بحوث في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
362 /
355

..........

____________

فيكون حليبها عين النجاسة أيضا لو اعتبر جزءا منها أو متنجسا بعين النجاسة لو لم نقل بجزئية الحليب و نحوه و الاستدلال بهذه الروايات موقوف على تتميم أمور:

الأول: أن يبنى على نجاسة الكافر و هذا الأمر و ان كان غير ثابت لدينا في النصراني و اليهودي بل المجوسي أيضا و لكنه مع ذلك يمكن تتميمه برواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «سئلت أبا عبد اللّه (ع) هل يصلح للرجل أن ترضع له اليهودية و النصرانية و المشركة قال لا بأس.» (1)

فإنها واردة في المشركة التي لا نقول بطهارتها فهي تامة من حيث الدلالة و أما من حيث السند فتتميمها موقوف على دعوى ان من ينقل عنه الحسن ابن محمد بن سماعة أعني قوله عن غير واحد يكون فيهم ثقة و ذلك بتطبيق الفائدة العامة الموقوفة على استعراض تاريخ هذا الراوي الجليل و ملاحظة نسبة الثقات في مشايخه.

و ثانيا: على أن لا نحتمل خصوصية في مورد لبن المرضعة الكافرة فلو احتمل الفرق بينه و بين غيره من النجاسات و لو بملاك الحاجة الى اللبن بخلاف غيره من النجاسات أو بملاك الفرق بين النجاسة بملاك غير القذارة الحسية و الخبث الخارجي الثابت في القذارات العرفية فلا يتم الاستدلال بالرواية المذكورة ليعمم الحكم الى كل النجاسات.

و ثالثا: ان لا يوجد ما يصلح للتقيد بصورة الاضطرار و إلا فلا يثبت الحكم المذكور في غير تلك الحالة و ما يمكن دعوى كونه مقيدا.

____________

اليهودية و النصرانية و المجوسية أحب إلى من ولد الزنا.» الوسائل باب 76 من أبواب أحكام الأولاد حديث 2.

____________

(1) الوسائل باب 76 من أبواب أحكام الأولاد حديث 5.

356

..........

____________

ما رواه الصدوق بسنده عن ابن مسكان عن الحلبي قال: «سألته عن رجل دفع ولده الى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو ترضعه في بيته قال: ترضعه لك اليهودية و النصرانية و تمنعها من شرب الخمر و ما لا يحل مثل لحم الخنزير و لا يذهبن بولدك الى بيوتهن و الزانية لا ترضع ولدك فإنه لا يحل لك و المجوسية لا ترضع لك ولدك الا أن تضطر إليها» (1).

و هي معتبرة سندا فتقع المعارضة بينها و بين رواية عبد الرحمن المجوزة فإذا لم يمكن تقييد رواية عبد الرحمن بصورة الاضطرار لكونها ظاهرة في النظر إلى صورة الاختيار أو باعتبار كون صورة الاضطرار فردا نادرا في بلاد المسلمين لندرة المشركين في بلاد المسلمين في عصر الرواية فيتعين ان تحمل معتبرة الحلبي على الكراهة لمكان صراحة الأخرى في نفي البأس كما هو مقتضى القاعدة في كل مقام من هذا القبيل و لكن تبقى على كل حال دعوى التعدي من الإرضاع بالحليب النجس الى غيره على عهدة مدعيها.

و عليه فبناء على تمامية رواية الاسترضاع في الدلالة على جواز إعطاء الصبي حليب المشركة النجسة إن قلنا بنجاسة الحليب و انه جزء من المرأة النجسة كانت الرواية دالة على جواز إعطاء عين النجاسة للطفل فضلا عن المتنجس بها و ان قلنا بان حليب المشركة متنجس بعين النجس.

دلت الرواية على جواز إعطاء المتنجس بعين النجس و لا يبقى معها ما يدل على المنع من إعطاء النجس لان المنع كان بلحاظ روايات الأمر بالإراقة الدالة بالمطابقة على المنع من إعطاء المتنجس و بالالتزام و الأولوية على المنع من إعطاء النجس فإذا سقط المدلول المطابقي عن الظهور في اللزوم لا يبقى مجال للأخذ باللزوم في المدلول الالتزامي.

____________

(1) الوسائل باب 76 من أبواب أحكام الأولاد حديث 6.

357

..........

____________

و هكذا يثبت انه لو تمت رواية استرضاع المشركة كانت نعم الدليل على تقييد إطلاق الأمر بالإراقة في رواية المنع.

ثم انه ربما يفصل بين ما إذا كان الطعام المعطى للطفل متنجسا من ناحيته و ما إذا كان متنجسا من غير ناحيته فالأول يجوز إعطاؤه له دون الثاني.

و يمكن أن يستدل لذلك بتقريبين.

الأول: دعوى قصور دليل المنع عن صورة تنجس الطعام من ناحية الطفل نفسه لأن المدرك انما هو روايات الأمر بالإراقة و هي لا إطلاق فيها لهذه الصورة لأن موردها المتنجس من غير ناحية الطفل فلا إطلاق للمقام.

و لكن بعد أن أوضحنا فيما سبق أن مورد الروايات المذكورة هو المتنجس بعين النجس فلا مجال لهذا الاستدلال لان المتنجس من ناحية الطفل ان كان بعين النجس فالظاهر شمول الروايات للقطع بعدم الفرق و ان كان متنجسا بالمتنجس فلا دلالة للروايات المذكورة على المنع فيه حتى لو كان من غير ناحية الطفل.

الثاني: دعوى السيرة على عدم الاهتمام بالمتنجس من ناحية الطفل نفسه فتكون مخصصة لدليل المنع لو كان عاما.

و فيه أيضا عدم تمامية مثل هذه السيرة بناء على انقطاع السراية و عدم انتقال النجاسة في تمام المراتب لان الغالب في يده انها ليست من المتنجس الأول كي تكون منجسة فلعل انعقاد السيرة كان بلحاظ عدم سراية النجاسة غالبا.

الفرع الرابع: في وجوب ردع الطفل عن النجس،

و الصحيح انه لا دليل على وجوبه لأن غاية ما رجعنا إليه في إثبات حرمة التسبيب الى تناوله النجس انما هو روايات الأمر بالإراقة بالاستظهار السابق و من‌

358

..........

____________

الواضح ان ذلك الاستظهار غاية ما يثبته هو سقوط الانتفاع بالنجس حتى بلحاظ الأطفال اما عدم ردع الطفل عن تناوله فليس انتفاعا كي يستفاد من سقوط كل الانتفاعات بالمتنجس حرمته و وجوب الردع.

الفرع الخامس: في إعطاء النجس الى الطفل إذا كان مضرا بحاله و صحته

و الأولى جعل العنوان إعطاء ما يضر به و ان لم يكن نجسا، فحيثية البحث في هذا الفرع انما هي الإضرار و لا إشكال في عدم الجواز باعتبار أدلة حرمة الإضرار بالنفس المحترمة و التي منها «حديث لا ضرر و لا ضرار» (1) بناء على ما اخترناه في تفسيره على ما حققناه في محله من علم الأصول.

و هذا الحكم لا يختلف فيه الولي و غيره لأن حرمة الإضرار لا يختص بالولي خاصة.

الفرع السادس: في لزوم حفظ الطفل عما يضره و ردعه عنه،

و هنا يصح التفصيل المذكور بين الولي و غيره فيجب على الولي حفظه عما يضره و ردعه عنه لأنه مقتضى قاعدة ولايته عليه و جعله متمما لنقصان رشده نعم لا يجب عليه ان يحفظه عما لا يكون ضررا عرفا ككونه كثير الأكل مثلا و نحو ذلك.

و اما غير الولي فإن كان الضرر المترتب موجبا للخطر على حياة الطفل بان يفقده الحياة أو جزء مهما في وجوده كأن يوجب شلله مثلا فيجب عليه الحفظ و الردع أيضا لأنه مما علمنا من ذوق الشارع و أحكامه من كتاب الديات و القصاص انه لا يرضى بوقوعه و يريد حيلولة المكلفين دونه مهما أمكن.

و أما ما لا يكون ضررا بهذه المرتبة فلا يجب الردع فيه الا إذا صار‌

____________

(1) الوسائل باب 12 من أبواب إحياء الموات حديث 3

359

[الإعلام بالنجاسة]

(مسألة 34) إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا فورد عليه ضيف و باشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب إعلامه إشكال و ان كان أحوط بل لا يخلو عن قوة و كذا إذا أحضر عنده طعاما ثم علم بنجاسته بل و كذا إذا كان الطعام للغير و جماعة مشغولون بالأكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة و ان كان عدم وجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوة لعدم كونه سببا لأكل الغير بخلاف الصورة السابقة (1)

____________

وليا له كما لو فرض كون الطفل عنده من دون وجود الولي معه حيث انه لا يبعد في مثله دخوله تحت عنوان الولي حسبه فيجب في مثل ذلك ان يردعه عما يستوجب الضرر عليه و لو باعتبار عدم وجود الولي فعلا كي يردعه عنه.

(1) و فيها ثلاثة فروع:

الفرع الأول: وجوب إعلام الضيف بالنجاسة فيما يساوره عند المضيف

من دون أن يكون ذلك بتقديم المضيف و تسبيبه و الا كان داخلا في المسائل السابقة، بل الضيف بنفسه يساور المكان النجس من بيت المضيف و ربما يقال بدوران ذلك مدار صدق عنوان التسبيب و عدمه فاذا كانت المساورة من حيث الظروف و الملابسات بحيث يصدق انه بتسبيب من المضيف وجب الإعلام دون غيره.

و فيه ان عنوان التسبيب لم يرد بعنوانه في الخطاب الشرعي كما يبحث‌

360

..........

____________

عن صدقه و عدمه و انما الدليل على لزوم الإعلام هو روايات الاستصباح [1] فلا بد من ملاحظة دلالتها على المقام و من هنا قد يقال بأنها شاملة لمحل الكلام أيضا لأنها تأمر بالإعلام في فرض تسليط الغير على النجس بالبيع و من المعلوم عدم خصوصية في البيع بعنوانه بل المتفاهم منها عرفا ان موضوع الحكم المذكور مطلق التسليط على النجس سواء كان بالبيع أو الهبة أو إباحة التصرف كما في محل الكلام و لكن الصحيح عدم تمامية هذا الاستدلال أيضا لأن المستفاد من روايات الاستصباح و ان كان هو حرمة التسليط من دون إعلام و لكن التسليط تارة يكون في مورد يكون معرضا لابتلاء المسلّط بالنجاسة بترتيب أثر الطهارة عليه في مقام الأكل و الشرب و أخرى لا يكون التسليط مؤديا إلى ابتلائه بالنجاسة في مقام الأكل و الشرب و مورد روايات الاستصباح هو الدهن المتنجس الواضح ابتلاء المكلف بالنجاسة فيه لو لم يعلم لأنه يستعمله عادة في الطعام فلا يمكن ان يستفاد منها لزوم الإعلام فيما إذا لم يكن عدم الإعلام موجبا لذلك. و من هنا ينبغي التفصيل بين ما يكون في معرض ابتلاء الضيف باكله أو شربه أو نحو ذلك من الاستعمالات المشروطة بالطهارة واقعا لو لم يعلمه فيجب فيه الإعلام و بين غيره فلا يجب.

الفرع الثاني: ان يعلم بنجاسته بعد تقديم الطعام اليه فهل يجب الإعلام أيضا

فقد يدعى بعدم وجوبه و ان قيل بحرمة التسبيب لأنه لم يكن يعلم حين تقديم الطعام و التسبيب فهو معذور و حينما علم بعد ذلك كان‌

____________

[1] من قبيل معتبرة معاوية بن وهب و غيره عن أبي عبد اللّه (ع) «في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح بها» الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 4

361

..........

____________

التسبيب واقعا فلا دليل على وجوب الإعلام حينئذ. و فيه:

انا اما ان نقول بحرمة عنوان التسبيب أو نقول بأن الحرام هو التسليط على ما يكون موجبا لابتلاء المكلف بأكل النجس أو شربه فعلى الأول يكون من الواضح ان المضيف و ان كان قد صدر منه تقديمه الطعام أولا حين جهله بالنجاسة غير انه لو يعلمه بالنجاسة فلن يتحقق التسبيب لأنه فرع ان لا يلحقه الإعلام و بعبارة أخرى ان التسبيب ليس مساوقا مع التقديم كي يقال بوقوعه بل هو متقوم بان لا يكون مع التقديم إعلام و لو لا حقا فلو وقع ذلك لم يكن في البين تسبيب أصلا.

و أما روايات الاستصباح فلا إشكال في دلالتها على لزوم الإعلام في المقام لأنها تدور مدار التسليط على النجس فلو كان النجس مما يبتلى به المكلف و يستعمله في الأكل و الشرب و نحوه وجب عليه أعلامه و لو علم بعد التقديم و مجرد كونه جاهلا حين التسليط لا يرفع لزوم الإعلام الذي ملاكه صيانة المكلف من الابتلاء بالنجاسة و لو بقاء إذ لا فرق بين الابتلاء حدوثا أو بقاء.

الفرع الثالث: ان يعلم أحد الجماعة بنجاسة الطعام من دون أن يكون هو المسبب أو المقدم للطعام

و هنا يكون الحكم بعدم وجوب الإعلام أولى و أوضح لعدم صدق عنوان التسبيب لو كان عليه المدار و لا عنوان التسليط على النجس المستفاد من روايات الاستصباح كما هو واضح.

362

[حكم ما إذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده]

(مسألة 35) إذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه أعلامه عند الرد؟ فيه اشكال و الأحوط الإعلام بل لا يخلو عن قوة إذا كان مما يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة (1)

____________

(1) و الوجه فيه ظاهر إذ لا فرق بين المالك و غيره من أصحاب اليد كالمستعير لان الميزان في وجوب الإعلام سواء كان هو التسبيب أو التسليط على النجس و الإغراء به محفوظ في المقام و لا دخل لمالكية المسبب أو المسلّط في ملاك وجوب الإعلام أو حرمة التسبيب.

هذا تمام ما تيسر إيراده فعلا في الجزء الرابع من هذا الشرح و هو تلخيص و إيجاز لما كنا قد ألقيناه في مجلس الدرس إلى أواسط سنة 1393 هجرية و منه تعالى نستمد الاعتصام و اليه نبتهل ان ينظر إلينا بعين لطفه و كرمه و يجعل سعادتنا و راحتنا في لقائه و مجاورته و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد خلقه محمد و على الهداة الميامين و الأئمة المعصومين من آله الطاهرين و قد تم الفراغ من كتابة هذه الأوراق و تنقيحها في اليوم الرابع عشر من جمادى الأولى سنة 1397 هجرية و اللّه ولي التوفيق.