جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
101

عن جامع الشرائع و النفلية

للمروي (1) عن المجالس و الخصال «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كره الكلام بين الأذان و الإقامة في صلاة الغداة حتى تقضى»

بل قيل:

إنه رواه في الفقيه في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) و الله أعلم.

[و السادس مما يستحب فيهما أن يفصل بينهما]

و السادس مما يستحب فيهما أن يفصل بينهما بركعتين أو سجدة إلا في المغرب، فان الأولى أن يفصل بينهما بخطوة أو سكتة إذ هو ليس بواجب قطعا للأصل و الإطلاقات و ظهور نصوص المقام التي ستسمعها إن شاء الله فيه، و خبر ابن مسكان (3) «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) أذن و أقام من غير أن يفصل بينهما بجلوس»

و إن كان يحتمل الفصل بغيره، فما في موثق عمار (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يفصل بين الأذان و الإقامة بشيء حتى أخذ في الصلاة أو أقام للصلاة فقال: ليس عليه شيء، و ليس له أن يدع ذلك عمدا»

محمول على التأكد أو كراهة الترك و إن لم يكن ذكرها الأكثر، كل ذلك مع ظهور اتفاق الأصحاب على ذلك بحيث يمكن تحصيل الإجماع عليه، قال في المعتبر: «و يستحب الفصل بينهما بركعتين أو جلسة أو سجدة أو خطوة خلا المغرب، فإنه لا يفصل بين أذانيها إلا بخطوة أو سكتة أو تسبيحة، و عليه علماؤنا» و مثله عن المنتهى، و قال في التذكرة: «يستحب الفصل بين الأذان و الإقامة بجلسة أو سجدة أو سكتة أو خطوة أو صلاة ركعتين في الظهرين إلا المغرب، فإنه لا يفصل بينهما إلا بخطوة أو سكتة أو تسبيحة عند علمائنا» و على كل حال فاستحباب الفصل بركعتين في غير المغرب- مع

____________

(1) المستدرك- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

102

أنه معقد ما سمعته من المعتبر بل و التذكرة في خصوص الظهرين- قد يدل عليه

مضمر ابن أبي نصر (1): «العقود بين الأذان و الإقامة في الصلوات كلها إذا لم يكن قبل الإقامة صلاة تصليها» و في خبره (2) «سألت الرضا (عليه السلام) عن القعدة بين الأذان و الإقامة فقال: القعدة بينهما إذا لم يكن بينهما نافلة»

و في صحيح ابن سنان المتقدم (3) في الأذان قبل الفجر «و أما السنة فإنه ينادى به مع طلوع الفجر، و لا يكون بين الأذان و الإقامة إلا الركعتان»

و في خبر أبي علي صاحب الأنماط (4) عن أبي عبد الله أو أبي الحسن (عليهما السلام) قال: «يؤذن للظهر على ست ركعات، و يؤذن للعصر على ست ركعات بعد الظهر»

و في المروي عن دعائم الإسلام (5) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) «و لا بد من فصله بين الأذان و الإقامة بصلاة أو بغير ذلك، و أقل ما يجزي في صلاة المغرب التي لا صلاة قبلها أن يجلس بعد الأذان جلسة يمس فيها الأرض بيده»

و في صحيح سليمان بن جعفر الجعفري (6) «سمعته يقول:

أ فرق بين الأذان و الإقامة بجلوس أو ركعتين»

و المراد الركعتان من نافلة الفريضة كما يومي اليه خبر الدعائم، و التعريف في صحيح ابن سنان و خبر البزنطي كالصريحين في ذلك، و لما لم يكن نافلة قبل المغرب اختص الحكم بغيرها، بل في خبر زريق (7) المروي عن المجالس عن الصادق (عليه السلام) التصريح بنفيهما فيها، قال: «من السنة الجلسة بين الأذان و الإقامة في صلاة الغداة و المغرب و صلاة العشاء، ليس بين الأذان و الإقامة سبحة، و من السنة أن يتنفل بركعتين بين الأذان و الإقامة في صلاة الظهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(5) المستدرك- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 13.

103

و العصر»

و اشتماله على نفيهما أيضا في صلاة الغداة و العشاء الذي يمكن حمله على نفي التأكد غير قادح، بل لعل طرحه في مقابلة ما سمعته من النصوص الدالة على رجحانهما على الجلوس متجه، ك

خبر عمران الحلبي (1) المفصل بين الامام و المنفرد، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأذان في الفجر قبل الركعتين أو بعدهما فقال: إذا كنت إماما تنتظر جماعة فالأذان قبلهما، و إن كنت وحدك فلا يضرك أ قبلهما أذنت أو بعدهما؟»

مع أنه يمكن حمله على إرادة شدة التأكد حينئذ.

فظهر لك أن ما يظهر مما سمعته من التذكرة- من اختصاص الركعتين بالظهرين خاصة، و لعله لخبر زريق السابق- لا يخلو من نظر و إن حكي عن المفيد و الشهيد موافقته على ذلك، قال الأول في المقنعة: «إن الفصل بالركعتين في الظهرين خاصة، و أما العشاء و الغداة فلا، و انما يجلس فيهما إلا أن يكون عليه قضاء نافلة فليجعل ركعتين منها بين الأذان و الإقامة، فإنه أفضل من الجلوس بغير صلاة» و قال الثاني في الذكرى: «يستحب الفصل بينهما بركعتين في الظهرين محسوبتين من نافلتهما» مع أنه يمكن إرادتهما أن الفصل بنافلة الفريضة مختص بهما لا مطلق الركعتين كما يومي اليه ما في بيان الثاني منهما، قال: «و الفصل بينهما بركعتين، فان كان في الظهرين جعلهما من نوافلهما» و كأنه لضعف دلالة نصوص غير الظهرين على الفصل بخصوص النافلة، بل في كشف اللثام و المحكي عن الروض أن الركعتين من نوافل الفرض أو غيرها كما في الأخبار، بل لعله ظاهر إطلاق العلامة الطباطبائي.

لكن على كل حال قد عرفت دلالة تلك النصوص على المشهور، بل منها يعلم ما في المحكي عن المقنعة و المراسم و السرائر من أن الفصل بالركعتين للمؤذن في جماعة إماما كان أو مأموما، ضرورة اقتضاء إطلاقها أو أكثرها خلاف ذلك كما عرفت،

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

104

بل و ما في المحكي عن البحار من أنه ينبغي تقييد الفصل بالركعتين بما إذا لم يدخل وقت فضيلة الفريضة، و لذا خص الشهيد في الذكرى ذلك بالظهرين، و أما صلاة الغداة فالغالب إيقاع نافلتها قبل الفجر، و لذا لم يذكر في الأخبار، قلت: بعد تتميم كلامه بأن نافلة المغرب ضيقة الوقت قد عرفت دلالة الأخبار على صلاة الغداة بالخصوص و على غيرها عدا المغرب بالعموم.

و أما الفصل بالسجدة فقد اعترف غير واحد بعدم الظفر له بمستند حتى عللوه بأنها جلسة و زيادة راجحة، و الأولى الاستدلال عليه بما

عن فلاح السائل لرضي الدين ابن طاوس، فإنه روى عن التلعكبري بإسناده عن الأزدي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لأصحابه من سجد بين الأذان و الإقامة فقال في سجوده: رب لك سجدت خاضعا خاشعا ذليلا يقول الله تعالى ملائكتي و عزتي و جلالي لأجعلن محبته في قلوب عبادي المؤمنين، و هيبته في قلوب المنافقين» و بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبيه (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «رأيته أذن ثم أهوى ثم سجد سجدتين بين الأذان و الإقامة، فلما رفع رأسه قال: يا أبا عمير من فعل مثل فعلي غفر الله له ذنوبه كلها، و قال: من أذن ثم سجد فقال: لا إله إلا أنت سجدت لك خاضعا خاشعا غفر الله له ذنوبه»

إلا أنهما كما ترى يشملان المغرب أيضا، و لذا لم يفرق بينها و بين باقي الصلوات بالفصل بها في منظومة الطباطبائي خلافا لأكثر الأصحاب، و لعل مستندهم ضيق وقت المغرب حتى جعل الفصل فيها بالنفس دون الجلوس فضلا عن السجود في خبر ابن فرقد (3) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 15 في الوسائل «ثم سجد سجدة».

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

105

أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «بين كل أذانين قعدة إلا المغرب، فان بينهما نفسا»

و قد سمعت ما في خبر الدعائم (1) من الجلسة التي تمس الأرض فيها بيده المشعر بكونها خفيفة جدا تقارب النفس في الزمان، إذ الظاهر إرادة التقدير الزماني من خبر ابن فرقد السابق الذي هو الحجة لما ذكره المصنف و غيره، بل قد سمعت نسبته إلى علمائنا من الفصل في أذان المغرب و إقامتها بالسكتة بناء على أن المراد منها النفس كما عن الشهيد في النفلية تفسيرها به، بل و لما ذكره أيضا هو و غيره، بل سمعت نسبته إلى علمائنا من الخطوة التي اعترف غير واحد من الأصحاب بعدم الظفر لها بمستند بناء على ما سمعته من إرادة التقدير الزماني المساوي للخطوة أو قريب منه، مضافا إلى

المحكي (2) عن فقه الرضا (عليه السلام) بناء على حجيته أو في خصوص المقام للتسامح، و معلومية كون المستند في مثله النص، قال: «و إن أحببت أن تجلس بين الأذان و الإقامة فافعل فان فيه فضلا كثيرا، و انما ذلك على الامام، و أما المنفرد فيخطو تجاه القبلة خطوة برجله اليمنى، ثم يقول: بالله أستفتح و بحمده أستنجح و أتوجه، اللهم صل على محمد و آل محمد، و اجعلني بهم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين، و إن لم تفعل أيضا أجزأك»

لكنه كما ترى خاص بالمنفرد، و المعروف بين الأصحاب عدم الفرق بينه و بين غيره في ذلك، بل و عدم الفرق بين المغرب و غيره، و قد سمعت ما في المعتبر و غيره سابقا، و استثناء المصنف له يقضي بعدم الفصل فيه بالركعتين و السجدة لا أنه يختص بالخطوة و السكتة، نعم يحكى عن المفيد و السيد و الديلمي و العجلي تخصيص الخطوة بالمنفرد و تبعهم العلامة الطباطبائي، و لعله للخبر المزبور الذي يمكن و لو بمعونة فهم الأصحاب حمله على إرادة عدم تأكد الجلوس فيه للمنفرد كالإمام.

____________

(1) المستدرك- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 و في فقه الرضا (عليه السلام) و المستدرك «بمحمد (صلى الله عليه و آله) أستنجح و أتوجه».

106

أما السكتة فقد يشكل تعدية الفصل بها لغير المغرب، ضرورة خلو النصوص عدا خبر ابن فرقد المختص بالمغرب عنها، إلا أنك قد سمعت معقد ظاهر إجماع التذكرة بناء على رجوعه للجميع، و قد يتكلف له بأن المراد من خبر ابن فرقد ذكر أقل ما يحصل به الفصل و إن كان يستحب فعله في المغرب لضيق وقتها، لا أنه يختص استحبابه بالمغرب، مضافا إلى ما في خبر الدعائم من إطلاق الفصل بغير الصلاة، و قول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار (1): «إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن و أقم و افصل بين الأذان و الإقامة بقعود أو بكلام أو بتسبيح»

ضرورة مساواة أقلها للسكتة، و قد

سأله (عليه السلام) هو أيضا في خبره الآخر (2) «كم الذي يجزى بين الأذان و الإقامة من القول؟ قال: الحمد لله»

و في خبره الثالث (3) سأل «ما الذي يجزي من التسبيح بين الأذان و الإقامة؟ قال: يقول: الحمد لله».

و من ذلك كله يعلم استحباب الفصل بالقعود و الذكر و الكلام، إلا أنه ينبغي تقييد الأخير بغير صلاة الفجر، لما سمعته سابقا من كراهة الكلام بين أذانها و إقامتها كما أن بعض الأصحاب قيد الأول بغير صلاة المغرب، و لعله ل خبر ابن فرقد (4) المتقدم لكن فيه أنه معارض بإطلاق نصوص الجلوس (5) التي بعضها كالصريح في المغرب، و خصوص خبر زريق المتقدم (6) و خبر إسحاق الجريري (7) عن الصادق (عليه السلام) «من جلس فيما بين أذان المغرب و الإقامة كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله»

و عن

كتاب فلاح السائل عن التلعكبري عن محمد بن همام عن حميد بن زياد عن ابن سماعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 و 2 و 3.

(6) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 13.

(7) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 10.

107

عن الحسن بن معاوية بن وهب عن أبيه (1) قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) وقت المغرب فإذا هو قد أذن و جلس فسمعته يدعو بدعاء ما سمعت بمثله، فسكت حتى فرغ من صلاته، ثم قلت: يا سيدي لقد سمعت منك دعاء ما سمعت بمثله قط، قال: هذا دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ليلة بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و هو يا من ليس معه رب يدعى، يا من ليس فوقه خالق يخشى، يا من ليس دونه إله يتقى، يا من ليس له وزير يغشى، يا من له بواب ينادى، يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا كرما وجودا، يا من لا يزداد على عظم الجرم إلا رحمة و عفوا صلى على محمد و آل محمد، و افعل بي ما أنت أهله، فإنك أهل التقوى و أهل المغفرة، و أنت أهل الجود و الخير و الكرم»

لكن قال ابن طاوس بعد أن روى ذلك: و قد رويت روايات أن الأفضل أن لا يجلس بين أذان المغرب و إقامتها، و هو الظاهر من عمل جماعة من أهل التوفيق، و لعل الجلوس بينهما في وقت دون وقت، أو لفريق دون فريق، و يقرب منه ما عن الشيخ من الجمع بين خبري الجريري و ابن فرقد بضيق الوقت و عدمه، قلت: و قد يجمع بينهما بإرادة الجلسة الخفيفة من خبر الجريري كما أومأ إليه خبر الدعائم (2) بل عن المقنعة و النهاية و السرائر تقييدها بذلك في المغرب.

و بالجملة فالقول باستحباب الفصل فيه أيضا بالجلسة قوي، و اختاره العلامة الطباطبائي، إلا أنه يظهر مما سمعته من المعتبر و التذكرة الإجماع على خلافه، بل استظهره بعض المعاصرين من مشايخنا أيضا بعد أن رجح خبر ابن فرقد باعتضاده بمراسيل ابن طاوس، و الاعتبار لضيق وقت المغرب، مضافا إلى قطع خبر الدعائم، و ضعف خبر

____________

(1) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

108

الفلاح بالحسن بن معاوية، و الجريري بسعدان بن مسلم المجهول، و العبيدي الذي فيه ما فيه، إلا أنه لا يخفى عليك ما في ذلك كله، خصوصا في نحو المقام المتسامح فيه، و على كل حال فيستحب الدعاء حال الجلوس ب

ما رفعه ابن يقظنان (1) إليهم (عليهم السلام) «اللهم اجعل قلبي بارا و رزقي دارا، و اجعل لي عند قبر نبيك (صلى الله عليه و آله) قرارا و مستقرا»

و بما سمعته سابقا، و الله أعلم.

[السابع أن يرفع الصوت به]

و المستحب السابع أن يرفع الصوت به إذا كان ذكرا لا امرأة بلا خلاف أجده فيه، لما فيه من إبلاغ الغائبين، و إقامة شعار المسلمين، و لأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بلالا به (2) و قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (3): «لا يجزيك من الأذان إلا ما أسمعت نفسك أو فهمته- إلى أن قال-: و كلما اشتد صوتك من غير أن تجهد نفسك كان من يسمع أكثر، و كان أجرك في ذلك أعظم» و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الرحمن (4): «إذا أذنت فلا تخفين صوتك، فان الله يأجرك مد صوتك» و سأله أيضا معاوية بن وهب (5) عن الأذان فقال: «اجهر به و ارفع به صوتك، و إذا أقمت فدون ذلك»

إلى غير ذلك، بل يتأكد لرفع السقم و عدم الولد، فان

هشام بن إبراهيم (6) «شكا إلى الرضا (عليه السلام) سقمه، و أنه لا يولد له فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله، قال: ففعلت فأذهب الله عني سقمي و كثر ولدي»

قال محمد بن راشد: «و كنت دائم العلة ما أنفك عنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 هكذا في النسخة الأصلية و لكن في الكافي «يقظان» و في الوسائل و التهذيب «يقطين».

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

109

في نفسي و جماعة خدمي، فلما سمعت ذلك من هشام عملت به فأذهب الله عني و عن عيالي العلل».

[في بيان ما يتأكد في الإقامة من المستحبات]

و كيف كان ف كل ذلك مما هو مشترك بين الأذان و الإقامة من الأمور السبعة، أو منها و مما تقدم سابقا يتأكد في الإقامة بلا إشكال في مثل الاستقبال و الكلام و القيام و الطهارة، بل قد عرفت اشتراطها بالأخير، لظهور ما سمعته من الأدلة فيه، أما الوقف و رفع الصوت فليس في النصوص ما يدل عليه، و كذا العدالة و البصر و البصيرة و نحوها، بل في المدارك عدم مسنونية الثاني فيها، نعم في كشف اللثام «و كذا رفع الصوت فيها آكد كما يعطيه الكتاب و التحرير و الشرائع و الجامع، لاتصالها بالصلاة، و لأنها أفضل، فما يستحب فيها أقوى، فكون المقيم صيتا آكد من كون المؤذن صيتا، و لا ينافيه استحباب كون الأذان أرفع للخبر (1) و لأنه لإعلام الغائبين» و هو كما ترى، إذ لا تلازم بين الاتصال بالصلاة و أفضليتها و بين التأكد فيها و لو تم هذا لكان حجة لكثير مما عرفت مما استفيد من النصوص أصل استحبابه لا تأكده، إلا أنه محل للنظر، و لكن رفع الصوت بها في الجملة مسنون، لما سمعته من صحيح ابن وهب، و إن كان ينبغي أن يكون دون الأذان ارتفاعا، و لا منافاة كما ذكره الفاضل المزبور لو كان هناك دليل يقتضي تأكد ذلك فيها و البحث فيه، و من ذلك ظهر لك ما في المدارك، ضرورة ظهور الخبر المزبور في استحباب الرفع المذكور فيها إلا أنه دون الأذان، و كأنه تبع فيما ذكره المحقق الثاني في جامعه، فإنه قال أيضا في شرح نحو عبارة المتن: و يستثنى من ذلك رفع الصوت، فإن الإقامة أدون كما سبق في رواية معاوية بن وهب، و لأنها للحاضرين، و الأذان للإعلام مطلقا، لكن قد يريد به رفع الصوت كالرفع في الأذان، فتأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

110

ثم إنه ينبغي كون المؤذن غير المقيم، تأسيا بالمحكي

عن علي و الصادق (عليهما السلام) ففي مرسل الفقيه (1) «كان علي (عليه السلام) يؤذن و يقيم غيره، و كان يقيم و قد أذن غيره»

و في خبر إسماعيل بن جابر (2) «إن أبا عبد الله (عليه السلام) كان يؤذن و يقيم غيره، و قال: كان يقيم و قد أذن غيره».

[في كراهة الترجيع في الأذان]

و كيف كان ف يكره الترجيع في الأذان إلا أن يريد الاشعار كما في القواعد و غيرها، بل في التذكرة و المحكي عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، و المراد به تكرير الشهادتين مرتين أخريين كما عن جماعة، أو مع التكبير كما عن أخرى، أو مطلق الفصل زيادة عن الموظف كما عن ثالثة، و في البيان تكرير الشهادتين برفع الصوت بعد فعلهما مرتين بخفض الصوت، أو برفعين أو بخفضين، و عن جماعة من أهل اللغة انه تكرير الشهادتين جهرا بعد إخفائهما، و عن بعض العامة أنه الجهر في كلمات الأذان مرة و الإخفات أخرى من دون زيادة، إلى غير ذلك، لكن يسهل الخطب أنه لا شيء فيما وصل إلينا من النصوص فيه لفظ الترجيع كي يحتاج إلى البحث عن معناه أو المراد منه، نعم في المحكي عن

فقه الرضا (عليه السلام) (3) «ليس في فصول الأذان ترجيع و لا ترديد»

و هو- مع أنه ليس حجة عندنا- محتمل كما عن البحار لإرادة ترجيع الغناء، و لعل نفيه بالخصوص فيه باعتبار حصول المد في الأذان بسبب مطلوبية الارتفاع فيه، فناسب حينئذ التعرض لنفيه فيه بالخصوص، حذارا من التغني فيه كما يقع من كثير من المؤذنين، و تعرض الأصحاب لنفي الترجيع المزبور بالخصوص هنا يمكن أن يكون تعريضا بالشافعي و من تابعه ممن جعله مسنونا فيه، تمسكا بما رووه عن أبي محذورة

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) المستدرك- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

111

عن النبي (صلى الله عليه و آله) «أنه أمره بالشهادتين سرا ثم بالترجيع جهرا» مع أنه يمكن أن يكون ذلك منه لخصوص أبي محذورة، لما حكي عنه أنه كان مستهزئا بالنبي (صلى الله عليه و آله) غير مقر بالشهادتين، لا لمشروعيته في نفسه التي ينفيها خلو ما نزل بالوحي من الأذان عندنا، و ما روي في المنام عندهم عنه، و من ذلك يظهر أن القول بإرادة ما عند الشافعي من الترجيع في عبارات الأصحاب أولى، إذ النظر اليه على الظاهر بذلك بعد ما عرفت من خلو النصوص.

و على كل حال فلا ريب في حرمته مع قصد المشروعية كغيره مما هو زائد على ما عرفت من فصوله عندنا، بل الظاهر بطلان الأذان إذا أدخله في النية حيث تكون معتبرة فيه كما في غير أذان الإعلام، أما مع عدم القصد فيشكل تحريمه فضلا عن البطلان بالأصل و غيره، اللهم إلا أن يكون مستنده الإجماع المحكي عن السرائر على حرمة التثويب الذي أحد تفاسيره فيها تكرار الشهادتين، لكنه- مع احتمال إرادته إذا انضم اليه قصد المشروعية، و عدم اقتضائه الحرمة بالنسبة إلى غير ذلك مما مر في تفسيره- قاصر عن قطع الأصل المعتضد بغيره، إذ لم نعرف أحدا صرح بها قبله بل و لا بعده عدا الفاضل في المحكي عن مختلفه، بل ربما ظهر منه أنه المشهور، و تبعه سيد المدارك و الخراساني، مع أن صريح الأول منهما كون الحرمة من حيث التشريع كما صرح بها ثاني المحققين و الشهيدين و غيرهما، بل لا إشكال فيها على الفرض المزبور، فيمكن حينئذ دعوى عدم الموافق له ان أراد بها التعبدية لا التشريعية.

و من ذلك يعلم ما في حكاية الشهرة المزبورة، سيما و قد سمعت نسبة الكراهة في التذكرة و المنتهى إلى علمائنا، و ليس في الخلاف سوى «لا يستحب الترجيع إجماعا» و المحكي عن المبسوط و جامع الشرائع و المهذب سوى «أنه غير مسنون» بل لو لا التسامح في الكراهة، و ظهور الإجماعين عليها في الكتابين، و أنه شبه الصورة العامية، و البأس

112

في مفهوم خبر أبي بصير (1) الآتي و نحو ذلك لأشكل القول بها من حيث كونه ترجيعا فضلا عن الحرمة، و ما في كشف اللثام «و إذا لم يسن كان مكروها من وجوه منها قلة الثواب عليه بالنسبة إلى أجزاء الأذان، و منها إخلاله بنظامه و فصله بين أجزائه بأجنبي، و منها أنه شبه ابتداع» كما ترى، بل الإنصاف أنها لا تخلو من الإشكال أيضا إذا أريد بها الكراهة في الأذان المشتمل على الترجيع، كما هو الظاهر من كل مكروه في الشيء نحو العبث في الصلاة و غيره لا نفس الفصول المكررة، إذ العمدة في ثبوتها مفهوم الخبر الآتي، و دلالته على ذلك لا تخلو من إشكال، اللهم إلا أن تجبر بظاهر الإجماعين و نحوهما، و لكن على كل حال فالأمر سهل فيها، أما إذا أريد الاشعار فلا إشكال في الجواز وفاقا للشيخ و أكثر من تأخر عنه كما في المدارك، بل في المحكي عن جامع المقاصد نسبته إلى الأصحاب، بل في المحكي عن المختلف الإجماع عليه، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) (2): «لو أن مؤذنا أعاد في الشهادة أو في حي على الصلاة أو حي على الفلاح المرتين و الثلاث و أكثر من ذلك إذا كان انما يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس»

و رواه في المدارك «إذا كان إماما يريد» إلى آخره لكن ظاهر الأصحاب عدم اختصاص ذلك بالإمام، بل ظاهرهم عدم اعتبار جمع الجماعة للصلاة جماعة، و لعلهم حملوا ما في الخبر على المثال، و الله أعلم.

[في حكم التثويب في الأذان]

و كذا يكره كما عن المبسوط و النافع و الدروس و المفاتيح التثويب الذي هو عند الأكثر بل المشهور بين أهل اللغة و الفقه قول: الصلاة خير من النوم و قال المرتضى كما عن الحلي قول ذلك بعد الدعاء إلى الفلاح، و في الخلاف عن محمد بن الحسن صاحب الجامع الصغير من العامة أنه هو التثويب الأول الذي كان عليه الناس، و أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

113

بين الأذان و الإقامة، و قيل: هو حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان و الإقامة، و فيه أيضا عن الجامع المزبور أنه هو التثويب الثاني الذي أحدثه الناس بالكوفة، و قيل هو تكرير الشهادتين، و عن السرائر أنه الأظهر، لأن التثويب مشتق من ثاب الشيء إذا رجع، و محله عند العامة العشاء و الصبح، بل عن المبسوط نفي الخلاف عندهم في ذلك، بل عن قديم الشافعي ثبوته في الصبح خاصة، كما أن في الخلاف أن أحدا من العامة لم يقل باستحباب التثويب في العشاء إلا ابن حي، لكن حكى غيره عن النخعي استحبابه في جميع الصلوات بعد أن حكى اتفاقهم على استحبابه في الغداة.

و على كل حال فأصحابنا مجمعون عدا النادر منهم على عدم مشروعيته بالمعنى الأول في شيء من الأذان و الإقامة، بل و بالمعنى الثاني، بل و بالمعنى الثالث إلا للإشعار أيضا كما عرفته سابقا، بل في المحكي عن السرائر الإجماع على حرمته بالمعنى الأول و الثالث، و الناصريات و الانتصار عليها بالأول و الثاني، و التهذيبين إجماع الطائفة على ترك العمل بأخبار التثويب، و الحبل المتين الإجماع على ترك التثويب، و جامع المقاصد أعرض الأصحاب عن أخبار التثويب، و في كشف اللثام عن الخلاف الإجماع عليها بالمعنى الأول، و على الكراهة بالمعنى الثاني، و الذي وجدناه فيه الإجماع على الكراهة بالمعنى الثاني، و نفي الاستحباب أو الكراهة أيضا بالمعنى الأول، نعم قال بعد أن ذكر إن ذلك التثويب في أذان العشاء الآخرة بدعة: دليلنا ما قلناه في المسألة الأولى، و قد ذكر فيها الإجماع و غيره، و عن التذكرة و نهاية الأحكام و إرشاد الجعفرية أنه بالمعنى الأول بدعة عندنا.

و كيف كان فلا إشكال في الحرمة مع قصد المشروعية في الثلاثة نحو ما سمعته في الترجيع، لكونه تشريعا محرما، و في الصحيح عن معاوية (1) انه سأل الصادق

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

114

(عليه السلام) «عن التثويب الذي يكون بين الأذان و الإقامة فقال: ما نعرفه»

بل ما سمعته سابقا من النصوص (1) المتضمنة لحكاية فصوله كالصريحة في إرادة نفيه و أمثاله، و قول الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (2): «كان أبي ينادي في بيته بالصلاة خير من النوم»

مع احتماله التقية منهما لا دلالة فيه على أنه يفعل ذلك بأحد المعاني السابقة، و حكايات الأفعال لا عموم فيها، و في المروي عن كتاب زيد النرسي (3) عن الكاظم (عليه السلام) «الصلاة خير من النوم بدعة بني أمية، و ليس ذلك من أصل الأذان، و لا بأس إذا أراد الرجل أن ينبه الناس للصلاة أن ينادي بذلك و لا يجعله من أصل الأذان، فإنا لا نراه أذانا» (4)

و فيه «إنه سئل عن الأذان قبل طلوع الفجر فقال: لا، إنما الأذان عند طلوع الفجر أول ما يطلع، قيل: فان كان يريد أن يؤذن الناس بالصلاة و ينبههم قال: فلا يؤذن و لكن ليقل و يناد بالصلاة خير من النوم، يقولها مرارا، و إذا طلع الفجر أذن»

و في المحكي

عن فقه الرضا (عليه السلام) (5) «ليس في الأذان الصلاة خير من النوم»

و أما

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (6): «النداء و التثويب في الإقامة من السنة»

فمع ما في كشف اللثام من أنا لا نعلم معنى النداء و التثويب، و حمل الشيخ إياه و صحيح ابن مسلم (7) الآتي على التقية، للإجماع على ترك العمل بهما محتمل لإرادة سنة أهل البدع، بل ينافيه

ما في المعتبر عن كتاب البزنطي عن عبد الله بن سنان (8) عن الصادق (عليه السلام) «إذا كنت في أذان الفجر فقل: «الصلاة خير من النوم بعد حي على خير العمل، و قل بعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

(3) المستدرك- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(4) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(5) المستدرك- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

(8) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 5.

115

الله أكبر الله أكبر: لا إله إلا الله، و لا تقل في الإقامة الصلاة خير من النوم، انما هذا في الأذان»

فطرحه أو إرادة معنى آخر من التثويب فيه متعين، كما أنه يمكن حمل خبر المعتبر على التقية بقرينة اقتصاره على وحدة التهليلة و إن استبعده المصنف، قال:

لاشتماله على «حي على خير العمل» و هو انفراد للأصحاب، فالوجه أن يقال: في التثويب روايتان أشهرهما تركه، لكن فيه أنه لا شهرة عمل في رواية ثبوته و لا رواية بل هي من الشواذ أو الأخبار التي دسها أهل الباطل، أو من الجاري مجرى التقية، و اشتماله على «حي على خير العمل» لا يبعده، لجواز الاسرار به.

و أما

قول الباقر (عليه السلام) لزرارة (1) في الصحيح: «إن شئت زدت على التثويب حي على الفلاح مكان الصلاة خير من النوم»

فلعله للمطلوب أقرب من غيره، إذ الظاهر إرادة أنك إن أردت التثويب فكرر «حي على الفلاح» زائدا على المرتين، و لا تقل له «الصلاة خير من النوم» و بعبارة أخرى أن لفظ «على» فيه بمعنى اللام، و على كل حال يراد منه ما سمعته سابقا في خبر أبي بصير من مشروعية تكرير ذلك للإشعار، فظهر لك أن ما عن الجعفي- من أنك تقول في أذان صلاة الصبح بعد قولك: «حي على خير العمل»: «الصلاة خير من النوم» مرتين، و ليستا من أصل الأذان، و أبي علي من أنه لا بأس به في أذان الفجر خاصة- في غاية الضعف.

أما مع عدم قصد المشروعية فيحتمل الحرمة بالمعنى الأول، لإطلاق معاقد الإجماعات و ما يظهر من صحيح ابن وهب و خبر زيد النرسي، و لا استبعاد في حرمة الصورة العامية، و يحتمل العدم، للأصل الذي لم يعلم وجود المعارض له بعد قيام احتمال تقييده بقصد المشروعية، خصوصا مع ملاحظة ما يذكر مستندا للحرمة، بل قد يدعى ظهور خبر زيد النرسي في الجواز، بناء على إرادة عدم قصده من الأذان من

قوله

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

116

(عليه السلام): «و لا يجعله أذانا»

و لا ريب في أن الأول أحوط إن لم يكن أقوى خصوصا بعد أن أطلق القول بحرمته في المحكي عن النهاية و الوسيلة و السرائر و البيان و الموجز و جامع المقاصد و تعليق النافع و حاشية الميسي و المسالك و مجمع البرهان، بل اليه يرجع ما عن التذكرة و نهاية الأحكام و التحرير و المنتهى و الإرشاد و الروض و فوائد القواعد و الذخيرة و الوافي من التعبير بأنه بدعة، اللهم إلا أن يريدوا هؤلاء و من عبر بالحرمة خصوصا من تعرض للاستدلال منهم مع قصد المشروعية، أو يريدوا هم بالبدعة غير المشروع و إن لم يكن محرما.

و أما المعنى الثاني فقد سمعت إجماع الشيخ على الكراهة فيه المعارض بإجماع غيره على الحرمة، اللهم إلا أن يجمع بينهما بقصد المشروعية و عدمها، إلا أنه و مع ذلك فالأحوط تركه لغير الاشعار، كالثالث الذي قد سمعت إجماع السرائر على الحرمة فيه.

ثم ان الظاهر عدم الفرق في كراهة التثويب أو حرمته بالمعنى الأول بين فعله بعد «حي على الفلاح» كما يصنعه العامة، لعدم حيعلة عندهم بعدها و بين فعله بعد «حي على خير العمل» إذ فصل مثله لا يقدح عندهم، على أنه قد يحتمل إرادة كونه بعد الحيعلات، فتأمل. و من هنا حملت نصوص التثويب على التقية و نحوها، مع كونه في بعضها بعد «حي على خير العمل» نعم يمكن القول بالجواز فيه إذا كان بين التكبير في الأذان مثلا مع عدم قصد التشريع، لعدم وجود صورة البدعة التي احتملنا الحرمة التعبدية فيها، و الله أعلم.

117

[الرابع في أحكام الأذان]

الرابع من محال البحث في أحكام الأذان فيه مسائل

[المسألة الأولى من نام في خلال الأذان أو الإقامة]

الأولى من نام في خلال الأذان أو الإقامة ثم استيقظ استحب له الاستيناف كما في القواعد و التحرير و التذكرة و البيان و المحكي عن المهذب و المبسوط و ظاهرهم أو صريحهم أنه يجوز له البناء بل عن المبسوط و جامع الشرائع التصريح به، و لعله بناء على عدم اشتراط الطهارة فيهما لإطلاق الأدلة و الاستصحاب، و عدم ثبوت الابطال بذلك، لكنه لا يتم مع فوات الموالاة التي لا ريب في اعتبارها فيهما لما في المرسل في الفقيه (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «تابع بين الوضوء- إلى أن قال-: و كذلك في الأذان و الإقامة، فابدأ بالأول فالأول، فإن قلت: حي على الصلاة قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت: حي على الصلاة»

و ذكر الترتيب فيه لا يقضي بكونه المراد من المتابعة فيه خاصة، سيما بعد إفادة الفاء له و للتعقيب أيضا، مضافا إلى مادة المتابعة، على أنه لو قطع النظر عن الخبر المزبور كان المتجه البطلان في فاقدها، للشك في تناول الأدلة له إن لم يكن ظاهر بعضها عدمه، فيبقى تحت الأصل، إذ العبادة توقيفية متلقاة من الشارع، بل غير العبادة منه كأذان الإعلام توقيفي أيضا، فمع فرض الشك في شمول الأدلة للفاقد لا يحكم باستحبابه و لا يترتب أحكامه عليه، بل ربما قيل لهذا الأصل المزبور بعدم الاجزاء و إن لم تفت الموالاة، ضرورة اقتضائه مانعية ما شك فيه اللهم إلا أن يمنع الشك، للقطع باندراج الفرض في عبارة من تعرض للفرع المزبور، فلا شك حينئذ في شمول الإطلاقات له، على أن التحقيق عندنا صحة التمسك بالإطلاق

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

118

في نفي الشرط و المانع المشكوك فيهما.

نعم لا شك في اقتضاء الأدلة بطلان فاقد الموالاة، و لعله لا يريده من أطلق منهم كالمصنف و غيره، ضرورة كون البحث من حيث تخلل النوم، بل في التحرير و نهاية الأحكام و المنتهى و البيان و جامع المقاصد و حاشية الإرشاد و المسالك و غيرها على ما حكي عن البعض التصريح بتقييد جواز البناء بما إذا لم تفت الموالاة، فيتجه حينئذ البناء في واجدها و العدم في فاقدها، و لا يشكل الأول بفوات استدامة النية المعتبرة في أثناء العمل، لعدم كون المراد منها إلا عدم وقوع جزء من أجزاء العمل بدونها، لا عدم خلو المكلف عنها إلى تمام العمل، اللهم إلا أن يدعى ذلك في خصوص الإقامة منهما باعتبار ما ورد (1) فيها من أنها من الصلاة، لكن مقتضى ذلك حينئذ البطلان بالنوم نفسه و الإغماء كالصلاة من غير حاجة إلى تكلف البطلان من جهة فوات الاستدامة، على أن الظاهر من تلك النصوص و لو بمعونة فهم الأصحاب خصوص بعض ما عرفت لا مطلقا، و قد عرفت أن فرض البحث على تقدير عدم اشتراط الطهارة فيهما و الظاهر أن المدار في الموالاة بناء على التحقيق عندنا على المعلوم قدحه من الفصل في عرف المتشرعة، ضرورة معلومية إرادة الهيئة من أمثال هذه المركبات، أما المشكوك فيه فلا مانع من التمسك بالإطلاق في شموله، اللهم إلا أن يفرض الشك في تناوله لأمور أخر كما أوضحناه في محله.

و مما ذكرنا يظهر لك ما في كشف اللثام من تقديرها بأن لا يطول الفصل بحيث لا يذكر أن الثاني مبني على الأول، اللهم إلا أن يريد ما ذكرنا كالذي أوكلها على العادة، و في جامع المقاصد تعليل عدم إجزاء الفاقد بعدم تسميته أذانا مع فواتها، و ظاهره كون المدار فيها على بقاء الاسم و عدمه، و فيه نوع تأمل، خصوصا إذا قلنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

119

باعتبارها للمرسل المزبور، و على كل حال فقد يناقش فيما ذكروه من الاستحباب، ضرورة عدم صلاحية خروج المكلف بذلك عن التكليف لثبوته، و ليس سواه في المقام نعم قد يقال ذلك في خصوص الإقامة الوارد فيها أنها من الصلاة التي من المعلوم إعادتها بتخلل النوم.

و لا يخفى عليك أنه كذلك البحث إن أغمي عليه في خلالهما أو جن أو أسكر أو غير ذلك، و ما عن نهاية الأحكام- من احتمال الاستيناف في الإغماء و نحوه و إن قصر لخروجه عن التكليف به- كما ترى لا يجدي في الفرق، إذ أقصاه عدم توجه الخطاب إليه بالإتمام في ذلك الحال، إلا أنه لم يثبت اشتراط صحة الأذان ببقاء الخطاب، بل مقتضى إطلاق صدق الأذان عليه عدمه، فهو كالعبد المأمور بفعل سرير و قد جن في أثنائه ثم أفاق الذي لا ريب في بقاء التكليف عليه، و صدق الامتثال بالإتمام، و ليس المقام من الأمر بالمشروط مع علم الآمر بانتفاء شرطه كما قد يتوهم، ضرورة عدم ثبوت الاشتراط، بل مع علم الآمر بإفاقته قبل فوات الموالاة هو أمر له بالمشروط المعلوم تمكنه من شرطه كما هو واضح، على أن مثله يأتي في النوم، فلا جهة للفرق بذلك إلا بتكلف، هذا.

و في المدارك «أنه نص الشيخ و أتباعه على أنه يجوز لغير ذلك المؤذن البناء على ذلك الأذان، لأنه يجوز صلاة واحدة بإمامين ففي الأذان أولى- قال-: و فيه إشكال منشأه توقف ذلك على النقل، و منع الأولوية» قلت: لعله صدق الأذان عليه و ظهور الاتحاد في الأوامر ظهور مورد لا شرط، فلا يمنع صدق نحو

قولهم (ع): «لا صلاة إلا بأذان و إقامة»

و دعوى صحة السلب معه ممنوعة، و ربما كان ما في صحيح ابن سنان (1) من الأمر بإتمام ما نقصه المؤذن من الفصول إذا أراد الصلاة بذلك الأذان

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

120

فيه إيماء إليه في الجملة، نعم ذكر الفاضل في القواعد كراهة التراسل الذي ما نحن فيه منه أو نحوه على الظاهر، و أقره عليه المحقق الثاني و غيره من شراحه، و لم نعرف له دليلا سوى احتمال عدم الاندراج في الأدلة مع التسامح، و الأمر سهل.

[المسألة الثانية إذا أذن ثم ارتد]

المسألة الثانية إذا أذن ثم ارتد عن الإسلام مثلا جاز أن يعتد به من أراد الصلاة و يقيم غيره بلا خلاف أجده فيه، للأصل، و اندراجه في الإطلاقات و كونه بالنسبة إلى ذلك كالأسباب التي لا تبطل بالردة من وضوء أو غسل أو غسل نجاسة و نحوها، لكن قد يشكل ذلك بناء على اشتراط صحة العبادة باستمرار الايمان فمتى ارتد انكشف بطلان العبادة لعدم حصول الشرط، و دعوى أن الاعتداد به حتى للمؤذن نفسه من الآثار كالطهارة من الحدث و الخبث يمكن منعها بظهور الفرق بينهما و لو بالأدلة، و تقييد القول المزبور بما إذا مات المرتد على ردته لا يرفع الاشكال المذكور فيما لو فرض موته بعد ارتداده، ضرورة عدم الفرق فيما ذكروه من الاعتداد بين موته و حياته، بل صرح بعضهم بعدم الفرق بينه لو عاد إلى الإسلام و بين غيره، و هو كذلك بناء على الصحة، نعم قد يفرق بين الأذان الإعلامي و غيره على القول المزبور لعدم كونه عبادة، و مع فرض كونه قصد به التقرب بطلانه من حيث الثواب لا يمنع الاعتداد به الذي لم يقيد به، و كيف كان فيمكن أن يكون مراعاة للقول المزبور، و لأن ردته تورث شبهة في حاله للقول بأن المؤمن لا يرتد، و للتسامح، و خصوص ما سمعته في الإقامة قال الفاضل في المحكي عن نهايته: «إنه يستحب أن لا يعتد بأذانه و إقامته، بل يعيد غيره الأذان و الإقامة» و الله أعلم.

و لو ارتد في أثناء الأذان ثم رجع استأنف على قول للشيخ و أبي العباس و القاضي فيما حكي عنهم، و عن التذكرة و نهاية الأحكام أنه قوي، بل عن كشف

121

الالتباس أنه الأشهر و إن كان لا يخلو من نظر، لانحصار القائل بمن عرفت، و إلا فالفاضل في المنتهى و التحرير و الشهيدان في الذكرى و البيان و المسالك و العليان في جامع المقاصد و حاشيتي الشرائع و غيرهم على ما حكي عن البعض على جواز البناء له على الأول ما لم تفت الموالاة، بل هو مقتضى اعتراض المصنف في المعتبر على المبسوط بأن دليل الاعتداد إذا ارتد بعده جار فيه، و هو كذلك، إذ الردة كما أنها لا تبطله بعده كذلك في الأثناء، ضرورة أن الأذان و إن كان عبادة واحدة مركبة ذات أجزاء لكن ليس كالصلاة التي ليس فيها زمان فترة، اللهم إلا أن يفرق بأنه بعد التمام من قبيل الأسباب التي لا تبطلها الردة، بخلاف الأثناء، و هو كما ترى تحكم يبطله صحة الغسل لو ارتد في أثنائه ثم رجع الذي هو أظهر في السببية، فالمتجه حينئذ جواز البناء له مع عدم فوات الموالاة، أما بناء غيره فمبني على التراسل الذي قد سمعت الكلام فيه، و الله أعلم.

[المسألة الثالثة يستحب لمن سمع الأذان أن يحكيه]

المسألة الثالثة يستحب لمن سمع الأذان أن يحكيه إجماعا بقسميه، بل المنقول منهما متواتر أو مستفيض جدا كالنصوص (1) أما الإقامة ففي النهاية و المبسوط و المهذب و ظاهر النفلية على ما حكي عن بعضها ذلك أيضا، و لعله لظهور بعض نصوص المقام (2) في أن حكاية الأذان لكونه ذكرا، خصوصا

صحيح زرارة (3) منها المروي عن العلل، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «ما أقول إذا سمعت الأذان قال: اذكر الله مع كل ذاكر»

و لخصوص

قول الصادق (عليه السلام) في المروي عن دعائم الإسلام (4): «إذا قال المؤذن: الله أكبر فقل: الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقل:

أشهد أن لا إله إلا الله- إلى أن قال-: فإذا قال: قد قامت الصلاة فقل: اللهم أقمها و أدمها و اجعلنا من خير صالحي أهلها»

بل قد يستفاد من إطلاق المؤذن فيه على المقيم

____________

(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(4) المستدرك- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

122

أن المراد بالأذان في نصوص المقام خصوصا في مثل

المرسل (1) «ان من سمع الأذان فقال: كما يقول المؤذن زيد في رزقه»

ما يشمل الإقامة، كل ذلك مع التسامح في السنن.

فما عن جماعة- من الجزم بعدم استحباب حكايتها لعدم الدليل- لا يخلو من نظر، إذ قد عرفت أن الظاهر استحباب حكايتها، لكن ينبغي إبدال فصلي الإقامة بالدعاء المزبور في خبر الدعائم، و اليه أومأ العلامة الطباطبائي بقوله:

و أبدل المختص بالإقامة * * *من الفصول بدعا الإدامة

و كأنه لأنه ليس ذكرا، و ظاهر النصوص استحباب الحكاية للذكر كما سمعته في صحيح زرارة، و قال الباقر (عليه السلام) أيضا لمحمد بن مسلم (2): «لا تدعن عن ذكر الله عز و جل على كل حال، و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر الله عز و جل، و قل كما يقول المؤذن».

و من هنا كان المتجه إبدال الحيعلات في الأذان و الإقامة بالحولقة، كما عن الشيخ في المبسوط روايته عن النبي (صلى الله عليه و آله) لكن في الحدائق تبعا للمحكي عن المجلسي أن الظاهر كون الرواية عامية، لموافقتها للمروي في صحيح مسلم (3) و غيره من صحاحهم (4) قلت: يكفي مثلها بعد رواية الشيخ لها في إثبات المندوب، خصوصا بعد اعتضادها بالظهور الذي سمعته من النصوص التي يمكن أن يراد منها حكاية الذكر من الأذان، و بخبري الآداب و المكارم (5) و الدعائم (6) المصرح فيهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) في النسخة الأصلية «ابن مسلم» و الصحيح ما أثبتناه.

(4) صحيح مسلم ج 4 ص 85 و سنن النسائي ج 2 ص 25.

(5) المستدرك- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

(6) المستدرك- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

123

بإبدالها بالحولقة،

قال في المحكي عن الثاني منهما: «روينا عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان إذا سمع المؤذن قال: كما يقول، فإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح حي على خير العمل قال: لا حول و لا قوة إلا بالله»

و إليهما أومأ العلامة الطباطبائي بقوله:

و أحك الأذان الكل إلا الحيعلة * * *فإنها مبدلة بالحوقلة

في خبر الآداب و المكارم * * *و في حديث صاحب الدعائم

و لا يعارض بأن في ذلك خروجا عن ظاهر النصوص المعتبرة القاضي باستحباب حكاية الأذان كله، بل ظاهرها أن جميع فصوله من الذكر، لما عرفت من ظهور بعض تلك النصوص في إرادة حكاية الذكر منه، بل حملها على هذا أولى من التزام أنها ذكر الذي يمكن إنكاره على مدعيه أشد إنكار، و أولى من ترجيح مثل هذا العام على مثل هذا الخاص بدعوى عاميته أو ضعف سنده، بل يمكن أن يقال: إن الذي يقتضيه النظر في الأدلة بناء على ظهور دليل الحوقلة في البدلية و على ظهور غيره في حكاية الحيعلة أيضا التخيير بينهما، أو مع شدة التأكد في الحوقلة، ضرورة عدم ظهور في نصوص الحوقلة بنفي حكاية الحيعلة فيبقى حينئذ ما دل عليها من

قوله (عليه السلام): «قل مثل ما يقول المؤذن»

و غيره سالما عن المعارض كما هو واضح، و تمام الاحتياط في المندوب الجمع بينهما.

كما أن الاحتياط يقضي بتعين الحوقلة لو أراد حكايته و هو في الصلاة، لأن الظاهر استحباب حكايته في جمع الأحوال التي منها الصلاة و إن نفاه فيها في المبسوط و الخلاف و التذكرة و البيان و جامع المقاصد و غيرها على ما حكي عن بعضها، بل صرح بعضهم أنه لا فرق في ذلك بين الفريضة و النافلة لعدم العموم، و لأن الإقبال على الصلاة

124

أهم، لكن فيه أن صحيح زرارة (1) و محمد بن مسلم (2) و المرسل السابق (3) و غيرها يمكن شمولها لحال الصلاة، و أهمية الإقبال بعد تسليمها على وجه تنافي الحكاية لا تنافي الاستحباب، فالأقوى حينئذ استحبابها فيها أيضا لكن مع الإتيان بالحولقة دون الحيعلة، إذ احتمال استحباب حكايتها أخذا بالإطلاق مناف لما دل على حرمة إبطال الصلاة، و كذا احتمال فعلها مع التزام عدم الإبطال، إذ هو مناف أيضا ل ما دل (4) على بطلانها بكلام الآدميين، و التعارض بين أدلة الطرفين من وجه، و لا ريب في أن الترجيح لها على أدلة الحكاية الظاهرة في إرادة بيان الحكاية من حيث أنها حكاية، و أضعف من ذلك كله احتمال أن هذه الفصول من الأذكار التي لا تبطل الصلاة بها الذي يمكن تحصيل الإجماع على خلافه، بل الضرورة إذا أريد من الذكر حقيقة لا حكما، فلا محيص حينئذ عما ذكرنا من تعين فرد الحوقلة الذي لا ينافي الصلاة، نعم بناء على انحصار الحكاية بالمشتمل على الحيعلة يشكل حينئذ دعوى شمول استحباب الحكاية لحال الصلاة الذي هو مستلزم لبعض ما عرفت، و من هنا نفى من عرفت الاستحباب، لعدم ثبوت ذي الحوقلة فردا للحكاية عندهم، و لذا صرح كثير منهم بعد نفي الاستحباب بجواز الحكاية لكن مع الإبدال بالحولقة، و الظاهر الجواز من حيث أنه ذكر مع كل ذاكر لا خصوص استحباب الحكاية.

نعم يمكن القول بناء على عدم اشتراط استحباب الحكاية بحكاية الجميع كما هو الأقوى بأن له حينئذ حكاية ما عدا الحيعلات من الأذان بنية الاستحباب الخصوصي، أما إن لم نقل فلا، فان خالف و حكى حينئذ ففي البطلان و عدمه من جهة التشريع وجهان

____________

(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب قواطع الصلاة.

125

مبنيان على خروج الذكر بالحرمة التشريعية عن كونه ذكرا، أو عن كونه ذكرا سائغا في الصلاة و عدمه، لا يخلو الثاني منهما من قوة، و تسمع في مباحث القراءة و نحوها زيادة تحقيق له إن شاء الله.

ثم إن الظاهر أولوية اختيار ذي الحوقلة في الحكاية على الخلاء تجنبا من كراهة الكلام فيها و إن أمكن القول باستثنائه بالخصوص، لظهور الخبر المزبور في حكاية الجميع على الخلاء، و من هنا بان لك الفرق بين تعارض دليلي الكراهة و الحكاية هنا و بين دليلي الحكاية و الإبطال في الصلاة، فتأمل جيدا، كما أنه بان لك أيضا أن الأهمية في بعض المندوبات لا تخرج الآخر في هذا الحال عن صفة الندب، فحينئذ إن عارض الحكاية بعض المندوبات و أمكن الجمع جاء بالجميع، و مع التعارض كان الأولى له الإتيان بالأهم كما هو واضح، فما عن المبسوط و غيره من كتب الأصحاب «ان من كان خارج الصلاة قطع كلامه و حكى قول المؤذن، و كذا لو كان يقرأ القرآن قطع و قال:

كقوله، لأن الخبر على عمومه» إن أراد ما ذكرنا فمرحبا بالوفاق، و إلا كان للنظر فيه مجال، ضرورة عدم اقتضاء استحباب الحكاية رفع استحباب غيرها حالها، و كذا ما عن جماعة من الأصحاب أيضا من أنه إذا دخل المسجد و المؤذن يؤذن ترك صلاة التحية إلى فراغ المؤذن ليجمع بين المندوبين، لكنه لا يخفى أنه مبني على مشروعية صلاة التحية مع هذا الفصل، و إلا كان المتجه الترجيح، أو الصلاة مع الحكاية في أثنائها بناء على ما حررناه سابقا.

و المراد بالحكاية في عبارات الأصحاب قول: مثل ما قاله المؤذن عند السماع، و هو الموجود في النصوص دون لفظ الحكاية، و كان الأصحاب عبروا بها لما فهموه منها، بل لا يخفى على من لاحظ النصوص و ما في بعضها من الحكاية على الخلاء، و في آخر «اذكر مع كل ذاكر» و غيره أنه يمكن القطع بعدم امتثال ذلك مع الفصل المعتد به

126

بين السماع و القول، و لذا حكي عن ظاهر الشهيد و صريح جماعة سقوطها إذا أخرها حتى فرغ من الصلاة، بل اليه يرجع ما عن المبسوط «لو فرغ من الصلاة و لم يحك الأذان كان مخيرا بين قوله و عدمه، لا مزية لأحدهما على الآخر إلا من حيث أنه تسبيح و تكبير لا من حيث أنه أذان» و نحوه ما عن الخلاف أيضا «يؤتى به لا من حيث كونه أذانا بل من حيث كونه ذكرا» بل و ما عن التذكرة من التخيير بين الحكاية و عدمها، و ربما ظن خلافهم في المقام، و أنهم يجوزون الحكاية مع الفصل، و هو كما ترى، نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يكن زمان الفراغ و زمان السماع متقاربا بحيث لا يخل بالحكاية عرفا، و إلا لم يفت محلها.

ثم إن الظاهر عدم الفرق في استحباب الحكاية بين أذان الاعلام و الجماعة و المنفرد لإطلاق الأدلة، نعم ينبغي اعتبار كونه مشروعا، لأنه المنساق من الأدلة، فلا يحكى غيره كالأذان لعصري عرفة و الجمعة مثلا بناء على حرمته، و احتمال أن التشريع فيه لا يخرجه عن اسم الذكرية و قد أمرنا أن نذكر مع كل ذاكر في غاية الضعف أما على تقدير الكراهة فالظاهر استحباب حكايته، لكن ظاهر الذكرى العدم أيضا بل قال: «الأقرب عدم استحباب حكاية كل أذان مكروه و أذان المرأة» و هو كما ترى، بل لا بأس بحكاية أذان المرأة للمرأة، و لمن لا يحرم عليه صوتها، فالتحقيق حينئذ بناء على استحباب الحكاية و عدمه على المشروعية و عدمها و لو على جهة الكراهة.

نعم قد سمعت سابقا احتمال استحباب الحكاية و غيرها في خصوص أذان الإعلام المستأجر عليه و إن قلنا بحرمته و حرمة الأجرة عليه، لا هي خاصة، بناء على أنه ليس عبادة يفسد بذلك، أما إذا قلنا بحرمة الأجرة خاصة فلا إشكال في تناول استحباب الحكاية له، كتناولها لأذان الجنب في المسجد و إن قارنه حرمة المكث، بل قيل: و للأذان المقدم على الفجر بناء على مشروعيته، قلت: ينبغي تقييده مع

127

ذلك للصلاة، و إلا أشكل استحباب حكايته بظهور النصوص في استحباب حكاية أذانها، و إلا جاز حكاية الأذان في أذان المولود مثلا و نحوه، لكن لعل التسامح في السنن يؤيد ذلك، و الأمر سهل، هذا.

و قد ذكر بعض مشايخنا أنه يستحب للحاكي أن يقول عند قول المؤذن: ما في الصحيح عن الحسن بن المغيرة النضري (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال محتسبا: و أنا أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) اكتفى بها عمن أبى و جحد، و أعين بها من أقر و شهد، كان له من الأجر عدد من أنكر و جحد، و عدد من أقر و شهد»

و فيه أنه لا ظهور في الخبر المزبور في استحباب خصوص ذلك للحاكي، فلا يبعد كونه مستحبا برأسه، بل ظاهر الخبر المزبور بعد إتمام الشهادة بالرسالة و الحكاية ينبغي أن تكون بعد كل فصل فصل، نعم يمكن أن يقال:

لو قال بعد كل فصل: «و أنا» إلى آخر ما سمعت لم يقدح في صدق الحكاية، إذ ليس المراد منها المماثلة بترك الزيادة و النقيصة، بل يمكن أن يقال بحصول ثواب القول المزبور أيضا، إذ الظاهر إرادة استحباب هذا القول عند الفصلين من غير اعتبار التأخر عنهما جميعا بحيث لو عقب كل فصل بينهما لم يكن مجزيا.

ثم لا يخفى أن الصحيح المزبور شاهد على صحة عطف كلام الإنسان نفسه على كلام الآخر، بل لعل ذلك جائز في المفردات فضلا عن الجمل، كما يشهد له

«لعن الله ناقة حملتني إليك فقال له: إن و صاحبها»

و الأمر سهل.

و أما ما ذكره المصنف تبعا للمحكي عن المبسوط و الوسيلة و غيرهما من استحباب

____________

(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3 لكن رواه عن الحارث بن المغيرة و هو الصحيح كما في الكافي و الفقيه و غيرهما.

128

كون الحكاية مع نفسه الظاهر في إرادة الاسرار بها فلم أقف على ما يشهد له، و لعله لذا قال الكركي فيما حكي عن فوائده على الكتاب: «المراد أن لا يرفع صوته كالمؤذن- قال-: و سمعت من بعض من عاصرناه من الطلبة استحباب الإسرار بالحكاية، و لا يظهر لي وجهه الآن» قلت: كما أنه لم يظهر لنا ما يدل على استحباب خصوص ما ذكره أيضا، اللهم إلا أن يكون هو المتعارف في الحكاية، و غيره محل شك، لكن لو فعل لم يفت استحباب الحكاية، و عن الميسي أن معنى العبارة عدم استحباب الجهر بالحكاية لكن لو جهر لم يخل بالسنة، و هو حسن، و كذا ما ذكره الفاضل الأصبهاني في شرح عبارة القواعد- من أنه «يستحب للحاكي قول ما يتركه المؤذن من الفصول سهوا أو عمدا للتقية إقامة لشعار الايمان»- لم أقف له على ما يشهد له أيضا، إذ ما في صحيح ابن سنان (1) المتقدم «إذا نقص المؤذن و أنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص من أذانه»

لا مدخلية له في الحكاية، و كأن الذي دعاه إلى ذلك ذكر الفاضل في القواعد ذلك في سياق الحكاية، كالمحكي عن غيره حتى المصنف في غير الكتاب، و الأولى ذكرها مسألة مستقلة كما فعله المصنف، و تسمع تمام الكلام فيها.

و كذا لا يختص بالحاكي ما ورد من الأدعية المأثورة عند سماع مطلق الأذان و خصوص أذان الصبح، و بين الأذان و الإقامة بالمأثور و غيره و نحو ذلك من الأذكار المذكورة في مظانها، بل في منظومة الطباطبائي.

و صدق الداعي إذا تشهدا * * *و الق برحب من إلى العدل اهتدى

قل مرحبا بالقائلين عدلا * * *و بالصلاة مرحبا و أهلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

129

و كأنه أشار بذلك إلى ما في خبر أبي بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: «كان ابن النباح يقول في أذانه: حي على خير العمل حي على خير العمل، فإذا رآه علي (عليه السلام) قال: مرحبا بالقائلين عدلا و بالصلاة مرحبا و أهلا»

و الله أعلم.

[المسألة الرابعة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كره الكلام]

المسألة الرابعة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كره الكلام كراهة مغلظة استأهلت إطلاق اسم الحرمة عليها، بل بها أفتى بعض الأساطين إلا ما يتعلق بتدبير المصلين من تسوية الصفوف أو تقديم إمام أو نحو ذلك كما تقدم الكلام فيه مفصلا.

[المسألة الخامسة يكره للمؤذن أن يلتفت يمينا و شمالا]

المسألة الخامسة يكره للمؤذن أن يلتفت يمينا و شمالا في شيء من فصول الأذان، خلافا للشافعي فيستحب أن يلتفت يمينا إذا قال: حي على الصلاة، و يسارا إذا قال: حي على الفلاح، و لأبي حنيفة فيدور بالأذان في المأذنة، و يلوي عنقه إذا كان في الأرض، و في الخلاف ليس بمسنون أن يدور في الأذان و في المأذنة و لا في موضعه، و في التذكرة «يكره الالتفات يمينا و شمالا بالأذان في المأذنة و على الأرض في شيء من فصوله عند علمائنا» و لعل ذلك و نحوه كاف في الكراهة، و إلا فليس في شيء من النصوص ما يستفاد منه ذلك، نعم ذكرنا سابقا أنه قد يستفاد منها كراهة ترك الاستقبال في خصوص الشهادتين منه، كما أنه تقدم لك سابقا استحباب الاستقبال فيه، و اليه أشار المصنف بقوله و لكن يلزم سمت القبلة في أذانه و ليس ترك المستحب مكروها عندنا، فما في كشف اللثام- من أنه يكره الالتفات في الأذان بالبدن أو بالوجه خاصة، و الأول آكد لاستحباب الاستقبال، و في الإقامة آكد- لا يخلو من نظر، و الأمر سهل، خصوصا بعد التسامح، و لعل عدم ذكر الأكثر للإقامة لأن الغرض الرد على أبي حنيفة و الشافعي، و قد سمعت كلامهما في الأذان، أو لأن الحكم

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12 و لكن نقله عن الفقيه مرسلا.

130

بالأذان يفهم منه الحكم في الإقامة بالأولوية، أو لأن الأذان هو مظنة الالتفات لإرادة الإعلام به لسائر الناس بخلاف الإقامة، و الله أعلم.

[المسألة السادسة إذا تشاح الناس في الأذان]

المسألة السادسة إذا تشاح الناس في الأذان قدم الأعلم، و مع التساوي يقرع بينهم كما في القواعد و الإرشاد، و مقتضى ذلك عدم اعتبار غير العلم من الصفات المرجحة في الأذان و غيرها، بل مقتضى ما عن المبسوط و جامع الشرائع عدم اعتبار العلم أيضا، لاطلاقهما القرعة مع التشاح، و فيه أنه مناف لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح، و للمروي (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله) من أمره لعبد الله بن يزيد بإلقاء الأذان على بلال لأنه أعلى منك صوتا، و لنحو

قوله (صلى الله عليه و آله) (2) «يؤذن لكم خياركم»

و نحوه، بل و مناف لجميع ما دل من عقل أو نقل على مراعاة مصلحة المسلمين في التصرف في بيت مالهم، إذ التشاح كما هو ظاهر الذكرى و كشف اللثام و المدارك بل هو صريح المسالك انما يتصور في الارتزاق من بيت المال، لعدم اعتبار الوحدة فيه إعلاميا كان أو غير، على الأظهر كما ستعرف حتى يتصور في غير الفرض، و لو سلم تصوره فلا ريب في أن ذلك أحد أفراده، و المتجه فيه حينئذ مراعاة ما فيه مصلحة المسلمين، بل يمكن القول بلزوم مراعاة كمال المصلحة مع فرض حصولها من غير تطلب، و هي لا تنضبط بضابط، لاختلافها أشد اختلاف، ضرورة عدم انحصارها في الصفات المرجحة في الأذان، بل ينبغي مراعاة قلة الارتزاق و كثرته، بل قد تحصل مصلحة في خصوص إقامة بعض الأفراد لهذا الشعار ترجح على سائر غيرها من الصفات، و لعله إلى ذلك أو بعضه أومأ في الدروس بقوله: «و مع التشاح يقدم من فيه صفة كمال، فالقرعة، إذ احتمال إرادته بصفة الكمال خصوص ما ذكروه

____________

(1) تيسير الوصول ج 1 ص 210 و سنن أبى داود ج 1 ص 195- الرقم 499.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

131

مما يستحب في المؤذن بعيد، و في المحكي عن مجمع البرهان «لا فرق في الصفات المرجحة بين العقلية و النقلية» فتأمل جيدا.

و مع فرض عدم حصول المرجح لتعارض المرجحات أو تساويها يقرع بينهم، إذ التخيير و إن كان ممكنا لكن لا ريب في أولوية القرعة منه، سيما في الأول باعتبار كونه من تزاحم الحقوق، و لأنه أطيب لنفوس المتشاحين، و أعذر عندهم، و لما عساه يومي اليه

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «ثلاثة لو علمت أمتي ما فيها لضربت عليها بالسهام: الأذان و الغدو إلى الجمعة و الصف الأول» و قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «لو يعلم الناس ما في الأذان و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يسهموا عليه لفعلوا»

من مشروعية القرعة فيه، مضافا إلى ما ورد (3) من كونها لكل أمر مشكل، و قد أشكل الحال بطلب كل ذلك.

و مما ذكرنا يظهر لك ما في كلام جماعة من أصحابنا حيث اقتصروا على الصفات المرجحة في الأذان، اللهم إلا أن يكون ذلك لندرة الترجيح بغيرها، أو أن مرادهم بالمرجحة أعم من العقلية و النقلية أو غير ذلك مما لا ينافي ما ذكرنا، بل من المحتمل إرادتهم ذكر المرجحات في الجملة، و لذا أناطوا القرعة بالتساوي و إن كان الظاهر إرادتهم التساوي في المرجحات المزبورة، لكن قد يبعده أنه كما يرجع إليها في ذلك يرجع إليها عند تعارض المرجحات، و إلا كان محلا للنظر لما عرفت، ففي المحكي عن المنتهى و التحرير و الموجز «قدم من اجتمع فيه الصفات المرجحة، و مع التساوي القرعة» لكن عن الموجز منها أنه «يقدم جامع الصفات، فالراتب» و في التذكرة و المحكي عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس «قدم من كان أعلى صوتا، و أبلغ في معرفة الوقت،

____________

(1) المستدرك- الباب- 8- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 8- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 8.

(3) الاستبصار ج 3 ص 83 من طبعة النجف.

132

و أشد محافظة عليه، و من يرتضيه الجيران، و أعف عن النظر، فان تساووا فالقرعة» و في الذكرى بل و المسالك «قدم العدل على غيره، و مع التساوي الأعلم لأمن الغلط معه، و لتقليد أرباب الأعذار له، ثم المبصر، ثم الأشد محافظة على الأذان في الوقت، ثم الأندى صوتا، ثم من ترتضيه الجماعة و الجيران، و مع التساوي فالقرعة» و في البيان «قدم الأعلم و من اجتمعت فيه أكثر الصفات، و مع التساوي فالقرعة» و في المحكي عن حاشية الميسي «يقدم الأعلم مع مساواته لغيره عدالة و فسقا، فلو كان غيره هو العدل قدم مطلقا» و في جامع المقاصد و المدارك «يقدم من فيه الصفات المرجحة في الأذان على غيره، فان اشتركوا قدم جامع الكل على فاقد البعض، و جامع الأكثر على جامع الأقل» بل في الأول منهما كالمحكي عن الروض «ينبغي تقديم العدل على الفاسق مطلقا و مع التساوي يقدم الأعلم بأحكام الأذان أو الأوقات» كما في الذكرى «و المبصر على الأعمى، فإن استووا فالأشد محافظة على الأذان في الوقت على من ليس كذلك، لحصول غرض الأذان به، ثم الأندى صوتا، ثم الأعف عن النظر، ثم من يرتضيه الجيران، ثم القرعة» ثم قال: «لم يتعرض الأصحاب لترجيح المعرب على اللاحن، و لا الراتب في المسجد على غيره، مع أنهم قالوا: لا ينبغي أن يسبق الراتب غيره بالأذان، و أن ذلك يقتضي الترجيح مع التشاح بطريق أولى» إلى غير ذلك من عبارات الأصحاب، و قد عرفت التحقيق، بل منه يعرف ما قيل هنا: إن المراد بالأعلم في المتن و غيره الأعلم بأحكام الأذان لا خصوص الأوقات المندرجة تحت الأول، و إن كان هو ظاهر الذكرى و كشف اللثام، لعدم مدخلية العلم بغيرها في الترجيح، ضرورة أنه على ما عرفت يمكن الترجيح بالعلم في غير ذلك من أحكام الفقه فضلا عن الأذان كما هو واضح، نعم لا ترجيح عندنا بكون المؤذن من نسل مؤذني رسول الله (صلى الله عليه و آله) كأبي محذورة و سعد القرظ و غيرهما، لعدم ما يشهد له من عقل

133

أو نقل معتبر، و الله أعلم.

[المسألة السابعة إذا كان جماعة جاز أن يؤذنوا جميعا]

المسألة السابعة إذا كان جماعة جاز أن يؤذنوا جميعا، و الأفضل إذا كان الوقت واسعا أن يؤذن واحد بعد واحد كما في القواعد و غيرها، لكن عباراتهم في المقام لا تخلو من إجمال، و تفصيل البحث أنه لا بأس بتعدد المؤذنين للإعلام بالوقت مجتمعين في محل واحد أو محال متعددة أو مترتبين مع بقاء الوقت الذي هو سبب لمشروعية الأذان، لإطلاق الأدلة و السيرة المستقيمة، و لما فيه من زيادة إقامة الشعار و تكرير ذكر الله و تنبيه الغافلين، و إيقاظ النائمين و نحو ذلك من فوائده المذكورة له في النصوص، و احتمال عدم المشروعية في خصوص المترتب منه إذا فرض عدم فائدة له زائدة على الأول لحصول الامتثال يدفعه أن ظاهر الأدلة كونه مستحبا عينيا كما هو الأصل لا كفائيا، نعم قد يشكل تكراره من الشخص الواحد في المكان الواحد.

و أما أذان الصلاة فلا ريب في عدم جواز تكراره للمنفرد إذا لم يحصل مقتض له من فصل معتد به بينه و بين الصلاة و نحوه، لعدم معقولية الامتثال عقيب الامتثال.

و أما الجماعة فلا يخفى عليك أن مقتضى إطلاق الأدلة خصوصا مثل

قوله (عليه السلام) (1): «لا صلاة إلا بأذان و إقامة»

و نحوه استحباب الأذان لكل واحد منهم من غير فرق بين الامام و المأموم، و لا معارض له مما يقتضي وحدة الأذان للجماعة من حيث أنها جماعة و إن كان هو ممكنا باعتبار تنزيل الشارع صلاة الجميع بمنزلة صلاة واحدة لتساوي زمان ركوعهم و سجودهم و باقي أفعالهم، فيجزي الجميع حينئذ أذان واحد، بل ربما كان في بعض النصوص (2) إيماء إليه، خصوصا موثق عمار (3)

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 65- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

134

في المؤذن بنيته الانفراد ثم قيل له في الجماعة، لكنه كما ترى لا يصلح أن يكون مثله مدركا لمثله، لعدم ثبوت التنزيل المذكور بالنسبة إلى ذلك، فالإطلاق حينئذ بحاله، و جريان السيرة بأذان واحد للجماعة لا يقضي بمشروعية الأذان لها على الوجه المزبور، إذ لعله لاجتزاء خصوص المؤذن عن نفسه بأذانه، و غيره بسماعه الذي ستعرف إجزاءه و من لم يسمع بدخوله في الجماعة مثلا، لما عرفت سابقا أنه من أدرك جماعة قبل أن تتفرق دخل بأذانهم من غير فرق بين إدراكها بعد الفراغ و قبله، بل السابق أولى من اللاحق بذلك قطعا، و حينئذ فلو فرض أذان الجماعة لم يسمعوه لم يكن مجزيا، بل إذا لم يكن قد سمعه الإمام خاصة لم يجتز هو به، لعدم الدليل الصالح لمعارضة ما عرفت، بل يجوز لمن لم يسمع من الجماعة المجتمعة للصلاة و لم يكن الامام حاضرا الأذان لصلاته، بل و من سمع منهم قبل مجيء الامام، لإطلاق الأدلة السالم عن المعارض، فحينئذ لا بأس بما ذكره المصنف و غيره من جواز تعدد المؤذنين دفعة و مترتبين، و لا داعي إلى حمله على خصوص الاعلام، و ما يحكى عن الشيخ أبي علي نجل الشيخ الطوسي في شرح نهاية والده- من الإجماع على أن الزائد على اثنين بدعة- يقوى في الظن إرادته ما ذكره والده في الخلاف من إجماع الفرقة على ما رووه (1) من أن الأذان الثالث بدعة، قال:

فدل ذلك على جواز اثنين، و المنع عما زاد، و فيه أن مثل ما نحن فيه لا يعد ثالثا كما اعترف به في جامع المقاصد، ضرورة كون تكراره باعتبار تعدد المكلفين، فكل منهم يؤذن لصلاته لا أنه أذان متعدد لصلاة واحدة، فإن الثاني حينئذ بدعة فضلا عن الثالث، على أن الخبر المزبور مشار به إلى بدعة مخصوصة من تعدد الأذان لصلاة الجمعة، و قد تقدم تمام البحث فيه عند الكلام في الجمع بين الفرضين، و يأتي إن شاء الله زيادة عليه في الجمعة، و على كل حال فهو غير ما نحن فيه، و لو سلم أن المراد بإجماع أبي على

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1.

135

ما نحن فيه ففيه أن التتبع يشهد بخلافه، إذ لم نجد له موافقا عليه سوى ما سمعته من الخلاف، مع أنه في المحكي عن المبسوط قال: «إنه لا بأس أن يؤذن جماعة كل واحد منهم في زاوية المسجد، لأنه لا مانع منه» لكن قال أيضا: «يجوز أن يكون المؤذنون اثنين اثنين إذا أذنوا في موضع واحد، فإنه أذان واحد» و ربما قيل: إن مجموعهما يعطي اشتراط تعدد المحل في الزائد على اثنين بخلافهما، إلا أنه على كل حال خلاف ما سمعته منه في الخلاف و من المحكي عن ولده الذين لم نعرف مخالفا سواهما، فدعوى الإجماع حينئذ في غاية الغرابة.

فلا ريب حينئذ في الجواز، لكن في المدارك «ان المعتمد كراهة الاجتماع في الأذان مطلقا، لعدم الورود من الشرع، و كذا إذا أذن الواحد بعد الواحد في المحل الواحد، أما مع اختلاف المحل و سعة الوقت بمعنى عدم اجتماع الأمر المطلوب في الجماعة من الامام و من يعتاد حضوره من المأمومين فلا مانع منه، بل الظاهر استحبابه لعموم الأدلة» و لا يخفى عليك ما فيه، فان عدم الورود لا يصلح دليلا للكراهة، كما أنه لم نعثر على ما يدل على ما ذكر المصنف و الفاضل و غيرهما من أفضلية الترتيب مع سعة الوقت، نعم علل بأنه تكرير للإعلام أو إعلام لمن لم يسمع السابق و بنحو ذلك مما هو كما ترى، بل عن المبسوط «فأما أذان واحد بعد الآخر فليس بمسنون» و احتمال إرادته من ذلك التراسل فيكون غير ما نحن فيه في غاية البعد، سيما مع قوله في الخلاف:

«إن الاجتماع أفضل» بل قيل: إنه حكى الإجماع عليه فيه و إن كنت لم أتحققه فيما حضرني من نسخته، و في كشف اللثام «و لعله لكون الوحدة أظهر، و ليجتمع شهادة عدلين بالوقت، و لأن الترتيب ربما يشوش على السامعين».

و على كل حال فالمراد باتساع الوقت كما في جامع المقاصد و غيره عدم اجتماع تمام المطلوب في الجماعة كانتظار الامام و المأمومين الذين يعتاد حضورهم لا المعنى المتعارف،

136

فإن تأخير الصلاة عن أول وقتها لأمر غير موظف مستبعد، قيل: و نحو ذلك تحصيل ساتر أو طهارة حدثية أو خبثية و ما أشبهها، قلت: لكن ينبغي تقييد ذلك كله كما في المسالك بما إذا لم يفت وقت الفضيلة، ضرورة أهمية وقوع الصلاة فيه من غيره، و الله أعلم.

[المسألة الثامنة إذا سمع الإمام أذان مؤذن جاز أن يجتزي به في الجماعة]

المسألة الثامنة إذا سمع الإمام أذان مؤذن جاز أن يجتزي به في الجماعة و إن كان ذلك المؤذن منفردا بصلاته لا أذانه بلا خلاف أجده، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، قلت: هو لا إشكال فيه إذا كان المؤذن لجماعة ذلك الإمام، للسيرة المعلوم كونها يدا عن يد إلى التابعين و الصحابة و الأئمة و النبي (عليهم الصلاة و السلام) مضافا إلى صحيح ابن سنان الآتي (1) الدال على الاجتزاء بأذان من نقص مع الإتمام، و إلى موثق عمار (2) المتقدم سابقا في الذي أذن بنية الانفراد ثم أراد الجماعة الظاهر في الاجتزاء بإعادة الأذان مرة واحدة، فيكتفي الثاني بسماعه، و إلى

خبر أبي مريم الأنصاري (3) قال: «صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا إقامة، فلما انصرف قلت له: عافاك الله صليت بنا في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا إقامة فقال: إن قميصي كثيف، فهو يجزي أن لا يكون على رداء، و إني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم فلم أتكلم فأجزأني ذلك»

و إلى

خبر عمرو بن خالد (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كنا معه فسمع إقامة جار له بالصلاة فقال: قوموا فقمنا فصلينا معه بغير أذان و لا إقامة، و قال: يجزيكم أذان جاركم».

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) التهذيب ج 2 ص 280 الرقم 1113 من طبعة النجف.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

137

إلا أن الجميع كما ترى لا دلالة فيه على الاجتزاء بسماع أذان الإعلام، مع أن ظاهرهم بل هو صريح جماعة منهم عدم الفرق بينه و بين غيره، بل لم أعثر على من توقف فيه، و لعله لإطلاق

قوله (عليه السلام) «يجزيكم أذان جاركم»

إذ كون مورد الإقامة التي هي مختصة بالصلاة لا يقتضي اختصاص المراد بها، لا أقل من جبر ذلك بما عرفت من ظهور اتفاقهم عليه، بل يكفي هو مع فرض تمامه في تنقيح المناط بينه و بين غيره، و من الغريب عدم توقفهم في ذلك و توقف جماعة منهم الشهيد في الاجتزاء بسماع أذان المنفرد، بل جزم ثاني الشهيدين و الميسي فيما حكى عنه باختصاص الحكم بمؤذن المسجد و المصر دون المنفرد بصلاته، بل في المسالك «المراد بالمنفرد في المتن المنفرد بصلاته لا بأذانه- قال-: بمعنى أنه مؤذن للجماعة أو للبلد، فلو أذن لنفسه لا غير لم يعتد به» مع أن الخبرين الأخيرين إن لم يكن ظاهرهما المنفرد فلا ريب في شمول الثاني له، بل و الأول على معنى أنه (عليه السلام) ما ذكر ذلك إلا لإرادة بيان إجزاء مثله، و لو كان أذان جعفر (عليه السلام) لجماعة لذكره، على أن ظاهر كونه هو المؤذن و المقيم انفراده، لاستحباب تغايرهما في الجماعة، بل الغالب فيها كون المؤذن و المقيم غير الامام، خصوصا إذا كان مثل جعفر (عليه السلام) و معارضة ذلك كله بأنه لو أجزأ سماعه لاجتزى بأذان المنفرد الذي هو أولى من السماع إذا أراد الجماعة يدفعها ما عرفته سابقا من أنه على تقدير تسليم الأولوية أو المساواة يمكن الفرق بين سماع الإمام الذي هو قاصد الجماعة و غيره، فإن الذي يساويه حينئذ أذان الامام بقصد الجماعة، و إن لم يسمعه المأمومون، و ليس في الخبر دلالة على كون ذلك المؤذن إماما، مع أنه لم يكن أذانه بقصد الجماعة.

فالوجه حينئذ الاجتزاء بسماع أذان المنفرد أيضا كما أطلقه الأصحاب، لكن مع سماع الإمام إياه سواء سمعه المأمومون أو لا، و لا يجزي سماعهم دونه في الصلاة، لعدم الدليل، و التنقيح يمنعه إمكان الفرق بينه و بينهم بأن صلاتهم تابعة لصلاته،

138

فالمعتبرة هي حينئذ، و منه ينقدح الاجتزاء بأذانه بقصد الجماعة و إن لم يسمعه المأمومون بخلاف أذانهم الذي لم يسمعه هو، و دعوى أنه لا ظهور في الخبرين المزبورين (1) باجتزائهم بسماعه خاصة- سيما أولهما (2) و الظاهر في أن الجميع سمعوا إقامة الجار، و أقصى الثاني إجزاؤه له لا لهم- يدفعها ترتب الاجزاء لهم في الخبر الأول على سماعه (عليه السلام)، و كون المراد من الثاني بيان الاجزاء له المستلزم للاجزاء عنهم باعتبار تبعية صلاتهم صلاته، فالمدار بالنسبة إلى ذلك و نحوه عليها، و لذا لم يعرف خلاف بين الأصحاب في الاجتزاء بسماعه خاصة، و بالأولى يستفاد منه حكم أذانه، و المناقشة في الأولوية المزبورة باعتبار تعدد الحكم السماوية يدفعها عدم اعتبار مثل هذه الاحتمالات في قطع الفقيه الممارس لأقوالهم (عليهم السلام)، و منه القطع هنا بمساواة المنفرد للإمام في الاجتزاء بالسماع و لو للمنفرد أو أولويته بذلك، و إن كان المفروض في عبارة الأكثر الإمام، إلا أن الظاهر كون ذلك منهم تبعا للنص لا لإرادة عدم اجتزاء غيره، و لقد أجاد أول الشهيدين و ثاني المحققين بدعوى أن ذلك من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى على أنه قد يحتج له أيضا بإطلاق صحيح ابن سنان (3) و بظهور

قوله (عليه السلام) (4): «يجزيكم أذان جاركم»

بناء على إرادته ذلك من حيث سماعهم، إذ لا فرق حينئذ بين المأموم و المنفرد، بل يمكن دعوى ظهور خبر أبي مريم فيه أيضا بأن يقال لا خصوصية للإمامية في اجتزائه بالسماع قطعا، ضرورة أنها إن كان لها خصوصية فهي بالنسبة إلى الجماعة لا صلاة الإمام نفسه، بل لا ريب في ظهوره باجزاء ذلك السماع و إن عدل عن

____________

(1) المتقدمين في الصحيفة 136 في التعليقة 3 و 4.

(2) الصحيح تبديل «أولهما» بلفظ «ثانيهما» و تبديل «الثاني» بلفظ «الأول» و كذلك الأول و الثاني الواقعان في الدفع.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

139

الإمامة كما هو واضح بأدنى تأمل.

و لا يشترط في إجزاء السماع حكاية السامع قطعا، لإطلاق النص و الفتوى، فما يحكى عن الشهيد في النفلية من اشتراطه- و كأنه لاستبعاد إجزاء السماع نفسه- في غير محله، إذ هو شبه الاجتهاد في مقابلة النص، نعم يعتبر فيه إتمام ما ينقصه المؤذن لصحيح عبد الله بن سنان السابق، فيتلفق حينئذ الأذان من السماع و القول، بل يحتمل التعدي منه إلى غيره مما أخفت فيه المؤذن، بل و إلى فعل ذلك اختيارا بدعوى كون ما فيه من النقصان من باب المثال، و إلا فالمراد مشروعية التلفيق، فتأمل جيدا.

و على كل حال ففيه إيماء إلى أن المجزي سماع الأذان كله كما هو ظاهر الأصحاب و مقتضى أصالة عدم السقوط لا بعض الفصول منه، إذ ليس السماع أعظم من القول قطعا، فما يحكى عن ظاهر النفلية من إجزاء سماع البعض لا يخلو من نظر و إن كان ربما يشهد له خبر أبي مريم باعتبار غلبة سماع البعض في حال المرور، و يكون المراد حينئذ و هو آخذ في الأذان و الإقامة، بل يمكن تنزيل عبارات الأصحاب على ذلك بدعوى صدق سماع الأذان بسماع بعضه، بل قد يدعى أن الغالب في السامعين ذلك حتى أئمة الجماعة خصوصا المشتغلين منهم في حال الأذان بالنافلة و نحوها، لكن الجميع كما ترى لا يصلح الخروج به عن أصالة عدم السقوط، و ما دل على الأمر به المؤيد ذلك كله بمعلومية ضعف السماع عن القول في الاجزاء المزبور، و هو لا يجدي فضلا عنه.

ثم إن الظاهر إجزاء سماع الإقامة عنها أيضا و ان اقتصر الأكثر على الأذان، إلا أنه يمكن إرادتهم منه ما يشملها، و إلا كان محلا للنظر، لظهور الخبرين المزبورين في ذلك، فالأقوى حينئذ إجزاء سماعها أيضا وفاقا لأول الشهيدين و غيره، لكن ينبغي أن يعلم أن سماع كل منهما يجزي عنه نفسه لا غيره، فلا يجزي سماع الأذان عن الإقامة و لا العكس، لما عرفت من ضعف السماع عن القول، و هو لا يجدي فضلا عنه،

140

و خبر عمرو بن خالد لا دلالة فيه على الاجتزاء عن غير الإقامة، إذ تركه الأذان يمكن أن يكون لأنه جامع بين الفرضين أو في يوم الجمعة أو للاقتصار عليها أو لغير ذلك.

كما أنه ينبغي أن يعلم عدم اشتراط عدم حصول الكلام بعدها في إجزاء السماع و إن كان قد يظهر من خبر أبي مريم، إلا أن قوله (عليه السلام): «قوموا» بعد السماع في خبر عمرو بن خالد و ما سمعته سابقا من عدم بطلان الإقامة القولية بالكلام بعدها- و الظاهر بدلية السماع عنه، فحكمه حكم مبدله، مضافا إلى استصحاب السقوط- يشهد بخلافه.

نعم يستحب الإعادة حينئذ كما في القولية التي هي أقوى من السماعية، و عليه يحمل حينئذ الظهور المزبور في خبر أبي مريم، بل لا يبعد استحباب إعادتها و الأذان مطلقا، لظهور قوله (عليه السلام): «و أنت تريد» في صحيح ابن سنان، و لفظ الاجزاء في الخبرين المزبورين في مشروعية غيره، بل ظاهر لفظ الاجزاء رجحانه عليه و احتمال إرادة الاكتفاء منه لا أقل المجزي- فيحرم حينئذ الإعادة- ممكن، بل يؤيده ما تقدم لنا سابقا في المباحث السابقة، خصوصا فيمن أدرك الجماعة قبل أن تتفرق، إلا أنه لم أجد أحدا قال به هنا، بل ظاهر تعبير الأصحاب هنا بالجواز و الاجتزاء و نحوهما الأول، نعم عن النفلية خاصة التعبير بالسقوط، و عن شرحها لثاني الشهيدين المراد سقوط الشرعية رأسا، و لكن لم يرتضه، و في الذكرى جعل الاستحباب احتمالا قال: «و هل يستحب تكرار الأذان و الإقامة للإمام السامع أو لمؤذنه أو للمنفرد؟

يحتمل ذلك و خصوصا مع اتساع الوقت».

لكن على كل حال ينبغي استثناء سماع الامام و المأمومين مؤذن جماعتهم من الاستحباب المزبور، لإطباق السلف على خلافه على وجه يعلم منه عدم الاستحباب كما قطع به في الذكرى و كشف اللثام و غيرهما، و لا ينافي ذلك ما تقدم في تعدد المؤذنين

141

بناء على عدم اختصاص ذلك في أذان الإعلام، لعدم انحصار فرضها في ذلك قطعا، إذ من صورها تعددهم و لم يسمع كل منهم الآخر كما لو جاءوا مترتبين، و من صورها حال عدم وجود الامام، فما عن الروض- من الميل إلى استحبابه، و المفاتيح من التأمل فيه حيث نسبه إلى القيل، بل قيل: إنه يمكن أن يقال: إنه لا يقصر عن تعدد المؤذنين مجتمعين أو مترتبين و قد أجمعوا على جوازه، و اقتصار السلف على الأذان الواحد لتأدي السنة به، إذ الركن الأعظم فيه الاعلام و قد حصل، فاشتغلوا بما هو أهم منه و إن بقي الاستحباب- لا يخفى ما فيه.

و كذا ينبغي استثناء الداخل على الجماعة الحاضر إمامها بعد سماع أذانها و إن لم يرد الصلاة معهم، بناء على عدم استحباب الأذان لمن أدرك الجماعة قبل أن تتفرق، ضرورة كون الفرض أولى منه بذلك، لزيادته عليه بالسماع كما هو واضح، و الله أعلم.

[المسألة التاسعة من أحدث في أثناء الأذان أو الإقامة تطهر]

المسألة التاسعة من أحدث في أثناء الأذان أو الإقامة تطهر وجوبا أو ندبا و بنى إذا لم تفت الموالاة، لعدم ثبوت الفساد بتخلل الحدث في الأثناء حتى على القول باشتراط الطهارة فيهما، إذ لا يراد منه إلا إيقاع فصولهما مقارنا للطهارة لا إرادة اعتبار حصولها في الفواصل بين الفصول، و دعوى كونها عبادة مركبة ذات أجزاء لا تقتضي ذلك قطعا كما أوضحناه سابقا و أما أن الأفضل له أن يعيد الإقامة فقد ذكره المصنف و غيره، و علل بتأكد استحباب الطهارة فيها، و هو كما ترى، و في المدارك «أنه يمكن الاستدلال ب خبر هارون المكفوف (1) و غيره مما تضمن كونها من الصلاة، و من أحكام الصلاة الإعادة بالحدث فيها، فالإقامة كذلك» قلت: و أولى منه الاستدلال ب

قول الكاظم (عليه السلام) في خبر قرب الاسناد للحميري (2) لما سأله

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

142

أخوه عن المؤذن يحدث في أذانه و في إقامته: «إن كان الحدث في الأذان فلا بأس، و إن كان في الإقامة فليتوضأ و ليقم إقامته»

فان الظاهر إرادة استيناف الإقامة، و إلا لأمره بالإتمام لا بالإقامة كما في ما حضرني من نسخة قرب الاسناد و غيره ممن حكاه عنه و الله أعلم.

[المسألة العاشرة من أحدث في أثناء الصلاة]

المسألة العاشرة من أحدث في أثناء الصلاة تطهر و أعادها كما تسمع البحث فيه في محله و لا يستحب له أن يعيد الإقامة إلا أن يتكلم أو يحصل فصل معتد به أو نحو ذلك فيعيدها حينئذ، بل يعيد الأذان أيضا مع الفصل و نحوه لحصول المقتضي، ففي

صحيح ابن مسلم (1) «لا تتكلم إذا أقمت الصلاة، فإنك إذا تكلمت أعدت الإقامة»

أما بدونه فلا، للأصل و حصول الامتثال، لكن في المدارك «انه مناف لما ذكره في المسألة السابقة، إلا أن يفرق بين الحدث في أثناء الإقامة و أثناء الصلاة، و هو بعيد، بل عن ظاهر ثانيي المحققين و الشهيدين الحكم بعدم الفرق» و فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت من الدليل على الحدث في الأثناء الذي يمكن تأييده بالفرق بين حالي الفراغ من العمل و التشاغل فيه كالصلاة التي قد أعطيت الإقامة حكمها، فهي حينئذ مركبة مستقلة يراعى فيها الأمران، و إعادتها بالكلام للدليل، و لذا قال في كشف اللثام:

إن الفرق بينهما ظاهر، نعم قد يشكل الحكم المزبور ب

خبر عمار (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان و الإقامة؟

قال: نعم» و الصحيح (3) إلى موسى بن عيسى عم أحمد بن عيسى الذي أشهده الرضا (عليه السلام) على طلاق و أمره أن يحج عنه، قال: «كتبت اليه رجل تجب

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

143

عليه إعادة الصلاة أ يعيدها بأذان و إقامة؟ فكتب يعيدها بإقامة»

لكن عدم تعرض الأصحاب لهما مع اشتمال أولهما على إعادة الأذان يهون الاشكال المزبور، بل يوجب حملهما على صورة القضاء، أو على تبين فساد الصلاة بعد الفراغ منها كما هو ظاهر لفظ الإعادة، و حينئذ يحصل الفصل المعتد به، إذ احتمال عدم القدح بفصل الصلاة و إن تبين بعد ذلك بطلانها في غاية الضعف، ضرورة كون ما وقع من الأذان و الإقامة مقدمة للصلاة المستأنفة لا الباطلة كما هو واضح، فتأمل.

[المسألة الحادية عشر من صلى خلف إمام لا يقتدى به]

المسألة الحادية عشر من صلى خلف إمام لا يقتدى به و كان مؤذن جماعته مخالفا أو مؤمنا و لم يسمع أذانه أذن لنفسه و أقام لعدم حصول المسقط لهما بناء على اشتراط الايمان في الأذان، فإطلاق الأدلة حينئذ بحاله، و سقوطهما بإدراك الجماعة انما هو في الجماعة الصحيحة، مضافا إلى الأمر في المرسل (1) و خبر محمد بن عذافر (2) بالأذان خلف من قرأت خلفه، و إلى ما تقدم سابقا مما يدل على اشتراط إيمان المؤذن و إن كان مما ذكرنا يظهر أن المسألة لا ينحصر فرضها في البناء على اشتراط الايمان في الأذان، بل و إن لم نقل به فان عليه الأذان و الإقامة إذا جاء إلى الجماعة المزبورة و لم يكن قد سمع أذانها، لعدم تحمل الإمام حينئذ الأذان عنه باعتبار عدم جامعيته لشرائط الإمامة، فلا يكفي حينئذ سماعه، بل منه ينقدح احتمال عدم الاجتزاء بإدراك جماعة لم يثق بامامها و إن كان غير مخالف، و لعل عبارة المصنف و غيرها تشمله و إن كان الظاهر منها بقرينة ما بعده إرادة المخالف.

و على كل حال فإن خشي بفعل الأذان و الإقامة فوات الصلاة التي لو لم يظهر الائتمام بها خالف التقية اقتصر على تكبيرتين و على قول: قد قامت الصلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

144

مرتين مقدما لهما على التكبيرتين مضيفا إليهما التهليلة، ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر معاذ بن كثير (1) الذي هو المستند في المقام على الظاهر «إذا دخل الرجل المسجد و هو لا يأتم بصاحبه و قد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذن و أقام أن يركع الامام فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، و ليدخل في الصلاة»

بل ظاهره ذلك إذا خاف فوت الركعة فضلا عن الصلاة، و لعله المراد من خوف فوات الصلاة في المتن و غيره و الفوات في الإرشاد، كما أن المراد على الظاهر من الفوات رفع رأس الإمام من الركوع المفوت لصورة الاقتداء بالركعة، و ما في المدارك- من المناقشة بضعف السند التي يدفعها الانجبار، و بأن مقتضاه تقديم الذكر المستحب على القراءة الواجبة التي كالاجتهاد في مقابلة النص- في غير محله، على أن القراءة انما تجب عليه بعد الدخول لا قبله، فله حينئذ إظهار صورة الائتمام معه في الحال التي لا يسعه القراءة فيها، فتسقط حينئذ عنه كالائتمام الصحيح الذي نزل هذا الائتمام للتقية منزلته، و في خبر أحمد بن عائذ (2) قلت لأبي الحسن (عليه السلام): «إني أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني إلى ما أن أؤذن و أقيم فلا أقرأ شيئا حتى إذا ركعوا فأركع معهم أ فيجزي مني ذلك؟ فقال: نعم»

فلا حاجة حينئذ الى ما عن الشهيد الثاني و غيره من أن المراد بفوات الصلاة فوات ما يعتبر في الركعة من القراءة و غيرها.

نعم قد يشكل ما في المتن و غيره الذي هو عين ما عن المبسوط بأنه غير موافق للخبر المزبور الذي هو مستند المقام على الظاهر لا في الفصول و لا في الترتيب، و يمكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) التهذيب ج 3 ص 37 الرقم 131 من طبعة النجف.

145

الاعتذار عن الثاني بعدم إرادة الترتيب من الواو في العبارات لا الخبر الذي ظاهره إرادة الاجتزاء بهذا المقدار من الإقامة المعلوم اعتبار الترتيب فيها من الأدلة السابقة، و عن الأول بإرادة التهليل أيضا من التكبيرتين تغليبا، أو للتنبيه بذلك على إرادة إلى آخر الإقامة، لكن الإنصاف أن العبارة المزبورة بعيدة عن ذلك، بل مقطوع بعدم إرادة ذلك منها، و لعل لهم دليلا آخر لم نقف عليه، و ربما قيل: إنهم نبهوا بذلك على أهمية التكبير من غيره، و أنه مع الضيق يقتصر عليه، و فيه أولا منع ثبوت أهميته هنا، و استنباطها من زيادة تكراره في الأذان و الإقامة كما ترى، و ثانيا أنها لا تقتضي تقديمه على «قد قامت الصلاة» مع الجمع بينهما. و ثالثا أن ثبوت مثل هذه الأحكام بمثل هذه التهجسات بل الخرافات لا يجترئ عليه ذو دين، ضرورة كون مقتضى الخبر المزبور استحباب هذه الصورة من الإقامة و السقوط مع التعذر لا الاقتصار على ما يتمكن منها، و من هنا ذكر المصنف و الشهيد و غيرهما أنه ينبغي المحافظة على صورة ما في الخبر المزبور، نعم يمكن القول بإضافة: «حي على خير العمل» اليه مقدما له على «قد قامت» لمعلومية ترك المؤذن له إذا كان مخالفا، فيشمله حينئذ صحيح ابن سنان الآمر بإتمام ما نقص، و لما عن المبسوط و جامع الشرائع من أنه قد

روي (1) أنه يقول: «حي على خير العمل»

دفعتين، لأن المؤذن لم يقل ذلك، و الأولى قولها حينئذ كما ذكرنا مراعيا فيها الترتيب بين الفصول و إن كان مقتضى هذا المرسل الإطلاق.

و كيف كان فقد ذكر المصنف و غيره أنه إن أخل المؤذن بشيء من فصول الأذان استحب للمأموم التلفظ به و ظاهر السياق كونه من تتمة المسألة السابقة و أشكله في المدارك أما أولا فبأنه خلاف مدلول النص، و هو

صحيح ابن سنان (2)

____________

(1) المستدرك- الباب- 27- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

146

«إذا أذن مؤذن فنقص الأذان و أنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقض هو من أذانه»

و أما ثانيا فلما صرح به الأصحاب و دلت عليه الأخبار (1) من عدم الاعتداد بأذان المخالف، فلا فائدة في إتيان المأموم بما تركه الامام من الفصول، اللهم إلا أن يقال: إن ذلك مستحب برأسه و إن كان الأذان غير معتد به، و هو حسن لو ثبت دليله، و احتمل الشارح (قدس سره) جعل هذه المسألة منفصلة عن الكلام السابق، و أنها محمولة على غير المخالف كناسي بعض فصول الأذان أو تاركه أو تارك الجهر به تقية، و هو جيد من حيث المعنى، لكنه بعيد من حيث اللفظ، قلت: قد تقدم لنا بعض الكلام في ذلك عند البحث عن اشتراط الايمان في الأذان، و نقول هنا: إن الاشكال المتصور في المقام إما في الجمع بين النصوص أو في عبارات الأصحاب، و الأول يدفعه أنه لا منافاة بين صحيح ابن سنان المزبور و بين ما دل على اشتراط الايمان في الأذان بعد حمله على إرادة بيان اجتزاء السامع للأذان إذا أتم ما نقصه المؤذن كي يتلفق مجموع الأذان من السماع و القول، فيكون حينئذ مساقة لبيان ذلك، و هذا متصور في المؤذن المؤمن إذا نقص عمدا لتقية أو سهوا، بل فيه و في المخالف في خصوص أذان الإعلام منه بناء على عدم اشتراط الايمان فيه، فلا ينافي تلك الأدلة، و حمله على إرادة ما يشمل المخالف مطلقا، و يكون عدم الاعتداد بأذانه لأنه ناقص، فإذا تمم ارتفع المانع قد عرفت ما فيه سابقا، و أنه مخالف لظاهر أدلة الاشتراط، و أما بالنسبة إلى عبارات الأصحاب فاعلم انهم في ذكر هذا الحكم على أقسام ثلاثة، فمنهم من ذكره في سياق استحباب الحكاية، و قد ذكرنا هناك أنه لا دليل على اختصاص استحباب ذلك للحاكي لكن عليه لا منافاة بينه و بين ما ذكروه من اشتراط الايمان، و منهم من ذكره في سياق

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأذان و الإقامة و الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 2 و 8.

147

هذه المسألة، و لا بد من حمله على إرادة كونه مستحبا برأسه، لتصريحهم فيها بعدم الاعتداد بأذان المخالف، و لعل دليل الاستحباب المزبور ما سمعته من مرسل الشيخ، و منهم من ذكرها مستقلة لا في سياق إحدى المسألتين، و الأولى إرادتهم ذلك أيضا، و على كل حال فالأمر سهل بعد تنقيح الأدلة و عدم الاشكال فيها، هذا.

و قد ترك المصنف التعرض لاستحباب الأذان وحده أو مع الإقامة في غير الصلاة مع أن

الصدوق (رحمه الله) أرسل (1) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إذا تولعت بكم الغول فأذنوا»

و في خبر جابر الجعفي المروي (2) عن محاسن البرقي عن محمد بن علي (عليهما السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة»

و عن دعائم الإسلام روايته عن علي (عليه السلام) (3) و رواه في الذكرى عن الجعفريات عن النبي (صلى الله عليه و آله) (4) قال: و رواه العامة (5) و فسره الهروي بأن العرب تقول بأن الغيلان في الفلوات تراءى للناس تتغول تغولا أي تلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، و روي في الحديث «لا غول» و فيه إبطال لكلام العرب، فيمكن أن يكون الأذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات و إن لم يكن له حقيقة، قلت: لكن في الحدائق عن النهاية الأثيرية أن الغول لا تستطيع أن تضل أحدا، و يشهد له

الحديث «لا غول و لكن السعالى سحرة الجن»

أي و لكن في الجن سحرة لهم تلبيس و تخييل، و منه الحديث «إذا» إلى آخره أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، و على كل حال فلا إشكال في استحباب الأذان في الحال

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(3) المستدرك- الباب- 35- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(4) المستدرك- الباب- 35- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(5) نهاية ابن الأثير مادة «غول».

148

المزبور، و اليه أشار العلامة الطباطبائي بقوله:

و سن في تغول الغيلان * * *بالموحشات الجهر بالأذان

و يستحب الأذان في أذن المولود اليمنى، و الإقامة في اليسرى ك

ما أرسله الصدوق (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «المولود إذا ولد يؤذن في أذنه اليمنى و يقام في اليسرى»

و أشار إليه في المنظومة بقوله:

و استفتح المولود بالأذان * * *يعصم من طوارق الشيطان

أذن بيمناه و باليسرى أقم * * *كي يقرع الأذنين طيب الكلم

و كذا يستحب في أذن من ساء خلقه ل

ما أرسله الصدوق أيضا (2) عن الصادق (عليه السلام) «من لم يأكل اللحم أربعين يوما فقد ساء خلقه، و من ساء خلقه فأذنوا في أذنه»

قيل و مثله رواه في الكافي عن هشام بن سالم (3) في الصحيح أو الحسن، و ينبغي أن يكون اليمنى، ل

خبر أبان الواسطي (4) عن الصادق (عليه السلام) «ان لكل شيء قوتا و قوت الرجال اللحم، و من تركه أربعين يوما فقد ساء خلقه، و من ساء خلقه فأذنوا في أذنه اليمنى»

و ظاهر هذه الأخبار أن المدار على سوء الخلق مطلقا بل في خبر حفص (5) عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «كلوا اللحم فان اللحم من اللحم، و من لم يأكل اللحم أربعين يوما ساء خلقه، و متى ساء

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 7 رواه في الوسائل عن أبان عن الواسطي و فيه

«لكل شيء قرما و ان قرم»

إلخ.

(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 8 رواه في الوسائل عن أبى حفص الابار.

149

خلق أحد من إنسان أو دابة فأذنوا في أذنه الأذان»

و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في الإشارة إلى ذلك بقوله:

و قرما لأربعين يوما * * *أيقظ به فقد أطال نوما

قد ساء خلقا حين خف إربه * * *و من يسوء خلقا فهذا أدبه

قيل و كذا يستحب في البيت ل

خبر سليمان بن جعفر الحميري (1) قال: «سمعته يقول: أذن في بيتك فإنه يطرد الشيطان، و يستحب من أجل الصبيان»

قلت: لكن قد عرفت سابقا أنه يمكن إرادة الأذان الموظف لا أنه أذان مخصوص لذلك، لأصالة عدم التعدد، اللهم إلا أن يكون منشأه قاعدة التسامح، و قاعدة عدم حمل المطلق على المقيد، و الأمر سهل، و في الذكرى أن منها الأذان المقدم على الصبح، قلت: قد عرفت تحقيق البحث فيه بما لا مزيد عليه، هذا. و قد شاع في زماننا الأذان و الإقامة خلف المسافر حتى استعمله علماء العصر فعلا و تقريرا، إلا أني لم أجد به خبرا، و لا من ذكره من الأصحاب، و الله أعلم.

[الركن الثاني في أفعال الصلاة]

الركن الثاني في أفعال مجموعها يسمى ب الصلاة، و هي واجبة لا يجوز تركها و مسنونة يجوز ترك الفرد الذي قد اشتمل عليها إلى الفاقد، بناء على عدم تصور الندب في أجزاء الواجب كما تسمع تحقيقه في المباحث الآتية إن شاء الله

[في واجبات الصلاة]

فالواجبات ثمانية أو عشرة بإضافة الترتيب و الموالاة إلى الأفعال و الأقوال.

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 رواه في الوسائل عن سليمان الجعفري و لعله الصحيح.

150

[الأول النية]

الأول النية بناء على أنها جزء كما في الذكرى و عن الموجز، بل هو ظاهر المتن، و إن أمكن إرادته من الركن خصوص المبطل عمدا و سهوا كما وقع ذلك ممن قال بشرطيتها، كما أن المراد بالفعل الأعم من الجزء، و خصت من بين الشرائط بأمثال هذه التجوزات لمقارنتها للجزء و شدة اتصالها بالفعل حتى صارت كالجزء منه، إلا أنه لا ريب في كونه خلاف الظاهر، و إن كان هو الموافق لصدق اسم الصلاة بدونها حتى على القول بالحقيقة الشرعية و إن اسم العبادة لخصوص الصحيح منها، لأن الظاهر جريان الشارع في كيفية الوضع على حسب باقي الأوضاع، و لم يعهد في شيء منها أخذ القصد في صدق أسماء الأفعال، و لأن عنوان الحقيقة الشرعية المتشرعية و الذي في أيديهم معاملة نية الصلاة كمعاملة القصد في غيرها، فيقال: نويت الصلاة و ما نواها و هي منوية أو غير منوية و نحو ذلك مما هو كالصريح في خروجها عنها، و أنها نحو نية الضرب و الأكل و غيرهما، بل قيل: إن

قولهم (عليهم السلام) (1): «لا عمل إلا بنية»

ظاهر في أن العمل غير نيته، خصوصا بعد عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ العمل، و بعد تعارف هذا التركيب في إرادة نفي الصحة مثلا منه لا الحقيقة، و إن كان قد يناقش بأن المغايرة حاصلة بين الجزء و الكل، و بأن صدق اسم العمل على الفاقد لا يقتضي صدق اسم الصلاة و نحوها، و هو محل البحث، فلا دلالة في صدقه على الفاقد على الخروج عن الصلاة.

كما أنه لا ينبغي الاستدلال عليه بالأصل، لعدم جريانه في أجزاء الموضوع أو المراد، و ب

قوله (عليه السلام): «أولها التكبير»

إذ هو بعد تسليم كون الخبر بلفظ الأول لا التحريم لا ينافي دخولها أيضا باعتبار مقارنتها للتكبير تقارن معية لا سبق

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 1 و 2 و 3.