بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
305

..........

____________

لو كان واجبا بعنوانه لكان موضوعه نفس الحائط و الجدار لا العنوان و ذاك محفوظ و ان زال العنوان فيشار اليه و يقال هذا كان يجب تطهيره و الآن كما كان بالاستصحاب.

و لكن إذا كان التطهير واجبا بوصفه احتراما شرعيا للعنوان و احتمل كون هذا العنوان هو العنوان العرفي للمسجد فلا يفيد استصحاب بقاء وجوب ذلك الاحترام للعنوان الذي كان يجب احترامه لعدم إحراز بقاء ذلك العنوان و انطباقه على الخربة فعلا.

يبقى في المقام شي‌ء ذكر هنا استطرادا و هو جعل المسجد مكانا للزرع و لا إشكال في عدم جوازه مع منافاته للجهة المعد لها المسجد و اما مع عدم المنافاة بأن كان المسجد معطلا بطبعه و مهجورا لاضمحلال القرية التي حوله مثلا فقد يقال بالجواز و يفرق بين المسجد و غيره من الأوقاف باعتبار ان المسجد ليس مملوكا لأحد أو لجهة ليشمله حرمة التصرف في ملك الغير و لهذا يقال أيضا بعدم جواز إجارته لذلك لأن الإجارة انما تكون من مالك المنافع و المسجد ليس مملوكا لأحد فلا تصح إجارته.

و يرد عليه ان صحة الإجارة لا ينحصر ملاكها بملكية المنافع لوضوح ان الحر يجوز له ان يملك منافعه بالإجارة مع انها ليست مملوكة له بالملكية الاعتبارية و انما هي مضافة إليه تكوينا و عقلائيا بكونها منافع له و تحت سلطانه و على هذا الأساس فإذا فرض للمسجد بما هو مكان شخصية معنوية بالارتكاز العقلائي و صححت بذلك ملكيته للحيطان و البناء أمكن ان يقال ان اضافة المنافع له على حد اضافة منافع الحر له فتكون تحت سلطانه و هذا السلطان يمارسه ولي المسجد الخاص أو العام في حدود عدم المنافاة مع الجهة المعد لها المسجد و مع حيثية المسجدية و ما تقتضيه من احترام.

306

[وجوب تطهير الجنب للمسجد]

(مسألة 14) إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها (1) و الا فالظاهر وجوب التأخير الى ما بعد الغسل لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الإمكان و ان لم يمكن التطهير الا بالمكث جنبا فلا يبعد جوازه بل وجوبه و كذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتك حرمته (2)

____________

(1) لعدم المحذور حيث لا يلزم المكث و لا مانع من المرور في غير المسجدين الشريفين و أما فيهما فحال المرور حال المكث في غيرهما‌

(2) تارة يفرض ان اغتسال الجنب يفوت عليه أصل تطهير المسجد فيبقى المسجد نجسا و اخرى يفرض انه يفوت عليه الفورية في تطهير المسجد ففي الصورة الاولى ان كان بقاء النجاسة مستدعيا لاهانة المسجد و هتكه وجب تطهير المسجد على اي حال و حينئذ فإن أمكن التيمم و لم يكن التيمم منافيا لتطهير المسجد كالغسل وجب التيمم لدخول المسجد و اما إذا لم يكن بقاء النجاسة مساوقا لهتك المسجد فالظاهر تقديم حرمة المكث على وجوب التطهير و يمكن ان يبين ذلك بأحد وجهين:

الأول انه لا إطلاق في دليل وجوب التطهير يشمل الجنب المذكور لأن المتيقن من الإجماع غيره و معتبرة علي بن جعفر و أمثالها (1) لا يمكن التمسك بإطلاقها كما تقدم مرارا بخلاف دليل حرمة مكث الجنب في المسجد‌

____________

(1) كرواية الحلبي المتقدمة

307

..........

____________

كتابا (1) و سنة (2) فإنه مطلق و هذا بيان تام الثاني انه على تقدير تسليم الإطلاق فالمقام من موارد التزاحم فيقدم تحريم المكث على وجوب التطهير إذا احتملت الأهمية في التحريم دون العكس أو كان احتمال الأهمية فيه أكبر و لو بلحاظ اهتمام القرآن الكريم ببيان شخص هذا الحكم و لكن هذا على فرض التزاحم بين الحكمين في عالم الامتثال و أما لو فرض ان تقديم وجوب التطهير يستدعي حفظ امتثال حرمة مكث الجنب أيضا فلا تنتهي النوبة إلى الترجيح المذكور باحتمال الأهمية و بيانه انه لو فرض فعلية وجوب التطهير لكان المكلف الجنب من فاقد الماء بحكم الشارع فيصح منه التيمم فيتيمم و يدخل المسجد طاهرا و يطهره ما دام التيمم لا يزاحم تطهير المسجد و بهذا يحفظ امتثال كلا التكليفين و هذا يعنى ان المزاحم لوجوب التطهير ليس هو حرمة مكث الجنب في المسجد بل وجوب الغسل على الجنب و هذا الوجوب يرتفع بنفس فعلية وجوب التطهير المؤدي إلى إمكان امتثال حرمة المكث و وجوب التطهير معا.

و أما الصورة الثانية فالظاهر فيها تعيين الغسل و وجوبه حتى لو قيل في الصورة السابقة بعدم وجوبه و بوجود إطلاق في دليل وجوب التطهير لان طرف المزاحمة هنا مع الغسل ليس أصل التطهير بل الفورية و لا دليل على الفورية إلا بمقدار لا ينافي الاشتغال بمقدمات التطهير و المفروض في‌

____________

[1] كقوله تعالى «لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا» (النساء- 43)

[2] من قبيل معتبرة جميل قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا.» الوسائل باب 15 من أبواب الجنابة حديث 2

308

[تنجيس مساجد اليهود و النصارى]

(مسألة 15) في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال (1) و أما مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فرقهم.

____________

المقام ان التطهير يتوقف على المكث و المكث له حصتان أحدهما محرمة و هي المكث مع الجنابة فيترشح الوجوب الغيري لا محالة على الحصة المحللة و هي المكث مع الطهارة فيكون الاشتغال بالغسل تحصيلا لهذه الحصة و لا يكون منافيا للغوية الثابتة بالإجماع أو يمثل معتبرة علي بن جعفر نعم لو قيل بالفورية بلحاظ اللسان الوارد في مثل «جنبوا مساجدكم النجاسة» فيكون للنهي إطلاق لكل آن عرفي ففي فرض استلزام الغسل تأخيرا معتدا به يكون مقتضى ذلك اللسان المنع من مثل هذا التأخير و بذلك يتعين على على المكلف التيمم الذي لا يستبطن عادة تأخيرا كذلك و المبادرة إلى التطهير و ان فرض كون التيمم كالغسل من حيث استلزام التأخير وقع التزاحم بين دليل «جنبوا مساجدكم النجاسة» و دليل حرمة مكث الجنب و تعين اعمال قواعد باب التزاحم و هي تقتضي تقديم حرمة مكث الجنب لاحتمال الأهمية أو لأقوائية احتمالها كما تقدم.

(1) و الأقرب الجواز و ذلك لوجهين.

الأول: عدم إحراز صدق عنوان المسجد المأخوذ في موضوع دليل حرمة التنجيس و وجوب التطهير لأن المسجد ليس مطلق ما أعد أعدادا شخصيا أو وقفيا للعبادة و لهذا لو أوقف الإنسان مكانا ليصلي فيه لم يكن مسجدا بل ما أوقف لهذا العنوان الذي هو بنفسه من شعائر اللّه تعالى و معابد اليهود و النصارى لا يعلم كونها موقوفة لهذا العنوان بل لعلها موقوفة لممارسة شعائر و عبادات معينة من قبيل المصلي.

الثاني: لو سلم كونها موقوفة مسجدا فلا إطلاق في دليل وجوب‌

309

[حكم جزء المسجد المعلوم أو المشكوك بجعله من المسجد من الواقف]

(مسألة 16) إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءا من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير و حرمة التنجيس (1) بل و كذا لو شك في ذلك و ان كان الأحوط اللحوق

____________

التطهير و حرمة التنجيس لكل مسجد بل المتيقن منه مساجد المسلمين خاصة اما الإجماع فواضح و كذلك الأمر في مثل معتبرة علي بن جعفر و رواية الحلبي و روايات تحويل البالوعة إلى مسجد و النبوي الظاهر في إضافة المساجد الى المسلمين أو احتمال ذلك في قوله «جنبوا مساجدكم» على نحو لا يبقى إطلاق يتمسك به كما ان الآية الكريمة التي تنهى عن قرب المشركين مختصة بالمسجد الحرام و التعدي منه- إذا أمكن- فإنما يصح إلى بقية مساجد المسلمين لا الى غيرها‌

(1) إذا لم يجعل صحن المسجد من المسجد فلا يشمله الحكم لعدم انطباق موضوع الحكم عليه و هو المسجدية كما انه مع الشك و عدم وجود ظهور حال للواقف في الإلحاق أو ظهور حال ليد المسلمين في البناء على المسجدية أو أي حجة شرعية اخرى تجري البراءة و استصحاب عدم المسجدية لأن الشبهة موضوعية هذا في الصحن و نحوه و اما بالنسبة إلى جدران نفس المسجد فالظاهر انه يحرم تنجيسها و يجب تطهيرها على أي حال اما إذا قلنا ان المسجدية اعتبار قائم بالمكان لا بالحائط و الجدران و ان الحائط حائط المسجد لا نفس المسجد فلا معنى اذن لجعل الحائط المسجد بل يكون موضوعا لحرمة التنجيس و لوجوب التطهير بما هو حائط المسجد لا بما هو مسجد و أما إذا قيل بان اعتبار المسجدية يشمل الحيطان و الجدران فيمكن ملاحظتها في مقام جعل المسجدية و يمكن إخراجها و جعل المسجدية للأرض فقط‌

310

[العلم الإجمالي بنجاسة أحد المسجدين أو المكانين]

(مسألة 17) إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما (1)

[حكم المسجد الخاص]

(مسألة 18) لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا (2) و أما المكان الذي أعده للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم

____________

فأيضا يمكن الالتزام بحرمة التنجيس و وجوب التطهير بلحاظ الارتكازات اللبية أو بلحاظ ان الوارد في الدليل اللفظي عنوان حائط المسجد كما في معتبرة علي بن جعفر فإذا أمكن التمسك بها بدعوى ان المستظهر منها كون المحذور قائماً بعنوان حائط المسجد سواء كان الحائط مسجدا أو لا ثبت الحكم في المقام‌

(1) تطبيقا لقواعد العلم الإجمالي‌

(2) هذا صحيح إذا أريد بالخاص ما كان كذلك عرفا كمسجد المحلة و القبيلة لا ما كانت مسجديته و وقفيته منشأة على عنوان خاص و إلا فلا يشمله الحكم و ذلك أولا لبطلان المسجدية بالتخصيص المذكور و ذلك لان المسجدية اما ان تكون عبارة عن فك الملك و تحريره. أو عن تمليك اللّه تعالى بملكية اعتبارية على حد الملكيات العقلائية أو عن تمليك المسلمين ذاتا أو حيثية كحيثية العبادة كما يوقف البئر لحيثية سقاية الحاج فعلى الأول و الثاني لا معنى للتخصيص المذكور فان التحريره ليس أمر نسبيا كما ان تمليك اللّه تعالى لا معنى لان يتخصص و يتقيد بطائفة دون طائفة و أما على الثالث فالتخصيص في الوقف معقول في نفسه ثبوتا غير انه ليس صحيحا إثباتا حيث لا يمكن تصحيح مثل هذا الوقف على ان يكون مسجدا لان المسجدية من الاعتبارات الشرعية التي لا يعلم انطباقها بمثل هذا الوقف المشتمل على التخصيص و لا يمكن التمسك لإثبات المسجدية بدليل صحة الوقف لأنه‌

311

[وجوب الإعلام بنجاسة المسجد]

(مسألة 19) هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكن من الإزالة؟ الظاهر العدم إذا كان مما لا يوجب الهتك (1) و إلا فهو الأحوط

____________

لا يثبت الا نفوذ الوقف بمعنى ان كل إنسان مسلط على ما يقف لا انه مسلط على الاعتبارات الشرعية و التوسيع في نطاقها كما لا يمكن التمسك بأدلة الحث على إنشاء المساجد [1] لعدم الإطلاق فيها لمثل هذا الوقف الخاص فإنها تحت على إنشاء المسجد و ليست في مقام بيان ما يكون به المكان مسجدا.

و ثانيا انه لو سلمت صحة وقف المسجد المذكور فشمول حكم المسجد له فيه إشكال لأن المدارك اللبية للحكم من الإجماع و الارتكاز لا يعلم بشمولها لهذا النحو من المسجد خصوصا مع عدم الإجماع على أصل المسجدية و المدارك اللفظية التي يتصيد منها الحكم تصيدا لا إطلاق فيها أيضا لأنها وردت في مقام التفريع على الحكم و ليست في مقام بيان أصله ليتمسك بإطلاقها و ما دل على وجوب تطهير المسجد الحرام أو النهي عن قرب المشركين منه لو تمت دلالته و صح التعدي عنه فلا يمكن التعدي إلا الى ما كان مسجدا عاما كالمسجد الحرام.

(1) و ذلك لأن ما هو متعلق التكليف غير مقدور فيسقط التكليف بالتعذر و لا دليل على وجوب الأعلام بعنوانه و قد يقرب وجوب الأعلام في المقام تارة بما في المستمسك من ان الواجب منذ البدء ليس هو خصوص الإزالة بنحو المباشرة بل الأعم منها و من التسبيب و لهذا جازت الإجارة‌

____________

[1] من قبيل معتبرة أبي عبيدة الحذاء قال «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: من بنى مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنة.» الوسائل باب 8 من أبواب أحكام المساجد حديث 1

312

..........

____________

لازالة النجس فما دام الأعلام المؤدي للإزالة ممكنة فلا يكون التكليف الاولى ساقطا (1) و يرد عليه ان متعلق التكليف هو الإزالة الصادرة من المكلف بالمباشرة أو التسبيب و لهذا تشمل الإزالة بالإجارة لأنها تسبيب بحيث يصدق معها ان المستأجر أزال النجاسة كما يصدق على المستأجر لبناء داره انه بنى داره و اما مجرد الأعلام فلا يحقق نسبة الإزالة الصادرة من الغير الى المعلم فلا يقال انه أزال النجاسة بذلك بل هو محاولة لإيجاد الداعي لدى الآخر فلا يكون مصداقا للواجب الاولى فيحتاج وجوبه الى دليل آخر.

و قد يقرب وجوب الإعلام تارة أخرى بما عن السيد الأستاذ من ان المتفاهم عرفا من أدلة وجوب التطهير ان المقصود هو حصول النتيجة لا خصوصية الصدور من المكلف و لهذا يسقط الواجب بحصول الطهارة و لو بفعل صبي أو نزول مطر (2) و هذا المقدار لا اشكال فيه و انما الإشكال في ان الغرض له أنحاء من الحفظ و لا يلزم ان تكون كل أنحائه لزومية فلا محذور عقلا أو عرفا في ان تكون المراتب اللازمة من حفظ هذا الغرض لا تشمل مرتبة الإعلام ألا ترى ان هناك غرضا لزوميا في ان يصلي المكلف مع الطهارة من الحدث و لكن لا يجب على الآخر أعلامه ببطلان طهارته لو رآه يصلي بغسل أو وضوء باطل فالتفكيك بين مراتب الحفظ معقول و محتمل فلا يحكم الا بما دل الدليل على وجوبه من تلك المراتب و ليس الأعلام منها اللهم إلا في حالة ترتب الهتك على بقاء النجاسة للعلم من الخارج حينئذ بأن الشارع لا يرضى بحال بهتك تلك الشعائر و يوجب الحيلولة دون ذلك بأي وجه ممكن.

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 514- 515 من الطبعة الرابعة

(2) التنقيح الجزء الثاني ص 367- 370

313

[حكم تنجيس و تطهير المشاهد المشرفة]

(مسألة 20) المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس بل وجوب الإزالة إذا كان تركها هتكا بل مطلقا على الأحوط لكن الأقوى عدم وجوبها مع عدمه و لا فرق فيها بين الضرائح و ما عليها من الثياب و سائر مواضعها إلا في التأكد و عدمه (1)

____________

(1) يمكن تقريب إلحاق المشاهد الشرفة بالمساجد في حرمة التنجيس أو في كلا الحكمين بوجوه:

الأول: ما ذكره السيد الأستاذ من ان المشاهد المشرفة مزارات موقوفة لأجل أن تكون كذلك سواء كان الموقوف عليه هو الامام المزور أو الزائرين و وصف الطهارة باعتباره من الأوصاف الملحوظة ارتكازا يستكشف ملاحظة الواقف لها في الوقف بحيث أوقف المشهد مزارا بما هو طاهر فلا بد من حفظ الوصف و يحرم التصرف في الوقف بإزالة الوصف المذكور و بهذا تثبت حرمة التنجيس و ان لم يثبت وجوب التطهير (1) و يرد عليه أولا: ان الوقفية في جملة من الموارد سابقة على صيرورة المكان مشهدا كما هو الحال في مشاهد الأئمة الذين دفنوا في مقابر عامة كالكاظم و الجواد (ع) فإن الوقفية هنا سابقة على المشهدية و المزارية لا في طولها فكيف يعرف ملاحظة وصف الطهارة و هي حال وقف مقابر قريش الا كحال وقف سائر المقابر المعروفة فهل يلتزم بحرمة تنجيسها جميعا.

و ثانيا: انا لا تحرز أصل صدور وقف من هذا القبيل فإنه فرع ان يكون المشهد ملكا لشخص في زمان ثم يقفه مزارا ملاحظا وصف الطهارة بينما جملة من المشاهد و القبور حصلت في أراض موات أحييت بنفس الدفن كما هو المتعارف في حالات الدفن في أرض الموات و تكون الأرض محياة‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 371

314

..........

____________

للدفن و بذلك تصبح ملكا للميت بما هو ميت لا للمحيي و لا تنتقل إلى ورثة المحيى بعد وفاته فأين الدليل على وجود واقف ليجب التقيد بنظره الوقفي.

و ثالثا: انا لو سلمنا الوقف المذكور فمجرد كون الطهارة وصفا مرغوبا فيه للمتشرعة لا يكفي دليلا على ملاحظة الواقف له عنوانا لوقفه بحيث كما يقف العرصة بما هي دار فيجب الحفاظ على عنوان الدار فيها كذلك يقف المشهد بما هو طاهر فإن الرغبة في الوصف شي‌ء و أخذه قيدا مقوما للوقف شي‌ء آخر خصوصا مع الجهل بحال الواقف و أعرافه.

الثاني: ان المشاهد المشرفة مضافة إلى الأئمة تكوينا باعتبارها قبورا لهم و هم مضافون الى اللّه تعالى و بذلك ينطبق عليها عنوان شعار اللّه بلا حاجة الى جعل خاص كما هو الحال فيما ليس له تلك الإضافة التكوينية كالصفا و المروة و شعائر اللّه يجب تعظيمها و من تعظيمها الحفاظ على طهارتها و فيه ان المدعى ان كان وجوب تمام مراتب التعظيم فالكبرى غير ثابتة بل بعض المراتب يعلم بعدم وجوبها و ان كان المدعى وجوب بعض المراتب فهو صحيح الا ان إثبات كون التطهير و الحفاظ على الطهارة من المراتب الواجبة يحتاج الى دليل.

الثالث: و هو مركب من مقدمتين إحداهما ان المستفاد من أدلة حرمة التنجيس و وجوب التطهير في المساجد ان هذا الحكم لأجل احترام المسجد و مكانته عند اللّه تعالى لا لمجرد كونه معدا للصلاة و الأخرى ان المستفاد من مجموع ما دل على الحث على زيارة المشاهد المشرفة مما لم يرد مثله في عموم المساجد و على فضيلة الصلاة فيها مما يثبت أنها أفضل من الصلاة في جل المساجد حتى جاء في بعض الروايات ان الصلاة في بيت فاطمة أفضل من الصلاة‌

315

[وجوب تطهير المصحف]

(مسألة 21) تجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف (1) و خطه بل عن جلده و غلافه مع الهتك كما انه معه يحرم مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس و إن كان متطهرا من الحدث و اما إذا كان أحد هذه بقصد الإهانة فلا إشكال في حرمته

____________

في الروضة [1] التي هي أعظم المساجد بعد المسجد الحرام الى غير ذلك أقول ان المستفاد من مجموع ذلك كون المشاهد المشرفة لا تقل مكانة و احتراما عن المسجد الاعتيادي على أقل تقدير فاذا تمت هاتان المقدمتان ثبت جريان الحكم بحرمة التنجيس و وجوب التطهير الى المشاهد المشرفة هذا فيما إذا لم يلزم الهتك و الا فلا إشكال في ثبوت الحكم لأن صيانة المشهد الشريف من الهتك و الإهانة داخلة في المراتب المتيقن وجوبها من مراتب تعظيم شعائر اللّه تعالى‌

(1) اما مع الهتك فلا اشكال و اما بدونه فقد يستدل على الوجوب مضافا إلى ما يشبه الوجهين الأخيرين في المسألة السابقة بوجوه اخرى: منها الفحوى العرفية لما دل على حرمة مس المحدث [2] على الرغم من عدم سريان الحزازة بمسه بخلاف مس النجس المرطوب و هذه الفحوى لو تمت لاقتضت حرمة تنجيس الخط فقط دون غيره فضلا عن وجوب التطهير‌

____________

[1] من قبيل معتبرة يونس بن يعقوب قال «قلت لأبي عبد اللّه (ع) الصلاة في بيت فاطمة أفضل أو في الروضة؟ قال: في بيت فاطمة» الوسائل باب 59 من أبواب أحكام المساجد حديث 1

[2] من قبيل معتبرة أبي بصير قال «سألت أبا عبد اللّه (ع) عمن قرء في المصحف و هو على غير وضوء قال: لا بأس و لا يمس الكتاب» الوسائل باب 12 من أبواب الوضوء حديث 1

316

..........

____________

و هي تتوقف على أن يكون الحدث في نظر العرف مصداقا للقذارة و النجاسة غير ان مصبها ليس هو البدن بل الإنسان بما هو و أما إذا كانت اعتبارا مستقلا فالتعدي منه الى اعتبار آخر متعذر خصوصا مع عدم عرفية ذلك الاعتبار على نحو لا يكون للعرف طريق الى تمييز الأشد محذورا منهما.

و منها التمسك برواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (ع) قال «سألته أقرأ المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول و استنجي و اغسل يدي و أعود إلى المصحف فاقرأ فيه قال لا حتى تتوضأ للصلاة» (1) بدعوى ان قول السائل «و اغسل يدي و أعود إلى المصحف» دال على المفروغية عن لزوم تطهير اليد عند إمساك المصحف الشريف بها و ليس ذلك الا حفاظا على طهارته و يرد على ذلك ان كلام السائل هذا لا يدل على الفراغ عن وجوب ذلك و غاية ما يستفاد منه الإيماء الى حسنه و رجحانه و منها التمسك بقوله تعالى «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (2) بدعوى شمول ذلك لغير المتطهر من الحدث أو من الخبث و لما كان عدم التطهر من الخبث يساوق نجاسة ذلك الموضع خاص لإتمام البدن فيستفاد بمناسبات الحكم و الموضوع المنع من المس به خاصة و يرد على ذلك ان الطهارة هنا بمعنى الطهارة المعنوية سواء رجع الضمير المفعول الى القرآن أو الكتاب المكنون إذ على الأول يراد مس القرآن بما هو كلام اللّه تعالى لا بما هو نقوش و على الثاني يراد السجل الغيبي للقرآن الذي يعبر عنه بالكتاب المكنون لا هذه الأوراق الاعتيادية و على كلا التقديرين لا يكون المس و لا الطهارة بالمعنى المبحوث عنه هنا و مما يؤيد ذلك مجي‌ء العبارة بصيغة‌

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب القراءة القرآن حديث 1

(2) الواقعة (79)

317

..........

____________

المفعول لا الفاعل مع ان التطهر من الخبث و الحدث فعل للإنسان لا انه شي‌ء يفعل به بخلاف الطهارة المعنوية من الأدناس و العصمة من الخطأ و سياق الآية سياق الحديث مع الكفار الذين لا يؤمنون بالتشريع القرآن و هو و يناسب بيان الخصائص التكوينية للقرآن الكريم لا شرفه المنتزع من التشريعات المجعولة من قبله.

و منها الاستدلال بما ورد في تفسير الآية الكريمة و هو رواية إبراهيم ابن عبد الحميد عن ابي الحسن (ع) قال «المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا و لا تمس خطه و لا تعلقه ان اللّه تعالى يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (1) و الاستدلال بذلك اما بلحاظ النهي عن مس المصحف على غير طهر بتعميم الطهر لما يقابل الحدث و الخبث و اما بلحاظ استشهاده بالآية الكريمة الدال على ان الطهارة فيها بالمعنى الشرعي فيتم الاستدلال بالآية و هذا الاستدلال غير صحيح لضعف سند الرواية باعتبار وقوع طريق الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال في سندها (2) و عدم تمامية الدلالة إذ لو سلم كون الطهارة في الآية الكريمة بالمعنى الشرعي فظاهرها الطهارة الحدثية لأنها أضيفت إلى نفس الشخص و ما يكون قائماً بالشخص الحدث و ما يقابله من الطهارة و اما الخبث و ما يقابله من الطهارة فهما قائمان بالموضوع الخاص و منه يعرف ان قوله (على غير طهر) ظاهر أيضا في‌

____________

(1) الوسائل باب 12 من أبواب الوضوء حديث 3

(2) في سند هذه الرواية موقعان للضعف: الأول ان الشيخ رواها بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال و هو ضعيف بعلي بن محمد بن الزبير و الثاني ان ابن فضال روها عن إبراهيم بن عبد الحميد بتوسط جعفر بن محمد بن حكيم و جعفر بن محمد بن ابي الصباح معا و هما لم تثبت وثاقتهما

318

[حرمة كتابة القرآن بالمركب النجس]

(مسألة 22) يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس و لو كتب جهلا أو عمدا وجب محوه كما انه إذا تنجس خطه و لم يمكن تطهيره يجب محوه (1)

[إعطاء المصحف للكافر]

(مسألة 23) لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر و ان كان في يده يجب أخذه منه (2)

____________

عدم الطهارة الحدثية كما في الجنب و الحائض.

(1) حكم هذه المسألة يظهر مما تقدم فإذا بنى مثلا على تمامية الاستدلال بالآية الكريمة أمكن المصير الى التحريم المذكور بدعوى ان المفهوم منها عرفا ان النجاسة لا تلائم بوجه المصحف الشريف و منه يعرف ان المحو ليس من باب التطهير ليقال ان هذا إعدام للموضوع و ليس تطهيرا بل لأجل عدم الملائمة و المنافرة المستفادة من الآية الكريمة بين المصحف و النجاسة على تقدير تمامية الاستدلال بها و قد يتوهم أن صيانة المصحف من النجاسة لما كانت بملاك احترام المصحف فلا يتصور وجوبها في مورد يتطلب إعدام النجاسة فيه إعدام المصحف رأسا بمحوه كما في المقام و يندفع بان الملحوظ في الاحترام ليس شخص هذه النسخة بل كتاب اللّه في نفسه فان من احترامه ان لا يجسد نقشه في شي‌ء نجس.

(2) إذا افرض كون وجوده بيد الكافر مستلزما للهتك و المهانة فلا إشكال في الحكم المذكور و الا فلا يخلو من اشكال و غاية ما يمكن ان يقرب به ان مس الكافر لخطه المصحف حرام لكونه محدثا و مسه بالرطوبة لأي شي‌ء منه حرام لكونه منجسا. فتسليم المصحف له و الحالة هذه حرام اما لكونه إعانة على الإثم بناء على حرمتها في أمثال المقام و اما بناء على تمامية الاستدلال بالآية الكريمة «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» إذ يقال حينئذ بأن‌

319

..........

____________

هذا منع لوقوع المس من غير المتطهر و لا يختص المنع بغير المتطهر فكل فرد مكلف بان لا يقع مس للمصحف من غير المتطهر فتدبر جيدا و بهذا يظهران وجوب أخذ المصحب من الكافر حينئذ ليس بلحاظ ان الكافر يحرم عليه المس فيؤخذ منه من باب نهيه عن المنكر ليقال بان ذلك خلاف إقرار الكافر الذمي على وضعه كما عن السيد الأستاذ (1) بل باعتباره امتثال لنفس التكليف الأول المتوجه إلى المكلف و هو بان يكون المصحف الشريف مصانا من مس غير المتطهر ثم ان هذا كله في حكم مجرد إعطاء المصحف بيد الكافر من دون فرض عناية تسليطه عليه لأن مجرد إعطائه له قد يكون لإيصاله إلى مكان مثلا و أما التسليط فهو حيثية أخرى قد يقع الكلام في جوازها و حرمتها بقطع النظر عن حرمة التنجيس و حرمة مس الكافر للمصحف إذ قد يستفاد من دليل عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر [1] عدم جواز بيع المصحف منه و بالتالي عدم جواز تسليطه عليه و لو بغير بيع و قد أشار إلى بعض هذه الاستفادة جملة من الفقهاء في ذيل بحث بيع العبد المسلم من الكافر و أشرنا في محله الى عدم تمامية الاستفادة المذكورة.

____________

[1] من قبيل مفهوم الموافقة لرواية حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (ع) «ان أمير المؤمنين (ع) اتى بعبد ذمي قد أسلم فقال اذهبوا فبيعوه من المسلمين و ادفعوا ثمنه الى صاحبه و لا تقروه عنده» الوسائل باب 28 من أبواب عقد البيع حديث 1

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 376- 377

320

[حرمة وضع المصحف على العين النجسة]

(مسألة 24) يحرم وضع القرآن على العين النجسة كما انه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه و ان كانت يابسة (1)

[وجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية]

(مسألة 25) يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية (2) بل عن تربة الرسول و سائر الأئمة (صلوات اللّه عليهم) المأخوذة من قبورهم و يحرم تنجيسها و لا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك و الاستشفاء و كذا السبحة و التربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة

____________

(1) إثبات حرمة ذلك في فرض عدم الهتك و الإهانة مع انه لا سراية بحسب الفرض لعدم الرطوبة يمكن ان يقرب بوجهين:

أحدهما ان يكون مدرك مدرك حرمة التنجيس ما يدل على حرمة مس المحدث للكتاب الكريم الدال بالفحوى على حرمة تنجيسه فيدعي انه يدل بالفحوى أيضا على حرمة إمساس عين القذارة له لأنه أشد عرفا من مس المحدث و الآخر أن يكون المدرك الآية الكريمة (لا يمسه الا المطهرون) بناء على استفادة اشتراط الطهارة الخبثية في مس الكتاب فإنه إذا ثبت بها حرمة مس الإنسان بيده المتنجسة مثلا للكتاب و لو كانت جافة كما هو مقتضى الإطلاق يثبت أيضا حرمة إمساس عين النجس له بعد إلغاء خصوصية المس و كون الماس إنسانا.

(2) و ذلك فيما إذا استلزم الهتك و الإهانة واضح و اما في غير هذه الحالة فقد يقرب الحكم تارة بأنه لما كان حكما احتراميا و قد فهم من أدلة فضيلة التربة الحسينية و كون السجود عليه أفضل من السجود على نفس‌

321

[وجوب اخرج المصحف و سائر المحترمات من بيت الخلاء]

(مسألة 26) إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعة وجب إخراجه و لو بأجرة (1) و ان لم يمكن فالأحوط و الاولى سد بابه و ترك التخلي الى ان يضمحل (2)

[الضمان على منجس مصحف الغير الموجب لنقصه بالتطهير]

(مسألة 27) تنجيس مصحف الغير موجب لضمان

____________

ارض المسجد و ما حباها اللّه تعالى به من خصائص (1) انها لا تقتل احتراما عن المسجد فيشملها حكمه و يقرب اخرى باستصحاب الحكم فيما إذا كان مأخوذا من الغير الشريف إذ كان الحكم ثابتا عليه قبل أخذه من القبر فيستصحب إذا لم يدع تغير الموضوع عرفا.

(1) و ذلك لان في عدم في عدم الإخراج في هذه الحالة إهانة و هتك لحرمة تلك الورقة الشريفة فيجب الإخراج و لو توقف على خسارة المال و لا يرتفع مثل هذا الوجوب بلا ضرر إذا استتبع ضررا ماليا للعلم بعدم رفع الشارع يده عن حرمة هذه المقدسات بالضرر المالي ما لم يبلغ إلى درجة الحرج.

(2) غير ان ذلك ليس بواجب عنده- (قدس سره)- لان وجوب سد الباب ان كان بلحاظ محذور التنجيس فمن الواضح انه لا تنجيس جديد و ان كان بلحاظ محذور الإهانة و الهتك فهو غير معلوم لأن سد الباب ما دام لا يؤثر في تقليل النجاسة الواقعة و ما دام إخراج الورقة غير متيسر فلا يعلم ان مجرد استعمال تلك البالوعة يكون هتكا و الشك و عدم العلم يكفي أيضا لإجراء البراءة لأن الشبهة موضوعية.

____________

(1) راجع الوسائل باب 16 من أبواب ما يسجد عليه و غيرها.

322

نقصه الحاصل بتطهيره (1)

____________

(1) تارة يتكلم عن ضمان المنجس لصاحب المصحف و اخرى عن ضمانه للمطهّر بقطع النظر عن حيثية الضمان الأول بأن تفترض مثلا ان المصحف ليس له مالك و نجسه شخص فطهره آخر و بذل مئونة مالية في التطهير فان الكلام في مثل ذلك ينحصر في الضمان للمطهر ما خسره بسبب عملية التطهير فهنا مقامان:

اما المقام الأول و هو الضمان لصاحب المصحف فلا اشكال- على العموم- في ان الأوصاف مضمونة كالأعيان إذا كانت لها مالية و كونها ذات مالية يتقوم أولا بأن تكون موردا للغرض النوعي و ثانيا بان تكون إعادة الوصف بعد زواله موجبة لمئونة و خسارة اما بلحاظ كلفة نفس عملية الإعادة أو بلحاظ طرو نقص آخر على العين بهذه الإعادة أو بلحاظ كلا الأمرين و اما إذا لم تكن الإعادة ذات مئونة أصلا فهذا يعنى انه لا مالية للوصف الفائت و ان كان موردا للغرض النوعي بمعنى ان العين لا تقل قيمتها بفواته لسهولة استرجاعه بلا مئونة كما هو واضح و عليه ففي المقام لا إشكال في ان الطهارة وصف مرغوب نوعيا في المصحف الشريف فان فرض تطهير المصحف بعد تنجسه ليس فيه مئونة لا من ناحية كلفة نفس التطهير و لا من ناحية استتباعه لنقص آخر فلا مالية لوصف الطهارة في هذه الحالة و لا ضمان و اما إذا فرض ان التطهير كان ذا مئونة فيكون وصف الطهارة مضمونا على المنجس بالتفويت و يقع الكلام حينئذ في مقدار المالية أو القيمة المضمونة بعد الفراغ عن الأوصاف مضمونة في مثال المقام قيميا لا مثليا بمعنى ان ما تشتغل به ذمة الضامن هو مقدار النقص الحاصل في قيمة العين بسبب زوال الوصف المضمون لا انه مشغول الذمة بإعادة نفس الوصف الى العين‌

323

..........

____________

مع الإمكان و مع التعذر ينتقل إلى قيمة هذه الإعادة.

و الكلام في تقدير القيمة المضمونة تارة يقع بناء على عدم القول بوجوب التطهير و الاقتصار على الالتزام بحرمة التنجيس و اخرى بناء على الالتزام بوجوب التطهير:

اما على القول بعدم وجوب التطهير فقد عرفت ان ضمان الوصف قيميا معناه ضمان قيمة الوصف و حيث ان الوصف ليست له قيمة مستقلة فمرجع ذلك الى ضمان ما خسرته العين من قيمة نتيجة لفقدان الوصف لأن الأوصاف حيثيات تعليلية لزيادة قيمة العين و عليه فيكون المتلف لوصف الطهارة في المصحف الشريف ضامنا للتفاوت السوقي بين قيمة المصحف النجس و قيمة المصحف الطاهر و هذا التفاوت يحدد في السوق قهرا بأقل النقصين و اقصد بهما نقص بقاء المصحف نجسا و نقص مئونة التطهير التي تشتمل على نفقة نفس عملية التطهير أو على ما تسببه من نقص آخر في المصحف كزوال الصفرة الذهبية مثلا أو على كلا الأمرين فإنه لا وجه لأن يتنزل السعر السوقي النوعي للسلعة بأكثر من أقل الضررين و النقصين فيما إذا كان الأمر مرددا بينهما و لم يكن أحدهما متعينا كما لو تعين نقص زوال وصف الطهارة لعدم إمكان التطهير مثلا فان ذلك يعني ان النقص الوارد انما هو بمقدار الجامع بين الضررين الأقل و الأكثر فيتعين في الأقل لا محالة فلو كانت مئونة التطهير أو خسارة وصف الصفرة الحاصلة به أو مجموعهما أقل من خسارة وصف الطهارة تعين الضمان بمقدارها لا محالة لأن العين تتنزل قيمتها السوقية في تلك الحالة بمقدار ذلك لا أكثر فمثلا إذا كانت قيمة المصحف الطاهر دينارا و قيمة المصحف المتنجس الذي لا يمكن تطهيره نصف دينار و كانت كلفة تطهير المصحف الذي يمكن تطهيره ربع دينار مع أخذ مئونة نفس التطهير و ما يخلفه من نقص في اللون و الخصوصيات‌

324

..........

____________

و فرضنا ان شخصا نجس المصحف الشريف مع إمكان التطهير ففي هذه الحالة سوف تنقص قيمته عن الدينار و يكون النقص بقدر ربع دينار لا أكثر نعم قد يفرض أن عملية التطهير بما تستتبع من مقدمات و تجفيف و نحو ذلك تتطلب زمانا فهذا نقص آخر تتضمنه مئونة التطهير و من اجله قد يكون نقصان القيمة في الحالة المذكورة أزيد من اجرة نفس التطهير و قيمة الصفرة الزائلة بالتطهير و هذه الزياد تمثل ذلك النقص الذي يدخل في مئونة التطهير.

و قد يفرض مثال على العكس كما إذا فرضنا ان قيمة المصحف المتنجس الذي لا يمكن تطهيره ثلاثة أرباع الدينار و ان مئونة التطهير بما فيها النقص الطارئ على العين بسببه كانت نصف دينار ففي هذه الحالة إذا نجس شخص المصحف الشريف ضمن بمقدار ربع دينار لأنه هو الذي يمثل نقص بقاء المصحف نجسا بحسب الفرض و هو أقل النقصين الذين يدور الأمر بينها بسبب فعل المنجس فلا موجب لتضمنه أزيد من ذلك نعم لو قيل بان الوصف مضمون ضمانا مثليا لرجع الضمان المثلي للوصف الى شغل الذمة بإعادة الوصف الى العين على نحو تعود العين كما كانت إذ لا معنى لضمان المثل في باب الأوصاف- لو تعقلناه- الا ذلك و ينتقل مع التعذر إلى قيمة إعادة العين كذلك.

فيكون المنجس في هذا المثال مشغول الذمة بما تساوى ماليته نصف دينار و لكن الصحيح ان ضمان الأوصاف قيمي لا مثلي بل الالتزام بمثليته على خلاف الارتكاز العقلائي من جهات شتى إذ قد يتفق مثلا ان تكون كلفة الإعادة أكبر من قيمة العين رأسا.

و أما على القول بوجوب تطهير المصحف فيرد كل ما تقدم بإضافة‌

325

..........

____________

مطلب آخر و هو ان تحديد أقل النقصين يتدخل فيه في المقام الوجوب الشرعي في سوق المتشرعة لأنه لا يمكن إبقاء المصحف نجسا بل لا بد من تطهيره بنحو يفقد صفرته الذهبية مثلا و هذا يعني ان الصفرة الذهبية واجبة الاعدام ففي حالة عدم وجوب التطهير كنا نقارن بين بقاء المصحف فاقدا للطهارة و واجدا للصفرة الذهبية و بين استرجاعه للطهارة مع فقده للصفرة الذهبية و كانت قيمة الصفرة الذهبية تخفف من النقص الأول و لكن في حالة البناء على وجوب التطهير تقل قيمة هذه الصفرة لأنها صفرة واجبة الاعدام شرعا كما هو واضح.

ثم ان ضمان هذا النقص اعني نقص زوال الصفرة الذهبية على تقدير القول بوجوب التطهير يثبت حتى لو فرض عدم المالية لوصف الطهارة و عدم المئونة في نفس عملية التطهير لان التنجيس يؤدي الى كون الصفرة واجبة الاعدام فهو بمثابة إتلاف مباشر لها بمرتبة من المراتب فيضمن بمقدار الفارق بين قيمة مصحف ذهبي قابل لإبقاء لونه شرعا و قيمة مصحف ذهبي يجب إزالة صفرته الذهبية شرعا.

و أيضا كنا نفترض بناء على عدم وجوب التطهير ان المضمون بالتنجيس قد يكون أقل قمية من كلفة عملية التطهير بان يفرض ان المصحف بالتنجيس يباع بثلاث أرباع قيمته الاعتيادية و اما نفقات تطهيره فتساوى نصف قيمته الاعتيادية فالمضمون ربع القيمة لا نصفها الا ان الحساب قد يتغير في سوق المتشرعة المبني على وجوب التطهير لأن شراء المصحف المتنجس حينئذ يتيح للمشتري ان يطهره فيتنجز عليه وجوب التطهير المستدعى لبذل ما يساوى نصف قيمته الاعتيادية بحسب الفرض و هذا يوجب عدم الاقدام نوعا من المتشرعة بشرائه بأكثر من النصف فقد يتصور‌

326

[كفائية وجوب تطهير المصحف]

(مسألة 28) وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختص بمن نجسه و لو استلزم صرف المال وجب و لا يضمنه من نجسة إذا لم يكن لغيره و ان صار هو للسبب للتكليف بصرف المال و كذا لو ألقاه في البالوعة فان مئونة الإخراج الواجب على كل أحد ليس عليه لان الضرر انما جاء من قبل التكليف الشرعي و يحتمل ضمان المسبب- كما قيل- بل قيل باختصاص الوجوب به و يجبره الحاكم عليه لو امتنع أو يستأجر آخر و لكن يأخذ الأجرة منه (1)

____________

حينئذ أن تكون القيمة المضمونة على المنجس أقل من كلفة عملية التطهير بمقدار معتد به.

هذا كله في المقام الأول و اما المقام الثاني فيأتي الكلام عنه ان شاء اللّه تعالى في المسألة التالية:

(1) في هذه المسألة فروع:

الأول: في اختصاص وجوب التطهير بالمنجس و عدمه و قد تقدم نظير ذلك بالنسبة إلى المنجس للمسجد و قلنا انه بلحاظ دليل وجوب التطهير لا اختصاص لأن نسبته الى الجميع على نحو واحد و لكن قد يتميز المنجس بلحاظ خطاب حرمة التنجيس كما أوضحنا هناك و ذلك لأن الوجود البقائي للنجاسة كالوجود الحدوثي يحمل على المنجس و يكون مسؤولا عنه باعتبار استناده إليه فلاحظ.

الثاني: في وجوب صرف المال لو تطلب تطهير المصحف ذلك و قد تقدم نظيره في أحكام تطهير المسجد و الكلام متقارب.

327

..........

____________

الثالث: انه إذا قيل بوجوب صرف المال للتطهير فطهر المصحف غير المنجس و بذل المال فهل يضمن له المنجس ما بذل من مال بلحاظ كونه هو المسبب لذلك و المعروف عند السيد الماتن و المعلقين على المتن عدم الضمان بمثل هذا التسبيب.

و قد أفيد في تقريب ذلك ان الضمان له ملاكان أحدهما اليد و الآخر الإتلاف و الضمان بالتسبيب انما يثبت إذا أدى التسبيب الى صدق إسناد الإتلاف إلى المسبب و هذا إنما يكون فيما إذا لم يتوسط بين التسبيب و تلف المال ارادة الفاعل المختار اما بان لا تكون هناك ارادة في الوسط أصلا كمن يحفر حفيرة فيعثر بها الآخر فيقع أو ان تكون هناك إرادة متوسطة و لكنها بحكم العدم كإرادة الدابة المرسلة لإتلاف الزرع أو الصبي المرسل لإتلاف المال و أما مع توسط ارادة الفاعل المختار فلا يستند الإتلاف إلى المسبب فلا موجب لضمانه.

و التحقيق: ان موجب ضمان المال لا ينحصر بأحد الأمرين من اليه و الإتلاف بل التسبيب بعنوانه و لو في الجملة ملاك ثالث للضمان و ذلك ما يستفاد من مما دل على الضمان بالتسبيب في موارد تتوسط فيها ارادة الفاعل المختار بين التسبيب و تلف المال خارجا من قبيل معتبرة أبي بصير و غيره [1] عن أبي عبد اللّه (ع) «في امرأة شهد عندها شاهدان بان زوجها مات فتزوجت ثم جاء زوجها الأول، قال: لهما المهر بما استحل من‌

____________

[1] كمعتبرة إبراهيم بن عبد الحميد عن ابي عبد اللّه (ع) في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها فتزوجت ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق قال: يضربان الحد و يضمنان الصداق للزوج.» الوسائل باب 13 من أبواب الشهادات حديث 1.

328

..........

____________

فرجها و يضرب الشاهدان و يضمنان المهر لها «بما غرا الرجل» (1) فان بين تسبيب الشاهدين و تلف المهر على الزوج توسطت ارادة الفاعل المختار و من قبيل معتبرة جميل عن أبي عبد اللّه (ع) «في شاهد الزور قال ان كان الشي‌ء قائماً بعينه رد على صاحبه و ان لم يكن قائماً ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل» (2) فقد حكم هنا بضمان الشاهد و أسند الإتلاف اليه مع انه يتوسط بين الشهادة و تلف المال ارادة فاعل مختار و هو القاضي الذي حكم على طبق الشهادة غير ان القاضي مغرر به كما ان الزوج هناك كان مغررا به و قوله في الرواية الأولى (بما غرا) ظاهر عرفا في التعليل بنحو يتعدى عن مورده كما ان قوله «بقدر ما أتلف من مال الرجل» لا يبعد أن يكون في قوة التعليل و مرجعه حينئذ إلى انه يضمن لأنه أتلف و يراد بالإتلاف هذا النحو من الاستناد الذي لا يضر به توسط ارادة الفاعل المختار فيتعدى عن مورده أيضا و على اي حال يستفاد من هذه الروايات و غيرها ملاك ثالث للضمان و هو التسبيب و لكنه يختص بالتسبيب بالتغرير لأنه مورد تلك الروايات فكأن ارادة الفاعل المختار المتوسطة في البين لما كانت مغررا بها فهي بحكم العدم فغاية ما تقتضيه تلك الروايات تعميم الضمان بالتسبيب لموارد توسط الإرادة المغرر بها و اما موارد توسط ارادة غير مغرر بها غير انها ملزم بها بأمر شرعي كإرادة التطهير في المقام فالتعدي إليها مشكل و متوقف اما على دعوى صدق إسناد الإتلاف عرفا الى المسبب بعد تنزيل الإدارة المقهورة تشريعا منزلة الإرادة الواقعة تحت الجبر حقيقة أو على التعدي من التغرير الى مثل ذلك بان يقال ان عنوان‌

____________

(1) الوسائل باب 13 من أبواب الشهادات حديث 2

(2) الوسائل باب 11 من أبواب الشهادات حديث 2.

329

..........

____________

الإتلاف و ان لم يسند عرفا الى المسبب مع توسط ارادة الفاعل المختار و لكن إسناده إلى المسبب في موارد التغرير مع توسط ارادة الفاعل المختار كما في الروايات يكشف عن توسعة في دائرة الإتلاف الموجب للضمان.

و قد يورد على الالتزام بالضمان بالتسبيب مع توسط ارادة الفاعل المختار الملزم بها تشريعا ببعض النقوض كما أشرنا الى ذلك سابقا مع كيفية التخلص منها.

أو على الالتزام بان التسبيب في حالات توسط الإرادة المقهورة تشريعا يوجب بعنوانه الضمان بالسيرة العقلائية و ان لم يفرض صدق عنوان الإتلاف و كما ثبت ضمان اليد بالسيرة كذلك يثبت ضمان التسبيب في مثل هذه الحالات بها فإن مطالبة المسبب بتدارك الخسارة فيها عرفية و مطابقة للمرتكزات العقلائية فالظاهر هو الضمان.

ثم ان السيد الماتن- (قدس سره)- قال (و لا يضمنه من نجسة إذا لم يكن لغيره) و كان ظاهره التفصيل بين أن يكون المصحف للمنجّس أو لغيره فعلى الأول لا يضمن للمطهر اجرة التطهير و كذلك إذا كان من المباحات و على الثاني يضمن الأجرة المذكورة و قد استشكل في ذلك بان التسبيب في الحالتين على نحو واحد فأي موجب للتفصيل و حمل السيد الأستاذ عبارة الماتن على ان المقصود نفي طبيعي الضمان منوطا بما إذا لم يكن المصحف للغير إذ مع كونه للغير يكون المنجس ضامنا للنقص الحاصل بالتنجيس لا لكلفة التطهير فالتفصيل انما هو بلحاظ طبيعي الضمان لا بلحاظ ضمان كلفة التطهير خاصة المنفي على اي حال (1) و هذا تأويل على خلاف ظاهر العبارة لأن ظاهر الضمير في قوله‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 385.

330

..........

____________

(و لا يضمنه) رجوعه الى صرف المال من أجل التطهير فيكون التفصيل بهذا اللحاظ لا بلحاظ ضمان آخر غير منظور إليه في العبارة و يمكن توجيهه بان المصحف إذا كان للغير فالمنجس يضمن النقص الحاصل بالتنجيس كما هو معلوم و قد عرفت سابقا ان قيمة هذا النقص في سوق المتشرعة بناء على وجوب التطهير لا تقل عن مئونة التطهير و ان كانت قد تقل عنها لو لم نقل بوجوب التطهير و هذا يعني ان المنجس يضمن لمالك المصحف مئونة التطهير فان قام المالك بالتطهير رجع على المنجس بالمؤنة و ان قام به شخص آخر لا بعنوان الوفاء عن المنجس فالضمان على حاله و للمالك مطالبة المنجس بقيمة الوصف الفائت التي لا تقل عن كلفة التطهير و ان قام به شخص آخر بعنوان الوفاء عن المنجس مع قبول المالك بمثل هذا الوفاء فلا يبقى حق للمالك في الرجوع على المنجس و اما من قام بالوفاء عن المنجس فان كان متبرعا فلا حق له في الرجوع عليه و ان كان بأمره و إذنه رجع عليه. هذا كله إذا كانت عبارة الماتن كما ذكرناه اما إذا كانت عبارته «و لا يضمنه من نجسة إذا كان لغيره» فهي تعني ان المنجس لا يضمن للمطهر أجرة التطهير إذا كان المصحف لغيره و يضمنها إذا كان المصحف له و عدم الضمان في الأول مبني على أن التسبيب لا يوجب الضمان و الضمان في الثاني مبني على الاستيفاء لأن المنجس هو صاحب المصحف و قد استوفى منفعة عمل المطهر إذ حصل على طهارة مصحفه فيضمن قيمة ما استوفاه من منفعة الآخر بينما لا استيفاء كذلك في فرض كون المصحف للغير و لكن الاستيفاء انما يوجب الضمان فيما إذا كان باستدعاء من المستوفى و لم يفرض في المقام استدعاء من المالك للتطهير نعم هناك استدعاء من قبل الشارع و من هنا قد يتوهم كونه بمثابة الاستدعاء من قبله لأنه استدعاء‌

331

[حكم تطهير مصحف الغير بدون إذنه]

(مسألة 29) إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال إلا إذا كان تركه هتكا و لم يمكن الاستئذان منه فإنه حينئذ لا يبعد وجوبه (1)

____________

من وليه فيوجب الضمان عليه و لكن يرد عليه انه استدعاء من الشارع بوصفه شارعا لا بما هو ولي للمالك.

و قد يحتمل أن تكون العبارة في المتن كما أشرنا إليه أخيرا مع كون الضمير في كان راجعا الى المال لا المصحف و حينئذ لا غموض في المعنى أصلا.

(1) إذا كان بالإمكان الاستئذان و تحصيل الاذن أو دفع المالك الى التصدي للتطهير فلا إشكال في عدم جواز مباشرة الغير للتطهير بدون استئذان إذ لا موجب لارتفاع حرمة التصرف في مال الغير في المقام بعد فرض إمكان التوفيق بينها و بين وجوب التطهير فيكون متعلق الوجوب هو الحصة المأذون فيها من التطهير و مع صدور الاذن و وقوع التطهير على طبقه فهل يضمن المطهر النقص الذي قد يحصل بسبب التطهير؟ قد يدعى الضمان في المقام باعتبار الإتلاف المستتبع للضمان و الاذن في الإتلاف أعم من الاذن في الإتلاف على وجه المجانية إذ يتصور الاذن في الإتلاف على وجه الضمان و الصحيح أن يقال ان هذا المطهر تارة يسبب الى نقص اتفاقي و اخرى يكون النقص ملازما للتطهير حتى لو مارسه المالك نفسه ففي الحالة الأولى يضمن هذا النقص الاتفاقي و في الحالة الثانية لا يضمنه لأنه سنخ نقص يجب على المالك إيجاده في ماله لو لم يفعله غيره و كل نقص أو إتلاف من هذا القبيل لا إطلاق في دليل قاعدة الضمان بالإتلاف عقلائيا و روائيا له.

332

..........

____________

و أما إذا تعذر الاستئذان و تحصيل الإذن فتارة يفرض عدم ترتب الهتك و المهانة على ترك التطهير و اخرى يفرض ترتب ذلك على الترك.

فعلى الأول يقع التنافي بين دليل وجوب التطهير و دليل حرمة التصرف في مال الغير و قد قيل ان هذا التنافي يدخل في باب التزاحم و يقدم الحكم بحرمة التصرف في مال الغير لاحتمال أهميته و لكن إذا فرض ان متعلق الوجوب نفس التطهير بما هو فعل المكلف لا الأثر الحاصل منه فالمقام يدخل في باب التعارض فدخوله في مسألة اجتماع الأمر و النهي لأن التطهير و التصرف في مال الغير ينطبقان على شي‌ء واحد فلا بد من تطبيق قواعد باب التعارض اللهم الا أن يدعى كون ملاك كل من الحكمين محرزا في مادة الاجتماع فيدخل في التزاحم الملاكي و في التزاحم الملاكي يقدم معلوم الأهمية و لا يكفي احتمال الأهمية للتقديم كما حققناه في محله من الأصول.

هذا كله إذا سلمنا بوجود إطلاق في دليل وجوب التطهير على فرض وجوده و أما إذا لم نسلم بإطلاقه لان مهم ما يفترض دليلا عليه هو الارتكاز أو الاشتهار و المتيقن منه غير هذه الحالة فلا إشكال حينئذ في الأخذ بإطلاق دليل الحرمة.

و أما على الثاني فحيث ان بقاء النجاسة يساوق هتك المصحف الشريف و إهانته يقع التزاحم بين حرمة التصرف في مال الغير و وجوب صيانة المصحف من الهتك و الإهانة المتوقفة على التصرف المذكور و يقدم هذا الوجوب للعلم باهميته هذا فيما إذا لم يكن امتناع المالك عن الإذن بداعي اهانة المصحف الشريف و عداوة له و الا كان ممن ينصب العداء للقرآن الكريم و هو كالناصب لأهل البيت لا حرمة لماله.

و ليعلم انه في كل حالة حكمنا فيها بعدم وجوب التطير تقديما لحرمة‌

333

[وجوب إزالة النجاسة عن الأواني الموجبة لتنجيس الطعام]

(مسألة 30) يجب إزالة النجاسة عن المأكول عن ظروف الأكل و الشرب إذا استلزم استعمالها تنجس المأكول و المشروب (1)

____________

التصرف في مال الغير يجب أمر المالك بالتطهير من باب الأمر بالمعروف و بمراتبه و حسب قواعده كما انه في كل حالة حكمنا فيها بوجوب تطهير مصحف الغير على خلاف إذنه تقديما لحرمة المصحف الشريف يثبت الضمان للنقص الحاصل بالتطهير تمسكا بقاعدة الضمان بالإتلاف اللهم الا ان يقال ان هذه القاعدة متصيدة و لا إطلاق في دليلها العقلائي أو موارد تصيدها من الروايات لمورد كان يجب فيه على المالك ان يباشر نفس العمل أو يأذن فيه و عليه فيحكم بعدم الضمان لا من أجل مزاحمته مع حرمة هتك المصحف حتى يقال لنا يزاحم حرمة الهتك انما هو الحكم التكليفي بحرمة التصرف في مال الغير لا الحكم الوضعي بالضمان بل من أجل عدم شمول دليل الضمان بالإتلاف لمحل الكلام لأنه إتلاف يجب على المالك ان يمارسه لو لم يؤده غيره.

(1) و ذلك لحرمة أكل النجس و شربه المستدعية لوجوب إزالة النجاسة عن المذكورات بنحو الوجوب الشرطي و مدرك هذه الحرمة عدة طوائف من الروايات من قبيل ما ورد في القدر تقع فيه الفارة [1] و ما ورد في الماء تقع فيه النجاسة [2] و ما ورد في السمن و الزيت و العسل‌

____________

[1] كما في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (ع) «ان عليا «ع» سئل عن قدر طبخت و إذا في القدرة فأرة قال: يهرق مرقها.»

الوسائل باب 5 من أبواب الماء المضاف حديث 3

[2] كما في معتبرة أبي بصير عنهم (ع) قال «إذا أدخلت يدك

334

[حكم الانتفاع بالأعيان النجسة]

(مسألة 31) الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النجسة خصوصا الميتة بل و المتنجسة إذا لم تقبل التطهير الا ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات و غيرها للتسميد و الاستصباح

____________

يموت فيه الجرذ (1) إذ أمر بإهراق المرق و اراقة الماء و تخصيص الزيت للاستصباح و غير ذلك.

و ما أشرنا إليه من روايات و ان كان يختص بما كان متنجسا بعين النجس أو المائع المتنجس و لكن يوجد في الروايات ما يدل على حرمة أكل المتنجس بالمتنجس الجامد أيضا من قبيل روايات النهي عن الأكل في أواني الخمر و الميتة و الكفار (2) فان الانية متنجسة و الطعام يتنجس بها فيحرم و هكذا يستفاد بلحاظ مجموع الروايات ان الضابط في الحرمة طبيعي الانفعال و السراية.

____________

في الإناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق ذلك الماء» الوسائل باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 4

____________

(1) كما في معتبرة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (ع) قال «قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل فقال: اما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به» الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 1.

(2) كمعتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) «سألته عن إنية أهل الكتاب فقال: لا تأكل في انيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» الوسائل باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 6.

335

بالدهن المتنجس لكن الأقوى جواز الانتفاع بالجميع حتى الميتة مطلقا في غير ما يشترط فيه الطهارة نعم لا يجوز بيعها للاستعمال المحرم و في بعضها لا يجوز بيعه مطلقا كالميتة العذرات (1)

____________

(1) تنحل هذه المسألة إلى ثلاث نقاط:

النقطة الاولى في حرمة الانتفاع بالعين النجسة و ما دل على ذلك بعنوانه رواية تحف العقول [1] الساقطة سندا (1) نعم قد يدعى ورود الدليل على ذلك في بعض النجاسات بخصوصها و ذلك في المسكر و الميتة أما المسكر فما قد يكون دليلا على ذلك فيه مناطه الإسكار لا النجاسة فلو تمت الدلالة تثبت حرمة الانتفاع بالمسكر و لو قيل بطهارته و ما يمكن أن يستند إليه في حرمة مطلق الانتفاعات بالمسكر وجوه:

الأول روايات تحريم الاكتحال بالخمر كرواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (ع) «في رجل اشتكي عينيه فنعت له بكحل يعجن بالخمر فقال هو خبيث بمنزلة الميتة فإن كان مضطرا فليكتحل به» (2) فإنها‌

____________

[1] حيث جاء فيها «. أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش و الطير أو جلودها أو الخمر اوشى من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لأن ذلك كله منهي عن اكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام» الوسائل باب 2 من أبواب ما يكتسب به حديث 1

____________

(1) باعتبار الإرسال.

(2) الوسائل باب 21 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 5.

336

..........

____________

تدل على أن الحرمة لا تختص بالشرب لشمولها للاكتحال و لكن الاكتحال لما لم يكن أجنبيا عن الشرب بالمرة لأنه نحو استدخال للمسكر إلى الباطن فتحريمه لا يستلزم تحريم مطلق الانتفاع حتى تدهين الأخشاب به مثلا لان احتمال الفرق موجود.

الثاني: ما دل على حرمة إنتاج المسكر و صنعه [1] فإنه دال عرفا على حرمة الانتفاع به إذ لو كانت له منافع محللة لما حرم صنعه بلحاظها.

الثالث: ما دل على الأمر بإراقة المسكر و ان النبي (ص) كان يأمر بإراقته [2] فإنه يدل على سقوطه عن قابلية الانتفاع من سائر الوجوه و كلا هذين الوجهين مخدوش فيهما لأن الأمر بالإراقة أو النهي عن صنع الخمر انما يدل على سقوط الانتفاعات بالشي‌ء فيما إذا لم تكن هناك مفسدة معينة فيه تغرى الناس على الاقدام عليها و ممارستها و أما في هذه الحالة فقد يكون الأمر بالإراقة و تحريم الصنع تحفظا من تلك المفسدة و هي مفسدة الشرب في المقام.

الرابع: ما دل على تحريم تمام مراتب و مقدمات أعداد الخمر و استعماله كما في رواية جابر عن أبي جعفر (ع) قال «لعن رسول اللّه (ص) في‌

____________

[1] من قبيل معتبرة زيد بن علي عن آبائه (ع) قال «لعن رسول اللّه (ص) الخمر و عاصرها و معتصرها.» الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 3

[2] من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) «. ان رجلا من ثقيف اهدى الى رسول اللّه (ص) راويتين من خمر فأمر بهما رسول اللّه (ص) فأهريقتا.» الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 1.

337

..........

____________

الخمر عشرة غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة اليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها» (1) فإن إطلاق لعن الحامل و المحمول اليه يدل على حرمة مطلق الانتفاع و الا فلما ذا يحرم الحمل لأجل المنفعة المحللة و فيه ان الظاهر من الرواية و العناوين المأخوذة فيها ان النظر الى تلك العناوين بوصفها استطراقا الى الشرب لا في نفسها و لو لم تكن في طريق منفعة الشرب المحرمة و يشهد لذلك عنوان (غارسها) فان الخمر لا تغرس و انما يغرس العنب و هو ليس بمحرم قطعا إذا لم يكن من أجل الشرب فلا بد أن يكون النظر في الرواية إلى تحريم الانتفاعات الاستطراقية إلى الشرب و هكذا يظهر عدم الدليل على حرمة تدهين الأخشاب بالمسكر مثلا و نحو ذلك من الانتفاعات.

و أما حرمة الانتفاع بالميتة فقد وردت فيها روايات عديدة تدل بظاهرها على ذلك من قبيل رواية علي بن أبي مغيرة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (ع) جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشي‌ء فقال لا.» (2) و مثل معتبرة سماعة قال: «سألته عن جلود السباع ينتفع بها قال إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و أما الميتة فلا» (3) و غيرها و في مقابل ذلك ما يدل على الجواز كمعتبرة سماعة قال: «سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت فرخص فيه و قال: ان لم تمسه فهو أفضل» (4) و مقتضى الجمع العرفي حمل المنع على الكراهة.

____________

(1) الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

(2) الوسائل باب 61 من أبواب النجاسات حديث 2.

(3) الوسائل باب 49 من أبواب النجاسات حديث 2

(4) الوسائل باب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 8.

338

..........

____________

النقطة الثانية في سقوط العين النجسة عن المالية الذي يترتب عليه عدم الضمان بالإتلاف و عدم جواز البيع بناء على اشتراط المالية فيه و هذا السقوط تارة يدعي بلحاظ دليل تحريم تمام المنافع باعتباران المالية تنتزع من المنافع فاذا جرد المال منها تشريعا و في عالم الزجر المولوي فكأنه لا منفعة له بالنظر المولوي التشريعي و يتوقف هذا على تمامية النقطة السابقة.

و اخرى يدعى بلحاظ دليل وجوب الإتلاف (1) و يرد عليه ان لزوم الإتلاف لا يساوق الإخراج من المالية إذ قد يجب إتلاف المال كالعبد الجاني في مقام القصاص مثلا مع كونه ما لا تجوز المعاوضة عليه قبل القصاص.

و ثالثة يدعى بلحاظ دليل عدم جواز البيع [1] فإنه و ان كان أعم من إسقاط المالية و لكن قد يستفاد من لسانه ذلك كما إذا عبر بان الثمن سحت و استظهر منه ان هذا النجس مما لا يليق ان يكون له ثمن و يرتبط هذا بالنقطة الآتية:

النقطة الثالثة في جواز بيع الأعيان النجسة و عدمه و الظاهر انه لم يرد دليل على عدم جواز ذلك بعنوانه إلا رواية تحف العقول الساقطة سندا و مقتضى القاعدة هو الجواز مع فرض وجود منفعة محللة عقلائية مصححة للمالية و عدمه مع عدم وجود منفعة كذلك لكن خرجنا عن هذه القاعدة في الكلب غير الصيود و في الخنزير و في الخمر بوصفه مسكرا لا بوصفه‌

____________

[1] من قبيل معتبرة سماعة قال «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجام و أجر الزانية و ثمن الخمر» الوسائل باب 5 من أبواب ما يكتسب به حديث 6.

____________

(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم المتقدمة

339

..........

____________

نجسا حيث دلت الروايات الخاصة على عدم جواز بيع هذه الأشياء [1] و أما الميتة ففيها ثلاث طوائف من الروايات: إحداها ما يدل على ان ثمنها سحت [2] و الأخرى ما ورد في مقام النهي عن بيع جلود الميتة و شحومها التي ينتفع بها في الاستصباح [3] و الثالثة روايات بيع الميتة ممن‌

____________

[1] اما في الكلب غير الصيود فكمعتبرة محمد بن مسلم و عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (ع) قال ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت.»

الوسائل باب 14 من أبواب ما يكتسب به حديث 3 و أما في الخمر فكمعتبرة زيد بن علي عن آبائه (ع) قال «لعن رسول اللّه (ص) الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و أكل ثمنها.» الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 3 و اما في الخنزير فكمعتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) «في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا و خنازير و هو ينظر فقضاه فقال: لا بأس به اما للمقتضي فحلال و أما للبائع فحرام» الوسائل باب 60 من أبواب ما يكتسب به حديث 2.

[2] و هي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (ع) قال: السحت ثمن الميتة.» و مرسلة الصدوق «. و ثمن الميتة سحت.» و رواية حماد ابن عمرو و محمد أبي أنس «. من السحت ثمن الميتة.»

الوسائل باب 5 من أبواب ما يكتسب به حديث 5- 8- 9

[3] و هي رواية البزنطي صاحب الرضا (ع) و علي بن جعفر «سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء أ يصلح له ان ينتفع بما قطع قال: نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها» الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 6 رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع)

340

..........

____________

يستحلها الواردة في موارد اختلاط المذكى بالميتة [1] و هي و ان كانت واردة في فرض الاختلاط و لكن يستفاد منها عرفا ان نكتة الجواز كون المشترى مستحلا للميتة و لا خصوصية لتمييز الميتة أو اختلاطها مع المذكى و انما الاختلاط مورد الرواية و يلغى دخله في حكمها بمناسبات الحكم و الموضوع و هذه الطائفة تدل أيضا على عدم جواز بيع الميتة من غير المستحل غير ان الظاهر منها عرفا كون عدم الجواز باعتبار اعتراف المشترى بعدم حلية المنافع و هذا الظهور يكون قرينة على اختصاص الحرمة فيها بما ليس له منفعة محللة كلحم الميتة فلا تشمل بيع الجلد و نحوه مما ثبت جواز الانتفاع به و بهذا يظهر ان هذه الطائفة يتطابق مفادها من هذه الناحية مع ما هو مقتضى القاعدة و لا يستفاد منها أزيد من عدم جواز البيع في فرض عدم المالية الناشي من عدم استحلال المنافع.

و أما الطائفة الأولى فظاهرة في نفسها في عدم جواز بيع الميتة مطلقا حتى مع فرض وجود الانتفاع المحلل و الطائفة الثانية أوضح في ذلك لورودها في مثل الجلود و لكنا لم نجد في روايات الطائفتين الاولى و الثانية ما يتم سندا [2] فالمعول على الطائفة الثالثة المطابقة لمقتضى القاعدة.

____________

[1] من قبيل معتبرة الحلبي قال «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول:

إذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممن يستحل الميتة و أكل ثمنه» الوسائل باب 7 من أبواب ما يكتسب به حديث 1

[2] أما الطائفة الأولى فرواية السكوني رواها الكليني و الشيخ بسند ضعيف بالنوفلي و رواها الصدوق بسند ضعيف بموسى بن عمر و مرسلة الصدوق ضعيفة بالإرسال و رواية حماد بن عمرو و محمد أبي انس ضعيفة بعدة من المجاهيل و أما الطائفة الثانية فرواية البزنطي و علي بن جعفر لهما طريقان الأول ضعيف بالإرسال و الثاني بعبد اللّه بن الحسن.

341

[التسبيب إلى أكل النجس أو استعماله]

(مسألة 32) كما يحرم الأكل و الشرب للشي‌ء النجس كذلك يحرم التسبب لأكل الغير أو شربه و كذا التسبب لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة فلو باع أو أعار شيئا نجسا قابلًا للتطهير يجب الأعلام بنجاسته و اما إذا لم يكن هو السبب في استعماله بان رأى ان ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلي فيه نجس فلا يجب إعلامه (1)

____________

(1) البحث تارة يقع في كبرى التسبيب و اخرى في صغراه.

أما البحث عن الكبرى فيقع في فرعين أحدهما ما إذا تسبب إلى أكل النجس أو استعماله من قبل من يكون مكلفا و الآخر ما إذا تسبب الى صدور ذلك من غير المكلف كالصبي و المجنون.

أما الفرع الأول فلا إشكال في عدم الجواز في صورة تنجز التكليف على الغير الذي يتسبب الى صدور الحرام منه فإنه يجب ردعه عن الحرام فيكف يجب تشويقه إليه كما لا ينبغي الإشكال في الجواز في صورة كون العلم دخيلا في الملاك الواقعي كما إذا استفيد مثلا من دليل اجزاء الصلاة في النجاسة من الجاهل ان الاجزاء يعنى استيفاء تمام الملاك في هذه الحالة فلم يقع تسبيب إلى تفويت شي‌ء من الملاك و انما الإشكال فيما إذا كان التكليف الواقعي فعليا بملاكه في حق الجاهل مع عدم التنجز و البحث في ذلك على مستوى القاعدة الأولية تارة و على مستوى الروايات الخاصة اخرى.

أما على مستوى القاعدة الأولية «و نريد بها تعيين الحكم بلحاظ ما يقتضيه نفس الخطابين الواقعيين الموجهين إلى المسبّب و المباشر» فتارة‌

342

..........

____________

نلحظ الخطاب الواقعي الموجه نحو المسبب- خطاب لا تشرب النجس مثلا- لنرى انه هل يقتضي تحريم التسيب منه إلى شرب الغير للنجس أيضا و اخرى نلحظ الخطاب الموجه نحو المباشر لنرى ان توجه خطاب لا تشرب النجس نحو شخص هل يقتضي تحريم التسبيب من الغير الى شربه.

أما خطاب لا تشرب النجس الموجه نحو المسبّب فالظاهر من كلمات السيد الأستاذ (دام ظله) انه يمكن أن نستفيد منه حرمة التسبب أيضا كما نستفيد حرمة المباشرة لأن النهي عن الفعل أعم من النهي عن ارتكابه المباشري و التسبيبي كما لو قال يا زيد لا تضرب أحدا فإنه يستفاد منه حرمة مباشرة الضرب من زيد و التسبيب إليه معا لان الفعل التسبيبي مستند الى المسبب فيشمله إطلاق الخطاب (1) و هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه و ذلك باعتبار ان الأفعال التي تؤخذ متعلقات للاحكام على قسمين فتارة تكون إضافتها إلى المكلف اضافة صدورية فحسب من قبيل الضرب الذي نسبته الى الضارب نسبة الصدور منه و اخرى تكون إضافتها حلولية أيضا كما لو حرم لبس الأسود على زيد فلو سلم في القسم الأول دلالة الخطاب على حرمة إصدار الفعل و لو بالتسبيب لأنه مضاف إليه بالإضافة الصدورية فلا إشكال في ان الخطاب في القسم الثاني لا يكون دالا على حرمة تسبيب زيد للبس عمرو للسواد لان الخطاب قد حرم الفعل المضاف الى زيد اضافة الصدور و الحلول فالحرام هو اللبس الحال في زيد لا الحال في عمرو و ان كان بتسبيب من زيد لان التسبيب المذكور انما يحفظ الإضافة الصدورية دون الإضافة الحلولية و حرمة الشرب من الماء النجس و أمثالها في محل الكلام من قبيل الثاني- أعني لبس السواد-

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 395.

343

..........

____________

فاذا قيل يا زيد لا تشرب النجس فلا يكون شرب عمرو الواقع بتسبيب زيد مصداقا للحرام بهذا الخطاب لأن إضافة الشرب الى الشارب ليست اضافة صدورية فقط بل هي متقومة بكونه محلا للشرب و التسبيب لا يجعل المسبب محلا للشرب كما هو واضح.

و أما الخطاب الثاني الموجه نحو المباشر فيمكن تقريب دلالته على حرمة التسبيب من الغير له بأحد وجهين:

الأول: انه كاشف عن وجود غرض لزومي في اجتناب المباشر عن النجس فيجب على غيره أيضا حفظ هذا الغرض اللزومي المولوي بحكم العقل.

و فيه ان الغرض المولوي القائم بفعل مع كونه غرضا واحدا يتصور له أنحاء من التفويت.

و قد يكون بعض هذه الأنحاء مما لا يرضى المولى بها دون بعضها الآخر تبعا لدرجة اهتمام المولى بذلك الغرض و كل خطاب لا يكشف عن عدم رضا المولى الا بالتفويت الذي تستلزمه مخالفة ذلك الخطاب لا بالأنحاء الآخرى من التفويت فغاية ما يدل عليه خطاب المباشر عدم جواز التفويت المباشري من قبله لا لزوم عدم التفويت من قبل غيره.

الثاني: أن يقال ان التفكيك بين التفويت المباشري و التسبيبي و ان كان معقولا لكنه ليس بعرفي بل المتفاهم عرفا التلازم بينهما في عدم الرضا و بذلك ينعقد للخطاب دلالة التزامية عرفية على حرمة التسبيب.

و هذا الوجه صحيح و على أساسه نبني على حرمة التسبيب الى الحرام هذا هو الكلام على مقتضى القاعدة.

و اما على مستوى الروايات الخاصة الواردة في بيع الدهن المتنجس‌

344

..........

____________

و الآمرة باعلام المشترى لكي يستصبح به [1] فهي دالة على حرمة التسبيب أيضا باعتبار ان لزوم الأعلام ليس الا دفعا للتسبيب في وقوع المشترى في الانتفاع المحرم و بذلك تكون مؤكدة لمقتضى القاعدة أيضا نعم في خصوص التسبيب الى وقوع المستعمل في الحرام الواقعي كما في موارد بيع الميتة من المستحل يلتزم بعدم حرمة التسبيب لما عرفت من مذاق الشارع على معاملته وفق مذهبه و دينه.

ثم ان السيد الحكيم- (قدس سره)- في المستمسك ذكر ان النسبة بين حرمة التسبيب على القاعدة و حرمة التسبيب بالروايات الخاصة عموم من وجه لشمول الاولى فقط لغير النجس من المحرمات و شمول الثانية فقط لما إذا علم بعدم استعمال المشترى- المباشر- للشي‌ء في الانتفاع المحرم (1).

و هذا الكلام غير تام لوضوح ظهور الروايات في ان الحرمة بملاك التسبيب الى الانتفاع المحرم حيث ورد فيها تعليل الأعلام بأنه ليستصبح به و واضح ان الاستصباح ليس واجبا و انما هو كناية عن التجنب عن الانتفاع المحرم فلا يستفاد منها الوجوب التعبدي للاعلام بل الاستطراقي لصيانة غرض المولى و أما قصر الروايات على موردها و هو المتنجس خاصة فهو مبني على عدم إلغاء خصوصية المورد بمناسبات الحكم و الموضوع و انصراف الروايات إلى الإشارة إلى حرمة التسبيب إلى الحرام التي هي أمر عقلائي مركوز.

و أما الفرع الثاني و هو فيما إذا لم يكن المباشر مكلفا فالكلام فيه‌

____________

[1] من قبيل معتبرة معاوية بن وهب و غيره عن أبي عبد اللّه (ع) «في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح به» الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 4

____________

(1) المستمسك الجزء الأول ص 523- 524 من الطبعة الرابعة.

345

..........

____________

يبتني على الكلام في الفرع السابق فإذا قيل هناك بعدم حرمة التسبيب كان الجواز هنا أوضح و ان قلنا هناك بالحرمة استنادا الى الخطاب الأول أعني خطاب لا تشرب النجس المتوجه الى المسبّب كما قرره السيد الأستاذ فلا ينبغي التفريق بين تسبيب المسبب للمكلف أو لغيره لفعلية الخطاب بالنسبة إلى المسبّب على أي حال و الغريب انه- (دام ظله)- التزم في المقام بعدم الحرمة (1) مع بنائه على الحرمة في الفرع السابق بلحاظ الخطاب الأول و ان قيل بالحرمة في الفرع السابق بلحاظ الخطاب المتوجه الى المباشر نفسه فمن الواضح عدم الحرمة هنا لعدم ثبوت ذلك الخطاب في حق المباشر بحسب الفرض و ان قيل هناك بالحرمة للروايات الخاصة فالجزم بإطلاقها مشكل لورودها في سوق المسلمين الذي يكون البيع فيه عادة من البالغين و يؤيده قوله (و بينه لمن اشتراه ليستصبح به).

فإنه ظاهر في ان المشتري يجب إعلامه ممن يتأثر بالإعلام و ينحصر أمره بعد الأعلام بالاستصباح و ليس ذلك الا المكلف.

نعم قد يستفاد حرمة إعطاء الطعام النجس إلى الأطفال في الجملة من روايات الأمر بالإراقة على ما يأتي ان شاء اللّه تعالى.

و أما البحث في صغرى التسبيب و انه بما ذا يتحقق فتحديد ذلك يرتبط بالمدرك الذي يستند إليه في حرمة التسبيب لأن كلمة التسبيب بعنوانها لم ترد في دليل حتى يقع الكلام في مفادها لغة أو عرفا و انما استفدنا الحكم من المدارك المتقدمة فلا بد من ملاحظة مقدار ما يستفاد منها فان كان المدرك هو الخطاب المتوجه للمسبّب ببيان تقدم عن السيد الأستاذ فلا بد من الاقتصار في الحرمة على مورد يسند فيه الفعل الى المسبّب عرفا ليكون‌

____________

(1) التنقيح الجزء الثاني ص 398

346

[حكم سقي المسكرات و سائر الأعيان النجسة و المتنجسة للأطفال]

(مسألة 33) لا يجوز سقي المسكرات للأطفال بل يجب ردعهم و كذا سائر الأعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم بل مطلقا و اما المتنجسات فان كان التنجس من جهة كون أيديهم نجسة فالظاهر عدم البأس به و ان كان من جهة تنجس سابق فالأقوى جواز التسبب لأكلهم و ان كان الأحوط تركه و اما

____________

مشمولا للخطاب فمجرد الترغيب في الحرام لا يكفي للحرمة لعدم كفايته في اسناد الفعل الى المرغّب نعم في خصوص باب الظلم يحرم الترغيب فيه لأنه نحو من الظلم أيضا و ان كان المدرك خطاب المباشر نفسه بالدلالة الالتزامية كما استقربناه فيجب الاقتصار على القدر المتيقن من تلك الدلالة الالتزامية العرفية و هو ما إذا كان التسبيب بنحو الإجبار العرفي أو الإغراء الفعلي و اما إذا كان المدرك روايات الإعلام الواردة في بيع الدهن المتنجس فيستفاد منها حرمة مجرد التسليط على مورد الانتفاع المحرم تسليطا يعرض الغير للانتفاع المحرم به لأن البائع لا يصدر منه الا مجرد تسليط المشتري على النجس نعم لا يكفي في الحرمة مجرد أعداد الموضوع و تهيئة كما لو وضع الماء النجس على الرف مثلا مع علمه بعطش الآخر.

و يتلخص من مجموع ما ذكرناه. ان كبرى حرمة التسبيب تامة و ان الحرام بعد ضم المدارك بعضها الى بعض التسبيب بالجبر العرفي أو التشويق و الترغيب أو التسليط.

و بهذا اتضح حكم الأعلام و انه لو لم يوجد شي‌ء من الوجوه الثلاثة في ترك الأعلام فلا يجب كما لو جاء المباشر بنفسه ليشرب النجس أو يأكله فإنه لا يجب أعلامه لقصور تمام مدارك حرمة التسبيب عن شموله.

347

ردعهم عن الأكل أو الشرب مع عدم التسبب فلا يجب من غير إشكال (1)

____________

(1) في المقام فروع:

الفرع الأول في حرمة سقي المسكر للطفل

و يمكن الاستدلال عليه بتقريبات عديدة:

التقريب الأول: التمسك بفحوى أدلة حرمة إطعام المتنجس [النجس

و لو المتنجس بعين النجس- للطفل.

إما باعتبار نجاسة المسكر بنفسه أو باعتبار كون حرمة المسكر و لزوم الاجتناب عنه آكد و أشد من لزوم الاجتناب عن النجس فإنه لم يرد فيه ما ورد في شرب المسكر من التشنيع و ما رتب عليه من نتائج و آثار بحيث يفهم العرف أولوية الاجتناب عنه من الاجتناب عن النجس حتى بلحاظ سقي الطفل.

و قد تقدم البحث عن حكم سقي الماء النجس للطفل (1)

التقريب الثاني: التمسك بالروايات الخاصة الدالة على حكم المسألة بعنوانها

كرواية أبي ربيع الشامي الذي جاء فيه «و لا يسقيها عبد لي صبيا صغيرا أو مملوكا الا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيام معذبا أو مغفورا له» (2).

و هي و ان تمت دلالة و لكنها ضعيفة سندا بأبي ربيع الشامي حيث لم يوثق.

____________

(1) تقدم في الجزء الثاني من البحوث ص 135.

(2) الوسائل باب 10 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1

348

..........

____________

حتى لو أمكن رفع الضعف بلحاظ خالد بن جرير [1] اللهم إلا أن يقال بتوثيقه باعتبار رواية البزنطي عن أبي الربيع (1) الذي ينصرف الى أبي الربيع الشامي و مثلها رواية عجلان أبي صالح قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (ع): المولود يولد فنسقيه الخمر. فقال: لا من سقى مولودا مسكرا سقاه اللّه من الحميم و ان غفر له» (2).

و هي ضعيفة بأبي صالح العجلان (3) و مثلها الرواية الأخرى لعجلان أبي صالح (4) أيضا و هو ممن لم يثبت توثيقه و شهادة علي بن الحسن بن علي بن فضال بوثاقة عجلان أبي صالح كما في كتاب الكشي [2] لا ينفع لتعدد هذا العنوان و عدم تعيين مصب الشهادة كما يظهر بمراجعة رجال الشيخ [3] و منها أيضا رواية الخصال بإسناده عن علي (ع) في حديث‌

____________

[1] خالد بن جرير لم يوثقه الشيخ و النجاشي الا أن الكشي روى في رجاله (حديث 191) عن محمد بن مسعود قال: «سألت علي بن الحسن عن خالد بن جرير الذي يروي عنه الحسن بن محبوب فقال: كان من بجيلة و كان صالحا».

[2] روى في رجاله (حديث 378) عن محمد بن مسعود قال:

«سمعت علي بن الحسن بن علي بن فضال يقول: عجلان أبو صالح ثقة قال: قال له أبو عبد اللّه (ع): يا عجلان كأني انظر إليك إلى جنبي و الناس يعرضون علي».

[3] ذكر الشيخ في رجاله ثلاثة من أصحاب الصادق (ع) و هم

____________

(1) روى عنه في علل الشرائع الجزء الأول باب 77 حديث 7.

(2) الوسائل باب 10 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 2.

(3) مضافا الى ضعفها ببشير الهذلي.

(4) الوسائل باب، 1 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 3.

349

..........

____________

الأربعمائة انه قال: «من سقى صبيا مسكرا و هو لا يعقل حبسه اللّه عز و جل في طينة خبال حتى يأتي مما صنع بمخرج» (1) و هي أيضا ضعيفة السند لوجود مثل قاسم بن يحيى فيه.

التقريب الثالث: التمسك بإطلاق دليل حرمة سقي الخمر للناس

بدعوى شموله للطفل أيضا لأنه من الناس أيضا خصوصا الطفل المميز المقارب للبلوغ من قبيل رواية عقاب الأعمال بإسناده إلى النبي (ص) في حديث «و من شرب الخمر سقاه اللّه من السم الأساود و من سم العقارب» الى ان قال: «و من سقاها يهوديا أو نصرانيا أو صائبا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها» (2).

و هذا الاستدلال ساقط أيضا لضعف الرواية سندا و دلالة فهي منقولة عن النبي (ص) بسند يشتمل على وسائط مجهولة (3).

كما أن دلالتها يمكن المناقشة فيها بأنه لا إطلاق فيها بالنسبة إلى سقي الطفل بقرينة قوله: فيها (فعليه كوزر من شربها) فإنه دال على النظر إلى سقي المكلف الذي يحرم عليه الشرب و يكون وزرا عليه اللهم إلا أن يقال بأن المقصود ان على الساقي وزر الشارب المكلف و لو كان في واقعة أخرى من الشرب غير التي وقع فيها السقي فيبقى الإطلاق على حاله.

____________

عجلان أبو صالح السكوني الأزرق الكوفي و عجلان أبو صالح المدائني و عجلان أبو صالح الخباز الواسطي مولى بني تيم اللّه و لم يوثق أحدهم.

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 6.

(2) الوسائل باب 10 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 7.

(3) رواها الصدوق عن عبد اللّه بن عباس و أبي هريرة بسند جميع رجاله لم يثبت توثيقهم.

350

التقريب الرابع: التمسك بروايات حرمة حمل الخمر من أجل الشرب

____________

بدعوى إطلاقه للحمل من أجل مطلق الشرب و لو من الصبي فإن مزاولة ذلك من الصبيان و بالأخص المقاربين للبلوغ كما في أولاد السلاطين المترفين أمر معروف لا بأس بدعوى تمامية إطلاق الحمل في الروايات له أيضا.

غير أن هذه الروايات لا تخلو من تشويش سندي فإن من جملتها رواية جابر عن أبي جعفر (ع) قال «لعن رسول اللّه في الخمر عشرة غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة اليه.» (1)

و هي ضعيفة بعمرو بن شمر الذي ضعف و اتهم بالكذب [1] و من جملتها رواية زيد بن علي (2) عن آباءه (ع) بنفس المضمون تقريبا و هي قد تكون ضعيفة بالحسين بن علوان الواقع في السند حيث لا يخلو توثيقه عن تأمل و إن كان الظاهر وثاقته و رجوع. توثيق النجاشي إليه [2].

و عليه فتدل على حرمة سقي الصبي لأن حمل الخمر إليه إذا كان محرما فسقيه إياها أوضح حرمة عرفا.

التقريب الخامس: الاستدلال بأدلة حرمة الجلوس على موائد شرب الخمر و مداولتها.

____________

[1] قال النجاشي في ترجمته «ضعيف جدا زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي ينسب بعضها اليه و الأمر ملتبس» و قال في ترجمة جابر «روى عنه جماعة غمز فيهم و ضعفوا منهم عمرو بن شمر.».

[2] قال النجاشي «الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي و اخوه الحسن يكنى أبا محمد ثقة رويا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)» و الظاهر ان التوثيق يرجع الى الحسين لا إلى أخيه الحسن.

____________

(1) الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

(2) الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 3.

351

..........

____________

من قبيل معتبرة عمار عن أبي عبد اللّه (ع) قال:

سئل عن المائدة إذا شرب عليها الخمر أو مسكر قال: حرمت المائدة.» (1)

و هي مطلقة من حيث الدلالة شاملة لما إذا كان على المائدة طفل غير مكلف كما في أطفال الملوك و السلاطين. فاذا حرم الجلوس معهم على المائدة كان سقيهم بذلك أولى بالتحريم عرفا كما ان الرواية تامة من حيث السند أيضا و يسند ذلك و يعززه ما يستفاد من مجموع روايات الباب من شدة اهتمام الشارع باجتناب الخمر و قمع مادتها الفاسدة عن المجتمع فإنها تكشف عن ذوق حاسم يأبى عن سقيها للأطفال بدون شك.

الفرع الثاني: في وجوب ردع الطفل عن شرب المسكر

و هذا الحكم أخفى من الحكم في الفرع السابق فإن جملة من التقريبات السابقة لا ترد هنا و غاية ما يمكن أن يقرب به الحكم في هذا الفرع وجوه ثلاثة:

الأول: و يتركب من مقدمتين:

إحداهما: استكشاف مبغوضية شرب الصبي للمسكر من دليل حرمة السقي في الفرع السابق باعتبارها حرمة طريقية اي انه حرم السقي بملاك مبغوضية أن يشرب الصبي المسكر لا أن هناك ملاكا نفسيا في عنوان السقي كما لو قيل لا تعط الصبي الكتاب فيثبت بدليل الفرع السابق مبغوضية شرب الصبي للمسكر و ان لم يكن هنالك خطاب بالنسبة إليه.

الثانية: انه إذا ثبت مبغوضية الفعل وجب عقلا على المكلفين الحيلولة دون وقوع ذلك المبغوض و من أنحاء ذلك رع الطفل عن شرب المسكر.

و هذا الوجه تقدمت المناقشة سابقا في المقدمة الثانية منه حيث تقدم أن مبغوض المولى لا يجب الحيلولة دون وقوعه من جميع الجهات و الأشخاص‌

____________

(1) الوسائل باب 33 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1.

352

..........

____________

لان المبغوضية على درجات عديدة و ليست كلها تستلزم الاهتمام بحيث يقتضي أمر الشارع بسد أبواب عدمه جميعا.

الوجه الثاني: الاستدلال بفحوى معتبرة عمار المتقدمة في الفرع السابق أيضا التي دلت على حرمة الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر حيث كانت شاملة بإطلاقها لمائدة شرب الصبي المسكر فاذا كانت مغادرة المائدة التي يشرب عليها الصبي المسكر واجبة كان ردعه عنه أيضا واجبا و لو بضم عناية عرفية و اعمال فهم عقلائي حاصله أن مثل هذا الحكم يفهم من مناسباته أنه بملاك التأديب و التأنيب و المقاطعة و الردع. لان مغادرة المائدة و الاجتناب عن الجلوس عليها يعتبر بحسب العرف و العادة أسلوبا من أساليب الردع فيثبت بعد اعمال هذه العناية العرفية لزوم ردع الصبي عن تناول المسكر أيضا ان أمكن.

الوجه الثالث: الاستفادة الإجمالية من مجموع ما ورد في الباب من الأدلة المختلفة و التشريعات العديدة التي تشرف الفقيه على الجزم بان مرام الشارع و مذاقه هو قطع مادة هذا الفساد عن المجتمعات و سد منافذ تسربها إليها.

و هذه الوجوب الثلاثة و بالأخص الأخيرين منها ان لم تستوجب الفتوى بوجوب الردع فلا أقل من إيجابها الاحتياط فيه.

الفرع الثالث: في إعطاء العين النجسة من غير المسكر إلى الصبي

و ينبغي ان نفترض فيه من أجل ان لا تختلط الجهات بعضها مع بعض أنه لا يترتب ضرر بمرتبة محرمة من ذلك كما لو افترضنا إعطاءه ذبيحة لم يذكر اسم اللّه عليها الذي لا يترتب عليه ضرر مادي محرم فهل يحرم ذلك أم لا؟

وجهان:

أما وجه عدم جواز الإعطاء فأحسن ما يمكن أن يقرب به إمكان‌

353

..........

____________

استفادة ذلك من روايات الأمر بإراقة المرق الذي وقع فيه النجس [1]- ان تم سندها- [2] باستظهار دلالتها على سقوط المرق المتنجس مثلا عن الانتفاع المستلزم عدم جواز إعطاءه حتى للصبي، و إلا كان الانتفاع به ممكنا.

إلا ان هذا الوجه لا يقتضي أكثر من الاحتياط في المسألة و في خصوص عين النجس أو المتنجس به مباشرة أما كونه لا يقتضي الحرمة الجزم فلا مكان دعوى ان غاية ما يستفيده العرف ان الأمر بالإراقة كناية عن سقوط انتفاع السائل المكلف بذلك المرق اي لبيان سقوط الانتفاع المباشر بذلك المرق دون الانتفاع غير المباشر القائم على أساس أمور ثانوية اخرى كالتسبيب الى انتفاع‌

____________

[1] و هي روايتان السكوني عن جعفر عن أبيه (ع) «ان عليا (ع) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فارة، قال: يهرق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل» الوسائل باب 5 من أبواب الماء المضاف حديث 3.

و رواية زكريا بن أدم قال «سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب و اللحم اغسله و كله.» الوسائل باب 38 من أبواب النجاسات حديث 8 مضافا الى ما قد يدعى شموله للمرق بالعموم و هي رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر قال «سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة قال: يكفي الإناء» الوسائل باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 7.

[2] الظاهر عدم تمامية سندها أما رواية السكوني فضعيفة بالنوفلي و أما رواية زكريا بن أدم فضعيفة بالحسن بن مبارك و أما رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر فضعيفة بالحسين بن الحسن بن أبان.

354

..........

____________

الغير، و بعبارة أخرى يكفي في تمامية الكناية في الأمر بالإراقة أن تكون العين ساقطة عن الانتفاع المباشر من قبل المكلف فلا يمكن استفادة السقوط المطلق حتى عن طريق الانتفاعات الثانوية كإعطائه للغير الذي لا يحرم عليه في نفسه الانتفاع المباشر به.

و أما اختصاص الحكم المذكور بالمتنجس بعين النجس، أو عين النجس فلأنه مورد تلك الروايات.

و لا يمكن إلحاق مطلق المتنجس و لو لم يكن بعين النجس به لاحتمال الفرق.

و أما وجه الجواز فقد يبين بلحاظ الأصل العملي الذي يكون محكوما لدليل عدم الجواز و هو الاستظهار من روايات الإراقة.

و لكن يمكن أن يبين وجه للجواز لا يكون محكوما لدليل عدم الجواز و ذلك بأحد تقريبين:

الأول: دعوى انعقاد السيرة المتشرعية جيلا بعد جيل على عدم الاهتمام بتطهير الصبيان و عدم المبالات بمطعمهم و شئونهم من حيث الملاقاة مع النجاسة التي غالبا ما يكون الصبي في معرض التلوث بها مما يكشف عن جواز ذلك و عدم حرمته.

و هذه السيرة لو كانت منعقدة و تامة- و سوف نتعرض لذلك فيما بعد- فلا إشكال في أنها غير منعقدة علي إعطاء الطفل عين النجس أو المتنجس بها و إنما يمكن دعوى انعقادها بالنسبة إلى المتنجسات الطولية اعني المتنجس بالمتنجس.

الثاني: التمسك بروايات جواز أسترضاع الكافرة [1] و هي نجسة‌

____________

[1] من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال «لبن