بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
205

..........

____________

الطريق نظيفا لم تغسله» (1).

و فقه الرواية ان الطين يطهر بنزول المطر طهارة واقعية و كلما أصاب الثوب بعد نزول المطر إلى ثلاثة أيام يبنى على طهارته الا ان يعلم بقذارته و اما بعد ذلك فباعتبار معرضيته الشديدة للتنجس يعتبر الأصل هو النجاسة الا ان يعلم نظافته.

و كيفية الاستدلال بها في المقام واضح فإنه أمر بغسل ملاقي الطين بعد ثلاثة أيام و فرضه هو فرض عدم عين النجس عليه و الا لم يكن هناك فرق بين الأيام الثلاثة و ما بعدها و ليس ذلك إلا لأن المتنجس ينجس ملاقيه و الرواية مطلقة تشمل المتنجس الثاني و ما بعده حيث انها تدل على تنجيس الطين و هو متنجس أول على أقل تقدير فيكون فرض تنجس الطين بالمتنجس الأول مشمولا لإطلاق قوله الا ان يعلم انه قد نجسه شي‌ء و هذا يعني ان الطين المتنجس بالمتنجس يكون منجسا.

و لكن الرواية لا يمكن التعويل عليها حتى لو تمت دلالتها لسقوط سندها بالإرسال.

و منها أيضا معتبرة عمار بن موسى قال:

«سئل أبو عبد اللّه (ع) عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه؟ فقال ليس عليها شي‌ء الا ان يصيب شي‌ء من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذي أصابه بعينه» (2).

و الاستدلال بقوله (من مائها- أي دم الحيض- أو غير ذلك من القذر) بناءا على إطلاق عنوان القذر للنجاسات الحكمية و عدم اختصاصه بالقذارة العينية فيدل عندئذ على منجسية كل متنجس يصيب البدن أو الثوب‌

____________

(1) الوسائل باب 75 من أبواب النجاسات حديث 1.

(2) الوسائل باب 28 من أبواب النجاسات حديث 5.

206

..........

____________

و لكن الإطلاق المذكور محل الاشكال لظهور القذر في القذارة العينية خصوصا مع ملاحظة مناسبات العاطف و المعطوف لوضوح ان المقصود من الغير ليس مطلق الغير بل الغير المشترك مع دم الحيض في جامع ملحوظ يعين بالمناسبات المذكورة.

و من قبيل هذه الرواية مرسلة حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (ع)

«في الرجل يصلي في الخف الذي قد اصابه القذر؟ فقال إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس» (1) بناءا على إطلاق القذر للنجاسات الحكمية فيدل على تنجس الخف بالمتنجس غير ان الإطلاق المذكور ليس واضحا مضافا الى عدم إمكان التمسك بالإطلاق في هذه الرواية حتى لو تم في نفسه لعدم كونها في مقام بيان سراية النجاسة من القذر الى الخف ليتمسك بإطلاقها و انما فرغ فيها عن السراية و كان النظر سؤالا و جوابا متجها إلى مانعية وقوع الصلاة مع الخف المفروغ عن نجاسته هذا على ان الرواية ساقطة سندا بالإرسال.

و من جملة الروايات أيضا معتبرة زرارة

التي يستدل بها على الاستصحاب في الأصول قال: «قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني. إلخ» (2) و ذلك تمسكا بإطلاق كلمة الغير في قوله (دم رعاف أو غيره) الشامل لمطلق النجاسات.

و يرد عليه: أولا- ان كلمة الغير معطوف على الرعاف لا على الدم و المقصود دم رعاف أو دم غير الرعاف و ليس المقصود الدم أو غير الدم و لهذا عطف المني على ذلك و لا أقل من احتمال كون الغير معطوفا على هذا النحو فلا يبقى إطلاق.

____________

(1) الوسائل باب 31 من أبواب النجاسات حديث 2.

(2) الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 1.

207

..........

____________

و ثانيا: ان مناسبات العاطف و المعطوف تمنع عن فعلية الإطلاق المذكور كما تقدم.

و ثالثا: ان الرواية ليست مسوقة لبيان السراية و حدودها و انما فرغ عن ذلك و كان النظر الى حدود المانعية.

و منها: معتبرة محمد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر (ع) عن آنية أهل الذمة و المجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في انيتهم التي يشربون فيها الخمر» (1) و في هذه الرواية ثلاثة من النواهي فقد يستدل بالنهي الأول بدعوى حمله على محذور حرمة أكل النجس و إطلاقه لفرض كون المأكول جامدا فان ذلك يدل حينئذ على ان الآنية منجسة للجامد و لا موجب لذلك الا تنجيس المتنجس و قد يستدل بالنهي الأخير بنفس التقريب.

و مثل هذه الرواية أو أحسن منها معتبرة اخرى لمحمد بن مسلم

عن أحدهما (ع) قال: «سألته عن آنية أهل الكتاب فقال لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» (2) فإنها واضحة في النظر الى محذور النجاسة و ان النهي قد صدر بهذا الملاك لا بلحاظ حزازات معنوية فإطلاق هذا النهي لفرض كون الطعام جامدا يكشف عن كون الآنية المتنجسة تنجس الجامد و لا فرق في ذلك بين ان يحمل النهي على كونه واقعيا أو يحمل- كما هو الظاهر- على النهي الظاهري أو التنزيهي بلحاظ معرضية أوانيهم للخمر و الدم و الميتة إذ لو لا تنجيس المتنجس لم يكن لهذه المعرضية أثر غير ان المتيقن من الدلالة المذكورة هو تنجيس المتنجس الأول و لا إطلاق فيها للمتنجس الثاني و ما بعده لأن قوله مثلا‌

____________

(1) الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 1.

(2) الوسائل باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 6.

208

..........

____________

(إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير) سواءا أريد به فعلية وقوع ذلك أو كونه في معرض الوقوع ناظر الى تنجس الإناء بالنجاسات العينية و لا يشمل حالة ملاقاة الإناء للمتنجس الجامد الخالي من عين النجاسة‌

و من جملة الروايات معتبرة علي بن جعفر

إذ «سأل أخاه (ع) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام قال: إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام الا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل» (1) و توضيح الحال في تقريب الاستدلال إثباتا و نفيا انا إذا بنينا على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية في المقام حيث لم يفرض فيها ملاقاة النصراني للحوض نفسه و انما القدر المتيقن هو ملاقاته للماء الذي يستعمل من الحوض فلعل الأمر بغسل الحوض باعتبار تنجس الماء بملاقاة النصراني النجس بحسب الفرض و تنجيس الماء للحوض أيضا ثم تنجس الماء الذي يريد المسلم الاغتسال منه بالحوض المتنجس حيث افترضنا انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس فلا يستكشف من أمر الإمام (ع) بغسل الحوض انه لدفع محذور منجسية نفس الحوض لبدن المسلم لكي يثبت تنجيس الجامد المتنجس للجامد.

و إذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب ذاتا و أنكرنا انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس أمكن الاستدلال بالرواية على منجسية الجامد المتنجس للجامد إذ لا يبقى وجه لأمر الإمام (ع) بغسل الحوض- الذي هو متنجس- الا انه قد يلاقي بدن المسلم و ينجسه فيثبت ان المتنجس بعين النجس أو بالمائع المتنجس منجس و لا يشمل ذلك المتنجس الثاني.

و إذا بنينا على عدم نجاسة الكتابي ذاتا و قلنا بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس كما هو الصحيح فيتعين حمل الأمر بغسل الحوض في المقام‌

____________

(1) الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 9.

209

..........

____________

على ضرب من التنزه و الاستحباب لان الكافر حتى لو فرضت نجاسته العرضية لا موجب لتنجس الحوض به إذ لم يفرض في الرواية ملاقاته لحيطان الحوض مباشرة و ماء الحوض لا ينفعل بملاقاة الكافر بحسب الفرض فلا موجب أيضا لتنجيسه لنفس الحوض.

و من جملة الروايات رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال:

«سألته عن أكسية المرعزى و الخفاف تنقع في البول أ يصلي عليها قال: إذا غسلت بالماء فلا بأس» (1).

فإنها تدل على البأس في فرض عدم الغسل و مقتضى إطلاقها ثبوت البأس في فرض الجفاف أيضا و ليس هذا البأس بلحاظ السجود إذ لا يجوز السجود على الكساء على كل حال و لا بلحاظ اعتبار طهارة موقف المصلى لما دل على عدم اعتبار ذلك فيثبت ان البأس بلحاظ السراية و لو سلم هذا فهو غير مفيد لأن الرواية ضعيفة سندا بعبد اللّه بن الحسن.

هذه تمام الروايات التي يمكن الاستناد إليها في إثبات تنجيس المتنجس لم نترك منها الا ما ذكرنا أختها التي تشترك معها في نكته الاستدلال و الدلالة.

و اتضح من مجموع ذلك ان بالإمكان الحصول على دليل في بعض تلك الروايات على تنجيس المتنجس الأول الجامد للجامد و لا أقل من موثقة عمار الواردة في الصلاة على الموضع القذر و معتبرتي محمد بن مسلم الواردتين في النهي عن الأكل في آنية أهل الكتاب التي يأكلون فيها الميتة و الدم و الخمر.

و يبقى البحث عن التنجيس في حالات اخرى على ضوء ما تقدم من الروايات.

____________

(1) الوسائل باب 71 من أبواب النجاسات حديث 2.

210

الحالة الاولى: ان المائع المتنجس بالمتنجس هل ينجس بعد الفراغ عن منجسية المائع المتنجس بعين النجس

____________

على ما تقدم في صدر المسألة.

و حاصل الكلام في ذلك ان الدليل اللفظي على منجسيته ينحصر في أحد طريقين:

الأول: الاستدلال بروايات بل القصب بالماء القذر بناء على دعوى ان عنوان الماء القذر يصدق على مطلق المائع المتنجس و قد عرفت الاشكال فيها و ان القذارة عرفا ظاهرة في القذارة العينية و تعميمها للنجاسة الحكمية يحتاج إلى عناية.

الثاني: التمسك برواية علي بن جعفر المتقدمة الواردة في الاغتسال مع النصراني في الحمام بناء على أحد تقديراتها السابقة و هو ما إذا بنينا على نجاسة النصراني عرضا لا ذاتا و على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس حيث يكون الماء في الحوض متنجسا بالمتنجس- و هو بدن الكتابي- و المفروض انه نجس الحوض و هذا الطريق غير كامل لما تقدم.

فينحصر إثبات المنجسية بعد عدم تمامية هذين الطريقين في الرجوع الى الإجماعات المنقولة و الشهرات المستفيضة الواردة في ان المائع المتنجس منجس الأمر الذي يوجب الحكم بمنجسية المائع المتنجس بالمتنجس و لو على مستوى الاحتياط الوجوبي.

الحالة الثانية: ان المتنجس الأول بالمائع المتنجس بعين النجس هل يكون منجسا كالمتنجس الأول بعين النجس أم لا

قد يستدل على التنجيس بروايات بل قصب البارية بماء قذر بناء على ان المحذور الملحوظ هو السراية‌

211

..........

____________

و برواية معلى بن خنيس (1) في الخنزير الذي يخرج من الماء فيسيل منه الماء على الطريق فيمر عليه حافيا فإن الأرض المفروضة فيها متنجس أول بالماء المتنجس بعين النجس فلو ثبت بالرواية كون الأرض منجسة كانت من أدلة المقام لكنها ساقطة سندا (2). و قد يستدل بمعتبرة عمار السابقة الواردة في الموضع القذر بالبول و غيره بدعوى شمول الغير لغسالة الجنب لأن العادة كانت جارية على اتخاذ مثل ذلك المكان مغتسلا أيضا و قد عطفت الغسالة على البول في بعض الروايات (3) و غسالة الجنب ماء متنجس و الأرض متنجسة بها و قد حكم بأنها منجسة. و كذلك معتبرة علي بن جعفر المتقدمة في الاغتسال مع النصراني في الحمام على بعض التقادير كما إذا بني على نجاسة الكتابي ذاتا و على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس حيث ينحصر وجه الأمر بغسل الحوض في تنجسه بملاقاة الماء الملاقي للكافر النجس.

الحالة الثالثة: انه إذا قيل بالتنجيس في الحالة الاولى و ان المائع المتنجس بالمتنجس ينجس فهل ان المتنجس المباشر بهذا المائع منجس أيضا أم لا

و الصحيح ان إثبات منجسيته موقوف على أحد أمرين اما الإطلاق في عنوان ماء قذر الوارد في روايات البارية أو التمسك بمعتبرة‌

____________

(1) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 3.

(2) باعتبار عدم ثبوت وثاقة المعلى بن خنيس.

(3) من قبيل رواية عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي عبد اللّه (ع):

اغتسل في مغتسل يبال فيه و يغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض فقال: لا بأس» الوسائل باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 7.

212

..........

____________

علي بن جعفر الواردة في الاغتسال مع الكتابي في الحمام و كلا الطريقين غير ثابتين.

الحالة الرابعة: انه بعد الفراغ عن ان المتنجس الأول الجامد ينجس نتكلم عن الجامد الذي تنجس به و انه هل يكون منجسا لملاقيه أم لا؟

و الصحيح انه لا دليل على كونه منجسا لان جميع الروايات التي أثبتت بها تنجيس المتنجس الأول لا إطلاق فيها للمتنجس الثاني كما تقدمت الإشارة الى ذلك لدى التعرض لها [1].

و قد يتوهم التعامل مع قضية تنجيس المتنجس المستفادة من الروايات المذكورة كما يتعامل مع قضية حجية الخبر فكما ان هذه القضية تثبت بشمولها للخبر الواصل إلينا فردا جديدا من موضوعها و هو الخبر المنقول به فتشمله الحجية و هكذا. كذلك قضية تنجيس المتنجس تحقق بتطبيقها على ملاقي المتنجس الأول فردا جديدا من موضوعها متمثلا في هذا الملاقي فتشمله القضية نفسها و هكذا.

و هذا التوهم واضح البطلان لأن الإشكال ليس ثبوتيا ليقال بإمكان تصويره بالقضية الحقيقية التي يكون لها تطبيقان طولية و انما هو إثباتي بمعنى ان الروايات السابقة لا يستفاد منها كون طبيعي المتنجس منجسا بل المتيقن من مواردها كون المتنجس بعين النجس منجسا و هذا المعنى يجعل من ملاقي المتنجس المذكور متنجسا لا متنجسا بعين النجس ليدخل في نطاق القدر المتيقن.

و لا يبقى بعد ذلك الا دعوى كون تنجيس طبيعي المتنجس لما يلاقيه‌

____________

[1] لان ما تم سندا و دلالة على تنجيس المتنجس الأول لا إطلاق فيها للمتنجس الثاني و هي معتبرة عمار و معتبرتا محمد بن مسلم المتقدمتان و ما تم دلالة على تنجيس المتنجس الأول و الثاني لم يتم سندا كمرسلة محمد ابن إسماعيل.

213

..........

____________

معقد الإجماع قطعي تعبدي و هي مدفوعة بعدم ثبوت مثل هذا الإجماع في المتقدمين من علمائنا بعد وضوح عدم تعرض كثير من كلماتهم لتنجيس المتنجس و ورود بعض الكلمات الدالة ظهورا أو صراحة على ما ينافي كلية تنجيس المتنجس من قبيل كلمات الشيخ الطوسي في المبسوط و ابن إدريس في السرائر.

فقد قال الشيخ في الخلاف في أحكام ماء الغسالة (إذا أصاب الثوب نجاسة فغسل بالماء فانفصل الماء عن المحل و أصاب الثوب أو البدن فإنه ان كانت من الغسلة الأولى فإنه نجس و يجب غسل الموضع الذي اصابه و ان كانت من الغسلة الثانية لا يجب غسله. دليلنا على القسم الأول انه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه فوجب ان يحكم بنجاسته. و الذي يدل على القسم الثاني ان الماء على أصل الطهارة و نجاسته تحتاج الى دليل.) (1) و مراده بالغسلة الأولى ما لاقى عين النجاسة بقرينة قوله في مقام تعليل نجاستها (معلوم حصول النجاسة فيه) و مراده بالغسلة الثانية ما لم يلاق عين النجس و قد علل طهارته بعدم الدليل على النجاسة فلو كانت قاعدة تنجيس المتنجس ثابتة بنحو كلي لكانت هي الدليل.

و قال ابن إدريس في السرائر في باب غسل الأموات (و كذلك إذا لاقى جسد الميت من قبل غسله إناء ثم أفرغ في ذلك الإناء قبل غسله مائع فإنه لا ينجس ذلك المائع و ان كان الإناء يجب غسله لأنه لاقى جسد الميت و ليس كذلك المائع الذي حصل فيه لأنه لم يلاق جسد الميت و حمله على ذلك قياس و تجاوز في الأحكام بغير دليل و الأصل في الأشياء الطهارة الى ان يقوم دليل قاطع للعذر و ان كنا متعبدين بغسل ما لاقى جسد الميت‌

____________

(1) الخلاف المجلد الأول ص 48- 49 مسألة 135.

214

..........

____________

لأن هذه نجاسات حكميات و ليست عينيات. إلخ) (1).

و هذا الكلام واضح في ان النجس الحكمي ليس منجسا و بيان ابن إدريس لذلك باللحن الذي صدر منه مع عدم الإشارة الى اي خلاف في المسألة لا يلائم إطلاقا كون تنجيس المتنجس امرا مركوزا و معتدا للاتفاق من سلفه من الفقهاء و إذا لوحظ اضافة الى ذلك ان جملة من الفقهاء المتقدمين تعرضوا في أحكام النجاسات لكيفية التنجيس و أنحائه و اقتصروا على بيان التنجيس الحاصل من ملاقاة عين النجس و لم يشيروا الى ما سوى ذلك لم يعد بالإمكان دعوى الجزم بالإجماع من قبل فقهائنا المتقدمين على تنجيس المتنجس كيف و أصل السراية الحكمية و تنجس المتنجس ليس محلا للإجماع فضلا عن تنجيسه حيث ذهب السيد المرتضى إلى كفاية المسح و الإزالة لعين النجس و محل الكلام في المقام انما هو المتنجس الخالي من عين النجس بمسح و نحوه فهذا اذن يعتبر طاهرا في نظر السيد المرتضى على ما توحي به طريقة استدلاله على حصول التطهير بالمضاف فاذا لم تكن نجاسته الحكمية معقدا للإجماع فكيف يكون تنجيسه كذلك.

هذا كله في تحقيق حال أدلة التنجيس و مقدار اقتضائها.

و يقع الكلام بعد ذلك في الروايات التي قد يدعى دلالتها على عدم التنجيس

و هي عديدة.

منها معتبرة حكم بن حكيم

«انه سأل أبا عبد اللّه (ع) فقال له:

أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدعى شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط و بالتراب ثم تعرق يدي فأمسح (فأمس) به وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي: قال لا بأس به» (2).

____________

(1) السرائر ص 31.

(2) الوسائل باب 6 من أبواب النجاسات حديث 1.

215

..........

____________

و تقريب الاستدلال بها انها قد فرضت اليد متنجسة بالبول و حكمت بعد ذلك على ملاقيها بالطهارة و هذا يقتضي عدم تنجيس المتنجس سواء استظهر اختصاص السؤال بفرض كون العرق في نفس محل اصابة البول لليد أو لا اما على الأول فواضح و اما على الثاني فللتمسك بإطلاق الجواب لفرض ما إذا علم بذلك و بهذا يظهر انه لا موجب للمناقشة في دلالة الرواية بأنه لم يفرض في الرواية كون العرق و البول في محل واحد من اليد فيكون الحكم فيها بطهارة الملاقي من جهة القاعدة إذ يكفي فرض وجود الإطلاق في الرواية لصورة العلم بوحدة محل العرق و البول كما لا موجب للمناقشة في دلالة الرواية بإمكان نظرها الى مطهرية المسح لوضوح ظهور السؤال في ان النظر ليس الى ذلك بل إلى السراية و الا لما كان هناك موجب لافتراض ملاقاة اليد للثوب أو الوجه مثلا مع ان حكم اليد بنفسه محل الابتلاء فدلالة الرواية في نفسها لا بأس بها و لكنها بالإطلاق أو بما يشبهه فتكون قابلة للتقييد بلحاظ أدلة تنجيس المتنجس الأول فتحمل في مقام الجمع على صورة الشك في وحدة محل العرق و البول.

و منها ما رواه الشيخ «(قدس سره)» في التهذيب و الاستبصار بسنده الى علي بن مهزيار قال

كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل و أنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه اصابه و لم يره و انه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله و تمسح بدهن فمسح به كفيه و وجهه و رأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى فأجابه بجواب قرأته بخطه:

أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشي‌ء إلا ما تحقق فان حققت ذلك كبب حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن فمن وقتها و ما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت و إذا كان‌

216

..........

____________

جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لأن الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك ان شاء اللّه» (1).

و فقه الرواية ان الامام (ع) اعطى حكمين كليين أحدهما ان من صلى مع الحدث الأكبر أو الأصغر و بعد ذلك التفت يجب عليه إعادة الصلاة في الوقت و قضاؤها في خارجه و الثاني أن من صلى مع الخبث ثم التفت بعد ذلك فلا يقضي إذا التفت بعد خروج الوقت و لكن يعيد إذا التفت في الوقت و هذا الحكم و ان كان مطلقا يشمل صورتي الجهل و النسيان و لكن يقيد بإخراج صورة الجهل منه بقرينة ما دل على عدم وجوب الإعادة على الجاهل [1] فيختص الحكم الثاني في الرواية بالنسيان كما هو مورد سؤال الراوي. ثم انه (ع) حكم بان سليمان داخل تحت الحكم الثاني دون الأول لأنه قد صلى مع الوضوء فالعيب في صلاته ليس الحدث بل الخبث فيشمله الحكم الثاني.

هذا فقه الرواية و اما كيفية الاستدلال بها في المقام فتوضيحها انه إذا بنينا على اشتراط طهارة الأعضاء في صحة الوضوء كما يشترط طهارة ماء الوضوء فهذه الرواية تكون مجملة لا بد من ردّ علمها إلى أهلها لأن وضوء السائل المفروض في موردها باطل على هذا التقدير فيدخل تحت الحكم الأول لا الثاني.

____________

[1] من قبيل معتبرة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم، قال: ان كان قد علم انه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل ان يصلي فيه و لم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى و ان كان لم يعلم به فليس عليه إعادة.»

الوسائل باب 40 من أبواب النجاسات حديث 3.

____________

(1) الوسائل باب 42 من أبواب النجاسات حديث 1.

217

..........

____________

و اما إذا بنينا على عدم اشتراط طهارة أعضاء الوضوء في صحته كانت الرواية واضحة في مدلولها و ينفتح مجال للاستدلال بها على عدم تنجيس المتنجس و يتحصل من كلمات السيد الأستاذ في المقام تقريبان للاستدلال بالرواية (1):

التقريب الأول: انه لو كان المتنجس ينجس تنجس الماء بالملاقاة للعضو المتنجس حال الوضوء فيبطل الوضوء و يندرج السائل تحت الحكم الأول و هذا بخلاف ما إذا لم يكن الموضع المتنجس منجسا إذ يصح الوضوء حينئذ لبقاء الماء على طهارته غاية الأمر ان العضو نجس فيندرج تحت الحكم الثاني كما هو صريح الرواية.

و هذا التقريب لا يجدي في المقام لأن غايته ان المتنجس لا ينجس الماء فتكون الرواية من أدلة عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس و تلك مسألة غير ما نبحث عنه من تنجيس المتنجس للجامد و لا ملازمته بين المسألتين بحسب المدارك و المباني فلا تكون الرواية دليلا على عدم تنجيس المتنجس للجامد.

التقريب الثاني: ان الرواية تفرق بين ما صلاه بذلك الوضوء و ما صلاه بوضوء آخر فيعيد في الأول دون الثاني و هذا لا يمكن توجيهه الا على القول بعدم تنجيس المتنجس لأنه لو قيل بالتنجيس فأعضاء الوضوء متنجسة بالملاقاة مع الكف المتنجسة بالبول و عليه تجب الإعادة حتى للصلاة التي صلاها بوضوء آخر لوقوعها مع النجاسة الخبثية لأن الكف إذا افترضنا طهارتها بعد الوضوء الثاني لتعدد الغسل بالنسبة إليها مثلا فما ذا نفترض بالنسبة إلى سائر الأعضاء التي تنجست و لا تزال باقية على النجاسة بعد الوضوء الثاني أيضا فعدم وجوب اعادة ما صلاه بوضوء آخر دال على عدم‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 291- 294.

218

..........

____________

تنجيس المتنجس.

و هذا التقريب غير تام فاننا نستطيع أن نجري مع هذا التصور و مع ذلك نوجه الرواية بدون الالتزام بعدم تنجيس المتنجس و ذلك باعتبار ان سائر أعضاء الوضوء و ان افترضنا تنجسها و بقائها على النجاسة حتى بعد الوضوء الثاني و لكن مع هذا لا تجب إعادة الصلاة على المكلف لان هذه النجاسة مجهولة و ليست منسية كما في نجاسة الكف فإن ملاقي النجس المنسي نجس مجهول لا منسي و لا تجب الإعادة حينئذ للتفصيل بين الجاهل و الناس كما تقدمت الإشارة اليه و عليه فالتفصيل بين ما اتى به المكلف مع الوضوء الأول و ما اتى به مع وضوء مجدد في محله فإن الصلاة في الحالة الأولى تقع مع نجاسة الكف المنسية فتجب الإعادة بينما الصلاة في الحالة الثانية و التي تطهر فيها الكف بحسب الفرض تضع مع نجاسة سائر الأعضاء المجهولة فلا تجب إعادتها كما هو المقرر في محله.

و اما سند الرواية فقد اعترض عليه السيد الأستاذ بالإضمار و حيث ان الإضمار ليس من علي بن مهزيار و أمثاله من الكبار بل من سليمان بن رشيد الذي لا يأبى شأنه و حاله عن الرواية عن غير الامام فلا طريق إلى إثبات ان المكاتبة كانت مع الامام و مجرد اعتقاد علي بن مهزيار بذلك ليس حجة (1).

و يرد عليه أولا ان علي بن مهزيار- بعد الاعتراف بأنه كان يعتقد بأن المكاتبة مع الامام- يكون قوله (و قد قرأته بخطه) شهادة بأنه رأي خط الامام (ع) و تجري فيها أصالة الحس فتكون حجة و احتمال ان يكون الضمير في كلمة (بخطه) راجعا الى سليمان بن رشيد خلاف الظاهر‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 294.

219

..........

____________

جدا إذ لا أثر للتأكيد على كونه قد رآه بخط سليمان مع ان سياق التعبير ظاهر في ان التأكيد المذكور لأجل نكتة. و لو لا هذه الشهادة من علي ابن مهزيار بأن المكاتبة بخط الامام لكانت الرواية ساقطة سندا بقطع النظر عن إضمارها من قبل سليمان بن رشيد لان سليمان هذا لم يثبت توثيقه.

و ثانيا: ان ما ذكره من التفصيل في إضمار رواة الشيعة غير تام لأن الإضمار من قبلهم عموما غير مضر لان العهد النوعي يعين مرجع الضمير حينئذ في الإمام (عليه السلام) لأن الإتيان بالضمير المساوق للتعيين و الذي لا يستغني عن ذكر مرجعه إثباتا ظاهر عرفا في رجوعه الى مرجع هناك دال عليه في مقام التخاطب و مع الإطلاق و عدم التنصيص لا يوجد ما يصلح ان يكون دالا على المرجع سوى العهد النوعي و معهودية كون الامام هو المرجع في الأحكام و الحاصل ان فرض عدم المرجع رأسا في مقام الإثبات خلاف طبع الضمير عرفا و فرض مرجع غير الامام متعذر لعدم وجود دال إثباتي عليه بخلاف فرض مرجعية الامام و احتمال وجود دال على مرجعية غير الامام و قد حذفه الناقل للرواية عن الراوي مدفوع بأصالة الأمانة في الناقل الثقة و عدم حذف ما له دخل في المقصود.

و من جملة الروايات معتبرة العيص بن القاسم قال:

(سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه قال يغسل ذكره و فخذيه قال: و سألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصابه ثوبه يغسل ثوبه؟ قال: لا» (1).

و الفقرة الأولى ظاهرة في تنجيس المتنجس للأمر بغسل فخذه و الفقرة الثانية هي موضع الاستدلال لظهورها في عدم سراية النجاسة الى الثوب‌

____________

(1) صدر الرواية في الوسائل باب 31 من أبواب أحكام الخلوة و ذيلها في باب 6 من أبواب النجاسات حديث 2.

220

..........

____________

و من هنا قد يدعي التعارض بين الفقرتين.

و تفصيل الكلام ان السؤال الوارد في الفقرة الثانية يحتمل فيه بدوا ثلاثة احتمالات:

الأول- ان يكون المقصود يمسح ذكره بيده مسحه للاستنجاء من البول و إزالته نظير مسحه بالحجر الوارد في الفقرة الأولى و على أساس هذا الاحتمال يترتب أمران أحدهما تمامية الاستدلال بهذه الفقرة على عدم تنجيس المتنجس و الآخر وقوع التعارض بين الفقرتين.

الثاني- و هو الاحتمال الذي أبداه السيد الأستاذ- (دام ظله)- في مقام مناقشة الاستدلال بها (1)- ان يكون المقصود من المسح بيده مجرد المماسة للذكر لا المسح الاستنجائي المزيل للبول و يكون الداعي إلى السؤال احتمال ان تكون مماسة اليد للذكر توجب نجاستها نظير مما توهمه بعض العامة من ان مس الذكر يوجب انتقاض الطهارة الحدثية و يترتب على هذا الاحتمال أمران أحدهما أن الفقرة الثانية لا دخل لها بمسألة تنجيس المتنجس و الآخر انه لا تعارض بين الفقرتين.

الثالث- ان يكون السؤال في الفقرة الثانية متفرعا على السؤال في الفقرة الأولى بمعنى انه بعد ان مسح ذكره بحجر و عرق ذكره مسحه بيده ثم لاقت يده و هي مرطوبة ثوبه و يترتب على هذا الاحتمال أمران أحدهما أن الفقرة الثانية تكون دليلا على ان المتنجس الثاني لا ينجس لان اليد بموجب هذا الاحتمال لاقت الذكر بعد ازالة البول عنه بالحجر فهي من المتنجس الثاني و لا يتنجس بها الثوب و الآخر انه لا تعارض بين الفقرتين لأن الأولى تدل على تنجيس المتنجس الأول و الثانية تدل على عدم تنجيس المتنجس الثاني.

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 288.

221

..........

____________

و المتعين من هذه الاحتمالات الأول لأن الأخيرين مخالفان للظهور.

اما نكتة مخالفة الاحتمال الثاني للظهور فلأن الملحوظ للسائل من السؤال في الفقرة الثانية لو كان هو الاستفهام عن تنجس اليد بمماسة الذكر تعبدا لما كان هناك معنى لافتراض ملاقاة اليد للثوب و صياغة السؤال بلسان هل يغسل ثوبه فإن السؤال عن نجاسة شي‌ء بافتراض ملاق له و الاستفهام عن حكم الملاقي إنما يسوغ عرفا فيما إذا كان ذلك الشي‌ء المراد الاستفهام عن نجاسته ليس من البدن و الثياب و نحوهما مما تكون طهارته و نجاسته متعلقا للتكليف مباشرة من قبيل ما إذا أريد السؤال عن نجاسة الكلب أو الثعلب أو الهرة فإنه يحسن حينئذ ان يفرض اصابة الثوب له و صياغة السؤال عن نجاسة تلك الحيوانات بلسان انه هل يغسل ثوبه أو لا لان نجاستها ليست متعلقا للتكليف مباشرة و اما إذا كان محط السؤال عن النجاسة نفس البدن كيد الإنسان مثلا فلا معنى عرفا لافتراض ملاقاة اليد للثوب و السؤال عن نجاسة اليد بلسان انه هل يغسل الثوب الملاقي لها أولا بعد ان كان غسل نفس اليد و تطهيرها واجبا مباشرا على تقدير نجاستها و عليه فحيث فرض السائل في المقام اصابة اليد للثوب و سأل عن غسل الثوب مع ان اليد بنفسها مطلوبة الطهارة دل ذلك على ان الملحوظ في السؤال ليس استعلام حال اليد بل حال الثوب بعد الفراغ عن نجاسة اليد فلا معنى لحمل السؤال على الاحتمال الثاني.

و اما الاحتمال الثالث فهو خلاف الظاهر لظهور السؤال الثاني في كونه سؤالا مستقلا لا تفرعا على الفرضية المذكورة في السؤال الأول فإن هذا التفريع مئونة زائدة و مع عدم نصب قرينة عليه يكون الظاهر استقلالية السؤال الثاني عن الأول و عليه فتتم دلالة الفقرة الثانية على عدم التنجيس و تكون معارضة بالفقرة الأولى على حد معارضتها بسائر روايات التنجيس‌

222

..........

____________

لان كلا من الفقرتين تمثل كلاما مستقلا نسبته الى الآخر نسبة المنفصل.

و من الروايات رواية حفص الأعور قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (ع) الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل عليه الخل قال: نعم» (1) فالدن متنجس و قد حكم بأنه لا ينجس الخل و قد ناقش السيد الأستاذ- (دام ظله)- في الدلالة تارة بإجمال الرواية لاحتمال نظرها الى عدم نجاسة الخمر و اخرى بأنها مطلقة من حيث غسل الدن قبل وضع الخل و عدمه و الاستدلال انما هو بلحاظ هذا الإطلاق لفرض عدم الغسل مع انه مقيد بالروايات الدالة على تنجيس المتنجس بما فيها معتبرة عمار الواردة في دن الخمر قال:

«سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كافح أو زيتون قال إذا غسل فلا بأس.» (2) و مع تقييده بالغسل لا يمكن الاستدلال برواية حفص الأعور على عدم تنجيس المتنجس (3).

و يرد على المناقشة الأولى ان هذا الإجمال يرتفع بضم دليل نجاسة الخمر إلى الرواية فالرواية تدل على الجامع بين طهارة الخمر و عدم تنجيس المتنجس و دليل نجاسة الخمر ينفي الفرد الأول فيتعين الثاني.

و يرد على المناقشة الثانية بان ذلك ليس تقييدا بل هو إلغاء للعنوان الذي أخذه الراوي حيث سأل عن مسوغية التجفيف لوضع الخل في دن الخمر و تقييده بالغسل معناه إلغاء دخل التجفيف رأسا إذ مع الغسل لا محصل للتجفيف و بدونه لا يكفي التجفيف و هو معنى الإلغاء و ليس هذا من التقييد العرفي اللهم الا ان يلتزم بان التجفيف لازم في الدن و لا يكفي الغسل لأن الخمر ينفذ فيه و يتسرب الى أعماقه فلا بد من التجفيف و الغسل معا و لكن‌

____________

(1) الوسائل باب 51 من أبواب النجاسات حديث 2.

(2) الوسائل باب 51 من أبواب النجاسات حديث 1.

(3) التنقيح الجزء الثاني ص 290- 291.

223

..........

____________

التقييد حينئذ معناه ان مراد الامام كان بيان نفى البأس في صورة اجتماع التجفيف و الغسل معا فقد يبعد ذلك بان يقال ان هذه الصورة ليست منشأ للإشكال عادة عند السائل و انما حيثية سؤاله هي ان التجفيف يكفي أو لا بد من الغسل فالجواب ب‍ (نعم) مساوق للإفتاء بالكفاية و لا يقبل التقييد بالغسل و على أي حال فلا تعويل على الرواية حتى لو تمت دلالتها لضعف سندها (1).

و منها معتبرة حنان بن سدير قال:

«سمعت رجلا سأل أبا عبد اللّه (ع) فقال اني ربما بلت فلا اقدر على الماء و يشتد ذلك عليّ فقال إذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك» (2) و تقريب الاستدلال بها ان المشكلة الملحوظة للسائل هي خروج البلل المشتبه المحكوم عليه بكونه بولا و نجسا حيث لم يفرض الاستبراء و من الواضح ان الطريقة التي اقترحها الامام (عليه السلام) لا يمكن ان تدفع المشكلة من ناحية النجاسة إلا إذا قيل بعدم تنجيس المتنجس إذ لو لا ذلك لكان وضع ماء الريق على الذكر المتنجس موجبا لاتساع النجاسة و سرايتها فتدل الرواية على عدم تنجيس المتنجس.

و قد يقال ان المشكلة الملحوظة للسائل ليست هي ما ذكر بل هي مشكلة محفوظة حتى مع فرض الاستبراء و حاصلها الابتلاء بخروج الحبائل و حيث ان الموضع متنجس فبخروجها تتنجس و توجب سراية النجاسة و على هذا تكون الرواية مبنية على تنجيس المتنجس و يقرب هذا الافتراض الثاني في تفسير الرواية بأمرين أحدهما ان المشكلة لو كانت بلحاظ الرطوبة المشتبهة لكان المناسب بالإمام (ع) تعليم الاستبراء بدلا عن تلك الطريقة‌

____________

(1) باعتبار ان حفص الأعور لم تثبت وثاقته.

(2) الوسائل باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 7.

224

..........

____________

الغريبة و الآخر ان ظاهر قول السائل فلا اقدر على الماء دخل عدم وجدان الماء في المشكلة و لا يتم ذلك الا على الافتراض الثاني في تفسيرها.

و يمكن دفع الأمر الأول بأن عدول الامام (ع) عن تعليم الاستبراء إلى الطريقة الأخرى لعله باعتبار شمول فائدتها حتى لحالة من يعلم بان ما يخرج منه بول كما فيمن هو مبتلى بتقاطر البول أحيانا و يمكن دفع الأمر الثاني بأن دخل عدم وجدان الماء لعله من أجل ان التطهير بالماء يؤدي نفس المهمة التي يتوسل بماء الريق لأدائها و على اي حال فان كان في ذلك شي‌ء من التقريب للافتراض الثاني للمشكلة ففي مقابله قوة ظهور كلام الإمام في كون ماء الريق يوضع على نفس مخرج البول من الذكر فإنما يلائم الافتراض الأول للمشكلة و اما الافتراض الثاني لها فيستدعي ان لا يوضع ماء الريق الا على الموضع الطاهر من الذكر لا على مخرج البول مع ان التقييد بذلك خلاف ظاهر الرواية جدا و لا يؤدي الغرض غالبا إذ الغالب في الحبائل ان يحس بها في نفس الموضع المتنجس.

و منها رواية سماعة قال:

قلت لأبي الحسن موسى (ع) اني أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجي‌ء مني البلل ما يفسد سراويلي قال: ليس به بأس» (1).

و تقريب الاستدلال ان المتنجس لو كان منجسا لكان في مجموع البلل بأس لأن البلل المذكور يوجب حينئذ سراية النجاسة في الموضع المتنجس بخلاف ما لو قيل بعدم تنجيس المتنجس و حملت الرواية على ما بعد الاستبراء اما بمقيد منفصل [1] إذا فرض إطلاقها كما في الاستبصار‌

____________

[1] من قبيل معتبرة حفص بن البختري عن ابي عبد اللّه (ع) «في الرجل يبول قال: ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ السوق فلا

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.

225

..........

____________

و بعض نسخ التهذيب أو بمقيد متصل كما ورد ذلك في الصيغة المنقولة في بعض نسخ التهذيب الأخرى [1].

و قد يعترض على ذلك بعدة وجوه:

الأول: إبراز احتمال ان يكون نظر السائل إلى جهة الحدث و ناقضية البلل الخارج للوضوء و فيه انه لو كان النظر الى ذلك لم تكن حاجة لما افترضه الراوي من التمسح بالحجر فان ظاهره دخل ذلك في منظورة و دخله انما يكون بلحاظ الخبث لا الحدث.

الثاني: إبراز احتمال ان يكون نفي البأس بلحاظ الحكم بطهارة موضع البول بالمسح فيكون أجنبيا عن محل الكلام و الغريب ان السيد الأستاذ ذكر هذه الرواية هنا (1) فناقش بإبداء احتمال كونها ناظرة إلى مطهرية المسح و ذكرها في مسائل الاستنجاء (2) دليلا على مطهرية المسح و ناقش في ذلك بإبداء احتمال كونها ناظرة الى عدم تنجيس المتنجس مع انه على فرض الإجمال و تساوى الاحتمالين تقع الرواية طرفا للمعارضة مع المجموع المركب مما دل على تنجيس المتنجس و عدم كفاية المسح في تطهير موضع البول و لا بد من إدخالها في الحساب في مقام علاج التعارض و لكن التحقيق ان حملها على مطهرية المسح خلاف الظاهر لأن السائل لو كان نظره إلى السؤال عن مطهرية المسح لم يكن هناك وجه عرفي لافتراض خروج البلل‌

____________

يبالي» الوسائل باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.

[1] فقدت وردت فيها هكذا «إني أبول ثم امسح بالأحجار فيجي‌ء مني البلل ما يفسد سراويلي بعد استبرائي، قال: ليس به بأس» راجع التهذيب الجزء الأول حديث 150.

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 286- 288.

(2) التنقيح الجزء الثالث ص 388.

226

..........

____________

بمقدار يفسد سراويله بل مجرد افتراض انه بال و تمسح بحجر يكفى لإبراز ما يراد الاستعلام عنه حيث ان طهارة موضع البول بالمسح و عدمها داخل في محل الابتلاء مباشرة فلا معنى للسؤال عن مطهرية المسح لشي‌ء من بدنه بلسان انه لو وقعت عليه رطوبة فهل ينجس أو لا فهذا اللسان ظاهر في ان الحيثية المستعلم عنها لا يتم افتراضها الا بذلك فيتعين حمل الرواية بالظهور العرفي على النظر سؤالا و جوابا الى تنجيس المتنجس بعد الفراغ عن بقاء النجاسة في الموضع الممسوح.

الثالث المناقشة في سندها بما عن السيد الأستاذ من ضعفها بالحكم بن مسكين و الهيثم بن ابي مسروق النهدي لعدم ثبوت توثيقهما (1) مع انه ينبغي توثيقهما على مبناه لورودهما معا في أسانيد كامل الزيارات (2) غير ان ذلك لا يكفي عندنا و لكن يمكن مع هذا توثيق الحكم من مسكين بنقل أكثر الثلاثة عنه (3) و أما الهيثم بن أبي مسروق فلا يوجد توثيق واضح له نعم ذكر الكشي عن حمدويه انه قال: «لأبي مسروق ابن يقال له الهيثم سمعت‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 286- 287

(2) فقد وقع الحكم بن مسكين في سند الحديث 2 من باب 28 من كامل الزيارات و ذكر ذلك نفس السيد الخوئي- (دام ظله)- في معجم الرجال الجزء السادس ص 179 و وقع الهيثم بن أبي سند الحديث 3 من باب 70 منه.

(3) فقد روى عنه ابن أبي عمير في الوسائل باب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 11 و روى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الوسائل باب 30 من أبواب نكاح العبيد حديث 8.

227

[شمول أحكام النجس للمتنجس]

لكن لا يجري عليه جميع أحكام النجس فاذا تنجس الإناء بالولوغ يجب تعفيره لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الإناء أو صب ماء الولوغ في إناء آخر لا يجب فيه التعفير

____________

أصحابي يذكرونهما كلاهما فاضلان» (1) و الفضل في نفسه و ان كان لا يستلزم التوثيق و لكن قد يستظهر ذلك في أمثال المقام فان تم هذا صح سند الرواية و إلا سقطت عن الاعتبار.

و إذا تم بعض ما يستدل به من روايات لنفي تنجيس المتنجس و بعض ما يستدل به لإثبات التنجيس وقعت المعارضة بين الطائفتين فإن كانت دلالة إحداها بالإطلاق (2) دون الأخرى قيد الإطلاق بالطائفة الأخرى و لكن يوجد في كل من الطائفتين ما يكون دلالته على المستدل به عليه بالخصوصية لا بالإطلاق (3).

و قد يجمع بحمل الروايات الظاهرة في التنجيس على التنزه و الكراهة و لكنه لا يلائم بعض تلك الروايات كمعتبرة عمار التي تصرح بأن الصلاة في المكان المتنجس مع الرطوبة غير جائزة فإن حمل عدم الجواز على مجرد التنزه ليس عرفيا و الظاهر ان التعارض مستحكم فإذا ثبت ان موقف العامة على العموم مطابق لمفاد الطائفة الدالة على عدم تنجيس المتنجس الأول كان ذلك مرجحا لما دل على التنجيس و الا تعارضت الطائفتان و كان المرجع هو الأصول المؤمنة.

____________

(1) تنقيح المقال المجلد الثالث ص 305.

(2) كما في معتبرة حكم بن حكيم المتقدمة في ص 494

(3) كما في معتبرة حنان بن سدير المتقدمة

228

و ان كان أحوط خصوصا في الفرض الثاني و كذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدد (1) و كذا إذا تنجس شي‌ء بغسالة البول بناء على نجاسة الغسالة. لا يجب فيه التعدد

____________

(1) سراية النجاسة من نجس الى ملاقيه لا تستلزم سراية سائر أحكامه اليه كوجوب التعفير و التعدد و نحو ذلك فلا بد من ملاحظة حال تلك الأحكام الإضافية و ذلك على مراحل.

الاولى: ملاحظتها بلحاظ دليل ثبوتها

ليرى هل له إطلاق للملاقي أولا أما دليل وجوب التعدد في المتنجس بالبول فلا إشكال في عدم إطلاقه في نفسه للمتنجس بهذا المتنجس لعدم صدق العنوان المأخوذ في موضوع رواياته [1] عليه إذ أمر بالتعدد في غسل ما اصابه البول و لا يصدق ذلك الا على المتنجس الأول و أما دليل وجوب التعفير [2] فعدم شموله للمتنجس بنفس إناء الولوغ واضح و اما عدم شموله للإناء الذي صب فيه ماء الولوغ فهو أيضا مقتضى الجمود على حاق اللفظ و مورده حيث ان مورده الإناء الذي‌

____________

[1] من قبيل معتبرة محمد عن أحدهما (ع) قال «سألته عن البول يصيب الثوب، قال: اغسله مرتين» الوسائل باب 1 من أبواب النجاسات حديث 1

[2] من قبيل رواية الفضل أبي العباس عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث انه سأله عن الكلب فقال «رجس نجس لا يتوضأ بفضله و أصيب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء، الوسائل باب 70 من أبواب النجاسات حديث 1

229

..........

____________

شرب منه الكلب و هذا العنوان لا يصدق على الإناء الثاني بصب ماء الولوغ فيه فلو احتمل عرفا مدخلية هذا العنوان في الحكم لزم الاقتصار على مورده نعم إذا ألغى احتمال مدخلية هذا العنوان بمناسبات الحكم و الموضوع عرفا و قيل بان العرف يفهم من الدليل ان مناط الحكم في الإناء تنجسه بماء الولوغ لا بملاقاة الكلب مباشرة و لا يصدق عنوان شرب الكلب منه اما الأول فلان ملاقاة الكلب للإناء لم تفرض في الرواية و أما الثاني. فلأن هذا عنوان انتزاعي و سراية النجاسة لا تكون عرفا إلا بالملاقاة فالمناط المذكور محفوظ في الإناء الثاني أيضا فيشمله الحكم.

الثانية ملاحظته بلحاظ دليل السراية

بان يدعى ان المستظهر منه ان السراية ليست من باب التأثير و العلية بل من باب الانتشار و التوسع فتكون نجاسة المتنجس الجديد عين نجاسة المتنجس الأول فيشملها إطلاق الأدلة الواردة في المتنجس الأول.

و الصحيح ان الاستظهار المذكور بلا محصل بل و غير نافع أيضا حتى لو تعقلناه لان مجرد كون النجاسة الجديدة انتشارا للنجاسة الأولى يكفي لإثبات أحكامها لها لان احتمال اختصاص تلك الأحكام بمرتبة معينة من وجود تلك النجاسة موجود عقلا و عرفا.

الثالثة بعد فرض عدم الإطلاق في دليل وجوب التعدد و التعفير يلاحظ انه هل يوجد إطلاق يقتضي كفاية الغسل مرة واحدة أو لا

سواء تمثل هذا الإطلاق في إطلاقات فوقانية للأوامر بالغسل [1] أو في إطلاق في خصوص‌

____________

[1] من قبيل معتبرة إبراهيم بن أبي محمود قال «قلت للرضا (ع):

الطنفسة و الفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما و هو ثخين كثير الحشو؟

قال: يغسل ما ظهر منه في وجهه» الوسائل باب 5 من أبواب النجاسات حديث 1 و رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) قال «سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال: اغسل الإناء. الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 3

230

..........

____________

دليل تطهير المتنجس بالمتنجس كما في معبرة العيص المتقدمة حيث قال يغسل ذكره و فخذيه فان مقتضى إطلاقه كفاية المرة في الذكر و الفخذ و التقييد بالتعدد في الأول لا يمنع عن التمسك بالإطلاق بلحاظ الفخذ الذي هو متنجس بالمتنجس و تتمة الكلام في ذلك تأتي في بحث المطهرات ان شاء اللّه تعالى‌

الرابعة ملاحظة نفس دليل السراية

ليرى انه هل له إطلاق أزماني يقتضي في نفسه بقاء النجاسة بحيث يرجع اليه عند الشك في ارتفاعها بالغسلة الواحدة أو لا و لا شك في عدم الإطلاق المذكور إذا كان الدليل هو الإجماع بل قد يقال بعدمه في الأدلة اللفظية أيضا إذا تمت لان ارتكازية وجود المطهر في الجملة تكون قرينة على ان النظر في أدلة السراية إلى بيان حدوث النجاسة على نحو تحتاج الى مطهر و ليس لها نظر الى بقائها في موارد الشك في المطهرية.

الخامسة بعد فرض عدم الإطلاق في دليل السراية أيضا تنتهي النوبة إلى الأصول العملية

فيرجع الى استصحاب النجاسة إذا قلنا به في الشبهة الحكمية كما هو الصحيح و الا جرت قاعدة الطهارة لو قيل بشمول دليلها في نفسه لموارد الشك في بقاء النجاسة و قد تكرر منا منع ذلك (1) و ان قاعدة الطهارة لا تشمل موارد الشك في بقاء النجاسة بقطع النظر عن حكومة الاستصحاب عليها.

____________

(1) كما في الجزء الثاني من البحوث ص 206

231

[حكم الأجسام التي لا تتأثر بالرطوبة]

(مسألة 12) قد مر انه يشترط في تنجيس الشي‌ء بالملاقاة تأثره فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة أصلا كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الماء لا يتبلل أصلا يمكن أن يقال انه لا يتنجس بالملاقاة و لو مع الرطوبة المسرية و يحتمل أن تكون رجل الزنبور و الذباب و البق من هذا القبيل (1)

[حكم الملاقاة في الباطن]

(مسألة 13) الملاقاة في الباطن لا توجب التنجس فالنجاسة الخارجة من الأنف طاهرة و ان لاقت الدم في باطن الأنف نعم لو ادخل فيه شي‌ء من الخارج و لاقى الدم في الباطن فالأحوط فيه الاجتناب (2)

____________

(1) اما الكبرى و هي اشتراط السراية بالرطوبة المسرية المؤثرة فقد تقدم تحقيقها و أما الصغريات التي ادعي انها غير واجدة للشرط فهذه الدعوى فيها محل اشكال بل منع نعم الدهن إذا كان جامدا و محيطا بالجسم فهو مانع عن أصل الملاقاة كما هو واضح.

(2) و قد تقدم تحقيق الكلام في أنحاء الملاقاة (1) من حيث كون المتلاقيين داخليين معا أو كان النجس منها داخليا أو كان الملاقي الطاهر منها داخليا أو كانا معا خارجيين و حصلت الملاقاة في الداخل فراجع أحكام هذه الأنحاء مفصلا في الجزء السابق من هذا الشرح (2)

____________

(1) تقدم تحقيقها في بداية هذا الفصل.

(2) الجزء الثالث من البحوث ص 39- 44

232

فصل [في أحكام النجاسات]

[أصل اشتراط طهارة اللباس و البدن في الصلاة]

يشترط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة ازالة للنجاسة عن البدن حتى الظفر و الشعر و اللباس (1)

____________

(1) لا إشكال في اعتبار الطهارة من الخبث في الصلاة على وجه الإجمال نصا و إجماعا بل ضرورة و الروايات الدالة على ذلك بشكل و آخر متواترة و انما الكلام في تحقيق جهات:

الجهة الاولى: في انه هل يعتبر الطهارة من كل أنواع النجاسات

أو يختص هذا الحكم ببعضها دون بعض، قد يقال بان الروايات الواردة في مقام بيان اعتبار الطهارة قد جاءت في موارد متفرقة و لا يستفاد منها التعميم المذكور الا بضم الإجماع.

و قد تصدى السيد الأستاذ (دام ظله) إلى إثبات التعميم بالدليل اللفظي (1) و ذلك بلحاظ عدة روايات:

منها معتبرة زرارة المعروفة في بحث الاستصحاب

و التي جاء فيها قال: (قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من المنى فعلمت أثره. إلخ) (2) و الاستدلال بإطلاق قوله (أو غيره) بناء على رجوع الضمير الى دم الرعاف لا الى كلمة رعاف فان غير دم الرعاف يشمل سائر النجاسات و الصحيح انه لا يمكن الاستدلال بهذا الإطلاق على كل حال لأن الكلمة واردة في كلام الراوي في مقام السؤال و السؤال لم يكن متجها إلى أصل اعتبار الطهارة و حدوده ليكون للسؤال إطلاق لسائر أنواع النجاسات بل‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 302- 304

(2) الوسائل باب 7 من أبواب النجاسات حديث 2

233

..........

____________

السائل بعد افتراض الاعتبار متجه للاستعلام عن حال الصلاة التي وقعت مع ما لا يجوز من النجاسة فلا إطلاق في الكلام من الجهة المبحوث عنها في المقام.

و قد كان الأفضل الاستشهاد من تلك الرواية بفقرة اخرى و هي قوله: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».

و ذلك بدعوى ان قوله حتى تكون على يقين من طهارتك يدل على اللازم في الصلاة تحصيل الطهارة بعنوانها لا التخلص من هذا النجس بالخصوص أو ذاك‌

و منها معتبرة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال

«لا صلاة إلا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول اللّه (ص) و أما البول فإنه لا بد من غسله» (1) و تقريب الاستدلال بها ان المراد بالطهور في صدرها ما يعم الطهارة الخبثية بقرينة الذيل فتدل على أن الطهارة على الإطلاق معتبرة.

و يرد عليه ان كلمة (طهور) إذا كانت بمعنى المصدر أي الطهارة ثم ما أفيد و لكن إذا كانت بمعنى آلة التطهير اى انه لا صلاة إلا بمطهر كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (2) عند من استدل بها على المطهرية فلا يستفاد من الرواية اعتبار الطهارة من كل أنواع النجاسات في الصلاة و انما تفيد ان كل مصل لا بدل له من استعمال الماء المطهر و يكفي في هذه اللابدية لزوم التخلص من قذر البول و الغائط عند الاستنجاء.

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1

(2) الفرقان (48)

234

..........

____________

و مما يشهد على ان كلمة طهور في الرواية بهذا المعنى ما ورد في ذيل الحديث من قوله «و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار» فان المجزى لا بد من مجز عنه و ليس هو الطهارة لأن الأحجار لا تجزي عنها و انما تحققها بل هو الماء المطهر فان الأحجار تجزى عنه و هذا يعنى ان قوله في صدر الحديث «لا صلاة إلا بطهور» بمعنى لا صلاة إلا باستعمال ماء مطهر.

و منها ما دل من الروايات على العفو عن النجاسة في اللباس

إذا كان مما لا تتم به الصلاة وحده حيث تدل بالمفهوم على عدم جواز النجاسة مطلقا في غير ذلك.

و هذا أيضا لا يخلو من اشكال لأن بعض روايات تلك المسألة ساقطة سندا كمرسلة حماد بن عثمان (1) و بعضها و ان تم سنده الا ان لسانه لسان الاستثناء من دليل المانعية و متمحض في بيان المستثنى و ليس متعرضا للمستثنى منه مباشرة ليتمسك بإطلاقه من هذه الناحية كما في معتبرة زرارة (2) عن أحدهما (ع) فلاحظ و تتمة الكلام في روايات تلك المسألة و تحقيقها تأتي في محله.

و منها حديث «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة»

(3) حيث ذكر الطهور في الخمسة و هو يشمل الطهارة الخبثية بإطلاقه ثم استشكل في هذا الإطلاق لأن ظاهر ذيل الحديث ان الخمسة مما فرض في الكتاب و الطهارة الخبثية لم تفرض في الكتاب.

و يرد على التمسك بإطلاق الطهور ان حديث لا تعاد ليس بنفسه من أدلة الجزئية الشرطية ليتمسك بإطلاقه من هذه الناحية و انما هو ناظر إليها‌

____________

(1) الوسائل باب 31 من أبواب النجاسات حديث 2

(2) الوسائل باب 31 من أبواب النجاسات حديث 1

(3) كما ورد في معتبرة زرارة المذكورة في الوسائل باب 3 من أبواب الوضوء حديث 8

235

..........

____________

و وارد بعد افترضها في مقام التمييز بين ما يكون الإخلال به نسيانا أو جهلا موجب للبطلان و ما لا يكون كذلك و لهذا كانت له الحكومة على تلك الأدلة.

فكل هذه الوجوه لإثبات التعميم غير تامة فلا بد من الرجوع الى وجوه اخرى و بالإمكان أن نذكر الوجوه التالية في المقام لإثبات التعميم فان لم تتم جميعا فبعضها تام.

فمنها معتبرة عمار

السابقة التي جاء فيها «إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك.» الى أن يقول: «و ان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك» أي الصلاة عليه مع رطوبة في البدن توجب السراية و تقريب الاستدلال بها واضح حيث يستفاد منها ان الموضع القذر بالبول أو غيره من القذارات لا يجوز الصلاة عليه مع وجود الرطوبة المسرية تحفظا على الطهارة المعتبرة في الصلاة و هذا يدل بإطلاقه على عدم جواز الصلاة مع نجاسة البدن مهما كان سببها و يشمل النجاسة السارية من المتنجس أيضا لأنها مورد الرواية فهذه الرواية أحسن وجه لإثبات التعميم المطلوب.

و منها رواية خيران الخادم

التي جاء فيها «كتبت الى الرجل (ع) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أ يصلي فيه أم لا فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه.» الى أن يقول فيها الامام (ع) «لا تصل فيه فإنه رجس» (1) و الاستدلال بالفقرة الأخيرة منها حيث انه علل الحكم بالمنع بأنه رجس و مقتضى قانون التعليل استفادة كبرى مانعية كل نجس في الصلاة‌

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب النجاسات حديث 2

236

..........

____________

و لكن يشكل مضافا الى ضعف السند بسهل ان الرجس مرتبة شديدة من الخباثة لا تطلق على كل متنجس فلا يستفاد المطلوب من كبرى التعليل‌

و منها معتبرة علي بن جعفر

السابقة قال «سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلي عليه قال إذا يبست فلا بأس».

بناء على أن النظر في البأس الى محذور السراية لا السجود على النجس فيدل على ان سراية النجاسة إلى البدن أو الثوب محذور في الصلاة و لما كان عنوان القذر يشمل ما تقذر بأي عين من الأعيان النجسة ثبت التعميم المطلوب‌

و منها معتبرة العلا عن أبي عبد اللّه (ع) قال

«سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء ينجسه فينسى أن يغسله. إلخ» (1) و الاستدلال بها مبني على دعوى ان الظاهر من عبارة السائل ان المركوز في ذهنه ان النجاسة بعنوانها لا بما هي نجاسة من هذا بالخصوص أو من ذاك مانعة عن الصلاة و سكوت الامام عن ذلك يدل على إمضاء هذا الارتكاز فيدل على التعميم. و فيه ان استفادة كون المركوز لدى السائل مانعية النجاسة بنحو الموجبة الكلية من إطلاق كلامه محل إشكال لأنه لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية و انما كان السائل و المسؤول قد فرغا عن مانعية النجاسة و اتجها الى حال نسيان تلك النجاسة المانعة.

و منها معتبرة عبد اللّه بن سنان قال

«سأل أبي أبا عبد اللّه (ع) و انا حاضر اتى أعير الذمي ثوبي» الى أن يقول الامام (ع) «حتى تستيقن أنه نجسه» (2).

فإنه يدل بمفهوم الغاية انه إذا استيقنت بالنجاسة فلا تصل فيه و إطلاقه‌

____________

(1) الوسائل باب 42 من أبواب النجاسات حديث 3

(2) الوسائل باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1

237

..........

____________

شامل لكل أنواع النجاسة و لا إشكال في صحة هذا الإشعار و لكن الدلالة قد يتأمل فيها بدعوى ان الرواية مسوقة لبيان حكم الشك و مدى أمارية حيازة الكتابي للثوب على النجاسة و ليست في مقام البيان من ناحية أصل الحكم الواقعي في المانعية ليتمسك بإطلاقها من هذه الناحية.

و منها معتبرة عمار

في الرجل إذا قص أظفاره بالحديد أو جز شعره أو حلق قفاه فان عليه ان يمسحه بالماء قبل أن يصلي سئل فإن صلى و لم يمسح من ذلك بالماء قال يعيد الصلاة لأن الحديد نجس.» (1)

و الاستدلال بالكبرى المقدرة في التعليل حيث صرح فيه بالصغرى و قدرت الكبرى و هي ان كل نجس يجب الاجتناب عنه في الصلاة و هذه الرواية أحسن حالا من رواية خيران إذ الموضوع في الكبرى النجس لا الرجس و أما تطبيق الكبرى على الحديد فهو اما جدي و اما عنائي و اما صوري و على كل حال فلا موجب لرفع اليد عن دلالة الكبرى على المطلوب اما على الأول فواضح و اما على الأخيرين فلأن تطبيق كبرى لزومية جدية على فرد عنائي أو صوري لا يضر بظهورها في اللزوم و الجدية.

و مثل هذه الرواية رواية موسى بن أكيل النميري أيضا عن أبي عبد اللّه (ع) قال

«. لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد فإنه نجس ممرخ» (2) لكن هناك فارقان أحدهما ان رواية عمار تامة سندا و هذه ضعيفة بالإرسال و الآخر ان التعليل في هذه الرواية ورد فيه قيد زائد و هو انه ممسوخ فلا بد اما من القول بان عطف الممسوخ على النجس من باب‌

____________

(1) الوسائل باب 14 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5

(2) الوسائل باب 32 من أبواب لباس المصلي حديث 6

238

..........

____________

عطف ملاك على ملاك أو الالتزام بالتعميم في حدود اجتماع الصفتين فلا يفيد المطلوب.

و منها التمسك بنفس الروايات المتفرقة الواردة في المواضع الخاصة

[1]

____________

[1] و هي ثلاث طوائف: الأولى تدل على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجس و وردت في البول و العذرة و المني و الدم و الخنزير و الخمر و الكافر- على القول بنجاسته فمثلا في البول و المني معتبرة محمد بن مسلم (الوسائل باب 16 من أبواب النجاسات حديث 2) و في العذرة معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (الوسائل باب 40 من أبواب النجاسات حديث 5) و في الدم معتبرة سماعة (الوسائل باب 42 من أبواب النجاسات حديث 5) و في الخنزير معتبرة علي بن جعفر (الوسائل باب 13 من أبواب النجاسات حديث 1) و في الخمر معتبرة علي بن مهزيار (الوسائل باب 38 من أبواب النجاسات حديث 2) و في الكافر معتبرة علي بن جعفر (الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 10) و الثانية تامة بغسل ما يصيبه النجس من دون ذكر الصلاة فلتتميم الاستدلال بها على شرطية الطهارة في الصلاة لا بد من اضافة المطلب الذي ذكره السيد الأستاذ- (دام ظله)- و وردت في الميتة و الكلب و عرق الجلال فمثلا في الميتة معتبرة الحلبي (الوسائل باب 34 من أبواب النجاسات حديث 2) و في الكلب معتبرة الفضل ابي العباس (الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 1) و في عرق الجلال معتبرة هشام بن سالم (الوسائل باب 15 من أبواب النجاسات حديث 1) و قد يتوهم ورود روايات في الميتة و الكلب تدرجها في الطائفة الاولى و هي رواية أبي القاسم الصيقل و ولده (الوسائل باب 38 من أبواب ما يكتسب به حديث 4 و رواية قاسم الصيقل (الوسائل باب 34 من أبواب النجاسات حديث 4) و معتبرة علي بن جعفر (الوسائل

239

..........

____________

فإنها بعد جمعها و ضم بعضها الى بعض نلاحظ انها تستوعب كل النجاسات العشر المعروفة و كذلك المتنجس بحيث لا يبقى بعد ذلك ما هو خال من الدليل غير ان هذا موقوف على التسليم بمطلب و هو ان الأمر بغسل الثياب و اللباس ظاهر عرفا في اعتبار تطهيرها في الصلاة لأن مجرد نجاستها بما هي حكم وضعي لا معنى لها عرفا و لا موجب للاهتمام بإزالتها و غسل الثوب منها فالأمر بالغسل و ان كان إرشاد إلى النجاسة و لكنه ظاهر عرفا في ان النجاسة محذور يهتم بإزالته بالغسل و المحذور المتبادر في باب الطعام هو الأكل و المحذور المتبادر في مثل الثياب هو الاستعمال فيما هو مشروط بالطهارة فباعمال هذه النكتة العرفية في روايات الباب نستطيع الحصول على إطلاق اعتبار الطهارة من كل أنواع النجاسات اما بلسان النهي عن الصلاة في النجس أو بلسان الأمر بغسل الثوب المتنجس.

و منها التمسك بما دل على عدم جواز الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب الناشئة من ملاقاة المتنجس ببعض الأعيان النجسة

بدعوى ان ذلك يدل بالأولوية العرفية على مانعية نجاسة البدن أو الثوب الناشئة من ملاقاة أي عين من الأعيان النجسة إذ لا يحتمل عرفا كون المتنجس بعين نجسة أشد من عين اخرى من الأعيان النجسة لارتكازية كون النجس العيني أشد‌

____________

باب 33 من أبواب النجاسات حديث 3) و لكن الأوليين ضعيفتان بابي القاسم الصيقل و ولده القاسم و غيره و الثالثة غير تامة دلالة لأنها اعتبرت الكلب مثل الفأرة التي يعلم بعدم وجوب غسل الثوب الذي تصيبه و الطائفة الثالثة تدل على عدم جواز الصلاة عند تنجس البدن و وردت في المتنجس و تمثلها معتبرة عمار (الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4) و بضم دعوى الملازمة بين اشتراط الطهارة في الثوب و البدن- لعدم التفكيك بينهما فقهيا- يتم العموم في كليهما.

240

..........

____________

من النجس العرضي و مثال ذلك معتبرة علي بن جعفر «انه سأل أخاه موسى بن جعفر (ع) عن البيت و الدار لا تصيبها الشمس و يصيبها البول و يغتسل فيها من الجنابة أ يصلي فيها إذا جفا قال نعم» (1) بناء على دلالتها بالمفهوم على عدم جواز الصلاة في مكان يغتسل فيه من الجنابة مع عدم الجفاف من أجل محذورية السراية فإن النجاسة التي يترقب سرايتها سببه عن ماء الغسالة المتنجس فاذا كانت هذه مانعة عن الصلاة فهم بالأولوية العرفية بضم الارتكاز المشار اليه ان النجاسة الناشئة من ملاقاة عين النجس مانعة أيضا مطلقا.

هذا إذا لم نقل بأن خصوصية كون النجاسة في الثوب ناشئة من ملاقاة هذه العين أو تلك ملغية من أول الأمر بالارتكاز العرفي القاضي بمناسبات الحكم و الموضوع بان تمام الموضوع للحكم ذات النجاسة بلا دخل للخصوصيات المذكورة و انها مجرد مورد.

الجهة الثانية في أن الطهارة هل هي معتبرة في مطلق البدن

بنحو يشمل حتى مثل الشعر و في مطلق اللباس الا ما خرج بدليل.

و من المعلوم ان أصل اعتبارها في البدن و اللباس معلوم من النصوص لأنهما القدر المتيقن في الجملة و انما الكلام في تحصيل إطلاق في البدن بنحو يثبت به اعتبارها الشعر أيضا المعدود من توابع البدن و تحصيل إطلاق مماثل في اللباس و بهذا الصدد يمكن ذكر الوجوه التالية:

منها معتبرة زرارة

قال «. تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك.» (2) و قد أضيفت الطهارة هنا الى نفس المصلى و ظاهر ذلك اعتبار طهارة المصلي و طبق ذلك‌

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 1

(2) الوسائل باب 7 من أبواب النجاسات حديث 2

241

..........

____________

على طهارة الثوب فمن هنا يعلم ان اضافة الطهارة الى المصلي بعناية تشمل توابعه أيضا و ما كان من قبيل الثوب و مقتضى ذلك إطلاقها لطهارة الشعر و الظفر أيضا لأنها طهارة للمصلي بهذه العناية بلا اشكال فيتم الاستدلال بالرواية لو لم نقل بان التمسك بإطلاقها من ناحية سعة دائرة الاعتبار الواقعي للطهارة متعذر لأنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية بل في مقام بيان مقدار يتنجز من التكليف في مورد الشك و التردد.

و منها رواية خيران الخادم

المتقدمة حيث ورد فيها النهي عن الصلاة في الثوب الذي أصابه لحم الخنزير قائلًا «لا تصل فيه فإنه رجس» و مقتضى قانون التعليل اقتناص كبرى عدم جواز الصلاة في الرجس و بإلغاء خصوصية الثوب يتعدى الى كل ما يكون من اللباس ظرفا للمصلي و ملبوسا له و لو بلحاظ جزء من بدنه و لا فرق في ذلك بين ان نحمل قوله لا تصل فيه على ملاحظة الثوب ظرفا للمصلي أو ظرفا للفعل باسراء ظرف الفاعل الى الفعل نفسه غير ان الرواية ضعيفة السند.

و منها رواية النميري

المتقدمة عن أبي عبد اللّه (ع) «لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد فإنه نجس ممسوخ» و الكلام فيه كما في الرواية السابقة مع مزية هنا و هي ان الحديد لا تتخذ منه الثياب عادة بل السيف و الخاتم و نحو ذلك فالكبرى المقتنصة بقانون التعليل يكون لها إطلاق يشمل مثل ذلك أيضا غير ان الرواية ضعيفة سندا كما تقدم.

و منها معتبرة عمار

المتقدمة الواردة في الأرض القذرة فقد جاء‌

242

..........

____________

فيها «و ان كانت رجلك رطبة و جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع» و ذلك بالتمسك بإطلاق قوله «أو غير ذلك منك» فان من هنا إن كان يراد بها البعض و الجزء الحقيقي ففي العبارة إطلاق يشمل حتى للشعر و الظفر فإنه من الإنسان حقيقة و ان لم يشمل الثياب و ان أريد بها ما يكون من الإنسان و لو بلحاظ شئونه المعتبرة عرفا بمثابة الجزء منه فالإطلاق يشمل اللباس أيضا.

ربما ذكرناه يظهر ان استفادة الإطلاق للشعر لا تتوقف على دعوى كونه جزءا من الجسد كما قيل بل يكفي صدق كونه من الإنسان على ما عرفت.

و منها معتبرة ابن الحجاج

إذ جاء فيها قوله «يغسل ما استبان انه قد أصابه و ينضح ما يشك فيه من جسده و ثيابه و بنشف قبل أن يتوضأ» (1) فإن الأمر بالنضح و ان كان تنزيهيا و لكنه يكشف بالدلالة الالتزامية العرفية عن ان الجسد و الثياب مصب لاعتبار الطهارة و لهذا أمر بالنضح ننزها في حالة الشك و قد استدل بإطلاق كلمة الجسد للشمول للشعر و نحوه و هو غريب فان الشعر ليس من الجسد و لهذا لا يشمل جسد الميت أو غسل جسد الجنب على مس شعر الميت أو غسل شعر الجنب و الاولى الاستدلال بكلمة ثياب حيث جاءت بصيغة الجمع على أن المقصود مطلق الألبسة لا خصوص الثوب الكامل الذي يحيط بكامل الجسد لعدم تعارف استعمال ثياب عديدة منه و إذا ثبت الإطلاق لمطلق اللباس ثبت في مثل الشعر بالأولوية العرفية‌

و منها رواية وهب بن وهب

عن جعفر بن محمد ان عليا (ع) قال‌

____________

(1) الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 2

243

..........

____________

«السيف بمنزلة الرداء تصل فيه ما لم تر فيه دما» (1) فإنها تعتبر الطهارة في السيف مع انه لباس من المرتبة الثانية فيدل ذلك على اعتبار الطهارة في مطلق اللباس و لو لم يكن من قبيل الرداء و هذا يتوقف على إلغاء خصوصية السيف بان يقال ان التنزيل ليس تعبديا ليقال بعدم التعدي عن مورده بل هو في مقام توسعة دائرة موضوع الاعتبار و تحديده، فالعرف يفهم منه ان الموضوع لاعتبار الطهارة هو العنوان الجامع بين السيف و الرداء و هو مطلق اللباس و لكن الرواية ضعيفة سندا بوهب بن وهب.

و قد تحصل مما تقدم انه يوجد إطلاق لفظي يدل على اعتبار الطهارة في البدن حتى لمثل الشعر و الظفر منه و اما بالنسبة إلى اللباس فالقدر المتيقن من إطلاقات الباب ما يتلبس به المكلف و لو بجزء من بدنه على حد تلبس البدن بالثوب فيعتبر الطهارة فيه الا ما يخرج بدليل‌

الجهة الثالثة: بعد فرض اعتبار الطهارة في الصلاة يبحث عن كيفيته

و هل هو بنحو شرطية الطهارة أو بنحو مانعية النجاسة و الكلام في ذلك يقع في مقامات.

المقام الأول في تعقل الفرق ثبوتا بين شرطية الطهارة و مانعية النجاسة

و تحقيق ذلك ان الطهارة اما ان تكون امرا وجوديا مقابلا للنجاسة تقابل التضاد أو أمرا ثبوتا منتزعا بلحاظ عدم النجاسة أو أمرا عدميا محضا هو نفس عدم النجاسة فيكون التقابل بين الطهارة و النجاسة من قبيل السلب و الإيجاب.

فإذا بني على الأول أو الثاني كان الفرق بين مانعية النجاسة و شرطية الطهارة واضحا لأن الأولى مردها إلى أخذ عدمها قيدا و الثانية مردها إلى أخذ ثبوتها شرطا و أما على الثالث فقد يقال بعدم تعقل الفرق بين المانعية‌

____________

(1) الوسائل باب 83 من أبواب النجاسات حديث 3

244

..........

____________

و الشرطية إذ كلاهما يرجع الى تقييد المأمور به بعدم النجاسة و لكن مع هذا يمكن افتراض بعض الوجوه للشرطية في مقابل المانعية من قبيل ان يكون الشرط هو استعمال الطهور لا الطهارة المسببة من قبيل ما يقال في الوضوء ان الشرط نفس أفعال الوضوء لا أمر مسبب عنه أو ان تكون الشرطية بمعنى اعتبار العدم النعتي للنجاسة و المانعية بمعنى اعتبار العدم المحمولي لها.

المقام الثاني في تعيين ما هو المستظهر من الأدلة من الشرطية أو المانعية

و التحقيق ان هناك عدد من الروايات يمكن ان تستفاد منها مانعية النجاسة و هناك عدد آخر منها يمكن ان تستفاد منها شرطية الطهارة.

أما ما قد يدل على مانعية النجاسة

فبالامكان تقسيمه إلى طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى: ما أنيط فيه البطلان بالنجاسة

و قد يحتمل لذلك برواية الحسن بن زياد قال «سئل أبو عبد اللّه (ع) عن الرجل يبول فيصيب بعض جسده (فخذه) قدر نكتة من بوله فيصلي ثم يذكر بعد انه لم يغسله قال يغسله و يعيد صلاته» (1) و هناك روايات أخرى في هذا السياق غير ان هذه الروايات لم ينط فيها البطلان بالنجاسة في كلام الأيام و انما هي المورد المفروض في كلام السائل فالأولى التمثيل لذلك بمثل معتبرة محمد ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) قال «ذكر المنى و شدده و جعله أشد من البول ثم قال: ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة.» (2)

____________

(1) الوسائل باب 19 من أبواب النجاسات حديث 2

(2) الوسائل باب 16 من أبواب النجاسات حديث 2

245

..........

____________

و تحقيق الحال في هذه الطائفة ان هذه الروايات قد أنيط فيها البطلان بوجدان عين النجس في الثوب أو البدن و بعد الفراغ عن ان وجدانه بعنوانه ليس هو المحذور المنظور و لهذا قد يقال بجواز حمل النجس مع الجفاف و عدم السراية يعلم ان المحذور هو ما يترتب على ذلك و من الواضح انه يترتب عليه النجاسة الحكمية و ارتفاع الطهارة الحكمية فكما قد يكون بلحاظ الأول فيناسب المانعية كذلك قد يكون بلحاظ الثاني فيناسب الشرطية.

الطائفة الثانية: ما دل على إناطة البطلان و الإعادة بوجود النجاسة الحكمية لا العينية

و ظاهره حينئذ المانعية من قبيل معتبرة علي بن مهزيار المتقدمة و فيها «من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت» و لا يرد هنا ما تقدم من الإيراد في الطائفة الأولى لأن الإناطة هنا بالنجاسة الحكمية‌

الطائفة الثالثة: ما دل على استثناء بعض النجاسات العينية

كدم الجروح [1] و الدم القليل [2] بعد استظهار ان العفو المجعول يختص بفرض عدم تنجس الموضع بسبب آخر و إلا فلا عفو فان جعل العضو حيثيا و بلحاظ النجاسة الدمية فقط أمر عرفي مفهوم بناء على المانية لانحلالها و ان كان‌

____________

[1] من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال «سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي؟ فقال: يصلي و ان كانت الدماء تسيل» الوسائل باب 22 من أبواب النجاسات 4

[2] من قبيل معتبرة محمد بن مسلم «قلت له: الدم يكون في الثوب علي و انا في الصلاة قال:. و ما كان أقل من ذلك (اى من الدرهم) فليس بشي‌ء.» الوسائل باب 20 من أبواب النجاسات حديث 6

246

..........

____________

سلبها عن بعض النجاسات دون بعض و اما بناء على الشرطية فالتبعيض المذكور غير عرفي إذ ليس هناك إلا طهارة واحدة و المفروض عدم اعتبارها لجواز الصلاة في الدم النجس و معه لا يبقي وجه للمنع عن فرض النجاسة في الموضع بملاك آخر اللهم الا ان يتصور تعدد الطهارات بعدد النجاسات ففي مقابل كل نجاسة طهارة مقابلة لها و يكون الشرط مجموع الطهارات عدا ما استثنى.

الطائفة الرابعة: ما رد بلسان النهي عن الصلاة في الثوب المتنجس

فإنه لا إشكال في كونه أنسب بالمانعية منه بالشرطية من قبيل رواية خيران الخادم المتقدمة و التي ورد فيها النهي عن الصلاة في ثوب أصابه الخمر لأنه رجس غير انها ضعيفة السند و معتبرة عمار «. و لا تصل في ثوب قد اصابه خمر أو سكر حتى تغسله» (1) فان ظاهر النهي فيها ان النجاسة الناتجة من المسكر هي المانعة في الصلاة و لا يرد هنا ما أوردناه على الطائفة الثانية لأنه لم يفرض فيها وجود المسكر بالفعل و مثلها أيضا معتبرة عبد اللّه ابن سنان [1] المستدل بها على الاستصحاب حيث تدل بمفهوم الغاية على‌

____________

[1] و هي انه قال «سأل أبي أبا عبد اللّه (ع) و انا حاضر اني أعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه (ع): صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه» الوسائل باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1

____________

(1) الوسائل باب 38 من أبواب النجاسات حديث 7

247

..........

____________

انه لا تجوز الصلاة فيه إذا استيقنت أنه نجسة و هذا طاهر في مانعية النجاسة الحكمية.

و يلحق بهذه الطائفة معتبرة بكير قال سئل أبو جعفر و أبو عبد اللّه (ع) فقيل لهما إنا تشترى ثيابا يصيبها الخمر و ورك الخنزير عند حاكتها أ نصلي فيها قبل ان نغسلها فقالا نعم لا بأس ان اللّه انما حرم اكله و شربه و لم يحرم لبسه و مسه و الصلاة فيه» (1) و هي مما يستدل بها على طهارة الخمر و المقصود الان الاستدلال بها على ان الاعتبار في المقام على نحو المانعية لأن النفي فيها جاء بلسان انه ليس بحرام و هو يعني ان ما كان يترقب هو حرمة الصلاة فيه باعتبار نجاسته و مرد هذه الحرمة إلى المانعية.

و اما ما قد يستدل به لشرطية الطهارة

فعدة روايات‌

منها ما دل على انه لا صلاة إلا بطهور

(2) و يشكل أولا باحتمال إرادة اداة التطهير من الطهور بمعنى الماء فيدل على لزوم استعمال المال و هو يلائم استعماله لتوفير الشرط أو لازالة المانع و ثانيا: باحتمال إرادة الطهارة الحدثية و لا معنى للتمسك بإطلاق لشمول كلتا الطهارتين لأن الإطلاق الشمولي انما يجري في موضوع القضية و لهذا لو قيل لا صلاة الا بذكر لا يتمسك بإطلاق الذكر لإثبات وجوب كل أنواع الذكر.

و منها معتبرة زرارة

المتقدمة التي جاء فيها نفس التعبير مع زيادة قوله «و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار.» بدعوى ان ذيلها قرينة على ان الملحوظ الطهور فيها الطهارة الخبيثة فتكون أوضح دلالة من غير‌

____________

(1) الوسائل باب 38 من أبواب النجاسات حديث 13

(2) كما في معتبرة زرارة المذكورة في الوسائل باب 1 من أبواب الوضوء حديث 1

248

..........

____________

المذيل بهذا الذيل و يرد عليه ان الذيل قرينة على ان المراد بالطهور الماء لأن الأحجار إنما تجزي عنه لا عن الطهارة فيكون مفادها لزوم استعمال الماء و هو لا يعين الشرطية كما تقدم فان قيل لتكن الشرطية بمعنى اشتراط استعمال الماء كما يقال ذلك في باب الطهارة الحدثية كان الجواب ان الطهارة من الخبث لما كانت مسببا عرفيا للغسل بخلاف الطهارة الحدثية و كان استعمال الماء في نظر العرف مقدمة لتحصيل ذلك المسبب كان حمل الأمر باستعمال الماء في مورد الخبث على شرطية نفس الاستعمال بعنوانه على خلاف الارتكاز العرفي بخلافه في مورد الحدث.

و منها معتبرة زرارة

قال «سألت أبا جعفر (ع) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلي فيه فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر» (1) حيث أنيط جواز الصلاة بالطهارة بعنوانها و هذا إنما يتم لو سلم تكفل هذه الرواية شرطية مكان المصلي بالطهارة و قيل بعدم إمكان التفكيك بين المكان و اللباس و البدن في كيفية الاعتبار و إما إذا لم يبني على لزوم الطهارة في مكان المصلي فلا بد من حمل الرواية على النظر الى محذور السراية و لا يتم الاستدلال‌

و منها معتبرة زرارة

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

«. فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذبح.» (2)

بتقريب ظهور الجملتين المتعاطفتين في وجود شرطين فلا بد من حمل قوله «إذا علمت أنه ذكي» على الطيب و الطهارة ليكون مغايرا لمفاد الجملة الثانية فيدل على اعتبار الطهارة بعنوانها.

____________

(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 1

(2) الوسائل باب 2 من أبواب لباس المصلي حديث 1

249

..........

____________

و يرد عليه ان هذا مبني على اشتمال الرواية على اداة العطف بين الجملتين كما في الوسائل بخلاف ما إذا بني على عدم وجود هذه الأداة- كما هو الظاهر لخلو الرواية منها في الكافي (1) و التهذيب (2) و الاستبصار (3) جميعا- فان الظاهر حينئذ أو من المحتمل عرفا ان تكون الجملة الثانية تفسير للجملة الاولي.

و منها معتبرة زرارة

التي جاء فيها «تغسل و لا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا» (4) فان قوله «لأنك كنت على يقين من طهارتك» تعليلا لصحة الصلاة ظاهر في إناطة الصحة بالطهارة بعنوانها و هو معنى الشرطية و لعل هذا أوضح ما يستدل به على الشرطية.

و على الرغم من وجود دلالات من هذا القبيل على الشرطية أو المانعية يشكل التعويل عليها لشدة التصاق عدم النجاسة بالطهارة و كون إبراز كل واحد منها في مقام التعبير عن الشرطية أو المانعية امرا عرفيا و إذا لم تتم في الروايات دلالة على أحد الوجهين تعين الرجوع الى الأصول العملية فيقال بوجد علم إجمالي بالشرطية أو المانعية فإن كان لأحدهما أثر زائد على الآخر بخلاف العكس أمكن إجراء البراءة عن موضوع الأثر الزائد و لا يعارض بالبراءة عن الطرف الآخر للعلم الإجمالي إذ لا أثر زائد له و الأثر المشترك معلوم وجدانا و هذا ما يستضح عند بيان الثمرة.

المقام الثالث في الثمرة بين الشرطية و المانعية

مع وضوح وجود أثر‌

____________

(1) الكافي الجزء الثالث ص 397

(2) التهذيب الجزء الثاني حديث 818

(3) الاستبصار الجزء الأول حديث 1454

(4) الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 1

250

..........

____________

مشترك و هو بطلان الصلاة في النجاسة فقد يقال بأن للشرطية كلفة زائدة تظهر في حالتين إحداها ما إذا شك في النجاسة الذاتية لشي من أول الأمر بناء على عدم جريان قاعدة الطهارة في أمثال ذلك كما تقدم مرارا (1) فإنه بناء على شرطية الطهارة يتعذر إحراز الشرط و بناء على مانعية النجاسة يكن استصحاب عدمها الأزلي و تصح الصلاة حينئذ و الحالة الأخرى ما إذا علم إجمالا بنجاسة ثوب أو تراب بنحو سقطت أصالة الطهارة في الطرفين فإنه بناء على الشرطية لا مصحح للصلاة في ذلك الثوب لعدم إحراز الشرط و أما بناء على المانعية و كون موضوعها انحلاليا بمعنى ان كل ثوب نجس مثلا فرد من موضوع المانعية فتجري البراءة عن مانعية هذا الثوب المشكوك و لا توجد براءة معارضة في الطرف الآخر.

الجهة الرابعة:

انه بعد الفراغ عن اعتبار الطهارة في الصلاة واجبة كانت أو مندوبة بمقتضى الإطلاق في أدلة الاعتبار الشامل للصلاة المستحبة أيضا يقع الكلام في اعتبار الطهارة في ملحقات الصلاة و نريد بها صلاة الاحتياط و سجود السهو و الاجزاء المنسية من الصلاة التي تقضي بعدها.

أما صلاة الاحتياط فاعتبار الطهارة فيها واضح سواء قيل بأنها مكملة لأصل الصلاة على فرض النقصان أو قيل بأنها صلاة مستقلة على كل حال مرددة بين الوجوب و الاستيجاب إذ على الأول كما هو ظاهر يكفي دليل اشتراط الطهارة في الصلاة المراد تكميلها للإلزام بذلك و على الثاني يتمسك بإطلاق أدلة اعتبار الطهارة في الصلاة الشامل لصلاة الاحتياط باعتبارها نوعا من الصلاة و أما سجود السهو فبعد البناء على كون موضعه بعد التسليم لا دليل‌

____________

(1) تقدم في الجزء الثاني من البحوث ص 199

251

..........

____________

على اعتبار الطهارة فيه إلا إذا استفيد من دليله [1] كونه جزءا من الصلاة أو استفيد من منع التكلم قبل الفراغ منه [2] المنع عن مطلق ما يبطل الصلاة بحمل التكلم على المثالية و كلتا الاستفادتين غير تامة.

أما الاولى فلأن إناطة سجود السهو بالنسيان تناسب ان يكون الأمر به امرا مولويا مستقلا لا من قبيل الأوامر الإرشادية إلى الجزئية و الشرطية في باب المركبات على ان مثل قوله «يتم صلاة ثم يسجد سجدتين» السهو ظاهر في عدم الجزئية.

و أما الثانية فلأن التكلم لو حمل على المثالية فهو لا يقتضي التعدي الى كل ما يوجب البطلان بل لعل مثال لما يكون قاطعاً للهيئة الاتصالية للصلاة بحيث يراد إبقاء هذه الهيئة و لا دخل للطهارة الخبثية في إبقائها و ان كانت بنفسها شرطا في صحة الصلاة.

و أما الاجزاء المنسية التي يؤتى بها بعد الصلاة فقد احتمل فيها بدوا ثلاث احتمالات أحدها ان تكون واجبة أداء بأن يكون الشارع قد رفع اليد عن خصوصية محلها لا أصلها.

ثانيها ان تكون واجبة بعنوان القضاء للجزء المنسي ثالثها أن تكون واجبة بوجوب مستقل كسجود السهو فعلى الأول لا إشكال في اعتبار‌

____________

[1] من قبيل معتبرة عبد الرحمن بن الحجاج قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول أقيموا صفوفكم فقال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين.» الوسائل باب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 1

[2] كما في معتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع) «. فاذا فرغب فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلم» الوسائل باب 9 من أبواب التشهد حديث 3

252

..........

____________

الطهارة و على الأخير لا دليل على اعتبارها بل إطلاق دليل الأمر بتلك الأجزاء المنسية [1] ينفي ذلك و أما على الثاني فقد قبل بأنه يقتضي اعتبار الطهارة لأن القضاء هو الإتيان بما يماثل المقضي في سائر ما يعتبر فيه و التحقيق ان الاحتمال الثاني في نفسه معقول لأن جزئية الجزء المنسي اما أن تكون باقية بحدها اي بقيد وقوع الجزء في محله المخصوص و أما أن تكون باقية لا بحدها كذلك و أما أن تكون ساقطة فعلى الأول يتعين بطلان الصلاة و على الثاني يكون الإتيان بالجزء المنسي بعد التسليم أداء الإقصاء و على الثالث تتعين صحة الصلاة بلا حاجة الى تدارك بحيث لو ثبت وجوب لإيقاع السجدة بعد الصلاة لكان وجوبا مستقلا لا قضاء لما فات و هذا برهان على ان القضاء للواجب الضمني بصورة مستقلة عن الواجب النفس الاستقلالي أمر غير معقول فالأمر دائر بين الاحتمالين الأول و الثالث و المستظهر من الدليل كون الإتيان بالسجدة أو التشهد لتكميل الصلاة فيتعين الأول و يثبت اعتبار الطهارة.

هذا على انه لو تعقلنا الأمر القضائي بالواجب الضمني فهذا لا يكفي لاعتبار الطهارة في الجزء المقضي إلا إذا ثبت ان الطهارة شرط فيه بما هو سجود مثلا لا انها معتبرة في الصلاة رأسا في عرض اعتبار السجود فان قضاء السجود انما يقتضي التحفظ على ما اعتبر فيه من خصوصيات كوضع الجبهة على ما يصح السجود عليه لا ما اعتبر في أصل الصلاة‌

____________

[1] من قبيل معتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (ع) انه قال «إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاقض الذي فاتك سهوا» الوسائل باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 7

253

الجهة الخامسة في اشتراط الطهارة في مقدمات الصلاة من الأذان و الإقامة

____________

و لما كانا خارجين عن الصلاة فلا يبقى بالاعتبار نفس دليل الشرطية في الصلاة إلا بضم دعوى وجود دليل حاكم على دليل الشرطية ينزل المؤذن أو المقيم منزلة المصلي في الأحكام كما يمكن أن يدعى ذلك في الإقامة تمسكا برواية سليمان بن صالح التي جاء فيه «و ليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في الصلاة» (1) و رواية يونس الشيباني «. إذا أقمت الصلاة فأقم مترسلا فإنك في الصلاة.» (2)

و رواية أبي هارون المكفوف «يا أبا هارون الإقامة من الصلاة.» (3)

و بما ذكرناه يندفع ما عن السيد الأستاذ- (دام ظله)- (4) من أن هذه الروايات معارضة بما دل على أن الصلاة افتتاحها تكبيرة الإحرام و لا بد من حملها حينئذ على الحث و الترغيب و وجه الاندفاع ان المستظهر من لسانها التنزيل لا كون المقيم مصليا حقيقة فلا تنافي بين الطائفتين أصلا إلا تلاحظ انه قيل في الرواية الاولى «و ليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة» ثم قيل «إذا أخذ في الإقامة فهو في الصلاة» و هذا يعني فرض المغايرة بين الإقامة و الصلاة أولا و هذا يناسب حمل الفقرة الثانية على التنزيل بلحاظ الأحكام غير ان الروايات الثلاث ضعيفة لضعف صالح ابن عقبة الموجود في سندها جميعا و لغير ذلك في بعضها (5)

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 12- 9

(2) الوسائل باب 13 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 12- 9

(3) الوسائل باب 10 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 12

(4) التنقيح الجزء الثاني ص 306

(5) فإن الرواية الثانية ضعيفة أيضا بيونس الشيباني

254

[اشتراط الطهارة فيما يلتحف به المصلي]

ساترا كان أو غير ساتر (1) عدا ما سيجي‌ء من مثل الجورب و نحوه مما لا تتم الصلاة فيه و كذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط و قضاء التشهد و السجدة المنسيين و كذا في سجدتي السهو على الأحوط (2) و لا يشترط في ما يتقدمها من الأذان و الإقامة (3) و الأدعية التي قبل تكبيرة الإحرام و لا فيما يتأخرها من التعقيب و يلحق باللباس على الأحوط اللحاف الذي يتغطى به المصلي مضطجعا إيماء سواء كان متسترا به أو لا و ان كان الأقوى في صورة عدم التستر به- بان كان ساتره غيره- عدم الاشتراط (4)

____________

فلا دليل على الاعتبار‌

(1) و ذلك للإطلاق المتقدم في الجهة الثانية من الجهات الخمس المتقدمة في هذا الفصل‌

(2) تقدم الكلام عن اعتبار الطهارة في ملحقات الصلاة في الجهة الرابعة‌

(3) تقدم تحقيق ذلك في الجهة الخامسة‌

(4) قد يقال بعدم الاشتراط مطلقا و تقريبه عدم وجود إطلاق في أدلة اعتبار الطهارة لأن المأخوذ فيها عنوان الثوب أو الثياب و هو مختص بما يعد للبس عادة فلا يشمل محل الكلام. و قد يقال بالتفصيل على النحو