بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
105

[حكم تعارض البينتين]

نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها (1)

____________

الحكمية أيضا فأنطنا حجيته بعدم الكاشف النوعي المزاحم بالنحو المذكور و من هنا قلنا بأن إعراض المشهور عن الرواية بلحاظ حيثية صدورها إذا لم يكن إعراضا اجتهاديا بميزان من موازين التقديم و الترجيح يوجب سقوطها عن الحجية. و من أجل هذا أيضا قلنا في مسألة رؤية الهلال و ثبوته بالبينة ان الروايات الواردة في إسقاط حجية البينة المتفردة بالرؤية [1] ليست تخصيصا لقاعدة حجية البينة بل هي جارية على القاعدة لأن التفرد المذكور مع كثرة المستهلين و صفاء الجو يوجب وجود امارة نوعية على الخلاف و هو ما أشير إليه في تلك الروايات بلسان انه إذا رآه واحد رآه مائة، و كما تكون السيرة قاصرة في حالة من هذا القبيل كذلك الأدلة اللفظية إما لظهورها في الإمضاء الموجب لحملها على نفس النكتة المنعقدة عليها السيرة و بذلك تكون محدودة بحدودها و اما لاستظهار كون الحجية المجعولة فيها بملاك الطريقية و الكاشفية لا لنكتة نفسية و حيثية سببية و الطريقية غير محفوظة في أمثال المقام.

(1) و قد تقدم الكلام عن فرض تعارض البينتين و حكمه في الجزء الثاني من هذا الشرح فلاحظ (1)

____________

[1] من قبيل معتبرة أبي أيوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له: كما يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدوا بالتظني و ليس رؤية الهلال ان يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته و يقول الآخرون لم نره إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه ألف.» الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 10

____________

(1) البحوث الجزء الثاني ص 117 و ما بعدها.

106

[اشتراط ذكر مستند الشهادة]

(مسألة 4) لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة نعم لو ذكر مستندها و علم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة (1)

____________

(1) بل و كذلك الأمر مع عدم ذكر المستند مع العلم بالاختلاف في الشبهات الحكمية للتنجيس أو مع احتمال ذلك لان حجية الشهادة انما هي بمقدار إثباتها للصغرى الحسية و هي ملاقاة النجس و ليست حجة في إثبات الكبرى التي هي الحكم الشرعي الكلي لعدم كونها حسية بالنسبة إلى البينة و ما لم يحرز ان الصغرى التي تثبت بالشهادة هي نفس الصغرى التي نرى انطباق الكبرى عليها لا يكون لها أثر و لا يتوهم التمسك في المقام بأصالة عدم خطأ الشاهد أو بأصالة الحسية في شهادته عند الشك فإن أصالة عدم الخطأ إنما تجري بعد العلم بحسية الشهادة حيث ان الخطأ في الحسيات منفي عقلائيا و في المقام لا نحتمل الخطأ في الحس و انما نحتمل كون المشهود به حسا مما لا اثر له عندنا شرعا، و أصالة الحسية إنما تجري في مورد يكون في معرض الإدراك الحسي في نفسه فتحمل الشهادة به على انها شهادة حسية به و في المقام الملاقاة مع شي‌ء معين يراه الشاهد نجسا حسية للبينة بلا اشكال و كون ذلك منجسا حدسي لها بلا إشكال أيضا فلا ينفع أصل الحسية في شي‌ء.

بل يتضح مما ذكرناه انه لو علم الاختلاف بيننا و بين البينة على نحو الشبهة الموضوعية لا الحكمية بان اطلعنا على انها تبني على نجاسة ملابس الطفل بتخيل اصابة البول لها و نحن نعلم بطهارتها و احتملنا ان شهادتها بنجاسة الإناء مستندة الى ملاقاته لملابس الطفل فلا حجية للشهادة أيضا لنفس النكتة السابقة حيث ان مرجعها الى ان شيئا مما تراه البينة نجسا قد لاقى الإناء و هذا عنوان قابل للانطباق على ملابس الطفل و لا مجال لأصالة‌

107

[حكم الشهادة بموجب النجاسة]

(مسألة 5) إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى و إن لم يكن موجبا عندهما أو أحدهما فلو قالا ان هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة كفى عند من يقول بنجاستهما و إن لم يكن مذهبهما النجاسة (1)

[اختلاف الشاهدين في سبب النجاسة]

(مسألة 6) إذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما كفى في ثبوتها و إن لم تثبت الخصوصية كما إذا قال أحدهما ان هذا الشي‌ء لاقى البول و قال الآخر انه لاقى الدم فيحكم بنجاسته لكن لا تثبت النجاسة البولية و لا الدمية بل القدر المشترك بينهما

____________

عدم الخطأ هنا للعلم بوقوع البينة في خطإ باعتقادها لنجاسة تلك الملابس و انما الشك في ابتناء الشهادة على ذلك الاعتقاد و في مثل ذلك لا تجري أصالة عدم الخطأ نعم لو لم يعلم بخطإ بعينه و احتمل ان البينة تبني على نجاسة ملابس الطفل خطأ و ان ذلك هو مستندها في الشهادة بنجاسة الإناء لم يضر هذا الاحتمال في الحجية لإجراء أصالة عدم الخطأ و لو لا ذلك لانسد باب العمل بالشهادة كما لا يخفى.

(1) و ذلك لان شهادة البينة انما تكون حجة لا في إثبات النجاسة بعنوانها بما هي حكم شرعي ليقال انها لا تشهد في هذا الفرض بالنجاسة بل في إثبات الصغرى و هي ذات الملاقاة و أما حكم الملاقاة فيجب أن يرجع فيه كل من الشاهد و المشهود له الى مبانيه اجتهادا أو تقليدا و يكفي في جعل الحجية كون الخبر قابلًا للتنجز بلحاظ من تجعل الحجية عليه و يكفي في ذلك ان يكون المشهود به ذا أثر إلزامي بالنسبة إليه فلا موجب للتشكيك في حجية البينة في الفرض المذكور.

108

لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر بان اتفقا على أصل النجاسة و اما إذا نفاه كما إذا قال أحدهما انه لاقى البول و قال الآخر لا بل لاقى الدم ففي الحكم بالنجاسة اشكال (1)

____________

(1) فصل السيد الماتن- (قدس سره)- في صورة اختلاف مستند الشاهدين بالنجاسة بين فرضي التكاذب و عدمه ففي فرض عدم التكاذب ذهب الى ثبوت أصل النجاسة و ان لم تثبت الخصوصية و في فرض التكاذب استشكل في ثبوت أصل النجاسة.

و قد علق السيد الأستاذ- (دام ظله)- على ذلك بما يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط (1):- الأولى: ان من شروط حجية البينة ان تتعلق بواقعة واحدة و إلا لم يصدق عنوان البينة و مع اختلاف المستند تتعدد الواقعة لا محالة نعم بينهما أمر مشترك غير انه جامع انتزاعي و مدلول التزامي أو تحليلي و المحقق في محله ان حجية مثل هذا المدلول تابعة لحجية الدلالة المطابقية و ساقطة بسقوطها.

الثانية: ان التفصيل بين فرضي التكاذب و عدمه لا وجه له لأنه ان بني على عدم استقلال الدلالة الالتزامية في الحجية تعين المصير الى عدم الحجية حتى في فرض عدم التعارض كما تقدم و ان بني على استقلالها أمكن الالتزام بحجية البينة بلحاظ المدلول الالتزامي المشترك حتى مع فرض التعارض لأن التعارض انما هو بالنسبة إلى الخصوصية لا إلى ذلك المدلول المشترك.

الثالثة: ان الاختلاف في الخصوصية إنما يضر بالحجية فيما إذا كان‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 214 و ما بعدها.

109

..........

____________

اختلافا فيما له دخل في موضوع الحكم الشرعي بأن شهد هذا بقطرة بول و ذاك بقطرة دم لا فيما إذا كان في خصوصيات لا دخل لها في الحكم كما إذا شهد هذا بقطرة دم اسود و ذاك بقطرة دم أحمر لأن اللون لا دخل له فلا تعارض بينهما بلحاظ ما هو موضوع الأثر.

و تفصيل الكلام في هذه المسألة يقتضي عقد مقامين نتكلم في أحدهما بناء على انحصار الحجية بالبينة و في الآخر بناءا على حجية خبر الواحد في الموضوعات أيضا.

أما المقام الأول [بناءا على انحصار الحجية بالبينة]

فيقع الكلام فيه في جهتين- الاولى: فيما إذا اختلف المستند من دون افتراض التعارض و الأخرى: في ان افتراض التعارض هل يغير من الحكم شيئا أو لا.

اما الجهة الأولى- [فيما إذا اختلف المستند من دون افتراض التعارض]

فقد عرفت ذهاب الماتن إلى حجية البينة و أن السيد الأستاذ استشكل في ذلك كما مر في النقطة الاولى من كلامه (1) و مثله جملة من الفقهاء بدعوى عدم وحدة الواقعة المشهود بها.

و التحقيق: ان الأخبار له عدة مراكز- منها- الأثر الشرعي الملحوظ المراد إثباته كالنجاسة أو الملكية، و منها- موضوع الأثر كالهبة أو الصلح بلا عوض اللذين هما موضوعات لتملك الآخر للمال مجانا، و منها- الواقعة الحسية التي أحس بها الشاهد و على أساسها يشهد كعقد الهبة الخاص الذي وقع في مشهد من السامع في زمان مخصوص و مكان مخصوص. فالكلام يقع في ان البينة بعد الفراغ عن لزوم ان تنصب الشهادتان فيها على مصب واحد هل يعتبر فيها وحدة المركز بلحاظ الواقعة الحسية فلو شهدا معا بعقد البيع و لكن أحدهما شهد بوقوع البيع في المسجد و الآخر شهد بوقوع‌

____________

(1) مر في ص 108.

110

..........

____________

البيع في البيت لم تتحقق البينة لتعدد الواقعة الحسية بل و كذلك لو شهدا على وجه الإهمال لأن احتمال التعدد يكفى لعدم إحراز كون البينة حجة أو يعتبر وحدة المركز بلحاظ ما هو موضوع الحكم الشرعي ففي المثال السابق تقبل البينة لأن ما هو موضوع الحكم ذات البيع و الشهادتان متفقتان عليه، نعم لو شهد أحدهما بالهبة و الآخر بالصلح بلا عوض لم تتم البينة لأن كلا منهما موضوع مستقل.

أو يعتبر وحدة المركز بلحاظ نفس الأثر الشرعي الملحوظ ففي المثال المشار إليه أخيرا تتم البينة لأن الهبة و الصلح بلا عوض لهما أثر شرعي واحد و هو التملك المجاني مثلا، نعم لو شهد أحدهما بالهبة و الآخر بالبيع لم تتم البينة لأن أثر أحدهما التملك المجاني و اثر الآخر التملك بعوض و هما متغايران و ان كان بينهما جامع انتزاعي أو تحليلي و هو أصل الملكية.

أو يعتبر وحدة المشهود به بلحاظ العنوان المأخوذ في كلام الشاهد فلو شهدا معا بان هذا المال ملك لزيد قبل و لو كان أحدهما يرى ان هذا التملك بسبب البيع و الآخر يراه بسبب الهبة ما داما متطابقين في العنوان المأخوذ في مقام الشهادة.

و كلمات الفقهاء لا تخلو من تهافت كما يظهر من ملاحظة الفروع التي تعرضوا لها، ففي فرض شهادة أحد الشاهدين على شخص بأنه أقر بالعربية و شهادة الآخر بأنه أقر بالفارسية مع وحدة المقر به يظهر منهم قبول البينة و هذا يناسب الاكتفاء بوحدة المصب بلحاظ ما وراء الواقعة الحسية من الأثر الشرعي و نحوه و ان تعددت الواقعة الحسية المشهود بها، و في فرض شهادة أحدهما بأن المال غصب منه في المسجد و شهادة الآخر بأنه غصب منه في البيت يظهر منهم عدم قبول البينة و هذا يناسب اشتراط وحدة المصب بلحاظ الواقعة الحسية و عدم الاكتفاء بوحدته بلحاظ الأثر الشرعي‌

111

..........

____________

و موضوعه و إلا لزم الاكتفاء في هذا المثال، و قد حاول بعض المحققين كالنراقي «(قدس سره)» في مستنده (1) ان يضبط الفروع المختلفة بضابط كلي حاصله انه يكتفى بوحدة المصب و لو بلحاظ اللازم على ان يكون للازم المشترك وجود مستقل مشخص كما في مثال الإقرار فلا يكفي ان يكون لكل من الأمرين لازم و اللازمان متغايران وجودا و لكنهما مشتركان في جزء تحليلي. و بعبارة اخرى: ان الاشتراك في جزء تحليلي لا يكفي على مستوى المدلول المطابقي فضلا عن الالتزامي و الاشتراك في وجود مشخص كاف سواءا كان مدلولا مطابقيا أو التزاميا. و لكن هذا الضابط لا يفسر كل مواقفهم لأنه يقتضي في مثال الغصب قبول البينة.

كما ان اشتراط وحدة المصب بلحاظ الواقعة الحسية كأنه لا يتناسب مع الفتاوى و النصوص عموما إذ يلزم من ذلك عدم قبول البينة في جل الموارد عمليا لتطرق احتمال اختلاف الواقعة الحسية المشهود بها و الاحتياج إلى سؤال كل من الشاهدين عن الزمان و المكان و الخصوصيات من أجل إحراز وحدة الواقعة مع ان بناء النصوص و الفتاوى ليس على ذلك جزما و أما الاكتفاء بوحدة العنوان المشهود به فقد يراد به الاكتفاء بذلك حتى مع العلم من الخارج بتعدد الواقعة المقصودة للشاهدين بحيث يكون الميزان التطابق بلحاظ المقدار المصرح به في الشهادة. بدعوى: أن الطبيعي الواقع محلا لشهادتهما معا واحد و هو مدلول مطابقي لكل من الشهادتين لا التزامي أو تحليلي فيثبت. بخلاف ما إذا اختلف الشاهدان في الخصوصيات في مقام أداء الشهادة فإن الطبيعي حينئذ مدلول ضمني أو تحليلي للبينة و ليس مدلولا مطابقيا. غير ان هذا يرد عليه: انه في فرض تعدد الواقعة‌

____________

(1) مستند الشيعة المجلد الثاني- كتاب القضاء و الشهادات ص 681

112

..........

____________

لا فرق من حيث الكاشفية و الطريقية بين أن يكون العنوان المأخوذ في مقام الشهادة واحدا أو لا فاما ان نقول بالحجية فيهما معا فيرجع الى القول بكفاية وحدة المصب بلحاظ الحكم الشرعي، و إما ان نقول بعدم الحجية فيهما معا فيرجع الى القول باشتراط وحدة الواقعة الحسية، و إما ان نقول بالحجية فيما إذا كان العنوان واحدا و بعدمها فيما إذا لم يكن واحدا مع العلم من الخارج بتعدد الواقعة في كلتا الصورتين فهذا خلاف الفهم العرفي في باب الحجج و الأمارات القاضي بأن اعتبارها بلحاظ كاشفيتها و طريقيتها و دعوى: انه إذا كان العنوان المشهود به واحدا فالطبيعي مدلول مطابقي للبينة و مجرد العلم من الخارج بتعدد الواقعة لا يخرج الطبيعي عن كونه مدلولا مطابقيا في عالم الشهادة. مدفوعة: بأن الشهادة انما تكون حجة بحسب المرتكز العرفي للطريقية باعتبارها كاشفة عن اعتقاد الشاهد و لهذا لو فرض اننا أحرزنا الاعتقاد الحسي للشاهد من دون ان يخبر لكان حجة بلا اشكال و في مرحلة اعتقاد الشاهد لا يكون الطبيعي مدلولا مطابقيا بل تضمنيا في حالة تعدد الواقعة على اي حال سواءا تغاير العنوان المصرح به في مقام الشهادة أو لا.

و من هنا يظهر الوجه في المصير الى انعقاد البينة مع وجود مشترك بين الشهادتين و لو ضمنا أو تحليلا لأن إناطة انعقادها على شي‌ء بكونه مدلولا مطابقيا للشهادة في مرحلة الكلام خلف كون الكلام ملحوظا بما هو طريق الى اعتقاد الشاهد و ان تمام الموضوع للحجية هو اعتقاد الشاهد المكتشف بحكايته عنه بكلامه و اناطة انعقادها على شي‌ء بكونه مدلولا مطابقيا للشهادة في مرحلة اعتقاد الشاهد بحيث يكون المعتقد به للشاهدين معا شيئا واحدا فهذا معناه اشتراط وحدة الواقعة الحسية و قد عرفت عدم‌

113

..........

____________

ملائمة للنصوص و الفتاوى فلا بد من المصير إذن إلى كفاية كون الشي‌ء مدلولا تحليليا للبينة في انعقادها بالنسبة اليه و بذلك يتجه ما أفيد في المتن من ثبوت النجاسة مع اختلاف الواقعة الحسية المشهود بها في كلام الشاهدين لأن النجاسة مدلول تحليلي مشترك، و قد يقال ان المرتكز عرفا ان اشتراط التعدد في البينة انما هو من أجل تأكيد الطريقية و الكاشفية و مع تعدد الواقعة الحسية لا يكون للتعدد أثر في تأكيد الطريقية فمثل هذا التعدد تنصرف عنه أدلة حجية البينة المنزلة على المرتكز العرفي و الجواب على ذلك: ان التعدد يؤثر بحساب الاحتمال في تقوية احتمال المدلول المشترك حتى مع افتراض تعدد الواقعة الحسية لوضوح ان احتمال الخطأ أو الكذب بالنسبة إلى المدلول المشترك يكون أضعف مما لو لم تتوفر إلا شهادة واحدة عليه.

و محصل الكلام ان عدم شمول دليل حجية البينة للبينة بلحاظ مدلول تحليلي مشترك إن كان من أجل عدم صدق عنوان البينة، فيرد عليه ان البينة ليست إلا شهادة شخصين بشي‌ء فلو فرض اشتراك الشهادتين في إثبات شي‌ء و لو تحليلا و ضمنا أو التزاما فقد تمت البينة عليه، و ان كان من أجل ان البينة متقومة بالتعدد المؤثر في تقوية الكاشفية و تعدد الشهادة مع تغاير الواقعة لا يؤثر في ذلك فيرد عليه ما تقدم من أنه يؤثر في تقوية الكاشفية في الجملة و ان كانت التقوية مع وحدة الواقعة أكبر و من أجل ذلك كان التواتر اللفظي أقوى من المعنوي و المعنوي أقوى من الإجمالي، و ان كان من أجل أن المدلول التحليلي و الضمني و الالتزامي لا تكون الامارة حجة فيه الا بتبع حجيتها في المدلول المطابقي و مع تعدد الواقعة لا تكون كل من الشهادتين حجة في المدلول المطابقي فلا حجية بالنسبة إلى المدلول الضمني أيضا، فير عليه أولا ان تبعية الدلالة الالتزامية و الضمنية للمطابقية‌

114

..........

____________

في الحجية ليست مدلولا لدليل بهذا العنوان و انما هي بنكتة فلا بد من ملاحظة ان تلك النكتة تنطبق على محل الكلام أو لا، و ثانيا انه لو سلم انها مدلول دليل بهذا العنوان لم يكن هذا الدليل منطبقا على محل الكلام أيضا، اما الأول فحاصله أن نكتة تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية ان المدلول الالتزامي هو الحصة الخاصة الملازمة للمدلول المطابقي فما يكون معارضا للمدلول المطابقي و مسقطا للدلالة المطابقية عن الحجية يكون معارضا لا محالة للمدلول الالتزامي و مسقطا للدلالة الالتزامية عن الحجية أو بتعبير آخر انه إذا فرض خطأ المخبر في المدلول المطابقي فلا يلزم من فرض بطلان المدلول الالتزامي خطأ آخر لينفي بأصالة عدم الخطأ الزائد كذبا أو اشتباها و هذا البيان بكلا تقريبية انما يتعقل فيما إذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية من أجل وجود حجة معارضة أو للعلم ببطلان المدلول المطابقي لا فيما إذا كان عدم ثبوت المدلول المطابقي لقصور في نفس دليل الحجية عن إثباته و شموله كما في المقام حيث ان موضوع دليل الحجية عنوان البينة و ما أخبر به الشاهدان و كل من المدلولين المطابقين في الفرض لم يخبر به الشاهدان فعدم ثبوته لعدم صدق عنوان الحجة و هو البينة على كل من الدلالتين المطابقيتين و في مثل ذلك لا يبقى محذور في تطبيق دليل الحجية على المدلول الالتزامي إذا صدق عنوان الحجة عليه بسبب كونه محكيا بكلتا الشهادتين و لو التزاما.

و أما الثاني فلان المدلول المطابقي للبينة بما هي بينة ليس الا المدلول التحليلي المشترك فهو انما يكون ضمنيا بلحاظ كل خبر بخصوصه مع ان الحجة ليس الا اجتماع الخبرين و هما لم يجتمعا إلا عليه فهو تمام المدلول للبينة بما هي بينة.

و مع كل هذا يمكن أن يقال: بان المستفاد عرفا من دليل حجية البينة‌

115

..........

____________

اشتراط و جدة الواقعة الحسية على الرغم من ان الجمود على إطلاقه قد يقتضي ما هو أوسع من ذلك و النكتة في فهم الاشتراط المذكور من الدليل ان المنسبق عرفا منه ان التعدد المقوم للبينة إنما يلحظ بالنسبة إلى ما تكون الشهادة حجة فيه بالذات بمعنى ان مصب التعدد هو نفس مصب الحجية بالذات و مصب حجية الشهادة بالذات انما هو الواقعة الحسية نفسها فالشهادة بنجاسة الثوب انما تكون حجة بما هي اخبار عن واقعة حسية و هي ملاقاة الدم للثوب لا بما هي اخبار عن الحكم الشرعي بالنجاسة كما تقدم في المسألة الرابعة (1) فإذا دل الدليل على إناطة حجية الشهادة بالتعدد فهم منه عرفا اعتبار تعدد الشهادة بلحاظ نفس مصب الحجية بالذات أي الواقعة الحسية و ان شئت قلت ان البينة ليست مجرد اخبار شخصين بشي‌ء حتى يقال بشموله لأخبار شخصين عن مدلول التزامي مشترك مع اختلاف الواقعة الحسية بل هي شهادة شخصين بشي‌ء و الشهادة إنما تصدق بالنسبة إلى الواقعة الحسية لأنها هي المشهودة دون لوازمها فمتى ما حصلت شهادتان بواقعة حسية واحدة صدقت البينة و ثبتت تلك الواقعة بكل ما يرى المشهود لديه لها من لوازم، و أما إذا أخبر أحد الشخصين بنجاسة الثوب بالدم و أخبر الآخر بنجاسته بالبول فلم تجتمع شهادتان على شي‌ء واحد و ان تحقق اخباران بشي‌ء واحد لأن النجاسة و ان أخبر بها الاثنان و لكنها ليست هي الواقعة المشهودة فلا يسمى الأخبار بها شهادة بما هو أخبار بها و الملاقاة للبول و الملاقاة للدم واقعتان حسيتان لم يتعلق بكل منهما إلا شهادة واحدة و على هذا الأساس فلا إطلاق في دليل حجية البينة لموارد اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسية غير انا لا نضايق في إمكان الالتزام بأصالة وحدة الواقعة‌

____________

(1) مرت في ص 106

116

..........

____________

الحسية بمعنى البناء عقلائيا أو شرعيا على ان الواقعة الحسية المنظورة للشاهدين واحدة ما لم تقم قرينة في نفس الشهادتين على التغير أو تحصل تهمة معينة تستدعي الاستنطاق و هذا البناء على وحدة الواقعة الحسية اما ان يلتزم به مطلقا كلما احتمل ذلك و أمكن افتراض انطباق الشهادتين على مصداق واحد أو يلتزم به في خصوص الحالات التي يعلم فيها من الخارج عادة بأنه على تقدير صدق الشاهدين معا فالواقعة واحدة كما في الأمور التي لا يحتمل تكررها عقلا أو عادة كما لو شهد اثنان بوفاة إنسان أو ببيع الدار من زيد و الفرق بين هذين التقديرين يظهر في مثل اخبار الشاهدين بالنجاسة مع السكوت عن ذكر السبب و احتمال اختلافهما لو طلب منهما ذكر السبب فإنه على الأول يؤخذ بهذه البينة و على الثاني لا يؤخذ بها لأن الملاقاة واقعة قابلة للتكرر و التنوع خارجا فليس صدق الشاهدين مساوقا لوحدة الواقعة حينئذ و على اي حال فلا تكون البينة تامة عند اختلاف الشاهدين في السبب لثبوت تعدد الواقعة الحسية هذا كله في الجهة الأولى أي في حكم اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسية مع عدم التعارض بينهما.

و أما الجهة الثانية- و هي في تحقيق حال التعارض بين الشاهدين

فقد فصل السيد الماتن «(قدس سره)» بين فرضي التعارض و عدمه فالتزم بحجية البينة في فرض عدم التعارض و لو مع الاختلاف في الواقعة و بعدم حجيتها مع التعارض، و اعترض عليه السيد الأستاذ- (دام ظله)- بما تقدمت الإشارة إليه (1) من ان مبني الحجية ثبوتا و نفيا استقلال الدلالة الالتزامية في الحجية و تبعيتها فعلى الأول يقال بالحجية حتى مع فرض التعارض إذ لا تعارض بلحاظ المدلول الالتزامي و على الثاني لا يقال بالحجية حتى مع عدم التعارض فالتفصيل لا وجه له.

____________

(1) تقدم في ص 108

117

..........

____________

و يرد عليه أولا أن تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في السقوط عن الحجية ليست هي مبني عدم الحجية في موارد اختلاف الشاهدين في السبب لما أوضحناه في الجهة السابقة من ان هذه التبعية لا يراد بها انه متى لا تجعل الحجية للدلالة المطابقية لا تجعل للدلالة الالتزامية أيضا بل يراد بها انه متى ما سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية للعلم ببطلان المدلول المطابقي أو لوجود حجة معارضة نافية للمدلول المطابقي سقطت أيضا الدلالة الالتزامية لأن مفادها مثلا الحصة الخاصة الملازمة للمدلول المطابقي فتسري إليها نفس نكتة السقوط و هذا لا ينطبق على محل الكلام فان الكلام فإن نكتة عدم حجية الدلالة المطابقية هنا لا تسري إلى الدلالة الالتزامية و هذه النكتة هي عدم تعدد الاخبار بالنسبة إلى المدلول المطابقي فقد يقال بحجية الدلالة الالتزامية حينئذ لأن المدلول الالتزامي قد اجتمع عليه اخباران فالقول بتبعية الدلالة الالتزامية لا يستلزم القول بعدم حجية البينة في موارد اختلاف السبب مطلقا.

و ثانيا: ان القول بعدم تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية لا يكفى مبني لحجية البينة في موارد اختلاف الشاهدين في السبب لما تقدم في الجهة السابقة من إمكان استظهار ان التعدد المعتبر في البينة بمعنى ورود الشهادتين على شي‌ء واحد بما هما شهادتان و كل من الاخبارين إذا لوحظ بما هو شهادة فلا ينسب الا الى الواقعة الحسية التي يخبر عنها و لا تعدد في الاخبار عنها.

و ثالثا: انه إذا قيل بحجية البينة في موارد اختلاف الشاهدين في السبب مع عدم التعارض لوجه من الوجوه فلا يلزم من ذلك القول بحجيتها في موارد اختلاف الشاهدين مع التعارض لإمكان التفصيل بين فرضي التعارض و عدمه و ذلك بان يقال ان اشتراط التعدد في البينة ليس تعبديا صرفا بل‌

118

..........

____________

هو بنكتة كونه مؤثرا في قوة احتمال المطابقة للواقع و الكشف عنه لأن لأن هذا هو الملاك النوعي العام في باب الطرق و الأمارات عموما القاضي بأن حجيتها باعتبار الطريقية و على هذا الأساس يكون المستفاد من دليل حجية البينة المستبطنة للتعدد ان اجتماع الشهادتين يكون حجة فيما إذا كان تعدد الشهادة سببا في قوة احتمال المطابقة للواقع فاذا شهد شاهد بالنجاسة من أجل الدم و آخر بالنجاسة من أجل البول و لم ينف كل منهما ما حكاه الآخر فالتعدد هنا بلحاظ الأخبار بأصل النجاسة حاصل و لا شك انه يوجب تقوى احتمال النجاسة في نفسه فقد يفترض من أجل ذلك شمول دليل حجية البينة لهذا، و اما إذا تعارض هذان الشاهدان فلن يكون للتعدد الحاصل من ضم شهادة أحدهما إلى الآخر تأثير في قوة احتمال النجاسة لأن كلا من الشهادتين بمقدار ما تقرب النجاسة من ناحية المستند الذي تشهد به تبعدها بنفيها لمستند الشهادة الأخرى و ما دام التبعيد مكافئا للتقريب فيكون هذا التعدد بحكم العدم فلا يشمله إطلاق دليل حجية البينة المستبطنة للتعدد بملاك زيادة الكشف إذ لا زيادة في الكشف بهذا التعدد بخلافه في فرض عدم التعارض مع اختلاف المستند.

و رابعا ان بالإمكان توجيه التفصيل المذكور بين فرضي التعارض و عدمه بوجه آخر على القول بتبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في السقوط عند التعارض و حاصله انا لو تنزلنا عن التقريب السابق للتفصيل و افترضنا ان التعدد المأخوذ في البينة من باب التعبد الصرف فمع هذا نقول ان دليل حجية البينة ليس دليلا تأسيسيا يثبت الحجية للبينة ابتداء و انما هو روحا و لبا، تخصيص في أدلة حجية خبر الثقة العامة للشبهات الحكمية و الموضوعية حيث يخصصها في خصوص الشبهات الموضوعية باشتراط التعدد فهو بالنسبة إلى دليل حجية خبر الثقة على و زان أدلة الشرطية، و من‌

119

..........

____________

الواضح ان أدلة الشرطية لا تشمل إلا ما يشمله دليل المشروط لأنها ناظرة اليه و محددة لموضوعه فلو قيل مثلا لا صلاة إلا بطهور لا يراد بذلك تأسيس صلاة جديدة تصح مع الطهارة و بدون استقبال مثلا بل ينظر الى نفس الموضوع المشمول لدليل الصلاة و يثبت فيه شرطا جديد و على هذا الأساس نقول بأنه لو لم يكن تعارض بين الشهادتين في المستند فهما مشمولتان في نفسيهما لدليل حجية خبر الثقة فيشملهما دليل الشرطية و هو دليل حجية البينة أيضا و اما إذا كانت الشهادتان متعارضتين في ذاتيهما فهما لا تكونان مشمولتين لدليل حجية خبر الثقة في نفسيهما باعتبار التعارض و سريان التعارض الى المدلول الالتزامي بحسب الفرض فلا يشملها دليل الشرطية أيضا لأنه انما يثبت نفس الحكم المشروط في المورد الذي يشمله دليل المشروط لكنه يثبته مع الاشتراط لا انه يثبت الحكم لموضوع لم يكن مشمولا في نفسه لدليل المشروط فان قيل إذا بنى على تبعية الدلالة الالتزامية فلا تكون البينة حجة عند الاختلاف في السبب مطلقا و إذا بني على عدم التبعية فحتى مع التعارض يكون كل من الخبرين مشمولا في نفسه بلحاظ المدلول الالتزامي لدليل حجية الخبر فلا مانع من إطلاق دليل حجية البينة له فلا يتم التفصيل، كان الجواب ما عرفت من ان تبعية الدلالة الالتزامية بمعنى سراية التعارض إليها من الدلالة المطابقية لا يستدعي عدم حجية البينة في موارد الاختلاف في السبب مطلقا لان عدم حجية الدلالة المطابقية في هذه الموارد ليس من أجل التعارض ليسري إلى الدلالة الالتزامية.

ثم ان هذا التعارض الذي فرضناه في هذه الجهة حتى الآن قصدنا به التعارض على نحو تكون الواقعة الخارجية متعددة و يثبت كل من الشاهدين‌

120

..........

____________

واقعة و ينفي الواقعة الأخرى، و أما إذا كانت الواقعة المشهودة للشاهدين واحدة و قد تعارضا فيها بان ادعيا معا أنهما رأيا قطرة دم تقع في الإناء غير ان أحدهما قال بأنها جاءت من هذه الجهة و الآخر قال بأنها جاءت من تلك الجهة أو ادعيا معا ان شيئا وقع في الماء غير ان أحدهما قال انه دم و الآخر قال انه قطعة ميتة فتحقيق الكلام في ذلك ان المقدار الذي اتفق عليه كلا الشاهدين تارة يفرض انه قابل للإدراك الحسي بشكل منفصل مستقل عن ادراك الخصوصيات المختلف فيها كما في المثال الأول و اخرى يفرض انه غير قابل لذلك كما في المثال الثاني ففي الفرض الأول يلتزم بحجية البينة و لا يضر وقوع التعارض لأن إدراك الواقعة الحسية المتفق عليها لا تكاذب فيه و انما التكاذب في الإحساس الزائد، و في الفرض الثاني يلتزم بعدم الحجية إذ لا يوجد ادراك حسي متفق عليه و الجامع بين البول و الميتة ليس إدراكه واقعة حسية مستقلة بل هو اما في ضمن ادراك البول أو في ضمن ادراك الميتة و كل منهما مورد للتخطئة بين الشاهدين، و بذلك يتضح ان الميزان في الحجية وجود واقعة حسية واحدة متفق عليها بين الشاهدين لا كون الاختلاف في خصوصية غير دخيلة في موضوع الحكم كما مرّ نقله عن السيد الأستاذ- (دام ظله)- في النقطة الثالثة (1) ففصل بين ان يقول أحدهما أنها قطرة بول و الآخر يقول إنها قطرة دم و بين ان يقول أحدهما أنها دم احمر و الآخر يقول انها دم اسود فيقال بالحجية في الثاني دون الأول فإن مجرد كون الخصوصية المختلف فيها غير دخيلة في موضوع الحكم الشرعي لا يكفي في حجية البينة إذا كان إدراكها الحسي بنفس ادراك ما هو موضوع الحكم الشرعي بحيث تكون التخطئة في إدراك‌

____________

(1) مر في ص 108

121

..........

____________

الخصوصية مساوية للتخطئة في إدراك موضوع الحكم إذ في هذه الحالة ينفي كل من الشاهدين ادراك الآخر لموضوع الحكم و ان كان لا ينفي موضوع الحكم نفسه و بذلك تكون طريقية كل من الشهادتين مبتلاة بالمزاحم و لا يكون ضم إحداهما إلى الأخرى موجبا لتقوى الطريقية و مثل ذلك لا يشمله إطلاق دليل حجية البينة كما عرفت سابقا.

هذا كله بناء على انحصار الحجية بالبينة.

و أما المقام الثاني- و هو الكلام على تقدير القول بحجية خبر الواحد الثقة

فلا إشكال في الحجية مع فرض عدم التعارض.

و أما مع فرض التعارض فقد يقال: بأن المسألة مبنية على مسألة تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية فإن قلنا بالتبعية لم يثبت شي‌ء في المقام و إلا كانت كل من الشهادتين حجة في إثبات المدلول الالتزامي، فإذا قال أحدهما ان البول لاقى هذا الماء لا الدم و قال الآخر عكس ذلك ثبتت النجاسة باعتبارها مدلولا التزاميا لخبر الثقة و لكن الصحيح عدم إمكان إثبات المدلول الالتزامي في المقام حتى بناء على القول بعدم التبعية و توضيحه ان المدلول التزامي للشاهد بملاقاة البول مثلا اما ان يكون هو الحصة الخاصة من النجاسة الناشئة من البول كما يدعي القائل بالتبعية و اما أن يكون هو جامع النجاسة، فعلى الأول يكون المعارض للمدلول المطابقي معارضا للمدلول الالتزامي لا محالة، و على الثاني يكون المجموع من نفي الأول للدم و نفي الثاني للبول معارضا للمدلول الالتزامي لأن الجامع انما يوجد بسبب أحد هذين الأمرين فحجية كل من الخبرين في مدلوله الالتزامي يقابلها حجية مجموع الخبرين في إثبات مجموع النفيين و إذ لا مرجح تسقط جميع تلك الدلالات عن الحجية فالصحيح في المقام ان‌

122

[حجية الشهادة بالإجمال]

(مسألة 7) الشهادة بالإجمال كافية أيضا كما إذا قالا أحد هذين نجس فيجب الاجتناب عنهما (1)

____________

يفصل نظير ما سبق فيقال ان كان ادراك ما يستتبع الأثر الشرعي و يستلزمه عين الإدراك الذي وقع موقع التكذيب من قبل الشاهد الآخر فيسقط عن الحجية و إن كانا ادراكين على نحو لو تخلفا معا عن الواقع لكانا خطأين أو كذبين لا خطأ واحدا أو كذبا واحدا فلا مانع من شمول دليل الحجية للخبر بلحاظ الإدراك الأول و إثبات صحته سواء كان المدرك بهذا الإدراك بنفسه موضوعا للحكم الشرعي أو مستلزما له بوجه من الوجوه.

(1) و هذا فيما إذا أحرز انهما معا يشيران بهذا العنوان الإجمالي إلى واقع واحد لا اشكال فيه لشمول دليل حجية البينة حينئذ، و اما إذا لم يحرز ذلك بان احتمل تعدد الإناء المشار اليه بالعنوان الإجمالي لكل منهما فان اكتفى في صدق البينة بوحدة العنوان المشهود به في مقام أداء الشهادة فلا يضر الاحتمال المذكور في الحجية لوجود الوحدة المذكورة و ان اعتبرت وحدة الواقعة الحسية و بني على أصالة وحدة الواقعة في موارد احتمال الاختلاف فقد يقال بان المتيقن من هذا الأصل غير ما يحتمل فيه تغاير المحل رأسا أو ما يكون احتمال التعدد فيه ناشئا من خصوصيات كلام الشاهدين.

ثم انه متى ما قيل بتحقق البينة القائمة على نجاسة العنوان الإجمالي و حجيتها كانت منجزة لاحتمال النجاسة في الطرفين بقوانين العلم الإجمالي إذ لا فرق في التنجيز بين العلم الإجمالي الوجداني و الحجة الإجمالية و لكن قد يقال في مثل المقام بان هذه الأمارة القائمة على النجاسة بمقدار الجامع لا يمكن أن تكون حاكمة على أصل الطهارة في كل من الطرفين بعنوانه إذ‌

123

و أما لو شهد أحدهما بالإجمال و الآخر بالتعيين كما إذا قال أحدهما أحد هذين نجس و قال الآخر هذا معينا نجس ففي المسألة وجوه وجوب الاجتناب عنهما و وجوبه عن المعين فقط و عدم الوجوب أصلا (1)

____________

انها انما تكون علما بالتعبد بمقدار موردها و هو الجامع فكل من الطرفين بخصوصه ليس معلوم النجاسة و لو تعبدا فيكون مشمولا لدليل قاعدة الطهارة و بهذا تحصل المعارضة بين إطلاق دليل قاعدة الطهارة للطرفين معا و إطلاق دليل الحجية للبينة القائمة على العنوان الإجمالي و لا يتوهم ان حال الطرفين في المقام حال طرفي العلم الإجمالي الوجداني بالنجاسة و ذلك لأن الأصول المؤمنة لا يمكنها ان تعارض مع قانون تنجيز العلم الإجمالي الوجداني لكونه عقليا و لا ان تزيل نفس العلم الوجداني لكونه تكوينيا، و هذا بخلافه في المقام فإن حجية البينة بنفسها حكم شرعي ظاهري كقاعدة الطهارة و بعد فرض عدم حكومة أحد دليلهما على الآخر يتعارضان، و هذه الشبهة انما ترد لو قيل بان مدرك تقديم دليل حجية البينة أو الخبر على دليل القاعدة هو الحكومة فقط و اما لو قيل بالأخصية عرفا فمن الواضح ان إطلاق الأخص مقدم على إطلاق الأعم دائما.

(1) اما وجوب الاجتناب عن المعين فقط فبدعوى ان المعين قامت البينة على وجوب الاجتناب عنه فإن أحد الشاهدين شهد بنجاسته و الآخر شهد بنجاسة أحدهما و هذا يستتبع وجوب الاجتناب عنهما معا فوجوب الاجتناب عن المعين متفق عليه بين الشاهدين بخلاف الآخر، و يرد عليه ان وجوب الاجتناب الواقعي عن المعين لا تستدعيه شهادة الشاهد بالإجمال‌

124

..........

____________

أصلا و وجوب الاجتناب العقلي بملاك المنجزية عنه فرع تمامية البينة و قيامها على الوجوب الواقعي فلا يمكن أن يكون مدلولا لها و محكيا بها.

و أما وجوب الاجتناب عنهما معا فلأن الجامع مشهود به لأحدهما استقلالا و للآخر ضمنا فتثبت النجاسة بمقدار الجامع فيجب الاجتناب عن كلا الطرفين بمقتضى قوانين العلم الإجمالي و قد اعترض عليه السيد الأستاذ (دام ظله) بان الشاهد بالتفصيل شهادته على الجامع ضمنية تحليلية و هي لا تكون معتبرة بعد سقوط اعتبارها في المدلول المطابقي و منه يتضح وجه القول بعدم وجوب الاجتناب عنهما معا.

غير ان الصحيح هو التفصيل في المقام ذلك لأن الشاهدين ان كانا متفقين على واقعة حسية واحدة بأن ادعيا معا انهما ابصرا قطرة دم واحدة بعينها غير ان أحدهما يخير بأنها وقعت في المعين و الآخر لم يستطع ان يميز موضع وقوعها من الإنائين فالظاهر حجية هذه البينة في إثبات تلك الواقعة الحسية و بهذا يثبت لدينا وقوع قطرة دم في أحد الإنائين و لا يثبت وقوعها في المعين خاصة لعدم قيام البينة على ذلك بناء على اختصاص الحجية بالبينة كما هو مفروض المسألة فيجب الاجتناب عن كلا الإنائين، و دعوى ان النجاسة بمقدار الجامع مدلول تحليلي لا استقلالي للشاهد بالتفصيل فلا تثبت بشهادته مدفوعة بأن الميزان في الاستقلالية و التحليلية ليس هو عالم التعبير و اللفظ بل عالم الشهادة و الإحساس فإذا فرضنا الاستقلالية بلحاظ عالم الشهود كفى ذلك و ان كان لفظ الشاهد دالا عليه بالتضمن و التحليل و المفروض في المقام ان الشاهد بالتفصيل يعبر بشهادته عن واقعتين حسيتين اتجاه القطرة نحو الإنائين و وقوعها في هذا المعين و ان الآخر يشهد بأحدهما دون الأخرى فيثبت ما اتفقا عليه من واقعة، و اما إذا لم يكن الأمر كذلك‌

125

(مسألة 8) لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلا و الأخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلا

فالظاهر وجوب الاجتناب و كذا إذا شهدا معا بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب (1)

____________

بان كانت الواقعة مختلفة أو احتمل اختلافها فلا يجب الاجتناب عن شي‌ء منهما و لا تجري مع احتمال الاختلاف أصالة وحدة الواقعة لأن المتيقن من موردها ما إذا أحرز كون المحل واحدا و لم يكن في نفس كلام الشاهدين ما يوجب احتمال التعدد.

هذا كله بناءا على انحصار الحجية بالبينة و اما لو قيل بحجية خبر الواحد أيضا فلا إشكال في ثبوت نجاسة المعين لشهادة أحدهما بذلك تعيينا و اما الآخر فلا يجب الاجتناب عنه إلا إذا شكلت الشهادة الإجمالية الأخرى علما إجماليا تعبديا غير منحل حكما بلحاظ تلك الشهادة التفصيلية قواعد الانحلال في باب العلم الإجمالي.

(1) و توضيح الحال في ذلك بناءا على اختصاص الحجية بالبينة ان الشاهدين تارة يشهدان بالنجاسة في الزمان الفعلي و اخرى بالنجاسة في وقت معين سابق و ثالثة يشهد أحدهما بالنجاسة فعلا و الآخر بالنجاسة سابقا و لا إشكال في الصورة الأولى و أما الصورة الثانية فلا إشكال في ثبوت النجاسة السابقة بالبينة و حينئذ فإن كان عدم طرو المطهر معلوما ثبتت النجاسة الفعلية بها لكونه مدلولا التزاما و ان كان مشكوكا جرى الاستصحاب و قد يستشكل بأن النجاسة الواقعية غير متيقنة الحدوث لتستصحب و النجاسة الظاهرية المجعولة بلسان الأمر بتصديق البينة محتملة للبقاء لعدم نظر البينة إلى نفي المطهر.

و يجاب من قبل مدرسة المحقق النائيني «(قدس سره)» عادة بأن الامارة‌

126

..........

____________

تقوم مقام العلم بالحدوث فيجري استصحاب النجاسة الواقعية بهذا اللحاظ حيث ان المجعول في دليل حجية الامارة الطريقية و الكاشفية، و التحقيق ان دفع الاستشكال المذكور لا يتوقف على الالتزام بهذا المبنى يمكن دفعه بقطع النظر عن المبنى المذكور من قيام الامارة مقام القطع الموضوعي و ذلك أولا بالتمسك بالاستصحاب الموضوعي و هو استصحاب عدم اصابة الماء للشي‌ء المشهود بنجاسته سابقا فإن أركان الاستصحاب في عدم الإصابة ثابتة وجدانا و الحكم بالنجاسة فعلا مترتب شرعا على موضوع مركب من جزئين أحدهما حدوث الملاقاة للنجس و الآخر عدم طرو المطهر و الأول يثبت بالبينة بالاستصحاب.

و ثانيا بالتمسك باستصحاب النجاسة الظاهرية المجعولة على طبق البينة بناء على ان مفاد دليل الحجية جعل الحكم المماثل فان هذه النجاسة الظاهرية معلومة الحدوث وجدانا و ليست مقطوعة الارتفاع لان الحكم الظاهري يجعل بمقدار مطابق مع مقدار الحكم الواقعي المؤدي و المحكي بالأمارة و البينة في المقام تحكي عن حدوث نجاسة مستمرة إلى حين طرو المطهر فالمجعول على طبقها نجاسة ظاهرية كذلك فاذا شك في طرو المطهر فقد شك في بقاء تلك النجاسة المجعولة على طبق البينة فيجري استصحابها.

و ثالثا بإنكار موضوعية اليقين بالحدوث للاستصحاب و استظهار كفاية نفس الحدوث في جريانه على ما يظهر من التعليل في معتبرة عبد اللّه ابن سنان (1) و تفصيل ذلك موكول الى بحث الاستصحاب.

و أما الصورة الثالثة فينبغي ان يفصل فيها بين ان يكون الاختلاف في الزمان ناشئا من تعدد الواقعة المشهود بها أو من الاختلاف في استذكار‌

____________

(1) مرت في هامش ص 183.

127

(مسألة 9) لو قال أحدهما انه نجس و قال الآخر انه كان نجسا و الآن طاهر

فالظاهر عدم الكفاية و عدم الحكم بالنجاسة (1)

____________

زمانها مع الاتفاق على واقعة واحدة ففي الحالة الأولى لا تثبت البينة على ما تقدم و في الحالة الثانية تثبت بالبينة الواقعة الحسية المدعاة لكلا الشاهدين لأن التعارض انما هو في استذكار زمانها و كل من الواقعة و زمانها له ادراك خاص لا يساوق الخطأ في أحدهما الخطأ في الآخر و قد عرفت ان الميزان في صحة التحليل و ثبوت بعض مدلول الشهادة و رفض البعض ان يكون كل من البعضين مستقلا في مقام الإدراك و الشهادة ثبوتا و لو كانا ضمنيين في مقام التعبير و أداء الشهادة و عليه فان كان طرو المطهر معلوم العدم ثبتت النجاسة فعلا بنفس البينة بلا حاجة الى الاستصحاب لأن النجاسة الفعلية تكون مدلولا مطابقيا لإحدى الشهادتين و التزاميا للأخرى و ان كان طرو المطهر بين زماني الشهادتين محتملا جرى الاستصحاب الحكمي أو الموضوعي، و ان كان معلوما كان من موارد تعارض الحالتين فيكون استصحاب النجاسة الثابتة عند حدوث الواقعة المتفق عليها معارضا باستصحاب الطهارة الثابتة عند العلم بطرو المطهر.

هذا كله بناءا على اختصاص الحجية بالبينة و اما بناء على حجية خبر الثقة فلا إشكال في ثبوت النجاسة فعلا في الصور الثلاث، اما في الاولى و الثالثة فبنفس شهادة الثقة و اما في الصورة الثانية فبضم الاستصحاب إذا احتمل طرو المطهر و بدون ضمه مع عدم احتمال طروه.

(1) أضاف السيد الماتن «(قدس سره)» في هذه المسألة عنصرا جديدا على ما هو المفترض في المسألة السابقة و هو ان الشاهد على النجاسة السابقة ينفي‌

128

..........

____________

النجاسة فعلا و على هذا الأساس حكم (قدس سره) بعدم ثبوت النجاسة بمثل ذلك.

و تحقيق الحال في هذه المسألة- بناء على انحصار الحجية بالبينة- ان الشاهدين ان فرض اتفاقهما على واقعة حسية واحدة و هي ملاقاة الدم للثوب قبل ساعة مثلا غاية الأمر ان أحدهما يدعي طرو المطهر و الآخر يدعى عدمه و لهذا يشهد بالنجاسة الفعلية فتثبت تلك الواقعة و يجرى استصحاب عدم طرو المطهر بناء على اختصاص الحجية بالبينة إذ لا بينة على طروه.

و ان فرض عدم وحدة الواقعة و ان أحدهما يخبر عن ملاقاة سابقة للنجس و طهارة فعلية و الآخر يخبر عن ملاقاة فعلية للنجس مثلا فلا تتم البينة اما بناء على اشتراط وحدة الواقعة فواضح و اما بناء على عدم اشتراط ذلك و كفاية كون الأثر الشرعي الملحوظ واحدا فإنما يمكن تتميم البينة لو كان الشاهد بالملاقاة السابقة ساكتا عن الملاقاة الفعلية التي يشهد بها الشاهد الآخر و اما إذا كان ينفيها فلا يكون مجموع الشهادتين مشمولا لدليل حجية البينة نظير ما تقدم في فرع سابق و هو ان يشهد أحدهما بالملاقاة مع البول دون الدم و الآخر بالعكس و ان كان التنافي في المقام من طرف واحد فقط حيث ان الشاهد الحالي لا ينفى الملاقاة السابقة و قد تقدم توجيه عدم شمول دليل حجية البينة لأمثال المقام مما كان ضم احدى الشهادتين إلى الأخرى فيه يبعد الجامع المطلوب إثباته بالبينة بمقدار ما يقر به فلاحظ.

و أما إذا قيل بحجية خبر الثقة فإن فرضت وحدة الواقعة المشهود بها لكلا الشاهدين فالحكم هو ما سبق من ثبوتها بالبينة إذ لا تعارض بين الشاهدين بالنسبة إليها. و جريان استصحاب النجاسة الثابتة بسبب تلك الواقعة إذ ليس في مقابل هذا الاستصحاب إلا شهادة أحد الشاهدين بالطهارة فعلا و هي معارضة بشهادة الآخر بالنجاسة كذلك فلا حاكم على‌

129

(مسألة 10) إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها

من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة و كذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه بل و كذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته (1)

(مسألة 11) إذا كان الشي‌ء بيد شخصين

كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته (2) نعم لو قال أحدهما انه طاهر و قال الآخر انه نجس تساقطا كما ان البينة تسقط مع التعارض و مع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه (3)

(مسألة 12)

لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة

____________

استصحاب ما هو مفاد البينة و إن فرض اختلافات الشاهدين في الواقعة فلا يحكم بالنجاسة فعلا لتعارض الشهادتين بلحاظ الزمان الفعلي و عدم ثبوت جامع النجاسة لكي يجري استصحابه.

(1) على ما يظهر بمراجعة الجهة الثانية من جهات التفصيل في بحثنا المتقدم عن حجية خبر صاحب اليد.

(2) و قد تقدم في الجهة الثانية المشار إليها في التعليقة السابقة ما يوضح ذلك.

(3) تقدم الحديث عن التعارض بين البينة و خبر صاحب اليد في الجزء الثاني من هذا الشرح لاحظ ص 113 و ما بعدها.

130

بين أن يكون فاسقا أو عادلا بل مسلما أو كافرا (1)

(مسألة 13)

في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبيا اشكال و ان كان لا يبعد إذا كان مراهقا (2).

(مسألة 14)

لا يعتبر في قبول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال كما قد يقال فلو توضأ شخص بماء مثلا و بعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه و كذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان و مع الشك في زوالها تستصحب (3).

____________

(1) و قد تقدم تحقيق الكلام عن ذلك في الجهة الثالثة من جهات التفصيل في البحث المتقدم عن حجية خبر صاحب اليد.

(2) و قد تقدم تحقيق ذلك في الجهة الثالثة المشار إليها آنفا.

(3) و قد مر تحقيق الكلام عن ذلك في الجهة الثانية من تلك الجهات التي تقدمت في البحث عن حجية خبر صاحب اليد.

131

فصل في كيفية تنجس المتنجسات

يشترط في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية فاذا كانا جافين لم ينجس (1)

الكلام في اشتراط الرطوبة في سراية النجاسة يقع في مقامين

____________

(1) أحدهما في أصل اشتراطها، و الثاني في المقدار المشترط منها بعد الفراغ عن أصل الاشتراط‌

أما المقام الأول [في أصل اشتراطها]

فلا شك في ان مقتضى الأصول العملية المؤمنة عدم سراية النجاسة في فرض عدم الرطوبة لأصالة الطهارة و استصحابها فلا بد للقول بالسراية مع عدم الرطوبة من مخرج عن هذه الأصول و ما يدعى كونه كذلك هو الإطلاقات و من هنا يقع الكلام تارة: في أصل تمامية الإطلاقات في نفسها و اخرى: في وجود المقيد لها و عدمه فهنا جهتان.

أما الجهة الأولى

فيقال ان أدلة الانفعال الواردة في النجس المائع أو الملاقي المائع لا إشكال في عدم إطلاقها لمحل الكلام و اما الذي قد يدعى إطلاقه ما دل على الانفعال في غير المائع من قبيل ما يدل على الأمر بغسل ما يمس الكلب [1] إذ يتمسك بإطلاقه لإثبات السراية في فرض الجفاف أيضا.

____________

[1] كما في معتبرة محمد بن مسلم قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب السلوقي فقال: إذا مسسته فاغسل يدك» الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 9.

132

..........

____________

و قد ناقش السيد الأستاذ- (دام ظله)- في إطلاق الانفعال بان الغسل عبارة عن إزالة الأثر و الأثر انما يتحقق بملاقاة النجس مع الرطوبة المسرية فالأمر بالغسل لا إطلاق فيه لصورة الجفاف (1) و يرد على هذه المناقشة: أولا- بأن أدلة الانفعال لا ننحصر بلسان الأمر بالغسل ليستظهر من مادة الغسل افتراض اثر للنجس في الملاقي بل قد يكون دليل الانفعال بلسان النهي عن الصلاة في الثوب [1] و نحو ذلك، و ثانيا- بان مجرد الأمر بالغسل لا يدل على افتراض اثر عيني في الشي‌ء الذي يؤمر بغسله إذا كان الغسل مضافا الى نفس الثوب لا إلى ما أصاب الثوب من النجاسة بل يكفي لتصحيح الأمر بالغسل وجود أثر حكمي يتوقف زواله على إيصال الماء المتنجس و لو لا عدم توقف الغسل على وجود أثر عيني للزم عدم وجود إطلاق في أدلة الأمر بالغسل لفرض جفاف النجاسة و زوال أثرها عن المتنجس بالمسح مع انه لا إشكال في إطلاق الأمر بالغسل لما بعد المسح و بمثل هذا الإطلاق نثبت عدم مطهرية المسح كما انه لا إشكال في إطلاق أدلة الغسل لفرض الملاقاة مع الرطوبة في الملاقي لا في النجس مع انه في هذا الفرض كثيرا ما لا ينتقل من النجس اثر عيني إلى الملاقي بل ينتفل من الملاقي إلى النجس فلو كان فرض الغسل مختصا بفرض اثر عيني من النجس على المغسول لما صح هذا الإطلاق.

____________

[1] كما في معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يصلي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد» الوسائل باب 40 من أبواب النجاسات حديث 5.

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 235.

133

و أما الجهة الثانية- فهي في البحث عن المقيد بعد فرض تمامية الإطلاق

____________

فما يدعى كونه مقيدا أحد أمور:

الأول- ارتكاز عدم السراية بدون رطوبة

و هذا الارتكاز باعتبار كالقرينة المتصلة لبا يكون مقيدا للإطلاق حيث تكون الدلالة على السراية في صورة الجفاف بالإطلاق و يكون قرينة لحمل الأمر بالغسل على التنزه حيث يكون الأمر بالغسل واردا في موضوع لا يمكن تقييده بفرض الرطوبة لكونه فرضا نادرا كما في مثل مصافحة الكتابي مثلا [1] و يكون قرنية على افتراض الرطوبة في كلام السائل حين يسأل عن السراية من دون أن يفرض الرطوبة صريحا لان وضوح عدم السراية بدون رطوبة عرفا يوجب انصراف السؤال إلى فرض الرطوبة فلا يبقى حينئذ في جواب الامام (عليه السلام) إطلاق لفرض الجفاف و هذا التقريب للتقييد و التصرف في المطلقات تام و عليه المعول في عدم السراية في حالات الجفاف.

الثاني- رواية عبد اللّه بن بكير قال:

قلت لأبي عبد اللّه (ع) الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط قال كل شي‌ء يا بس زكي (1) و الاستدلال بها يتوقف على ان المراد بكون اليابس زكيا انه زكي في مقام التأثير و الفاعلية بمعنى انه لا ينجس غير ان الرواية ليست ظاهرة في ذلك لاحتمال ان يكون مفادها كون التجفيف موجبا لطهارة الشي‌ء المتنجس في نفسه فتخرج بذلك عن محل الكلام و حملها على هذا الاحتمال‌

____________

[1] كما في معتبرة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك» الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 5

____________

(1) الوسائل باب 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.

134

..........

____________

يناسبه توصيف نفس اليابس بأنه زكي و هو وصف يساوق الهطارة لا مجرد عدم كونه منجسا كما انه هو الأقرب بلحاظ السؤال فإن ظاهر كلام الراوي السؤال عن اثر المسح بالنسبة إلى نفس الشي‌ء الممسوح لا بالنسبة الى ما يلاقيه و لهذا اقتصر الراوي في صياغة سؤاله على ذكر المسح دون ان يشير إلى ملاقاة العضو المتنجس لشي‌ء آخر و لو لم يكن هذا ظاهر كلام السائل فلا أقل من احتماله له بنحو موجب للإجمال فيسري الإجمال الى الجواب أيضا لظهور المحاورة في التطابق بين السؤال و الجواب و مما يؤيد حمل الرواية على كون المسح مطهرا انها لو كانت ناظرة الى عدم السراية في حالة جفاف المتنجس للزم إطلاقها لفرض رطوبة الملاقي أيضا.

اللهم الا ان يقال: ان المستفاد من قوله كل يابس زكي كون هذه الزكاة لليابس بما هو يابس بحيث تكون اليبوسة حيثية تقييدية لها فكأنه قال كل يابس زكي ما دام يابسا و مثل هذا المفاد لا يناسب مطهرية المسح بل عدم المنجسية إذ لا معنى لكون مطهرية المسح منوطة بدوام اليبوسة بخلاف عدم المنجسية فاستظهار كون اليبوسة حيثية تقييدية قرينة على أن المراد عدم المنجسية فيثبت المطلوب. و مما يؤيد ذلك شمول العموم حتى لعين النجس مع وضوح ان عين النجس لا يطهر باليبوسة و لكنه لا ينجس و ان اليبوسة غير زوال العين بالمسح و ما يمكن ان يكون مطهرا عرفا هو زوال العين بالمسح و هو أمر مغاير ليبوسة و غير ملازم لها و اما عدم افتراض السائل ملاقاة العضو الممسوح لشي‌ء آخر فهو قد يكون باعتبار كونه افتراضا مفهوما ضمنا من فرض أصل المسألة كما هو واضح و عليه فلا يبعد دلالة الخبر المذكور على ما هو المطلوب غير انه لا يخلو من اشكال سندي و ذلك‌

135

..........

____________

باعتبار محمد بن خالد الواقع في السند [1]

الثالث- معتبرة محمد بن مسلم قال:

«كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) إذ مرّ على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه فقلت جعلت فداك قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك فقال أ ليس هي يابسة فقلت بلى فقال لا بأس.» (1) و الاستدلال بها واضح باعتبار ان نفي البأس عن ملاقاة العذرة اليابسة مع الثوب معللا بأنها يابسة ظاهر في إعطاء قاعدة كلية هي عدم السراية مع الجفاف غير ان الرواية ذكرت في الوسائل تحت عنوان المسألة المبحوث عنها مقطوعة عن ذيلها (2) و هو قوله (فإن الأرض يطهر بعضها بعضا) و هذا الذيل يوجب نحوا من الإجمال في الرواية إذ لا تعرف كيفية تطبيق كبرى مطهرية الأرض في المقام مع وضوح أن الثوب ليس مما يطهر بالأرض فعدم الاتساق بين اجزاء الكلام يولد نحوا من الإجمال الذي قد يمنع من التعويل عليه.

الرابع- معتبرة الفضل ابي العباس قال

«قال: أبو عبد اللّه (ع) ان أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله و ان مسه جافا فاصبب عليه الماء.» (3) و قد استدل بها في المستمسك (4) على عدم السراية مع‌

____________

[1] في السند يروي محمد بن خالد عن عبد اللّه بن بكير و محمد بن خالد مردد بين محمد بن خالد البرقي الثقة و محمد بن خالد الأصم المجهول و كلاهما رويا عن عبد اللّه بن بكير فلا مميز بينهما.

____________

(1) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 2

(2) ذكرها كذلك في الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 14.

(3) الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 1.

(4) المستمسك الجزء الأول ص 466 من الطبعة الرابعة.

136

..........

____________

الجفاف حيث لم يأمر الإمام (ع) بالغسل في فرض الجفاف و كأن الاستدلال بها على ذلك مبني على افتراض ان الصب بقرينة مقابلته للغسل المتقوم باستيلاء الماء على الشي‌ء يراد به مرتبة أدنى من الاستيلاء و هي غير مطهرة فالأمر بها في فرض الجفاف دال على عدم السراية. و يرد على ذلك:

ان مقابلة الصب للغسل لا ينحصر وجهها بما ذكر بل قد يكون بلحاظ اشتمال الغسل على شي‌ء من الفرك و العصر بخلاف الصب بعد الفراغ عن كونهما معا مساوقين لاستيلاء الماء لأن ما هو ادنى من ذلك لا يسمى غسلا و لا صبا للماء و من أجل ذلك أمر بالصب و جعل مقابلا للغسل في موارد لا شك في ان الشي‌ء الذي أمر بصب الماء عليه متنجس كما في معتبرة الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البول يصيب الجسد قال صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء و سألته عن الثوب يصيبه البول قال اغسله مرتين (1) فأنت ترى انه قوبل الصب على البدن. بالغسل في الثوب مع انهما نجسان معا و لا بد من استيلاء الماء عليهما و ليس ذلك إلا بعناية ان الثوب بحاجة الى فرك و عصر لنفوذ النجاسة فيه بخلاف البدن و يشهد لذلك تعليل الاكتفاء بالصب بان البول ماء بمعنى انه ليس شيئا لزجا محتاجا الى الفرك و الدلك كالمني مثلا و عليه فمجرد جعل الصب في مقابل الغسل في المقام لا يكون قرينة على عدم ارادة التطهير بالصب.

الخامس- الروايات الآمرة بالنضح عند اليبوسة

كرواية حريز عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (ع) قال إذا مس ثوبك كلب فان كان يابسا فانضحه و ان كان رطبا فاغسله (2) و معتبرة علي بن جعفر (3) قال: سألته‌

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب النجاسات حديث 4.

(2) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 3.

(3) الأظهر ان الرواية لعلي بن جعفر لا لعلي بن محمد.

137

..........

____________

عن خنزير أصاب ثوبا و هو جاف هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله قال نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه» (1) و غيرهما [1]، و تقريب الاستدلال بها ان النضح لما كان لا يحقق الغسل المطهر فالأمر به في حالة الجفاف كاشف عن عدم السراية و كونه لمجرد التنزه و يؤيد ذلك ورود الأمر بالنضح في جملة من موارد التنزه [2]

السادس- معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال:

«سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل يصلح له الصلاة فيه قبل ان يغسله قال ليس عليه غسله و ليصل فيه و لا بأس» (2) و مثلها معتبرة أخرى لعلي بن جعفر أيضا قال: «سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت قال: ينضحه بالماء و يصلي فيه و لا بأس» (3) و تقريب الاستدلال اما بدعوى. الانصراف الى فرض الجفاف لكونه الفرض المعتاد في مورد الاستدلال- أو لأن خفاء نجاسة الميتة و سراية النجاسة منها بالرطوبة في عصر صدور الرواية و على مثل علي بن جعفر بعيد جدا، و أما بعد افتراض‌

____________

[1] من قبيل ما في حديث الأربعمائة عن علي (ع) قال «. فمن أصاب الكلب و هو رطب فليغسله و ان كان جافا فلينضح ثوبه بالماء» الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 11.

[2] كما في معتبرة الحسين بن أبي العلاء قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن المذي يصيب الثوب قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه قال: ينضحه بالماء» الوسائل باب 17 من أبواب النجاسات حديث 2. و غيرها من الروايات الكثيرة.

____________

(1) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 6.

(2) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 5- 7

(3) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 5- 7

138

..........

____________

الإطلاق بإيقاع التعارض بين هذا المطلق و ما دل بالإطلاق على السراية حتى في حال الجفاف و تقييد هذا المطلق بإخراج صورة الرطوبة منه بأدلة السراية الواردة في فرض الرطوبة فيختص هذا المطلق بفرض الجفاف و تنقلب النسبة بينه و بين مطلقات السراية بناءا على انقلاب النسبة، و اما بافتراض التعارض و التساقط فلا يبقى مطلق في أدلة السراية.

السابع- الروايات الواردة في المتنجس الدالة على عدم سراية النجاسة منه إلى ملاقيه إذا كان جافا

من قبيل معتبرة علي بن جعفر قال: سألته عن المكان يغتسل فيه من الجنابة أو يبال فيه أ يصلح أن يفرش فقال نعم إذا كان جافا (1) و الاستدلال بها على تمام المطلوب مع انها واردة في المتنجس يتوقف على التعدي إلى مورد الملاقاة لعين النجس مع الجفاف أيضا و لو بانسياق نكتة عامة بقرينة الارتكاز العرفي و مناسبات الحكم و الموضوع.

الثامن- و لعله أحسن المقيدات اللفظية معتبرتا علي بن جعفر قال:

سألته عن الرجل يمشي في العذرة و هي يابسة فتصيب ثوبه و رجليه هل يصلح له أن يدخل المسجد فيصلي و لا يغسل ما أصابه قال: إذا كان يابسا فلا بأس (2) و قال: سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه و رأسه يصلي فيه قبل ان يغسله؟ قال: نعم ينفضه و يصلي فلا بأس (3) و بقرينة النفض و التعبير بهبوب الريح يعرف ان المفروض كون العذرة يابسة فتدل الروايتان على عدم السراية مع الجفاف و لا ضير في ورودهما في خصوص العذرة لإمكان استفادة الحكم بإلغاء الخصوصية بالفهم العرفي و مناسبات الحكم و الموضوع أو بضمها إلى روايات أخرى‌

____________

(1) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 11

(2) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 8

(3) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 12

139

..........

____________

واردة في النجاسات الأخرى على نحو تستنتج القاعدة الكلية من مجموعها و من ذلك أيضا معتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) في الرجل يمس أنفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أ ينصرف قال ان كان يابسا فليرم به و لا بأس (1)

التاسع- معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال:

سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به قال: إن كان دخل في صلاته فليمض فإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه الا أن يكون فيه أثر فيغسله (2) فإنها دلت على جواز المضي في الصلاة مع الملاقاة المذكورة إذا لم يكن في الثوب اثر- بناءا على رجوع الاستثناء (الا أن يكون فيه أثر فيغسله) الى تمام ما تقدمه بما في ذلك الأمر بالمضي- و هو يقتضي عدم الانفعال مع الجفاف بعد ضم معلومية اشتراط الصلاة بالطهارة و عدم كون النسيان مصححا للصلاة خصوصا مع ارتفاعه في الأثناء. نعم لو كان الاستثناء راجعا الى الأمر بالنضح فقط لكان الأمر بالمضي بقول مطلق مساوقا للترخيص في استمرار الصلاة بالنجاسة تفاديا لقطعها و لا يكون ذلك مفيدا في المقام.

العاشر- معتبرة علي بن جعفر عن أخيه قال:

«سألته عن الفراش يصيبه الاحتلام كيف يصنع به؟ قال: اغسله و ان لم تفعل فلا تنم عليه حتى ييبس فان نمت عليه و أنت رطب الجسد فاغسل ما أصاب من جسدك.» (3)

و هذه الرواية تمتاز بالنظر الى جفاف الملاقي و الملاقي معا فتنيط عدم‌

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب النجاسات حديث 2.

(2) الوسائل باب 13 من أبواب النجاسات حديث 1.

(3) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 9.

140

..........

____________

السراية بجفاف الأمرين معا و تدل على السراية مع رطوبة أحدهما.

و من هنا قد يقال: بأنها معارضة بجملة من الروايات المتقدمة التي اناطت عدم السراية بكون النجس يابسا أو جافا لأن مقتضى إطلاقها عدم السراية حينئذ حتى مع رطوبة الملاقي فلا بد من الالتزام بتقييد ذلك بلحاظ مثل هذه الرواية.

و قد يقال: بأنه لا معارضة لأن فرض الرطوبة المسرية في الملاقي مساوق لفرض رطوبة النجس إذ تسري إليه الرطوبة فلا يكون يابسا أو جافا ليشمله إطلاق ما دل على عدم السراية في تلك الروايات، و لكن ظاهر تلك الروايات اناطة السراية و عدمها بكون النجس في نفسه رطبا أو يابسا أو جافا اي بقطع النظر عن الملاقاة بحيث تكون الملاقاة ملاقاة للرطب أو لليابس على أن فرض الرطوبة المسرية في الملاقي لا يلزم منه خروج النجس عن كونه جافا إذ لا يلزم انتقال الرطوبة بما هي مسرية إلى النجس و ما لم تنتقل كذلك لا يخرج عن كونه جافا، نعم يمكن ان ينزل ما في تلك الروايات على الارتكاز و يقال بأن إطلاقها لفرض الرطوبة في الملاقي ساقط لمنافاته للارتكاز القاضي بكفاية الرطوبة في أحد المتلاقيين و الذي يشكل ما يشبه القرينة المتصلة على ان النظر في إناطة السراية بالرطوبة الى ما هو المركوز.

و على اي حال، فقد يستشكل في حال هذه الرواية و يقال: بأنها ربما تعارض بصحيحة زرارة قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفف فيه من غسله؟ فقال نعم لا بأس به الا ان تكون النطفة فيه رطبة فإن كانت جافة فلا بأس (1) لدلالتها على انه مع جفاف النطفة لا تسري النجاسة‌

____________

(1) الوسائل باب 27 من أبواب النجاسات حديث 7

141

..........

____________

و لو مع رطوبة الملاقي و حمل نفي البأس في هذه الصحيحة على فرض عدم ملاقاة النطفة ليس عرفيا و ليس مناسبا للتفصيل بين فرض جفافها و عدمه بل الأقرب من ذلك حمل ما ينافيها على التنزه و لكن الصحيح ان صحيحة زرارة معارضة بما لا يقبل الحمل على التنزه و هو معتبرة عمار المعروفة في مطهرية الشمس إذ سأله عن الشمس هل تطهر الأرض قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة و إن أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس و ان كانت رجلك رطبة و جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس و ان كان غير (عين) الشمس أصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك (1) فان التعبير الذي ورد في ذيلها (فإنه لا يجوز ذلك) يدل على عدم جواز الصلاة على الموضع القذر الجاف إذا كان بدن الإنسان رطبا و هذا التعبير غير قابل للحمل على التنزه و بعد التعارض بين صحيحة زرارة و هذه المعتبرة لعمار يرجع إلى الأدلة الطولية و مقتضاها دوران السراية مدار الرطوبة في أحد المتلاقيين.

و بذلك يتلخص: أن الرطوبة في أحد المتلاقيين شرط في السراية و لا فرق في رطوبة المنجس بين الرطوبة الأصلية للنجاسة التي تنجس بها و الرطوبة الطارئة فاليد المتنجسة بالبول لو جف ما عليها من بول ثم أصابها الماء لكانت منجسة لما يلاقيها لوجود الرطوبة فيشمله إطلاق بعض ما تقدم و اما ما ورد في مثل معتبرة حكم بن حكيم انه سأل أبا عبد اللّه (ع) فقال له أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط‌

____________

(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4.

142

[اشتراط الرطوبة في السراية من ميت الإنسان]

و ان كان ملاقيا للميتة لكن الأحوط غسل ملاقي ميت الإنسان قبل الغسل و ان كانا جافين (1)

____________

و بالتراب ثم تعرق يدي فامسح (فأمس) به وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال لا بأس به (1) فهو ظاهر في عدم تنجيس المتنجس بضم ارتكاز كفاية مطلق الرطوبة في السراية فيكون أجنبيا عن محل الكلام، و لو سلمت دلالة الرواية على اشتراط وجود الرطوبة الأصلية فهي معارضة بما دل على كفاية رطوبة الملاقي- بالكسر- في السراية لأنها رطوبة متجددة كما هو واضح فلو قيل بالتساقط كان المرجع المطلقات الدالة على السراية في المقام.

هذا كله في المقام الأول لإثبات أصل اشتراط الرطوبة في السراية و أما المقام الثاني في تحديد مقدار الرطوبة المعتبرة فيأتي الكلام عنه ان شاء اللّه تعالى‌

(1) و منشأ ذلك اختصاص ميت الإنسان بما يدل بإطلاقه أو ظهوره على الأمر بغسل الملاقي له مع عدم الرطوبة و يتمثل ذلك في مكاتبتين للحميري إحداهما- كتب إليه: روي لنا عن العالم (ع) انه سئل عن امام قوم يصلي بهم بعض صلاتهم و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه فقال يؤخر و يتقدم بعضهم و يتم صلاتهم و يغتسل من مسه.

التوقيع: ليس على من مسه الا غسل اليد و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمم صلاته مع القوم (2)

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب النجاسات حديث 1

(2) الوسائل باب 3 من أبواب غسل المس حديث 4

143

..........

____________

و الأخرى- انه كتب اليه «و روي عن العالم ان من مس ميتا بحرارته غسل يده و من مسه و قد برد فعليه الغسل و هذا الميت في هذه الحال لا يكون الا بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو و لعله ينحيه بثيابه و لا يمسه فكيف يجب عليه الغسل. التوقيع: إذا مسه على (في) هذه الحال لم يكن عليه الا غسل يده» (1) و أما مثل معتبرة إبراهيم بن ميمون [1] و معتبرة الحلبي [2] فقد ورد فيهما الأمر بما أصاب الثوب من الميت و هذا مختص بظاهره بفرض الرطوبة و سراية شي‌ء إلى الثوب من الميت بالملاقاة فالمهم المكاتبتان السابقتان و الكلام في تقييد إطلاقهما تارة يقع بلحاظ الارتكاز القاضي باشتراط الرطوبة في السراية و اخرى بلحاظ عموم كل شي‌ء يابس زكى (2) و ثالثة بلحاظ سائر الروايات المقيدة المتقدمة.

أما التقييد بلحاظ الارتكاز فيمكن ان يقال: ان الارتكاز لا يصلح ان يقيد هذا الإطلاق و ان صلح لتقييد الإطلاق الوارد في غير ميت الإنسان‌

____________

[1] و هي «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت قال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه و إن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت» الوسائل باب 34 من أبواب النجاسات حديث 1.

[2] و هي عن ابي عبد اللّه (ع) في حديث «قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب» الوسائل باب 34 من أبواب النجاسات حديث 2.

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب غسل المس حديث 5.

(2) الوارد في رواية عبد اللّه بن بكير المتقدمة في ص 292.

144

..........

____________

لا بدعوى ان المسألة في ميت الإنسان خلافية فلا ارتكاز لاشتراط الرطوبة لأن المدعى هو الارتكاز العرفي لا الفقهي: و لا بدعوى: ان نجاسة الميت بنفسها على خلاف الارتكاز فحين تجعل النجاسة له خلافا للارتكاز لا يأبى العرف حينئذ عن ان تكون سراية النجاسة منه على نحو يختلف عما هو المألوف لديه. لان المدعى ارتكاز كبرى ان النجاسة لا تسري من القذر الا مع الرطوبة و كون الصغرى غير مألوفة لا ينافي ارتكازية الكبرى و شمولها لها بل بدعوى ان المرتكز كبرويا هو إناطة السراية بالرطوبة في ملاقاة الأشياء النجسة التي تكون قذارتها بلحاظ الجانب المادي منها كالفضلات و الدم و المني و نحو ذلك.

و اما ما حكم بنجاسته لنكتة معنوية و استقذار معنوي فلا يوجد هذا الارتكاز بالنسبة إلى نحو السراية منه و من ذلك ميت الإنسان فإنه لما كان غير مستقذر عرفا فالمفهوم من دليل نجاسته الشرعية أنه بنكتة معنوية كنجاسة الكافر و المسكر و عليه فلا يشمله الارتكاز المذكور.

و أما التقييد بعموم كل شي‌ء يابس زكى فقد يستشكل فيه بأن النسبة بين الدليلين العموم من وجه فلا موجب للتقييد. و يمكن الالتزام بالتقييد- و لو نتيجة- اما للالتزام بالتعارض و التساقط و الرجوع الى الأصول النافية للسراية مع الجفاف. و اما للالتزام بتقدم العام على إطلاق المكاتبتين لان عمومه بالوضع و إطلاقهما بمقدمات الحكمة. و اما لدعوى حكومة العام فإنه بوصفه دليلا على اشتراط الرطوبة في السراية يكون ناظرا إلى أدلة السراية كما هو شأن دليل الشرطية بالنسبة إلى دليل المشروط فيتقدم عليها بالحكومة بملاك النظر. و لا يتوهم: ان العام حاكم على أدلة السراية بملاك التصرف في عقد الوضع باعتبار انه ينزل اليابس منزلة الزكي الطاهر فيخرج بذلك تنزيلا عن موضع دليل السراية لأن هذا يندفع: بان دليل السراية المتمسك‌

145

..........

____________

بإطلاقه في المقام لصورة الجفاف لم يؤخذ في موضوعه عنوان ملاقاة النجس بل ملاقاة الميت غاية الأمر انه يعلم بان الأمر بغسل الملاقي انما هو لنجاسة الميت فيكون بنفسه دليلا على نجاسة الميت لا انه مشروط بنجاسته لتتم الحكومة المذكورة.

و على اي حال فقد تقدم ان رواية عبد اللّه بن بكير لم تتم سندا فلا مجال للتقييد بها.

و اما التقييد بالروايات الخاصة المتقدمة فهو غير ممكن بعد ورودها في مورد الملاقاة مع نجاسات اخرى غير ميت الإنسان و عدم اقتضاء الارتكاز التعدي كما عرفت و على هذا فتحصيل المقيد لإطلاق المكاتبتين مشكل اللهم الا ان نتمسك بمعتبرة إبراهيم بن ميمون و معتبرة الصفار فقد جاء في الاولى (و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت) فان هذه الرواية قد فرض فيها وجود الرطوبة بقرينة قوله (ما أصاب ثوبك منه) و مع هذا حكم بعدم وجوب الغسل قبل ان يبرد الميت و هذا دليل على طهارة الميت حينئذ و ان نجاسته منوطة ببرودته كما هو قول جماعة من الفقهاء و حيث ان المكاتبة موردها الملاقاة حين الموت أو عقيبه مباشرة و ذلك يكون في الغالب قبل برد الميت فيحمل الغسل فيها على التنزه و الاستحباب و لكن هذا البيان يتوقف على ان تكون الجملة الأخيرة في رواية ابن ميمون من كلام الامام (ع) مع قوة احتمال ان تكون تفسيرا من الراوي كما يناسبه كلمة (يعني) و مع الإجمال من هذه الناحية يسقط هذا التقريب. و اما معتبرة الصفار فقد جاء فيها انه كتب اليه (ع) رجل أصاب يده و بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل ان يغسل هل‌

146

..........

____________

يجب غسل يديه أو بدنه. فوقع: إذا أصاب بدنك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل (1) و موضع الاستدلال قوله (ع) (فقد يجب عليك الغسل) فإنه إن أريد الغسل بفتح الغين فهو يدل على ان السراية ليست ثابتة مطلقا بقرينة (قد) فاما ان يكون عدم السراية في صورة الجفاف أو في صورة حرارة الميت و على الأول يثبت المقيد المطلوب و على الثاني تكون منافية أيضا مع المكاتبة لورودها في حالة يكون الغالب فيها حرارة الميت، و ان أريد الغسل بضم الغين فحيث ان السائل كان يسأل عن الغسل بالفتح فعدول الامام عن الحيثية المسؤول عنها و بيانه ان مس نفس الجسد قد يوجب الغسل بالضم يكون ظاهرا عرفا في نفي الغسل بالفتح و انه بصدد تنبيه السائل على خطأه في احتمال كون ملاقاة ثوب الميت مؤثرة و في احتماله ان يكون الأثر هو غسل الملاقي إذ لو لم يكن العدول إشعارا بهذا المعنى لما تطابق الجواب مع السؤال و لبقي منظور السائل بلا جواب و هو خلاف الظاهر، هذا كله مضافا الى ان سند المكاتبتين غير واضح و ان كان لا يبعد تماميته [1] و دلالتها غير واضحة في نفسها‌

____________

[1] قد يقال بعدم تمامية سند المكاتبتين لأنهما وردتا في الاحتجاج و طريقه إليهما مجهول لأنه لم يذكره و وردتا في الغيبة و سند الشيخ الى مكاتبات الحميري هو «أخبرنا جماعة عن ابي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي قال: وجدت بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي و إملاء ابي قاسم الحسين ابن روح- رضي اللّه عنه- على ظهر كتاب فيه جوابات و مسائل.»

(الغيبة ص 228 من الطبعة الثانية في النجف) و هذا السند غير تام لأنه لا يعلم ان الشهادة بان أجوبة المكاتبات بإملاء الحسين بن روح (رض) صادرة من محمد بن أحمد بن داود الذي هو ثقة أم من أحمد بن إبراهيم

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب غسل المس حديث 5.

147

..........

____________

لإمكان المناقشة في دلالة الأولى بلحاظ ما ورد في ذيلها من قوله (و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تم صلاته مع القوم) فان الترخيص في إتمام الصلاة مع ان النجاسة من المركوز متشرعيا مانعيتها في الأفعال و الأكوان معا اما ان يكون تخصيصا في مانعيتها في الأكوان مع حمل الترخيص على فرض غسل اليد و اما ان يكون قرينة على حمل الغسل على التنزه و ان لم يكن الثاني هو الأقرب بضم الارتكاز المشار اليه فلا أقل من الإجمال و إمكان المناقشة في دلالة الثانية بأن ظاهر التقابل بين غسل اليد و الغسل في صدرها ان الوظيفة أما هذا أو ذاك مع انه على فرض النجاسة يجتمع الأمران عند الملاقاة بعد البرودة فهذا التقابل يصلح ان يكون قرينة على ان غسل اليد لوحظ بما هو مرتبة من الغسل و المنظور في كل من الوظيفتن التنزه عن حالة معنوية غاية الأمران هذا التنزه بعد البرودة يكون الغسل و قبلها يكون بغسل موضع الإصابة و بكلمة اخرى انه لا بد اما من رفع اليد عن ظهور غسل اليد في التطهير من الخبث أو عن ظهر الكلام في التقابل و اختصاص كل من الحالتين بوظيفة معينة و يكفي عدم الترجيح أيضا في إسقاط الاستدلال لحصول الإجمال حينئذ.

____________

النوبختي المجهول و لذا ذكر السيد الأستاذ- (دام ظله)- ان سندهما غير واضح الا انه تممه باعتبار قول الشيخ في الغيبة ص 229 «و قال ابن نوح:

أول من حدثنا بهذا التوقيع أبو الحسين محمد بن علي بن تمام و ذكر انه كتبه من ظهر الدرج الذي عند ابي الحسن بن داود فلما قدم أبو الحسن بن داود قرأته عليه و ذكر ان هذا الدرج بعينه كتب به أهل قم الى الشيخ ابي القاسم و فيه مسائل فأجابهم على ظهره بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي و حصل الدرج عند ابي الحسن بن داود» و لا يأتي في هذه العبارة الإشكال السابق.

148

[تأثير الرطوبة غير المسرية]

و كذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية (1)

____________

(1) هذا هو المقام الثاني الذي أشرنا اليه و هو في تحديد مقدار الرطوبة المشترطة في السراية لأنها تارة تكون بمرتبة تعتبر نداوة عرضية و ليست جرما مستقلا و لا قابلة للانتقال و اخرى تكون بمرتبة تعتبر نداوة عرضية عرفا و لكنها قابلة للانتقال بالملاقاة فإن انتقال العرض العرفي معقول و ان امتنع انتقال العرض الحقيقي و ثالثة تكون بمرتبة يصدق عليها انها ماء و جرم مستقل على نحو يكون موضوعا مستقلا للملاقاة و ليس عرضا عرفيا للجسم المرطوب و المتيقن من الرطوبة الكفيلة بالسريان المرتبة الثالثة و اما ما قبلها فمحل الاشكال و تحقيقه انه ان لوحظ الارتكاز بوصفه مقيدا للمطلقات فلا بد من تحديد ما هو المرتكز و تحليل جذوره فهل يقوم هذا الارتكاز العرفي على أساس ان العرف يرى ان المنجس هو الرطوبة دائما لا الجسم المرطوب، أو على أساس ان المنجس هو الجسم المرطوب و لكن القذارة عرفا سنخ صفة لا تنتقل الا بالتبع فلا بد من حامل لها و هو الرطوبة، أو على أساس ان المنجس هو الجسم و ان دخل الرطوبة انما هو باعتبار تأثيرها في شدة نجاسة الشي‌ء الموجبة لصلاحيته للتنجيس فالنجس الجاف أخف نجاسة و بهذه النكتة عبر عنه بأنه زكي فلا يكون منجسا، فعلى الأول تختص الرطوبة المعتبرة بالمرتبة الثالثة إذ غيرها ليس شيئا مستقلا و جرما عرفا لكي يكون قذرا في نفسه و بالتالي مقذرا، و على الثاني قد يكتفى بالمرتبة الثانية فضلا عن الثالثة دون الأولى لأن المرطوب بالرطوبة من المرتبة الاولى لا يسري منه شي‌ء بالملاقاة لتسرى القذارة بتبعه بخلاف‌

149

..........

____________

المرطوب بالرطوبة من المرتبة الثانية و الثالثة، و على الثالث تكون للقذارة مراتب تبعا لجفاف الجسم القذر أو درجة رطوبته فلا بد ان يعين أي مرتبة من تلك المراتب تكون منجسة و كيف كان فلا إشكال في عدم صحة الأساس الأول و المنبه على ذلك قبول العرف تنجيس الجامد للملاقي الرطب و لعل هذا المنبه نفسه يبعد الأساس الثاني أيضا لأن الملاقي المرطوب للقذر اليابس تنتقل منه الرطوبة إلى القذر لا العكس فلا حامل للقذارة المنقولة من القذر الى ملاقيه فالأقرب هو الأساس الثالث و هو يفترض مراتب للقذارة و لا ينبغي الاستشكال في اقتضاء الارتكاز خروج حالة اليبوسة و حالة الرطوبة من الدرجة الأولى عن صلاحية التنجيس عرفا و في اقتضائه صلاحية المرتبة الثالثة من الرطوبة للتنجيس و اما المرتبة الثانية فلا ارتكاز بالنسبة إليها على سراية النجاسة و لا على عدم السراية و هذا يكفي للتمسك بالمطلقات حينئذ نعم لو كان الارتكاز مجملا و مرددا لسرى الإجمال إلى الإطلاقات لأنه بحكم القرينة المتصلة.

و ان لوحظت الروايات الخاصة المقيدة للإطلاقات فمن الصعب تحصيل إطلاق في المقيد يقتضي حصر المطلقات بالمرتبة الثالثة من الرطوبة لأن عنوان الرطوبة و الأثر يصدق على المرتبة الثانية و عنوان الجاف و اليابس لا ينطبق عليها فالمرتبة الثانية إذن غير مشمولة للمقيد فتبقى تحت المطلقات الأولية بل ان المقيدات نفسها تقتضي الانفعال مع الرطوبة و إطلاقه يشمل المرتبة الثانية بل قد يدعى شمول المطلقات الأولية و المقيدات بالرطوبة للرطوبة من المرتبة الأولى أيضا و لكن الظاهر عدم السراية في هذه المرتبة لأن في روايات الباب ما ينيط السراية بوجود اثر النجس في الملاقي كما في معتبرة علي بن جعفر المتقدمة في إصابة الخنزير للثوب و هذا لا يتصور‌

150

..........

____________

إلا في الرطوبة من المرتبتين الأخيرتين هذا مضافا الى شواهد أخرى في الروايات أيضا و الى الارتكاز العرفي الذي ينيط السراية بالرطوبة المقابلة للجفاف بمعناه الشامل للمرتبة الاولى من الرطوبة لا بالرطوبة المقابلة لليبوسة المتقومة بعدم الرطوبة بمراتبها الثلاث، و عليه فالأقرب اشتراط السراية بالرطوبة المسرية القابلة للانتقال سواءا صدق عليها عنوان الماء أو لا.

و لكن قد يستشكل في ذلك بلحاظ رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن رجل مر بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الأرض و بقي نداوته أ يصلي فيه قال إن أصاب مكانا غيره فليصل فيه و ان لم يصب فليصل و لا بأس (1). فإن الترخيص في الصلاة على ذلك المكان مع عدم الأمر بغسله أو وضع ما يمنع الملاقاة يدل على عدم سراية النجاسة منه الى المصلي بالملاقاة مع ان نداوة الخمر فيه و مقتضى إطلاقه الشمول للمرتبة الثانية من الرطوبة نعم لا يشمل المرتبة الثالثة لأن فرضها فرض وجود الخمر في المكان و هو خلف قوله (قد شربته الأرض) فتكون هذه الرواية دالة بإطلاقها على عدم كفاية المرتبة الثانية من الرطوبة في السراية فلا بد من ملاحظة نسبتها الى ما يفرض دلالته بالإطلاق على كفاية المرتبة الثانية فقد توقع المعارضة بين إطلاق هذه الرواية للمرتبة الثانية و إطلاق ما دل على إناطة السراية بالأثر و نحوه لتلك المرتبة و بعد التساقط يرجع الى المطلق الفوقاني الدال على السراية مطلقا و لكن الإنصاف ان هذه الرواية قد يدعى الإطلاق فيها للمرتبة الثالثة أيضا حيث ان شرب الأرض للخمر لا ينافي بقاء أجزاء ضئيلة منه و عليه فهي ظاهرة في طهارة الخمر و تكون‌

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 7.

151

..........

____________

أجنبية عن محل الكلام هذا مضافا الى ضعف سند الرواية (1).

بقيت هنا أمور. منها- ان السيد الأستاذ- (دام ظله)- اختار هنا ان الرطوبة المعتبرة في السراية هي ما يصدق عليها عنوان الماء (2) و هذا يعني اعتبار المرتبة الثالثة كما انه يختار ان المائع يتنجس و ينجس إذا تنجس بدون تفصيل بين المتنجس الأول و غيره (3) و لكنه في المتنجس الجامد يحتمل الفرق بين المتنجس الأول و المتنجس الثاني فالأول ينجس جزما و اما الثاني فتنجيه عنده محل اشكال (4) و من هنا اتجه السؤال بان المتنجس الثاني الذي قد لا يكون منجسا لملاقيه ما هو هل هو المتنجس الثاني الواجد لرطوبة يصدق عليها انها ماء أو غير الواجد لمثل هذه الرطوبة اما الواجد فالملاقي له يكون ملاقيا للرطوبة أيضا فإنها ما دامت بنحو يصدق عليها انها ماء تعتبر جرما متميزا و تصدق الملاقاة بالنسبة إليها و حيث ان تنجس المائع و تنجيسه مجزوم به مطلقا فلا بد من الجزم حينئذ بتنجس الملاقي في المقام و لا يبقى فرق بين ملاقي المتنجس الأول و ملاقي المتنجس الثاني، و اما غير الواجد فهو لا ينجس جزما بناءا على ما اختاره من إناطة السراية بالرطوبة التي يصدق عليها عنوان الماء فلا يتصور موضع الاستشكال و منها- ان ما ذهب إليه جماعة من الأعلام (5) من إناطة السراية بالمرتبة الثالثة يلزم منه بعض النتائج الغريبة لأننا نتساءل هل المنجس‌

____________

(1) لأن في سندها عبد اللّه بن الحسن و هو لم يثبت توثيقه.

(2) التنقيح الجزء الثاني ص 236- 237.

(3) التنقيح الجزء الثاني ص 278- 279.

(4) التنقيح الجزء الثاني ص 278- 279.

(5) كالسيد الخوئي- (دام ظله)- كما في التنقيح الجزء الثاني ص 236- 237، و السيد الحكيم- (قدس سره)- في المستمسك الجزء الأول ص 467 من الطبعة الرابعة.

152

..........

____________

نفس الرطوبة أو الجسم المرطوب اما الأول فهو غريب و على خلاف المنساق من كلمات الفقهاء من ان الرطوبة شرط في السراية لا انها هي موضوع التنجيس و من النصوص الآمرة بالغسل عند ملاقاة الشي‌ء [1] الظاهرة في سراية النجاسة من الجسم نفسه لا من رطوبته و اما الثاني فكيف يتعقل مع ان الجسم المرطوب إذا كان واجدا للرطوبة من المرتبة الثالثة فهي تشكل طبقة ذات جرم متميز و يكون ملاقاتها و الانفعال بها قبل ملاقاة الجسم دائما و إذا لم يكن واجدا للرطوبة من المرتبة الثالثة فلا سراية بحسب الفرض، و مثل هذا التحليل للنتائج يشهد لعدم إناطة السراية بالمرتبة الثالثة و كفاية المرتبة الثانية.

و منها- ان المقصود من كفاية الرطوبة من الدرجة الثانية في السراية أن الجسم النجس أو المتنجس إذا لاقى غيره نجسه بشرط وجود الرطوبة و لو من المرتبة الثانية و هذا يعني ان المرتبة الثانية من الرطوبة تكفي لتحقيق شرط تنجيس الجسم النجس لملاقيه لا انها هي المنجسة فإنها عرض عرفا و لا يعقل عرفا كون العرض قذرا و مقذرا، و على هذا فاذا فرض انه سرت الرطوبة من المرتبة الثانية من الجسم النجس الى الجسم الطاهر من دون ملاقاة بين الجسمين كما في المناطق المجاورة للبالوعة و للأماكن المرطوبة ففي مثل ذلك لا وجه للقول بنجاسة الأطراف لأن الرطوبة و ان سرت و لكن الملاقاة مع النجس لم تتحقق و بذلك ظهر ما في كلام السيد الحكيم «(قدس سره)» في المستمسك حيث انه بعد ان استظهر اشتراط الرطوبة من المرتبة الثالثة فرع على ذلك بأنه منه يعلم عدم نجاسة الجدران عند ما تسري‌

____________

[1] من قبيل معتبرة محمد بن مسلم قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل، قال: يغسل المكان الذي أصابه» الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث.

153

[تنجس المائعات]

ثم إن كان الملاقي للنجس أو المتنجس مائعا تنجس كله كالماء القليل المطلق و المضاف مطلقا و الدهن المائع و نحوه من المائعات (1).

____________

إليها الرطوبة من البالوعة (1)، فإن هذا التفريع في غير محله إذ حتى إذا قيل بكفاية الرطوبة من المرتبة الثانية لا يترتب على ذلك نجاسة الجدران المذكورة.

(1) لا إشكال في اختلاف المائعات عن الجوامد في التنجس فاذا لاقى النجس شيئا جامدا برطوبة لم يتنجس منه الا الجزء الملاقي بينما المائع يتنجس كله بملاقاة النجس لجزء منه، و الكلام في تخريج هذه التفرقة بين البابين تارة بلحاظ الدليل الاولي على الانفعال و اخرى بلحاظ الروايات الخاصة الواردة في المائعات كالسمن و الدهن و الزيت و نحوهما.

اما بالنسبة إلى الدليل الاولى فتارة يطبق هذا الدليل على المائعات لإثبات نجاستها كلها بالملاقاة مع الاستعانة في ذلك بالارتكاز العرفي القاضي بالتفرقة بين البابين و اخرى يراد استفادة هذا التفريق بين البابين من نفس دليل الانفعال بقطع النظر عن الارتكاز فلنتكلم في التقريبات التي تحاول استفادة الفرق من نفس دليل الانفعال فان لم يتم شي‌ء منها استعنا بالرجوع الى الارتكاز العرفي باعتباره قرينة على التصرف في مدلول الدليل بالنسبة لخصوص المائعات.

التقريب الأول- أن المائع يعتبر كله شيئا واحدا عرفا فينجس كله بالملاقاة و هذا بخلاف الجامد فكأن الفارق بين البابين ناجم عن كون عنوان الملاقي ينطبق في باب المائع على كل المائع من أجل الوحدة المذكورة بينما‌

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 467- 468 من الطبعة الرابعة.

154

..........

____________

لا يصدق في الجامد الا على خصوص الجزء الملاقي لأن كل جزء منه يعتبر شيئا مستقلا نعم لو فرضنا المائع بنحو لا يعتبر واحدا عرفا كما في المائين المختلفين بالسطح فالسافل حينئذ غير العالي و لهذا لا نلتزم بسراية النجاسة إلى العالي لو لاقت النجاسة مع السافل.

و هذا التقريب لا يخلو من غموض و تأرجح فهل يراد به الاستعانة بالارتكاز في مقام تطبيق الدليل أو دعوى التفرقة بلحاظ حاق الدليل بدون ضم الارتكاز فحين يقال ان عنوان الملاقي في المائعات ينطبق على تمام المائع بخلاف الجوامد ان قصد بذلك ان عنوان الملاقي لغة و بقطع النظر عن عالم أدلة الانفعال بالملاقاة يقال على تمام المائع و لا يقال على تمام الجامد فهذا يعني تطبيق حاق الدليل بلا ضم الارتكاز و لكن مثل هذه الدعوى غريبة في بابها إذ لا إشكال في ان عنوان الملاقي بالحقيقة لا ينطبق على الكل لا في الجامد و لا في المائعات و انما ينطبق على الجزء الملاقي خاصة، و اما بلحاظ النظر المسامحي و العنائي. فيطلق عنوان الملاقي على تمام الجسم مائعا كان أو جامدا فيقال مثلا لاقت يدي ثوبك نعم لو اعمل النظر العنائي في تطبيق عنوان الملاقي على المائع و النظر الدقيق في تطبيقه على الجامد تمت التفرقة و لكن هذا لا وجه له الا بتحكيم الارتكاز على دليل الانفعال و بذلك يرجع هذا التقريب الى تحكيم الارتكاز و لا يعود تفسيرا للتفرقة على أساس حاق دليل الانفعال.

و بما ذكرناه ظهر الحال فيما هو ظاهر كلام السيد الأستاذ- (دام ظله)- إذ أفاد ان الوجه في تنجس كل المائع بالملاقاة وحدته و اما الجامد فان كانت الرطوبة المسرية مختصة بموضع الملاقاة منه فعدم سراية النجاسة إلى سائر اجزاء الجسم واضح لأن السراية فرع الرطوبة المسرية و ان كان الجسم كله مرطوبا برطوبة مسرية فلا تسري النجاسة أيضا لأن الظاهر ان‌