زوال تلك الحالة عادة نعم قد يعترف الوسواسي بأنه وسواسي بصورة عامة و لكنه حينما يعيش حالة معينة من الشك أو القطع لا يمكنه ان يعتقد بأنه وسواسي في تلك الحالة، و هذا بخلاف بطي‌ء اليقين الذي لا يؤثر ضعف الاحتمال في فنائه في نفسه إذ قد يعترف هذا الشخص الشكاك بان هذا الاحتمال يلغيه غيره و لا يستقر في ذهنه لأن قيمته ضئيلة و مع هذا يبقى مصرا على الاحتفاظ به و ذلك لأن هذا الاعتراف لا يساوق التنازل عن الاحتمال المذكور لأن كونه يغني عند غيره بسبب‌

93

..........

____________

الضالة لا يبرهن على ضرورة ذلك فان هذا الفناء ليس امرأ برهانيا كما أوضحناه في الأمس المنطقية للاستقرار (1) و انما هو مصادرة مشتقة من تركيب ذهن الإنسان الذي خلق بنحو لا يحتفظ بالاحتمالات الضئيلة جدا فلو وجد ذهن يختلف في خلقته عن ذلك طبعا أو تطبعا فلا محذور في ان يلتفت الى ذلك، نعم لو كان البطؤ في اليقين نتيجة عدم الالتفات الى البديهيات و مشتقاتها فلا يمكن لهذا الشكاك ان يعتقد بهذا الواقع بشأن شكه و أنه نشأ من عدم الالتفات الى تلك البديهات. و اما من يسرع اليه اليقين و هو القطاع فهو لا يمكنه ان يعترف بان يقينه هذا بلا مبرر و الا لفقده و لكن بإمكانه أن يلتفت الى أنه أسرع يقينا من غيره و ان غيره لا يشاركه في يقينه من دون ان يفقده ذلك يقينه إذ قد يفسر ذلك على أساس أنه يتميز بتجارب و خبرات تجعله يلغى جملة من الاحتمالات التي يحتفظ بها غيره.

و على أى حال فالكلام يقع في جهات:

الجهة الاولى- في الشك في غير العقلائي في طرف الإلزام

اي التشكيك حيث يحصل للإنسان الاعتيادي اليقين أو الاطمئنان بعدم الإلزام و يفرض ذلك في مورد يكون الشك فيه منجزا كمورد الشك في الامتثال فهل يجب على الوسواسي مراعاة احتماله غير المتعارف لعدم الامتثال أولا الظاهر عدم وجوب المراعاة بأحد التقريبات التالية.

الأول: المنع عن جريان أصالة الاشتغال في نفسها بدعوى أنها تعني منجزية التكليف بالاحتمال المذكور و هو فرع ان يكون للمولى حق الطاعة بهذه المرتبة التي يسد بها باب هذه الاحتمالات غير العقلائية و بالإمكان إنكار هذا الحق رأسا و هو أمر واضح بالنسبة إلى الموالي العرفيين فاذا تم إنكاره فلا موضوع لأصالة الاشتغال في نفسها لأن مرجع حكم العقل بوجوب الامتثال‌

____________

(1) الأسس المنطقية للاستقراء ص (364- 366).

94

..........

____________

حينئذ إلى حكمه بلزوم التحفظ من المخالفة من غير ناحية تلك الاحتمالات غير العقلائية و لا ينفع في مثل ذلك استصحاب عدم الإتيان لأنه انما يجري حيث يكون الواقع المشكوك صالحا للتنجيز و مع ضيق دائرة حكم العقل بوجوب الامتثال من أول الأمر فلا أثر لإجرائه إلا إذا رجع إلى جعل حكم واقعي مستقل و هو خلف.

الثاني: بعد تسليم جريان أصالة الاشتغال في نفسها يقال بوجود المؤمن الشرعي الحاكم عليها و هذا المؤمن يثبت بدليل السيرة العقلائية على عدم محاسبة المأمور في مقام الامتثال على مثل تلك الاحتمالات غير العقلائية مع إمضاء الشارع لها و إذا تم ذلك كان هذا المؤمن واردا على أصالة الاشتغال و مخصصا لدليل الاستصحاب المقتضي لإجراء استصحاب عدم الإتيان لو لم نقل بخروج المورد عنه تخصصا باستظهار ان الغاية المأخوذة في دليله ليست هي اليقين بالانتقاض على وجه الصنفية ليقال بأنها لم تحصل بل على وجه الكاشفية و مرجعها حينئذ بحسب الفهم العرفي الى ان الغاية هي توفر اليقين العقلائي بالنقض و هو حاصل.

الثالث: التمسك بالروايات الخاصة (1) الدالة على عدم لزوم الاعتناء بشك كثير الشك الشاملة للوسواسي بمنطوقها أو بالأولوية على أساس انه أسوأ حالا من كثير الشك و هذه الروايات واردة في خصوص باب الصلاة و من هنا يمكن ان يفرق بين التقريبات الثلاثة و يقال انه على الأوليين يكون عدم لزوم الاعتناء عاما لسائر الموارد، و على الثالث يختص بالأبواب الخاصة‌

____________

(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك.» الوسائل باب 16 من أبواب الخلل حديث 1.

95

..........

____________

المنصوصة في تلك الروايات كالصلاة و الوضوء (1) و لكن لا يبعد مساعدة العرف على إلغاء الخصوصية في روايات كثير الشك بمناسبة الحكم و الموضوع خصوصا بلحاظ جعل ذلك من الشيطان في مقام تقريب الحكم و تعليله إلى سائر الموارد لأن ما كان من الشيطان لا يفرق في رفضه بين مورد و مورد فان قيل لعل خصوص كثيرة الشك في مورد الصلاة من الشيطان فلا يكون هذا التعليل موجبا للتعدي قلنا ان ظاهر الامام (عليه السلام) الإشارة إلى أمر عرفي واضح و لهذا يطلب من الراوي أن يسأل الوسواسي عن حاله لينزع منه الاعتراف بان حالته من الشيطان و من الواضح ان ما هو مركوز لا يفرق فيه بين مورد و آخر فحمله على الكشف عن أمر تعبدي غيبي في خصوص باب الصلاة خلاف الظاهر.

و يمكن ان يفرق بين التقريبات الثلاثة المتقدمة من ناحية أخرى و هي أن التقريب الأول و الثاني ينفعان بطي‌ء اليقين و هو الثاني من الأنواع الثلاثة لغير المتعارف لأنه يمكن ان يلتفت إلى كون شكه غير عقلائي بمعنى ان غيره من العقلاء لا يشك على هذا النحو و لا ينفعان الوسواسي الذي ينشأ شكه من غلبة الوهم عليه مع وجود المبرر الكافي لإزالته عقليا لما تقدم من انه لا يمكنه ان يصدق بان شكه هذا من هذا القبيل نعم قد ينتفع بهما إذا خيل له انه من النوع الثاني و ان شكه غير المتعارف ينشأ من بطي‌ء اليقين لا من وسوسة الوهم. و اما التقريب الثاني فهو ينفع الوسواسي لأنه يلغى شك كثير الشك لا خصوص الشك غير المتعارف، و الوسواسي قد يلتفت الى حالته النوعية و انه وسواسي و كثير الشك و يكفى هذا الشمول الاخبار له و ان لم يحرز ان شخص هذا الشك كان من هذا القبيل نعم لو قيل بان مفاد السيرة العقلائية المدعاة متطابق مع مفاد الاخبار من هذه الناحية‌

____________

(1) كما في معتبرة عبد اللّه بن سنان المارة في الهامش ص 185.

96

..........

____________

لم يبق فرق بين التقريبين الثاني و الثالث.

الجهة الثانية- في الشك غير العقلائي في طرف الترخيص

بان يظل المكلف يحتمل الطهارة مثلا في مورد يقطع غيره عادة بارتفاعها، و هذا يتصور في النوع الثاني دون الأول و الثالث و الظاهر فيه ان هذا الاحتمال لا يكون مؤمنا لا بلحاظ المؤمن العقلي و لا بلحاظ المؤمنات الشرعية، اما الأول فلو قيل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا ينبغي ان يفرض موضوعها عدم العلم بمعناه الصفتي بل عدم تلك الدرجة من الوضوح و التجلي التي توجب العلم للإنسان الاعتيادي لوضوح ان العقل لا يحكم بقبح العقاب مع توفر تلك الدرجة و ان لم تؤثر في حصول اليقين فعلا. و اما الثاني فهو عبارة عن الأصول الشرعية المؤمنة و بعد حمل الغاية فيها على العلم بنفس المعنى المذكور آنفا لا يكون في أدلتها إطلاق للشك المذكور فلا يكون مؤمنا.

الجهة الثالثة- في القطع غير المتعارف بالنجاسة أو بالطهارة

و قد أشرنا سابقا الى ان القطع غير المتعارف بالنجاسة يتصور من الوسواسي و سريع اليقين و اما القطع غير المتعارف بالطهارة فيتصور من سريع اليقين و لا يتصور من الوسواسي، و الكلام فبه يقع تارة في حجيته في نفسه و اخرى في إمكان الردع عنه و ثالثة في البحث عن وقوع الردع بعد فرض إمكانه فهنا ثلاث نقاط.

1- في حجيته و الصحيح حجيته بمعنى لزوم الجري على طبقه عقلا سواء قيل بان موضوع حكم العقل بالحجية طبيعي القطع أو القطع الخاص الذي لم ينشأ من جهة غير موضوعية كالقطع المتولد من الوسواس و الوهم أو من العجلة في إلغاء الاحتمالات و غض النظر عنها، اما على الأول فواضح، و اما على الثاني فلأن القاطع لا يعقل ان يصدق بان قطعه و ليد و هم أو عجلة و الا لفقده فهو يراه مصداقا للقطع الخاص على اي حال‌

97

..........

____________

و معه يستقل عقله بلزوم التحرك على طبقه و لا نريد من الحجية إلا ذلك 2- في إمكان الردع عنه و قد يدعي إمكان الردع تارة ببيان يقتضي إمكان الردع عن القطع الطريقي عموما و اخرى يدعى إمكانه في المقام بوجه آخر مع التسليم باستحالة الردع عن القطع الطريقي، اما الأول فتحقيقه موكول الى علم الأصول، و أما الثاني فيمكن أن يقرب إمكان الردع بأحد وجهين:- الأول- ان يحول القطع من الطريقي الى الموضوعي بأن يؤخذ عدم العلم غير المتعارف قيدا في موضوع النجاسة أو في موضوع المانعية مثلا، و قد يستشكل في ذلك بان هذا الشاذ حيث انه لا يصدق بان قطعه بلا مبرر فلا ينفعه التقييد المذكور ان أريد به التقييد بعدم العلم الذي لا مبرر له و أما إذا أريد به التقييد بعدم مطلق العلم الصادر من إنسان يكثر منه اليقين بلا مبرر فهذا أمر قد يلتفت الوسواسي الى انطباقه عليه و لكنه غير مفيد في المقام لان لازمه ردع الوسواسي عن العمل بقطعه مطلقا حتى ما كان منه متعارفا و يندفع هذا الإشكال بإمكان فرضية ثالثة و ذلك بان يقيد موضوع الحكم بعدم العلم الذي يستهجن العقلاء عادة حصوله، و الوسواسي قد يلتفت الى ذلك في شخص هذا اليقين أو ذاك على الرغم من زعمه وجود مبرر لما حصل له من يقين.

الثاني- ان يفترض وجود حكم واقعي بتحريم الاعتناء بالوسواس بمعنى ما يستهجنه العقلاء من معتقدات، و هذا الحكم محفوظ مع الحكم بمانعية النجس في الصلاة على الإطلاق و يمكن فرض وصولهما معا الى المكلف الوسواسي و عليه فمن بنى وسواسا على نجاسة بعض ثيابه و قطع بذلك و هو ملتفت الى ان قطعه هذا مما يستهجنه العقلاء إن كان لديه صارف شخصي عن لبس ذلك البعض من الثياب فلا تزاحم بين الحكمين المفترضين و ان‌

98

..........

____________

لم يكن لديه صارف عن لبسه إلا الاعتناء بالوسوسة وقع التزاحم بين حرمة الاعتناء بالوسواس و وجوب اجتناب النجس في الصلاة فإذا فرض ان الحكم الأول أهم سقط الحكم الثاني مع بقاء أصل وجوب الصلاة لأنها لا تسقط بحال و نتيجة ذلك ان يكون هذا الوسواسي مكلفا بالصلاة في ما يراه نجسا و هذه نتيجة الردع عن العمل بقطعه.

3- في وقوع الردع بأحد الوجهين السابقين و الصحيح عدم وقوعه اما الأول فلانة على خلاف إطلاق أدلة الأحكام الواقعية و لا موجب للتقييد و أما الثاني فلما تقدم من عدم الدليل على حرمة الوسواس في نفسه (1)، نعم الإنصاف ان قطع الفقيه بان بعض مراتب الوسواس مما لا يرضى بها الشارع كما لا يرضى بالمحرمات ليس مجازفة، و اللّه العالم بالحال.

ثم انه قد يستدل على الردع عن قطع الوسواس بإطلاق ما دل على عدم لزوم اعتناء المبتلي بالوسوسة بوسواسه بقريب انه يشمل بإطلاقه من كانت وسوسته تتمثل في القطع أيضا لأنه مصداق لعنون المبتلي كمعتبرة عبد اللّه بن سنان قال ذكرت لأبي عبد اللّه رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّه (ع) و أي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من أي شي‌ء هو فإنه يقول لك من عمل الشيطان (2) و امتياز هذه الرواية انه لم يؤخذ في موردها الشك و نحوه من العناوين بل عنوان المبتلى بالوضوء و الصلاة فبالامكان ان يقال بإطلاقه لموارد قطع الوسواس أيضا لأنه ابتلاء فيثبت الردع و لا بد حينئذ من إرجاعه ثبوتا إلى‌

____________

(1) تقدم في ص 87 و ما بعدها

(2) الوسائل باب 10 من أبواب مقدمة العبادات حديث 1

99

[حجية العلم الإجمالي بالنجاسة]

(مسألة 2) العلم الإجمالي كالتفصيلي فاذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما (1)

____________

وجه معقول و قد يجعل استشهاد الامام بالرجل المبتلى في ان ما ابتلى به من الشيطان قرينة على عدم الشمول لحالة القطع لأن القاطع لا يرى شخص قطعه حين يجري عليه من الشيطان و الا لزال كما تقدم و يندفع بان نفس الشي‌ء يصدق في الشاك أيضا فإنه لا يمكن أن يصدق بان شكه بلا مبرر و للوسوسة و إلا لزال، و المقصود من الاستشهاد الاستشهاد بلحاظ حالته النوعية و الوسواسي يمكن ان يعترف بحالة نوعية من هذا القبيل. كما انه قد يجعل ظهور حال الإمام في ان الارتداع أمر عقلائي ينافي خلافه العقل قرينة على اختصاص بالشك لأن الارتداع في فرض القطع مرده الى تقييد الشارع لموضوع حكمه و هذا أمر شرعي لا سبيل لا حالته على الإدراك العقلائي اللهم الا ان يقال ان نكتة هذا التقييد لما كانت مركوزة في الأذهان صحت الا حالة المذكورة.

و ينبغي أن يعلم بهذا الصدد ان البناء على حجية علم الوسواسي بالنسبة إليه لا يعني حجيته بلحاظ الآخرين و شمول دليل الحجية لشهادته لان دليل الحجية موضوعه خبر الثقة و الوثاقة المعتبرة هي الوثاقة من حيث الصدق بمعنى التورع عن الكذب و الوثاقة من حيث الحسن و الإدراك بمعنى عدم كونه كثير الغفلة و الخطأ في معتقداته على نحو غير متعارف و هذا المعنى عن الوثاقة غير موجود في المقام نعم شهادة الوسواسي بالطهارة حجة لأن قطعه بذلك جار حسب المتعارف كما أشرنا سابقا.

(1) و تحقيق ذلك كبرويا موكول الى ما حققناه في علم الأصول غير انه من الجدير الإشارة هنا الى بعض التطبيقات لالتفات النظر إلى بعض‌

100

..........

____________

النكات، فمن القواعد المقررة في الأصول ان من شرائط تنجيز العلم الإجمالي ان يكون علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير و من التصورات الثابتة لدى مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) على ما يبدو أن حرمة شرب النجس أو حرمة الصلاة فيه اللتين تترتبان على النجاسة ككل حكم آخر لا يكون فعليا في مرحلة المجعول الا حينما يتحقق الموضوع و يصبح فعليا، فما لم يتحقق مشروب نجس بالفعل أو لباس نجس كذلك لا يكون الحكم بحرمة شربه أو الصلاة فيه فعليا.

و على هذا إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المائين أو الطعامين أو الثوبين أو نجاسة هذا الماء أو ذلك الثوب فهو علم إجمالي منجز لأنه علم إجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، و اما إذا علم إجمالا بنجاسة هذا الماء أو ذلك الإناء الفارغ فلا ينجز هذا العلم لأنه ليس علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير من أجل ان نجاسة الإناء الفارغ ليست موضوعا لتكليف فعلي، و كذلك الحال في كل حالة يكون طرف العلم الإجمالي فيها شيئا مما لا يشرب أو يؤكل أو يلبس فان استشباع نجاسته لتكليف فعلي يكون تقديريا لا فعليا أي معلقا على ملاقاة ما يشرب أو ما يؤكل أو ما يلبس له.

نعم قد بنينا في الأصول على ان حرمة الصلاة في النجس التي مردها إلى المانعية فعلية بفعلية نفس الأمر بالمقيد- أي الأمر بالصلاة المقيدة بعدم النجاسة- و ان تنجس الثوب خارجا ليس قيدا في فعلية المانعية بل في متعلقها بمعنى ان المكلف بالفعل- قبل ان يتنجس ثوبه- مأمور بان لا يصلي صلاة مقرونة مع نجاسة الثوب و على هذا الأساس يكون العلم الإجمالي بنجاسة الماء أو الإناء الفارغ منجزا أيضا لأن مرجعه الى العلم الإجمالي بحرمة شرب ذلك الماء أو بطلان الصلاة في الثوب الذي يلاقي هذا الإناء و هو بطلان فعلي و ان لم تكن الملاقاة فعلية لأن مرده إلى المانعية المنتزعة‌

101

[حكم الخارج عن الابتلاء]

إلا إذا لم يكن أحدهما محلا لابتلائه فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضا (1)

____________

من الأمر بالمقيد و الفعلية بفعليته، و تفصيل الكلام عن ذلك في مباحث الاشتغال من علم الأصول.

(1) و المقصود من الخروج عن محل الابتلاء مرتبة متوسطة بين التيسر و التعذر العقليين و التي قد يعبر عنها بالتعذر العرفي، و تفصيل الكلام في هذه المسألة موكول الى موضعه من علم الأصول غير اننا نذكر موجزا بالنحو الذي يناسب المقام و حاصله ان هناك ثلاثة مسالك:

الأول- مسلك المشهور حيث ذهبوا الى عدم تنجيز العلم الإجمالي المذكور لعدم كونه علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير لان التكليف في الطرف الخارج عن محل الابتلاء ليس فعليا لا خطابا و لا ملاكا اما الخطاب فلانة مشروط بالقدرة و يراد بها هنا المعنى العرفي للقدرة تنزيلا للخطاب على الفهم العرفي.

و أما الملاك فلان الكاشف عنه هو الخطاب و مع قصور إطلاقه لا كاشف عنه و يرد عليه: ان القدرة لم تؤخذ بعنوانها في الخطاب لتنزل على المعنى العرفي و انما هي شرط بحكم العقل و كشفه لبا عن التخصيص بملاك استحالة التكليف بغير المقدور و هذا المخصص اللبي لا يخرج سوى موارد العجز الحقيقي لا العرفي، و غاية ما يتوهم كونه ملاكا لإلحاق العجز العرفي به في هذا التخصيص اللبي العقلي دعوى لغوية التكليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء إذ ما فائدته مع فرض انصراف المكلف بطبعه عن الشي‌ء الذي يراد نهيه عنه، و هي مندفعة: بأنه يكفي فائدة للتكليف انه يحقق صارفا‌

102

..........

____________

ثانيا للمكلف في عرض الصارف الطبيعي يمكن المكلف من التعبد و التقرب على أساسه.

المسلك الثاني- للسيد الحكيم في المستمسك (1) «(قدس سره)» حيث انه اعترف بفعلية التكلف في موارد الخروج عن محل الابتلاء و لكنه تصور مرتبة بعد فعلية التكليف سماها بشغل الذمة و ثقل العهدة فهو يرى ان التكليف بالاجتناب عما هو خارج عن محل الابتلاء لا يدخل في الذمة و يشبهه بالتكليف في موارد عدم قيام الحجة عليه و عليه فالعلم الإجمالي ليس علما إجماليا بتكليف تشتغل به ذمة المكلف على كل تقدير فلا يكون منجزا.

و يرد عليه: ان شغل الذمة ان أراد به المنجزية التي هي حكم عقلي فهذا غير معقول لان المنجزية معناها حكم العقل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة و من الواضح انه لا معنى لأن يدعي في المقام ان الماء النجس الخارج عن محل الابتلاء لا يستحق المكلف العقاب على تقدير شربه و مخالفته للنهي لان فرض الشرب و المخالفة هو بنفسه فرض الدخول في محل الابتلاء و بذلك يتضح ان تنظير هذا بموارد عدم قيام الحجة على التكليف في غير محله لأن مخالفة الواقع الذي لا حجة عليه لا يساوق تمامية الحجة عليه، و أما مخالفة النهي الخارج مورده عن محل الابتلاء فهو يساوق دخوله في محل الابتلاء، و ان أراد بشغل الذمة معنى عرفيا اي ان العرف لا يرى كلفة و ثقلا على المكلف في موارد الخروج عن محل الابتلاء فكأن التكليف لم يشغل ذمته فهذا المعنى صحيح غير انه لا دخل له في المقام لأن صدق عنوان الثقل و التحميل عرفا لا دخل له بباب الطاعة و قانون منجزية العلم الإجمالي.

المسلك الثالث- ما ذهب اليه السيد الأستاذ- (دام ظله)- من الاعتراف بفعلية التكليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء و ان العلم الإجمالي في المقام منجز و ان كان أحد طرفيه خارجا عن محل الابتلاء لأنه علم بالتكليف‌

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 451 و ما بعدها الطبعة الرابعة

103

..........

____________

الفعلي على كل تقدير فلا يجري الأصل المؤمن في الطرف الداخل في محل الابتلاء.

و نقتصر في تحقيق حال هذا المسلك على تعليقين مع احالة الباقي الى علم الأصول.

أحدهما- مبنائي و هو انا نرى عدم المحذور العقلي في الترخيص في أطراف العلم الإجمالي كلها و انما المحذور عقلائي بمعنى ان العقلاء بحسب ارتكازاتهم النوعية يرون ان ترخيص المولى في كل أطراف العلم الإجمالي مساوق لرفع يده عن التكليف المعلوم رأسا فمع الحفاظ عليه لا يرون شمول دليل الأصول المؤمنة لأطراف العلم الإجمالي معا و عليه نقول انه في موارد خروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء لا يرى العقلاء الترخيص في كلا الطرفين بمثابة رفع اليد عن التكليف الواقعي و الاستخفاف به بل هو في قوة الترخيص في طرف واحد فقط من الناحية العملية فالتنافي الارتكازي غير موجود و تحقيق الأصول الموضوعية للمبنى متروك الى محله أيضا.

و التعليق الآخر- انا لو سلمنا ان المحذور في الترخيص في كلا الطرفين عقلي لا عقلائي فقط كما عليه مدرسة الميرزا «(قدس سره)» نقول ان ملاك التنجيز بلحاظ الموافقة القطعية تساقط الأصول بالمعارضة و لا تساقط في المقام بل الأصل المؤمن يجري في الطرف المبتلى به بلا معارض لقصور أدلة الأصول المؤمنة عن الشمول للطرف الخارج عن محل الابتلاء حتى و لو كان الشك فيه شبهة بدوية فضلا عن الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي و ذلك اما بتقريب يجري في تمام أدلة الأصول و هو اللغوية العقلائية لجعل الأصل لأن النكتة التي صححنا بها جعل الحكم الواقعي في الموارد الخارجة عن محل الابتلاء عند دفع المسلك الأول لا تجري في جانب الترخيص الظاهري الذي لا يطلب منه الا إطلاق العنان و التأمين عند المخالفة و إطلاق العنان في مورد يكون المكلف بطبعه مقيد العنان بالنسبة إليه يكون لغوا عرفا و اللغوية العرفية صالحة للقرينية على نحو لا يمكن التمسك بالإطلاق.

و أما بتقريب يجري في أدلة الأصول المسوقة مساق الامتنان و هو انه لا امتنان‌

104

[اشتراط حصول الظن في حجية البينة]

(مسألة 3) لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها (1)

____________

عرفي في جعل الترخيص في الموارد الخارجة عن محل الابتلاء.

و بذلك كله يتحقق ما هو المختار مسلكا رابعا و هو عدم تنجيز العلم الإجمالي في موارد خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء بالملاك الذي أوضحناه و هو عدم تعارض الأصول في الأطراف نعم إذا كان يعلم بان هذا المورد الخارج سيدخل في محل الابتلاء في المستقبل تشكل علم إجمالي تدريجي منجز و كذلك إذا كان للطرف الخارج بنفسه عن محل الابتلاء اثر فعلي داخل فيه كما لو كان له ملاق قد دخل في محل الابتلاء.

(1) المعروف انه لا يعتبر في حجية البينة حصول الظن الفعلي بصدقها و لا عدم الظن بخلافها، و هذا كلام صحيح ان أريد بالظن المذكور الظن الشخصي فإذا كان الشخص بطي‌ء الظن لسبب من الأسباب فلم يحصل له ظن على طبق البينة أو مجازفا في ظنه فحصل له الظن بالخلاف لم يضر ذلك بحجية البينة لأن السيرة العقلائية انما تعتبر الخبر بلحاظ طريقيته و موصليته الى الواقع و هذه الحيثية مرهونة بكشفه العقلائي و هو محفوظ في المقام لا بكشفه الشخصي، و الأدلة اللفظية على الحجية مطلقة أيضا و لا موجب لتقييدها سواءا فرضت إمضائية أو تأسيسية و قطع النظر عن السيرة.

و اما اقتران البينة بكاشف نوعي على الخلاف يزاحم كاشفية البينة عند العقلاء على العموم و يوجب قصورها عن افادة الظن لديهم أو حصول الظن على خلافها فالظاهر انه يوجب سقوط البينة عن الحجية لعدم الموجب إثباتا لحجيتها حينئذ اما بلحاظ السيرة فلأن العقلاء انما يبنون على حجية الخبر بلحاظ الكاشفية و الموصلية و المفروض زوالها و كونها حكمه لا علة مرجعه إلى كون الحجية تعبدية و تابعة لصفة نفسية في الخبر و هي كونه لو لا المانع كاشفا و هذا على خلاف المرتكزات العقلائية في باب الحجج و الطرق، و قد ذهبنا الى ذلك بالنسبة إلى حجية خبر الثقة في الشبهات‌