بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
155

..........

____________

الاتصال بما انه كذلك لا يكفي في الحكم بالنجاسة و انما الموضوع للحكم بها الإصابة و الملاقاة و اصابة النجس مختصة بجزء من الجامد و غير متحققة في الجميع (1).

و نلاحظ ان هذا البيان لم يبرز وجها للفرق بين المائع و الجامد يفسر على أساسه كون المائع شيئا واحدا يطبق عنوان الملاقي على تمامه بينما لا يطبق في الجامد الا على الجزء المماس مباشرة فبالنسبة إلى الجامد المرطوب كله تارة يتسائل انه لماذا لم ينجس كله بنفس إصابة النجاسة لجزء منه و اخرى يتساءل لماذا لم تسر النجاسة من جزء منه الى جزء آخر بالاتصال و البيان المذكور انما نظر الى الجواب على التساؤل الثاني و لم يجب على التساؤل الأول بإبراز فرق بين المائع و الجامد من هذه الناحية.

التقريب الثاني- ان ملاقاة النجس لا توجب إلا نجاسة الجزء الملاقي غير ان هذا الجزء في الجامد يكون ساكنا فلا تسري منه النجاسة إلى غيره الا بعناية بخلافه في المائع لان اجزاء المائع سيالة متغلغلة فالجزء المتنجس منه يسري و يتوزع في المائع فينجس كله.

و هذا التقريب- لو تم لاستغنى عن ضم الارتكاز و لكنه لا يفي بتفسير المقصود لان اللازم منه كون سراية النجاسة في المائع تدريجية مع ان المقصود إثبات نجاسة المائع في آن واحد و ستأتي تتمة الكلام عن ذلك.

التقريب الثالث ان يقال إن دليل الانفعال في الجوامد و المائعات على نحو واحد لا يدل الا على نجاسة الجزء الملاقي فقط و لكن نجاسة الجزء الملاقي في المائع تستدعي نجاسة الاجزاء الأخرى أيضا دفعة واحدة لأنها كلها متلاقية مع وجدان الرطوبة و هذا بخلاف اجزاء الجامد فإنها و ان كانت متلاقية و لكن بدون رطوبة و هذا التقريب يفسر نجاسة جميع اجزاء‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 238 و ما بعدها.

156

..........

____________

المائع في وقت واحد و لكن مع فرض الطولية في المرتبة و بذلك يسلم من الاعتراض الذي اتجه على التقريب السابق و لكن أورد عليه المحقق الهمداني «(قدس سره)» بأنه مبني على إمكان الجزء الذي لا يتجزأ و الا لم يتم هذا التقريب بدون ضم الارتكاز لان الجزء الملاقي للنجس بنفسه قابل للتجزية إلى جزئين أحدهما أقرب الى النجس من الآخر فهل الآخر ينجس بنفس النجس أو بملاقاته للجزء الأول، فعلى الأول كان معناه الرجوع الى الارتكاز في توسيع نطاق السراية فليرجع إليه ابتداء، و على الثاني ننقل الكلام الى الجزء الأول من الجزئين فإنه بدوره ينقسم الى جزئين أيضا و هكذا (1).

و هذا الاعتراض يمكن الجواب عليه: بان عدم انتهاء التقسيم الى جزء لا يمكن ان يتجزأ فلسفيا و واقعيا لا يعني عدم انتهائه إلى جزء لا يمكن ان يتجزأ بما هو قابل للنجاسة عرفا فالجزء الذي يتحمل النجاسة و يقبل سرايتها ينتهي إلى ما لا يقبل التجزئة بمعنى ان أجزاءه إذا لوحظت مستقلة لم تقبل النجاسة لعدم كونها اجراما في نظر العرف كما هو الحال في ذرات البخار مثلا و من هنا قيل بان البخار لا يمكن ان يتنجس و عليه فيمكن لصاحب التقريب المذكور ان يقول بأن الذي يتنجس بالنجس مباشرة هو الجزء الصغير الذي يتحمل النجاسة و لا يقبل الانقسام الى جزئين يتحملان النجاسة بالانفراد.

نعم قد أورد المحقق الهمداني «(قدس سره)» اعتراضا آخر على التقريب المذكور حاصله ان الذي يتنجس حتى على فرض إمكان الجزء الذي لا يتجزأ هو سطحه الملاقي للنجس و الجزء الثاني انما يلاقي السطح الآخر من ذلك الجزء و تنجسه فرع سراية النجاسة إلى ذلك السطح و هو بلا‌

____________

(1) مصباح الفقيه- كتاب الطهارة- ص 19.

157

..........

____________

موجب بدون ضم الارتكاز و معه لا حاجة إلى هذه العناية بل لماذا لا نعمل من أول الأمر الارتكاز في دليل الانفعال لتطبيقه على المائع كله (1).

و هذا الاعتراض بالمقدار الذي يرتبط برد التقريب المذكور صحيح إلا أن ما فرعه «(قدس سره)» عليه بأنه لو أريد اعمال الارتكاز فلنعمله بنحو نثبت بنفس الملاقاة نجاسة مستوعبة للمائع كله محل نظر لان تحكيم الارتكاز بنحو ينتج توسعة النجاسة الحاصلة من الملاقاة و شمولها للجزء الأول بكلا سطحيه أو للمائع بتمام اجزائه ليس جزافا بل لا بد في تعين أحد الأمرين من ملاحظة المناسبات الارتكازية و العرفية لنجد مقدار اقتضائها و لا يبعد ان المناسبات العرفية تقتضي الأول لأن سراية القذارة الحكمية ليست في نظر العرف امرا تعبديا بل هي بلحاظ سراية اثر القذارة إلى الملاقي كما هو الحال في القذارات العرفية و بهذا الاعتبار اشترطنا الرطوبة في السراية ارتكازا و حيث ان اثر القذر الملاقي لا معنى لسرايته الى الجزء الثاني من المائع إلا بتوسط الجزء الأول لعدم تعقل الطفرة عرفا فلا بد ان نفهم السراية على ضوء هذه العناية و مقتضاه تدرج النجاسة السارية و كون وصولها إلى كل جزء في طول وصولها الى الجزء الأسبق و من شواهد اقتضاء الارتكاز العرفي لذلك ما نجده من اختلاف مراتب الاستقذار العرفي بلحاظ مدى قرب الجزء المائع إلى الملاقي النجس فكلما كان أبعد يرى أمره أهون و ليس ذلك الا لارتكازية ان السراية إلى الأبعد بتوسط الأقرب فكأنه تنجس مع الواسطة.

و بذلك اتضح ان التطبيق الدقيق لدليل الانفعال لا يقتضي التفرقة بين الجوامد و المائعات و انما تقوم التفرقة على أساس تحكيم الارتكاز العرفي في‌

____________

(1) مصباح الفقيه- كتاب الطهارة- ص 19.

158

..........

____________

دليل الانفعال فقد يتم التقريب الثالث بعد اعمال تلك العناية الارتكازية.

و لكن قد يقال: ان التقريب الثالث لا يمكن تتميمه باعمال الارتكاز العرفي المذكور لأن سراية القذارة إذا كانت في المرتكز العرفي بلحاظ سراية الأثر و سراية الأثر أمر تدريجي في الأجزاء لاستحالة الطفرة فهذا يتطلب التدرج الزماني لا الرتبي فقط و لا يناسب مع نجاسة جميع المائع في آن واحد فالتحليل الارتكازي المذكور يناسب التقريب الثاني و قد تكون ضآلة الزمان الذي يتطلبه سريان الأثر و عدم إمكان ضبطه عادة حكمة لاستقرار الارتكاز العرفي في باب المائعات على البناء على نجاسة المائع و قذارته بالملاقاة دفعة واحدة و اعمال مثل هذه الحكمة لا يجعل الحكم بالسراية تعبديا بحتا كما هو واضح.

هذا كله في تطبيق دليل الانفعال في المائعات و اما تطبيقه في الجامد فمقتضى الجمود على العنوان المأخوذ فيه تطبيق عنوان الملاقي على الجزء خاصة فلا تسري النجاسة إلى سائر الأجزاء و لا يوجد ارتكاز عرفي للسراية هنا ليحكم على الدليل و يؤخذ قرينة على تطبيق عنوان الملاقي على الجسم الجامد كله كما كان الحال في المائعات و عليه فلا موجب لاستفادة نجاسة ما عدا الجزء الملاقي و هذا فيما إذا لم تكن الأجزاء الأخرى مرطوبة برطوبة مسرية في غاية الوضوح و كذلك إذا كانت فيها رطوبة و لكن يفصل بينها و بين الجزء الملاقي منطقة جافة إذ لو قيل بنجاسة سائر الأجزاء المرطوبة فان كان كذلك في ضمن نجاسة الجسم بتمامه بما فيه المنطقة الجافة فهذا خلف اشتراط الرطوبة في السراية و ان كان ذلك مع الحكم بطهارة المنطقة الجافة فهذا معناه طفرة النجاسة و هو على خلاف المرتكز العرفي جزما. و اما إذا كان الجسم كله رطبا برطوبة مسرية فقد يتوهم تطبيق عنوان الملاقي عليه بتمامه و حينئذ يقتضي دليل الانفعال نجاسته‌

159

..........

____________

كله و لكنك عرفت ان مقتضى النظر المطابق للواقع في مقام تطبيق الدليل تطبيق عنوان الملاقي على الجزء الذي أصابته النجاسة خاصة و انما توسعنا في باب المائعات لقرينة الارتكاز و لا ارتكاز كذلك في باب الجوامد ان لم يكن الارتكاز على خلافه فلا موجب للتوسع بل لا ينجس سوى الجزء الملاقي.

و لكن هنا شبهة قد تثار في هذا الفرض لإثبات تنجس تمام الاجزاء بنفس دليل الانفعال و ذلك من باب السراية بالوسائط و يمكن تقريب الشبهة بأحد بيانين.

الأول: ما أفاده السيد الأستاذ- (دام ظله)- من ان النجس الملاقي لجزء من الجامد سوف ينجسه و هذا الجزء باعتباره مرطوبا و ملاقيا للجزء الثاني المرطوب أيضا فتسري النجاسة منه إليه و كذلك الأمر في الثالث و هكذا و قد أجاب السيد الأستاذ على هذا البيان بجواب يتأرجح بين دعويين حيث أنه في صدر التقريب كأنه يريد التمييز و التفرقة بين عنواني الملاقاة و الاتصال بين الأجزاء و ان ما هو موضوع الحكم بالسراية الملاقاة و هي غير حاصلة الا بلحاظ الجزء المماس للنجس و اما الاتصال الثابت فيما بين الأجزاء نفسها فهو ليس بموضوع للسراية و التنجيس و في آخر التقريب كأنه يريد مطلبا آخر هو التفرقة بين الاتصال قبل التنجس بالملاقاة و الاتصال بعد ذلك فيستشهد بالوجدان العرفي لإثبات ان ما هو المؤثر في السراية الاتصال بعد الملاقاة مع النجس كما لو تنجس جزء بالملاقاة للنجس ثم لاقى جسما آخر و اما الاتصال الثابت بين الأجزاء قبل الملاقاة للنجس فليس بمنجس (1).

و كلا هذين الجوابين غير واضح اما الأول فلاننا لا نتعقل فرقا بين‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 239- 240.

160

..........

____________

الاتصال و الملاقاة لأن الملاقاة ليست إلا عبارة عن تلاقي الجسمين و ذلك لا يكون الا بالاتصال و المماسة فملاقاة جسم لجسم آخر من أي جهة أو جزء هي عين اتصاله به في تلك الجهة أو الجزء. و اما الثاني فلان الاتصال بما هو اتصال بعد الملاقاة أو اتصال قبل الملاقاة لا دخل له في السراية لوضوح اننا لو قطعنا الجسم الجامد المرطوب كالخشبة التي لاقت الكلب مثلا بجزء منها و جعلناه قطعا عديدة ثم أعدناها الى هيئتها الأولى و أوصلنا بعضها ببعض فلا تسري النجاسة الى غير الجزء النجس مع ان الاتصال هنا بعد الملاقاة كما ان المائع في داخل الإناء إذا انقلب الى خمر سرت النجاسة منه الى الإناء بلا اشكال مع ان الاتصال هنا بين الماء و الإناء حاصل قبل الملاقاة كل هذا يوضح ان المسألة غير مرتبطة بكون الاتصال قبل الملاقاة أو بعدها بل هناك نكتة اخرى للسراية إذا وجدت سرت النجاسة سواءا كان الاتصال قبل الملاقاة أو بعدها و إذا لم توجد فلا سراية مطلقا و تلك النكتة التي بتحديدها يتوضح الجواب على هذه الشبهة ان الاتصال و الملاقاة بين النجس و الجامد ليس الا بلحاظ السطح المواجه للجنس و المماس له لا السطح الآخر الملاقي للجزء الثاني من اجزاء الجسم الجامد و بهذا يعرف السبب في عدم التنجس عند ما نقطع اجزاء الجسم الواحد ثم نعيدها الى هيئتها الأولى و السبب في سراية النجاسة من المائع إلى الإناء عند تحوله الى خمر.

الثاني: و هو بيان أحسن من سابقه و حاصله اننا حينما نفرض رطوبة الجسم الجامد بالمرتبة الثالثة من الرطوبة التي اعتبرها جماعة من الأعلام شرطا في السراية فمعنى ذلك ان طبقة مائية لها جرم يفترض وجودها على الجسم المرطوب فاذا لاقى النجس الجسم المرطوب فقد لاقى تلك الطبقة فيحكم وفقا لقاعدة السراية في المائعات بنجاسة تمام تلك الطبقة‌

161

..........

____________

المائية و إذا تنجست كذلك تنجس بها الجسم الجامد بتمامه لأنه بكل جزء منه يلاقي جزءا من تلك الطبقة المائية و هذا البيان لا يرد عليه شي‌ء مما تقدم بل ينحصر وجه التخلص منه بالرجوع إلى مسألة السراية في المائعات و تحليلها على نحو يقتضي إخراج هذه الصورة منها و توضيح ذلك ان السراية في باب المائعات لم تكن من باب التطبيق الصناعي و الدقيق لدليل الانفعال بل كان بتوسط ضم الارتكاز العرفي اليه القاضي بالسراية و لدى تحليل هذا الارتكاز نجد ان من المعقول ان ندعي أن حكمته و نكتته كون أجزاء المائع متحركة سيالة نافذة بطبعها بخلاف الجامد فان تلك الحركة و السيولة في اجزاء المائع أوجبت توسعة العرف لدائرة السراية بمجرد الملاقاة و من المعلوم ان هذه النكتة غير موجودة في محل الكلام أي في الطبقة المائية الفوقية التي تشكل صفة الرطوبة للجسم الجامد فإنها لضالة سمكها و حجمها لا يرى فيها تبادل الأجزاء و حركتها فيما بينها بل يعتبر كل جزء منها ملتصقا بالجزء الجامد الذي تحته و مثل هذا المائع لا تشمله نكتة الارتكاز القاضي بتوسعة دائرة السراية و لا أقل من الشك في ذلك الموجب لعدم إمكان التمسك بدليل الانفعال لإثبات سراية النجاسة إلى تمام الرطوبة لأن اقتضاء دليل الانفعال للسراية إلى تمام أجزاء المائع موقوف على تمامية الارتكاز و مع الشك فيه لا يمكن التمسك بالدليل.

و الى هنا كنا نتكلم عن حال المسألة بلحاظ دليل الانفعال العام و لو بضم الارتكاز و اما حالها بلحاظ الأخبار الخاصة فلا شك في صحة ذكرها و استعراضها كمؤيد للنتائج التي انتهينا إليها و اما الاعتماد عليها كدليل مستقل فلا يخلو من اشكال بمعنى انه إذا لم نستفد من دليل الانفعال سراية النجاسة إلى تمام المائع فيشكل إثبات ذلك بالأخبار الخاصة و إذا تسجلت الشبهة التي أثرناها في الجامد المرطوب و التي تستهدف إثبات السراية إلى تمام اجزاء‌

162

..........

____________

الجامد عن طريق السراية في الرطوبة نفسها فيشكل إبطال الشبهة بالأخبار الخاصة اما الأول فلأن ما يستدل به على السراية من الأخبار الخاصة هو ما دل على الأمر بإراقة الماء [1] أو المائع [2] بملاقاة النجاسة لشي‌ء منه و النهي عن الوضوء منه و نحو ذلك و من المعلوم انا إذا قطعنا النظر عن الارتكاز فهذه الأخبار كما يمكن ان يكون الأمر بالإراقة و النهي عن الاستعمال فيها بلحاظ سراية النجاسة إلى تمام المائع بنفس الملاقاة للنجس كذلك يمكن ان يكون بلحاظ اشتمال المائع على الجزء النجس و تكثره بالملاقاة من خلال تحركه و نفوذه. و لا يقال- ان ظاهر مفاد هذه الأخبار انه حكم واقعي لا حكم ظاهري بالاجتناب بلحاظ اختلاط النجس بالطاهر- لأنه يقال ان كون الحكم واقعيا يثبت بظهور الدليل فيما إذا كان له إطلاق لفرض عدم الشك و في المقام لا يعقل عرفا الإطلاق المذكور فلا معين لكونه واقعيا.

و اما الثاني فالأخبار الخاصة الواردة في مثل الثوب الملاقي للنجس [3]

____________

[1] من قبيل معتبرة سماعة قال «سألت أبا عبد اللّه عن رجل معه إناءان وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو و ليس يقدر على ماء غيره قال: يهريقهما جميعا و بتيمم» الوسائل باب 8 من أبواب الماء المطلق.

حديث 2.

[2] من قبيل رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فارة قال: يهريق مرقها و يغسل اللحم و يأكل» الوسائل باب 5 من أبواب الماء المضاف.

حديث 3.

[3] من قبيل معتبرة زرارة «قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني. قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد

163

[تنجس العالي بملاقاة السافل و بالعكس]

نعم لا ينجس العالي بملاقاة السافل إذا كان جاريا من العالي (1) بل لا ينجس السافل بملاقاة العالي إذا كان جاريا من السافل كالفوار من غير فرق في ذلك بين الماء و غيره من المائعات (2)

____________

و ان دلت على عدم السراية إذ أمرت بغسل موضع الملاقاة خاصة و إطلاقها و ان كان يقتضي ذلك حتى في فرض كون الجسم الجامد مرطوبا بتمامه الا ان هذا الإطلاق انما ينفي تنجس سائر اجزاء الجسم الجامد بنفس الملاقاة للنجس المفروضة فيها و لا ينفي تنجسها عن طريق سراية النجاسة إلى تمام الرطوبة و منها الى الجسم على النحو الذي تقدم في البيان الثاني للشبهة و السر في ذلك ان تلك الاخبار لم ترد في مورد الجسم المرطوب رطوبة مسرية بتمامه و انما تشمل هذه الحالة بالإطلاق و نظرها انما هو الى النجاسة التي تحصل بنفس الملاقاة المفروضة فيها و ليست في مقام البيان من ناحية ما قد يحدث أحيانا بسبب ذلك فلا يمكن التمسك بإطلاقها من غير ناحية النجاسة الحاصلة بنفس ملاقاة النجس المفروضة فيها.

(1) تقدم تحقيقه مفصلا في الجزء الأول من هذا الشرح في ص 123- 137.

(2) لأن المناط في الاستثناء العلو المعنوي فإنه هو ملاك النكتة في عدم سراية النجاسة من السافل الى العالي باعتبار عدم صلاحية السافل للتغلغل فيه، ثم انه كما لا ينجس العالي بملاقاة النجس للسافل فهل الأمر كذلك في العكس أيضا فلا ينجس السافل بملاقاة النجس للعالي ما دام لم ينزل الجزء المتنجس فلو لاقى شي‌ء مع الجزء السافل من الماء في حين ملاقاة نجس للجزء العالي فهل يحكم بنجاسته أم لا؟ قد يستشعر من كلماتهم‌

____________

أصابها.» الوسائل باب 7 من أبواب النجاسات. حديث 2.

164

[تنجس الجامد بملاقاة النجس لبعضه]

و ان كان الملاقي جامدا اختصت النجاسة بموضع الملاقاة سواءا كان يابسا كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءا منه أو رطبا كما في الثوب المرطوب أو الأرض المرطوبة فإنه إذا وصلت النجاسة إلى جزء من الأرض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به و ان كان فيه رطوبة مسرية بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة و من هذا القبيل الدهن و الدبس الجامدان نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثم اتصل تنجس موضع الملاقاة منه فالاتصال قبل الملاقاة لا يؤثر في النجاسة و السراية بخلاف الاتصال بعد الملاقاة و على ما ذكر فالبطيخ و الخيار و نحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسة جزءا منها لا تتنجس البقية بل يكفي غسل موضع الملاقاة إلا إذا انفصل بعد الملاقاة ثم اتصل (1).

____________

القول بالانفعال في المقام لعدم تصريحهم باستثناء هذه الصورة من قاعدة السراية في المائعات و لكن الأقرب هو عدم السراية هنا أيضا اما بناءا على تخريج السيد الأستاذ للسراية و عدمها بوحدة المائع الساكن و تعدد الماء الجاري فمن الواضح ان تعدده إذا سلم في نفسه يقتضي عدم السراية من الطرفين و اما بناءا على تخريجنا للسراية و عدمها بنفوذ الجزء الملاقي من المائع الساكن فيه و عدم نفوذ السافل في العالي فلأن العالي أيضا و ان كان مستعليا و لكنه بلحاظ هروب السافل منه باستمرار لا يكون له صلاحية النفوذ فيه كما لا يكون للسافل صلاحية النفوذ في العالي فلا سراية في الطرفين.

(1) قد اتضح الحال في ذلك كله مما تقدم و تبين حكم الجامد‌

165

[الشك في الرطوبة و السراية]

(مسألة 1) إذا شك في رطوبة أحد المتلاقين أو علم وجودها و شك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة (1) و اما إذا علم سبق وجود المسرية و شك في بقائها فالأحوط الاجتناب و ان كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه (2).

____________

و اختصاص انفعاله بالجزء الملاقي خاصة و مبانيه كما تبين أيضا انه لا وجه للتفرقة بين اتصال و اتصال لمجرد كون أحدهما قبل الملاقاة و الآخر بعدها.

(1) لجريان الأصول المؤمنة المنقحة للطهارة و لا يوجد ما يتوهم كونه أصلا مثبتا للنجاسة ليكون حاكما على تلك الأصول أو معارضا لها.

(2) لعدم جريان استصحاب بقاء الرطوبة فلا حاكم على الأصول المؤمنة.

و تحقيق الحال في ذلك مبني على الرجوع الى التخريجات التي على أساسها قيل بدخل الرطوبة المسرية في التنجيس.

فان بنى على دخلها بدعوى أن الرطوبة هي المنجسة دائما دون الجسم الجامد فالاستصحاب في المقام لا يجري لأنه إذا أريد به استصحاب بقاء الرطوبة فهو مثبت لأن لازم ذلك عقلا حصول الملاقاة للرطوبة و إذا أريد به استصحاب القضية التعليقية القائلة انه لو كان قد لاقاه سابقا للاقى الرطوبة و الآن كما كان بالاستصحاب فهذا استصحاب تعليقي في الموضوعات و التحقيق عدم جريانه و لا يصححه جعل الجزاء في القضية التعليقية النجاسة بأن يقال هذا لو كان قد لاقاه سابقا لتنجس فان الاستصحاب التعليقي في الأحكام انما يجري إذا كان الحكم معلقا على نفس موضوعه الذي جعل عليه بحكم الشارع لا على ملازمه و الا لم يجر لنفس نكتة عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات.

166

[تنجيس الذباب الواقع على النجس]

(مسألة 2) الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص و ان كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس و مجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله لاحتمال كونها مما لا تقبلها و على فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات (1).

____________

و ان بني على ان المنجس هو الجسم و الشرط وجود الرطوبة بنحو تسري فعلا من النجس إلى الملاقي فلا يجري الاستصحاب أيضا بكلتا صيغتيه لمثبتية الصيغة الأولى لأن السراية لازم عقلي لبقاء الرطوبة و تعليقية الصيغة الثانية.

و ان بني على ان المنجس هو الجسم و الشرط ذات الرطوبة الصالحة للسريان في نفسها لا بقيد السريان الفعلي جري الاستصحاب لأن الملاقاة محرزة وجدانا و الشرط يحرز بالاستصحاب فيترتب الانفعال و لكن مع هذا قد يشكل الأمر فيما لو أريد بالرطوبة المذكورة خصوص المرتبة الثالثة التي يصدق عليها انها ماء و جرم عرفا إذ قد يقال حينئذ بأن الاستصحاب لا يجري لأنه ان أريد به إثبات تنجس الملاقي بالملاقاة لنفس الرطوبة المستصحبة فهو مثبت و ان أريد به إثبات تنجس الملاقي بالملاقاة لنفس الجسم ذي الرطوبة فهذا مقطوع العدم سواءا كانت الرطوبة باقية أم لا؟

اما على الثاني فواضح و اما على الأول فلان الملاقي يتنجس بالرطوبة باعتبارها جرما قبل أن يصل الى الجسم المرطوب لان ملاقاته لها أسبق زمانا و المتنجس لا يتنجس ثانية.

(1) حاصل النظر في هذه المسألة انه بعد الفراغ عن عدم بقاء النجاسة في بدن الحيوان بعد زوال العين يتكلم في حكم الملاقي له في حالة‌

167

..........

____________

الشك في زوالها فهل يجري استصحاب بقاء النجاسة على بدن الحيوان على نحو تثبت به نجاسة الملاقي أو لا؟ و الكلام في ذلك تارة يقع على القاعدة بلحاظ نفس دليل الاستصحاب و اخرى- بعد افتراض اقتضاء دليل الاستصحاب لجريانه في المقام- في وجود المخصص لهذا الدليل و قد تقدم تحقيق الحال في جريان الاستصحاب و اتضح انه غير جار في نفسه سواءا قيل بأن بدن الحيوان لا ينجس أصلا أو ينجس و لكن يطهر بزوال العين فلاحظ (1) كما تقدم أيضا بعض ما يتوهم كونه مخصصا لدليل الاستصحاب لو فرض اقتضاؤه لجريان الاستصحاب في المقام و هو معتبرة عمار (2) الواردة في منقار الطير و التي تنيط الاجتناب برؤية الدم على المنقار فلا يكفي إثباته بالاستصحاب و قد ذكرنا هناك ان الصحيح عدم صلاحية الموثقة لكونها مخصصة لو تم إطلاق دليل الاستصحاب في نفسه.

و مثل المعتبرة معتبرتان لعلي بن جعفر قد يستدل بهما لتخصيص دليل الاستصحاب، إحداهما قال: «سألته عن الدود يقع من الكنيف على الثوب أ يصلي فيه قال لا بأس الا ان ترى فيه أثرا فتغسله» (3) فإنها تدل على الطهارة مع عدم رؤية الأثر و لو كان معلوم الملاقاة للنجس قبل وقوعه في الثوب بل قد تكون الرواية واردة في مورد العلم بملاقاة دود للنجس سابقا باعتباره في الكنيف فتعتبر من هذه الناحية أخص مطلقا من دليل الاستصحاب، و الأخرى قال: «سألته عن الفارة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أ يغسل قال ان كان استبان من أثره‌

____________

(1) تقدم في شرح مسألة ان كل مشكوك طاهر.

(2) الوسائل باب 82 من أبواب النجاسات حديث 2.

(3) الوسائل باب 80 من أبواب النجاسات حديث 1.

168

[المناط في الميعان و الجمود]

(مسألة 3) إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه و إلقاء ما حوله و لا يجب الاجتناب عن البقية و كذا إذا مشى الكلب على الطين فإنه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله إلا إذا كان و حلا و المناط في الجمود و الميعان انه لو أخذ منه شي‌ء فان بقي مكانه خاليا حين الأخذ و ان امتلأ بعد ذلك فهو جامد و ان لم يبق خاليا أصلا فهو مائع (1).

____________

شي‌ء فاغسله و الا فلا بأس» (1) و هذه أقوى من سابقتها لان كونها واردة في مورد وجود حالة سابقة هي الملاقاة للنجس واضح فتكون أخص من دليل الاستصحاب.

و لكن الصحيح ان هاتين الروايتين ان لم يدع ظهورها في ان نفي الغسل مع عدم رؤية الأثر أو استبانته من أجل عدم إحراز الرطوبة المسرية فلا أقل من ان يكون النفي مطلقا شاملا لفرض الشك في الرطوبة المسرية و فرض العلم بها و حينئذ يكون معارضا لدليل الاستصحاب بالعموم من وجه لا بالأخصية لوضوح ان الاستصحاب لا ينفع لإثبات النجاسة في مورد الشك في الرطوبة المسرية كما تقدم في المسألة السابقة و معه يقدم دليل الاستصحاب لكونه بالعموم و كون شمول النفي بالإطلاق و هكذا يتضح ان دليل الاستصحاب لو كان مقتضيا لإجراء استصحاب بقاء عين النجس فلا مخصص له الا ان هذا الاستصحاب في نفسه لا يجري.

(1) لا شك في ان المائع مفهوم مشكوك له مراتب فلو فرض ان الحكم بتوسعة دائرة الانفعال و شمولها للجميع في المائع كان بتحكيم الارتكاز‌

____________

(1) الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 3.

169

..........

____________

على دليل الانفعال و تنزيل للدليل على المناسبات المركوزة فلا بد من ملاحظة هذه المناسبات و مدى اقتضائها للتوسعة نعم لو كان ذلك حكما تعبديا معلقا في دليله على عنوان المائع كان دائرا مدار صدق هذا العنوان.

و تفصيل الكلام- اما بلحاظ الارتكاز فقد اتضح سابقا ان نكتة السراية في المائع كون اجزائه مما ينفذ بعضها في البعض و من هنا يمكن ان يقال بأن التنجيس في الجامد و المائع يمتد على نحو واحد إذ يشمل الملاقي المباشر و دائرة صلاحية هذا الملاقي للانتشار و النفوذ و لما كانت هذه الدائرة في الجامد لا تزيد على نفسه فلا سراية و لما كانت في المائع تزيد عليه ثبتت السراية و لما كان الميعان هو الميزان في توسعة هذه الدائرة فكلما كان الميعان أكمل و أشد كانت دائرة السراية أوسع و هذا التحليل الارتكازي قد ينتهي بنا الى ميزان عملي كلي واحد و هو ان السراية إنما تمتد الى المقدار الذي يمكن عرفا عزله و فصله عن الباقي بحيث يرى عرفا ان النجاسة قد طوقت ضم ذلك المقدار فلا ينجس ما زاد عليه و الضابط المذكور في المتن يجب ان يفهم حينئذ باعتباره تطبيقا لهذا الميزان فبقاء مكان المأخوذ خاليا مشير عرفا الى تحدد دائرة النفوذ و إمكان تطويق النجاسة ضمن هذا المقدار.

و الروايات الخاصة الواردة في أقسام المائع و كيفية انفعالها لا تخرج في مفادها عما ذكرناه و ذلك لأنها على قسمين أحدهما- ما لم يعلق فيه الحكم بالسراية بعنوان الميعان من قبيل معتبرة معاوية بن وهب عن ابي عبد اللّه (ع) قال قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل فقال اما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به» (1) فقد فرق بين الزيت و بين السمن و العسل دون ان تذكر نكتة الفرق فينزل على المرتكز العرفي و هو يناسب قوله (فيؤخذ الجرذ و ما حوله) إذ يفهم منه عرفا‌

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 1

170

..........

____________

جعل الميزان إمكان تطويق النجاسة عرفا المرتبط بمدي النفوذ لا الجمود و الميعان بعنوانيهما.

و من هذا القبيل أيضا معتبرة الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الفارة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه فقال ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله و ان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به و ان كان ثردا فاطرح الذي كان عليه و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه» (1) ففي هذه الرواية لم ينط الحكم بالسراية بعنوان الميعان بل بالشتاء و الصيف و مدخلية الفصلين و ان كانت بلحاظ الانجماد و الميعان و لكنه يناسب مع التنزيل على المرتكز العرفي حيث ان المائع في الصيف تتسع دائرة نفوذه بينما تضيق في الشتاء بحيث يمكن تطويق النجاسة فيه و لهذا ورد التعبير بقوله (فانزع ما حوله) و قد يشعر بعدم النفوذ قوله في آخر الرواية (و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه) إذ قيل بأنها ماتت عليه لا فيه.

بقي شي‌ء يرتبط بفقه هذا الحديث حيث جاء فيه قوله (و ان كان ثردا) و الكلمة مرددة بين (ثردا) (2) و (بردا) (3) و قد استظهر انه الثرد بمعنى الثريد بتقريب انه على الاحتمال الآخر يكون تكرارا لنفس الجملة السابقة التي تفترض حكم الشتاء و يمكن ان يناقش في ذلك بأنه و ان استلزم التكرار و لكنه تكرار عرفي في أمثال المقام من أجل توضيح ان الشتاء إنما أخذ بنحو المعرفية إلى البرد لا على وجه الموضوعية و كون ذلك مفهوما بمناسبات الحكم و الموضوع لا يمنع عن تصدي المتكلم لتفهيمه و كان الاولى‌

____________

(1) الوسائل باب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 4.

(2) كما في الوسائل و التهذيب الجزء التاسع حديث 361.

(3) كما في الوافي كتاب المطاعم باب 16.

171

..........

____________

ان يذكر في إثبات الاحتمال الأول انه عليه يكون قوله المذكور معطوفا على قوله في صدر الكلام (ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا) بلا مئونة و اما على الاحتمال الآخر فلا يمكن ان يكون معطوفا على قوله فان كان الشتاء و ان كان الصيف لان كان هناك تامة لا ناقصة فلا بد على هذا التقدير من تقدير اسم لكان في قوله كان بردا ننتزعه بالعناية من مجموع الكلام، و على هذا يكون الاحتمال الأول أولى بالكلام.

هذا و لكن الصحيح ان كل هذا الكلام مما لا مجال له لان ذكر المقربات و الشواهد انما يفيد في مجال تحديد المراد الاستعمالي بعد الفراغ عن تحديد الكلمة.

و اما إذا كان الشك في أصل تعيين الكلمة الصادرة فلا تفيد تلك المقربات في تعيينها كما هو واضح و اما المقصود على اي حال الأمر بطرح ما كان النجس عليه من الطعام سواء كان ثريدا أو غيره في مقابل ان يطرح الطعام كله.

نعم في بعض الروايات أنيطت السراية بعنوان الذوبان كما في رواية إسماعيل بن عبد الخالق عن ابي عبد اللّه (1) و معتبرة زرارة عن ابي جعفر (2) فقد جاء في الأولى قوله (فان كان ذائبا) و جاء في الثانية قوله (فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائبا فلا تأكله) فقد يدعى جمودا على العبارة فيهما ان مجرد صدق الذوبان عرفا يكفي في الحكم في السراية بدون فرق بين مراتبه و لكن لو تم هذا الإطلاق و لم يحكم عليه ارتكاز عرفي بالنحو المتقدم لوقع طرفا للمعارضة مع إطلاق معتبرة معاوية بن وهب السابقة التي فصلت بين السمن و العسل و بين الزيت‌

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 5.

(2) الوسائل باب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 3.

172

[فيما لاقت النجاسة جزءا من البدن]

(مسألة 4) إذا لاقت النجاسة جزءا من البدن المتعرق لا يسري الى سائر إجزائه إلا مع جريان العرق (1).

[تنجس ماء الإناء الراشح على المكان النجس]

(مسألة 5) إذا وضع إبريق مملوء ماءا على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب يخرج منه الماء فان كان لا يقف تحته بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها فلا يتنجس ما في الإبريق من الماء و ان وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الإبريق بسبب الثقب تنجس و هكذا الكوز و الكأس و الحب و نحوها (2).

____________

و دلت على عدم السراية الى كل اجزاء السمن و العسل إذا كان بالإمكان تطويق النجاسة و فصلها مع محلها عما حولها من سائر الأشياء سواءا صدق عليه عنوان الذائب و لو بلحاظ ادنى مراتب الذوبان أو لا و مادة التعارض هي حالة الذوبان التي لا تمنع عن تطويق النجاسة و محلها و بعد التساقط نرجع الى مقتضى القاعدة فنحكم بالطهارة لأن دليل الانفعال العام لا يقتضي السراية إلا في حدود عدم إمكان التطويق عرفا.

(1) تقدم تحقيق الكلام فيها في ص 353 و ما بعدها.

(2) تارة يفرض بين الثقب و الموضع النجس فجوة يتقاطر فيها الماء و اخرى يفرض التصاق الثقب بالأرض ففي الأول قد يقرب الحكم بالطهارة تارة باعتبار انه من باب ملاقاة السافل للنجس فلا ينفعل العالي و اخرى باعتبار تعدد الماء و عدم كون الاتصال من خلال الثقب موجبا لوحدته، و يرد على الأول انه لا يتم بعد فرض امتلاء الفجوة إذ يكون من ملاقاة الساكن لا المتدفع من الماء الذي لا تسري النجاسة فيه الى الأعلى، و يرد على الثاني ان مجرد عدم الوحدة لا يكفي إذ يكفي في السراية الملاقاة و هي حاصلة بين‌

173

(مسألة 6) إذا خرج من انفه نخاعة غليظة

و كان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر اجزائها فاذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الأنف لا يجب غسله و كذا الحال في البلغم الخارج من الحلق (1).

(مسألة 7) الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه

و لا يجب غسله و لا يضر احتمال بقاء شي‌ء منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن (2).

____________

ماء الإبريق و الماء الذي ملأ الفجوة نعم إذا كان الثقب ضيقا على نحو لا يرى هناك اتصال و يرى ان ما في فوهة الثقب مجرد رطوبة اتجه الحكم بالطهارة. و في الثاني لا يجري الوجهان المتقدمان حتى لو سلمنا في الفرض السابق بل ينحصر وجه الحكم بالطهارة في المنع عن صدق الملاقاة لعدم كون الفتحة في الثقب موجودة وجودا عرفيا يحقق الملاقاة.

(1) هذه المسألة تطبيق للكبريات التي فرغنا عنها فالنخامة لغلظتها لا تسري النجاسة إلى تمامها من نقطة الدم و مع عدم سريانها لا موجب للحكم بنجاسة الأنف ما لم يعلم بملاقاة نقطة الدم.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في فروع:

الأول: في ان الغبار إذا كان متنجسا أو من عين النجس فهل ينجس ما يصيبه من فراش أو ثوب،

و الجواب انه لا ينجسه و لو تراكم عليه مع فرض عدم الرطوبة المسرية كما تقدم.

الثاني: انه بعد فرض عدم التنجيس هل يكون مانعا عن الصلاة

في الثوب الحامل لذلك التراب النجس مع عدم سراية النجاسة بالملاقاة أو انه‌

174

..........

____________

لا مانعية له ما دامت النجاسة الحكمية غير سارية الى الثوب.

و يمكن دعوى عدم المانعية لأن الثابت من أدلة مانعية النجس في الصلاة كون المانع هو نجاسة البدن أو نجاسة اللباس و المفروض في المقام عدم سراية النجاسة الى الثوب فالنجس هنا محمول لا ملبوس فلا يشمله دليل مانعية النجس.

و في مقابل ذلك يمكن ان تقرب المانعية في مثل هذا المحمول الذي يتلطخ به ثوب المصلي أو بدنه أما باستفادة ذلك من نفس أدلة عدم جواز الصلاة في الثوب الذي أصابته النجاسة أو الثوب المتنجس باعتبار ان كون الثوب متنجسا و متقذرا كما يكون بلحاظ اتصافه بالنجاسة الحكمية كذلك يكون بلحاظ تلطخه بعين نجسة أو متنجسة فإن هذه العين بالدقة و ان كانت شيئا محمولا لا صفة و لكنها بالنظر العرفي صفة للثوب و قذارة له.

و اما بلحاظ معتبرة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتلقى عليه من العذرة فيصيب ثوبه و رأسه يصلي قبل ان يغسله قال نعم ينفضه و يصلي فلا بأس (1) فإنها تضمنت الأمر بالنفض و هو ظاهر في مانعيته. اللهم الا ان يقال: ان الأمر بالنفض ليس له ظهور في المولوية و الإلزام لاحتمال ان يكون المقصود منه نفي وجوب الغسل لأن أصل التخلص من القذارة أمر مفروض عرفا و انما التردد في أسلوب التخلص و دورانه بين الأسلوب الابسط و هو النفض أو الأشد و هو الغسل فيكون الأمر بالاسلوب الابسط بعد المفروغية عن أصل التخلص إرشادا الى عدم وجوب الغسل و ليس في مقام الإلزام بالنفض.

____________

(1) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 12.

175

..........

____________

و لكن البناء على المانعية و لزوم النفض لو لم يكن الغسل هو الأقرب فلا شك في انه هو الأحوط لأن مجرد الاحتمال المذكور لا يسوغ رفع اليد عن ظهور الأمر بالنفض في المانعية خصوصا مع تعقيب الأمر بالنفض بقوله (و يصلي).

الثالث: انه لو شك في زوال الغبار المتراكم على الثوب بالنفض

جرى استصحاب بقائه و ترتب على ذلك الحكم ببقاء المانعية تعبدا و هل يترتب عليه الحكم بنجاسة المائع الذي يقع فيه ذلك الثوب أو لا وجهان، فقد يقال بعدم ترتب ذلك على الاستصحاب المذكور لأنه لا يثبت ملاقاة الغبار النجس للمائع إلا بالملازمة حيث ان بقائه في الثوب الى حين طرح الثوب في المائع يستلزم ملاقاته للمائع و قد يقال بالترتب و ذلك لأننا نثبت بالاستصحاب المذكور نجاسة نفس الثوب فان نجاسته مترتبة على ملاقاته للنجس و كونه رطبا و ملاقاته للتراب النجس بنفسها مورد الاستصحاب و كون الثوب رطبا وجداني حالة إلقائه في المائع و إذا ثبتت نجاسة الثوب ثبتت نجاسة المائع بملاقاته للثوب. فان قيل. كيف كان الاستصحاب مثبتا بالنسبة إلى إحراز ملاقاة المائع للتراب النجس و لم يكن مثبتا بالنسبة إلى إحراز ملاقاة الثوب للتراب النجس؟ فإنه يقال: ان أصل ملاقاة المائع للتراب النجس ليس موردا للاستصحاب بل هو لازم عقلي لبقاء المستصحب و اما ملاقاة الثوب للتراب النجس فهي بنفسها مورد للاستصحاب نعم هنا شي‌ء و هو انه إذا قيل بأن رطوبة الملاقي للنجس بمجردها ليست كافية بل بحيثية سريان الرطوبة منها الى النجس فمن الواضح ان استصحاب ملاقاة الثوب للنجس الى حين رطوبة الثوب لا يثبت سراية الرطوبة من الثوب الى النجس إلا بالملازمة و من هنا كنا نقول بان استصحاب رطوبة النجس لا يكفي لنجاسة ملاقيه لأنه لا يثبت سراية الرطوبة إلا بالملازمة و لكن‌

176

..........

____________

يمكن التفكيك بدعوى أن الرطوبة الدخلية في التنجيس إذا كانت في النجس فلا يكفي مجرد وجودها بل لا بد ان تكون بنحو تسري منه فعلا إلى الملاقي و من هنا لا يجري استصحاب رطوبة النجس و اما إذا كانت في الملاقي للنجس فلا يعتبر فيها السريان الى النجس لان اعتبار سريان الرطوبة في التنجيس يتطابق مع المرتكزات العرفية في جانب النجس لا في جانب الطاهر إذ ما معنى ان الطاهر المرطوب لا ينجس إلا إذا سرى منه شي‌ء إلى النجس فان مناط سراية القذارة عرفا ان يكتسب غير القذر شيئا من القذر لا العكس الا ان يلتزم باعتبار سراية الرطوبة من الطاهر الى النجس بدرجة توجب السراية مرة أخرى من النجس الى الطاهر و هذا معناه ان الرطوبة التي تفي بالشرط في جانب الملاقي يحب ان تكون أشد من الرطوبة التي تفي بالشرط في جانب القذر و هو بعيد عن اتجاه المسألة فتوى و عرفا بل قد يقال: ان اعتبار كون الرطوبة في النجس مسرية انما هو من أجل ان المناط في السراية حقيقة رطوبة الملاقي لان الملاقي الجفاف لا يتأثر فالملاقي ان كان رطبا في نفسه تأثر على اي حال و لو لم تكن رطوبته مسرية و ان لم يكن رطبا كذلك و كان النجس رطبا فلا بد من ان تكون رطوبته مسرية لكي يصبح الملاقي رطبا و بالتالي صالحا للتأثر و عليه لا يكون الاستصحاب في المقام مثبت نعم قد يتأمل في ترتب نجاسة الماء على الاستصحاب المذكور بنحو يشبه التأمل في ترتب نجاسة الملاقي لبدن الحيوان على استصحاب بقاء عين النجاسة عليه حتى لو قيل بان بدن الحيوان ينجس ثم يطهر بزوال العين فلاحظ.

الرابع: انه إذا شك في بقاء القذر الجفاف على الثوب من ناحية الشك في مقداره

فهل يجري استصحاب بقائه، و التحقيق: ان ما علم بارتفاعه ان كان معلوم الانطباق على الأقل المتيقن حدوثا فلا معنى لإجراء‌

177

[اشتراط قابلية التأثر في تنجس المائع]

(مسألة 8) لا يكفي مجرد الميعان في التنجس بل يعتبر ان يكون مما يقبل التأثر و بعبارة أخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين فالزئبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس و ان كان مائعا و كذا إذا أذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذوب في ظرف نجس لا ينجس الا مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج (1).

____________

الاستصحاب لان ما زاد عليه مشكوك بدوي من أول الأمر و استصحاب الجامع يكون من استصحاب القسم الثالث من الكلي، و اما إذا لم يكن معلوم الارتفاع مما يعلم بانطباقه على الأقل المتيقن حدوثا فلا بأس بجريان استصحاب واقع ذلك الجزء الذي كان قد تيقن به حدوثا و لا يدري بزواله و ليس هذا من استصحاب الفرد المردد بل هو من قبيل ما إذا علم بدخول زيد الذي هو موضوع الأثر الشرعي الى المسجد ثم علم بخروج شخص منه لا يدري هل هو زيد أو غيره فإنه في مثل ذلك يجري استصحاب بقاء زيد في المسجد بلا اشكال.

(1) قد يقرب الحكم بالنجاسة في حالة الميعان بدون رطوبة كما في الزئبق و الذهب المذاب بالتمسك بإطلاقات أدلة الانفعال لعدم شمول المقيد لمثلي المقام لان المقيد ان كان هو الإجماع على عدم السراية مع الجفاف فلا يعلم بشموله لمحل الكلام و ان كان هو الروايات الخاصة الواردة في مثل السمن و الزيت التي اناطت السراية بالذوبان و الميعان فمن الواضح ان ذوبان ما وقع موضوعا للكلام فيها من السمن و الزيت و نحوهما انما هو ذوبان مائي مساوق للرطوبة الموجبة للتلوث فلا موجب للتعدي إلى مورد الكلام.

178

..........

____________

و يمكن أن يقرب الحكم بعدم النجاسة تارة بالتمسك بإطلاق مقيد من قبيل (كل يابس زكي) (1) بدعوى أن اليبوسة في مقابل نداوة ماء لا في مقابل مطلق الميعان، و اخرى بدعوى ان المقيد اللبي و هو الارتكاز القاضي بعدم السراية مع الجفاف يشمل جزما أو احتمالا هذا النحو من الميعان غير المائي و مع احتمال شموله لا يمكن التمسك بإطلاق دليل الانفعال لأنه من موارد المقيد المتصل الدائر أمره بين الأقل و الأكثر، و ثالثة بدعوى إنكار وجود مطلقات في أدلة الانفعال رأسا لأن دليل الانفعال المطلق إما ان يكون متصيدا من الروايات الواردة في الموارد المتفرقة أو معتبرة عمار (2) الآمرة بغسل كل ما أصابه ذلك الماء و المتصيد لا يمكن ان يعمم لمحل الكلام و الموثقة موردها ملاقاة الماء.

و بما ذكرناه ظهر ان الذهب المذاب و نحوه إذا كان مرطوبا برطوبة مائية و لاقى النجس سطحه و لم تسر النجاسة إلى تمامه شأنه شأن الجامد لأن سراية النجاسة إلى تمام المائع بالملاقاة على خلاف القاعدة و يحتاج الى دليل من نص خاص أو تحكيم الارتكاز على دليل الانفعال و كلاهما لا يفي بإثبات السراية في المقام.

و على هذا الأساس فإن الرطوبة التي توجب الانفعال بالملاقاة هي الرطوبة المسرية التي توجب التلوث سواء كانت مائية في نظر العرف كرطوبة الماء و الماء المضاف أو غير مائية كرطوبة النفط و الزيت كما ان الميعان الذي يوجب انفعال تمام المائع بالملاقاة هو الميعان الذي يحقق تلك الرطوبة المسرية.

____________

(1) كما ورد في رواية عبد اللّه بن بكير المذكورة في الوسائل باب 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.

(2) الوسائل باب 4 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

179

[تنجس المتنجس]

(مسألة 9) المتنجس لا يتنجس ثانيا و لو بنجاسة أخرى لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما فلو كان لملاقي البول حكم و لملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معا و لذا لو لاقى الثوب دم ثم لاقاه البول يجب غسله مرتين و ان لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم و قلنا بكفاية المرة في الدم و كذا إذا كان في إناء ماء نجس ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره و ان لم يتنجس بالولوغ و يحتمل ان يكون للنجاسة مراتب في الشدة و الضعف و عليه فيكون كل منهما مؤثرا و لا إشكال (1).

____________

(1) إذا لاقى الشي‌ء مع قذرين بأن لاقى مثلا الدم أولا ثم البول فهل يجري عليه في مقام التطهير أشد الوظيفتين فيجب التعدد في هذا المثال نظرا الى ملاقاته للبول أو يجري عليه أضعفهما فلا يجب التعدد لان التعدد حكم ما تنجس بالبول و الشي‌ء المفروض تنجسه بالدم أولا لا يتنجس بعد ذلك بالبول لان المتنجس لا يتنجس و تحقيق الحال في ذلك يقع في مقامين.

أحدهما: في تحقيق الحال بناء على ان المتنجس لا يتنجس.

و الآخر: في تحقيق كبرى أن المتنجس لا يتنجس.

اما المقام الأول فيمكن ان يقرب وجوب التعدد مع البناء المذكور بأحد وجهين:

الأول: ما ذكره السيد الأستاذ «(دام ظله)» من التمسك بإطلاق الأمر في دليل أشد الوظيفتين كالأمر بغسل ملاقي البول مرتين فان موضوعه ينطبق سواء قلنا بان المتنجس يتنجس ثانية أو لا فإنه ملاق للبول على‌

180

..........

____________

اي حال (1).

و يمكن التأمل في هذا الوجه على أساس ان الأمر بالغسل مرتين من البول كما هو معلوم إرشاد إلى أمرين، أحدهما نجاسة الملاقي بسبب البول و الآخر ان المطهر له هو الغسل مرتين و عليه فان قيل بدلالة الأمر بالغسل على هذين الأمرين بنحو طولي بحيث يكون مرجع الثاني منهما إلى كيفية التطهير من النجاسة المقررة في الأمر الأول منهما فمع سقوط دلالة الدليل على الأمر الأول كما هو المفروض لا يمكن التمسك به لإثبات الأمر الثاني كما هو واضح، و إن قيل بدلالة الدليل على كلا الأمرين في عرض واحد فهذا يعني ان مرجع الثاني منهما الى بيان ان الغسل مرتين يطهر الشي‌ء بدون نظر الى كونه مطهرا من النجاسة البولية بالخصوص لئلا تلزم الطولية بين الأمرين و لا شك في ان ذلك خلاف المتفاهم العرفي من الدليل و لكن بناء عليه يلزم التعارض بالعموم من وجه بين إطلاق الأمر بالغسل مرتين من البول و إطلاق الأمر بالغسل مرة من الدم فان ما لاقى الدم ثم البول مشمول لكلا الإطلاقين و مقتضى شمول إطلاق الأمر بالتعدد له انه لا يطهر بالمرة الواحدة و مقتضى شمول إطلاق الأمر الآخر انه يطهر بالمرة و لكل من الإطلاقين مادة افتراق عن الآخر و بعد التساقط يرجع الى المطلقات الفوقية أو الى استصحاب النجاسة، فإن قيل ان إطلاق الأمر بالغسل مرة من الدم انما يدل على الاكتفاء بالمرة في مقام التطهير من الدم فلا ينافي الاحتياج الى التعدد من ناحية البول، قلنا ان هذا يعني الطولية بين الأمرين و نحن إنما أوقعنا المعارضة بين الإطلاقين على فرض عدم الطولية و اما مع الطولية المفروضة فلا يمكن التمسك بإطلاق دليل الأمر بالغسل مرتين من البول لإثبات الأمر الثاني مع فرض عدم الأمر الأول كما عرفت.

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 261.

181

..........

____________

الثاني: ان يقال بأن إطلاق الأمر بالغسل مرتين من البول و ان كان لا يشمل بلفظه محل الكلام إلا انه يستفاد منه الحكم بالأولوية العرفية لأن ملاقي البول المسبوق بملاقاة الدم ليس أقل قذارة عرفا من ملاقي البول غير المسبوق بملاقاة الدم.

و يرد عليه انا افترضنا ان العرف يعترف بالمبنى و هو ان المتنجس بالدم لا ينفعل ثانية بالبول بخلاف الطاهر الملاقي للبول ابتداء فمن المعقول لديه عندئذ عدم لزوم تعدد الغسل إلا في الملاقي مع البول ابتداء لأنه المنفعل به دون الملاقي مع الدم و انما يحكم وجداننا بغرابة هذه النتيجة باعتبار غرابة المبنى نفسه و هكذا يتضح انه على مبني عدم تنجس المتنجس لا يوجد طريق فني لإثبات وجوب التعدد.

المقام الثاني: في تحقيق كبرى تنجس المتنجس و حاصل ذلك ان مقتضى إطلاق أدلة الانفعال هو أن المتنجس يتنجس ثانية بالملاقاة فلا بد لإبطال هذا الإطلاق من إثبات و ذلك بأحد الوجوه التالية:

الأول: ان تنجس المتنجس ثانيا يلزم منه اجتماع المثلين، و يرد عليه ان محذور اجتماع المثلين انما يتم في الصفات الحقيقية و العرفية لا في الاعتباريات فقد ينطبق المحذور على القذارة الحقيقية العرفية فيمتنع اجتماع فردين منها و لكن لا استحالة في وقوع مثل ذلك في القذارات الاعتبارية.

و لو قيل: بأن الدليل اعتبار القذارة لسانه لسان التنزيل منزلة القذارة العرفية فما لا يمكن افتراضه في القذارة العرفية لا يفي دليل التنزيل بإثباته.

قلنا: ان القذارة العرفية بنفسها قابلة للاشتداد فليكن الأمر بالغسل عند الملاقاة إرشادا إلى حدوث نجاسة بالنحو المناسب مرتبة أو ذاتا و الاشتداد في الاعتبار و ان كان مستحيلا و لكن تعلق الاعتبار الشديد ممكن كما لا يخفى.

182

[الشك في لزوم التعدد في الغسل]

(مسألة 10) إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفي فيه غسله مرة و شك في ملاقاته للبول أيضا مما يحتاج الى التعدد يكتفي فيه بالمرة و يبني على عدم ملاقاته للبول (1).

____________

الثاني: ان تنجس المتنجس ثانيا لغو ثبوتا بعد الفراغ عن عدم تعدد الغسل و هذا لا يتم فيما إذا اختلفت الوظيفة كما في المتنجس بالدم إذا لاقى البول.

الثالث: ان تنجس المتنجس ثانيا لا موجب له إثباتا و لو أمكن ثبوتا لان الدليل دل على النجاسة بلسان الأمر بالغسل و من المعلوم عدم تعدد الأمر بالغسل و إلا لا يقتضى تعدد الغسل بتعدد الملاقاة و معه لا كاشف عن النجاسات المتعددة و التحقيق ان الأمر بالغسل باعتباره إرشاديا إلى النجاسة و التطهير فمقتضى القاعدة فيه عدم التداخل في الأسباب مع التداخل في المسببات لان نكتة عدم التداخل في الأسباب محفوظة فيما لو كان الجزاء امرا إرشاديا أيضا و هي ظهور الجملة الشرطية في الحدوث عند الحدوث و اما عدم التداخل في المسببات فباعتبار استحالة تعلق طلبين بموضوع واحد و اقتضاء محل واحد منهما انبعاثا مستقلا و هذا إنما يكون في الطلب المولوي لا في الإرشاد إذ لا مانع من الإرشاد بأمرين بالغسل الى نجاستين و الى ان طبيعي الغسل مطهر منهما معا من دون ان يلزم تعدد الغسل أصلا و عليه فما هو المعلوم في المقام الالتزام بالتداخل في المسببات و هذا لا يستلزم التداخل في الأسباب.

(1) و تقريب ذلك ان استصحاب بقاء النجاسة في الثوب بعد الغسل مرة و ان كان جاريا في نفسه و لكنه محكوم لاستصحاب عدم الملاقاة للبول فيحكم بالطهارة بعد الغسلة الاولى و تحقيق ذلك يكون بالكلام عن جريان‌

183

..........

____________

استصحاب النجاسة في نفسه أولا و عن كونه محكوما لاستصحاب آخر ثانيا.

اما الأول: فان بني على ان المتنجس لا يتنجس ثانيا فاستصحاب النجاسة شخصي و لا إشكال في جريانه في نفسه و كذلك ان بني على اشتداد النجاسة بالملاقاة الثانية و ان بني على تعدد النجاسة و اجتماع النجاستين معا فيكون المقام من استصحاب القسم الثالث من الكلي و ان فرض تضادهما كان من القسم الثاني من استصحاب الكلي.

و اما الثاني: فقد ذكر السيد الأستاذ في تقريب ذلك ان استصحاب النجاسة من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلي و كلما كان للكلي المردد حالة سابقة بحيث يعلم بوجوده في ضمن القصير سابقا و حصل التردد فيه بقاء كان استصحاب بقاء ذلك الفرد القصير بحده حاكما و المقام من هذا القبيل لأن النجاسة الدمية القصيرة معلومة سابقا فتستصحب بحدها و يحكم ذلك على استصحاب كلي النجاسة و يثبت انتهاء أمدها بالغسل مرة (1).

و يرد عليه ان التردد بين الفردين و ان كان قد حصل في المقام بقاءا لا حدوثا الا ان هذا بمجرده لا يكفي ملاكا للتفصيل في استصحاب الكلي من القسم الثاني و لا يجدي في حكومة استصحاب بقاء الفرد القصير على استصحاب الكلي و ذلك باعتبار ان انتفاء الكلي ليس أثرا شرعيا لثبوت الفرد القصير بحده كي يترتب على استصحابه و انما هو لازم عقلي لا يثبت بالأصل.

و التحقيق انه إذا بنى على ان المتنجس لا يتنجس ثانية فاستصحاب النجاسة شخصي لا كلي إذ هناك نجاسة واحدة معينة و هي على تقدير ترتفع بالغسل مرة و على تقدير لا ترتفع الا بالتعدد و في مثل ذلك يجري استصحاب عدم الملاقاة للبول و يكون حاكما على ذلك الاستصحاب الشخصي لأنه ينقح ذلك التقدير الذي يترتب عليه شرعا التطهير بالغسل مرة فإن التطهير‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 261- 262.

184

..........

____________

بذلك موضوعه مركب من ملاقاة الدم و عدم طرو ملاقاة البول و الأول وجداني و الثاني استصحابي و إذا بنى على ان المتنجس يتنجس و تجتمع النجاستان فلا يجري استصحاب النجاسة في نفسه كما عرفت و إذا بنى على ذلك و على انهما لا تجتمعان كان من استصحاب الكلي من القسم الثاني و في حالات هذا الاستصحاب يكون استصحاب عدم الفرد الطويل أو عدم سببه الشرعي حاكما على استصحاب الكلي فيما إذا رتب في دليل عدم الكلي على عدم الفرد الطويل ذاتا أو سببا و لا تنم الحكومة بغير ذلك ففي المقام إذا استظهر من دليل الأمر بالغسل للدم ان مفاده حصول الطهارة و ارتفاع كلي النجاسة بالغسل المذكور غاية الأمر يلتزم بان عدم طرو الملاقاة للبول مأخوذ في موضوع هذا الارتفاع كان استصحاب عدم ملاقاة البول منقحا لموضوع حكم الشارع بارتفاع كلي النجاسة بالغسل مرة فيحكم على استصحاب النجاسة، و اما إذا قيل بان مفاد الأمر بالغسل مرة للدم هو الحكم بارتفاع النجاسة الدمية بذلك و هو أمر ثابت على اي حال سواء لاقى البول أو لا فلا يجدي استصحاب عدم الملاقاة للبول في نفي كلي النجاسة إذ لم يقع هذا النفي مفادا لدليل و مترتبا على موضوع ليحرز تعبدا بإحراز ذلك الموضوع كما لا يجدي حينئذ أيضا الاستصحاب التعليقي اي استصحاب انه كان يطهر لو غسل مرة لأن مفاد هذه القضية ليس مجعولا شرعيا على هذا التقدير و عليه فلا حاكم على هذا التقدير- على استصحاب كلي النجاسة لكن قد يستشكل في أصل جريان هذا الاستصحاب لأن الأثر الشرعي كالمانعية ليس مترتبا على صرف وجود النجاسة بل هو انحلالي يتعدد بتعدد إفرادها و لهذا يجب تقليل النجاسة مهما أمكن في حالات الاضطرار فصرف الوجود ليس موضوعا للحكم و استصحاب القسم الثاني من الكلي انما يجري فيما إذا كان الأثر الشرعي مترتبا على صرف‌

185

[الشك في لزوم التعفير]

و كذا إذا علم نجاسة إناء و شك في انه ولغ فيه الكلب أيضا أم لا، لا يجب فيه التعفير و يبنى على عدم تحقق الولوغ نعم لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم أو إما بالولوغ أو بغيره يجب إجراء حكم الأشد من التعدد في البول و التعفير في الولوغ (1).

____________

الوجود لا على الحصص و الا لكان استصحاب ما هو موضوع للأثر من استصحاب الفرد المردد و كان استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل كافيا لإحراز نفي الحكم بعد ضمه إلى وجدانية عدم الفرد القصير بقاء لأن الحكم مترتب على الحصص و قد أحرز عدمها بخلاف ما لو كان الحكم مترتبا على صرف الوجود فان نفي صرف الوجود باستصحاب عدم الفرد الطويل لا يكون إلا بالملازمة.

(1) و يمكن تفسير الفرق بين الفرعين بالبناء على حكومة الاستصحاب الموضوعي على استصحاب النجاسة هناك و عدمها هنا بان جريان الاستصحاب الحاكم في هذا الفرع يتوقف على مئونتين اضافيتين فمن تمت عنده مبادئ هذا الاستصحاب المتقدمة و لم تتم عنده احدى هاتين المئونتين اتجه لديه الفرق بين الفرعين.

المئونة الاولى و هي فقهية و حاصلها إمكان الحصول على عموم فوقي يدل بإطلاقه على طهارة الملاقي مع كل قذر بالغسل مرة واحدة لأن دليل الغسل مرة واحدة من الدم لا يمكن التمسك به في المقام لأن موضوعه- و هو الملاقاة للدم- مشكوك و لا يمكن إحرازه بالأصل أما لو حصل مطلق فوقي كذلك فموضوعه محرز غاية الأمر انه قد خرج منه بالتخصيص البول مثلا و هنا يأتي دور المئونة الثانية و هي البناء على اجراء الاستصحاب في الاعدام‌

186

[تنجيس المتنجس المائع]

(مسألة 11) الأقوى ان المتنجس منجس كالنجس (1).

____________

الأزلية فيجري استصحاب عدم بولية القذر المردد فينقح بذلك موضوع الحكم بكفاية الغسل مرة واحدة لأن هذا الموضوع- بعد تخصيص العام الفوقي بدليل التعدد في البول- يكون مركبا من ملاقاة قذر و عدم كون القذر بولا و الأول وجداني و الثاني استصحابي و لا يعارض استصحاب عدم البولية باستصحاب عدم الدمية لعدم الأثر إذ لو أريد به نفي أصل الغسل فهو غير معقول للعلم بلزومه و ان أريد به إثبات البولية فهو غير ممكن لأنه من الأصل المثبت.

(1) بعد الفراغ عن سريان النجاسة من عين النجس- بقرينة كل ما يدل على عدم كفاية زوال العين في حصول الطهارة- يتكلم في ان المتنجس الذي لم يكن عليه عين النجس هل يكون منجسا أم لا و يخرج عن كل الكلام موضوعا ما إذا كان على المتنجس الملاقي شي‌ء من عين النجس و يخرج عنه حكما ما إذا كان المتنجس بعين النجس هو الماء و نحوه من المائعات فان تنجيسه حينئذ ليس محل خلاف و لا ينبغي ان يقع موضعا للإشكال، و يشمل محل الكلام فرض وجود الرطوبة في المتنجس أو في الطاهر و لا وجه لإخراج الفرض الأول عنه كما قيل لأن مساق الفرضين واحد بلحاظ أدلة الباب كما سنرى.

و على أي حال فالكلام في تنجيس المتنجس يقع في جهات.

الاولى: في تنجيس المتنجس إذا كان مائعا.

و الروايات التي يمكن أن يستدل بها في هذه الجهة عديدة:

منها: الروايات الواردة في تنجس ملاقي الماء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير

من قبيل رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع) قال:

187

..........

____________

«سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال اغسل الإناء.» (1)

و دلالة الرواية واضحة باعتبار أن الأمر بالغسل في أمثال المقام إرشاد إلى النجاسة على ما تقدم مرارا غير انه لا إطلاق فيها للمائع المتنجس بغير عين النجس لو تم دليل على تنجس المائع بغير عين النجس لان مفادها تنجيس المائع المتنجس بعين النجس و التعدي إلى المراتب الطولية لا يقتضيه الارتكاز العرفي بخلاف التعدي إلى المراتب العرضية لان الارتكاز لا يأتي عن تنازل النجاسة و ضعفها بتعدد المراتب الطولية كما هي الحالة في القذارات العرفية اللهم الا ان يضم الى ذلك دعوى ان الأمر بغسل الإناء يدل على ان الإناء ينجس أيضا لو لم يغسل مع انه متنجس بالمتنجس و يكون التعدي حينئذ إلى المائع المتنجس بالمتنجس بلحاظ المراتب العرضية لا الطولية و سيأتي الكلام عن ذلك إن شاء اللّه تعالى (2).

و من روايات هذه الجهة موثقة عمار

(3) الواردة في ماء الإناء الذي توضأ منه و صلى ثم وجد فيه فأرة متسلخة فأمر الإمام (ع) بإعادة الوضوء و الصلاة و غسل ثيابه و كل ما أصابه ذلك الماء و فقرة الاستدلال قوله (و اغسل كل ما اصابه ذلك الماء) و الكلام فيها كما سبق من حيث الدلالة على تنجيس الماء و من حيث الاستشكال في التعدي إلى المراتب الطولية من المائع المتنجس.

و منها: رواية العيص بن القاسم قال:

«سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما‌

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب الأسئار حديث 3.

(2) و لكن على أي حال الرواية ضعيفة بالحسين بن الحسن بن أبان.

(3) الوسائل باب 4 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

188

..........

____________

أصابه» (1) و هي في دلالتها على نجاسة الملاقي كما سبق و في إطلاقها للمائع المتنجس بغير عين النجس كلام مبني على ان القذر هل هو بالمعنى المصدري فيختص بعين النجس أو بالمعنى الوصفي فيشمل المتنجس و اللفظ و ان لم يكن ظاهرا في عين النجس كفى الإجمال في عدم الجزم بالإطلاق هذا مضافا الى سقوط الرواية سندا إذ رواها المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى مرسلة عن العيص.

و منها: رواية معلى بن خنيس قال:

«سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا فقال: أ ليس وراءه شي‌ء جاف قلت بلى قال: فلا بأس ان الأرض يطهر بعضها بعضا» (2) و هي تدل على تنجس قدم الرجل بقرينة احتياجها الى المطهر و الضمير في (أمر عليه) ان رجع الى الماء دل على تنجيس الماء للقدم و ان رجع الى الطريق المرطوب فمع فرض امتصاص الأرض للماء يدل على تنجيس الماء للأرض و تنجيسها للقدم و مع فرض عدم الامتصاص و اصابة القدم للماء نفسه يدل على تنجيس الماء نفسه و على اي حال فتنجيس الماء المتنجس بعين النجس هو القدر المتيقن على كل حال غير انها كسابقتها في عدم الإطلاق لإثبات ان المائع المتنجس منجس مطلقا و لو كان قد تنجس بالمتنجس على كلام أشرنا إليه سابقا (3).

و منها: ما ورد في بل القصب بالماء القذر كمعتبرة عمار قال:

«سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز‌

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 14.

(2) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 3.

(3) مضافا الى ضعفها بالمعلى بن خنيس الذي لم يثبت توثيقه.

189

..........

____________

الصلاة عليها فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها» (1) و نظيرها معتبرة علي بن جعفر عن أخيه (2).

فإن إناطة الجواز بالجفاف يدل على تنجيس الماء القذر للبارية و الا لجازت الصلاة عليها مطلقا من دون فرق بين ان يكون الملحوظ في عدم الجواز مع عدم الجفاف تعرض المصلي للنجاسة أو اشتراط طهارة المكان و لو بلحاظ موضع السجود غايته انه على الثاني لا بد من تقييد الجفاف بالجفاف بالشمس بناء على مطهريتها كما هو واضح.

و تمتاز هاتان الروايتان بالإطلاق لشمولهما لكل ماء قذر حتى و لو كان قد تقذر بالمتنجس اللهم الا ان يقال بانصراف القذارة الى القذارة العينية و انصرافها عن النجاسة الحكمية و عليه فالقذر ما كان مبتلى بقذارة عينية لا مطلق ما حكم بنجاسته ثم على فرض الإطلاق فإن تم دليل من الخارج على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس شمله الإطلاق المذكور فيثبت انه منجس و ان لم نقل بانفعال الماء القليل بالمتنجس فقد يستشكل في فائدة الإطلاق المذكور في الروايتين إذ موردهما الماء و لا مصداق للماء القذر سوى الماء الملاقي لعين النجس و ما يمكن ان يتنجس بملاقاة المتنجس و هو المضاف مثلا ليس موردا للروايتين و يندفع بان ظاهر الروايتين إعطاء الضابط الكلي في التنجيس و هو ان يكون الماء قذرا و انحصار هذا العنوان في خصوص الماء بالملاقي لعين النجس لا ينافي تعدد مصاديقه بلحاظ مطلق المائعات و شمول الإطلاق لها بعد إلغاء خصوصية الماء في مقابل أقسام المائع الأخرى.

الجهة الثانية: في تنجيس المائع بالملاقاة للمتنجس

و هذه عكس الجهة السابقة إذا كنا نتكلم عن منجسية المائع المتنجس و هنا نتكلم عن تنجس المائع بالمتنجس و قد تقدم الكلام عن ذلك تفصيلا في أبحاث المياه من هذا‌

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 5- 2.

(2) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 5- 2.

190

..........

____________

الشرح و اتضح ان الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس (1) و ان غيره من المائعات ان قيل بانفعالها فإنما تنفعل بملاقاة المتنجس الأول (أي المتنجس بعين النجس) (2) و لا دليل على انفعاله بملاقاة المتنجس الثاني لأن مدرك الانفعال بالمتنجس الأول رواية عمار الواردة في دن الخمر و الدالة على المنع عن وضع الخل فيه قبل ان يغسل و هذا المنع يدل على ان الدن منجس و هو متنجس أول فلا تقتضي الرواية أكثر من تنجيس المتنجس الأول للمائع.

الجهة الثالثة: في أن المتنجس غير المائع هل ينجس الجامد

و نخصص الكلام هنا بالمتنجس الأول (و هو المتنجس بعين النجس) و اما منجسية المتنجس الثاني (أي المتنجس بالمتنجس) فيأتي الكلام عنها في الجهة الرابعة.

و لكن قبل الدخول في بحث هاتين الجهتين بلحاظ روايتهما لا بد من الالتفات إلى نكتة و هي انه يمكن ان يقال بناء على مباني جماعة من الفقهاء كالسيد الأستاذ و غيره بعدم الحاجة الى استئناف بحث في هاتين الجهتين لكفاية النتائج التي خرجوا بها من الجهتين السابقتين للحكم بالتنجيس في هاتين الجهتين و ذلك بأحد وجهين:

الوجه الأول:

ان هؤلاء الأعلام افترضوا في الجهة الأولى ان المائع المتنجس ينجس على كل حال و في الجهة الثانية ان الماء القليل فضلا عن غيره من المائعات ينفعل بملاقاة المتنجس مطلقا فاذا جمعنا بين هذين المبنيين نتج انا لو جعلنا ماءا قليلا يلاقي ثوبا متنجسا سواء كان متنجسا أولا أو متنجسا ثانيا لتنجس الماء القليل بحكم ما بنوا عليه في الجهة الثانية من‌

____________

(1) تقدم في الجزء الأول من البحوث ص 392- 407.

(2) تقدم في الجزء الأول من البحوث ص 111- 114.

191

..........

____________

انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس مطلقا ثم ان هذا الماء القليل لو لاقى جسما طاهرا جامدا كالقلم لنجسه بحكم ما بنوا عليه في الجهة الاولى من تنجيس الماء المتنجس مع ان هذا الماء لم يكتسب نجاسته الا من الثوب المتنجس بحسب الفرض فنضم الى ذلك دعوى أولوية عرفية واضحة و هي ان القلم إذا كان يتنجس بملاقاة ذلك الماء فهو اولى بالتنجس بملاقاة ما تنجس به ذلك الماء ابتداء أي بملاقاة الثوب إذ لا يزيد الفرع على الأصل و هذا معناه كفاية نفس تلك النتائج التي انتهى إليها هؤلاء الأعلام في الجهتين السابقتين لإثبات التنجيس في هاتين الجهتين، و هذا البيان لا يرد على مبانينا في الجهتين السابقتين إلا في خصوص غير الماء من المائعات و بالنسبة إلى المتنجس الأول فقط حيث يقال بان متنجسا أولا لو لاقى مائعا مضافا لنجسه لما اختير في الجهة الثانية و كان المائع منجسا للقلم بالملاقاة لما ذكر في الجهة الأولى فالقلم أولى بأن يتنجس إذا لاقى ذلك المتنجس الأول مباشرة.

و التحقيق ان هذا البيان غير تام لأننا ننكر الأولوية المدعاة عرفا بين تنجس القلم بالماء المتنجس و تنجسه بما نجس ذلك الماء لأن الماء- و المائع عموما- يتعقل فيه عرفا نحو اسرعية للتأثير و إسراء النجاسة عن الجامد كما هو أسرع في التأثر بالنجس فلا مانع على هذا الأساس من الالتزام بتنجس القلم بالملاقاة للمائع المتنجس باعتبار شدة تأثير المائع و ما فيه من قوة الاسراء و السريان بينما لا يتنجس القلم لو لاقى ما تنجس به ذلك المائع مباشرة لكونه جامدا فاقدا لتلك الخصوصية من النفوذ و السريان و نظير ذلك أن الجسم الجامد اليابس لا يتنجس بملاقاة العذرة اليابسة و لكنه يتنجس بملاقاة الماء الذي اصابته تلك العذرة.

الوجه الثاني:

ان المتنجس الذي نبحث عن كونه منجسا لملاقيه ان لم نفترض في حالة الملاقاة رطوبا في أحد المتلاقيين فلا معنى للبحث‌

192

..........

____________

عن ذلك إذ لا سراية بدون رطوبة حتى من عين النجس و إذا افترضنا الرطوبة و أخذنا بعين الاعتبار ما بني عليه السيد الأستاذ و غيره من الأعلام من ان الرطوبة المسرية الدخيلة في التنجيس لا بد ان يصدق عليها عنوان الماء اي تكون جوهرا عرفا لا عرضا و مجرد صفة كالرطوبة غير المسرية و أخذنا بعين الاعتبار أيضا ما بنوا عليه من انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس مطلقا فينتج أن الرطوبة المفترضة في المقام في أحد المتلاقيين تكون ماء و بالتالي تتنجس بملاقاة المتنجس و إذا تنجست نجست الجامد الطاهر من المتلاقيين لما بنوا عليه من كون الماء القذر منجسا للجامد مطلقا و هكذا يثبت ان الجامد الطاهر متى ما لاقى الجامد المتنجس مع الرطوبة المسرية يحكم بنجاسته بدون حاجة الى استئناف بحث في ذلك و إذا لم نبني على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس أجرينا هذا الكلام فيما إذا كانت الرطوبة من غير الماء و اما إذا لم نشترط في الرطوبة المسرية أن تكون على نحو يصدق عليها عنوان الماء و نحوه فلا يتجه هذا البيان رأسا لأننا نفترض البحث في الجهة الثالثة و الرابعة فيما إذا كانت هناك رطوبة مسرية غير واصلة إلى تلك المرتبة فلا معنى لتنجسها بما هي رطوبة و انما القابل لان يتنجس حينئذ الجسم الجامد الملاقي فيقع الكلام عن تنجيس المتنجس له.

و على اي حال فالكلام الآن يقع في الجهتين الثالثة و الرابعة أي في تنجيس المتنجس الأول الجامد للجامد و تنجيس المتنجس الثاني الجامد و ما بعده من الرتب للجامد و نلحق بالبحث في الجهة الثالثة المتنجس الأول بالماء المتنجس حيث تقدم في الجهة الاولى ان الماء المتنجس ينجس ملاقيه فاذا حصلنا على دليل على تنجيس الجامد المتنجس بملاقاة المائع المتنجس كان بنفسه دليلا على تنجيس الجامد المتنجس الأول بعين النجس أيضا إذ لا يحتمل فقهيا و عرفا ان يكون المتنجس بالمائع المتنجس أشد تنجيسا‌

193

..........

____________

و حالا من المتنجس بعين النجس نعم يحتمل الفرق بينه و بين المتنجس الثاني و ما بعده من الرتب بان يكون تنجسه بالمائع سببا لمزيد قذارته و يشمل البحث فرض وجود الرطوبة في المتنجس كما يشمل فرضها في الملاقي له خلافا للسيد الأستاذ الذي حصر الكلام بالفرض الثاني و نفي الاشكال في التنجيس في الفرض الأول.

و الروايات التي يمكن ان يستدل بها على التنجيس في كل من هاتين الجهتين عديدة

نستعرضها فيما يلي مع الإشارة إلى الحدود التي يمكن ان تثبت بكل منها:

فمنها: روايات غسل الأواني

التي ورد فيها الأمر بغسل الإناء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير أو وقعت فيه الميتة أو غير ذلك [1] و هي تختلف في درجة اهتمامها و تأكيدها على الغسل مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثا أو سبعا مع التعفير أو بدونه حسب اختلاف مراتب القذارات الملاقية للإناء و قد اعتبر البعض (1) هذه الطائفة العمدة في إثبات تنجيس المتنجس الأول و تقريب هذه الدلالة انا لو نظرنا الى حاق المدلول اللفظي المستفاد‌

____________

[1] من قبيل معتبرة علي بن جعفر قال: «. و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات» الوسائل باب 13 من أبواب النجاسات حديث 1. و رواية الفضل ابي العباس عن ابي عبد اللّه (ع) في حديث انه سأله عن الكلب فقال: «رجس نجس لا يتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» الوسائل باب 70 من أبواب النجاسات حديث 1. و معتبرة عمار عن ابي عبد اللّه (ع) قال: «. اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات» الوسائل باب 53 من أبواب النجاسات حديث 1.

____________

(1) كالسيد الخوئي- (دام ظله)- في التنقيح الجزء الثاني ص 269.

194

..........

____________

من هذه الطائفة فغاية ما يثبت بها كون عين النجس منجسة للإناء أو للمائع و هو بدوره ينجس الإناء لأن هذه هي مرتبة الأواني التي ورد الأمر بغسلها إرشادا إلى نجاستها و كيفية تطهيرها و ليس في ذلك ما يقتضي تنجيس المتنجس الأول الجامد و لكن هناك دلالة عرفية اقتضائية يستفاد منها تنجس الجامد بالجامد المتنجس و تلك هي ان الآنية المتنجسة لو لم تكن منجسة لما يلاقيها لم يكن وجه لاهتمام الشارع بغسلها و امره بتطهيرها و بيان مراتب هذا التطهير شدة و ضعفا لأنها لا تقع بنفسها موردا للاستعمال المشروط بالطهارة و انما الذي يقع كذلك ما يلاقيها و ما يوضع فيها من طعام فلو لم تكن منجسة لكانت تلك الألسنة المختلفة الواردة في تطهيرها لغوا عرفا فصونا لكلام الشارع عن اللغوية العرفية و بدلالة الاقتضاء ينعقد ظهور في أنها منجسة و بذلك يثبت ان المتنجس الأول الجامد منجس و هذه هي ميزة روايات غسل الأواني على روايات غسل الثياب و البدن حيث ان الغسل هناك واضح الحكمة باعتبار وقوع نفس البدن و الثوب مورد الاستعمال مشروط بالطهارة حتى لو لم يكن منجسا.

و قد نوقش في هذا الاستدلال بمناقشات لا ترجع الى محصل نقتصر على ذكر اثنتين منها:

الأولى: دعوى احتمال كون النكتة في الأمر بغسل الأواني هو الرجحان النفسي للأكل و الشرب من الأواني الطاهرة و هذه المناقشة واضحة الفساد إذ كيف يمكن ان تكون مثل هذه الأوامر- المشددة و المؤكدة و المركوز عرفا كونها بملاك التخلص عن المحاذير اللزومية- مجرد استطراف الى أدب شرعي في نفسه ليس واضحا و لا مركوزا في الأذهان بعنوانه فهذا احتمال عقل ثبوتي لا عرفي إثباتي.

الثانية: دعوى ان الأمر بالغسل لعله من أجل تحصيل الاطمئنان‌

195

..........

____________

بزوال ما تبقى من اجزاء عين النجاسة في الآنية و هذا الاحتمال أيضا غير عرفي.

أما أولا: فلان بعض القذارات المفروضة في مورد هذه الأوامر ليس مما تبقى منه اجزاء في الإناء عادة من قبيل الميتة الملاقية للإناء مثلا.

و ثانيا: لان بعض هذه الروايات قد أمرت بالغسل مرارا مع انه لو كان النظر الى مجرد ازالة عين النجس و اجزائه لا زوال النجاسة الحكمية كفى في ذلك الغسل مرة واحدة حيث لا تبقى الاجزاء العينية العرفية عادة بعد الغسلة الأولى.

و ثالثا: ان هذا على خلاف موضوعية عنوان الغسل الذي هو الميزان دائما لاستفادة النجاسة الحكمية فإن حمل هذا العنوان على انه مجرد طريق إلى إزالة الأجزاء العينية خلاف المتفاهم العرفي و الفقهي.

هذا و لكن التحقيق مع ذلك عدم تمامية الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار على منجسية المتنجس الأول الجامد و ذلك لوجهين يتم أحدهما مطلقا و على جميع المباني و يتم الآخر على مباني بعض الفقهاء كالسيد الأستاذ على الرغم من استدلاله بتلك الطائفة.

أما الوجه الأول: فحاصله، ان إثبات تنجيس الآنية بهذه الطائفة لم يكن بدلالة لفظية كإطلاق أو عموم حتى يتمسك به و انما كان بلحاظ قرينة الاقتضاء و صون كلام الشارع عن اللغوية العرفية. و من الواضح ان قرينة اللغوية و دلالة الاقتضاء لا تثبت المنجسية المطلقة بل مطلق المنجسية اي القضية المهملة التي هي في قوة الجزئية إذ يكفي ثبوت القضية الجزئية لإشباع هذه الدلالة و عندئذ نقول: ان ثبوت منجسية الآنية في المقام بنحو القضية الجزئية مفروغ عنه حيث فرغنا في الجهة السابقة عن ان المائع مطلقا أو خصوص غير الماء المطلق منه يتنجس بالمتنجس و انما البحث الآن في منجسية المتنجس‌

196

..........

____________

الجامد للجامد فيكفي فائدة لأوامر غسل الآنية التخلص عن محذور السراية في المائعات التي توضع في الإناء و يلاقيها و الذي هو أمر شائع في استعمالات الأواني في الأمراق و نحوها.

الوجه الثاني: لو قطعنا النظر عما تقدم و افترضنا أن الآنية في معرض الملاقاة مع الجوامد لا المائعات فيمكن القول أيضا بأن هذه الروايات لا تدل على ان الآنية تنجس الجامد مطلقا بل تدل على ان التنجيس بمقدار مصحح للفائدة من الأمر بالغسل عرفا و يكفي لذلك افتراض التنجيس في حالة كون الرطوبة في نفس الآنية بناءا على ما نقلناه عن السيد الأستاذ من ان التنجيس في هذا الفرض مفروغ عنه فاذا كان مفروغا عنه حقا فليكن هذا المقدار كافيا لإخراج الأمر بغسل الآنية عن اللغوية فلا موجب لإثبات التنجيس في فرض كون الرطوبة في الملاقي الذي أدعي انه هو محل الكلام نعم إذا بني على عدم احتمال الفرق بين الصورتين عرفا لم يتم هذا البيان.

و من جملة الروايات التي قد يستدل بها لإثبات تنجيس المتنجس الجامد ما ورد من الأخبار في بيان كيفية غسل الفراش من قبيل معتبرة إبراهيم بن ابي محمود قال: «قلت للرضا (ع) الطنفسة و الفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما و هو ثخين كثير الحشو قال يغسل ما ظهر منه في وجهه» (1) و تقريب الاستدلال كما تقدم في الطائفة السابقة حيث ان الفراش المتنجس لو لم يكن موجبا للتنجيس لم يكن هناك موجب للاهتمام بتطهيره.

و يمكن ان يناقش بأن الحيثية الموجبة للاهتمام لم نذكر في هذه الروايات و انما فرغ عن وجود داع للتطهير و بينت كيفيته فلعله لأجل التحفظ على طهارة مكان المصلي و هي ان لم تكن شرطا في مكان المصلي بعنوانها كما‌

____________

(1) الوسائل باب 5 من أبواب النجاسات حديث 1.

197

..........

____________

ذهب الى ذلك فقهاء العامة في الجملة فلا شك في كونها أدبا من الآداب المركوزة في أذهان المتشرعة إذ يهتمون بالصلاة في مكان نظيف بقطع النظر عن محذور السراية.

و من جملة ما يستدل به في المقام أيضا رواية معلى بن خنيس

المتقدمة في الجهة الأولى إذا حمل الضمير في قوله (أمر عليه حافيا) اي على الطريق لا على الماء إذ على الثاني تدل على تنجيس المائع المتنجس كما تقدم و اما على الأول فتدل على تنجيس الجامد اما لاستظهار كون المنجس نفس العنوان المأخوذ في السؤال و هو الطريق أو لإطلاقه لفرض امتصاص الطريق للماء و عدم بقاء عينه مع وجود النداوة و قد يعين الأول بقرينة قوله (ع) (ان الأرض يطهر بعضها بعضا) فان هذا التعليل و ان كان لا يخلو من إجمال و لكن بعد حمله على ان الأرض يطهر بعضها ما يتنجس بالبعض الآخر يناسب الاحتمال الأول حينئذ و لكن إذا احتمل الفرق في تنجيس المتنجس بين فرض الرطوبة فيه أو في ملاقيه و أولوية الفرض الأول بالتنجيس كما عليه السيد الأستاذ بل المفروغية عنه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على التنجيس في فرض جفاف المتنجس و رطوبة الملاقي، و على اي حال فالرواية ساقطة سندا و لا يمكن التعويل عليها.

و من جملة الروايات معتبرة الأحول عن أبي عبد اللّه (ع)

«في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك» (1) و مثلها روايات أخرى في نفس الباب.

____________

(1) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 1.

198

..........

____________

و تقريب الاستدلال بها انها دلت على تنجس الرجل بالأرض المتنجسة التي عبر عنها بالموضع الذي ليس بنظيف و هو عنوان يشمل المتنجس الخالي من عين النجس بل طبيعي المتنجس و لو بالمتنجس لصدق عنوان (ليس بنظيف) على ذلك جميعا.

و يرد عليه: بعد تسليم أن النظافة هنا في مقابل القذارة الحكمية لا العينية. ان الرواية سؤالا و جوابا ليست ناظرة إلى أصل سراية النجاسة من المتنجس الجامد الى ملاقيه إثباتا و نفيا ليتمسك بإطلاقها لفرض المتنجس الخالي من عين النجس بل قد فرض فيها الفراغ عن سراية النجاسة من الأرض المتنجسة الى الرجل و تمام النظر متجه إلى مسألة مطهرية الأرض النظيفة و حدودها و لهذا تصدي الإمام (ع) الى بيان الحد الذي يحصل به التطهير.

و من جملة الروايات بل القصب

التي تقدم الاستدلال بها في الجهة الأولى كمعتبرة علي بن جعفر «سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلي عليه قال: إذا يبست فلا بأس».

و لا إشكال في دلالتها- كما تقدم- على منجسية المائع القذر و اما دلالتها على منجسية الجامد المتنجس فقد تدعى بتقريب: ان الجواب يدل بمفهومه على البأس في الصلاة على البارية المذكورة مع عدم الجفاف و لا وجه لذلك إلا السراية و التنجيس لأن الصلاة على البارية أعم من السجود عليها فحمل البأس على محذور نجاسة موضع الجبهة خلاف إطلاق العنوان فتدل الرواية على منجسية البارية.

و التحقيق: ان عنوان (أ يصلي عليه) تارة: يقال بأنه ظاهر في إيقاع الصلاة بتمامها عليه بما فيها السجود و اخرى: يقال بأنه ظاهر في اتخاذه‌

199

..........

____________

مكانا للمصلي و مطلق من حيث انه يسجد عليه أو لا. فعلى الأول يتعين تقييد اليبوسة في جواب الامام (ع) بالجفاف الناشي من الشمس لئلا يلزم الترخيص في السجود على النجس الجاف و معه يسقط الاستدلال بالمفهوم لأن البأس في المفهوم يكون بلحاظ وقوع السجود على النجس.

و على الثاني قد يقال بان الأمر دائر بين تقييد العنوان المذكور في السؤال بفرض عدم السجود على البارية أو تقييد اليبوسة في الجواب باليبوسة بالشمس إذ مع عدم التقييدين يلزم جواز السجود على النجس و الاستدلال انما يتم لو قدم التقييد الأول على الثاني مع انه بلا موجب فيسقط الاستدلال بالرواية.

فإن قيل: ان الرواية لو خليت و نفسها تدل منطوقا على نفي البأس في الصلاة على البارية اليابسة سواءا مع السجود عليها أو بدونه و سواءا كانت اليبوسة بالشمس أو بغيرها فهذه صور أربع منفي عنها البأس بالمنطوق و تدل مفهوما على البأس في الصلاة على البارية غير اليابسة سواءا السجود عليها أو بدونه و ما هو لازم بلحاظ دليل بطلان السجود على النجس تقييد إطلاق المنطوق بإخراج صورة واحدة من الصور الأربع و هي صورة السجود على البارية مع كون اليبوسة بغير الشمس و ما هو محط الاستدلال إطلاق المفهوم لصورة الصلاة على البارية غير اليابسة من دون سجود عليها فلا موجب لسقوط دلالة الرواية.

قلنا: ان عنوان الصلاة على البارية ظاهر في الصلاة المشتملة على السجود عليها أيضا لا في مجرد اتخاذها موقفا و لو سلم الإطلاق فليس ما ذكر من لزوم الاقتصار في التصرف على إخراج صورة واحدة من الصور الأربع للمنطوق صحيحا لان هذا معناه ان الصور الثلاث الباقية تحت إطلاق الرواية لا يكون الحكم منفي البأس فيها ثابتا بلحاظ عنوان كلي‌

200

..........

____________

واحد بل نفي البأس في صورة الصلاة بلا سجود بلحاظ مطلق الجفاف و نفيه في صورة الصلاة مع السجود بلحاظ الجفاف بالشمس و ليس هذا من التقييد العرفي بشي‌ء و هذا بخلاف ما إذا قيدت اليبوسة باليبوسة بالشمس بلحاظ تمام مورد السؤال و مع يسقط الاستدلال.

و من جملة روايات التنجيس معتبرة عمار

و قد جاء فيها «إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة و ان أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس و ان كانت رجلك رطبة و جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس و ان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك» (1) و لعل هذه الرواية من أقوى روايات الباب مع انني لم أر من استدل بها في المقام و فقرة الاستدلال فيها الجزء الأخير منها حيث حكم الامام (ع) بعدم الصلاة على الموضع القذر مع رطوبة الرجل أو غير ذلك حتى لو كان الموضع قد يبس و لكن بغير الشمس و يتعين محذور ذلك في السراية و حيث ان المفروض جفاف البول المساوق لزوال عين النجاسة فالسراية حينئذ تعني تنجيس المتنجس الخالي من عين النجس إذا كان ملاقيه مرطوبا و هو المقصود في المقام و هذا الاستدلال تام بل يمكن ان يقال بدلالة الرواية على تنجيس المتنجس مطلقا و لو كان متنجسا بالواسطة تمسكا بإطلاق قوله (أو غير ذلك) و بعبارة اخرى: ان المراد بغير ذلك ما كان منجسا بالملاقاة و حيث ان الرواية تثبت بالبيان السابق ان المتنجس الأول ينجس فيكون لقوله (أو غير ذلك) إطلاق للمتنجس الأول فيثبت بالإطلاق ان الموضع القذر بملاقاة المتنجس الأول منجس أيضا‌

____________

(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4

201

..........

____________

و هو معنى ان المتنجس الثاني منجس أيضا و هكذا. و لكن يندفع ذلك: بان (غير ذلك) لا إطلاق فيه للمتنجس الجامد الخالي من عين النجاسة لأن الجامع المأخوذ هو القذر حيث قبل (قذرا من البول أو غير ذلك) و كون الموضع قذرا لا يشمل صورة ملاقاة الموضع لليد المتنجسة الخالية من عين النجاسة حتى لو قيل بالسراية لأن السراية الحكمية لا تحقق عنوان القذارة عرفا و حمل القذارة في قوله (قذرا) على القذارة الحكمية عناية محتاجة إلى القرينة خصوصا ان مناسبات العاطف و المعطوف حين يذكر البول و يقال (أو غير ذلك) تناسب ان يراد ما هو من قبيل البول من القذارات العينية و لا أقل من احتمال ذلك بنحو يوجب الإجمال و عدم تعين ارادة مطلق النجس من كلمة الغير بعد وضوح عدم ارادة الغير على إطلاقه.

و من جملة الروايات ما ورد فيها عن مصافحة الكتابي و الأمر بغسل اليد منها

[1]

و تقريب الاستدلال بها انها إذا حملت على النجاسة الذاتية للكافر كما عليه المشهور فهي أجنبية عن محل الكلام و لكن لو فرض تقديم ما دل على الطهارة الذاتية تعين حمل هذه الروايات اما على أصالة النجاسة العرضية في الكافر، أو على التنزه الاستحبابي لاحتمال النجاسة و على كلا التقديرين يتم الاستدلال في المقام.

اما على الأول فلان المتنجس الأول لو لم يكن منجسا لم يكن فرض النجاسة العرضية للكافر يستتبع نجاسة الملاقي.

و اما على الثاني فلان التنزه المذكور معناه عرفا رعاية احتمال السراية من باب الاحتياط للشك في تنجس الكافر دائما فلو لم يكن المتنجس‌

____________

[1] من قبيل معتبرة أبي بصير عن أحدهما (ع) «في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني، قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك» الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 5

202

..........

____________

منجسا لم يكن معنى لهذا التنزه.

و يمكن الجواب على ذلك، بان هذا فرع ان نستظهر كون المحذور الملحوظ لزوميا أو تنزيهيا هو النجاسة بالمعنى المقصود في المقام، و اما إذا احتملنا عرفا ان الأمر بالاجتناب و غسل اليد تنزيه بلحاظ حزازة معنوية فلا ينعقد للأمر بالغسل ظهور في الإرشاد إلى النجاسة كي يدل على المقصود في المقام.

و هناك طائفة من روايات مساورة الكتابي لا يتطرق إليها هذا الإيراد و هي التي أمر فيها الكتابي نفسه بان يغسل يده كمعتبرة إبراهيم بن ابي محمود قال: «قلت للرضا (ع) الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة قال: لا بأس تغسل يديها» (1) و معتبرة العيص قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن مؤاكلة اليهودي و النصراني و المجوسي فقال: إذا كان من طعامك و توضأ فلا بأس» (2).

فإن الظاهر منها خصوصا الاولى التسليم بالسراية و الانفعال مع ان الكتابي ليست عين النجاسة و الا لم يجب غسلها و لا يحتمل ان يكون الأمر بغسلها بلحاظ الحزازة المعنوية لأنها لا ترتفع عن جسم الكافر بالغسل فمثل هذه الروايات تدل على منجسية المتنجس، هذا و لكن يمكن ان يقال ان غاية ما يستفاد منها المفروغية عن ثبوت محذور السراية في فرض عدم غسل الكتابي ليده لكن ما هو هذا المحذور و هل هو منجسيته لكل ما يلاقيه أو لخصوص المائعات و الأطعمة المائعة و التي هي في معرض مساورة الجارية أو المؤاكل المشارك للإنسان في طعامه و شرابه فلا يمكن إثبات الأول من هذين الوجهين بالتمسك بالإطلاق لعدم تصدي الروايات المذكورة‌

____________

(1) الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 11.

(2) الوسائل باب 54 من أبواب النجاسات حديث 1.

203

..........

____________

لإثبات التنجيس ليتمسك بإطلاقها لإثبات التنجيس المطلق و انما يفهم منها ان الجارية أو المؤاكل في معرض التنجيس و ان ذلك هو نكتة أمرهما بغسل اليد و يكفي في صدق هذه المعرضية كون المتنجس منجسا للمائع و الأطعمة المائعة حيث ان خدمة الجارية تستدعي عادة الإتيان بماء الوضوء و نحو ذلك و مؤاكلة الكتابي تستدعي التناول من كل ما على المائدة المشتملة غالبا على بعض المائعات.

و من جملة الروايات رواية حكم بن حكيم عن ابى عبد اللّه (ع)

في حديث كيفية غسل الجنابة قال فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك و ان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك.» (1)

فإن الأمر بالغسل يدل على السراية و قد يتمسك بإطلاق الرواية لإثبات السراية من مطلق المتنجس لان كل متنجس ليس بنظيف و لو كان بالواسطة. و لكن الإنصاف ان هذا الإطلاق غير واضح لان نظيف يقابل القذر و القذر ظاهر فيما كان محلا للقذارة العينية نفسها (2).

و مثلها معتبرة هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «قلت له: اغتسل من الجنابة و غير ذلك في الكنيف الذي يبال فيه و عليّ نعل سندية فاغتسل و عليّ النعل كما هي؟ فقال إن كان الماء الذي يسيل من جسدك يصيب أسفل قدميك فلا تغسل قدميك» (3).

فان ما يدل عليه بالمفهوم من الأمر بغسل القدمين كاشف عن السراية و مقتضى الإطلاق ثبوت السراية حتى مع عدم فعلية نفس البول و ملاقاته فيدل على السراية من المتنجس الأول. اللهم الا ان يقال: ان مثل هاتين الروايتين في مقام البيان من ناحية ان اصابة الماء من خلال غسل الجنابة‌

____________

(1) الوسائل باب 27 من أبواب غسل الجنابة حديث 1

(2) مضافا الى صعفها بالحسين بن الحسن بن أبان.

(3) الوسائل باب 27 من أبواب غسل الجنابة حديث 2

204

..........

____________

هل يكفي في التطهير أو يحتاج الخبث الى غسل مستقل بعد الفراغ عن السراية فلا يمكن التمسك بالإطلاق.

و من جملة الروايات معتبرة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)

انه سأله «عن البيت و الدار لا تصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة أ يصلي فيهما إذا جفا؟ قال نعم» (1).

و تقريب الاستدلال: ان ظاهر الرواية افتراض السائل وجود المحذور في حالة عدم الجفاف و إمضاء الإمام (ع) لذلك و هذا المحذور هو السراية لا السجود على النجس- و الا لم يرتفع بفرض الجفاف بغير الشمس و لناسب السؤال عن الصلاة عليه لا فيه- فيدل على ان الأرض المتنجسة تنجس بدن المصلي في حالة عدم الجفاف. و لكن يمكن ان يقال: ان كلام الامام (عليه السلام) لو كان قد أناط الجواز بالجفاف على نحو يكون له مفهوم دال عدم الجواز مع الرطوبة و فرض شمول الرطوبة للنداوة العرضية و عدم اختصاصها بالرطوبة العينية لتم استدلال بإطلاق المفهوم على ان المتنجس الخالي من عين النجس منجس و لكن الملحوظ ان كلام الامام (ع) ليس له مفهوم و انما حكم بالجواز في فرض سؤال السائل و هو فرض الجفاف و لم يكن بلسان الجملة الشرطية ليكون له مفهوم غاية الأمر أنه يستظهر منه إمضاء الإمام لما يظهر من الراوي من وجود محذور في فرض عدم الجفاف و هذا المحذور المستظهر قابل للحمل على سراية النجاسة الى المصلي من نفس الرطوبات البولية و المائية إذا كانت بنحو لها عينية عرفا.

و من جملة الروايات مرسلة محمد بن إسماعيل عن ابى الحسن (ع)

«في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة أيام الا ان يعلم انه قد نجسه شي‌ء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله و ان كان‌

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 1.