جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
151

و لحوق، على انه يمكن كون المراد أول الأفعال الظاهرة لا ما يشمل القلبي، و بأنها لو كانت جزءا لافتقرت إلى نية أخرى و يتسلسل، ليمنع الملازمة أولا و التسلسل ثانيا، و بأنها تتعلق بالصلاة، فلو كانت جزءا لتعلق الشيء بنفسه، إذ تعلقها بباقي أفعال الصلاة لا ينافي كونها جزء منها، إذ لا يقتضي التعلق إلا مغايرة المتعلق بالكسر للمتعلق بالفتح، و هي حاصلة، و دعوى أن الثاني هو مسمى الصلاة رجوع إلى ما استدللنا به أولا أو مصادرة، كالاستدلال بأن الشرط ما يقف عليه تأثير المؤثر أو صحة الفعل، و كلاهما صادق على النية.

و من الغريب اعتماده في الذكرى في دعوى الجزئية على أنها مقارنة للتكبير الذي هو جزء و ركن، فتكون جزءا خصوصا عند من أوجب بسطها عليه أو خطورها من أوله إلى آخره، و على أن قوله تعالى (1) «وَ ما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» مشعر باعتبار العبادة حال الإخلاص، و هو المراد بالنية، و لا نعني بالجزء إلا ما كان منتظما مع الشيء بحيث يشمل الكل حقيقة واحدة، و فيه أن اعتبار المقارنة على سائر التقادير لا يقتضي ذلك قطعا، إذ المراد بالجزء ما توقف صدق اسم الكل عليه بخلاف الشرط، و نفي الصحيحي اسم الصلاة عن فاقدة الطهارة و الستر لفقد الاشتراط الداخل في الموضوع له و إن خرج فعل الوضوء الذي هو مقدمته و شرطه، بل خرج الأثر الحاصل منه المقدم على الصلاة و المقارن لها، نعم المقارنة داخلة في ماهيتها لا المقارن بالفتح الذي هو الطهارة التي هي أثر فعل الوضوء، و بعبارة أخرى الاتصاف داخل و الوصف خارج، و على كل حال فالمقارنة المزبورة لا تقتضي الجزئية المذكورة قطعا، ضرورة أنه لا مانع من كون اسم الصلاة لهذه الأفعال دون ما قارنها.

و دعوى أن الشرط ما تقدم على الماهية كالطهارة و الستر، و الجزء ما تلتئم منه

____________

(1) سورة البينة- الآية 4.

152

كالركوع و السجود أو ما اشتمل عليه الماهية من الأمور الوجودية المتلاحقة، فلا ينتقض بترك الكلام و نحوه مما هو أمر عدمي لا تلاحق فيه، أو أن الشرط ما يساوق جميع أفعال الصلاة كالطهارة و الاستقبال، بخلاف الجزء كالركوع و نحوه، و النية ليست متقدمة و لا مساوقة لجميع أفعال الصلاة، بل هي مما تلتئم منه الماهية و من الأمور الوجودية المتلاحقة واضحة المصادرة أو المنع أو مما لا يفيد المطلوب، لأنه اصطلاح و لا مشاحة فيه، كوضوح عدم دلالة إشعار الآية باعتبار العبادة حال الإخلاص على دخول الإخلاص في العبادة على وجه الجزئية، بل ربما أشعر بخروج الحال عنها.

و قد ظهر لك من ذلك كله أن القول بكونها شرطا أقوى وفاقا للمعتبر و المدارك و المنظومة و المحكي عن كشف الرموز و المنتهى و الروض و غيرها، بل و الجعفرية و المقاصد العلية و إن قال في الأولى: «إن شبهها بالشرط أكثر» و الثانية «أنها بالشرط أشبه» و استشكل فيهما في التذكرة كظاهر المحكي عن جماعة من ذكر القولين بلا ترجيح، و في جامع المقاصد «ان الذي يختلج في خاطري أن خاصة الشرط و الجزء معا قد اجتمعا في النية، فإن تقدمها على جميع الأفعال حتى التكبير الذي هو أول الصلاة يلحقها بالشروط و لا يقدح في ذلك مقارنتها له أو لشيء منه، لأنها تتقدمه و تقارنه، و هكذا يكون الشرط، و اعتبار ما يعتبر في الصلاة فيها بخلاف باقي الشروط إن تحقق ذلك يلحقها بالأجزاء، و حينئذ فلا تكون على نهج الشروط و الأجزاء بل تكون مترددة بين الأمرين و إن كان شبهها بالشروط أكثر» و يقرب منه ما في المسالك.

و فيه أنه لا يعقل التردد بين الجزء و الشرط، نعم قد يكون الشيء جزءا لشيء و هو شرط كالقيام في الصلاة حال القراءة، لا أن الشيء الواحد متردد بين الجزئية و الشرطية، اللهم إلا أن يكون مراده التردد باعتبار تعارض الامارات و الخواص عليه

153

و فيه حينئذ أنه لا تعارض موجب لذلك كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما ذكرنا، خصوصا ما ذكره أخيرا مما يقتضي الجزئية من اعتبار ما يعتبر في الصلاة فيها، إذ هو واضح المنع على تقدير عدم الجزئية، ضرورة ظهور ما دل على اعتبارها في الصلاة، فمع فرض خروجها عنها تحتاج إلى دليل بالخصوص، و ليس قطعا، بل لم أعرف أحدا اعتبرها فيها و إن كانت شرطا.

نعم في الذكرى- بعد أن ذكر أن هذه المسألة لا جدوى لها إلا فيما ندر، كالنذر لمن يصلي في وقت كذا أو ابتداء الصلاة في وقت كذا، فان جعلناها جزءا استحق و بر، و إلا فلا ثمرة لها في الغالب، للاتفاق على بطلان الصلاة بفواتها و لو نسيانا سواء جعلناها شرطا أو جزء- قال: «و أما ما يتخيل من أن القول بالشرطية يستلزم جواز إيقاعها قاعدا و غير مستقبل، بل و غير متطهر و لا مستور العورة فليس بسديد، إذ المقارنة المعتبرة للجزء تنفي هذه الاحتمالات و لو جعلناها شرطا» و هو كالصريح في أن اعتبار ذلك على تقدير الشرطية لما يقارنها لا لها و إن كان قد يناقش فيه بأنه مع فرض سبقها على التكبير و أنها عبارة عن تصور ما ستعرفه مما يحتاج إلى امتداد زمان يتصور حينئذ الثمرة المزبورة، نعم بناء على كون المعتبر مقارنة المعية يتجه ما ذكره، لكن قد سمعت التصريح منه و من غيره بأن مقارنتها على وجهين سبق و معية، و في جامع المقاصد عن بعض المتأخرين أن فائدة القولين تظهر فيمن سها عن فعل النية بعد التكبير ففعلها ثم تذكر فعلها سابقه بطلت على الثاني خاصة لزيادة الركن، قال: «و ظني أن هذا ليس بشيء، لأن استحضار النية في مجموع الصلاة هو المعتبر لولا المشقة، و لأن الاكتفاء بالاستدامة إرفاقا بالمكلف، فلا يكون استحضارها في أثناء الصلاة عمدا و سهوا منافيا بوجه من الوجوه، فان قيل: إن القصد إلى استينافها يقتضي بطلان الأولى قلنا هذا لا يختص بكونها ركنا» قلت: قد يفرق بينهما في الفرض، بل قد يفرق بينهما في صورة

154

العمد أيضا لا بقصد الاستيناف، فتأمل جيدا.

و على كل حال ف هي ركن في الصلاة إجماعا منا محصلا و منقولا مستفيضا أو متواترا، بل من العلماء كافة في المحكي عن المنتهى و التذكرة، بل عن التنقيح «لم يقل أحد بأنها ليست بركن» و لكن بمعنى أنه «لو أخل بها عامدا أو ناسيا لم تنعقد صلاته» فلا ينافي الخلاف حينئذ في الجزئية و الشرطية، كما أنه لا تعرض فيه لزيادتها إما لعدم تصورها أو عدم ثبوت قدحها، لأن الثابت من الإجماع ما عرفت، كما أنه هو مقتضى

قولهم (عليهم السلام): «لا عمل إلا بنية»

و نحوه.

و أما حقيقتها فعند المصنف استحضار صفة الصلاة في الذهن و القصد بها إلى أمور أربعة: الوجوب أو الندب و القربة و التعيين و كونها أداء أو قضاء و فيه من القصور و الاجمال و الفساد ما لا يخفى، إذ قد عرفت في بحث الوضوء من كتاب الطهارة أنه لا حقيقة شرعية للنية، للأصل، و لأن عنوانها الحقيقة المتشرعية، و هو مفقود، ضرورة كون المراد بالمتشرعة المتدينين بدين محمد (صلى الله عليه و آله) و من المعلوم عدم كون النية عندهم كلفظ الصلاة و الزكاة و الحج، و شيوع التعبير في لسان العلماء منهم بأن النية معتبرة في العبادة دون المعاملة لا يقضي بالحقيقة المتشرعية فضلا عن الشرعية، لأعمية الاستعمال منها، و وضوح القرينة على إرادة نية القربة و الإخلاص فمن الغريب دعوى بعض فحول متأخري المتأخرين ذلك فيها مستشهدا له بما سمعت، و بما وقع من المصنف و بعض من تأخر عنه في تعريفها و كيفيتها، مع أن القدماء من الأصحاب تركوا التعرض لها و اكتفوا بذكر اعتبار الإخلاص في العبادة عنها، و كذلك النصوص البيانية للصلاة (1) و الوضوء (2) و غيرهما من العبادات، و ما هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة.

155

إلا لأن النية فيها كالنية في غيرها من أفعال العقلاء، و قولهم (عليهم السلام) (1): «إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى»

إن لم يكن فيه دلالة على ما قلناه من صدق النية على القصد الخالي عن الإخلاص فلا دلالة فيه على خلافه كما هو واضح.

نعم يعتبر الإخلاص في العبادة الذي هو عبارة عن وقوع الفعل بقصد الامتثال للسيد المنعم باعتبار ما قام في النفس و دعاها إلى الفعل من الألطاف و رجاء الثواب و دفع العقاب، و هو أمر آخر خارج عن النية التي هي بمعنى القصد للفعل الذي لو كلف الله بالفعل بدونه لكان كالتكليف بما لا يطاق، ضرورة خروج صدور الفعل مع الغفلة عن القدرة، و لذا قبح تكليف الغافل و نحوه، أما هو ففي غاية الصعوبة في بعض العبادات، لاحتياجه إلى الرياضة التامة القالعة للقوى النفسانية و آثارها من حيث الشهرة و الرئاسة و غيرهما من الآفات المهلكة و الأمراض القاتلة، نسأل الله العافية منها، و إلا فوجوب القصد المزبور الذي يخرج به الفعل عن كونه فعل غافل ضروري في المعاملة، فضلا عن العبادة التي من مقوماتها تعلق الأمر بها، و الاجتزاء ببعض الأفعال من الغافلين- كحفر القبر و نقل الميت و نحوهما للدليل الخاص الظاهر في أن المراد وجودها في الخارج كيفما كان و إن لم يعد مثله امتثالا و طاعة- غير قادح في قاعدة اعتبار القصد في كل فعل تعلق به حكم شرعي بناء على ثبوتها و إن كان إقعادها في سائر الأفعال التي منها حيازة المباحات و تفرق المجلس في الصرف لا يخلو من نظر، أما العبادات فلا إشكال في اعتبار القصد فيها، لعدم صدق الامتثال و الطاعة بدونه، و اعتبارهما في كل أمر صدر من الشارع معلوم بالعقل و النقل كتابا و سنة بل ضرورة من الدين، بل لا يصدقان إلا بالإتيان بالفعل بقصد امتثال الأمر فضلا عن مطلق القصد، ضرورة عدم تشخص الأفعال بالنسبة إلى ذلك عرفا إلا بالنية، فالخالي منها عن قصد الامتثال و الطاعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 10.

156

لا ينصرف إلى ما تعلق به الأمر، إذ الأمر و العبثية فضلا عن غيرها على حد سواء بالنسبة اليه، و من هنا إذا كان الأمر متعددا توقف صدق الامتثال على قصد التعيين، لعدم انصراف الفعل بدونه إلى أحدهما، و احتمال الاجتزاء بالإتيان بالفعل بقصد امتثال كلي الأمر فيكون كالأمر المتحد بمأمور به متعدد يدفعه أن العقل و النقل قد تطابقا على وجوب امتثال كل أمر أمر للشارع بخصوصه، و لا ريب في عدم صدق امتثال خصوص كل منهما في الفرض، لما عرفت من عدم انصراف الفعل بدون النية، و لذا لم يحكم به لأحدهما بالخصوص فيما لو أوقع الفعل مرة واحدة لا ظاهرا و لا واقعا، نعم لو فهم من الأدلة عدم إرادة الخصوصية من التعدد، و أنه كالأمر المتحد بتكرار الفعل لم يحتج في الامتثال حينئذ إلى أزيد من قصد الفعل بعنوان الامتثال.

فاتضح من ذلك كله أن المدار على صدق الامتثال من غير فرق بين تعدد الأمر و اتحاده سوى أنه يتوقف في الأول على تعيين الأمر بخلاف الثاني الذي اتحاده مع قصد امتثاله يكفي في تعيينه، نعم قيل: الظاهر عدم كفاية الاتحاد واقعا فيه مع التعدد بزعم المكلف جهلا أو نسيانا أو عصيانا، لعدم صدق الامتثال عرفا لو أوقعه مرددا أو بعنوان ما زعمه من الأمر، و تسمعه تحقيق الحال فيه إن شاء الله عن قريب.

و على كل حال فلا إشكال في اعتبار قصد الامتثال و التعيين على الوجه الذي ذكرناه، و الظاهر أن الأول هو مراد الأصحاب بنية القربة التي لا خلاف معتد به في وجوبها، و لذا حكي الإجماع عليها في صريح المدارك و المحكي عن الإيضاح و ظاهر التذكرة و المنتهى، بل اعتمادا على ضروريته ترك ذكرها في الخلاف و المبسوط كما قيل، فما عن ابن الجنيد من الاستحباب- مع أنه غير ثابت- غير معتد به، لكثرة موافقته للعامة كما أن ما في انتصار المرتضى- من صحة الصلاة المقصود بها الرياء و إن لم يكن عليها ثواب- يمكن أن لا يكون خلافا في ذلك، و إن مراده عدم قدح ضم الرياء إليها في

157

الصحة الموجبة للإعادة ضما لا ينافي نية التقرب معه و إن كان ما تسمعه مما ذكر دليلا له ينافي ذلك، بل مطلق الإخلاص واجب في نفسه شرط لحصول الثواب لا للصحة، إذ الشرطية حكم آخر محتاج إلى دليل غير اعتبار الإخلاص في نفسه، على أنه إن أراد غير ما ذكرنا من صحة الصلاة بقصد الرياء مع الخلو عن قصد الامتثال كان خلافه غير معتد به أيضا، لما عرفت من توقف الصدق عليه، و توقف الصحة على الصدق المزبور و المقدمتان معلومتان، فالنتيجة كذلك.

أما القربة بمعنى القرب الروحاني الذي هو شبيه بالقرب المكاني فهو من غايات قصد الامتثال المزبور و دواعيه، و لا يجب نية ذلك و قصده قطعا، للأصل و إطلاق الأدلة، و دعوى الإجماع عليه ممنوعة، سيما بعد تفسير جملة منهم القربة بما ذكرنا، فما يظهر من بعض العبارات من وجوبه بالخصوص كعبارة الغنية و غيرها واضح الفساد، بل إن نواه مع عدم قصد الامتثال يقوى البطلان كما ذكرنا ذلك مفصلا، و لعل ذلك هو المراد بالداعي في قولهم: إن النية هو الداعي مقابل القول بالإخطار، لا أن المراد به ما هو المنساق إلى الذهن من العلة الغائية، و إن كان قد يجزي خطور الداعي بهذا المعنى عن النية لا لأنه من الأمور المترتبة عليه، فيكون قصده قصده، ضرورة عدم استلزام نية المترتب على شيء نية ذلك الشيء، و إلا لاكتفي بقصد رفع الحدث في الوضوء مثلا عن نية قصد الامتثال، بل غير ذلك من الأمور التي رتبها الشارع على صحة عبادة، بل كان يجتزى في المعاملات بقصد آثارها المترتبة عليها عن قصدها، و هو معلوم البطلان و لا لأنه من اللوازم، ضرورة لزوم قصد الامتثال حصوله لا قصده لقصد الامتثال، فان الجاهل مثلا قد يتخيل ترتب الآثار على الأفعال من دون قصد الامتثال، و أنها من قبيل الأسباب و المسببات التي ليست بعبادة، بل لأن الغالب ممن كان الداعي في نفسه الذي هو العلة الغائية و كان عالما عاقلا غير غافل و لا عاص أن يكون قاصدا

158

لذي الغاية، إلا أن ذلك لما كان ليس من الأمور المنضبطة لعامة المكلفين- و قد عرفت عدم اللزوم العقلي فيه، و شدة الاحتياط في العبادة، مضافا إلى أن الغالب حصول الداعي في أنفس المكلفين لكلي العبادة، فلا يكفي عن خصوص العبادة- لم يطلق الأصحاب الاجتزاء به، بل أناطوا الحكم بحصول قصد الامتثال بالعبادة المخصوصة حال إرادة فعلها، سواء حصل بملاحظته أو بغيره بأن استحضر ذلك حالها.

فمن الغريب تبجح بعض متأخري المتأخرين في المقام بذلك حتى أنه أساء الأدب، و ظن أنه قد جاء بما فيه العجب، و أنه قد تنبه لما قد غفلوا عنه، و كل ذلك ناش من بعض الملكات الردية المفسدة للعمل بفساد النية، نسأل الله العافية عنها، نعم ستسمع ما في القول بالإخطار و عدم الاجتزاء بالداعي بالمعنى الذي ذكرناه، و أنهم مطالبون بدليله.

و أما الثاني أي التعيين فقد عرفت ما يدل عليه، مضافا إلى عدم معروفية الخلاف فيه، بل نفاه عنه في المحكي عن المنتهى، بل في التذكرة و المدارك الإجماع عليه، لكن عن الكفاية أنه المشهور و أنه قريب، و فيه إشعار بوجود المخالف بل بالتأمل فيه، إلا أنه لم نتحققه، كما أنا لم نجد وجها للتأمل فيه بعد ما عرفت، بل لعل لذلك أوجب الأصحاب من غير خلاف معتد به يعرف بينهم التعرض للأسباب في ذواتها من النوافل، ضرورة اشتراكها بينها و بين غيرها مما ليست بذات سبب، مضافا إلى اشتراكها بينها و نحوها الموقتة لا بد من تعيينها بالإضافة إلى الوقت و نحوه، ضرورة عدم اقتضاء التوقيت نفي مشروعية غيرها كي يكتفي بقصد وقوع الصلاة فيه عن ذلك، بل أقصاه عدم صحتها في غيره، و هو لا ينفي الاشتراك المحتاج إلى التعيين، فما عن التذكرة- من أن غير المقيدة يعني بسبب و إن تقيدت بوقت كصلاة الليل و سائر النوافل يكفي نية الفعل عن القيد، و نحوه ما تسمعه في كشف اللثام- في غير محله، بل و كذا

159

استشكاله في المحكي من نهايته إن أراد به ما يشمل ذلك، قال: «أما النوافل فأما مطلقة يعني من السبب و الوقت، و يكفي فيها نية فعل الصلاة لأنها أدنى درجات الصلاة فإذا قصد الصلاة وجب أن تحصل له، و لا بد من التعرض للنفلية على إشكال ينشأ من الأصالة و الشركة، و لا يشترط التعرض لخاصتها، و هي الإطلاق و الانفكاك عن الأسباب و الأوقات، و إما معلقة بوقت أو سبب، و الأقرب اشتراط نية الصلاة و التعيين و النفل فينوي صلاة الاستسقاء و العيد المندوب و صلاة الليل و راتبة الظهر على إشكال» و قد يكون إشكاله راجعا إلى نية النفل الذي مرجعه إلى نية الوجه، فيكون في محله، بل ستعرف أن الأقوى عدم وجوبها، و لعله لذا قد استوجه العدم كاشف اللثام في إشكاله الأول، ضرورة كون الحال كما استوجهه من حيث نية الوجه لا من حيث نية التعيين مع فرض الاحتياج اليه له، كما لو كان عليه غير النفل، فان دعوى الاجتزاء حينئذ بنية الصلاة أيضا لأصالة النفل كما ترى.

نعم يمكن الاعتماد على نحو هذا الأصل في عدم وجوب التعرض للإطلاق في المطلقة، إذ الظاهر عدم كون الإطلاق قيدا لها كي يتعرض له كباقي الأسباب، و إلا فلا تشرع، بل يكفي في مشروعيتها و تحقق كونها مطلقة عدم التعرض للسبب، نعم قال في كشف اللثام: لكن إذا أراد فعل ما له كيفية مخصوصة كصلاة الحبوة و صلوات الأئمة (عليهم السلام) عينها، مع أنه يمكن أن لا يكون ذلك مما نحن فيه من التعيين لتمييز المشترك، بل هو من تصور العمل في نفسه حتى يكون منويا له مقصودا، بل لو قلنا بأن هذه الهيئات المخصوصة من كيفيات النافلة المطلقة أمكن حينئذ عدم وجوب التعرض لنيتها، و كان يجزي فعلها في أثناء ما قصد به مطلق النافلة، ضرورة كون الكيفية المخصوصة أحد أفراد المخير، فلا يحتاج إلى نية، بل يجزي عنه نية الكلي، فتأمل جيدا، فلا يتم حينئذ استثناؤه المزبور، كما أن قوله- بعد ذلك: «الأقرب

160

عندي اشتراط التعيين بالسبب في بعض ذوات الأسباب كصلاة الطواف و الزيارة و الشكر، دون بعض كالحاجة و الاستخارة، و دون ذوات الأوقات إلا أن يكون لها هيئات مخصوصة كصلاة العيد و الغدير و المبعث، فيضيفها إليها لتتعين، و لا يشترط التعرض للنفل إلا إذا أضافها إلى الوقت و للوقت فرض و نفل فلا بد إما من التعرض له أو العدد ليتميز، فينوي الحاضر في الظهر مثلا أصلي ركعتين قربة إلى الله تعالى، و في الفجر أصلي نافلة الفجر»- غير تام أيضا، ضرورة عدم الفرق في الأسباب كما عرفت، و دعوى الاكتفاء في صلاة الحاجة و الاستخارة بطلبهما في أثناء النافلة المطلقة يدفعها أن ذلك إخراج لهما عن السببية في الحقيقة، و هو خلاف ظاهر الأدلة، إذ من الواضح استفادة التنويع منها، و ان صلاة الحاجة و الاستخارة نوع مستقل عن النفل المطلق كما هو واضح بأدنى تأمل، كوضوح احتياج التعيين لذوات الأوقات من غير فرق بين أن يكون لها هيئات مخصوصة أو لا، و بين إضافتها للوقت و كان له فرض و نفل أو لا، لما عرفته سابقا، و بالجملة لا إشكال في وجوب نية التعيين.

نعم قد يشتبه بعض أفراده كنية الوجه الذي هو الوجوب أو الندب عند كثير من أساطين الأصحاب على ما حكي عن البعض، كالشيخ و بني زهرة و إدريس و فهد و سعيد و الفاضل و الشهيدين و العليين و غيرهم ممن تقدم ذكره في الوضوء، إذ القول به هنا أولى منه، و لذا قال به من لم يقل به هناك، بل قيل: إنه المشهور، بل قد يظهر من التذكرة الإجماع عليه، بل عن الكتب الكلامية أن مذهب العدلية اشتراط استحقاق الثواب على واجب أن يوقعه لوجوبه أو وجه وجوبه، و ظاهرهم الإجماع أو صريحهم، و قد عرفت في الوضوء المراد بوجه الوجوب، بل ربما استظهر منهم وجوب نية الوجه وصفا و غاية، كما عن الروض أنه المشهور و إن كنا لم نتحققه، و قد صرح بعضهم باعتبار

161

أحدهما خاصة، و آخر بإغناء الوصف عن الغائي، و ثالث العكس.

و كيف كان فقد استدلوا على اعتبار الوجه بوجوه ذكرناها في الوضوء، و بينا فسادها، لكن العمدة منها دعوى توقف التعيين على ذلك، قالوا: لأن جنس الفعل لا يستلزم وجوهه إلا بالنية، فكلما أمكن أن يقع على أكثر من وجه واحد افتقر اختصاصه بأحد الوجوه إلى النية، فينوي الظهر مثلا ليتميز عن بقية الصلوات، و الفرض ليتميز عن إيقاعها ندبا، كمن صلى منفردا ثم أدرك الجماعة، و به فرق بعضهم بينها و بين الوضوء باعتبار أنه لا يقع إلا على وجه واحد الوجوب مع اشتغال الذمة بواجب، و الندب مع عدمه، بخلافها، و فيه مع ما قد عرفت من أن نية التعيين تجب عند التعدد، لتوقف صدق الامتثال عليها، و صلاة الظهر مثلا لا يمكن وقوعها من المكلف في وقت واحد على وجهي الوجوب و الندب، ليعتبر تمييز أحدهما عن الآخر، لأن من صلى الفريضة ابتداء لا تكون صلاته إلا واجبة، و من أعادها ثانيا لا تقع إلا مندوبة، على أن مثل ذلك يجري في الوضوء باعتبار ملاحظة التجديدي أيضا، و لا ريب في عدم توقف صدق الامتثال على شيء من هذه المشخصات، ضرورة الاكتفاء باتحاد الخطاب مع قصد امتثاله عن ذلك كله، إذ هو متشخص بالوحدة مستغن بها عنها، و إلا لوجب التعرض لغيرها من المشخصات الزمانية و المكانية و سائر المقارنات، إذ الكل على حد سواء بالنسبة إلى ذلك، بل ليست صفة الوجوب إلا كتأكد الندب في المندوب المعلوم عدم وجوب نيته زيادة على أصل الندب.

و دعوى أن الوحدة الواقعية لا تكفي- إذ قد يعدد المكلف الخطاب جهلا منه أو سهوا أو عمدا، و حينئذ مع عدم التعيين لا يعد أيضا ممتثلا عرفا، فمراد الأصحاب إيجاب نية ذلك عليه لتحصل له الصلاة الصحيحة- يدفعها- مع أن نحوها تجري في الوضوء، فلا ينبغي الفرق بينه و بين الصلاة ممن فرق بينهما- أنه لو كان المراد ذلك

162

ما احتاجوا في مثال الخطاب بها ندبا إلى صلاة الصبي كما في التذكرة، و الإعادة للجماعة كما فيها و في غيرها، على أن صفة الوجوب لا تجدي في التعيين حينئذ في الفرض، إذ قد يعدد الخطاب بها وجوبا أيضا جهلا أو نسيانا أو عصيانا، فلا ريب في عدم إرادة وجوب نيتها دفعا لهذا التعدد، و لو سلم فهو خروج عن محل النزاع، إذ هو قول بوجوبها حال التعدد خاصة و إن كان بزعم المكلف، مع أن ما ذكره من الفرض انما يتصور في خصوص الجاهل الذي يرجع إليه الناسي، أما العاصي فيكفي في بطلان صلاته حينئذ عدم قصده امتثال الأمر المعلوم لديه، و الجاهل إن كان إشكال في صلاته ففيما إذا نواها مرددة، أو بقصد الأمر الثاني الذي زعمه، لعدم قصده امتثال الأمر المكلف به، لكن قد يقال بالصحة في الصورة الأولى إذا كان قد قصد امتثال الأمر الذي تخيل تعدده، لمكان قصده الصفة المشخصة له في الواقع، إذ الفرض عدم أمر آخر غيره، و تخيله أنها غير مشخصة لا يرفع تشخيصها الواقعي، و استوضح ذلك بأمر السيد لعبده بالإتيان بلحم مع تخيله تعدد الأمر و جاء بلحم بقصد امتثال الأمر، بل قد يتجشم للصحة في الصورة الثانية أيضا، إذ هو و إن كان قد جاء بالفعل بقصد امتثال الأمر الذي تخيله إلا أن ما شخصه به من صفة الندبية مثلا وقعت في غير محلها، فلا تفيده تشخيصا، و الفرض تحقق الطلب في الواقع، فينصرف الفعل اليه، و بالجملة هو أشبه شيء بنية الندب في مقام الوجوب و بالعكس، و قد ذهب جمع من محققي مشايخنا إلى الصحة معها تبعا للمحكي عن المصنف في بعض تحقيقاته، فتأمل جيدا.

و على كل حال فمما ذكرنا يظهر لك ما في كلام الأستاذ الأكبر في حاشية المدارك و إن أطنب و تبعه عليه صهره في الرياض، فلاحظ و تأمل، كما أنه ظهر لك ضعف القول بوجوب نية الوجه في المتحد خطابا، للتعيين، و أنه ليس من موارده، أما غيره من الأدلة فقد أوضحنا فسادها في باب الوضوء حتى ما ذكره الأستاذ الأكبر من الاستدلال

163

عليه بقاعدة الشغل، ضرورة حصول الشك من الشهرة أو الإجماع كما عرفت على اعتبار الوجه في الصحة، إما لدخوله في معنى النية أو المراد منها، و إما لاعتباره شرطا في الصلاة، و على كل حال فهو شك في جزء الشرط أو الجزء على الخلاف في النية، أو شرط الصلاة، فيجب الإتيان به تحصيلا لليقين بالفراغ، إذ هو- مع أنه غير تام على المختار عندنا من عدم إجمال المراد بالنية، و عدم شرطية ما شك فيه- يدفعه أنه لا شك في المقام بعد استنادهم إلى نحو ما عرفته هنا و في الوضوء مما هو ظاهر في عدم دليل لهم غير ذلك، و أنه اشتباه في محل وجوب نية التعيين، أو أن نية الوجه من جملة وجه المأمور به الذي إن لم يأت المكلف به على وجهه لم يمتثل، أو نحو ذلك، خصوصا بعد ملاحظة ما سمعته من أدلة العدم التي ذكرناها في الوضوء.

و ما في كتب أهل الكلام يمكن حمله على إرادة نية القربة لا خصوصية الوجوب أو إرادة نية الخلاف، بل ربما حمل كلام من اعتبرها من الأصحاب على ذلك، و إن كان الأقوى أيضا عدم الفساد بها إذا كان قد قصد الامتثال بالأمر من حيث كونه أمرا و إن اعتقد مع ذلك خلاف وصفه من الوجوب و الندب، بل لو شخصه بذلك أيضا لم يبعد الامتثال، لأنه بعد ان كان متشخصا بوحدته لم يقدح فيه الغلط بتخيل مشخص آخر خارجي له، ضرورة كونه كمن شخصه بزمان أو مكان و نحوهما من الأمور الخارجية التي لا مدخلية لها في الامتثال، و لقد أجاد المصنف فيما حكي عنه من بعض تحقيقاته في نية الوضوء، حيث أنه بعد أن استظهر عدم اشتراط نية الوجه في صحته قال في جملة كلام له: «و ما يقوله المتكلمون- من ان الإرادة تؤثر في حسن الفعل و قبحه، فإذا نوى الوجوب و الوضوء مندوب فقد قصد إيقاع الفعل على غير وجهه- كلام شعري، و لو كان له حقيقة لكان الناوي مخطئا في نيته، و لم يكن النية مخرجة للوضوء عن التقرب» إلا أنه ينبغي تقييده بما إذا لم يكن قد زعم التعدد و جعل النية مشخصة له بناء على

164

البطلان في مثله، فتأمل، أو على إرادة وجوب ذلك مع التعدد في الذمة.

كما يشهد له أن المنسوب إليهم أو أكثرهم في المقام عدم الفرق بين نية الوجه و الأداء أو القضاء، حتى أن المحررين للمسألة جعلوا ذلك كله مسألة واحدة، و حكوا الشهرة و ظاهر الإجماع عليها، بل في تذكرة الفاضل «و أما الأداء و القضاء فهو شرط عندنا» بعد قوله: «و أما الندبية و الفرضية فلا بد من التعرض لهما عندنا» و في الخلاف «يجب أن ينوي كونها ظهرا فريضة مؤداة على طريق الابتداء دون القضاء» بل لم أجد أحدا صرح بوجوب نية الوجه دونهما، و لعله لاتحاد الدليل، لكن ظاهر الشيخ و الفاضل أو صريحهما أن وجوب نية القضاء، أو الأداء عند اشتغال الذمة بهما معا، قال الأول: «و اعتبرنا كونها حاضرة، لأنه يجوز أن يكون عليه ظهر فائتة فلا تتميز إلا بالنية» و قال في التذكرة بعد ما سمعت من عبارته: «و هو أحد وجهي الشافعية، لأن الفعل مشترك فلا يتخصص لأحدهما إلا بالنية، إذ القصد بها تمييز بعض الأفعال عن بعض، و الوجه الآخر أي لهم لا يشترط، لأنه لو صلى في يوم غيم بعد الوقت أجزأه و إن لم ينو الفائتة، و كذا لو اعتقد فوات الوقت فنوى القضاء ثم بان الخلاف، ثم قال ردا عليهم: و الفرق ظاهر، فإنه ينوي صلاة وقت معينة و هو ظهر هذا اليوم فكيف وقعت أجزأه سواء وقعت أداء أو قضاء، لأنه عين وقت وجوبها، و جرى مجرى من نوى صلاة أمس، فإنه يجزيه عن القضاء، و انما يتصور الخلاف فيمن عليه فائتة الظهر إذا صلى وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة لا تقع بحكم فائتة الظهر إذا صلى وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة لا تقع بحكم الوقت عندنا و تقع عند المجوزين، و إذا كان نسي أنه صلى فصلى ثانيا ينوي صلاة الفريضة فإنه لا يجزيه عن القضاء عندنا و يجزي عندهم» إلى آخره. و هو كالصريح في وجوب نية ذلك مع التعدد، فلعلهم يريدون مثله في الوجوب و الندب أيضا، و إلا أشكل عليهم الفرق بين المقامين.

165

كما أنه يشكل عليهم ذلك بالنسبة إلى نية القصر و التمام التي لا أجد خلافا في عدم اعتبارها مع عدم التعدد في الذمة و التخيير، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب كما عن شرح النفلية الاتفاق عليه، بل في المحكي عن كشف الالتباس أن المشهور عدم اعتبار ذلك في مواضع التخيير أيضا، كما أن في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب أيضا بل في الرياض لا أجد فيه خلافا إلا من المحقق الثاني فأوجبه، و احتمله الشهيد في الذكرى قلت: قد حكي الجزم به عنه في الدروس و موضع من البيان و الموجز و جامع المقاصد و تعليق النافع و الجعفرية و شرحيها، كمن كان عليه قضاء قصرا و تماما.

لكن على كل حال لا ريب في أن الأكثر على عدم الاشتراط، و الفرق بينهما في غاية الإشكال حتى على القول بأن مراعاة التمييز للتعدد بزعم المكلف، إذ مثله جار في المقام، نعم بناء على المختار عدم اشتراط ذلك حال عدم التخير و التعدد واضح، إذ الاتحاد كاف، فإذا قصد الامتثال بصلاة الظهر مثلا أجزأه ذلك قطعا، بل قد يقال به لو نوى الخلاف جهلا مثلا، لأنه قد قصد الامتثال بإيقاع صلاة الظهر و هي في الواقع التمام، فغلطه بوصفها بالقصر غير قادح، و ليس هذا خلوا عن نية الركعتين الأخيرتين مثلا، أو زيادة في المكلف به في العكس بعد أن كان قصده صلاة الظهر التي هي في الواقع أحدهما، و القصرية و التمامية من الأحكام اللاحقة لها، بل هما عند التأمل الجيد كالقنوتية مثلا في الصلاة و عدمها، و ربما يومي اليه تمثيلهم بهما للتخيير بين الأقل و الأكثر و غير ذلك.

نعم ربما يتخيل هنا بعض الصور التي لا تخلو من إشكال، بل الفرض لا يخلو عنه أيضا بناء على أن القصر و التمام ماهيتان مختلفتان، ضرورة كون المنوي حينئذ غير المكلف به، فلا يجزي و إن اشترك الماهيتان بالركعتين مثلا، فتأمل جيدا حتى يظهر لك الحال في الحكم في مقام التخيير، إذ على الأول يتجه أيضا عدم وجوب التعرض

166

في النية لهما، إذ هما حينئذ كباقي أحكام الفريضة الذي من المعلوم عدم وجوب التعرض في النية له، بل يجزيه نية فريضة الظهر، و هو بالخيار في الإتيان بأحد فرديها، حتى لو عزم على أحدهما من أول الأمر لم يلتزم به، و كان له اختيار الفرد الآخر، للأصل السالم عن معارضة ما يدل على التزامه بما عزم عليه من أحدهما.

و من هنا صرح غير واحد من الأصحاب ببقاء التخيير له في الأثناء كالابتداء بل بذلك استدل بعضهم على عدم وجوب التعرض في النية، و إن كان قد يناقش فيه بأن جواز العدول له عما نواه أعم من عدم وجوب التعرض في النية لذلك، إذ أقصاه أنه كالعدول من الحاضرة إلى الفائتة، اللهم إلا أن يريد بقاء التخيير الأول، و أن تعيينه أحدهما كعدمه لا يلتزم به و لا تتشخص الصلاة به لذلك، فليس هو عدولا، بل الحكم الأول باق، و من ذلك يعلم قاعدة، هي أن كل ما لا يتعين في العمل لا يتعين في النية، و على كل حال فالمتجه بناء على ذلك عدم وجوب التعرض في النية و عدم الالتزام به لو تعرض، بل ليس التعرض المزبور سوى أنه عزم منه على اختيار أحد الفردين لا يلتزم به و لا يشخص ما وقع من أفعاله لما نواه.

أما بناء على انهما ماهيتان مختلفتان فيمكن القول بوجوب التعيين، و أنه يتعين عليه ما نواه، بل لا يخلو القول بالعدول لاستصحاب التخيير أو إطلاق دليله من إشكال، و حينئذ فلو شك في العدد على وجه يمكن علاجه على تقدير اختيار الأربع جاز له حينئذ البناء على التمام و العمل بما يقتضيه الشك، إذ احتمال البطلان- لأنه الأصل في الشك، فليس له حينئذ اختيار التمام بعد حصول الشك كما هو الفرض- في غاية الضعف، للأصل و غيره، نعم يمكن القول بتعين اختيار التمام عليه تجنبا عن إبطال العمل، و لأنه كتعذر أحد فردي المخير عليه، فيتعين عليه الفرد الآخر، بل قد يقال ذلك فيما لو كان من نيته القصر و شك، لما عرفت من عدم التعين بنيته عليه بحيث يكون عدولا منه

167

لو اختار التمام بعد ذلك، بل أقصاه أنه عزم منه على فعل أحد الفردين الذي هو القصر، فمع فرض تعذره عليه بالشك المزبور تعين عليه الفرد الثاني، فتأمل جيدا فإنه دقيق، و منه يعلم بطلان الاستدلال على وجوب التعيين باختلاف الأحكام في الشك و غيره، مضافا إلى أن مثله لا يقضي بالتعيين، إذ أقصاه البطلان في الفرض المزبور.

و من ذلك كله ظهر لك ما في عبارة المصنف و ما ضاهاها، بل قوله فيها: «إن حقيقة النية استحضار» إلى آخره كما ترى، و كأنه به عرض الشهيد في الذكرى بقوله: «إن من الأصحاب من جعل إحضار ذات الصلاة و صفاتها هي المقصودة، و الأمور الأربعة مشخصات للمقصود، أي يقصد الذات و الصفات مع التعيين و الأداء و الوجوب و القربة، و كانت نيته هكذا أصلي فرض الظهر بأن أوجد النية و تكبيرة الإحرام مقارنة لها ثم أقرأ و يعدد أفعال الصلاة إلى آخرها، ثم يعيد أصلي فرض الظهر على هذه الصفات أداء لوجوبه أو ندبه قربة إلى الله تعالى» و لقد أجاد في رده بأنه و إن كان هذا مجزيا إلا أن الاعراض عنه من وجوه ثلاثة: أحدها أنه لم يعهد من السلف، و ثانيها أنه زيادة تكليف، و الأصل عدمه، و ثالثها أنه عند فراغه من التعداد و شروعه في النية لا تبقى تلك الاعداد في التخيل مفصلة، فإن كان الغرض التفصيل فقد فات، و إن اكتفي بالتصور الإجمالي فهو حاصل بصلاة الظهر، إذ مسماها تلك الأفعال، على أن جميع ما عدده انما يفيده التصور الإجمالي، إذ واجب كل واحد من تلك الأفعال لم يتعرض له، مع أنها أجزاء، منها مادية أو صورية، و احتمال إرادة المصنف من صفة الصلاة كونها ظهرا واجبة مؤداة يدفعه قوله: «و القصد إلى أمور أربعة» فتعين حمله على إرادة ما سمعت الذي فيه مضافا إلى ما عرفت أنه ليس هو حقيقة النية، و انما هو تشخيص المنوي. إذ النية أمر واحد بسيط، و هو القصد إلى فعل الصلاة المخصوصة، و الأمور المعتبرة فيها التي يجمعها اسم المميز انما هي مميزات

168

المقصود، و هو المنوي لا أجزاء لنيته، بل القربة المفسرة عندهم بغاية الفعل المتعبد به خارجة عنها أيضا.

نعم لما كانت النية عزما و إرادة متعلقة بمقصود معين اعتبر في تحققها إحضار المقصود بالبال أولا بجميع مشخصاته كالصلاة مثلا، و كونها ظهرا واجبة مؤداة مثلا، ثم يقصد إيقاع هذا المعلوم على وجه التقرب إلى الله تعالى، فلفظة أصلي مثلا هي النية، إذ هي و إن كانت مقدمة لفظا فهي متأخرة معنى، لأن الاستحضار القلبي الفعلي يصير المتقدم من اللفظ و المتأخر في مرتبة واحدة، قال في المسالك: «و قد أفصح عن هذا المعنى أجود إفصاح الشهيد في دروسه و ذكراه» قلت: قال في الأول: «لما كان القصد مشروطا بعلم المقصود وجب إحضار ذات الصلاة و صفاتها الواجبة من التعيين و الأداء و القضاء و الوجوب، ثم القصد إلى هذا المعلوم لوجوبه قربة إلى الله تعالى مقارنا لأول التكبير» إلى آخره، و قال في الثاني: «النية قصد، و متعلقة المقصود، فلا بد من كونه معلوما، فيجب إحضار ذات الصلاة و صفاتها الواجبة من التعيين و الأداء و القضاء و الوجوب للتقرب إلى الله تعالى، ثم يقصد إلى هذا المعلوم، و تحقيقه أنه إذا أريد نية الظهر مثلا فالطريق إليها إحصار المنوي بمميزاته عن غيره في الذهن، فإذا حضر قصد المكلف إلى إيقاعه تقربا إلى الله تعالى و ليس فيه ترتيب بحسب التصور و إن وقع ترتيب فإنما هو بحسب التعبير عنه بالألفاظ، إذ من ضرورياتها ذلك، فلو أن مكلفا أحضر في ذهنه الظهر الواجبة المؤداة ثم استحضر قصد فعلها تقربا إلى الله و كبر كان ناويا، و لو جعل القربة مميزا كأن يستحضر الظهر الواجبة المؤداة المتقرب بها و يكبر مع إرادة التقرب منه صحت منه النية، و لكنه يكفي إرادة التقرب منه عن استحضاره أولا و عن جعله مشخصا رابعا، و لا يكفي تشخيصه عن جعله غاية،

169

قلت: فإذن الأولى الاقتصار على ذكره غاية مقترنا بلام التعليل كما سمعته من النظم أولا لا مشخصا مع ذلك، إذ هو حينئذ كالعبث، ثم قال: «فان قلت: بين لي انطباق هذه العبارة على النية المعهودة، و هي أصلي فرض الظهر، إلى آخره، فان مفهوم هذه العبارة يقتضي أن قوله: «أصلي» بعد ذلك الإحضار، فيلزم تكرار النية أو نية النية، و هما محالان، قلت: إذا عبر المكلف بهذه الألفاظ فقوله: «فرض الظهر» إشارة إلى القرب و التعيين «و أداء» إلى الأداء، و «لوجوبه» إلى ما يقوله المتكلمون من أنه ينبغي فعل الواجب لوجوبه أو وجه وجوبه، و قوله: «قربة إلى الله» هي غاية الفعل المتعبد به، و في هذا إحضار الذات و الصفات كما ذكر، فقوله: «أصلي» هو عبارة عن القصد المتعلق بها، و هو و إن كان متقدما لفظا فإنه متأخر معنى، و في قولنا:

«للتقرب إلى الله» إشارة إلى فائدة، هي أن الغاية ليست متعددة بل هي متحدة، أعني التقرب إلى الله الذي هو غاية كل عبادة، و على ترتيب النية المعهودة بتلك الألفاظ المخصوصة و انتصابها على المفعول له أو الإتيان فيها بلام التعليل يشكل إعرابه من حيث عدم جواز تعدد المفعول لأجله إذا كان المغيا واحدا إلا بالواو، و اعتذر عنه بعض النحاة من الأصحاب بأن الوجوب مثلا في هذه النية غاية لما قبله، و التقرب غاية للوجوب، فيتعدد الغاية بسبب تعدد المغيا، فاستغنى عن الواو، و إذا صورت النية على الوجه الذي ذكرناه لم يكن إلا غاية واحدة، و يزول ذلك الإيراد من أصله، مع أنه ليس له تعلق بالنية الشرعية، بل متعلق بالألفاظ التي لا مدخل لها في المقصود، فإن أريد التعيين بنية تطابق ما ذكرناه ملفوظة فليقل: أصلي فرض الظهر الواجب المؤدي أو المقضي قربة إلى الله، و هذه العبارة كافية في هذا المقام و نحوها من العبارات، و الغرض بها إيصال المعاني إلى فهم المكلفين كما قيل لا التلفظ بها» و نقلناه بطوله لما فيه من كمال الإفصاح بما عند المشهور من النية، و قد أنكر عليهم متأخرو المتأخرين ذلك،

170

بل عدوه من جملة الخرافات قائلين: إن النية هي الداعي لا هذا الاخطار الذي هو حديث فكري و مثارة للوسواس في قلوب أكثر الناس، خصوصا بعد ما تسمعه من الأقوال في اعتبار مقارنة النية للتكبير بخلافه على القول بالداعي، و لذا قال راجزهم:

و يلزم اقترانها بالداعي * * *و الخطب سهل فيه ذو اتساع

و لا كذاك الأمر في الاخطار * * *فهو مع الضيق على إخطار

لكن ربما كان نوع غموض في المراد من الداعي في كلامهم، و ربما انساق إلى الذهن منه العلة الغائية، و كون النية عبارة عنها كما ترى، و الظاهر أن مرادهم به الإرادة المسماة بالباعث في لسان الحكماء المؤثرة في وجود الفعل من الفاعل المختار المنبعثة عن تصور الغاية و الإذعان بها، و كشف الحال أن القلب له معنيان: أحدهما اللحم الصنوبري الذي في تجويفه دم أسود، و الثاني لطيفة ربانية روحانية لها تعلق بالقلب الجسماني، و هو المدرك من الإنسان و المكلف المخاطب، إذ به يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات، بل هو حقيقة الإنسان بخلاف الأول المشترك بينه و بين غيره، و يطلق عليه بهذا المعنى العقل، بل ربما أطلق عليه اسم الروح و النفس، كما أنه قد يطلقان على غيره، بل العقل أيضا قد يطلق على غير المعنى المزبور، ثم إن للقلب جنودا، و ذلك لأنه لما كان اكتساب الكمالات الإنسانية موقوفا على البدن فلا بد من حفظه بجلب ما يوافقه و دفع ما ينافيه، فأنعم الله تعالى على القلب بجندين: باطن و هو الشهوة، و ظاهر و هو آلتها، و لما توقف الشهوة للشيء و النفرة عنه على معرفة ذلك أنعم الله عليه في المعرفة بجندين باطنيين أحدهما الإدراكات الخمس، و منازلها الحواس الخمس الظاهرة، و ثانيهما القوى الخمس، و منازلها تجويف الدماغ، فإذا علم الموافق اشتهاه و انبعث على جلبه، و إذا علم المنافر نفر عنه و انبعث على دفعه، و الباعث يسمى إرادة، و هي المعبر عنها عند الأصحاب بالداعي، لأنها هي التي تدعو لوقوع الفعل و وجوده في الخارج، بل ربما كانت العلة التامة فيه باعتبار

171

أنها جزء أخير، و المحرك للأعضاء قدرة، فجميع جنود القلب ثلاثة: الإرادة و القدرة و القوى الدراكة الظاهرة و الباطنة، و لما اصطحبت في الإنسان هذه الجنود اجتمعت فيه أربعة أوصاف: سبعية تحمله على العداوة، و بهيمية تحمله على الشره و الحرص، و ربانية تحمله على الاستبداد و الانسلال من القيود السفلانية و الإطلاق عن ربقة العبودية، و شيطانية تحمله على المكر و الخديعة، فمن تسخرت نفسه للصفة الربانية فحبل الله قصده، و الآخرة مستقره، و الدنيا منزله، و البدن مركبة، و اللسان ترجمانه، و الأعضاء خدمه و الحواس جواسيسه، تؤدي ما تطلع عليه من المحسوسات إلى الخازن، و هو القوة الخيالية، ثم يعرض الخازن ذلك على الملك أعني حقيقة الإنسان، فتقتبس منه ما يحتاج إليه في تدبير منزله و نيل السعادة في آخرته، و لتمام تحقيق هذه المطالب محل آخر.

انما المراد بيان ان الداعي عبارة عن تلك الإرادة المؤثرة في وجود الفعل المنبعثة عن تصور غاية الفعل، و بها يكون الفعل منويا، إلا أنه إذا كان عبادة اعتبر فيها كونها منبعثة عن إرادة قصد الامتثال و ما تصور له من الغايات و أذعن بها، و لا يتوقف ذلك على خطور الغاية في الذهن عند الفعل، بل يكفي وجودها في الخزانة، بل لا يتوقف على تصور الفعل حين الفعل، بل تصوره السابق مجز، بل تعيينه السابق حيث يكون متعددا أيضا كاف نعم قد يحتاج إلى خصوص التعيين إذا فرض عدم انبعاث الإرادة المؤثرة في وقوعه عن تصور غاية الفعل المعين، و لعل الحكم في النصوص يكون ما في يده من الأفعال لما قام لها من الفريضة يومي إلى بعض ما ذكرناه على أحد الوجهين، إذ يمكن أن يكون ذلك لانبعاث تلك الإرادة عن التعيين الذي حصل في الذهن و وقع القيام له فظهر من ذلك أنه لا يتوقف في كون الفعل منويا مقصودا به الامتثال على أزيد من مقارنته أول الفعل لتلك الإرادة المنبعثة عن ما عرفت، و لا يحتاج إلى خطور غيرها فضلا عن الاستحضار الذي هو في الحقيقة علم بالخطور و التفات آخر للقلب إلى ما حصل

172

فيه من تلك الإرادة، كباقي المعاني التي تحصل للإنسان من الفرح و الهم و الغم و الجوع و الشبع و نحوها، فان حصولها شيء، و العلم بحصولها شيء آخر، و من الواضح عدم توقف حصولها على تصوره و الالتفات اليه و العلم به، فحينئذ حصول القصد إلى الفعل غير محتاج إلى الاستحضار المزبور و الإخطار، إذ لا يكاد يخفى على ذي مسكة وقوع الأفعال من الفاعلين على وجه يعدون به من المختارين غير الغافلين و الساهين من دون تصور القصد المتعلق بها و بلا التفات للنفس إلى ذلك، و العلم بوجود المكلف به واقعا أو شرعا أمر آخر لا مدخلية له فيما نحن فيه، إذ يكفي فيه حصوله و لو بعد الفراغ من الفعل فضلا عن حال النية، على أن ما ذكروه من الاخطار لو كان منشأه ذلك لوجب في سائر أفعال الصلاة، ضرورة توقف الجميع على حصول العلم بالمكلف به، على أن حصول القصد المقارن للفعل ضروري للنفس غير محتاج إلى التفاتها اليه، فهو كالوجع غير محتاج العلم به إلى الاخطار المزبور.

و الذي أظنه أن الأصحاب أجل من أن يخفى عليهم ذلك، و قد صرحوا بأن النية أمر بسيط هو القصد إلى الفعل المعين، إلا أنهم لما أرادوا تصوير ذلك باللفظ لإفهام المكلفين و لم يكن ثم لفظ موضوع للدلالة مطابقة على نفس القصد المزبور احتاجوا في بيانه إلى لفظ «أصلي» و نحوه مما معناه «أقصد» الذي هو زائد على نفس حصول القصد، إذ هو كقولك: «أطلب الضرب» الذي يدل بالالتزام على النسبة الناقصة التي هي حصول الطلب في النفس، و لعلهم يريدون من لفظ «أقصد» المعنى الإنشائي الذي عين تعلق القصد بالمقصود، فلا يكون زائدا على ما ذكرناه من الداعي، و قولهم:

«إخطار» و «استحضار» و نحوهما يراد به حيث يكون المكلف خاليا من التصور السابق التي تكون الإرادة منبعثة عنه و كان الخطور موقوفا عليهما، أو نفس خطور القصد المزبور بحيث لا يكون غافلا و لا ساهيا و لا موجدا للفعل بإرادة أخرى منبعثة

173

عن غرض آخر، لا أن مرادهم تصور خطور القصد الذي لا مدخلية له في وجوده كما هو واضح.

و من ذلك و نحوه ظن متأخرو المتأخرين من هذه الألفاظ في كلامهم اعتبارهم هذا التصور في تحقق النية مع وضوح عدم توقف شيء من الأفعال على ذلك، على أنه ربما كان الداعي إلى كثرة ما سمعته من الكلام و زيادة الإيضاح شدة الاحتياط في العبادة و شدة اعتبار النية فيها، و أنها في الأعمال بمنزلة الروح في البدن، مضافا إلى ما في بعض النصوص (1) من بيان حكمة رفع اليدين بالتكبير بأن فيه إحضار النية و إقبال القلب على ما قصد مما يشعر برجحان الاخطار المزبور، و الله أعلم.

و كيف كان فمما ذكرنا ظهر لك أنه لا عبرة باللفظ في النية عندنا كما في التذكرة، لما عرفت من أنها أمر قلبي لا مدخلية للألفاظ فيها، بل في المحكي عن الخلاف و غيره عدم استحبابه أيضا، و في التذكرة ما يشعر بدعوى الإجماع عليه للأصل بل في البيان أن الأقرب كراهته، لأنه إحداث شرع و كلام بعد الإقامة، و ربما نوقش فيه بأنه يمكن استثناؤه، لأنه مما له تعلق بالصلاة خصوصا مع الإعانة على خلوص القصد و إن كان في استفادة ذلك من الأدلة على وجه لا يفرق بين الجماعة و الفرادى و بين نفس الصلاة و مقدماتها كالاتيان بالساتر و نحوه منع ظاهر، نعم قد يستفاد من تعليل رجحان رفع اليدين بأن فيه إحضار النية و القلب على ما قصد استحباب كل ما له مدخلية في ذلك من لفظ و غيره، و لعله إليه أومأ بعضهم بقوله: إنه ينبغي الجمع، فان اللفظ أعون على خلوص القصد، لكن في الذكرى أن فيه منعا ظاهرا، و الانصاف أنه لا رجحان له بنفسه، و يختلف باختلاف الناوين و أحوالهم، فقد يعين على القصد فيترجح و قد يخل فالخلاف، و بذلك يمكن ارتفاع الخلاف، و ما يقال- من أنه تشريع محرم،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 11.

174

و من أن الإتيان به مع الدرج يستلزم إما مخالفة اللغة إن أثبت همزة لفظ الجلالة في تكبيرة الإحرام، و في الاجتزاء بها حينئذ منع، لكونها ملحونة، أو الشرع إن حذفها، لأن الثابت من الإحرام بها مقطوعة الهمزة- يدفعه أنه لا تشريع فيه فيما سمعت، و اختصاص الثاني بحال الدرج، مع أن مثله جار فيما ورد من الأدعية بين التكبيرات التي منها الدعاء المتصل بتكبيرة الإحرام، أما إذا وقف فلا إشكال، إذ احتمال فوات المقارنة بذلك كما ترى، ضرورة أن مثل زمان الوقف لا يفوتها، على أن المعتبر المقارنة القلبية، و الوقف على اللفظ لا ينافي حصولها، فظهر لك أن التحقيق ما ذكرنا، و كأن الذي حمل الأصحاب على التعرض لذلك ارادة الرد على المحكي عن أكثر أصحاب الشافعي من استحباب اللفظ بالنية بأنه لم يثبت رجحان له بالخصوص عندنا، و الله أعلم.

و كيف كان ف وقتها عند أول جزء من التكبير لأن به تتحقق المقارنة التي لا ريب في اعتبارها، بل الإجماع بقسميه عليها، مضافا الى ظهورها من مثل

قوله (عليه السلام) (1): «لا عمل إلا بنية»

بل و قوله تعالى (2) «وَ ما أُمِرُوا» الى آخره، بل صدق الامتثال و المنوي من الأفعال موقوف عليها، فما عن بعض العامة- من جواز التقدم يسيرا قياسا على الصوم الذي تتعذر أو تتعسر المقارنة فيه بناء على الإخطار- في غاية الضعف، نعم الظاهر تحقق المقارنة فيما نحن فيه لو اتصلت به بحيث كان آخر جزء منها عند أول جزء منه، بل في الرياض أنه يظهر من التذكرة دعوى الإجماع على صحة العبادة بالمقارنة بهذا المعنى، و منه يعلم ضعف المحكي عن بعض الأصحاب- و إن كنا لم نتحققه- من أن وقتها بين الألف و الراء، مضافا الى ما فيه من العسر و خلو أول التكبير من النية، بل لو أريد من قوله: «بين» الى آخره الاجتزاء بها

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب النية- الحديث 1 و 4.

(2) سورة البينة- الآية 4.

175

في هذا الوقت و إن كانت بين الباء و الراء منه لزم خلو الأكثر من ذلك عن النية، بل إن أريد البسط منه فكذلك أيضا، ضرورة إمكان حصول تصور المنوي منه بمميزاته ثم يقصده بين الباء و الراء، و يحتمل أن يريد حصول تمام النية عند همزة لفظ الجلالة إلا أنها تبقى مستمرة إلى الراء، فيكون المراد حضورها بين الألف و الراء، و هو كما ترى أيضا، و كفى بإجمال المراد منه موهنا له.

و نحوه القول بأنها عند أول جزء من التكبير مستمرة إلى انتهائه كما عن العلامة في التذكرة و الشهيد في الذكرى، لأن الدخول في الصلاة انما يتحقق بتمام التكبير بدليل أن المتيمم لو وجد الماء قبل إتمامه وجب عليه استعماله، بخلاف ما لو وجده بعد الإكمال و المقارنة معتبرة، فلا تتحقق من دونها، و فيه أنه لا يتأتى بناء على أن آخر التكبير كاشف عن الدخول في الصلاة في أوله، بل لو لم نقل بذلك فلا ريب في تحقق الدخول بالشروع في التكبير الذي هو جزء من الصلاة بإجماعنا، فإذا قارنت النية أوله فقد قارنت أول الصلاة، لأن جزء الجزء جزء، و لا ينافي ذلك توقف التحريم على انتهائه و وجوب استعمال الماء قبله، لأن ذلك حكم آخر لا ينافي صدق المقارنة للأول.

و أما القول باعتبار حصولها مقارنة للأول الذي هو رابع الأقوال بمعنى اتحادهما في الزمان بحيث لا يجزي الاتصال الذي ذكرناه فهو- مع ما فيه من العسر بناء على إرادة إخطار القصد و المقصود بمميزاته- لا دليل على تعيينه، هذا كله بناء على أن النية هي الاخطار، أما على القول بالداعي على التفسير الذي سمعته سابقا فلا يحتاج إلى شيء من هذه التكلفات، ضرورة حصوله و عدم انفكاك فعل المختار غير الغافل عنه، كما هو واضح بعد الإحاطة بما ذكرناه هنا و في باب الوضوء، بل ذكرنا هناك ما يعلم منه قول المصنف هنا:

و يجب استمرار حكمها إلى آخر الصلاة، و هو أن لا ينقض النية الأولى

176

بما لا مزيد عليه، و قلنا أيضا إن الظاهر اختلاف الاستدامة باختلاف المعتبر في النية حتى أن من قال باعتبار نية الوجه و الأداء و القضاء ينبغي أن يقول بالاستدامة فيه أيضا اللهم إلا أن يكون المدار عنده على أول الصلاة أخذا ب ما دلت عليه النصوص (1) من أن الصلاة على ما افتتحت عليه، فحينئذ لو نوى الندب في الأثناء بعد أن نوى الفريضة صح فعله إذا كان ذلك خطأ منه بمعنى تخيل كون ما نواه ندبا كما صرح به في الذكرى قال: «لو نوى الفريضة ثم غربت النية لم يضر، و لو نوى النفل حينئذ ببعض الأفعال أو بجميع الصلاة خطأ فالأقرب الإجزاء، لاستتباع نية الفريضة باقي الأفعال، فلا يضر خطأه في النية» قلت: و أولى منه بالصحة إذا كان ذلك منه مجرد اعتقاد أن ما نواه أولا نفل، بل قد يتخيل أن ذلك مورد النصوص لا ما يشمل الصورة الأولى و إن كان فيه منع واضح، ففي

حسن ابن المغيرة أو صحيحه في كتاب حريز (2) انه قال: «إني نسيت أني في صلاة فريضة حتى ركعت و أنا أنويها تطوعا قال: فقال: هي التي قمت فيها، إذا كنت قمت و أنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، و إن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة، و إن كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك فامض في الفريضة»

و في خبر يونس (3) ان معاوية سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فنسيها فظن أنها نافلة أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة فقال: هي على ما افتتح الصلاة عليه»

و في خبر عبد الله بن أبي يعفور (4) أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة و هو ينوي أنها نافلة فقال: هي التي قمت فيها و لها، و قال:

إذا قمت و أنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 3.

177

و إن كنت دخلت فيها و أنت تنوي نافلة ثم أنك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، و انما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته»

و ظهور السؤال في بعضها في ذلك لا يقضي باختصاص إطلاق الجواب به أيضا، بل يمكن دعوى شمول بعض هذه النصوص لصورة العمد فيما لو نوى ببعض الأجزاء غير ما نوى عليه الجملة من الوجه أو الأداء و القضاء تخيلا منه صحة ذلك أو عبثا أو جهلا منه بوجوب ذلك الجزء أو ندبه مثلا، لإطلاق النصوص السابقة المؤيدة بأن الأجزاء ليست لها نية مستقلة، بل نيتها تتبع نية الجملة الصالحة للتأثير فيها، نعم لو نوى بالجزء أنه قضاء عن فعل آخر مثلا تخيلا منه صحة ذلك بعد رفع اليد عن كونه جزءا للكل الذي نواه أولا اتجه البطلان، لأنه في الحقيقة كنية غير الصلاة ببعض الأفعال، أما لو جمع بأن نوى به القضاء مثلا مع كونه جزءا مما في يده من الصلاة الأدائية تخيلا منه جواز ذلك أو كان لغوا فقد يقوى الصحة، للأصل، و تبعية نية الجزء لنية الكل، فلا تؤثر فيه مثل هذه النية، و قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (1) المروي عن المستطرفات: «لا قران بين صومين، و لا قران بين صلاتين، و لا قران بين فريضة و نافلة»

لو سلم إرادة الجمع بالنية بين الفرضين من القران فيه محمول على ابتداء الفعل لا ما إذا وقع ذلك في بعض الأجزاء، فتأمل جيدا.

و كيف كان فلا إشكال في وجوب الاستدامة لكن بمعنى عدم خلو جزء من الصلاة عنها، ف لو نوى الخروج حينئذ من الصلاة بعد أن حصلت النية الصحيحة منه ثم رفض ذلك قبل أن يقع منه شيء من أفعال الصلاة و عاد إلى النية الأولى لم تبطل الصلاة على الأظهر وفاقا للمحكي عن الخلاف و غيره، و اختاره شيخنا في

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النية- الحديث 2.

178

كشفه، للأصل و الإطلاقات، خصوصا مثل

قوله (عليه السلام) (1): «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة»

إلى آخره، و لعدم تصور مانع هنا عدا فقد النية، و الفرض وقوع جميع الصلاة بها، و لظهور

قوله (عليه السلام) (2): «تحريمها التكبير»

إلى آخره.

في حصول الحبس بتكبيرة الإحرام، و أنه لا يفكه منه إلا ما جعله الشارع سببا للفك، و دعوى كون ذلك من إبطال العمل كالحدث و نحوه فيرتفع الحبس الذي مداره العمل الصحيح محتاجة إلى الدليل على كون ذلك مبطلا، بل قد يومي حصر التحليل بالتسليم باعتبار كونه منافيا للصلاة إلى عدم الخروج بنية الخروج به التي قيل بوجوبها مقارنة له، فتأمل.

و خلافا لجماعة فتبطل، بل المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا، إذ هو خيرة المبسوط و الخلاف في آخر كلامه و التحرير و الإرشاد و نهاية الأحكام و المختلف و الإيضاح و الذكرى و الدروس و الألفية و الموجز و كشف الالتباس و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و الجعفرية و الغرية و إرشاد الجعفرية و الميسية و المسالك و الروضة و الروض على ما حكي عن بعضها، بل عن المنتهى قربه، و المقاصد العلية تقويته لقاعدة الشغل الممنوعة عندنا، و لأن نية الخروج تقتضي وقوع ما بعدها من الأفعال بغير نية، فلا يكون مجزيا، و هو كما ترى مخالف لمفروض المسألة، بل قد ينقدح من استدلالهم بذلك لفظية النزاع، و أن مراد القائل بالبطلان ما لو أوقع باقي أفعال الصلاة في هذا الحال، و مراد الآخر عدم البطلان من حيث نية الخروج فقط لا مع خلو باقي الأفعال عن النية و حكمها و دعوى عدم انفكاك نية الخروج عن ذلك، لعدم فترة في الصلاة، فلا بد من وقوع استمرار القيام مثلا أو غيره بلا نية يدفعها أنه لا دليل على البطلان بخلو مثل هذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 10.

179

الاستمرار من القيام عن النية، و لا تبطل الصلاة بتخلله، إذ هو- مع أنه ليس من الأفعال عرفا بل و لا عقلا، بناء على عدم احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر- يمكن فرض المسألة حينئذ فيما إذا لم يطل بحيث يخرج عن كونه مصليا، و عدم الفترة في الصلاة بحيث يشمل الفرض ممنوع، كمنع اعتبار الاستدامة في الصلاة على وجه يكون العزم على الفعل متصلا، بل المسلم منه عدم خلو شيء من أفعال الصلاة عن النية.

فالاستدلال حينئذ على البطلان بأن الاستمرار على حكم النية السابقة واجب إجماعا كما تقدم، و مع نية الخروج يرتفع الاستمرار غير متجه، بل رده في المدارك بأن وجوب الاستدامة أمر خارج عن حقيقة الصلاة، فلا يكون فوته مقتضيا لبطلانها، إذ المعتبر وقوع الصلاة بأسرها مع النية كيف حصلت، و قد اعترف الأصحاب بعدم بطلان ما مضى من الوضوء بنية القطع إذا جدد النية لما يقع منه من الأفعال قبل فوات الموالاة، و الحكم في المسألتين واحد، و الفرق بينهما بأن الصلاة عبادة واحدة، و لا يصح تفريق النية على أجزائها بخلاف الوضوء ضعيف جدا، فإنه دعوى مجردة عن الدليل، و المتجه تساويهما في الصحة مع تجديد النية لما بقي من الأفعال، لكن يعتبر في الصلاة عدم الإتيان بشيء من أفعالها الواجبة قبل تجديد النية، لعدم الاعتداد به، و استلزام إعادته الزيادة في الصلاة، و إن كان فيه نظر من وجوه: أحدها منع خروج وجوب الاستدامة عن حقيقة الصلاة، ضرورة كونه عوضا عن النية التي من المعلوم توقف الصحة عليها، نعم المتجه منع وجوب الاستدامة بمعنى الاتصال، بل المسلم منه عدم خلو شيء من الأفعال عن النية، و ثانيها وضوح الفرق بين الصلاة و الوضوء بمراعاة الهيئة فيها دونه، و لذا لا يجوز ارتفاع شيء من الشرائط كالاستقبال و الاستتار و الطهارة و نحوها في شيء منها، بل التعبير عن ذلك فيها بالانقطاع بخلاف غيرها فبالبطلان أوضح شيء في اعتبار الاتصال فيها، كما أوضحنا ذلك في محله، ثالثها كون المتجه على ما ذكره عدم

180

الفرق بينها و بين الوضوء مطلقا حتى لو فعل بعض أفعالها، إذ دعوى استلزام الزيادة في الإعادة يدفعها عدم وقوع الأول من الصلاة، إذ الفرض أنه جاء به حال نية الخروج فلا زيادة بالإعادة، فالمتجه حينئذ تساويهما من هذه الجهة أيضا.

و منه يعلم فساد ما في كشف اللثام من احتمال البطلان لكونه كتوزيع النية على الأجزاء، ضرورة جريان مثله في الوضوء المعلوم عدم البطلان فيه بذلك، فينحصر التوزيع المبطل فيما لا يشمل مثل ذلك، نعم يمكن الفرق بينهما بما أشرنا إليه من اعتبار الاتصال في الصلاة و عدمه في الوضوء، و لعل هذا هو مدار المسألة في المقام، كما يومي اليه إطلاق البطلان بنية الخروج ممن قال به و عدمه بها من غير تقييد من كل منهما بإتيان بعض الأفعال و عدمه، و ما ذاك إلا لأن القائل بالأول يدعي بطلان الصلاة بمجرد فوات اتصال العزم الأول الذي هو معنى الاستدامة عنده، فهو كفوات الاستقبال و الطهارة مثلا و غيرهما من الشرائط، فإنه لا يكفي في الصحة تلافيها لما بقي من الأجزاء فالاستدامة مثلها، و القائل بالثاني لم يثبت شرطية ذلك عنده في خصوص الاستدامة، و المسلم منه عنده عدم خلو شيء من أجزاء الصلاة من النية الإجمالية أو التفصيلية، كما أنه لم يثبت عنده البطلان بخلو الاستمرار القيامي مثلا المقارن لنية الخروج عن النية، و لعله يفرق بين اتصال النية و باقي الشرائط بأنه قد ثبت البطلان بفقدها في أثناء الصلاة كباقي الموانع و إن لم يقارن جزءا من أجزاء الصلاة، فلو كشف عورته أو استدبر القبلة مثل حال تشاغله ببعض الأفعال التي لا تقدح في الصلاة كقتل عقرب أو حية أو تناول حاجة بطلت صلاته و إن لم يقارن ذلك جزءا من أجزاء الصلاة حتى القيام، لفرض عدم كونه قائما حاله، لصدق الاستدبار و الكشف مثلا و هو في الصلاة، أي لم يتم الصلاة، بخلاف اتصال النية، فإنه ليس في الأدلة ما يقضي باعتباره كذلك، إذ ليس فيها إلا

قوله (عليه السلام): «لا عمل إلا بنية»

و هو صادق مع فرض تجديد النية

181

و رفض النية الأولى، بل قد يقال بصدقه و إن لم يجدد نية، كما هو مقتضى إطلاق المصنف و غيره الصحة مع نية الخروج، و لعله لعدم استلزام نيته الخروج نية غير الصلاة بباقي الأفعال، خصوصا لو ذهل عنها، فيبقى مقتضى النية الأولى حينئذ بلا معارض، إذ هو ليس إلا قصد غير الصلاة بباقي الأفعال، و لا تلازم بين نية الخروج و بين ذلك فتأمل جيدا فإنه لا يخلو من دقة و إن كان للبحث فيه مجال، بل الأحوط خلافه، كما أن الأحوط استيناف الصلاة بمجرد نية الخروج لكن بعد إتمامها.

و من ذلك كله يظهر لك البحث في التردد في القطع و عدمه، إذ هو كنية الخروج أيضا في جميع ما عرفت، و لذا حكي التصريح بالبطلان به عن الخلاف و نهاية الأحكام و التحرير و الذكرى و الدروس و الموجز و كشف الالتباس و جامع المقاصد و الجعفرية و الغرية و إرشاد الجعفرية، إلا أنك ستعرف أنه أولى بالصحة من نية الخروج، و على كل حال فليس منه التردد في البطلان لعروض شيء في الصلاة و عدمه كما هو واضح.

أما لو نوى في الركعة الأولى مثلا الخروج في الثانية مثلا ففي القواعد أن الوجه عدم البطلان إن رفض هذا القصد قبل البلوغ إلى الثانية، و لعله لأن قصد نقض النية غير نقضها، فلا مقتضي للفساد حينئذ، إذ لم يقصد الخروج في الحالة الأولى، و لامتناع الابطال قبل بلوغها، و انتفاء القصد عنده، لأن الفرض أنه رفضه قبل البلوغ لكن في كشف اللثام «ان الوجه عندي أنه نقض للنية، فإن أوقع بعض الأفعال مع هذا القصد كان كإيقاعه مع نيته الخروج في الحال، و إن رفضه قبل إيقاع فعل كان كالتوزيع» و هو عين تفصيله السابق في نية الخروج الذي قد عرفت إمكان المناقشة في تنزيل الإطلاقات عليه، و ربما يؤيده هنا ما في جامع المقاصد حيث قال بعد ما سمعته من القواعد: إن فيه نظرا، لأن الصلاة عبادة واحدة متصل بعضها ببعض يجب لها نية واحدة من أولها إلى آخرها، فإذا نوى المنافي في بعضها انقطع تلك الموالاة و انفصلت

182

تلك النية، فيخرج عن الوحدة، فلا يتحقق الإتيان بالمأمور به على وجهه، فلا يكون مجزيا.

و منه يظهر دليل الوجه الثاني أعني البطلان مطلقا، و هو الأصح، ضرورة ظهوره في عدم الفرق بين إيقاع بعض الأفعال و عدمه، و أن منشأ البطلان عدم اتصال النية و اتحادها، لكن قد عرفت أنه يمكن منع الدليل على اعتبار ذلك في الصلاة، فتتجه الصحة و عدم الذهول عنه حصول نية الخروج حينئذ عند بلوغ الغاية، و قد عرفت عدم اقتضائها البطلان، بل قد عرفت احتمال ذلك و إن أوقع بعض الأفعال حالها إذا لم تستلزم نية غير الصلاة بباقي الأفعال، هذا. و في القواعد بعد العبارة السابقة «و كذا لو علق الخروج بأمر ممكن كدخول شخص، فان دخل فالأقرب البطلان» و المراد إنه إن رفض القصد قبل الدخول فالوجه عدم البطلان، و كذا إن لم يقع حتى أتم الصلاة، و إن دخل و لم يرفض القصد الأول بأن كان متذكرا للتعليق مصرا عليه أو ذاهلا فالأقرب البطلان أيضا، أما الأول فواضح، و أما الثاني فلأن التعليق المذكور مع وقوع المعلق عليه ينقض استدامة حكم النية، و يحتمل الصحة احتمالا واضحا لكون الذهول كرفض القصد، و لعل التعبير بالأقرب لهذه الصورة لا للأولى، إذ الخروج فيها مع فرض التذكر و الإصرار قطعي بناء على الخروج بنية الخروج، اللهم إلا أن يدعى عدم التلازم بينهما، و هو كما ترى، أو أن الأقربية للشك في الخروج بنية الخروج كما عرفت و على كل حال فالأمر سهل.

و من ذلك يعلم ما في كشف اللثام من شرح العبارة المزبورة، نعم قد يتجه عليه كون مجرد التعليق كالتردد في الإتمام، فيتجه البطلان معه مطلقا، أو إذا أتى ببعض الأفعال معه، و إلى ما ذكرنا أشار في جامع المقاصد حيث قال: إن فقه المسألة إذا علق المصلي الخروج بأمر ممكن الوقوع أي غير متحقق وقوعه بحسب العادة كدخول زيد

183

مثلا إلى موضع الصلاة، بخلاف التعليق على الحالة الثانية بالنسبة إلى الحالة التي هو فيها، فإنها محققة الوقوع عادة، فإن قلنا في المسألة الأولى لا تبطل الصلاة بذلك التعليق مطلقا فهنا أولى، لإمكان أن لا يوجد المعلق عليه بخلافه في المسألة السابقة، و إن قلنا بالبطلان ثمة فوجهان: أحدهما العدم، لما قلناه من عدم الجزم بوقوع المعلق عليه، فلا يكون البطلان محقق الوقوع، و الأصل عدمه، و إذا لم تبطل حال التعليق لم تبطل بعده و إن وجد المعلق عليه، إذ لو أثر التعليق المقتضي للتردد لأثر وقت وجوده، فإذا لم يؤثر كان وجوده بمثابة عدمه، و هذا إذا ذهل عن التعليق الأول عند حصول المعلق عليه، فان كان ذاكرا له بطلت الصلاة لتحقق نية الخروج، و قد سبق أنها مبطلة. ثانيهما البطلان، كما لو قال: إن دخل تركت الإسلام فإنه يكفر في الحال، و كما لو شرع في الصلاة على هذه النية فإنها لا تنعقد صلاته، فلا تصح أبعاضها معها، و لما سبق من أن تعليق القطع ينافي الجزم بالنية، فيفوت به الاستدامة، و تخرج النية الواحدة المتصلة عن كونها كذلك، و هو الأصح و إن قلنا بالتفصيل في المسألة السابقة، فإن رفض القصد قبل وقوع المعلق عليه لم يبطل بطريق أولى، و إلا فوجهان، أقربهما البطلان عند المصنف، و التقريب يستفاد مما سبق، هذا. و عن ولد الفاضل أن والده في مباحثته له قال: يمكن أن يكون وجود المعلق عليه كاشفا عن مخالفة التعليق مقتضى النية المعتبرة في الصلاة في نفس الأمر، لأن وقوعه كان متحققا في علم الله تعالى، لأن الثابت على تقدير منتف منتف، قال: و تظهر الفائدة في المأموم و فيما إذا نوى إبطال هذه النية قبل وجود الصفة، أي فيكون البطلان حينئذ من حين التعليق، كما أنه بعدم وجوده ينكشف بقاء الحكم بالصحة، فلو رفض القصد قبل وقوع المعلق عليه لم ينفعه ذلك، و كان وقوعه كاشفا عن البطلان من حين التعليق، كما أنه يكشف عن بطلان صلاة المأموم إذا علم بالتعليق و لم ينفرد من حينه، إلا أنه يلزمه القول بالبطلان في المسألة

184

السابقة مطلقا، و هو خلاف ما أفتى به فيها.

و كيف كان فلا يخفى عليك وجه الصحة في أصل المسألة بناء على ما ذكرنا سواء رفض القصد أو لم يرفضه، لأنه لا يزيد مع عدم رفضه على نية الخروج، و قد عرفت وجه الصحة فيها مع الإتيان بالأفعال فضلا عن عدمه، و كونه بالتعليق كالتردد في الإتمام و عدمه يدفعه أنه لا دليل على البطلان به بعد النية الصحيحة منه، خصوصا بعد أصالة عدم الدخول و الكفر في الحال في المثال المذكور، لكون الشك في الإسلام كالجزم بالخروج عنه في تحقق الكفر، بخلاف ما نحن فيه، و الفرق بين الابتداء و الأثناء واضح لعدم حصول القصد إلى الفعل في الأول بخلاف الثاني الذي لم يعارض مقتضي النية الأولى فيه معارض، لعدم صلاحية الشك لمعارضتها، على أن فرض البحث تعليق الخروج على الدخول، فلا خروج فعلا بل هو عازم على فعل الجميع، و أنه إن دخل ينشئ حينئذ الخروج، و التردد انما هو في حصول هذا الإنشاء منه و عدمه باعتبار التردد في حصول المعلق عليه و عدمه، و مثله لا ينافي صدق العزم على فعل الجميع، بل هو كالتردد في حصول المبطل قهرا الذي من المعلوم عدم منافاته، بل في كشف الأستاذ عدم منافاة القطع بعروض المبطل، و من ذلك يظهر حينئذ أنه لا فرق في هذا التردد بين الابتداء و الأثناء، بل قد يقوى أنه لا يقدح نية الخروج في الابتداء بمعنى العزم على الخروج عن الصلاة من أول الأمر، إذ هو كنية المنافي من أوله التي ستعرف عدم اقتضائها البطلان، فتأمل. و الكشف المنقول عن الفاضل في بحثه مبناه الإنشاء فعلا على تقدير دخول زيد الذي هو معلوم عند الله وجودا أو عدما، و أن التعليق الصوري باعتبار جهلنا به، لكنه كما ترى، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[في حكم ما إذا نوى أن يفعل ما ينافي الصلاة]

و قد ظهر لك من جميع ذلك أنه كذلك المتجه الصحة فيما لو نوى

185

أن يفعل ما ينافيها و لم يفعله، إذ لا يزيد ذلك على نية الخروج التي قد عرفت عدم البطلان بها، على أنه يمكن منع استلزام ذلك نيته، و لذا كان خيرة الفاضل الذي اختار البطلان هناك الصحة هنا لكن على إشكال، بل في المدارك أنه مذهب الأكثر و في غيرها حكايته عن علم الهدى و الشيخ و ابني سعيد و الفاضل و الكاشاني، لكن المحكي عن فخر المحققين و الشهيدين و العليين و ابن فهد و الصيمري و غيرهم البطلان، بل في كشف اللثام إذا قصد فعل المنافي للصلاة فإن كان متذكرا للمنافاة لم ينفك عن قصد الخروج، و إن لم يكن متذكرا لها لم تبطل إلا معه على الأقوى كما في المبسوط و الشرائع و التحرير و المنتهى، و ظاهره حمل ما في المتن و غيره مما وافقه على ما إذا لم يكن متذكرا للمنافاة، و فيه أنه لا إشكال في الصحة حينئذ، لوجود المقتضي بلا معارض فلا يناسبه التعبير بالأقوى و نحوه، و كأن الذي ألجأه إلى ذلك دعوى وضوح ما ذكره من أنه إن كان متذكرا لم ينفك عن قصد الخروج الذي قال الفاضل و غيره فيه بالبطلان و اليه يرجع ما في جامع المقاصد معترضا به على من فرق بين المسألتين من أن الفرق بين المسألتين غير ظاهر، لأن الخروج من الصلاة من جملة المنافيات، و نيته كنية غيره من المنافيات، ثم قال: فان قلت: المنافي سبب في الخروج من الصلاة لا عينه، فافترقا، قلت: هذا الفرق غير مؤثر، فإن البطلان منوط بوجود المنافي، و عدم بقاء الصلاة مع واحد منهما قدر مشترك بينهما، فان كانت نية أحدهما منافية فنية الآخر كذلك، بل اليه يرجع المعروف في الاستدلال عليه بتنافي إرادتي الضدين، حتى أن بعضهم جعل منشأ إشكال الفاضل في الصحة الإشكال في تنافي الإرادتين، و على كل حال فقد ضعفه في المدارك بأن تنافي الإرادتين بعد تسليمه انما يلزم منه بطلان الأولى بعروض الثانية لا بطلان الصلاة مع تجدد النية الذي هو موضع النزاع، و هو جيد إلا أنه كما ترى قاض باختصاص محل النزاع في ذلك الذي مقتضى الإطلاق خلافه.

186

نعم في جامع المقاصد «ينبغي أن يكون موضع الاشكال ما إذا اجتمعت هذه النية مع نية الصلاة، فلو حصلت بعد غروب نية الصلاة فالمناسب القطع بالبطلان، لانتفاء نية أخرى لتكون مكافئة، و استدامة النية ضعيفة، لأنها أمر حكمي عدمي، و الأصح البطلان، لعدم بقاء الجزم بالنية مع ذلك التقييد، و من ثم لو شرع في الصلاة بهذا القصد لم تصح، و الجزم بالنية معتبر إلى آخر الصلاة، و إلحاق الصلاة بالحج في عدم البطلان بنية المنافي قياس من غير جامع» قلت: التحقيق عدم تنافي إرادتي الضدين، و امتناع اجتماعهما في الخارج لا يستلزم تنافيهما قطعا، لعدم الاستحالة في إرادة المحال، على أن تنافيهما إن سلم فليس لذاته بل للصارف، و يمكن أن لا يكون موجودا لكل منهما، كما أن التحقيق أيضا عدم لزوم ذلك لقصد الخروج الذي هو إنشاء قطع الصلاة و رفع اليد عنها، فمن الغريب ما سمعته من جامع المقاصد من أن الخروج كباقي المنافيات فنيته كنيتها، ضرورة وضوح الفرق بين نية الخروج بالمنافي من حيث منافاته و بين إنشاء الخروج و القطع الذي هو المراد من نية الخروج، لا أنه نوى الخروج كنية فعل المنافي، كما هو واضح بأدنى تأمل، كل هذا مع التنزل، و إلا فقد عرفت عدم البطلان بنية الخروج فضلا عما يستلزمها، كما أنك عرفت مما سبق عدم الفرق في نية المنافي بين ابتداء الصلاة و بين الأثناء في ذلك، و لعله عند التأمل كاحتمال المنافي في الأثناء الذي لا يمنع النية عند التأمل، و عدم بطلان الحج بنية المنافي ليس لدليل يقضي بصحته بلا نية بل لأنه غير مناف لها، فلا فرق حينئذ بينه و بين الصلاة، و الجزم بالنية شيء، و السلامة من العوارض شيء آخر، و من ذلك كله ظهر لك أن ما في جامع المقاصد «ينبغي» إلى آخره لا يخلو من نظر، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

هذا كله إذا نوى المنافي و لم يفعله فان فعله بطلت بلا إشكال و لا خلاف، و تعرف فيما يأتي إن شاء الله إعداد المنافيات و منافاتها عمدا و سهوا أو عمدا لا سهوا.

187

[في بطلان العبادة بالرياء في الصلاة أو غيرها]

و كذا تبطل لو نوى بشيء من أفعال الصلاة الرياء أو غير الصلاة بلا خلاف أجده، بل قيل: إنه قطع به المتأخرون في الأول لكنهم أطلقوا، قلت:

و مقتضاه حينئذ عدم الفرق في البعض بين الأقوال و الأفعال و بين الواجبة و المندوبة و القليلة و الكثيرة مع نية القربة و عدمها إن قلنا بتصور اجتماعهما، قال في كشف اللثام:

«تبطل لو نوى الرياء مع القربة أو لا معها، للنهي المقتضي للفساد» لكن في المحكي عن نهاية الأحكام «تبطل بالرياء سواء كان ذلك البعض فعلا واجبا أو ذكرا مندوبا أو فعلا مندوبا بشرط الكثرة» و عن فوائد الشرائع «تبطل إذا كان ذلك البعض واجبا أو مندوبا قوليا غير دعاء و ذكر، و لو كان مندوبا فعليا لم تبطل إلا مع الكثرة» إلا أنه لم نتحققه، و عن البيان «لو نوى بالندب الرياء فالإبطال قوي مع كونه كلاما أو فعلا كثيرا» و في الذكرى «لو نوى ببعضها الرياء و لو كان بالذكر المندوب بطلت- إلى أن قال-: و لو نوى بالزيادة على الواجب من الأفعال الوجوب أو الرياء أو غير الصلاة فإنه يلتحق بالفعل الخارج عن الصلاة فيبطل إن كثر، و إلا فلا» و نحوه في التذكرة، و ظاهر هؤلاء جميعا عدم بطلان الصلاة بالرياء في بعض الأحوال إلا إذا قارنه مبطل آخر من تخلل الفعل الكثير و نحوه.

و قد يقال: إن المتجه مقتضى الإطلاق الذي عرفت، لما فيه من التشريع بقصد جزئية ما قصد فيه الرياء، بناء على البطلان بمثل ذلك قل أو كثر قولا كان أو فعلا واجبا كان أو مندوبا، ل

قوله (عليه السلام) (1): «من زاد في صلاته»

و نحوه، و لأن الصلاة عمل واحد قد اعتبر فيه الإخلاص، و الرياء و لو ببعضه مناف للإخلاص به،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر ابن مسكان (2) في قول الله (3) «حَنِيفاً مُسْلِماً»

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 7.

(3) سورة آل عمران- الآية 60.

188

: «خالصا مخلصا لا يشوبه شيء» و قال (ع) أيضا في خبر علي بن سالم (1): «قال الله عز و جل: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان خالصا لي» و قال (ع) أيضا في خبر عمر بن يزيد (2) في حديث: «كل عمل تعمله لله فليكن نقيا من الدنس» و قال (ع) أيضا في خبر جراح المدائني (3) في قول الله عز و جل (4) «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ» إلى آخره:

«الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله انما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه أحدا

. و قال الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة و حمران (5): «لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا، و قال: من عمل للناس كان ثوابه على الناس، يا زرارة كل رياء شرك»

إلى غير ذلك مما دل على اعتبار الإخلاص في العبادة، خصوصا من الرياء الذي هو شرك، و لعل الرياء ببعض العمل ينافي الإخلاص بالعمل الذي هو عبارة عن مجموع الأفعال، نحو قولك ضربت زيدا مع وقوع الضرب على بعضه، كما أنه يمكن تحقق الإشراك بذلك، إذ هو أعم من إيقاع الفعل لله و لغيره و من إيقاع بعضه لله و الآخر لغيره، و إن كان الذي ينساق إلى الذهن الأول، و لكن مرتبة الربوبية لا تقبل الاشتراكين.

و من تأمل النصوص الواردة في الرياء و التجنب عنه يمكن أن يقطع بعدم قبول العبادة التي دخل فيها و لو بأوصافها كالجماعية و المسجدية و نحوهما فضلا عن أجزائها و لو

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 6.

(4) سورة الكهف- الآية 110.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 11.

189

كان الدخول على وجه التبعية دون الاستقلال، فالمتجه حينئذ البطلان مطلقا كما أطلقه المصنف و غيره من غير حاجة إلى التقييد بما سمعت من الكثرة و نحوها المبني على أن بطلان الصلاة ليس من جهة الرياء بل هو مبطل لخصوص ذلك البعض الذي وقع فيه، و منه يسري إلى غيره، فان كان واجبا و لم يتداركه بطل، كما أنه كذلك إذا كان فعلا كثيرا، أو صار بذلك ككلام الآدميين حتى في مثل الذكر و القرآن و لو بناء على أن المستثنى منهما في الصلاة السائغ، و إلا كانا مفسدين، فان تداركه و لم يكن فعلا كثيرا و لا كان من كلام الآدميين صحت الصلاة بناء على عدم فسادها بمثل هذا التشريع بالزيادة، و إلا بطلت مطلقا سواء تدارك أو لم يتدارك، لكن قد عرفت أن مقتضى النصوص البطلان بدخول الرياء و لو في البعض المندوب، بل الظاهر ذلك حتى لو دخل فيما زاد على الواجب من القيام و الركوع و السجود و نحوها سواء قلنا باستغناء الباقي عن المؤثر أو عدمه، إذ لا ريب في أن مجموع القيام البارز إلى الخارج مثلا من الصلاة، فمتى ضم مع ذلك الرياء أشرك في العمل و لم يكن مخلصا نقيا ما شابه شيء كما سمعته في النصوص السابقة، فتأمل جيدا.

و على كل حال فما يظهر من المرتضى (رحمه الله) في انتصاره من عدم بطلان العبادة بالرياء بل هي مجزية مسقطة للقضاء لكن لا ثواب عليها في غاية الضعف، خصوصا لو كان يريد ما يشمل استقلال الرياء بلا ضم قربة معه، ضرورة رجوعه حينئذ إلى عدم اشتراط القربة في العبادة المعلوم فساده عقلا و نقلا، بل لعله ضروري، و من هنا يجب تنزيل كلامه على صورة ضم الرياء إلى القربة كما ينبئ عنه الاستدلال له بعدم شرطية الإخلاص و إن كان واجبا، و اليه يرجع ما قيل: إن المنهي عنه الرياء في العمل لا العمل بنية الرياء، و الكل واضح الفساد كتابا و سنة.

و ما أبعد ما بينه و بين القول ببطلان العبادة بالرياء المتأخر عن العمل كالعجب

190

به، و لعله لظهور بعض النصوص (1) في ذلك، خصوصا

مرسل ابن أسباط (2) عن الباقر (عليه السلام) «الإبقاء على العمل أشد من العمل، قال: و ما الإبقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة لله وحده لا شريك له فتكتب له سرا، ثم يذكرها فتمحى و تكتب له علانية، ثم يذكرها فتمحى و يكتب له رياء»

لكن الاعتماد على ذلك و أمثاله في إثبات هذا الحكم المخالف لمقتضى الأدلة و الاعتبار كما ترى، إذ احتمال اشتراط عدمه و لو في غابر الأزمنة في غاية البعد، نعم هو ممكن في العجب الذي محله غالبا بعد تمام العمل.

و كذا لا بطلان بالرياء بترك الأضداد في العبادة، للأصل و إطلاق الأدلة السالمين عن المعارض، ضرورة عدم منافاة ذلك الإخلاص بالعمل، و عدم صدق الإشراك بذلك، بل عن الإيضاح «أنه لو نوى بترك الضد الرياء أو غيره لم يضر إجماعا».

و أما بطلان الصلاة بالثاني فلا خلاف أجده فيه، بل في القواعد «و إن كان ذكرا مندوبا» بل في المحكي عن الإيضاح «أجمع الكل على أنه إذا قصد ببعض أفعال الصلاة غير الصلاة بطلت، و تظهر الفائدة في المأموم، و عدم اعتبار الكثرة لأن إجماع المتكلمين على أن المتعلقين بالكسر إذا اتحد متعلقهما بالفتح و تعلق أحدهما على عكس الآخر تضادا، فلذلك أجمع الفقهاء على أنه إذا نوى ببعض أفعال الصلاة غيرها بطلت» و المراد كما في جامع المقاصد «أن جزئية الصلاة و تعظيم زيد قد تعلقا بصورة الركوع المأتي به، و هو شيء واحد، أحدهما تعلق من جهة القربة، و الآخر من جهة تخالفها، و مع تحقق التضاد و التنافي لا يبقى ذلك البعض من الصلاة معتبرا» لكن قال فيه:

«إن ذلك غير كاف في استلزام البطلان ما لم يلحظ فيه ما ذكرنا» مشيرا به إلى ما

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب مقدمة العبادات.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 2.

191

قدمه سابقا من أنه لو نوى ببعض الصلاة غير الصلاة كما لو نوى بالركوع المقصود به الصلاة تعظيم زيد أو قتل حية بحيث قصد به الأمرين معا بطلت، لعدم تمحضه للقربة، فلا يقع مجزيا، و عدم جواز الإتيان بفعل آخر غيره لاستلزام الزيادة في أفعال الصلاة عمدا، إذ الفرض أن الأول مقصود به الصلاة أيضا، قلت: و منه يظهر ما في كشف اللثام من تعليل البطلان في الفرض بأنه نية الخروج حتى أنه مزج عبارة القواعد السابقة بقوله: و لذا تبطل و إن كان البعض ذكرا مندوبا، ثم قال: «و عليه منع ظاهر، فإنه إن قصد بنحو «سبحان ربي العظيم و بحمده» في المرة الثانية التعجب لم يكن نوى الخروج، و لحوقه حينئذ بكلام الآدميين أظهر بطلانا» و كأنه أخذه من تعليل الذكرى البطلان بعدم الاستمرار الواجب، و على كل حال ففيه أنه كذلك أيضا لو نوى بالأولى مع فرض عدم قصده الصلاة معه، و بطلان الصلاة مع الاقتصار عليها، لترك الجزء أي الذكر الصلاتي، لا لأنه نوى ببعض أفعال الصلاة غيرها، على أنه لا يتم في مثل المتن القائل بعدم البطلان بنية الخروج، كما أن من الواضح عدم تحققها بنية غير الصلاة في الشيء الذي لو نواه من الصلاة كان جزء، خصوصا مع عزمه على الإتيان به مرة أخرى للصلاة.

و كذا يظهر لك ما في المدارك حيث أنه- بعد أن ذكر عن المصنف تعليل البطلان في الفرض بانتفاء التقرب بذلك الجزء، و يلزم من فواته فوات الصلاة لعدم جواز استدراكه- قال: و هو انما يتم إذا اقتضى استدراك ذلك الجزء الزيادة المبطلة لا مطلقا، و من هنا يظهر أنه لو قصد الإفهام خاصة بما يعد قرآنا بنظمه و أسلوبه لم يبطل صلاته، لأن ذلك لا يخرجه عن كونه قرآنا و إن لم يعتد به في الصلاة لعدم التقرب به، و كذا الكلام في الذكر، و يدل على جواز الافهام بالذكر- مضافا إلى الأصل و عدم

192

خروجه بذلك عن كونه ذكرا- روايات، منها

صحيحة الحلبي (1) أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يريد الحاجة و هو يصلي فقال: يومي برأسه و يشير بيده و يسبح»

إذ قد عرفت أن مبنى المسألة الجمع بين نية الصلاة و غيرها، و حينئذ لا فرق بين الأجزاء جميعها، نعم هو مبني على البطلان بالزيادة التشريعية لإطلاق

قوله (عليه السلام): «من زاد»

و نحوه و إن كان فيه بحث تسمعه فيما يأتي إن شاء الله من بحث القراءة و غيره.

بل المتجه عدم الفرق بين المندوب و الواجب بناء على البطلان بالزيادة به مطلقا إذ العمدة صدق الزيادة في الصلاة بما ليس منها ليدخل تحت إطلاق ما دل على استقبال الصلاة بها من غير فرق بين الواجب و غيره، كما أنه لا فرق بين ما يستلزم استدراكه بطلان الصلاة كالركوع و غيره، و لا بين كونه كثيرا أو لا، كما عن الميسية التصريح به قال: «لا يشترط في البطلان به بلوغ حد الكثرة مطلقا على الأقوى، بل تبطل بمسماه للنهي» و قد سمعت معقد إجماع الإيضاح، فعدم البطلان حينئذ بالقرآن أو الذكر المقصود به الإفهام خاصة- لعدم خروجه بذلك عن كونه قرآنا و ذكرا، إذ الفرض قصدهما- مسلم، و لكنه خارج عن موضوع المسألة الذي قد عرفته، و من الغريب أن المحقق الثاني قد ذكر أن منشأ البطلان في الفرض ما سمعته من الزيادة، و مع ذلك اعترض على الفاضل- حيث أبطل الصلاة بذلك حتى لو كان ذكرا مندوبا كما عرفت- بأن من نوى بالذكر المندوب الصلاة و غير الصلاة معا كأن قصد إفهام الغير بتكبير الركوع أو زجره لا تبطل فيه الصلاة، إذ لا يخرج بذلك عن كونه ذكرا لله و يصير من كلام الآدميين، و عدم الاعتبار به في الصلاة حينئذ إن تحقق لم يقدح في الصحة، لعدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 2.

193

توقف صحة الصلاة عليه، أما لو قصد به الافهام مجردا عن كونه ذكرا لله فإنه يبطل، إلى أن قال: «و هذا بخلاف ما لو قصد الرياء به، لكونه منهيا عنه بقوله تعالى (1):

«وَ لا يُشْرِكْ» إلى آخره، فيخرج عن كونه ذكرا قطعا، فتبطل به الصلاة» و فيه ما عرفت من أن منشأ البطلان الزيادة لا الخروج عن القرآنية و الذكرية، فهو كالقرآن و الذكر الأجنبيين عن الصلاة المنوي بهما أنهما منها، إذ الفرض خروج الفعل الصلاتي عنها بنية غيرها، فنية الصلاة به حينئذ مع ذلك زيادة فيها، و دعوى أنه بتوارد النيتين خارج عنهما معا، فهو كالأجنبي المتخلل في أثناء الصلاة يدفعها أولا أن مثله آت في الواجب الذي سلم صدق الزيادة عليه، و ثانيا أن أقصى ذلك خروجه عن الصلاة شرعا لا الصلاة بجعل المصلي و عزمه الذي هو أمر وجداني و مفروض المسألة.

نعم يتجه الفرق في البطلان هنا بين الواجب و المندوب بمعنى عدم البطلان بالثاني دون الأول بدعوى أن من زاد يختص بقرينة قوله: «أو نقص في الواجب» فلم يبق إلا حرمة التشريع التي لا تقتضي بطلانا، لكنه لا يتم على مذاقهم كما لا يخفى، و كيف كان فقد عرفت التحقيق مضافا إلى الإجماع المحكي و غيره.

كما أنه ينبغي أن تعرف أن هذه المسألة غير مسألة الضميمة، و لذا لم يشر أحد من معتمدي الأصحاب إلى اتحاد البحث فيهما، بل من حكم هناك بالصحة مع الضم التبعي أو كان كل منهما علة مستقلة أطلق البطلان في المقام، كما أنهم لم يفرقوا هنا بين الضميمة الراجحة و غيرها، و الظاهر أن وجهه الفرق بين المسألتين بالفرق بين موضوعيهما فان موضوع الضميمة الفعل الواحد الذي له غايات متعددة، و أراد المكلف ضمها بنية واحدة، فالتحقيق فيها البطلان مع منافاة الإخلاص، و الصحة مع العدم، لتبعية الضم، أو لرجحان الضميمة، أو غير ذلك، و موضوع ما نحن فيه قصد المكلف كون الفعل

____________

(1) سورة الكهف- الآية 110.

194

الواحد المشخص مصداقا لكليين متغايرين لا يمكن اجتماعهما في مصداق واحد عقلا أو شرعا، فلو نواه حينئذ لكل منهما لم يقع لشيء منهما شرعا، كما في كل فعل كذلك لأصالة عدم التداخل في الأفعال عقلا و شرعا، فلو نوى بالركعتين الفرض و النفل لم يقع لأحدهما، و من ذلك يظهر لك ما في بعض الأمثلة الواقعة في المقام من بعض الأعلام التي هي بالضمائم أشبه، و لعل منه ما في بعض النصوص من التكبير للصلاة و غيرها، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع في المقام و غيره جدا، هذا.

و مما ذكرنا يظهر لك ما في قواعد الفاضل حيث أنه بعد أن حكم بالبطلان و لو بالذكر المندوب كما سمعت قال: «أما إذا كان زيادة على الواجب من الهيئات كزيادة الطمأنينة فالوجه البطلان مع الكثرة» و تبعه على ذلك غيره، و مراده على الظاهر عدم البطلان بنية غير الصلاة بذلك، بل يدور البطلان حينئذ به على المبطل الخارجي كالكثرة و نحوها، و في جامع المقاصد «أن قوله: «فالوجه» يفهم منه احتمال عدم البطلان معها و هو غير مراد قطعا، لما سيأتي من أن الفعل الكثير مبطل مطلقا، و انما المراد وقوع التردد في حصول الكثير بمثل هذه الزيادة، فعلى تقدير العدم لا إبطال جزما، كما أنه لا شبهة في الإبطال معه» قلت: يمكن أن يكون ذلك لاحتمال البطلان مع القلة، لما عرفته من صدق الزيادة التشريعية، بل هو الوجه بناء على ذلك، كما يقتضيه إطلاق المصنف و غيره، و لو قيل بكونه ليس من أفعال الصلاة فهو أولى بالبطلان بنية أنه منها فلعل قول الفاضل: «الوجه» إشارة إلى ذلك، على أنه في المحكي عن الإيضاح يلزم القول بالصحة لمن ذهب إلى أن الأكوان باقية، و أن الباقي مستغن عن المؤثر، و أنه لا يعدم إلا بطريان الضد، و قد ذهب إلى ذلك جماعة من الإمامية، و حاصله أن المكلف لما أوجد القيام من الركوع مثلا فالذي صدر من الفاعل حدوث القيام، ثم فيما بعد

195

صار باقيا فاستغنى عن المؤثر، و القدرة تتعلق أيضا بإيجاد ضده فإذا لم يوجد لم يكن الفاعل قد صدر منه حال البقاء شيء أصلا، و إذا نوى بالزائد عن الواجب من ذلك القيام غير الصلاة فقد نوى بما لم يصدر منه و ما لم يفعله، فلا يؤثر في بطلان الصلاة، و قد عرفت أن نية الرياء فضلا عن غيره بترك الضد لا تضر إجماعا، فحينئذ تتجه الصحة مع الكثرة جزما، و لعله من هنا حكي عن فخر المحققين أنه قال: إن التحقيق بناء هذه المسألة على أن الباقي هل يحتاج إلى المؤثر أم لا، فان قلنا يحتاج بطلت مع الكثرة لأنه فعل فعلا كثيرا، و إن قلنا: الباقي مستغن عن المؤثر لم يفعل شيئا فلا يبطل، و الأقوى عندي البطلان، لكن قد يخدشه أنه يمكن الصحة على الأول أيضا بدعوى أن المدار على صدق الفعل الكثير عرفا لا حكمة، كما أنه يمكن البطلان أيضا على الثاني مع طول البقاء، بل من المحتمل أنه المراد من الكثير هنا لا تكرار ذلك منه بفوات الموالاة بين أفعال الصلاة التي ستعرف وجوبها في محله لا بالفعل الكثير.

و من ذلك كله يظهر لك ما في كشف اللثام حيث قال: «هذا- مشيرا به إلى البطلان في عبارة الفاضل- مبني على أمرين: أحدهما بطلان الصلاة بالفعل الكثير الخارج عن الصلاة المتفرق، و الثاني أن الاستمرار على هيئة فعل، لافتقار البقاء إلى المؤثر كالحدوث، و احتمال الصحة على هذا مبني على أحد أمرين، إما لأنه لا يعد الاستمرار فعلا عرفا، أو لعدم افتقار البقاء إلى مؤثر، و إما لأن الكثير المتفرق لا يبطل، و يجوز أن يريد بالكثرة الطول المفضي إلى الخروج عن حد المصلي، و يكون المراد الوجه عدم البطلان إلا مع الكثرة، و يحتمل البطلان مطلقا، لكونه نوى الخروج بذلك، و ضعفه ظاهر» قلت: قد عرفت كون الوجه الزيادة التشريعية، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[في جواز نقل النية في الموارد المخصوصة]

و لا يجوز نقل النية من عمل إلى عمل آخر مشابه له بالصورة إلا في

196

موارد مخصوصة كنقل الظهر يوم الجمعة إلى النافلة لمن نسي قراءة الجمعة و قرأ غيرها وفاقا للأكثر كما في جامع المقاصد و المحكي عن المختلف، بل لعله المشهور، بل عن الصدوق وجوبه، بل لا أجد فيه خلافا سوى إطلاق عدم جواز النقل من الفرض إلى النفل في المحكي من المبسوط هنا و الخلاف الذي يجب تقييده بالمحكي عن الأول منهما في بحث الجمعة من التصريح بذلك، و سوى ما عن ابن إدريس، مع أن المحكي عن عبارته ظاهر فيه في الجملة، قال: «إن كان ابتداء المنفرد يوم الجمعة بسورة الإخلاص و الجحد اللتين لا يرجع عنهما إذا أخذ فيهما ما لم يبلغ نصف السورة، فإن بلغ النصف تمم السورة و جعلها ركعتين نافلة و ابتدأ الصلاة بالسورتين، و ذلك على جهة الأفضل في هذه الفريضة خاصة، لأنه لا يجوز نقل النية من الفرض إلى النفل إلا في هذه المسألة، و فيما إذا دخل الامام المسجد و هو يصلي فريضة، فإنه يستحب له أن يجعل ما صلاة نافلة، فأما نقل النية من النفل إلى الفرض فلا يجوز في موضع من المواضع على وجه من الوجوه فليلحظ ذلك على ما روي في بعض الأخبار و أورده الشيخ في نهايته، و الأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، و ترك النقل إلا في موضع أجمعنا عليه» و هو كما ترى موافق في الجملة، بل هو مضمون

الصحيح (1) الذي هو مستند الحكم هنا عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أراد الجمعة فقرأ قل هو الله أحد قال: يتمها ركعتين ثم يستأنف»

و لعل التعدية إلى غير التوحيد للأولوية أو المساواة، لكن على كل حال ينبغي أن يكون ذلك حيث لا يجوز استيناف الجمعة ببلوغ النصف أو غيره، و ربما يأتي لذلك تتمة في القراءة و الجمعة إن شاء الله.

و احتمل في جامع المقاصد أن يكون المراد من عبارة القواعد و ما شابهها أن من نسي صلاة الجمعة يوم الجمعة و صلى الظهر ثم ذكر في الأثناء يعدل إلى النافلة، لأن

____________

(1) الوسائل- الباب- 72- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

197

فرضه الجمعة لا الظهر، ثم قال: «و هذا الحكم ليس ببعيد، لأنه أولى من قطع العبادة بالكلية، و لا أعرفه مذكورا في كلام الفقهاء» قلت: و ليس في شيء من الأدلة تعرض له، فيبقى على أصل المنع كما ستعرف، على أن المتجه في الفرض بطلان الصلاة لعدم الخطاب، فلا وجه للعدول منها إلى غيرها كما هو واضح، و الأولوية المزبورة ممنوعة، و لذا قلنا في بحث الأذان أن المتجه لمن نسيه و ذكره قبل الركوع القطع لا العدول إلى النفل و إن أفتى به جماعة هنا و هناك للأولوية المزبورة، لكنه محل منع لما ستعرف من أصالة المنع إلا في الموارد المخصوصة كالصورة السابقة.

و كنقل الفريضة الحاضرة إلى حاضرة سابقه عليها مع سعة الوقت أو فائتة كذلك حتى على القول بالمواسعة، و الفائتة اللاحقة إلى الفائتة السابقة كما أشبعنا الكلام فيه في محله، أما العدول منها إلى الحاضرة فليس في شيء من النصوص إشارة اليه، فيبقى على أصالة المنع، فما عن بعضهم- من الجواز إذا شرع في فائتة ثم ذكر في أثنائها ضيق الوقت عن الحاضرة، بل عن الشهيد في البيان القطع به، بل في كشف اللثام ما يظهر منه أنه مفروغ منه، و أنه مدلول النصوص كالعكس أي النقل من الحاضرة إلى الفائتة- في غير محله، بل يتعين عليه القطع و الاستيناف لها و لو ركعة، ترجيحا لصاحبة الوقت على حرمة قطع الصلاة، و لتمام البحث فيه محل آخر، و كنقل الفريضة إلى النافلة لخائف فوت الركعة مع الامام كما أشبعنا الكلام فيه في محله في الجماعة أيضا.

و أما النقل من النفل إلى الفرض فليس في شيء من الأدلة الإشارة اليه، و لذا صرح بعدمه بعض الأصحاب معللا له بأن القوي لا يبنى على الضعيف، لكن في المحكي عن المفاتيح أن الأظهر جوازه لمطلق طلب الفضيلة، لاشتراك العلة الواردة، و في الذكرى «و للشيخ قول بجوازه في الصبي يبلغ في أثناء الصلاة» و تبعه في كشف اللثام، قلت: قد عرفت التحقيق فيه مفصلا، و يمكن أن لا يكون من العدول و إن

198

كان يجب عليه أن يجدد نية الفرض في الباقي على قول، إذ معناه جعل الجميع ما مضى منه و ما بقي على ذلك الوجه.

و أما النقل من النفل إلى النفل ففي المدارك أنه صرح الأصحاب بجوازه إذا شرع في لاحقه ثم ذكر السابقة، قال: «و يمكن القول بجوازه أيضا في ناسي الموقتة إلى أن يتضيق وقتها، و للتوقف في غير المنصوص مجال» قلت: و هو كذلك، إذ لا ريب في مخالفة النقل للأصل، إذ الأفعال إنما تشخص بالنية، و الفرض أن ما مضى من الفعل قد وقع بنية مشخصة للمنوي، فقلبه محتاج إلى دليل، بل دليل عدمه في غاية القوة، لأن تأثير النية فيما وقع و مضى مخالف لطريقة الأفعال، كما أن تأثيرها فيما بقي منه الذي هو تابع للسابق كذلك، فمن هنا كان احتمال إطلاق الجواز في سائر الخصوصيات- بدعوى ظهور أدلة الجواز في الموارد المخصوصة في أن العمدة عدم إبطال نية أصل العمل لا خصوصياته، فإنها باقية على اختيار المكلف إلى تمام العمل، بل في بعض أخبار العدول (1) ذلك بعد الفراغ من العصر معللا له بأنها أربع مكان أربع، و استحسنه في المفاتيح- واضح المنع، بل لعل مثله التعدية إلى مساوي المنصوص نحو النفل اللاحق إلى النفل السابق كالفرض إلى الفرض، لعدم المنقح من إجماع أو عقل، بل لعل

موثق عمار (2) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يريد أن يصلي ثمان ركعات فيصلي عشر ركعات أ يحتسب بالركعتين من صلاة عليه؟ قال: لا إلا أن يصليها متعمدا، فان لم يبق ذلك فلا»

دال على عدمه.

فقد بان من ذلك كله الجواز في بعض الموارد المخصوصة للأدلة الخاصة من الصور الستة عشر المتصورة في بادئ النظر، لأن كلا من الفريضة المنقول منها و إليها

____________

(1) الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النية- الحديث 1.

199

إما أن تكون واجبة أو مندوبة مؤداة أو مقضية، و إلا فقد تترقى إلى أزيد من ذلك بمراتب، و على كل حال فالكل باق على أصل المنع، نعم قد يقال بجواز ترامي العدول بل تعينه كما لو عدل إلى فائتة فذكر سابقه عليها و هكذا.

ثم لا يخفى أن الظاهر الاكتفاء بمجرد نية النقل إلى خصوص المنقول اليه من غير احتياج إلى القيود السابقة في ابتداء النية، ضرورة صيرورتها بالنية المزبورة بدلا عن الأولى في كل ما تعرض له فيها مما يشتركان فيه، و كيف كان فلو نقل نيته في غير الموارد المخصوصة كأن نقل نيته بالظهر إلى العصر لم ينتقل، و لا يجزي ذلك عن العصر لما عرفت، كما عن الخلاف التصريح به، بل عن نهاية الأحكام لو فعل ذلك بطلتا معا و إن كان قد دخل في الظهر بظن أنه لم يصلها ثم ظهر له في الأثناء أنه فعلها، لكن قال:

على إشكال ينشأ من أنه دخل دخولا مشروعا فجاز العدول به إلى ما هو فرض عليه، و فيه أنه قد بان له الفساد، و العدول يعتبر فيه أنه لو بقي على غفلته إلى تمام العمل صح، و ليس كذلك في الفرض.

انما الإشكال فيما لو عدل بزعم تحقق موضوع العدول ثم بان الخلاف بعد الفراغ أو في الأثناء كما لو عدل بالعصر إلى الظهر ثم بان له أنه صلاها، و لعل القول بالصحة لا يخلو من قوة، لأن الصلاة على ما افتتحت عليه، و ربما كان فيما تقدم سابقا في أول بحث الاستدامة من نية الساهي في أثناء الفريضة الندب نوع تأييد له، إذ لا يزيد عليه إلا بنية كون الماضي من الفعل للمنوي جديدا، و هو حيث لم يصادف محله لغو لا يصلح مبطلا للعمل الواقع صحيحا، كما أن نيته بالباقي له بتخيل تحقق موضوع العدول لا ينافي الاستدامة التي يمكن أن يقال يكفي فيها و لو بالنظر إلى تلك الأدلة بقاء المكلف عازما على أصل العمل، و لذا لم يقدح فقدها لو نوى الندب أو الفرض في الأثناء بتخيل ابتداء العمل على ذلك.

200

بل قد ينقدح من ذلك الصحة في النقل عمدا استصحابا لها، و لإطلاق ما دل (1) على أن الصلاة على ما افتتحت عليه، و لأن النقل المزبور مركب من نية كون الماضي للمنوي جديدا، و هي لغو غير صالحة للتأثير، و إلا لأثرت لو اقتصر عليها فحسب، و من نية كون الباقي له أيضا بعد فرض افتتاح الصلاة بغيره الذي قد حكم الشارع بتبعية غيره له في غير الموارد المخصوصة، فهي حينئذ أيضا لغو كالأولى لا تؤثر بطلانا، بل هي أشبه شيء بنية غير الممكن شرعا و ما لا يدخل في قدرة المكلف، بل حكمه راجع إلى الشرع، و لو أن مثل هذه النية صالحة للتأثير لأثرت حتى في صورة الغفلة و النسيان التي قد عرفت الصحة فيها، خصوصا مع الاقتصار عليها من غير تعرض للماضي، كما لو نوى الندب أو الفرض في باقي عمله على ما سمعته سابقا مفصلا.

و أولى بالصحة ما لو نوى النقل ثم رجع عنه قبل أن يفعل فعلا، بل و إن فعل و أمكن تداركه، و لا ينافي ذلك إطلاق الأصحاب عدم جواز النقل الذي يمكن أن يكون المراد منه عدم تأثير النية نقلا في غير المواضع المستثناة التي عرفت تأثير النية فيها لا أن المراد بطلان العمل بمجرد نية النقل كيفما كان، فيكون كالحدث من المبطلات القهرية، إذ هو واضح الفساد، ضرورة عدم زيادته على نية الخروج التي قد عرفت البحث فيها، و أن الأظهر عدم البطلان بها، فما عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس في النقل من النفل إلى الفرض من إطلاق بطلانهما معا بذلك لا يخلو من نظر، كالمحكي عن البيان من أنه لو فعله فكنية الواجب لا يسلم له الفرض، و في بقاء النفل وجه ضعيف فعليك بالتأمل في المقام فإنه غير منقح في كلام الأعلام، و الله هو العالم بحقائق الأحكام في مسائل الحلال و الحرام.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النية- الحديث 2.