بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
255

..........

____________

المذكور في المتن و توجيهه أن يعترف بوجود إطلاق في دليل الاعتبار يشمل كل ما يصدق عليه اللباس و الملابس و يقال بإناطة صدق اللباس على اللحاف بان يكون هو الساتر و أما إذا تلحف به فوق ملابسه الاعتيادية فلا يصدق عليه ذلك و بهذا يندفع ما أورد على المتن بان الدليل الاعتبار لم يرد في الساتر بعنوانه ليفصل بين صورة التستر به و غيرها و وجه الاندفاع حمل التستر به على اتخاذه بدلا عن الملابس الاعتيادية الأمر الذي يجعله لباسا بالنسبة إليه بخلاف ما لو اتخذه فوق الملابس.

و قد يقال بإناطة هذه المسألة بتشخيص ان الستر المعتبر في الصلاة هل هو بمعنى مطلق التغطية أو التغطية بالملابس فعلى الأول يكون اللحاف محققا للستر المعتبر و تجب فيه الطهارة مطلقا و على الثاني لا يفي بالستر الواجب و لا تعتبر فيه الطهارة إلا إذا تلحف به المصلي كالمئزر فيكون لباسا حينئذ.

و فيه انه لا ملازمة بين المسألتين فقد يقال بكفاية مطلق التغطية في الستر الواجب و تمسكا بإطلاق دليله و يقال بعدم اعتبار الطهارة إلا فيما صدق عليه عنوان اللباس لعدم الإطلاق في دليل الاعتبار لما عدا ذلك فالميزان إذن هو ملاحظة روايات الباب ليرى مقدار دلالتها و محط الاعتبار فيها و التحقيق ان دليل الاعتبار ان كان ما دل على الاعتبار في عنوان الثوب أو الثياب (1) فالمتعين عدم الاشتراط في اللحاف مطلقا لعدم كونه ثوبا و ان كان ما دل على النهي عن الصلاة في النجس كرواية النميري التي نهت عن الصلاة في شي‌ء من الحديد لأنه نجس فالظاهر اعتبار الطهارة مطلقا لصدق الصلاة فيه على اي حال و ان كان مثل معتبرة زرارة التي اعتبرت طهارة‌

____________

(1) من قبيل رواية خيران الخادم المتقدمة

256

[اشتراط طهارة مسجد الجبهة]

و يشترط في صحة الصلاة أيضا إزالتها عن موضع السجود دون المواضع الأخر فلا بأس بنجاستها إلا إذا كانت مسرية الى بدنه أو لباسه (1)

____________

المصلي و طبقتها على طهارة ثوبه بنحو من العناية فالقدر المتيقن من هذا الفرد العنائي ما كان لباسا و ثوبا لا مثل اللحاف و ان كان المدرك مفهوم مثل مرسلة عبد اللّه بن سنان و التي جاء فيها «كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ان يصلي فيه و ان كان فيه قذر مثل القلنسوة و التكة و الكمرة و النعل و الخفين و ما أشبه ذلك» (1) فهو مطلق الحاف لأنه على المصلي أو معه و مما تجوز الصلاة فيه وحده إذا المراد من جواز الصلاة فيه وحده كونه مما يصلح لذلك باعتباراته أو وسعته و بهذا اتضح مدرك القول بالاعتبار مطلقا و هو الاستناد الى الوجه الثاني أو الرابع من وجوه أدلة الاعتبار كما اتضح ان الأقرب هو عدم الاعتبار مطلقا لعدم تمامية الوجهين المذكورين على ما تقدم في بحث أصل الاعتبار و أدلته‌

البحث عن طهارة مكان المصلي يقع في ثلاث مسائل:

الاولى: في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة

(1) و قد استدل لذلك بعدة روايات:

منها معتبرة الحسن بن محبوب

قال «سألت أبا الحسن (ع) عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه‌

____________

(1) الوسائل باب 31 من أبواب النجاسات حديث 5

257

..........

____________

فكتب إليّ بخطه: إن الماء و النار قد طهراه» (1) و تقريب الاستدلال بالرواية ان قوله «أ يسجد عليه» ان كان سؤالا عن الحكم الفعلي للسجود فهو ظاهر في الاستفهام عن جوازه فيدل الجواب بالمفهوم على عدم جوازه في حالة عدم وجود المطهر و بذلك يثبت المطلوب و ان كان سؤالا عن طهارة الجص في الحالة المذكورة بهذا اللسان فهو ظاهر في الفراغ عن كبرى عدم جواز السجود على النجس و سكوت الامام عن ذلك ظاهر في إمضاء هذه الكبرى المفروغ عنها و حمل الكبرى المفروغ عنها على مطلق الحزازة في السجود على النجس خلاف الظاهر.

و قد يستشكل باعتبار سقوط المدلول المطابقي منطوقا فيسقط المدلول الضمني أو المفهومي حيث ان الجص ليس من التراب أو الأرض و يندفع بان مجرد الطبخ لا يخرجه عن عنوان الأرض و لو سلم كانت الرواية بنفسها دليلا على التوسعة من هذه الناحية فلا موجب لسقوط المدلول المطابقي.

و لكن المهم الاستشكال في المدلول المطابقي من ناحية أخرى و هي انه كيف يتصور التطهير بالماء و النار في مفروض المسألة.

و قد يوجه بان النار توجب استحالة العظام و العذرة إلى رماد و الماء يطهر الجص بناء على عدم الاحتياج الى العدد في الغسل (2) و يندفع اما بناء على ما يلتزم به هذا الموجّه و غيره من اشتراط انفصال ماء الغسالة في حصول التطهير فواضح لان الماء الملقى على الجص في مقام البناء به لا ينفصل عنه.

____________

(1) الوسائل باب 81 من أبواب النجاسات حديث 1

(2) التنقيح الجزء الثاني ص 312

258

..........

____________

و أما بناء على عدم اشتراط ذلك فالأمر أيضا كذلك لأن الماء يلقى عليه الجص عادة بالتدريج فيخرج في الأثناء عن الإطلاق بسبب اختلاصه مع مقدار من الجص الملقى و لا يصدق عليه في أواخر عملية إلقاء الجص فيه إلا انه مجرد رطوبات فكيف يفرض كفايتها في صدق عنوان الغسل بالماء.

و منها النبوي «جنبوا مساجدكم النجاسة»

(1) و يرد عليه أولا ضعف السند بالإرسال و ثانيا ان المساجد غير ظاهرة في مسجد الجبهة إذ لا أقل من احتمال ان تكون بمعنى الأماكن المعدة للسجود و الصلاة التي هي بيوت اللّه و مع الإجمال لا يمكن الاستدلال إذ غاية ما يفيده الحديث حينئذ تشكيل العلم الإجمالي بوجوب تطهير المسجد بأحد المعنيين و هو منحل بالعلم التفصيلي بوجوب تطهير المسجد بالمعنى الثاني بل لا يبعد القول بان الحديث ظاهر في المساجد بالمعنى الثاني لظهوره في كون المسجد معنى ثابتا محفوظا في حالتي الطهارة و النجاسة و يؤمر بابعاد النجاسة عنه نظير ما ورد من «جنبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم» (2) و هذا لا يلائم- مسجد الجبهة الذي هو غير متعين في مكان خاص فالأنسب لو كان النظر اليه ان يعبر بالنهي عن السجود على الموضع النجس. و ثالثا ان الحديث لما كان نبويا و منقولا عن غير طريق الأئمة (عليهم السلام) و لا يعلم تاريخ صدوره فالاستدلال به يتوقف على إثبات تأخره عن انعقاد الحقيقة الشرعية للنجاسة و لا سبيل اليه.

و منها الروايات الواردة في سياق النهي عن الصلاة على النجس

كمعتبرة زرارة قال «سألت أبا جعفر (ع) عن البول يكون على السطح‌

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب أحكام المساجد حديث 2

(2) الوسائل باب 27 من أبواب أحكام المساجد حديث 4

259

..........

____________

أو في المكان الذي يصلي فيه فقال إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر» (1) و نحوها معتبرة عمار التي جاء فيها بعد فرض الموضع القذر اليابس قوله «لا يصلى عليه» (2) و هذه الروايات معارضة بما دل على الجواز كرواية علي بن جعفر المتقدمة في البارية التي تبل بماء قذر و التعارض بنحو التساوي غير ان ما دل على جواز الصلاة على الشّاذكونة التي أصابتها الجنابة (3) يكون موجبا لانقلاب النسبة لأنه ناظر الى غير حيثية السجود بقرينة أن الشاذ كونه لا يجوز السجود عليها على اي حال فتكون مقيدة لمطلقات المنع و بذلك تكون هذه المطلقات أخص من مطلقات الجواز و يثبت بها عدم جواز الصلاة على النجس من ناحية السجود و هذا البيان مبني على انقلاب النسبة و مع عدم قبول ذلك فلا موجب للاخصية المذكورة بل يعامل مع المتعارضين معاملة التساوي فيحمل ما دل على المنع على الكراهة في مقام الجمع العرفي و لا يتم الاستدلال به في المقام و سيأتي مزيد تحقيق لعلاج هذين المتعارضين عند الكلام حول اعتبار الطهارة في مكان المصلي بعنوانه.

و على هذا فالمهم في إثبات اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة هو التسالم و الارتكاز.

المسألة الثانية: في اعتبار الطهارة في المساجد الستة الأخرى

بعد الفراغ عن اعتبارها في مسجد الجبهة و حاصل الكلام في ذلك ان مدرك الاعتبار‌

____________

(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 1

(2) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4.

(3) من قبيل معتبرة زرارة الاتية في ص 571.

260

..........

____________

في الجبهة ان كان هو الإجماع فمن الواضح عدم شموله لها و ان كان هو النبوي أو ما دل على عدم جواز الصلاة على النجس فقد يتوهم اقتضاؤه اعتبار الطهارة في سائر المساجد غير انك عرفت الحال في ذلك بل لا يصح في المقام التمسك بإطلاق المساجد في النبوي لأن مسجدية الستة أمر عنائي فلا يشمله الإطلاق عرفا كما لا يصح التمسك بإطلاق ما دل على المنع من الصلاة على النجس بعد فرض المعارض و نكتة رفع المعارضة في مسجد الجبهة إنما كان بلحاظ مخصص لدليل المنع أوجب انقلاب النسبة و هذا الملخص بنفسه يقتضي إطلاقه جواز وضع المساجد الستة على الشاذ الشّاذكونة النجسة فلا يبقى تحت دليل المنع بعد التخصيص الا مسجد الجبهة.

المسألة الثالثة: في اعتبار الطهارة في مكان المصلي بعنوانه

اي بما هو مصلى لا بما هو مسجد.

و يمكن الاستدلال لذلك بعدة روايات أحسنها معتبرة عبد اللّه بن بكير قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الشاذ كونه يصيبها الاحتلام أ يصلي عليها فقال لا» (1) و هي في نفسها ظاهرة في الاعتبار و لكنها معارضة بما دل على الترخيص في موردها كمعتبرة زرارة عن أبي جعفر قال «سألته عن الشاذ كونه يكون عليها الجنابة أ يصل عليها في المحمل قال لا بأس» (2) فلا بد من علاج هذا التعارض بأحد الوجود التالية:

الأول: حمل الرواية المانعة على الكراهة بقرينة الرخصة و هذا فرع عدم إمكان الجمع بالتخصيص.

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 6

(2) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 3

261

..........

____________

الثاني: حمل الرواية المانعة على فرض الصلاة بنحو يسجد على الشاذ كونه و حمل الرواية المرخصة على ما إذا لم يكن السجود عليها كما في المستمسك (1) و يرد عليه أولا ان حمل المنع على فرض السجود الشاذ كونه لا يصح لأن السجود عليها لا يصح حتى مع طهارتها مع كون المنع واضحا في كونه بلحاظ النجاسة و من هنا قلنا ان معتبرة عبد اللّه بن بكير أحسن ما يستدل به لاعتبار الطهارة في مكان المصلي فهي تتميز على روايات اخرى يمكن الاستدلال بها في المقام كمعتبرة عمار قال «سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنه قد يبس الموضع القذر قال لا يصلي عليه.» (2) و مثلها معتبرة زرارة الواردة في مطهرية الشمس (3) و معتبرة زرارة و حديد المقاربة لها (4) فان هذه الروايات دلت منطوقا أو مفهوما على النهي عن الصلاة على الأرض النجسة لكن لما كانت الأرض مما يصح السجود عليها بخلاف الشاذ كونه لم تكن في هذه الروايات تلك القرينة الخاصة على ان النظر الى اعتبار الطهارة في مكان المصلي من غير ناحية مسجد الجبهة بينما معتبرة عبد اللّه بن بكير تشتمل على تلك القرينة و ثانيا: انه لو فرض جواز السجود على الشاذ كونه فالجمع بما ذكر جمع تبرعي و لا يمكن الأخذ به بلا قرينة.

الثالث: ان تحمل رواية المنع على فرض النجاسة مع الرطوبة و رواية الترخيص على صورة النجاسة مع الجفاف بقرينة ما دل على التفصيل المذكور كمعتبرة عمار الآتية في البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها‌

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 491 من الطبعة الرابعة.

(2) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4

(3) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 1

(4) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 2

262

..........

____________

فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها و معتبرة أخرى لعلي بن جعفر بنفس المضمون و- هذا الجمع انما يتجه فيما لو كان قصر دليل المنع على فرض الرطوبة و السراية تخصيصا و أما إذا قيل انه ليس تخصيصا بل هو إلغاء لعنوان الدليل رأسا بحيث يكون النهي عن الصلاة على النجس لا من أجل هذا العنوان بل من أجل محذور السراية الى الثوب و البدن و هذا تأويل فلا موجب لتقديمه على الوجه الأول في مقام الجمع العرفي. و قد يقال ان هذا المحذور انما يلزم لو فرض ان قصر دليل المنع على فرض الرطوبة كان يعني ان المحذور هو تنجس المصلي بدتا أو ثوبا و أما إذا قيل بان مرجع ذلك إلى مانعية أخرى وراء مانعية نجاسة البدن و الثوب و هي مانعية نجاسة المكان غير ان موضوع هذه المانعية حصة خاصة من نجاسة المكان و هي النجاسة المقترنة بالرطوبة المسرية فلا يلزم المحذور المذكور حيث يتحفظ على العنوان فيكون القصر المذكور تخصيصا لا إلغاء.

و قد يشكل على ذلك بإشكال ثبوتي حاصله لغوية جعل هذه المانعية لأنها مساوقة لبطلان الصلاة من ناحية أخرى بسبب سراية النجاسة إلى البدن و الثياب و يمكن دفع هذا الاشكال بتصوير ثمرات لها منها فيما إذا كانت السراية الى ما لا تتم فيه الصلاة من لباس المصلي.

و منها فيما إذا كانت السراية إلى موضع نجس بالفعل و المكلف مضطر إلى الصلاة فيه و لكنه غير مضطر إلى الصلاة في ذلك المكان. و منها فيما إذا بني على عدم تنجيس المتنجس و كان المكان المرطوب متنجسا خاليا من عين النجس أو متنجسا ثانيا و منها في مجال الإحراز الظاهري لو كانت الرطوبة مشكوكة البقاء إذ يجري استصحاب بقائها إذا كان موضوع المانعية نجاسة المكان مع الرطوبة و لا يجري إذا كان المانع نجاسة الثوب‌

263

..........

____________

إذ لا تثبت السراية بالاستصحاب المذكور على ما تقدم في محله (1).

فالصحيح توجيه الإشكال إثباتا و ذلك بان يقال ان المانعية لنجاسة المكان المقارنة مع الرطوبة ان أريد استفادتها من نفس ما دل على التفصيل بين حالتي الرطوبة و الجفاف كمعتبرة عمار و غيرها (2) فمن الواضح ان ارتكاز إناطه السراية بالرطوبة و اعتبار الطهارة في الثوب و البدن يوجب انصراف الذهن عرفا عند تلقى مثل هذا الدليل الى كون الملحوظ ذلك الأمر المركوز لأجعل مانعية جديدة و ان أريد استفادة هذه المانعية من نفس المطلقات المنع بعد رفع اليد عن إطلاقها لفرض جفاف المكان بمقيد منفصل و هو معتبرة عمار و غيرها فقد يوجه ذلك بان المطلقات في نفسها ظاهرة في مانعية نجاسة مكان المصلي بعنوانه لعدم إناطة المانعية فيها بالرطوبة المسرية و تقييدها بذلك بمقيد منفصل غاية ما يوجبه رفع اليد عن إطلاقها لا قلب ظهورها فينتج المطلوب، إلا أن هذا إنما يتجه فيما لو لم نقل بأن قرينية المخصص و المقيد المنفصل على التخصيص و التقييد منوطة بصلاحيته لذلك على فرض الاتصال و قد عرفت انه على فرض الاتصال ينقلب الظهور فلا يتم الوجه المذكور.

الرابع ان يقال باخصية معتبرة زرارة من معتبرة عبد اللّه بن بكير لأنها وردت في الصلاة على الشاذ كونه في المحمل و الصلاة التي تصلي في المحمل عادة في حالة الاختيار انما هي صلاة النافلة فتجعل هذه العبارة قرينة على النظر إلى النافلة فتكون أخص موضوعا من رواية المنع ليلزم بالتفصيل بين الفريضة و المندوبة.

____________

(1) تقدم في بحث السراية في أول فصل كيفية تنجس المتنجسات.

(2) و هي معتبرة علي بن جعفر الاتية

264

..........

____________

و لكن لو سلم ذلك فقد يعوض عن معتبرة زرارة المرخصة بغيرها مما لا تختص بالمحمل كرواية ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (ع) قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (ع): أصل على الشاذ كونه و قد أصابتها الجنابة فقال:

لا بأس» (1) و معتبرة علي بن جعفر المشار إليها مرارا عن أخيه موسى قال «سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذرا يصلي عليه قال إذا يبست فلا بأس» (2) و مثلها معتبرة عمار الساباطي (3) بنفس المضمون فهذه الروايات مطلقة للفريضة و النافلة بل يصح عرفا تخصيصها بالنافلة خاصة فتعارض معتبرة عبد اللّه بن بكير.

و لكن رواية محمد بن أبي عمير ضعيفة السند بصالح النيلي لأنه و ان روى عنه صفوان غير انه مضعف من النجاشي و بمحمد بن أبي عمير لأنه غير ابن أبي عمير الثقة جزما أو احتمالا و لم تثبت وثاقته فان ابن ابي عمير الثقة من أصحاب الكاظم و ممن يروى عن عدد كبير من أصحاب الصادق و هذا ممن يروي عن الامام الصادق مباشرة و هناك قرائن تؤيد تعدد محمد ابن ابي عمير من جملتها ان النجاشي قد أرخ وفاة محمد بن أبي عمير الثقة بسنة مأتين و سبعة عشر أي في أواخر حياة الامام الجواد (عليه السلام) مع أن الكليني ذكر في الكافي في باب الرجل يموت و لا يترك إلا امرأته بسنده الى محمد بن نعيم الصحاف رواية تدل على موت محمد بن أبي عمير بياع السابري و مراجعة العبد الصالح بشأن تركته (4) و العبد الصالح ظاهر‌

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 4

(2) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 2

(3) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 5

(4) نقلها عنه و عن الشيخ في الوسائل باب 4 من أبواب ميراث الأزواج حديث 2.

265

..........

____________

في الإمام الكاظم فان تم سند هذه الرواية و ثبت توثيق محمد بن نعيم على أحد الاحتمالين في كلام للنجاشي في ترجمة الحسين بن نعيم [1] فهو دليل شرعي واضح على التعدد و إلا أمكن أيضا الاعتماد عليها بتقريب ان محمد بن أبي عمير كان شخصا شهورا و مرجعا في الطائفة و لا يخفى امره عادة و من الواضح عموما حياته بعد الامام الكاظم فغير الثقة لا يقدم أيضا على الاخبار عن وفاة شخص من هذا القبيل في وسط الرواة الذين يعرفون حال محمد بن أبي عمير فلو لم يكن التعدد امرا مفترضا أو ممكنا لما صدرت مثل هذه الرواية.

و مما يوضح التعدد أيضا ما نقله الكشي عن محمد بن إبراهيم الوراق عن علي بن محمد بن يزيد القمي عن بنان بن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن محمد بن أبي عمير قال دخلت الى أبي عبد اللّه.

الحديث (1) فقد جاء ابن أبي عمير مرتين في السند و هو دليل التعدد و كون الواسطة غير ثقة [2] لا يضر لجريان التقريب السابق.

و أما معتبرتا علي بن جعفر و عمار فالاستدلال بهما لا يصح ممن يقول‌

____________

[1] قال النجاشي في ترجمته «الحسين بن نعيم الصحاب مولى بني أسد ثقة و أخواه علي و محمد رووا عن أبي عبد اللّه (ع).» حيث حكي عن المجلسي الأول اسفادة توثيق الحسين و علي و محمد من هذه العبارة فكأنهما بمعنى «ثقة هو و أخواه» و حكم الآخرون بعدم استفادة توثيق غير الحسين منها

[2] باعتبار عدم ثبوت وثاقة محمد بن إبراهيم الوراق و علي بن محمد القمي و بنان بن محمد بن عيسى.

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب المواقيت حديث 14 و رجال الكشي حديث 224.

266

[حكم التبعيض في طهارة مسجد الجبهة]

(مسألة 1) إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب فلا يضر كون البعض الآخر نجسا و ان كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه (1) و يكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا و إن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجسا فلو وضع التربة محل نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الظاهر صحت صلاته

____________

بمطهرية الشمس للبواري إذ بناء على ذلك تكونان معارضتين لمعتبرة عبد اللّه ابن بكير بإطلاقها لصورة استناد اليبوسة الى غير الشمس فتقيدان بها و لعل أحسن ما يمكن جعله معارضا مع رواية المنع مع خلوة من شبهة الاختصاص بالنافلة معتبرة علي بن جعفر انه سأل أخاه موسى بن جعفر (ع) عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة أ يصلي فيهما إذا جفا قال نعم» (1) فإنها ترخص في فرض اليبوسة بغير الشمس و لا يمكن تخصيصها نافلة و عليه فاما ان يجمع بينها و بين ما دل على المنع يحمل المنع على الكراهة أو بتخصيص دليل الترخيص بغير مسجد الجبهة فيكون أخص مطلقا من دليل المنع بناء على انقلاب النسبة و على اي حال فقد اتضح انه لا موجب للقول باعتبار الطهارة في مكان المصلي بعنوانه.

(1) تحقيق الكلام في ذلك ان مدرك الاعتبار ان كان هو الإجماع فالمتيقن منه اعتبار الطهارة في المقدار الواجب و ان كان رواية الحسن بن محبوب الواردة في الجص النجس فالمتيقن من المنع فيها ما إذا كان‌

____________

(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 1

267

[وجوب إزالة النجاسة عن المساجد]

(مسألة 2) تجب إزالة النجاسة عن المساجد (1) داخلها و سقفها و سطحها و طرف الداخل من جدرانها

____________

المسجد بتمامه نجسا فلا يثبت بها لزوم الطهارة إلا بمقدار الواجب أيضا و ان كان المدرك النبوي فلا بأس بالتمسك به لاعتبار الطهارة في تمام ما يسجد عليه لان ظاهره النظر الى ما هو مسجد بالفعل لا ما جعل شرعا مجزيا في السجود لأنه على خلاف الإطلاق. و ان كان المدرك ما دل على النهي عن الصلاة على الموضع القذر بعد تقييده بما دل على جواز اتخاذ الشاذ كونه النجسة مكانا للمصلي الموجب لاختصاص النهي المذكور بحيثية السجود على النجس فيمكن التمسك بإطلاقه أيضا لاعتبار الطهارة في تمام ما يسجد عليه فإنه صلاة عليه و لا صلاة على النجس إلا في حدود ما خرج بدليل و قد اتضح بما ذكرناه ان ما في المتن هو الصحيح‌

(1) الحكم بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد و حرمة تنجيسه هو المشهور بين العلماء بل لم ينقل عن أحد الذهاب الى الخلاف بل نقل عدم الخلاف كما في خلاف الشيخ الطوسي (قدس سره) إذ ذكر انه لا خلاف في انه يجب أن يجنب المساجد من النجاسات و في سرائر ابن إدريس إذ ذكر أيضا انه لا خلاف في ذلك بين الأمة كافة (1) و قد استدل على ذلك بعدة روايات.

منها رواية علي بن جعفر عن أخيه قال «سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه أ يصلي فيه قبل ان يغسل قال إذا جف‌

____________

(1) راجع مفتاح الكرامة المجلد الأول ص 157

268

..........

____________

فلا بأس» (1) و قد نقلها الشيخ الحر عن كتاب علي بن جعفر فهي صحيحة السند (2) و تقريب الاستدلال بها بوجوه:

الأول: ان الرواية تدل بالمفهوم على وجوب التطهير من النجاسة غير الجافة و باعتبار عدم القول بالفصل بين حالة الجفاف و عدمها يقيد المنطوق بالجفاف بالشمس المساوق للطهارة بناء على مطهريتها و يرد عليه أن دعوى الإجماع على عدم الفصل غير واضحة و قد تكون دعوى الإجماع البسيط على أصل المطلوب أوضح.

الثاني: ان ظاهر لسؤال عن الصلاة قبل الغسل أن أصل لزوم الغسل مفروغ عنه و انما الكلام عن تأخيره و قد أمضي ذلك في مقام الجواب و فيه ان ظاهره افتراض وقوع الغسل لا الفراغ عن لزومه و يكفي في الافتراض المذكور جريان العادة على ذلك و اقتضاء السنة له.

الثالث: أن صيغة السؤال «أ يصلي فيه» ظاهرة في السؤال عن جواز الصلاة كما هو الحال أشباه هذا التركيب و لما كان المسؤول عنه هو جواز الصلاة قبل الغسل لا جواز الصلاة بلا غسل رأسا دل بظاهره على ان إهمال الغسل رأسا مما قد فرغ عن عدم جوازه عند السائل فيدل الجواب على وجوب الغسل بالإمضاء و لكن هذا يتوقف على أن يكون المفروغ عنه عدم جواز إهمال الغسل بلحاظ النجاسة فيثبت حينئذ وجوب التطهير من النجاسة و لا يضر بذلك عدم كون بول الدابة نجسا لان رفع اليد عن أصالة الجد بلحاظ التطبيق لا يلزم منه رفع اليد عنها بلحاظ الكبرى المستفادة‌

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب النجاسات حديث 18.

(2) لان كتاب المسائل لعلي بن جعفر وصل الى الشيخ بطريق معتبر ذكره في ترجمة علي بن جعفر في الفهرست ثم وصل الى الشيخ الحر بطرقه المعتبرة إلى الشيخ كما ذكر ذلك في خاتمة الوسائل.

269

..........

____________

و أما إذا كان المفروغ عنه عدم جواز إهمال الغسل لا بلحاظ النجاسة بل تنزيلها للمسجد عن كل ما يشين فلا يتم الاستدلال لان مثل هذه الكبرى أوسع من المدعي فإذا كان من المعلوم عدم وجوب التنزيه بهذا العرض العريض فلا يبقى ما يدل على المطلوب و قد يقرب ان الملحوظ في الغسل ليس هو النجاسة تارة باستبعاد عدم معرفة علي بن جعفر لطهارة بول الدابة و اخرى بأن الملحوظ لو كان هو النجاسة فأي فرق بين فرضي الجفاف و عدمه و يمكن دفع المقرب الأول بعدم التسليم بأن طهارة بول الدواب كان واضحا في ذلك الزمان مع كثرة ما صدر منهم من الأمر بالغسل منه و شيوع السؤال عنه من كبار الرواة من أمثال محمد بن مسلم و زرارة بل من علي بن جعفر في روايتين (1) أيضا و يمكن دفع المقرب الثاني بأن احتمال كون الجفاف مؤثرا في عدم وجوب الإسراع بالغسل و جواز تأخيره الى ما بعد الصلاة ليس على خلاف الارتكاز العرفي و لو سلم كونه كذلك فليكن هذا الارتكاز مقيدا بما إذا جف بالشمس بناء على مطهرية الشمس و لكن يبقى على اي حال احتمال ان تكون الكبرى المفروغ عنها هي كبرى التنزيه عن كل ما يشين التي لا يمكن الالتزام بالوجوب فيها اللهم الا ان يقال انه لا مانع من الالتزام بالوجوب في حدود هذه الكبرى أيضا إلا ما خرج بدليل و التطهير من النجس الشرعي هو المتيقن منها و مما استدل به في المقام روايتان للحلبي و لعلها واحدة رويت بطريقين إحداها ما ينقله الكليني بسنده عن محمد الحلبي قال «نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه (ع) فقال: أين نزلتم؟

فقلت: نزلنا في دار فلان فقال: ان بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا؟ و قلنا له‌

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب النجاسات حديث 5- 6- 7- 19- 21

270

..........

____________

إن بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا فقال: لا بأس ان الأرض تطهر بعضها بعضا.» (1)

و الآخر ما جاء في السرائر نقلا عن نوادر أحمد بن محمد بن علي أبي نصر عن المفضل بن عمر عن محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع) قال «قلت له ان طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه و ليس على حذاء فيلصق برجلي من نداوته فقال: أ ليس تمش بعد ذلك في أرض يابسة قلت: بلى فلا بأس ان الأرض تطهر بعضها بعضا قلت: فأطأ على الروث الرطب؟

قال: لا بأس انا و اللّه ربما وطئت عليه ثم أصل و لا اغسله» (2).

و الاستدلال بالروايتين بلحاظ ما يظهر من وجود محذور في الدخول الى المسجد بعد المرور بالزقاق القذر و ليس ذلك الا من ناحية حرمة التنجيس نعم لا يدل ذلك على وجوب التطهير بينما ما يدل من الروايات على هذا الوجوب يدل عرفا على حرمة التنجيس كما هو واضح. و الظاهر عدم تمامية الاستدلال لسقوط الروايتين سندا و دلالة أما السند فلسقوط الاولى بمحمد بن إسماعيل الواقع بين الكليني و الفضل بن شاذان و هو لم يتعين في الثقة. نعم لو بني على تصحيح أسانيد كامل الزيارات أمكن تصحيحه لوروده على هذا النحو هناك (3) و لسقوط الثانية لعدم معلومية طريق السرائر إلى النوادر. و أما الدلالة فلان تعارف قصد المسجد للصلاة فيه لا يبقى ظهورا في ان المحذور المنظور هو تنجيس المسجد لإمكان ان يكون هو وقوع الصلاة في النجس خصوصا في الرواية الثانية حيث صرح فيها بكون الشخص حافيا و جاء فيها قوله: «أصل و لا اغسله» و دعوى ان هذا‌

____________

(1) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 4

(2) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 9.

(3) كامل الزيارات الباب السادس حديث 1.

271

..........

____________

الاحتمال خلاف الظاهر في الرواية الأولى لأن العادة جارية على عدم المشي حافيا و نجاسة الحذاء لا اثر لها بالنسبة إلى الحذاء مدفوعة بأن هذه العادة لم تكن بدرجة توجب الانصراف العرفي لشيوع المشي حافيا في ذلك العصر أيضا على أن النعل لا تصون نفس القدم من وصول النجاسة إليها غالبا مضافا إلى ان الرواية تعبر عن قضية معينة خارجية و يحتمل اطلاع الامام (ع) بصورة عادية على حال الجماعة من هذه الناحية.

و من الروايات المستدل بها ما ورد في كيفية اتخاذ الكنيف مسجدا كمعتبرة الحلبي «في حديث» انه قال لأبي عبد اللّه (ع) «فيصلح المكان الذي كان حشا زمانا ان ينظف و يتخذ مسجدا؟ فقال: نعم إذا القي عليه من التراب ما يواريه فان ذلك ينظفه و يطهره» (1) و مثلها معتبرة ابن سنان (2) و رواية مسعدة بن صدقه (3) و غيرها (4) و الاستدلال بها إن كان بلحاظ ما تدل عليه من لزوم تنظيف الكنيف عند اتخاذه مسجدا فمن الواضح ان هذا أعم من وجوب التطهير المراد إثباته لأن ذاك من المقتضيات الواضحة لحرمة المسجد و اعتباره و ان كان بلحاظ التعليل بأنه يطهره و التعدي بقانون التعليل الى وجوب التطهير مطلقا ففيه ان هذا التطهير لم يرد به التطهير الشرعي كما هو واضح لأن إخفاء التراب النجس ليس مطهرا له بل أريد به إصلاح حال المكان بنحو يليق للمسجدية.

و قد يستدل بالنبوي المتقدم «جنوا مساجدكم النجاسة» بناء‌

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

(2) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام المساجد حديث 4.

(3) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام المساجد حديث 5.

(4) كرواية أبي الجارود المذكورة في الوسائل باب 11 من أبواب أحكام المساجد حديث 3 و غيرها.

272

..........

____________

على ان المراد بالمساجد المعنى المقصود هنا كما هو الظاهر و ان يراد بالنجاسة ما يعم الحكمية أي صفة النجاسة لا عينها و إلا لاختص الوجوب بتجنب عين النجس و على اي حال فالاستدلال ساقط لضعف السند بالإرسال.

و قد يستدل بمعتبرة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر في حديث طويل «ان اللّه اوحى الى نبيه ان طهر مسجدك و اخرج من المسجد من يرقد فيه بالليل» الحديث (1) حيث دل مفادها على وجوب التطهير و هو يدل على حرمة التنجيس بالفحوى العرفية كما تقدم و يرد عليه:

أولا ان مورد الرواية مسجد النبي (ص) و التعدي منه- مع احتمال الفرق- بلا موجب و ثانيا ان الأمر للنبي بالتطهير لعله بلحاظ الولاية و المنصب كما يشهد له الأمر بإخراج الراقدين فلا يثبت به حكم شرعي عام.

و قد يستدل بآيتين كريمتين إحداهما قوله تعالى مخاطبا إبراهيم «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (2) و الاستدلال بذلك يتوقف.

أولا على إمكان التعدي من بيته و هو الكعبة الشريفة إلى مطلق المساجد اما بدعوى ان المراد بالبيت في الآية طبيعي بيته فيكون ما دل على ان المساجد بيوت اللّه حاكمة أو بدعوى ان المراد ببيته و ان كان هو الكعبة و لكن الإضافة ظاهره في العلية فكأنه قال طهره لأنه مضاف لي بهذا العنوان فيعم سائر المساجد بلحاظ مال على انها بيوت اللّه أو بدعوى ان مورد الآية و ان كان هو الكعبة و لكن التطهير من أجل القائمين و الركع و السجود لا يختص بها فيعم الحكم كل المحال المعدة لهؤلاء أعدادا شرعيا‌

____________

(1) الوسائل باب 15 من أبواب الجنابة حديث 1

(2) الحج «26».

273

..........

____________

و كل هذه الوجوه محل نظر كما هو واضح.

و ثانيا على أن يكون التكليف لإبراهيم (ع) لا باعتبار المنصب و الولاية و الا لم يكف لإثبات حكم شرعي عام.

و ثالثا على إثبات ان كلمة الطهارة عند نزول الآية الكريمة كانت ظاهرة في المعنى الشرعي و لا يحتاج إلى إثبات هذا التطور للكلمة في عصر إبراهيم كما قيل لأن الآية الكريمة لا تنقل الخطاب الوجه لإبراهيم باللفظ بل بالمعنى فلو فرض ان الكلمة كانت ظاهرة في المعنى الشرعي عند نزول الآية كفى ذلك في معرفة المعنى المقصود الذي خوطب به إبراهيم و حمله على المعنى الشرعي.

و الآية الأخرى قوله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» (1) و بقرينة التفريع يعرف ان كل نجس لا يقرب المسجد الحرام غير ان الاستدلال بها يتوقف.

أولا: على إمكان التعدي من المسجد الحرام الى غيره مع احتمال الفرق عرفا لاختصاص المسجد الحرام بأحكام احترامية معينة كحرمة استطراق الجنب مثلا.

و ثانيا: على ان يراد بالنجس النجاسة الشرعية للمشرك لا قذارته المعنوية على ما تقدم في بحث نجاسة الكافر و مع افتراض كلا هذين الأمرين فالآية لا تشمل التنجيس بالمتنجس لعدم كونه نجسا و من ناحية أخرى تشمل مطلق إدخال النجاسة و لو لم تكن منجسة.

و على كل حال فأحسن هذه الوجوه دلالة على المقصود رواية علي ابن جعفر الاولى المدعمة بعدم الخلاف و الارتكاز المتشرعي العام.

____________

(1) التوبة (28).

274

[حكم تطهير السطح الخارجي لجدران المسجد]

بل و الطرف الخارج على الأحوط (1) لا ان لا يجعلها الواقف جزءا من المسجد بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزءا لا يلحقه الحكم

[فورية وجوب تطهير المساجد]

و وجوب الإزالة فوري (2) فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي و يحرم تنجيسها أيضا

____________

(1) هذا الاحتياط ينبغي أن يكون استحبابيا لأن المدارك المتقدمة يشكل إطلاقها للطرف الخارج سواء كان المدرك الإجماع أو معتبرة علي بن جعفر أو رواية الحلبي في الزقاق القذر أو ما دل على الأمر بتطهير البيت اما الأول فواضح لكونه لبيا، و أما الثاني فلان الارتكاز المكتشف ضمنا ليس له إطلاق ليتمسك به لأن الرواية لم تكن مسوقة لبيانه و أما الثالث فلأن فرضه هو الدخول الى المسجد بالنجاسة لامس الطرف الخارج فحسب و أما الرابع فلأن تطهير عنوان البيت عرفا لا يشمل الطرف الخارجي له لخروجه عادة عن محل الاستعمال فلا يجب تطهير الطرف الخارج من المسجد ما لم يلزم من تركه الإهانة و الهتك المحرم‌

(2) قد يقال ان الأمر بشي‌ء لا يدل على الفور و لكن التحقيق دلالته في المقام لأن الأمر ان كان ناشئا عن مصلحة في متعلقة فلا ظهور له في الفور لإمكان قيام المصلحة بالجامع بين الإفراد الطولية و أما إذا استظهر من دليله انه من أجل وجود المفسدة في ترك متعلقة فحيث إن المفسدة انحلالية بحسب الارتكاز العرفي فينعقد له ظهور في الفور لأجل التخلص من تمام إفراد المفسدة و مقامنا من هذا القبيل و لكن هذا لو فرض ورود‌

275

[حكم إدخال النجاسة في المسجد]

بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها و ان لم تكن منجسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها بل مطلقا على الأحوط (1) و أما إدخال المتنجس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك

____________

دليل لفظي آمر بالغسل أو التطهير و الأمر أوضح لو كان مستند وجوب التطهير النهي عن قرب النجس من المسجد فإن النهي باعتبار انحلاليته يقتضي إعدام القرب في كل آن. و أما مع عدم تمامية دليل لفظي بهذا اللسان أو بذاك فينحصر إثبات وجوب الفور بالاستناد إلى الإجماع و الارتكاز أو إلى ما يفهم من معتبرة علي بن جعفر من عدم جواز تأخير الغسل الغسل الى ما بعد الصلاة في فرض عدم الجفاف‌

(1) الظاهر الجواز مع عدم الهتك كما يظهر وجهه مما تقدم لأن ما يمكن على الاستناد إليه في إثبات الحكم يختص بفرض كون النجاسة منجسة فإن هذا هو المتيقن من التسالم و هو مورد معتبرة علي بن جعفر كما ان الرواية الحلبي لو تمت دلالتها لم يكن للمحذور الملحوظة فيها ضمنا إطلاق يتمسك به في المقام لأنها لم تكن في مقام البيان من ناحيته نعم لو تم الاستدلال بالنبوي المتقدم أو بآية «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» لأمكن ان يدعى التعميم ففي الأول ان لوحظت النجاسة بما‌

276

[كفائية وجوب تطهير المساجد]

(مسألة 3) وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي و لا اختصاص له بمن نجسها أو صار سببا فيجب على كل أحد (1)

____________

هي عين فدعوى التعميم واضحة و ان لوحظت بما هي صفة فكذلك لأن العين النجسة تلحظ عرفا صفة للمكان المتلوث بها و في الثاني حيث ان الغالب أو المتعارف عدم سراية النجاسة من المشرك بمجرد قربة أو استطراقه فتكون الآية الكريمة ظاهرة في حرمة إدخال النجاسة و لو مع عدم التنجيس و لكن كلا هذين المدركين لو تم لا يشمل المتنجس و لهذا لم يستشكل فيه.

(1) لا إشكال في ان وجوب إزالة النجاسة كفائي فيما إذا لم يستند التنجيس الى مكلف معين و ذلك اما بان يكون المخاطب هو الجامع أو الجميع و لكن مع إدخال نتيجة التطهير أو جامعه في عهدة كل مكلف أو الجميع و إدخال نفس العملية في العهدة و لكن مع اشتراط تكليف كل فرد بعدم قيام الآخرين إذ بدون إدخال إحدى هذه العنايات الثلاث يلزم ان كل مكلف لا بد له من منع تطهير الآخر تحفظا على صدور الامتثال من قبله و هو معلوم العدم، و أما إذا استند التنجيس إلى مكلف بعينه فقد نسب الى الشهيد في الذكرى (1) ان وجوب التطهير في هذه الحالة عيني ثابت على المكلف المنجس و قيل في الرد عليه انه ان أريد ان هذا المكلف يجب عليه عينا التطهير و على فرض عصيانه يجب على الآخرين كفاية فهو معقول و لكن لا دليل عليه و ان أريد انه يختص به الوجوب على نحو لو عصى لا يجب على غيره شي‌ء فهو خلاف الأدلة اللفظية و اللبية لوجوب التطهير و هذا الرد محط نظر من وجوه منها ان ما قيل انه معقول من الوجوب العيني ان أريد به‌

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 496 من الطبعة الرابعة.

277

..........

____________

وجوب التطهير على المنجس بنحو يلزمه ان يحول دون تصدي الآخرين لذلك تمكينا لنفسه من مباشرة التطهير فهو غريب و غير محتمل في نفسه و ان أريد على نحو لا يلزمه ذلك فلا بد من افتراض احدى العنايات المتقدمة للوجوب الكفائي.

و منها ان ما قيل من منافاة إنكار الوجوب الكفائي في هذه الحالة للأدلة اللفظية محل إشكال لأن مهم الدليل اللفظي معتبرة علي بن جعفر و هي واردة في غير هذه الحالة و لا إطلاق فيها بل و كذلك الأمر أيضا في رواية الحلبي فإنها انما تدل لو تمت على حرمة التنجيس لا على وجوب التطهير لأن حرمة التنجيس لا تستلزم عرفا وجوب التطهير لأن فيه عناية زائدة و في التنجيس من الحزازة عرفا ما لا يوجد في ترك التطهير. و لو سلم استفادة وجوب التطهير مما دل على حرمة التنجيس فليس مثل رواية الحلبي في مقام البيان من ناحية حرمة التنجيس فضلا عن وجوب التطهير ليتمسك بإطلاقه نعم لو كان المدرك مثل النبوي و نحوه لأمكن التمسك بإطلاقه لإثبات الوجوب الكفائي في هذه الحالة و لا انحصر مدركه فيها بالأدلة اللبية.

و منها انه قد لوحظ في هذا البيان خطاب وجوب التطهير فقيل ان نسبته الى المنجّس و غيره على نحو واحد و لكن يمكن ان يوجه ما عن الشهيد (قدس سره) بملاحظة خطاب حرمة التنجيس بدعوى ان المتفاهم منه عرفا كون المحرم و المبغوض الأثر الحاصل و هو النجاسة و هو مما له حدوث و بقاء فكما ان حدوثه مستند الى المنجّس كذلك بقاؤه و كلاهما محرم و لهذا‌

278

[تزاحم الصلاة مع تطهير المسجد]

(مسألة 4): إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها و مع الضيق قدمها و لو ترك الإزالة مع السعة و اشتغل بالصلاة عصى لترك الإزالة لكن في بطلان صلاته اشكال و الأقوى الصحة (1)

____________

يفرق العرف بلحاظ خطاب حرمة التنجيس في درجة التمرد بين ما إذا أقدم على التنجيس عالما بأنه يطهر بعد لحظة بنزول المطر و ما إذا أقدم عليه عالما بأن النجاسة ستبقى و ليس ذلك الا لفهم ان المصب الحقيقي للحرمة هو الأثر الذي له بقاء لا نفس عملية التنجيس التي هي على نحو واحد في كلتا الحالتين.

(1) في هذه المسألة فروع:

الأول: فرض التزاحم مع ضيق وقت الفريضة و لا إشكال في تقديم الفريضة حينئذ اما تطبيقا لقانون باب التزاحم من تقديم الأهم علما أو احتمالا و هو الصلاة التي هي مما بني عليها الإسلام أو لقصور في إطلاق دليل وجوب الإزالة أو وجوب فوريتها في نفسه بنحو لا يصلح للمزاحمة مع دليل وجوب الفريضة.

الثاني: فرض سعة وقت الفريضة و لا إشكال حينئذ في وجوب تقديم الإزالة لأن هذا هو مقتضى فورية وجوبها.

الثالث: انه في هذا الفرض لو عصى المكلف فلم يزل و اشتغل بالصلاة فلتصحيح الصلاة ثلاثة أوجه أحدها تصحيحها بنفس الأمر الأول المتعلق بالجامع بين الإفراد الطولية و هو موقوف على إمكان الواجب المعلق إذ لا يوجد في تلك الحالة ما هو مقدور من إفراد الجامع عقلا و شرعا ففعلية‌

279

هذا إذا أمكنه الإزالة و اما مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحة صلاته (1) و لا فرق في الاشكال في الصورة الأولى بين ان يصلى في ذلك المسجد أو في مسجد آخر (2) و إذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الإزالة (3)

____________

وجوب الجامع و الحالة هذه تفترض إمكان سبق الوجوب على زمان القدرة على الواجب و ثانيها- بعد فرض عدم تمامية الوجه السابق- الالتزام بالأمر الترتيبي بالجامع لئلا يلزم محذور سبق الوجوب على زمان القدرة على الواجب و ثالثها- بعد افتراض استحالة الترتب- الالتزام بتصحيح الصلاة بالملاك بناء على إمكان التقرب بلحاظ الملاك و إمكان إحرازه مع سقوط الخطاب بلحاظ إطلاق المادة أو الدلالة الالتزامية و قد تكلمنا عن تفصيل ذلك في الأصول.

هذا كله بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده الخاص و إلا دخل خطاب صل و أزل في باب التعارض و خرج عن باب التزاحم لاستلزام الجمع بينها الجمع بين الوجوب و الحرمة في فعل واحد و لا يتم حينئذ الوجه الأول و لا الثاني لعدم إمكان اجتماع الأمر و النهي و اما الوجه الثالث فهو مربوط حينئذ بأن النهي الغيري هل يوجب سلب صلاحية متعلقة للتقرب به كالنهي النفسي أولا و تحقيق الكلام في ذلك في الأصول‌

(1) لعدم فعلية الأمر بالإزالة لكي يزاحم إطلاق الأمر بالفريضة‌

(2) باعتباران طرف المزاحمة هو الصلاة في نفس الوقت من دون تقييد بمكان دون مكان‌

(3) لان ذلك هو مقتضى كفائية وجوب التطهير نعم يشكل فيما‌

280

[حكم الصلاة بعد انكشاف نجاسة المسجد]

(مسألة 5) إذا صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا كانت صلاته صحيحة (1)

____________

لو كان الغير المباشر ضعيف الحال و الطول بحيث يؤدى الاتكال عليه الى استمرار بقاء النجاسة مقدارا معتدا به عرفا ففي مثل ذلك لا يكون اشتغال مثل هذا الغير مسقطا للتكليف بلحاظ هذا المقدار المعتد به من الفرق.

(1) اما إذا بني على التشكيك في إطلاق دليل وجوب التطهير لفرض عدم العلم بالنجاسة لقصور اللبي منها و عدم كون اللفظي منها من معتبرة علي بن جعفر و رواية الحلبي مسوقة لبيان أصل الحكم ليتمسك بإطلاقها فالأمر واضح و أما إذا بني على الإطلاق في الدليل المذكور و بني على بطلان الصلاة من العالم بالنجاسة فهذا البطلان ان كان بملاك التزاحم الموجب لسقوط الأمر بالصلاة و عدم تعقله و لو على وجه الترتب فلا يجرى ذلك في فرض الجهل إذ لا محذور في فعلية الأمر بالضدين مع عدم تنجز أحدهما و ان كان البطلان بملاك التعارض بين خطابي صل و أزل بلحاظ اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضده و تقديم خطاب أزل الموجب لسقوط الأمر بالصلاة فيحكم ببطلانها لعدم إحراز الملاك مع سقوط الأمر فهذا المدرك لا يفرق فيه بين حالتي العلم و الجهل و ان كان مدرك البطلان في صورة العلم مع الاعتراف بإمكان إحراز الملاك بدون أمر هو مانعية النهي الغيري عن العبادة عن وقوعها على وجه قربى فهذه المانعية ان كانت بلحاظ استحالة التقرب بالمبغوض فلا يفرق بين حالتي العلم و الجهل لانخفاض النهي الغيري و ما يكشف عنه من مبغوضية و ان كانت بلحاظ‌

281

[حكم الصلاة مع الغفلة عن تنجس المسجد]

و كذا إذا كان عالما بالنجاسة ثم غفل و صلى (1)

____________

استحالة التقرب بما هو مبعد و معصية للنهي فهذا يختص يفرض العلم إذ لا معصية في فرض الجهل.

(1) إذا بني على الفرق بين الشاك و الغافل من ناحية إطلاق الخطاب للأول دون الثاني بدعوى قابلية الشاك للتحرك و لو عن احتمال التكليف بخلاف الغافل فصحة الصلاة من الغافل أوضح حينئذ من صحتها من الشاك لعدم فعلية خطاب الإزالة في حق الغافل حتى مع الالتزام بإطلاق أدلة وجوب التطهير للشاك و إذا بني على ان الغفلة كالشك عذر عن الجري على طبق التكليف مع فعلية خطابه فحال الغافل كالشاك و لعل المعروف التفرقة بين الشك و الغفلة و الظاهر عدم الفرق و شمول الخطابات الواقعية للغافل أيضا كالشاك لأن المدلول التصديقي لها من الجعل بمبادئه من الإرادة و الكراهة و المصلحة و المفسدة قابل للشمول للغافل بدون محذور عقلي و انما المحذور في الشمول للغافل ينشأ من ظهور الخطاب في كونه إبراز للحكم و لتلك المبادئ بداعي تحريك المكلف لا لمجرد أعلامه بها فلو لا هذا الظهور العرفي في الخطاب لم يكن في مدلول الخطاب ما يأبى الشمول للغافل بل للعاجز عن ذات الفعل أيضا و استحالة الشمول لبعض الأفراد انما هي من نتائج هذا الظهور التصديقي في الخطاب فلا بد من تحديد مفاده العرفي و توضيحه ان المكلف تارة يكون عاجزا عن ذات الفعل كالمشكوك و اخرى يكون قادرا على ذات الفعل و لكنه غير قادر على الانبعاث عن التكليف به اما لغفلته و نسيانه أو لاعتقاده بعدمه و ثالثة يكون قادرا على ذات الفعل و على الانبعاث و هذا يشمل الشاك الملتفت فان كان مفاد ذلك الظهور العرفي قصد ان يكون الخطاب محركا لكل من يشمله فيستحيل ان يكون شاملا‌

282

[حكم تطهير المسجد عند العلم بنجاسته أو تذكرها أثناء الصلاة]

و اما إذا علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة فهل يجب إتمامها ثم الإزالة أو إبطالها و المبادرة إلى الإزالة وجهان أو وجوه و الأقوى وجوب الإتمام (1)

____________

للعاجز و للغافل و للمعتقد بالعدم و الا للزم كون المقصود تحريكهم بالخطاب و هو غير معقول و ان كان مفاد ذلك الظهور- كما هو الظاهر- قصد ان يكون الخطاب محركا لكل من يصل اليه ممن يشملهم بأي مرتبة من الوصول فلا يكون الظهور المذكورة قرينة على عدم شمول الخطاب للغافل و للمعتقد بالعدم لأن شموله لهما لا يعني قصد تحريكها بالخطاب فعلا بل قصد تحريكها به لو وصل إليهما فالميزان في شمول الخطاب لفرد أن يكون ممن يعقل تحريكه بالخطاب على فرض وصوله اليه لا ممن يعقل تحريكه به بمجرد شموله له و هذا الميزان ينطبق على الغافل و المعتقد بالعدم و لكنه لا ينطبق على العاجز عن ذات الفعل فإنه لا يعقل قصد تحريكه بالخطاب و لو منوطا بوصوله و من هنا يفرق بين العاجز و الغافل و المعتقد بالعدم فيبني على عدم شمول الخطاب للأول و شموله للأخيرين.

(1) و محل الكلام فرض عدم إمكان الفرار من محذور قطع الصلاة و محذور التراخي معا و اما مع إمكان التحرز من كلا المحذورين فلا اشكال كما إذا لم تستدع الإزالة إبطال الصلاة أو كان المصلي في آخر صلاته بنحو لم يستدع إكمالها التراخي العرفي و كيف كان فقد يقال في فرض الدوران بين المحذورين المذكورين ان دليل الفورية في الإزالة لا يقتضي الفورية بنحو يوجب قطع الصلاة المبدؤة بها بوجه شرعي لأنه اما الإجماع أو معتبرة علي بن جعفر المتقدمة و الأول قاصر عن إثبات ذلك و الثاني انما يمنع عن الاقدام على الصلاة بدلا عن الإزالة و لا يلزم من ذلك المنع عن إتمامها‌

283

..........

____________

بدلا عن الإزالة و عليه فيتعين إكمال الصلاة.

و قد يقال ان دليل حرمة القطع يرتفع موضوعه بدليل وجوب الفورية لأن تحريم القطع في دليله منوط بعدم وجود حاجة لازمة يخشى فوتها و وجوب الفورية يجعل الإسراع بالإزالة حاجة تفوت بإتمام الصلاة و قد يقال ان كلا من دليل حرمة القطع و دليل الفورية لا إطلاق له لمحل الكلام لكون المعول فيه على الإجماع و الارتكاز و لا إطلاق فيه فتجري أصالة البراءة عن القطع بالإزالة و أصالة البراءة عن ترك الإزالة لإكمال الصلاة مع الالتزام بحرمة القطع بغير الإزالة و عدم جواز ترك الإزالة بدون إكمال الصلاة هذا فيما إذا لم يوجد استصحاب حاكم كالاستصحاب حرمة قطع الصلاة فيما إذا كانت النجاسة حادثة في الأثناء أو استصحاب وجوب الإزالة فورا فيما إذا كانت النجاسة حادثة قبل الصلاة و قيل بصحة إجراء استصحاب الفورية على الرغم من انحلالها الى وجوبات متعددة حدوثا و بقاء لمكان وحدتها العرفية و قد يقال بإدخال محل الكلام في باب التزاحم غير ان ذلك يتوقف على افتراض الإطلاق في كل من دليل حرمة القطع و وجوب الفورية و إذا صح هذا الافتراض وقع التزاحم بين الحكمين و كان من التزاحم بين وجوب الشي‌ء و حرمة مقدمته لان التطهير الفوري واجب و هو يتوقف على الاستدبار أو الفعل الكثير الذي يكون إبطالا للصلاة فحرمة المقدمة تنافي وجوب ذي المقدمة، و عليه فان قدمت حرمة القطع بقوانين باب التزاحم اقتضى ذلك رفع اليد عن إطلاق خطاب وجوب الإزالة و تقيده بفرض القطع مع الالتزام بحرمة القطع على الإطلاق و ان بني على مساواة الخطابين لعدم اقوائية احتمال الأهمية في أحدهما اقتضى ذلك رفع اليد عن إطلاق كل من الخطابين فيلتزم بوجوب الإزالة مشروطا بالقطع و بحرمة القطع مشروطا بترك الإزالة و ان بني على تقديم وجوب الإزالة كان خطاب وجوب‌

284

..........

____________

الإزالة فعليا و مطلقا و كانت حرمة القطع مشروطة بفرض ترك الإزالة نعم لو فرض إضافة إلى البناء على تقديم وجوب الإزالة البناء على ان وجوب الشي‌ء المتوقف على مقدمة محرمة يستلزم الوجوب الغيري لطبيعي تلك المقدمة بالحصة الموصلة خرج عن باب التعارض و طبقت عليه قوانين باب التزاحم.

فان قيل هذا صحيح مع إنكار الوجوب المقدمي رأسا و أما مع القول بوجوب المقدمة الموصلة فيلزم من الجمع بين الحكمين في عالم الجعل اتصاف مطلق المقدمة بالحرمة و اتصاف حصته منها بالوجوب و هو غير معقول قلنا ان الحرمة مشروطة- كأي حكم إلزامي آخر- بعدم الاشتغال بالمزحم المساوي أو الأهم و فرض المقدمة الموصلة هو فرض الاشتغال بالمزاحم المساوي أو الأهم فلا تنافي بين الحرمة المشروطة كذلك و وجوب المقدمة الموصلة و هذه النكتة هي التي تميز الموارد التي تدخل في باب التعارض من حالات التزاحم عن غيرها فإنه في كل حالة من حالات التزاحم «اي العجز عن امتثال مجموع تكليفين» لا بد ان يلاحظ المجعول بوجوده المشروط ادى ذلك إلى دخول المقام في باب التعارض لان الخطاب الأهم في هذه الحالة ينافي الخطاب المهم و يأبى عن ثبوته و لو بنحو الترتب لاستحالة اتصاف القطع بالحرمة النفسية و لو على وجه الترتب مع وجوب الغيري و كلما استحال الترتب في موارد التزاحم دخل الدليلان المتزاحمان في باب التعارض كما بينا نكتة في أبحاثنا في الأصول و هذا بخلاف ما لو بني على إنكار الوجوب الغيري رأسا فإن فعلية وجوب الإزالة على الإطلاق تلائم حينئذ مع الحرمة الترتبية للقطع و كذلك لو بني على اختصاص الوجوب الغيري بالحصة الموصلة لان فرضها هو فرض الإزالة فلا ينافي هذا الوجوب حرمة القطع الترتبية اي المقيدة بنفسها أو بمتعلقة بفرض‌

285

[تنجيس المواضع النجسة من المسجد]

(مسألة 6) إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا بما يوجب تلويثه بل و كذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية أشد و أغلظ من الاولى و إلا ففي تحريمه تأمل بل

____________

ترك الإزالة و بهذا يتضح انه كلما كان هناك تزاحم بين وجوب ذي المقدمة و حرمة المقدمة و بنى على تقديم الوجوب و قيل بالوجوب الغيري لمطلق المقدمة دخل المورد في باب التعارض لان المحذور حينئذ ليس بلحاظ عدم إمكان فعلية الخطابين معا بل لعدم إمكان جعل حرمة المقدمة و لو على وجه الترتب مع فرض إطلاق وجوب ذيها.

ثم انه إذا فرض في المقام كون الدليل على كل من حرمة القطع و وجوب الإزالة مطلقا في نفسه على نحو دخل في باب التزاحم فالمتعين هو الالتزام بالترتب من الجانبين لعدم تعين أحدهما للتقديم لان احتمال الأهمية في كل منهما موجود بنحو مكافى‌ء لاحتمالها في الآخر فيثبت التخيير. بعدم الاشتغال بالمزاحم المساوي أو الأهم فان لم يكن هناك تناف بين المجعولين المشروطين بما هما مشروطان فلا تصادم بين الجعلين و لا تعارض بين الدليلين و انما التنافي بينهما في مرحلة فعلية المجعول و ان كان هناك تناف بين المجعولين المشروطين بما هما مشروطان فلا محالة يقع التصادم بين الجعلين و التعارض بين الدليلين و هذا معنى ما حققناه في بحث التزاحم (1) من ان أحد شروط خروج التزاحم عن باب التعارض القول بإمكان الترتب اى الملائمة بين الحكمين المشروط كل منها بعدم الاشتغال بالمزاحم المساوي أو الأهم.

____________

(1) تعارض الأدلة الشرعية ص 26- 27

286

منع إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر لكنه أحوط (1)

____________

(1) تتصور المسألة ضمن صور:

الاولى أن تكون النجاسة الثانية موجبة لاتساع دائرة النجاسة و لا إشكال في عدم الجواز حينئذ.

الثانية أن تكون موجبة لتلوث يعتبر هتكا و اهانة و الحكم كما سبق الثالثة ان لا تكون الملاقاة الثانية موجبة للاتساع أو التلوث و الإهانة و انما هي مماثلة للملاقاة الاولى من سائر الوجوه فقد يقال بناء على ان المتنجس لا يتنجس ثانية كما سبق انه لا موجب لتحريم الملاقاة الثانية لعدم كونها تنجيسا بل لو سلم ان المتنجس يتنجس اشكال التحريم أيضا لأنه يتوقف على أن تكون النجاسة مأخوذة في موضوع دليل الحرمة بنحو مطلق الوجود لا صرف الوجود و ذلك خلاف المتيقن من الدليل فان المتيقن من مثل معتبرة علي بن جعفر و رواية الحلبي تحريم الوجود الأول من التنجيس.

و قد يقال بالتحريم بأحد وجوه:

منها ان يني على ان المتنجس يتنجس ثانية و يدعى كون النجاسة مأخوذة في موضوع دليل الحرمة بنحو مطلق الوجود اما تمسكا بالإطلاق اللفظي لمثل النبوي أو بضم مناسبات الحكم و الموضوع التي تلغى‌

287

..........

____________

خصوصية الفرق بين الوجود الأول من التنجيس و الوجود الثاني و يرد عليه ان الإطلاق اللفظي غير تام و المناسبات العرفية للالغاء غير واضحة إذ لعل المقصود بحرمة التنجيس التحفظ على طهارة المسجد و هي مما تزول بالتنجيس الأول سواء وقع الفرد الثاني من التنجيس أولا.

و منها ان يبني على ان المتنجس يتنجس ثانية و يعوض عن التمسك بإطلاق دليل الحرمة بإجراء الاستصحاب بان يقال ان هذا التنجيس كان حراما جزما لو وقع قبل الملاقاة الاولى فتستصحب حرمته و يرد عليه ان الاستصحاب المذكور لا يجرى مع احتمال أن يكون الثابت من أول الأمر حرمة إزالة الطهارة عن المسجد فالتنجيس يكون حراما بما هو مصداق لذلك لا بعنوانه فلا معنى لإثبات حرمة التنجيس الثاني بالاستصحاب المذكور.

و منها التمسك بما دل على النهي عن قرب النجس من المسجد كالآية الكريمة لو تم الاستدلال بها بتقريب أن موضوع التحريم في هذا الدليل ليس عنوان التنجيس بل قرب النجس من المسجد غاية الأمر ان صورة عدم الملاقاة المسجد برطوبة خرجت بقرينة ما دل من نص (1)

____________

(1) من قبيل معتبرة زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال «الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد الا مجتازين (الى ان قال) و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا.» الوسائل باب 17 من أبواب الجنابة حديث 2. و معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن المستحاضة أ يطأها زوجها و هل تطوف بالبيت؟ قال: تقعد قرؤها (الى ان قال) و كل شي‌ء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت) الوسائل باب 1 من أبواب المستحاضة حديث 8.

288

..........

____________

أو سيرة على جواز دخول المستحاضة و استطراق الجنب و مكث المسلوس و المبطون و نحو ذلك و يبقى محل الكلام مشمولا لإطلاق دليل التحريم و لو لم يتحقق التنجيس بعنوانه لكنك عرفت سابقا حال دلالة الآية الكريمة الرابعة ان يكون للملاقاة الثانية أثر زائد بحيث يجب التعدد في الغسل من ناحيتها كما إذا قيل بوجوب التعدد في الغسل من البول مطلقا و فرض ملاقاة البول بعد التنجس بالدم فقد يقال هنا بالحرمة حتى مع نفيها في الصورة السابقة استناد إلى ان المتنجس يتنجس ثانية إذا كان لذلك أثر زائد فيشمله إطلاق دليل الحرمة أو يجري الاستصحاب و لكن عرفت الإشكال في الإطلاق و الاستصحاب معا نعم لا يبعد ان يدعى ان دليل حرمة التنجيس و ان لم يثبت كون النجاسة ملحوظة في موضوعه بنحو مطلق الوجود بلحاظ الإفراد المتماثلة و لكنها لوحظت كذلك بالنسبة إلى مراتبها المتفاوتة فكل مرتبة اضافية موضوع مستقل للحرمة ففي المقام حتى لو لم نقل بتعدد النجاسة بالملاقاة الثانية لا شك في اشتدادها من حيث المرتبة بسبب ذلك و هذه المرتبة بنفسها فرد من موضوع دليل الحرمة و لو بمعونة الارتكاز و المناسبات العرفية في فهم الدليل.

ثم ان الشخص في مفروض هذه الصورة يسبب لا محالة إلى زيادة مكث لنجاسته فيما إذا أريد تطهير المسجد بالماء القليل إذ تبقى النجاسة بعد الغلة الاولى بسبب ما وقع منه من التنجيس بالبول المستوجب للتعدد بحسب الفرض فإذا ألغيت عرفا خصوصية الحدوث و البقاء كان التسبيب الى بقاء النجاسة محرما كالتسبيب الى احداثها و التخلص عن ذلك يكون بعدم الإصابة الثانية أو بالتطهير بالمعتصم على نحو لا يستوجب طول مكث للنجاسة بوجه.

الخامسة ان يتنجس المسجد ثم يلقى عليه عين النجس بدون ان يلزم‌

289

[حكم تطهير المسجد الموجب التخريب بعضه]

(مسألة 7) لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب و كذا لو توقف على تخريب شي‌ء منه و لا يجب طم الحفر و تعمير الخراب نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده بعد التطهير وجب (1)

____________

من ذلك اتساع النجاسة أو هتك المسجد أو شدتها و الحرمة في هذه الصورة موقوفة على أن نستفيد من أدلة المسألة وجود محذورين محرمين في المقام أحدهما التنجيس و الثاني التلويث بعين النجاسة و ما يمكن أن نثبت به كون الثاني محذورا محرما في عرض المحذور الأول أحد أمرين أولهما النبوي المتقدم بناء على ان يراد بالنجاسة عينها لا التنجس و الآخر الآية الكريمة الناهية عن قرب المشركين من المسجد بعد تعميم مفادها لكل نجس فان وضع عين النجس على نفس ارض المسجد على خلاف النهي المذكور فيحرم و لو لم يسبب تنجيسا جديدا و قد عرفت سابقا حال النبوي و الآية.

(1) في هذه المسألة فروع:

الأول: انه لو توقف التطهير على مرتبة معتد بها من التخريب و التعطيل للمسجد

فهل يجب التطهير في هذه الحالة و التحقيق ان الوجوب يتوقف أولا على افتراض إطلاق في دليله و ثانيا على افتراض أحد أمور في دليل حرمة تخريب المسجد و الإضرار به أو لها نفي الإطلاق فيه بتقريب ان هذا الدليل ان كان هو ما دل على وجوب تعظيم المسجد و العناية به [1] فمن الواضح ان التخريب من أجل التطهير لا يعتبر منافيا للتعظيم عرفا و ان‌

____________

[1] من قبيل رواية أبي بصير قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن العلة في تعظيم المساجد فقال: إنما أمر بتعظيم المساجد لأنها بيوت اللّه في الأرض» الوسائل باب 70 من أبواب أحكام المساجد حديث 1

290

..........

____________

كان ما دل على تحريم السعي في خرابها من قبيل قوله تعالى «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا» (1) فهو منصرف الى التخريب الاعتدائي لا التخريب لمصلحة شرعية من مصالح المسجد و إن كان ما دل على تحريم التصرف في مال أحد إلا بإذنه [1] بدعوى ان حيطان المسجد و بناءه ملك لنفس المسجد فلا يجوز التصرف فيه بتخريب و نحوه فمن الواضح ان موضوع هذا الدليل لا يشمل مالكا من قبيل المسجد و التعدي انما يكون بمقدار ما تقتضيه المناسبات العرفية الارتكازية و هو لا يشمل محل الكلام و لو سلم لما اقتضى الا عدم الجواز بدون إذن ولي المسجد فلو رأى ولي المسجد المصلحة في ان يأذن كان التصرف بإذن ولي المالك فيجوز و كذلك إذا كان الحائط وقفا على المسجد لا ملكا طلقا فإن غاية ما تقتضيه وقفيته عليه عدم جواز حرمان المسجد من منافعه لا إلزام المسجد بإبقائه إذا كان على خلاف مصلحته و موجبا لضرره و نقصه ثانيها بعد افتراض الإطلاق يدعي وجود المقيد و هو ما دل على جواز تخريب المسجد لمصلحة [2] من قبيل اعادة بنائه على وجه أفضل و ذلك لان طهارة المسجد و ان لم تكن مصلحة عرفية ابتدائية للمسجد بقطع النظر عن الجعل‌

____________

[1] من قبيل معتبرة محمد بن جعفر الأسدي «. فلا يحل لأحد ان يتصرف في مال غيره بغير إذنه.» الوسائل باب 3 من أبواب الأنفال حديث 6.

[2] من قبيل معتبرة طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (ع) «انه كان يكسر المحاريب إذا رآها في المساجد و يقول كأنها مذابح اليهود» الوسائل باب 31 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

____________

(1) البقرة (114).

291

..........

____________

الشرعي لكن إذا ضم الى ذلك استفادة كون الطهارة من شئون احترام المسجد اللازم بحكم الشارع و ان وجوب التطهير وجوب احترامي كان التخريب من أجل مصلحة المسجد لان احترامه من مصالحه و لكن انما يكون كذلك مع الوثوق باستعادة المسجد لوضعه و إلا كان من دوران الأمر بين مصلحتين ثالثها بعد افتراض الإطلاق و عدم المقيد يدعى ان حرمة التخريب لا يحتمل اهميتها بينما يحتمل أهمية وجوب التطهير فيتقدم في مقام التزاحم بملاك الأهمية المحتملة إذا لم نقل بدخول مورد التزاحم بين وجوب ذي المقدمة و حرمة المقدمة في باب التعارض لعدم إمكان الترتب في بعض التقادير على تفصيل تقدمت الإشارة إليه و لكن نفي احتمال الأهمية في حرمة التخريب بلا موجب كما ان أصل افتراض إطلاق في دليل وجوب التطهير ممنوع اما إذا كل لبيا كالإجماع فواضح و اما إذا لوحظت الأدلة اللفظية فالمهم منها معتبرة رواية علي بن جعفر و رواية الحلبي و الاولى لا إطلاق فيها لعدم كونها مسوقة لبيان وجوب التطهير ابتداء ليتمسك بإطلاقها و الثانية غايتها الدلالة على حرمة التنجيس لا وجوب التطهير و عليه فلا إطلاق في دليل كان من الحكمين و عليه فالشبهة حكمية و مقتضى القاعدة التخيير عملا بالأصول المؤمنة ما لم يوجد أصل حاكم و هو موجود غالبا و نعني به استصحاب حرمة التخريب لأن النجاسة متأخرة عن بناء المسجد غالبا و يمكن التفصيل بين فرض كون التخريب متداركا خارجا و غيره ففي الفرض الأول يحكم بجواز التخريب للتطهير و جواز إبقاء المسجد على حاله اما الأول فلعدم وجود إطلاق في دليل الحرمة لمثل هذا التخريب بعد تقييده بالتخريب لمصلحة و لو كمالية و اما الثاني فلعدم الإطلاق في دليل وجوب التطهير و لا ينفع هنا استصحاب حرمة التخريب لان هذا النحو من التخريب المتدارك الذي ينطبق عليه عنوان الرعاية لبعض شئون المسجد لا يعلم بحرمته من‌

292

..........

____________

أول الأمر و في الفرض الثاني يحكم بعدم وجوب التخريب بل بحرمته أما عدم الوجوب فلعدم الإطلاق في دليل وجوب التطهير و أما الحرمة فللتمسك بإطلاق دليل الحرمة فإن التخريب غير المتدارك مع عدم الملزم شرعا به يعتبر اعتداء على المسجد عرفا لان المركوز في ذهن العرف ان مفسدة التخريب غير المتدارك أشد من مصلحة الطهارة بلحاظ ذلك المسجد و عليه فان لم يكن الحكم بحرمة التخريب غير المتدارك أقوى في المقام فهو الأحوط‌

الثاني: انه لو خرب شيئا من المسجد لأجل التطهير بعد البناء

على جواز ذلك أو وجوبه فهل يضمن تداركه قد يقال بالضمان تمسكا بقاعدة الضمان بالإتلاف و قد يقال بعدمه أما لقصور في المقتضى بالنسبة إلى القاعدة المذكورة و أما لوجود مقيد أما القصور في المقتضي فيمكن ان يبين تارة بأن دليل هذه القاعدة لا إطلاق فيه للتخريب الذي يكون لرعاية حال من يراد التضمين له فمن أتلف زرع الغير لأجل إنقاذه لا يضمن لان دليل القاعدة ان كان هو السيرة العقلائية فهي غير شاملة لأمثال ذلك جزما و ان كان هو الروايات المتفرقة فهي واردة في موارد خاصة مشتركة جميعا في عدم كون الإتلاف من أجل المالك و ان كان هو الضابط المشار إليه في بعضها بلسان (بما جنت يده [1]) فهذا الضابط يفترض الجناية و المفروض عدم الجناية في المقام بعد فرض إذن الشارع في التخريب أو حكمه بوجوبه.

و يبين القصور في المقتضى تارة أخرى بأن القاعدة مختصة بفرض عدم الاذن من المالك في الإتلاف و قد حصل الاذن في المقام لمكان حكم‌

____________

[1] كما في رواية إسماعيل بن الصباح «عن القصار يسلم اليه المتاع فيخرقه أو يحرقه أ يغرمه؟ قال: غرمه بما جنت يده» الوسائل باب 29 من أبواب الإجارة حديث 8.

293

..........

____________

اللّه سبحانه بوجوب التطهير بحسب الفرض و يرد عليه ان الاذن في الإتلاف المسقط للضمان هو الاذن في الإتلاف على وجه المجانية لا مطلق الاذن في الإتلاف مع ان المالك لما أتلف ليس هو الشارع بل هو نفس المسجد أو المصلون كجهة عامة و يبين ثالثة بأن القاعدة موضوعها إتلاف مال الغير و المسجد ليس ملكا لأحد لأن مرد وقفه إلى تحريره و فكه من الملك و يرد عليه بان هذا لا يتم بناء على ان بناء المسجد مملوك لنفس المسجد طلقا أو وقفا أو مملوك لجهة عامة و ما يكون غير مملوك انما هو المسجد بمعنى المكان لا بمعنى الجدران و الشبابيك على أن الضمان بمعنى الدخول في العهدة كما يتصور في المملوك للغير كذلك يتصور في غيره بمعنى كون الإنسان مسؤولا عن اعادة المسجد إلى وضعه السابق فان ساعدت السيرة العقلائية على ذلك فلا مانع من الالتزام به. و قد ظهر بما ذكرناه ان الصحيح هو البيان الأول في إثبات قصور المقتضى.

و أما المقيد بعد فرض وجود دليل لفظي مطلق لقاعدة الضمان فهو ما دل من الكتاب الكريم على نفي السبيل على المحسنين [1] و الإحسان مفهوم عرفي فإذا صدق عرفا على الإتلاف في مورد أنه إحسان لمن أتلف ماله فلا ضمان لأن الضمان سبيل و هو منفي و لكن عنوان الإحسان إنما يصدق عرفا على إتلاف يدرك العرف ان المصلحة الملحوظة فيه أهم من مفسدة الإتلاف على نحو لا يتصور عقلائيا خلاف ذلك و في صدقه على محل الكلام إشكال.

الثالث: انه إذا توقف تطهير جزء من بناء المسجد على إخراجه

____________

[1] و هو قوله تعالى في سورة التوبة آية (91) «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ».

294

..........

____________

و تطهيره خارجا فهل يجب بعد ذلك إرجاعه إليه و توضيح ذلك ان الوجوب تارة يدعي بلحاظ الروايات الخاصة و اخرى على مقتضى القاعدة اما إثباته باللحاظ الأول فلا يخلو من اشكال و ان استدل عليه بالروايات الدالة على لزوم رد ما أخذ من المسجد من حصاة أو آجر غير ان بعض هذه الروايات واردة في المسجد الحرام و الكعبة و التعدي منها بلا موجب كمعتبرة محمد بن مسلم قال «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول لا ينبغي لأحد ان يأخذ من تربة ما حول الكعبة و ان أخذ من ذلك شيئا رده» (1) هذا إذا لم يكن التعبير بلا ينبغي موجبا لسقوط ظهور الأمر بالرد في الوجوب و الا فالأمر أوضح و معتبرة معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) «اني أخذت سكا من سك المقام و ترابا من تراب البيت و سبع حصيات فقال بئس ما صنعت اما التراب و الحصى فرده» (2). و أما ما قد يتراءى فيه الإطلاق من هذه الروايات فمن قبيل رواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (ع) قال «إذا أخرج أحدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد آخر فإنها تسبح» (3) و هذه الرواية ضعيفة بوهب مضافا الى ان التعليل فيها لا يناسب الحكم الإلزامي و باب العهدة و الضمان بل هو أقرب إلى الآداب فيوجب المنع عن انعقاد ظهور لها في الحكم المقصود إذ لا يجب التسبيب الى جعل الحصاة تسبح كما هو واضح. و أحسن رواية في الباب رواية زيد الشحام قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) أخرج من المسجد حصاة قال فردها أو اطرحها في مسجد» (4) بعد استظهار لام الجنس من كلمة المسجد‌

____________

(1) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام المساجد حديث 1

(2) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام المساجد حديث 2

(3) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام المساجد حديث 4

(4) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام المساجد حديث 3

295

..........

____________

و للرواية طريقان أحدهما طريق الصدوق و هو ضعيف بابي جميلة و الآخر طريق الكليني و فيه الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد فإن أمكن تطبيق احدى النكات المهمة التي ادخلناها على علم الرجال و طبقنا فيها حساب الاحتمالات لتصحيح الرواية فهو و إلا فالأمر مشكل [1]

____________

[1] هناك بيانان لتصحيح السند:

الأول: ان نجري حساب الاحتمالات في مشايخ الحسن بن محمد بن سماعة و قد ظهر بالاستقراء ان نسبة الذين لم تثبت وثاقتهم الى مجموع مشايخه هي (9- 26) فإذا استظهرنا ان التعبير ب‍ (غير واحد) ظاهر عرفا في الجماعة و أقلها ثلاثة كان مقدار احتمال كون أحدهم- على الأقل- ثقة هو (96) فيتم سندها إن أوجب هذا الظن القوي الاطمئنان.

الثاني: الا نأخذ مطلق مشايخ الحسن بن محمد بن سماعة بل نأخذ خصوص مشايخه الذين هم في الوقت نفسه تلاميذ ابان بن عثمان باعتبار ان السند هكذا (الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان) فيتم تحديدهم بلحاظ الراوي و المروي عنه و على هذا لا نحتاج الى حساب الاحتمالات لان كون أحدهم ثقة 100 باعتبار ان من لم يثبت وثاقته منهم اثنان فقط و هم أحمد بن عديس و الحسن بن عديس و البقية و هم تسعة ثقات و لما كان التعبير ب‍ (غير واحد) ظاهرا في الجماعة و أقلها ثلاثة كان أحدهم- على الأقل- ثقة جزما و لكن يشكل ذلك بوجود احتمال ان يكون للحسن شيخ آخر غير من وصلت إلينا روايته عنهم و لعله غير ثقة فلا بد من ضم حساب الاحتمال لتضعيف ذلك و هذا الاحتمال لا بد من أخذه بعين الاعتبار في البيان الأول أيضا و طريق التخلص ان نثبت بحساب الاحتمال ان نسبة الثقات الى غيرهم في المشايخ الواصلين محفوظة في غيرهم أيضا فيكون احتمال

296

[وجوب تطهير حصير المسجد]

(مسألة 8) إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره (1) أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من إخراجه و تطهيره كما هو الغالب

[حكم تطهير المسجد الموجب لتخريبه]

(مسألة 9) إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع

____________

و أما إثباته باللحاظ الثاني فقد يبين بتقريب ان هذا الجزء المخرج من المسجد وقف و يحرم التصرف في الوقف في غير الجهة التي أوقف لأجلها و هذا التقريب غير كاف لان عدم الرد بنفسه ليس تصرفا و الإخراج و ان كان تصرفا و لكن المفروض انه مأذون فيه فالأولى ان يبين بتقريب دخوله في العهدة فيجب رده الى المسجد كما هو مقتضى العهدة في سائر الموارد و مجرد الاذن في الإخراج و التطهير لا ينبغي دخوله في العهدة المستتبع لوجوب الرد.

(1) لا إشكال في حرمة تنجيسه لأنه موقوف للعبادة و الصلاة و هذا تصرف خارج عن ذلك بل مناف له بنحو من المنافاة و أما وجوب التطهير فمشكل لأنه ليس جزءا من المسجد و التبعية بحسب مناسبات الحكم و الموضوع لو سلمت فإنما تفيد في إعطاء الظهور للدليل اللفظي لا لمثل أدلة المسألة نعم لو ثبت تحريم تقريب المتنجس الى المساجد بالآية أو النبوي مع وضوح لزوم حفظ الحصير للمسجد يتعين وجوب تطهيره و لكن عرفت الحال في ذلك.

____________

وثاقة الشخص الآخر ما لا يقل عن 17- 26 و بهذا صحح سيدنا الأستاذ (دام ظله) مرسلة يونس الطويلة تطبيقا لما أسسه من قواعد حساب الاحتمال في علم الرجال

297

كما إذا كان الجص الذي عمر به نجسا أو كان المباشر للبناء كافرا فان وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز و إلا فمشكل (1)

[حكم المسجد الخرب]

(مسألة 10) لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا و إن لم يصل فيه أحد و يجب تطيره إذا تنجس (2)

____________

(1) حال هذا التخريب الكلي كحال التخريب الجزئي المتقدم في الفرع الأول من المسألة السابعة فمع فرض التدارك يجوز التخريب لأنه من مصلحة المسجد فلا يشمله دليل حرمة التخريب و لكن لا يجب التطهير لقصور دليل وجوبه بل عدم وجوب التطهير هنا أوضح لعدم انحفاظ المسجد بعد التطهير كما هو المنصرف أو المتيقن من أدلة وجوب التطهير و مع فرض عدم التدارك يحرم التخريب للإطلاق في دليل حرمته و عدم الإطلاق في دليل وجوب التطهير كما عرفت بل لو سلم الإطلاق فيه أيضا يقع التزاحم و يقدم التحريم على الوجوب لأن مفسدة التخريب الكلي مع عدم التدارك أهم جزما أو احتمالا.

(2) كان ذلك اما للتمسك بالإطلاق اللفظي لدليل حرمة التنجيس و وجوب التطهير و أما للتعميم بمناسبات الحكم و الموضوع بعد الفرض عدم الإطلاق اللفظي كما لو كان المدرك مثل معتبرة علي بن جعفر لوضوح انها ليست في مقام بيان أصل الحكم ليتمسك بإطلاقها من هذه الناحية و كذلك رواية الحلبي الواردة في مورد قصد المسجد المعمور و أما للتمسك باستصحاب حرمة التنجيس أو استصحاب وجوب التطهير و لو تعليقيا فيما إذا لم يتم الإطلاق في الدليل اللفظي و لو بضم المناسبات و لم يحرز شمول الإجماع لحالة الخراب فان الاستصحاب يجري و مجرد الخراب لا يوجب تغير الموضوع عرفا.

298

[حكم التطهير الموجب لتنجيس موضع أخر من المسجد]

(مسألة 11) إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن أمكن إزالته بعد ذلك كما إذا أراد تطهيره بصب الماء و استلزم ما ذكر (1)

[حكم التطهير الموجب على بذل مال]

(مسألة 12) إذا توقف التطهير على بذل مال وجب (2) و هل يضمن من صار سببا للتنجيس؟ وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة (3)

____________

(1) و ذلك أما للمنع عن وجود إطلاق في أدلة حرمة التنجيس لمثل ذلك و أما لوقوع التزاحم بينها و بين وجوب التطهير و تقديم الوجوب لوضوح أهميته ملاكا و الفرق بين هذين الوجهين انه على الثاني ليختص الجواز بما إذا توقف التطهير على ذلك و على الأول قد يقال بالجواز حتى مع عدم التوقف كما لو أمكنت إزالة العين قبل صب الماء أو أمكن الغسل بالماء المعتصم لان مثل هذا التنجيس الواقع في طريق التطهير و في سياق الاحترام لا يعلم بشمول دليل الحرمة له.

(2) و ذلك في الحدود التي لا يصدق معها الضرر أو الحرج و أما مع صدقهما فلا يبعد عدم الوجوب اما لقصور في إطلاقات أدلة وجوب التطهير لأنها لبية أو واردة في التفريعات على وجوب التطهير بعد الفراغ عنه كما في معتبرة علي بن جعفر و أما لحكومة قاعدة نفي الضرر و قاعدة نفي الحرج على إطلاقها لو سلم في نفسه هذا فيما إذا لم يفرض هناك ضمان و لوحظ الحكم بوجوب التطهير التكليفي فقط و إلا فالأمر يختلف كما يأتي.

(3) بل الأقرب هو الحكم بالضمان و لتوضيح الحال نذكر حكم تنجيس مال الغير أولا ثم نطبق ذلك على تنجيس المسجد فنقول ان تنجيس مال الغير له صور:

299

..........

____________

الاولى ان لا تكون الطهارة بالنسبة الى ذلك المال دخيلة في ماليته فلا ضمان كما في تنجيس جذع النخلة مثلا.

الثانية: ان تكون دخيلة و لكن إعادتها ليس فيها مئونة و لا تسبب نقصا فلا ضمان أيضا لعدم دخل الوصف في المالية حينئذ.

الثالثة: أن تكون الطهارة دخيلة في ماليته و إعادتها لا تؤدى الى نقصه و لكن فيها مؤنة مالية كالبارية يتوقف تطهيرها على حملها الى النهر مثلا و في هذه الصورة يضمن المنجس و الضمان بمقدار اجرة التطهير لا أكثر لأن المضمون قيمة الوصف الفائت و لما كان الوصف الفائت ممكن الإعادة تلك الأجرة فلا تزيد قيمته على ذلك و لكن قد تقل كما إذا كان دخل وصف الطهارة في الأغراض النوعية من ذلك المال يمثل نسبة ضئيلة و لكن كلفة التطهير توقفت صدفة على حمله الى مكان بعيد و بذل مال كثير فلا موجب للضمان إلا بمقدار نسبة النقص.

و لكن في هذه الحالة تكون المالية السوقية العقلائية لعلمية التطهير أقل من كلفتها و لهذا لا تكون هذه الكلفة كلفة سوقية لهذه العملية لأن مالية التطهير انما تتحدد وفقا للرغبة النوعية في وصف الطهارة فلا يمكن ان تكون ماليتها أكبر من مالية هذا الوصف و هكذا نعرف انه في الحالة التي تكون فيها عملية التطهير عملية سوقية و لها اجرة المثل تكون أجرتها متطابقة مع ماليتها و ماليتها متطابقة مع مالية الوصف الذي تنجزه و لا يمكن أن تكون اجرة المثل أقل من مالية الوصف بقدر معتد به كما لا يمكن ان تكون أكثر كما هو واضح.

الرابعة: أن تكون الطهارة دخيلة في ماليته و التطهير ليس فيه مئونة في نفسه و لكن تتضرر به العين كما في بعض أقسام الفراش و المنجس يضمن هنا النقص الحاصل في قيمة العين بسبب فعله و حيث ان العين يدور أمرها‌

300

..........

____________

بسبب فعله بين نقصين أما النجاسة و أما التأثر الحاصل بعملية الغسل بالماء فالمضمون على المنجس أقل النقصين لأنه الذي لا بد منه بسببه فان كان النقص الذي يحصل بالتطهير ينقص قيمة المال بدرجة أكبر مما ينقص قيمته نفس التنجيس لم يضمن الا بمقدار ما يفوت من المالية بالتنجيس.

الخامسة: نفس الصورة السابقة مع افتراض المئونة في نفس عملية التطهير أيضا و الحكم كما في الصورة السابقة الا ان نفقات التطهير و أجرته تدخل هنا في الحساب في تحديد أقل النقصين.

و على هذا الأساس إذا لاحظنا المسجد نجد ان المسجد نسبته الى حيطانه و عمارته نسبة المالك الى مملوكه كما تقدم فالنقص الحاصل بسبب شخص في عمارة المسجد و ممتلكاته مضمون عليه و لما كان زوال الطهارة نقصا عرفا بالنسبة إلى المسجد فيكون مضمونا فإذا كانت لعملية التطهير اجرة سوقية فهي تمثل دائما درجة مالية الوصف الفائت كما تقدم فإن أريد بعدم الضمان عدم ضمان ما يزيد على ذلك فهو صحيح لما تقدم من ان المنجس في الصورتين الرابعة و الخامسة لا يضمن أشد النقصين بل أقلهما و ان أريد انه لا يضمن اجرة التطهير حتى لو كانت متطابقة مع مالية الوصف الفائت فهو غير صحيح و إذا ثبت الضمان وجب الخروج عن عهدته و ان امتنع الضامن عن ذلك جاز إجباره و ان قام شخص آخر بالصرف بإذنه أو بإذن وليه مع امتناعه رجع عليه و إلا فلا موجب للرجوع و لكن يمكن ان يقال في مورد المسجد ان المنجس يضمن سنخ الوصف لا قيمته و ذلك لان هذا هو الأصل في الضمان و انما يرفع اليد عنه في القيميات باعتبار تعلق الغرض النوعي العقلائي فيها بالمالية إلا ان هذا إنما يكون في غير مثل المسجد الذي يكون الغرض النوعي في طهارة بنائه قائماً بشخص الوصف لا بماليته و أما في مثل ذلك فالمضمون‌

301

..........

____________

سنخ الوصف الفائت لا ماليته فلو توقف تسليم الوصف الفائت و إعادته على بذل أجرة أكبر من المقدار المتعارف وجب ذلك خروجا عن عهدة الضمان و الحاصل ان وصف الطهارة في مثل المسجد مثلي لا قيمي فلا بد من تسليم المثل و ذلك بإعادة الطهارة و لو كلف ذلك أجرة كبيرة كما لا بد ان تكون إعادتها بنحو لا يساوق نقصا من ناحية أخرى في بناء المسجد و الا كان القص الآخر مضمونا أيضا لأن هذا هو مقتضى ضمان الشخص ان يعود المسجد كما كان و بهذا ظهر الفرق بين الضمان في حالة تنجيس مال الغير و الضمان في حالة تنجيس المسجد فتدبر جيدا. ثم ان هذا كله تصوير لضمان المنجّس على نحو يكون المضمون له هو المسجد و هناك تصوير آخر بقطع النظر عما تقدم يكون الضمان فيه من قبل المنجّس للمطهّر ابتداء بحيث يكون المطهّر الذي خسر مالا في مقام التطهير هو المضمون له ابتداء و ذلك بالتمسك بقاعدة التسبيب مع كون السبب أقوى من المباشر فان شخصا لو حفر حفرة و سترها فجاء آخر و بيده قدح من لبن فسقط في الحفرة و أريق اللبن و انكسر الإناء كان الضمان هو الحافر و المقصود في المقام تعميم نفس هذه الفكرة بدعوى ان وجوب التطهير يجعل المطهّر مسلوب الاختيار تشريعا بحيث يرى صدور العمل منه امرا حتميا و ليس من قبيل من يأمر شخصا آخر بإتلاف مال فيمتثله باختياره مع تمكنه عرفا و عقلا من عدم الامتثال فإذا تمت السببية بهذا اللحاظ و كانت ادارة المطهّر مضمحلة باعتبار القهر التسريعي فكأن المنجّس هو الذي أوقع المطهّر في الخسارة فيضمن و لا يفرق الحال حينئذ بين ان يكون هذا المطهر قد طهر المسجد في طول امتناع المنجس عن التطهير و الاستئذان من وليه أو ابتداء و بدون مراجعة له و لوليه و قد ينقض على ذلك و يقال انه لو التزم بصدق‌

302

[حكم المسجد بعد تغير عنوانه]

(مسألة 13) إذا تغير عنوان المسجد بأن غصب و جعل دارا أو صار خرابا بحيث لا يمكن تعميره و لا الصلاة فيه و قلنا بجواز جعله مكانا للزرع ففي جواز تنجيسه و عدم

____________

عنوان الإتلاف في موارد توسط ارادة الفاعل المختار من أجل كونها تحت القهر التشريعي لزم الالتزام بالضمان في موارد لا يحتمل فيها ذلك كما إذا أبرأ شخص آخر من دين مانع عن الاستطاعة فترتب على الإبراء كونه مستطيعا و وجب عليه الحج فهل يضمن الذي أبرأ نفقات الحج بالتسبيب و كذلك إذا أولد فقير أولادا لا يتمكن من الإنفاق عليهم فوجب القيام بنفقتهم على الآخرين فانفقوا عليهم فهل يضمن الوالد هذه النفقة لأنه هو المسبب و هكذا و يمكن دفع هذه النقوض بعد الالتزام بان التسبيب مضمن بان يقال ان ضمان المال بالتسبيب إلى الإتلاف ليس له دليل لفظي يتمسك بإطلاقه حتى لهذه الحالات و انما هو متصيد و القدر المتيقن منه ما كان الفعل التسبيبي تعديا محرما و جناية في نفسه ليشمله ما كان مثل قوله (بما جنت يده) (1) و اما إذا لم يكن جناية عرفا و لا شرعا فلا إطلاق في دليل الضمان يقتضي الضمان يمثل ذلك التسبيب و الحالات التي ينقض بها من هذا القبيل فتدبر جيدا.

و سيأتي مزيد كلام عن هذا في المسألة الثانية و العشرين من هذا الفصل إن شاء تعالى‌

____________

(1) كما في رواية إسماعيل بن الصباح المتقدمة

303

وجوب تطهيره- كما قيل- اشكال و الأظهر عدم جواز الأول بل وجوب الثاني أيضا (1)

____________

(1) الكلام في ذلك اما بلحاظ الدليل الاجتهادي فمن الواضح عدم الإطلاق في الأدلة اللبية كالإجماع و الارتكاز و كذلك في مثل روايتي علي بن جعفر و الحلبي لما مر مرارا من قصور إطلاقهما و أما ما كان من قبيل «جنبوا مساجدكم النجاسة» لو تم الاستدلال به و بأمثاله فحاله مبني على ان موضوعه هل هو ما كان مسجدا بالوقف أو مسجدا بحسب عنوانه العرفي فعلى الأول يتم الإطلاق لبقاء المسجدية الوقفية و على الثاني لا يتم لزوال العنوان العرفي بطرو عنوان الدكان أو المزرعة و إذا لم يستظهر الثاني كفى الإجمال في منع الإطلاق أيضا.

و أما بلحاظ الأصل العملي فقد يتمسك باستصحاب حرمة التنجيس و وجوب التطهير و قد يورد على ذلك تارة بمنع اجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية و اخرى بمنع الاستصحاب لوجوب التطهير باعتباره تعليقيا و ان كان استصحاب حرمة التنجيس جاريا لكونه تنجيزيا و ثالثة بأنه قد لا تكون هناك حالة سابقة للحرمة كما لو لم يكن المكلف بالغا قبل خراب المسجد تحوله الى دكان.

و يندفع الأول بالبناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما حققناه في محله و يندفع الثاني بأن المستفاد من الأدلة عرفا خصوصا إذا لوحظ مثل لسان «جنبوا مساجدكم النجاسة» ان وجوب التطهير و حرمة التنجيس مرجعها الى حكم واحد و هو لزوم إبعاد المسجد عن النجاسة مع إلغاء خصوصية الحدوث و البقاء فهو حكم فعلي تنجيزي يقتضي دفع النجاسة تارة وقعها أخرى و يندفع الثالث بأنه إشكال لا يختص بالمقام بل يجري في‌

304

..........

____________

سائر موارد الشبهة الحكمية و جوابه ان المستصحب في الشبهة الحكمية ان كان هو المجعول الكلي اي الجعل منظورا اليه بما هو مجعول و له حدوث و بقاء فالحدوث هنا و البقاء ليس بمعنى حدوث الحرمة لهذا المكلف و بقائها بل حدوث الحرمة الكلية على موضوعها الكلي و بقائها عليه فيقال ان البالغ العاقل يحرم عليه تنجيس المسجد في حالة ما قبل الخراب و الأصل بقاء هذه الحرمة الى ما بعد الخراب و هذا البقاء و ان لم يكن بقاء حقيقيا بل مرده الى سعة دائرة المجعول العرضي و اتساع الجعل غير انه بقاء عنائي بذاك النظر الذي لوحظ فيه المجعول بما هو فان في الخارج على ما حققناه في تصوير جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. و أما إذا لم يبن على ذلك و قيل بإجراء الاستصحاب في نفس الحرمة الفعلية الثابتة في حق المكلف بنحو يكون المكلف هو المجرى للاستصحاب اتجه الاشكال المذكور و أمكن التخلص عنه حينئذ بإجراء الاستصحاب التعليقي بأن يقول ان هذا كان حراما على تقدير بلوغي فاستصحب حرمته على تقدير البلوغ الى ما بعد وقوع الحادثة الموجبة للشك بناء على جريان الاستصحاب التعليقي و عدم معارضته بالاستصحاب التنجيزي.

نعم قد يشكل استصحاب حرمة التنجيس و وجوب التطهير في المقام بعدم إحراز بقاء الموضوع إذ بعد ان كان عمدة الدليل على الحكم المذكور هو الإجماع و غيره من الروايات لا يتحصل منه ما يزيد على مفاد الإجماع فمن المحتمل أن يكون الحكم ثابتا بوصفه احتراما شرعيا للمسجد فالتطهير ليس بعنوانه واجبا بل بما هو احترام شرعي لعنوان المسجد و حيث ان العنوان العرفي للمسجد زائل جزما و ان بقي العنوان الوقفي له فلا يمكن اجراء الاستصحاب لاحتمال عدم بقاء الموضوع و ان شئت قلت أن التطهير‌