جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
301

إطلاق ما حكي من إجماعي المعتبر و الذكرى، و يؤيده خلو النصوص عن الأمر به في سائر المراتب، و دعوى أن إهمال الأصحاب ذلك لمعلوميته، و إلا فهو مخير من أول الأمر بين الائتمام و التعلم كما في كل واجب مخير، خصوصا و الجماعة أفضل الفردين يمكن منعها على مدعيها، و إن أمكن دعوى شهادة كلامهم في الجملة لها في باب الجماعة، إلا أن الأقوى الأول، و التخيير انما هو بين الصلاة فرادى و جماعة لا بين التعلم و الجماعة، و فرق واضح بينهما.

و من ذلك كله يظهر لك ما في مصابيح الطباطبائي، قال: و ظاهر الأصحاب وجوب التعلم و إن أمكنه الاقتداء و القراءة في المكتوب، بل صرح بعضهم بترتبها على العجز عنه، قال: و فيه أن وجوب التعلم ليس إلا لتوقف العبادة عليه، و متى أمكن الإتيان بها بدونه لم يجب، فان ثبت الإجماع كما في المعتبر و الذكرى، و إلا اتجه القول بنفي الوجوب لانتفاء ما يدل عليه، و إن كان فيه اعتراف و شهادة على بعض ما ذكرنا، و الله أعلم.

[في وجوب قراءة ما تيسر من الفاتحة إن ضاق الوقت عن التعليم]

و كيف كان فان ضاق الوقت عن التعليم مع التقصير فيه و عدمه قرأ ما تيسر منها على إشكال في صورة التقصير، لاحتمال عدم قبول ذلك منه، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار و إن لم نقل إن أوامر الشرع إرشادية بحيث يصح توجهها اليه حال الامتناع، لكن يعامل معاملة المختار في العقاب و عدم الانتقال إلى البدل و غيرهما خصوصا إذا كان منشأ الانتقال إلى البدل قبح التكليف بما لا يطاق منضما إلى عدم سقوط الصلاة بحال و نحوه مما يمكن دعوى عدم تحققه في المقام، نعم لو أن الشارع رتب البدل على موضوع يصدق و إن كان باختيار المكلف اتجه حينئذ الانتقال كقوله: فاقد الماء مثلا يتيمم، إذ لا ريب في صدقه على من أراق الماء، و لعل مدار المسألة فيما نحن فيه على ذلك، فان ثبت موضوع يندرج فيه، و إلا كان الحكم بالانتقال

302

مشكلا، خصوصا إذا قلنا بتحقق الطلب المستلزم للتكليف في حال الامتناع، إذ أقصى ما يقبحه العقل توجه الخطاب اللفظي إليه لا أصل طلب الشيء و محبوبية فعله و مبغوضية تركه، فإنه حينئذ لا ينافيه عدم سقوط الصلاة بحال و نحوه مما دل على ذلك، إذ لم نقل بسقوط الصلاة عنه في هذا الحال، و إلا لم يتجه عقابه إذا فرض تصيير الفعل ممتنعا عليه من أول الوقت، و لعله إلى ذلك أومأ في المحكي عن الموجز و شرحه بإيجاب القضاء عليه خارج الوقت كما سمعته في التكبير أيضا، اللهم إلا أن يقال: إن المراد بعدم سقوط الصلاة بحال إرادة وقوع فعلها في جميع الأحوال، و أنها لا تترك بحال من أحوال المكلف أصلا سواء كان باختياره أو بآفة سماوية، فحينئذ لا ينافي ذلك بقاء التكليف الأول بناء على الإرشاد أو غيره، فتأمل فإنه قد يدق، و لتحقيق المسألة مقام آخر.

أما مع عدم التقصير فلا ريب في عدم سقوط الصلاة عنه، بل هو من ضروريات المذهب إن لم يكن الدين، إلا أنه هل يجب عليه الائتمام حينئذ مع تيسره له؟ قيل:

نعم، و لعله لأنه أحد الفردين الذي لا يسقط بتعذر الآخر، و لأنه بسبب تمكنه من التعلم فيما يأتي من الزمان لم يستقر له بدلية ما جعله الشارع بدلا، ضرورة ظهورها في العاجز أصلا، و لا ينافيه الانتقال إليها مع تعذر الائتمام، لقبح التكليف بما لا يطاق، و عدم سقوط الصلاة بحال، و لو سلم ثبوت بدليتها للعاجز غير المقيد باستمرار العجز فقد يمنع صدقه في المقام باعتبار التمكن من الائتمام كما أشار إليه الأستاذ في كشفه أيضا، و يحتمل عدم الوجوب، لإطلاق النص و الفتاوى و معاقد الإجماعات، و البدلية معلقة على من لا يحسن القراءة الصادق في المقام، ضرورة عدم إرادة تمام العمر منه، و إلا لم تتحقق البدلية أصلا، لعدم علمه بمستقبل الأزمنة، بل المراد من لم يحسنها عند الحاجة إليها الصادق على المقام، و لعله الأقوى في النظر إن لم ينعقد إجماع على خلافه، و هو على الظاهر كذلك و لو بملاحظة كلامهم في باب الجماعة، إذ هو مع أنه لا يبلغ حد

303

الإجماع معارض بظاهر كلامهم في المقام، اللهم إلا أن يقال بأنه غير مساق لبيانه، بل هو لإرادة ما يبدل عن القراءة و لو عند تعذر الجماعة، فتأمل جيدا.

ثم إن ظاهر المتن عدم الفرق فيما تيسر بين كونه آية أو بعضها و إن لم يدخل في القرآنية إلا بالقصد كالبسملة و الحمد لله و نحوهما، و لعله لإطلاق ما دل على عدم سقوط الميسور بالمعسور و نحوه، بل ربما كان مقتضاه الكلمة الواحدة و بعضها، لكن في جامع المقاصد و عن الفاضل و الشهيد اعتبار كونه قرآنا في وجوب قراءة البعض، بل ظاهر الأول اعتبار ذلك فيه بنفسه بحيث لا يحتاج إلى قصد، و ربما يومي اليه الخبر العامي الذي استدل به في المقام بعض الأصحاب و هو

خبر عبد الله بن أبي أوفى (1) قال: «إن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فما ذا أصنع؟ فقال له: قل: سبحان الله و الحمد لله»

ضرورة أنه لو وجب البعض المستطاع و إن كانت قرآنيته محتاجة إلى النية لأمره بقراءة «الحمد لله» التي هي إحدى الكلمتين اللتين علمهما النبي (صلى الله عليه و آله) إياه، بل يومي اليه أيضا عدم الأمر بقراءة البسملة المستبعد عادة عدم معرفتها أيضا، و كذا يومي اليه ظاهر ما يأتي من فرض الأصحاب من أنه لو لم يعلم شيئا من الفاتحة و علم سورة أخرى وجب تعويضها عن الحمد أو لا يجب على بحث تسمعه إن شاء الله، إذ لو كان يجب البعض المستطاع و إن كانت قرآنيته محتاجة إلى النية لوجب أمرهم بقراءة البسملة من الحمد، بل تكرارها بناء على تعويض التكرير عن الفائت، و احتمال إرادة المجردة عن البسملة كبراءة من السورة في كلامهم يأباه ملاحظة كلامهم في الفرض المزبور.

و على كل حال فظاهر المتن و غيره بل حكي عن صريح بعضهم الاكتفاء بقراءة

____________

(1) سنن أبى داود ج 1 ص 305- الرقم 832 الطبعة الثانية عام 1369 مع اختلاف يسير.

304

هذا المتيسر، و لعله للأصل، و ظهور بعض ما دل على وجوب هذا الميسور في الأجزاء ك

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «إذا أمرتكم بشيء فأتوا به ما استطعتم»

لكن فيه أن ما دل على البدلية عند تعذر الجميع مشعر باعتبارها عن كل جزء من الفائت، فالتمكن حينئذ من البعض لا يسقطها بالنسبة إلى البعض الآخر، خصوصا إذا قلنا باستفادة بدلية غير الفاتحة مثلا عنها من نحو

قوله (عليه السلام) أيضا (2): «لا يسقط الميسور بالمعسور»

و نحوه و إن كان بعيدا كما ستعرف، و من هنا حكم المحقق الثاني و غيره بضعف القول بالاجتزاء بالقدر المزبور، و أنه لا بد من التعويض عن القدر الفائت، و يؤيده في الجملة عموم ما في الآية (3) و إطلاق بعض النصوص التي ستسمعها و الاحتياط و الاقتصار فيما دل على اعتبار الفاتحة في الصلاة على المتيقن، و هو ما إذا جاء بالبدل، و غير ذلك.

انما البحث في تعيين عوضه، فهل هو تكرير الميسور حتى يبلغ مقدار الفائت منها آيات أو حروفا لأقربيته إلى الفائت من غيره، و هو الذي اختاره العلامة الطباطبائي في منظومته، أو قراءة من غيرها بالقدر المزبور لو فرض معرفته بذلك كما هو المشهور بل لم أجد من جزم بالأول و إن حكي عن التذكرة لكنه لم يثبت، نعم حكي عن إرشاد الجعفرية الميل اليه، و عن نهاية الأحكام احتماله، لسقوط فرض ما علمه بقراءته و لأن الشيء الواحد لا يكون أصلا و بدلا، و تيسر المغايرة المطلوبة في الأصل فلا تسقط، و لعموم ما تيسر، و إطلاق

قوله (صلى الله عليه و آله) (4): «إن كان

____________

(1) تفسير الصافي سورة المائدة- الآية 101.

(2) غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

(3) سورة المزمل- الآية 20.

(4) سنن البيهقي ج 2 ص 380.

305

معك قرآن فاقرأ به»

في بعض الأخبار العامية التي استدل بها هنا بعض الأصحاب، و إشعار اعتبار عدم إحسان القرآن في الانتقال إلى الذكر بقراءة ما يحسنه، و لغير ذلك من الاعتبارات التي هي جميعا كما ترى، خصوصا البعض.

فان لم يعلم غير ذلك البعض من القرآن ففي إبدال التكرار أو الذكر قولان، حكي عن جماعة الأول، لأنه أقرب من الذكر، و مال المحقق الثاني إلى الثاني لأنه الصالح (1) للبدلية عن الجميع فللبعض أولى، و عدم الدليل على بدلية التكرير، و لأن الفاتحة سبع آيات مختلفة فالتكرير لا يفيد المماثلة بين البدل و المبدل عنه، و عليه لا يكون التكرير حينئذ عوضا أصلا، اللهم إلا أن يفرض عدم معرفة الذكر فالتكرير حينئذ أولى من السكوت أو الترجمة، فتأمل.

ثم لا يخفى أن مقتضى البدلية ثبوت أحكام المبدل عنه للبدل، فيجب حينئذ في الأخير إن كان المتيسر الأول و بالعكس و كذا الوسط، و في وجوب مراعاة عدد الآيات في الابدال أو الكلمات أو الحروف احتمالات، بل ما عدا الوسط قولان تسمعهما فيما يأتي إن شاء الله.

[في حكم تعذر التعلم لشيء من الفاتحة أو السورة]

و أما إن تعذر فلم يتيسر له تعلم شيء من الفاتحة أصلا قرأ ما تيسر من غيرها أو سبح الله و هلله و كبره بقدر القراءة، ثم يجب عليه التعلم كما عن ظاهر المبسوط جمعا بين ما دل على القراءة من قوله تعالى (2) «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ» و النبوي (صلى الله عليه و آله) (3) «فان كان معك قرآن فاقرأ به»

و قربه للفاتحة، بل يمكن تجشم دعوى دلالة

«لا يسقط الميسور بالمعسور»

و نحوه عليه، بأن يقدر أن الواجب

____________

(1) و في النسخة الأصلية «لأن الصالح للبدلية».

(2) سورة المزمل- الآية 20.

(3) سنن البيهقي ج 2 ص 380.

306

عليه قراءة و أن تكون الفاتحة، و بين ما دل على الذكر من

صحيح ابن سنان (1) «ان الله فرض من الصلاة الركوع و السجود، ألا ترى لو أن رجلا دخل في الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبر و يسبح و يصلي»

و خبر ابن أبي أوفي المتقدم إلا أنهما معا خاليان عن التهليل المذكور في المتن، و المحكي عن جملة من كتب الأصحاب منها المبسوط بل في الحدائق أنه المشهور، و لعله جعل مجموعهما إشارة إلى ذكر الأخيرتين الذي هو قائم عن الفاتحة فيهما، و لذا قال في الذكرى: إنه لو قيل بتعين ما يجزي في الأخيرتين من التسبيح على ما يأتي إن شاء الله كان وجها، لأنه قد ثبت بدليته عن الحمد في الأخيرتين فلا يقصر عن بدلية الحمد في الأولتين، بل هو خيرة الدروس و فوائد الشرائع و المسالك، و عن البيان و الموجز و كشف الالتباس و الجعفرية و الغرية و إرشاد الجعفرية و الميسية، و قواه في جامع المقاصد، و في الروضة أنه أولى، و يؤيده مع أنه أحوط

ما روته العامة (2) «انه (صلى الله عليه و آله) قال لرجل: قل:

سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم».

و عليه فالمتجه حينئذ عدم اعتبار مساواة الذكر للقراءة في الحروف، بل المعتبر مقدار ذكر الأخيرتين، و ستعرف البحث فيه، نعم قد يتوقف في التخيير المزبور من جهة قلة القائل، بل لم يحك عن غير المصنف إلا عن موضع من المبسوط، انما المشهور تعين الأول، بل في كشف اللثام لعله لا خلاف فيه، و كأنه للاحتياط، و ظهور أدلة الذكر فيمن لم يحسن شيئا من القرآن، و أولوية بدلية القرآن بعضه عن بعض من غيره خلافا لما عساه يظهر من المنظومة من الانتقال إلى الذكر، و حينئذ ففي اعتبار الآيات

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) سنن أبى داود ج 1 ص 305- الرقم 832 الطبعة الثانية عام 1369.

307

في البدلية لظهور قوله تعالى (1) «آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي» في الاعتناء بالعدد المزبور، و لأنه ميسور فلا يسقط، و عدمه للأصل، و الاكتفاء بعدد الحروف و حصول امتثال الآية و الخبر بدونها قولان، أشهرهما الأول، كما أن المشهور بل لا أجد فيه خلافا اعتبار مساواة الحروف الحروف أو الزيادة، بل ظاهر العلامة الطباطبائي و غيره الاقتصار على اعتبار مساواتها، لأنه مقتضى البدلية، و لعدم سقوط الميسور و نحوه، نعم عن نهاية الأحكام احتمال العدم تشبيها له بمن فاته يوم طويل فقضاه في يوم قصير من غير اعتبار الساعات، فالآيات حينئذ كافية، و فيه أنه يجوز الفرق بالإجماع، و اختلاف المعوض عنه بالصوم، فتأمل جيدا، و أما تجويز الزيادة فلعدم المانع، و لأن المنع منها قد يؤدي إلى النقص المفسد للكلام، و المراد حينئذ باعتبار الحروف مع الآيات مراعاة أكثر الأمرين، فإن تمت الآيات قبل الحروف قرأ حتى تتم و بالعكس، و يحتمل إرادة اعتبار كون المقر و سبع آيات لا غير بعدد حروف الفاتحة أو أزيد، و إن فرض العذر أو العسر اكتفي بمراعاة الحروف، بل هذا هو الظاهر من جامع المقاصد أو صريحه و إن كان الأول لا يخلو من وجه أيضا، و مثله يأتي على تقدير اعتبار الكلمات، فتأمل.

لكن على كل حال لا يجب أن يعدل حروف كل آية بآية من الفاتحة، بل يجوز أن يجعل آيتين مكان آية، خلافا للمحكي عن أحد وجهي الشافعي من وجوب التعادل، و لا يخلو من وجه إذا أمكن من غير عسر، و المدار في اعتبار مساواة الحروف على الملفوظ منها دون المرسوم بلا لفظ كألف الجماعة و نحوه، و به صرح العلامة الطباطبائي في منظومته و وجهه واضح، و فيما يلفظ تارة و يحذف أخرى كهمزة الوصل وجهان، أقواهما الاعتبار، و أما اعتبار التوالي في الآيات فلا خلاف أجده فيه، بل عن إرشاد الجعفرية الإجماع عليه، لاعتباره في الأصل، و ما في التفريق من عدم الارتباط الذي

____________

(1) سورة الحجر- الآية 87.

308

قد يتخيل منافاته لوضع الصلاة أو كمالها، بل في جامع المقاصد و عن غيره أنه لو كان التفريق مخلا بتسمية المأتي به قرآنا فكما لو لم يعلم شيئا، لكن المحكي عن غيره كالفاضل و الشهيدين إطلاق الأمر بقراءة المفرق مع تعذر التوالي، بل عن الأول ان الأقرب قراءة ما تفرق و إن كانت الآيات لا تفيد معنى منظوما إذا قرأت وحدها كقوله تعالى (1):

«ثُمَّ نَظَرَ» لأنه يحسن الآيات.

و لو أحسن ما دون السبع ففي التعويض عن الباقي بالتكرير أو بالذكر وجهان، خيرة المحكي عن التذكرة الثاني و مال إليه في كشف اللثام، لأن الفاتحة سبع مختلفة فالتكرير لا يفيد المماثلة، و من ذلك كله ظهر لك ما في المحكي عن المبسوط «من لا يحسن الحمد و أحسن غيرها قرأ ما يحسنه إذا خاف خروج الوقت، سواء كان بعدد آياتها أو دونها أو أكثر» إلا أن يحمل قوله: «أو ما دون» على من لا يحسن غيره، أو خاف خروج الوقت أو نحو ذلك، فتأمل هذا.

و ظاهر المتن و غيره عدم الفرق في هذه الأحكام بين كون ما يعرف قراءته من غير الفاتحة سورة كاملة أو غيرها، بل حكي التصريح به عن غير واحد، فعليه حينئذ بناء على وجوب السورة قراءتها و تعويض سورة أخرى أو بعضها عن الفاتحة، لاتحاد الدليل في الحالين، لكن عن المنتهى الاجتزاء بقراءة السورة للأصل، و امتثال «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ» و النهي عن القران، و هو كما ترى، لوجوب الخروج عن الأصل بما خرج عنه في حال عدم السورة الكاملة، و عدم صدق الامتثال إلا إذا أريد الطبيعة و هو مناف لكثير مما تقدم، و النهي عن القرآن لا يشمل مثل ما نحن فيه الذي قصد من السورة الثانية أو بعضها فيه عوض الحمد، مضافا إلى أنه لم يكن يجوز له الاقتصار على السورة لو كان علم الحمد فيستصحب، كما يستصحب أنه كان عليه التعويض عن الحمد

____________

(1) سورة المدثر- الآية 21.

309

لو لم يعلم السورة، على أنه مما يبعد سقوط وجوب التعويض عن الفاتحة التي هي الأصل في القراءة و لا صلاة بدونها بامتثال الأمر بقراءة السورة، كما هو واضح.

أما إذا لم يعلم شيئا من القرآن عوض بالذكر للأدلة السابقة، بل لا أجد فيه خلافا إلا من بعض الناس، فاحتمل تقديم الترجمة عليه، و هو اجتهاد في مقابلة النص، بل كأنه خرق للإجماع، قال في موضع من المحكي عن الخلاف: «إن لم يحسن شيئا من القرآن أصلا وجب أن يحمد الله مكان القراءة إجماعا» على أنك ستعرف قوة عدم إجزاء الترجمة مطلقا هذا.

و ظاهر المتن أيضا عدم الفرق في اعتبار قدر القراءة بين بدليها من الذكر أو القراءة، و هو الأشهر كما في الرياض، و عن نهاية الأحكام أن المراد الذكر قدر زمان القراءة، قال: لوجوب الوقوف ذلك الحد و القراءة، فإذا لم يتمكن من القراءة عدل إلى بدلها في مدتها، و لعله عند التأمل يرجع إلى اعتبار مساواة الحروف المصرح بها في الرياض على هذا التقدير، ضرورة عدم الفرق بين الذكر و القراءة في ذلك، نعم يمكن الفرق بينهما بإمكان دعوى عدم اعتبار القدر المزبور في الذكر، للأصل و إطلاق الدليل، و لأنه بدل من غير الجنس فيجوز أن يكون دون أصله كالتيمم، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) اقتصر في التعليم على ما ذكر، و لعله لذا استشكل في المحكي عن التذكرة في الاعتبار المزبور، بل حكي عن المعتبر الجزم بالعدم، لكن قال: «إني لا أمنع الاستحباب لتحصل المشابهة» و نحوه عن المنتهى إلا أنه قال: «لو قيل بالاستحباب كان وجها» و قد عرفت أن المتجه عدم اعتبار ذلك أيضا بناء على إرادة ذكر الأخيرتين الذي يقوم مقام الفاتحة، فتأمل جيدا، و لا ريب أن الأول أحوط و إن كان الثاني لا يخلو من قوة.

هذا كله بالنسبة إلى الفاتحة كما هو ظاهر المتن، أما السورة بناء على وجوبها

310

فقد يظهر من بعض العبارات مشاركتها للفاتحة في جميع الأحكام المزبورة، بل عن بعض متأخري المتأخرين التصريح به، و لا بأس به فيما كان مدركه عدم سقوط الميسور بالمعسور و نحوه مما لا يتفاوت فيه بين السورة و الفاتحة، فيجب حينئذ قراءة المتيسر منها كما صرح به في القواعد، أما تعويض الذكر و نحوه فقد يتوقف فيه للأصل و اعتبار قراءتها بالتمكن، بل صرح بعدمه في جملة من كتب الأساطين، بل عن المنتهى و البحار أنه لا خلاف في جواز الاقتصار على الحمد حينئذ، كما أنه يشعر به ما في الحدائق، و ما سيأتي من المصنف أيضا من اختصاص الخلاف في وجوب السورة و عدمه بصورة التمكن من التعلم، بل في الرياض أن في صريح المدارك و الذخيرة و ظاهر التنقيح نفي الخلاف أيضا، قالوا: اقتصارا في التعويض المخالف للأصل على موضع الوفاق، بل لعله هو من الضرورة التي ادعى غير واحد الإجماع على سقوطها حالها، بل هو مقتضى فحوى سقوطها للذي أعجلته حاجة (1) و نحوها، فلا تعويض حينئذ عنها، فما عن حاشية الأستاذ الأكبر تبعا للمحكي عن صريح التذكرة من جريان الأحكام المزبورة في الفاتحة من التعويض بالذكر مثلا لا يخلو من تأمل، و إن كان ربما يوهمه أيضا إطلاق القراءة في بعض النصوص و الفتاوى، بل و إطلاق بعض معاقد الإجماع و غيرها، و على كل حال فلا يجب الائتمام عليه إذا ضاق الوقت و إن كان مرجو التعلم فيما يأتي من الأوقات على إشكال يعرف مما مر، و ربما تسمع له تتمة إن شاء الله.

و المراد بمن لا يحسنها في المتن و غيره من عبارات الأصحاب من لا يستطيع أصل القراءة، لا ما يشمل من يأتي بها ملحونة أو مبدلا فيها بعض الحروف و نحو ذلك مما لا يخرجه عن أصل القراءة عرفا، ضرورة عدم جريان الأحكام المزبورة في ذلك، بل يقرأ بحسب ما تمكن كما صرح به في جامع المقاصد و كشف الأستاذ، لاتفاقهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

311

ظاهرا في باب الجماعة على صحة صلاة الفأفاء و التمتام و الألثع و الأليغ، لأنه هو المستطاع (1) و الميسور (2) و ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر (3) و كل شيء قد اضطر اليه مما حرم عليه فهو حلال (4) و ل

خبر مسعدة بن صدقة (5) المروي عن قرب الاسناد، قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهد و ما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح»

إذ المراد بالمحرم فيه من لا يستطيع القراءة على وجهها و لا يفصح بها لعدم تعود لسانه، و للنبوي (6) المشهور «ان سين بلال عند الله شين» و الآخر (7) «إن الرجل الأعجمي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته»

إلى غير ذلك.

و كان الظاهر من المصنف و غيره ممن عبر بعبارته عدم اشتراط الحفظ عن ظهر القلب في القراءة، بل يجزي اتباع القاري و القراءة بالمصحف و نحوهما، ضرورة إرادة من لا يعرف أصل القراءة ممن لا يحسنها لا ما يشمل ذلك و إن تجشم المحقق الثاني في حاشية الكتاب، إلا أن الأحكام المذكورة فيه تنافيه إلا على تكلف، و التحقيق فيه الجواز وفاقا لصريح المحكي عن التذكرة و نهاية الأحكام و غيرهما من متأخري المتأخرين

____________

(1) تفسير الصافي سورة المائدة- الآية 101.

(2) غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 13.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 30- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 4 من كتاب الصلاة.

312

و ظاهر غيرهما ممن لم يذكره شرطا، للأصل و إطلاق الأدلة، و الصحيح عن الصيقل (1) سأل الصادق (عليه السلام) «ما تقول في الرجل يصلي و هو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه قال: لا بأس بذلك»

و خلافا لصريح المحقق الثاني و العلامة الطباطبائي و المحكي عن الشهيدين و فخر المحققين و ظاهر الشيخ، لأنه المتبادر و المعهود في الصلاة، و لم يأمر النبي (صلى الله عليه و آله) الأعرابي (2) الذي سأله عن عدم حفظ القرآن بالقراءة من المصحف، و لأن القراءة من المصحف مكروهة إجماعا كما عن الإيضاح، و لا شيء من المكروه بواجب إجماعا، و لأن القراءة به أو الائتمام أو اتباع القاري معرضة للبطلان بذهاب المصحف، أو عروض ما لا يعلمه، أو يشك في صحته، أو ما يبطل الائتمام، أو ما يمنع من الاقتداء به، أو اتباعه في القراءة، فيفتقر المأموم حينئذ إلى إبطال الصلاة، و ل

خبر علي بن جعفر (3) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه موسى (عليه السلام) «عن الرجل و المرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه و يقرأ و يصلي قال: لا يعتد بتلك الصلاة»

و للاحتياط الذي ينبغي مراعاته في الصلاة أو يجب، إذ الجميع كما ترى بين ممنوع و ما هو على العكس أدل، و قاصر عن المقاومة و مشترك الإلزام، فلا جهة للتفصيل حينئذ بين الفريضة و النافلة جمعا بين الخبرين، لعدم الشاهد و المقاومة.

و على الوجوب فلا ريب في وجوب بذل الجهد في التعلم و لو بأجرة، و في جواز الائتمام و عدمه حينئذ مع سعة الوقت و إمكان التعلم ما عرفت سابقا و إن صحت صلاته قطعا لو ائتم، أما مع الضيق أو التعذر فلا يجب عليه الائتمام، لجواز القراءة له بالمصحف

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) سنن أبى داود ج 1 ص 305- الرقم 832 الطبعة الثانية عام 1369.

(3) الوسائل- الباب- 41- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

313

حينئذ عند أكثر أهل العلم كما عن المنتهى، و إجماعا كما عن الخلاف، و جواز اتباع القاري أيضا كما صرح به بعضهم، بل عن البيان و المسالك أن المصحف مقدم على الائتمام و إن قال في كشف اللثام: إني لا أعرف وجها لهذا التقديم، قلت: لعله أقرب إلى الاستظهار من الائتمام، نعم في المحكي من الذكرى احتمال ترجيح اتباع القاري عليه لاستظهاره في الحال، قال: «و لو كان يستظهر في المصحف استويا، و في وجوبه عند إمكانه احتمال، لأنه أقرب إلى الاستظهار الدائم، و منه يعلم الوجه لما في البيان، فتأمل.

كما أنه يعلم حينئذ إمكان المناقشة في التخيير بين الأمور الثلاثة في كشف اللثام و جامع المقاصد و عدم الترتيب بينها، و في وجوب الائتمام عليه إذا تعذر الأمران و آيس من الحفظ إشكال يعرف مما مر، و الأقوى العدم، لإطلاق ما دل على الانتقال إلى البدل، نعم يمكن احتمال الوجوب إذا أمكن التعلم إلا أنه ضاق الوقت كما عرفته في التعلم، ضرورة اتحاد المدرك فيهما بناء على الوجوب، بل قد عرفت انه يظهر من بعضهم أن المراد ممن لا يحسنها ما يشمل الأمرين، فأكثر الأحكام حينئذ فيهما سواء، فتأمل جيدا.

و كيف كان فلو ارتفع العذر فان كان قبل الشروع في البدل فلا بحث في وجوب الأصل، كما أنه لا بحث في سقوطه لو كان ارتفاعه بعد فوات المحل، أما لو ارتفع في الأثناء أو بعد الفراغ من البدل قبل الانتقال إلى الركوع مثلا فقاعدة الاجزاء تقتضي السقوط في الثاني، و الاقتصار على النسبة في الأول، لكن في جامع المقاصد وجوب الأصل فيهما معا ناقلا له عن الفاضل و الشهيد، و لعله لظهور أدلة البدلية في الاستمرار، فيقتصر حينئذ عليه في الخروج عن الأصل، إذ لا أمر حينئذ حتى يقتضي الإجزاء، بل هو تخيل الأمر لتخيل الاستمرار، إلا أنه مع ذلك للنظر فيه مجال، و إن كان هو الأحوط إذا لم يقصد الجزئية بالأصل، فتأمل.

ثم إن ظاهر المتن و غيره ممن عبر كعبارته عدم إجزاء الترجمة أصلا هنا كما

314

صرح به بعضهم، بل حكي عن صريح جماعة و ظاهر آخرين، فلعله حينئذ مذهب الأكثر، بل لعله ظاهر المحكي من إجماع الخلاف و غيره، بل لم يحك الخلاف إلا عن نهاية الأحكام و التذكرة و الروض مع العجز عن القرآن و بدله، و لا ريب في ضعفه، للأصل و إطلاق الأدلة، و خلوها عن الأمر بالانتقال إليها في مرتبة من المراتب، و اندراجها في كلام الآدميين كما في جامع المقاصد و غيره مع حرمة القياس على التكبير، خصوصا مع إمكان الفرق بأن المقصود من القراءة النظم المعجز، و في مرسل الحجال (1) سأل أحدهما (عليهما السلام) «عن قوله تعالى (2) «بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» فقال:

يبين الألسن و لا تبينه الألسن»

فما في الرياض حينئذ من القول بالاجزاء لما دل عليه في التكبير في غير محله، و عليه فهل تقدم ترجمة القراءة بالعربي أو غيره من اللغات على الذكر لقربها إلى القرآن احتمال كما عن الذكرى، و الأقوى خلافه وفاقا لجامع المقاصد و المحكي عن غيره، لإطلاق الأمر به، بل قيل: لو عجز عنه قدم ترجمته على ترجمتها، لأن الذكر لا يخرج عن كونه ذكرا بالترجمة بخلاف القرآن، و لعموم خبر ابن سنان (3) المتقدم كما في كشف اللثام، و إن كان قد يناقش بأن ترجمة الفاتحة لا تخرج عن الذكر أيضا، لأنها تحميد و دعاء كما في الخبر (4).

بل قد يستدل بذلك على أصل الجواز، و بفحوى حكم الأخرس، و خبر مسعدة ابن صدقة (5) المتقدم سابقا، خصوصا مع ملاحظة تتمته التي لم نذكرها، و النبوي 7782 (6)

____________

(1) الوسائل- الباب- 67- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) سورة الشعراء- الآية 195.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 30- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 4.

315

المتقدم سابقا أيضا، و لأنه هو الميسور له، و المستطاع له، و أولويته من السكوت، إذ بناء على عدم إجزاء ترجمة القراءة و الذكر و فرض العجز لا يجب عليه إلا القيام قدر القراءة كما عن نهاية الأحكام التصريح به، قال: «و لو لم يعلم شيئا من القرآن و لا من الأذكار و ضاق الوقت عن التعلم وجب أن يقوم بقدر الفاتحة ثم يركع» لكن قد يناقش فيه بأنه لا يوافق ما سمعته عنه من الاجتزاء بالترجمة، فينبغي عدم اعتبار القدرة عليها أيضا، أو يريد بعدم العلم الذي ذكره عدم معرفة وجوب ذلك عند الشرع و قد ضاق الوقت، و لذا اعترض عليه في جامع المقاصد بأن في وجود هذا الفرض و نحوه في كلام الفقهاء بعدا، إذ لا بد من العلم بباقي الأفعال التي تعد أركانها على وجهها، و جميع الشروط من أصول الدين و فروعه و أخذ الأحكام على وجه يجزي الأخذ به كما سبق التنبيه عليه، و العلم بأن من لا يحسن القراءة مطلقا أو على الوجه المعتبر ما الذي يجب عليه، و إلا لم يعتد بصلاته أصلا، و مع العلم بهذه الأمور كلها لا يكاد يتحقق فرض عدم علمه بالقراءة، أو بها و بالذكر معا، و هو جيد، بل الأول بعيد أيضا إلا إذا فرض عدم استطاعته النطق أصلا.

[في كيفية قراءة الأخرس]

و حينئذ فيندرج في الأخرس الذي حكمه أن يحرك لسانه بالقراءة و يعقد بها قلبه بلا خلاف أجده في الأول ل

خبر السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) «تلبية الأخرس و تشهده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه»

و لعدم سقوط الميسور بالمعسور و نحوه الذي يمكن رفع المناقشة فيه هنا بأن الحركة انما وجبت تبعا للقراءة المعلوم سقوطها في المقام بأن يدعى جزئية الحركة من القراءة أو كالجزء الذي هو مدلول الخبر المزبور، لا أنه مقدمة خارجية لا مدخلية لها في مسمى القراءة، و ظني أن المراد من الخبر المزبور ما هو المتعارف في حاله من إبراز

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

316

مقاصده بتحريك لسانه و إشارته بإصبعه، فلا بد حينئذ له من معرفة المعنى هنا و لو في الجملة حتى يتحقق منه الإشارة، و يكون بها مع التحريك كاللفظ من الصحيح الذي لا يحتاج معه إلى معرفة المعنى، لأنه قد جاء بما يفيده في نفس الأمر، و لعله إلى هذا أومأ الشهيد في المحكي عن بيانه و دروسه و ذكراه، فاعتبر عقد القلب بمعنى القراءة، بل قال في الأخير: و لو تعذر إفهامه جميع معانيها أفهم البعض و حرك لسانه به و أمر بتحريك اللسان بقدر الباقي و إن لم يفهم معناه مفصلا، و هذه لم أر فيها نصا، بل لعل ذلك هو مراد غيره من المتن و نحوه ممن اعتبر عقد القلب بالقراءة، لكن استشكله في جامع المقاصد بأنه لا دليل على وجوب ذلك على الأخرس و لا غيره، و لو وجب ذلك لعمت البلوى أكثر الخلائق، و الذي يظهر لي أن مراد القائلين بوجوب عقد قلب الأخرس بمعنى القراءة وجوب القصد بحركة اللسان إلى كونها حركة للقراءة إذ الحركة صالحة لحركة القراءة و غيرها، فلا يتخصص إلا بالنية كما نبهنا عليه في جميع الأبدال السابقة، و قد صرح المصنف بذلك في المنتهى، فقال: «و يعقد قلبه لأن القراءة معتبرة، و قد تعذرت فيأتي ببدلها، و هو حركة اللسان».

و فيه أنه لا تلازم بين وجوبه على الأخرس و بين الوجوب على غيره حتى تعم البلوى أكثر الخلائق، على أن الفرق بينهما بصدور اللفظ المستقل في إفادة المعنى و إن لم يعرفه المتلفظ به من الثاني دون الأول في غاية الوضوح، كما أن الدليل عليه بعد أن عرفت المراد من خبر السكوني و أنه جار على ما هو المشاهد من إبراز مقاصده كذلك بل قد يدعى أن الأصل هو المعنى، و انما سقط اعتباره عن الناطق بلفظه رخصة، فإذا فقد اللفظ وجب العقد بالمعنى، على أن المعروف من الأخرس الأبكم الأصم الذي لم يعقل الألفاظ و لا سمعها، و لا يعرف تلفظ الناس بل يظن أن الخلق جميعا مثله في إبراز المقاصد، و هذا لا يتصور فيه عقد القلب بالقراءة و ألفاظها، و لذا قال في كشف اللثام:

317

إن عليه ما يراه من المصلين من تحريك الشفة و اللسان، و لم يعتبر فيه عقد القلب بالقراءة لعدم إمكانه كما صرح به أيضا، و عليه يكون حينئذ مثله خارجا عن عبارات الأصحاب، و انها انما تتم في الأخرس الذي يسمع و يعقل و يعرف القرآن و الذكر، أو يعرف أشكال معاني الحروف إذا نظر إليها، إلا أنه لا يستطيع التلفظ بها لعارض عرض له في لسانه مثلا، و هو- مع اقتضائه التخصيص من غير مخصص، بل يقتضي إخراج المعروف من أفراد الخرس- يمكن دعوى عدم وجوب حركة اللسان في مثله و لا الإشارة بالإصبع، بل يكتفى توهم القراءة حينئذ توهما، ضرورة كونه كمن منعه من القراءة خوف و نحوه الذي وردت النصوص فيه بما ذكرنا، ك

خبر علي بن جعفر (1) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه موسى (عليه السلام) «عن الرجل يصلح له أن يقرأ في صلاته و يحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه قال: لا بأس أن لا يحرك لسانه يتوهم توهما» و خبره الآخر (2) المروي في قرب الاسناد سأله أيضا «عن الرجل يقرأ في صلاته هل يجزيه أن لا يحرك لسانه و أن يتوهم توهما؟ قال:

لا بأس»

و

مرسل محمد بن أبي حمزة (3) عن الصادق (عليه السلام) «يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس»

و غيرها مما ورد به الأمر من القراءة في النفس و نحوها، فما في كشف اللثام من إيجاب حركة اللسان على الأخرس المزبور، بل ظاهره انه هو المراد من عبارات الأصحاب المحكوم فيها بالأحكام السابقة لا يخلو من نظر، كما أنه لا يخلو ما فيه من أن ما في كتب الشهيد من عقد القلب بالمعنى مسامحة يراد به العقد بالألفاظ، على أنه انما ذكر معنى القراءة، و قد يقال: معناها الألفاظ و إن أراد معانيها فقد يكون اعتبارها لأنها لا تنفك عن ذهن من يعقد قلبه بالألفاظ إذا عرف معانيها من النظر المزبور، و كأن الذي أوقعه في ذلك تفسير الأخرس بما عرفت.

____________

(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

318

و الحاصل أن المتصور من الخرس ثلاثة: أحدها الأبكم الأصم خلقة الذي لا يعرف أن في الوجود لفظا أو صوتا. ثانيها الأبكم الذي يعرف أن في الوجود ألفاظا و أن المصلي يصلي بألفاظ أو قرآن. ثالثها الأخرس الذي يعرف القرآن أو الذكر و يسمع إذا أسمع و يعرف معاني إشكال الحروف إذا نظر إليها، و قد جعل موضوع حكم الأصحاب بالتحريك و عقد القلب الثالث، أو هو و الثاني بالنسبة إلى عقد القلب دون التحريك، لأنه هو الذي يتصور فيه ذلك بعد إرادة الألفاظ من عقد القلب، و فيه أن ظهور الخرس في غيرهما و فيما هو أعم منهما مما يعين إرادة المعنى من عقد القلب كما سمعته من الشهيد، و أن المراد إبراز الأخرس هذه المعاني كما يبرز سائر مقاصده بتحريك لسانه و الإشارة بيده، و لعل في لفظ الإشارة في خبر السكوني و عبارات أكثر الأصحاب إن لم يكن جميعهم إشارة إلى ذلك، إذ من المستبعد إرادة مجرد التعبد منها أو خصوص ما يفيد التوحيد من القرآن و الذكر، لأنها انما تفعل لافهامه، بل قد يتوقف في وجوب التحريك على الثالث لما عرفت، فيكون موضوع كلام الأصحاب الخرس بالمعنيين الأوليين، إذ دعوى عدم وجوب التحريك على الثاني كما في كشف اللثام للأصل و خبر قرب الاسناد السابق غير مسموعة بعد إطلاق خبر السكوني المعتضد بإمكان جريان قاعدة اليسر فيه أيضا، فيجب حينئذ كما عن الذكرى، و اكتفاء الفاضل في المحكي عن تذكرته و نهايته لجاهل القرآن و الذكر إذا ضاق الوقت أو فقد المرشد بالقيام قدر الفاتحة لا يستلزم الحكم فيما نحن فيه، لعدم صدق الخرس، و لا أن المعروف في إبراز مقاصده التحريك و الإشارة، فيكون حينئذ هذا التحريك و الإشارة فيه من المهملات و الأفعال العبثية بخلاف محل الفرض.

و ما في كشف اللثام أيضا من أن الواجب انما هو التلفظ بالحروف، و التحريك تابع له في الوجوب لما لم يمكن التلفظ بها بدونه يدفعه أنه اجتهاد في مقابلة النص أولا،

319

و أن الممكن منه من القراءة هذا المقدار ثانيا، و قد عرفت إمكان الفرق بين التحريك بالنسبة إلى الألفاظ و بين المقدمات الخارجية، على أن مثله يرد عليه فيما أوجب فيه التحريك من القسم الثاني من الخرس، و دعوى أن الشارع قد اعتبر القراءة كحديث النفس بتحريك اللسان في اللهوات من غير صوت في خصوصه و فيمن يصلي خلف إمام يتقيه و لا يأتم به خالية عن الشاهد، بل لعل الشاهد بخلافها كما عرفت، كدعوى دفع إطلاق خبر السكوني بأنه لا قراءة لهذا الأخرس، بل هي أوضح من الأولى بطلانا عند التأمل، و من ذلك كله يعرف ما في كلام جملة من الأصحاب في المقام خصوصا كشف اللثام، فلاحظ و تأمل.

ثم لا يخفى أن المراد باللسان في المتن و غيره ما يشمل الشفة مثلا مما يبرز بها الألفاظ، أو أنه اقتصر عليه لأن غالب الإبراز به، كما أن التقييد بالإصبع في خبر السكوني يراد منه مطلق الإشارة به أو باليد، و لعل عدم ذكر عقد القلب فيه كعبارة المبسوط فيما قيل لأن إبراز المقصد بالتحريك و الإشارة لا ينفك عن عقد القلب بالمعنى، كما أن ترك الإشارة في مثل المتن لنحو ذلك، بل و كذا ما يحكى عن النهاية و المهذب من ترك التحريك بل اقتصرا على الإيماء مع اعتقاد القلب، و كل ذلك شاهد على إرادة الأصحاب إبراز الأخرس كباقي إبراز مقاصده، و أنهم اتكلوا على التعارف و المشاهدة من أحواله فلم يذكروا تمام المشخصات، فتأمل جيدا.

نعم لو فرض تعسر تعليمه و إفهامه أصلا سقط عنه قطعا، و هل عليه تحريك اللسان؟ وجهان، ظاهر ما سمعته من الشهيد الأول، و قد تقدم في التكبير ما له نفع في المقام في الجملة، و الله أعلم بحقيقة الحال.

[في التخيير بين القراءة و التسبيح في الأخيرتين]

و المصلي في كل ثالثة و رابعة بالخيار بين القراءة و التسبيح ف ان شاء قرأ الحمد، و إن شاء سبح إجماعا محصلا و منقولا صريحا و ظاهرا مستفيضا بل متواترا

320

و نصوصا كذلك صريحة و ظاهرة و لو للجمع بين الأمر بكل منهما بالتخيير، كما أنه يجب حمل الأمر بالثاني 7509 (1) منهما من غير تعرض للقراءة في المحكي عن الصدوقين في الرسالة و المقنع و الهداية عليه، أو على أفضل فرديه كما حكي عنهما ذلك في المسألة الآتية بل لعل المحكي عن الحسن بن أبي عقيل كذلك أيضا و إن كان في عبارته ما يوهم التعيين حتى أنه ربما نسب اليه بل و إلى الصدوقين أيضا ذلك، لكنه في غير محله، فما عن كشف الأسرار- من حكاية القول به عن بعض معاصريه حملا لأخبار القراءة (2) على بعض ما تعرفه، و أخذا ب ما تضمن الأمر به (3) و النهي (4) عنها من النصوص التي سيمر عليك بعضها إن شاء الله- مصادمة للإجماع و القطعي من النصوص (5) كما أن ما عن بعض معاصريه أيضا من تعين القراءة للتوقيع (6) الآتي الذي يجب طرحه أو تأويله كذلك أيضا، و إن قيل: إنه ربما ظهر من عبارة الوسيلة، مع أن المحكي منها ليس بذلك المكان من الظهور، بل لا يخلو من إجمال، نعم حكي عن جملة من الأصحاب تخصيص مورد الإجماع هنا بغير المأموم الذي فيه أقوال شتى، و فيه أنها ليست في التخيير و التعيين، بل هي بالنسبة إلى الرجحان و عدمه، و إلى وجوب شيء عليه و عدمه لا أنه بالنسبة إلى تعيين أحد الفردين، و إن كان قد وقع من بعض من لا يعتد بخلافهم من متأخري المتأخرين، فمنهم من أوجب القراءة عليه، و منهم من أوجب التسبيح،

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4 و الباب 51 منها- الحديث 11 و 12 و 14.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6 و الباب 51 الحديث 6 و 7.

(5) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة.

(6) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 14.

321

و هم محجوجون بهذه الإجماعات و النصوص، كالقائل بعدم وجوب شيء عليه منهما أو حرمته، كما أفرغنا البحث في جميع ذلك في باب الجماعة، بل و كذا القائل بتعين القراءة في الأخيرتين على الناسي لها في الأولتين، مع أنا لم نتحققه، لأنه انما حكي عن خلاف الشيخ، و المنقول عنه التعبير بلفظ الاحتياط المشعر بالاستحباب الذي حكي التصريح به عنه في المبسوط، على أن التحقيق خلافهما معا، أما الثاني فلما ستعرف من أفضلية التسبيح مطلقا، و أما الأول فهو- مع مخالفته لما عرفت من إطلاق المتواتر من الإجماع و النصوص- لا دليل عليه سوى

إطلاق (1) «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»

الذي لا ينطبق على تمام الدعوى، و مختص بحكم التبادر في الأولتين، و بملاحظة المستفيض من النصوص في صورة العمد، و سوى

الصحيح (2) قلت له: «رجل نسي القراءة في الأولتين و ذكرها في الأخيرتين فقال: يقضي القراءة و التكبير و التسبيح الذي فاته في الأوليين في الأخيرتين، و لا شيء عليه»

و هو- مع موافقته للمحكي عن أبي حنيفة و ظهوره في قضاء الفاتحة و السورة و غيرهما المخالف للإجماع كما في الرياض، و في فعل ذلك مستقلا عن قراءة الأخيرتين و هو غير المدعى، و معارضته لذلك الإطلاق الدال على التخيير الذي هو أرجح منه بوجوه، منها الشهرة العظيمة، بل لعلها إجماع، و لخصوص صحيح معاوية بن عمار (3) الآتي في المسألة الثانية الصريح في الرد على أبي حنيفة، و لخصوص المعتبرة المستفيضة (4) الدالة على الاجتزاء بالركوع و تكبيرة عن القراءة المنسية- لا يليق بالفقيه الركون اليه، و سوى

الخبر (5) قلت له: «أسهو

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 30- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

322

عن القراءة في الركعة الأولى قال: إقرأ في الثانية، قلت له: أسهو عن الثانية قال:

إقرأ في الثالثة، قلت: أسهو في صلاتي كلها قال: إذا حفظت الركوع و السجود فقد تمت صلاتك»

و هو- مع جريان بعض ما سمعته فيه أيضا أو جميعه- ضعيف سندا لا يعول عليه في نفسه فضلا عن مقاومة غيره، و الله أعلم.

[في بيان حكم الإمام و غيره في الأخيرتين]

و الأفضل للإمام اختيار القراءة كما في القواعد و جامع المقاصد و المحكي عن الاستبصار و التحرير و النفلية و البيان و تعليق النافع و مجمع البرهان و غيرها، بل عن الفوائد الملية أنه المشهور، لأن

معاوية بن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين فقال: الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب، و من خلفه يسبح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما، و إن شئت فسبح» و صحيح ابن دراج (2) «عما يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة فقال: بفاتحة الكتاب، و لا يقرأ الذين خلفه، و يقرأ الرجل فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب» و قال الصادق (عليه السلام) أيضا في صحيح منصور (3): «إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين فاتحة الكتاب، و إن كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل»

و لإطلاق

خبر الحميري (4) المروي عن الاحتجاج، بل عن البحار أن سنده قوي، و يظهر من الشيخ أنه منقول بأسانيد معتبرة «إنه كتب إلى القائم (عليه السلام) يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات، فبعض يروي أن قراءة الحمد وحدها أفضل، و بعض يروي أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيهما نستعمله، فأجاب (عليه السلام) قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، و الذي نسخ التسبيح قول العالم (عليه السلام): كل صلاة لا يقرأ فيها فهي خداج إلا العليل، و من يكثر عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 14.

323

السهو، فيتخوف بطلان الصلاة». و محمد بن حكيم (1) سأل أبا الحسن (عليه السلام) «أيما أفضل: القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح؟ فقال: القراءة أفضل»

و يؤيده مع ذلك الآية، و ما ورد في فضل قراءة القرآن (2) و خصوص الفاتحة (3) و عدم الخلاف في كيفيتها و عددها، و الخروج عن شبهة وجوبها، و ما دل (4) على ضمان الإمام القراءة عن المأمومين في الصلاة الذي لا يتم إلا مع قراءته في سائر صلاته، و غير ذلك.

و ظاهر المتن و من عبر كعبارته اختصاص ذلك بالإمام، و أن غيره يبقى على الخيار من غير ترجيح، خلافا للمحكي عن التقي، و اختاره في اللمعة من أفضلية القراءة مطلقا، و اليه مال في المدارك، كما أنه يلوح من المحكي عن شيخه، و لعله لما تقدم من النصوص و لو في بعض الدعوى، إلا أنه ظاهر في استحباب التسبيح لغيره خاصة منفردا و مأموما، بل لم نجد به قائلا، بل في جامع المقاصد لم نجد قائلا باستحباب القراءة للإمام و التسبيح للمنفرد، و تبعه عليه غيره، مع أن المحكي عن الدروس التصريح بذلك، كما أن المحكي عن موضع من المنتهى ذلك أيضا، مع أنه أبدل المنفرد بالمأموم، و استحسنه فيما نقل عنه في التذكرة، و عن البحار أنه لا يخلو من قوة.

أما القول باستحباب التسبيح مطلقا فقد قيل: إنه ظاهر الصدوقين و الحسن و ابن إدريس، و اختاره في الوسائل و المنظومة و الحدائق حاكيا له عن بعض علماء البحرين، بل عن البحار أنه ذهب إليه جماعة من محققي المتأخرين، كما أن التخيير

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب قراءة القرآن.

(3) الوسائل- الباب- 37- من أبواب قراءة القرآن.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 و الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 8.

324

مطلقا ظاهر جملة من كتب أصحابنا المتقدمين منهم و المتأخرين، بل هو كصريح المحكي عن موضع آخر من المنتهى، لإطلاق ما دل (1) على التخيير، و خصوص خبر علي بن حنظلة (2) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، و إن شئت فاذكر الله فهو سواء، قال:

قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: هما و الله سواء، إن شئت سبحت و إن شئت قرأت»

و عن أبي علي أن الامام إن أمن من لحوق مسبوق بركعة استحب له التسبيح، و إلا القراءة، و المنفرد على تخييره، و المأموم يقرأ فيهما، و استحسنه في كشف اللثام بالنسبة إلى الامام، بل عن المنتهى و الحبل المتين اختياره أيضا، و في جامع المقاصد «و لو كان المصلي يتخير القراءة لعدم سكون نفسه إلى التسبيح فالتسبيح أفضل» و لعله إليه أشار في المحكي عن الروض، و ربما قيل: إن من لم تسكن نفسه إلى التسبيح فالتسبيح أفضل مطلقا، فتحمل عليه رواية أفضلية التسبيح (3) و قد تقدم ما عن الشيخ من التفصيل بين ناسي القراءة و غيره، بناء على إرادته الفضل.

فتحصل من مجموع ما ذكرنا أقوال متعددة تنتهي إلى سبعة أو أزيد، و قد يقوى في النظر منها استحباب التسبيح مطلقا للنصوص الكثيرة (4) بل في مصابيح الطباطبائي دعوى تواترها بأفضلية التسبيح، قال: «بل تضمن كثير منها الأمر به و النهي عن القراءة أو النفي لها» إلى آخره. منها

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (5): «لا تقرأن في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام، قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: إذا كنت إماما أو وحدك فقل: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله ثلاث مرات، ثم

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

325

تكمله تسع تسبيحات، ثم تكبر و تركع»

و عن الحلي أنه رواه في المستطرفات نقلا من كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة، إلا أنه أسقط «تكمله» إلى آخره، و في أول السرائر نقلا من كتاب حريز أيضا إلا أنه أضاف التكبير إليها، ثم قال: ثلاث مرات ثم تكبر و تركع، و منه ينشأ احتمال أن زرارة سمعه مرتين، و أن حريزا أثبته في كتابه كذلك، فيكونان حينئذ خبرين، و احتمال السهو في زيادة التكبير من القلم أو النساخ لا ينبغي فتحه في النصوص، و لا داعي له بعد ظهور النقل في التعدد، فتأمل جيدا.

و منها

قوله (عليه السلام) أيضا في صحيحه (1) أو حسنه: «عشر ركعات- إلى أن قال-: فزاد في الصلاة سبع ركعات، هي سنة ليس فيهن قراءة، انما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء، فالوهم انما هو فيهن»

و بمعناه

صحيح (2) آخر له أيضا في أعداد الصلوات، كما عن ابن إدريس أنه رواه نقلا من كتاب حريز عن زرارة، و زاد «و انما فرض الله كل صلاة ركعتين و زاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) سبعا، و فيهن الوهم، و ليس فيهن قراءة»

و منها

قوله (عليه السلام) أيضا في صحيحه (3) أيضا المروي عن كتابي الشيخ فيمن أدرك الإمام في الأخيرتين قال: «فإذا سلم الامام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما، لأن الصلاة انما يقرأ فيها في الأولين بأم الكتاب و سورة و في الأخيرتين لا يقرأ فيهما، انما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء ليس فيهما قراءة»

و منه يمكن الاستدلال أيضا ب

صحيح الحلبي (4) «إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل: الحمد لله و سبحان الله»

على إرادة الجملة الخبرية، و أنها واقعة صفة للمعرف

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 47- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القيام- الحديث 7 و في الوسائل و التهذيب و الاستبصار «الحمد لله و سبحان الله و الله أكبر».

326

بلام الجنس القريب من النكرة، كقوله: و لقد أمركم على اللئيم يسبني، أو الطلبية على تصحيف الواو بالفاء كما عن المنتهى لكن كان عليه ذكر حذف الفاء عن لفظ «لا» مع التصحيف المزبور.

و منها

ما رواه الصدوق (1) عن محمد بن عمران، و في المصابيح أو محمد بن حمران، و في العلل محمد بن حمزة أو محمد بن أبي حمزة على اختلاف النسخ عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في حديث سألته لأي علة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال: لأن النبي (صلى الله عليه و آله) لما كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله عز و جل فدهش، فقال: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة»

بل في تتمة الخبر المزبور إشعار بأنه (صلى الله عليه و آله) كان إماما للملائكة، و لا يخفى عليك بعد ما سمعته عن العلل أنهما خبران يمكن تصحيح السند بناء على بعض النسخ فيهما.

و منها

المرسل (2) عن الفقيه و العلل عن الرضا (عليه السلام) «انما جعل القراءة في الركعتين الأولتين و التسبيح في الأخيرتين للفرق بين ما فرضه الله من عنده و بين ما فرضه الله من عند رسوله (صلى الله عليه و آله)»

و منها

خبر موثق محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا صلى يقرأ في الأولتين من صلاته الظهر سرا، و يسبح في الأخيرتين من صلاته الظهر على نحو من صلاته العشاء، و كان يقرأ في الأولتين من صلاته العصر سرا، و يسبح في الأخيرتين على نحو من صلاته العشاء»

قيل: و في الصحيح (4) عن الباقر (عليه السلام) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام)- إلى أن قال-: يسبح في الأخيرتين»

و منهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 9.

327

يستفاد المراد من

المرسل (1) المروي عن المعتبر عن علي (عليه السلام) إنه قال: «إقرأ في الأولتين و سبح في الأخيرتين».

و منها

خبر رجاء بن الضحاك (2) «انه صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو فكان يسبح في الأخراوين».

و منها

خبر عبيد بن زرارة (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين الأخيرتين من الظهر قال: تسبح و تحمد الله و تستغفر لذنبك، و إن شئت فاتحة الكتاب فإنها تحميد و دعاء»

و منها

صحيح أبي خديجة (4) عن الصادق (عليه السلام) «إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين، و على الذين من خلفك أن يقولوا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر و هم قيام، فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرءوا فاتحة الكتاب، و على الامام التسبيح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الأخيرتين»

بل قد يستفاد من لفظ «مثل» في ذيله استحباب التسبيح مطلقا، كما أنه يستفاد منه أن قراءة المأمومين لأنهم مسبوقون، بل لعله الظاهر من لفظ «كان» فتأمل جيدا.

و منها

صحيح زرارة (5) عن الصادق (عليه السلام) «إذا كنت خلف إمام- إلى أن قال- لا تقرأن شيئا في الأخيرتين- ثم قال-: و الأخيرتان تبع للأولتين»

و منها صحيح معاوية بن عمار (6) و خبر جميل بن دراج (7) في الجملة المتقدمان سابقا

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 8 لكن نقل في الوسائل عن رجاء بن أبي الضحاك و هو الصحيح.

(3) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 13 و هو صحيح سالم بن أبي خديجة.

(5) الوسائل- الباب- 31- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

328

في دليل المفصل، قيل: و منها

صحيح معاوية بن عمار (1) أيضا عن الصادق (عليه السلام) قلت: «الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين و يذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرأ قال: أتم الركوع و السجود؟ قلت: «نعم، قال: إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها»

و نحوه ما في صحيح ابن الحجاج (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال:

إقرأ فيهما فإنهما لك الأولتان، و لا تجعل أول صلاتك آخرها»

لكن قد يناقش فيهما بأن المراد منهما الرد على أبي حنيفة القائل بأن المأموم في الفرض يجعل ما أدركه آخر صلاته كالإمام ثم يستقبل بعد ذلك الأول فيجزيه حينئذ ذلك في رفع قراءة الفاتحة في الجميع، كما أومأ إليه

مرسل النضر (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال لي:

أي شيء يقول هؤلاء في الرجل إذا فاته مع الامام ركعتان؟ قال: يقولون: يقرأ في الركعتين بالحمد و سورة، فقال: هذا يقلب صلاته يجعل أولها آخرها، فقلت: كيف يصنع؟ فقال: يقرأ بفاتحة الكتاب بكل ركعتين»

فتأمل جيدا.

إلا أنك خبير بأنا في غنية بتلك النصوص المتعددة التي فيها المشتمل على ضروب الدلالة و تأكيدها، و الذي شهد القرائن بصحته، كوجوده في الأصول المعتبرة من كتاب حريز المشهورة في زمن الصادق (عليه السلام) و غيره، و الذي هو في أعلى درجات الصحة، بل لو قلنا باستفادة مذاهب الرواة من رواياتهم لعلم أنه مذهب الأساطين من المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) و غيرهم، إلى غير ذلك من الأمور

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 47- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 47- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 7 لكن روى في الوسائل عن أحمد بن النضر مرسلا.

329

التي لا تخفى على الخبير الممارس، كمخالفتها للعامة العمياء الذين جعل الله الرشد في خلافهم و نحوها مما يعلم به قصور غيرها سندا و عددا و دلالة و قرائن عن تقييد المطلق منها فضلا عن المعارضة، مع أن صحيح معاوية بن عمار منها في سنده محمد بن أبي حمزة، و هو مشترك بين الثمالي و الثمبلي (1) و الثاني منهما لم ينص على توثيقه في كتب الرجال على ما قيل إلا رجال ابن داود، فقال: إنه ثقة فاضل، مع أنه نقله عن رجال الشيخ الخالي عن ذلك، و كأنه اشتبه بالثمالي الذي حكي عن حمدويه أنه قال: فيه ذلك، فلعله اشتبه فيه، و ربما احتمل اتحادهما و تصحيف الثمالي بالثميلي، و لم يبين فيه المراد من السؤال عن القراءة، و لم يعمل أحد بمجموع ما فيه سوى ما سمعته من موضع من المنتهى، بل هو غير موافق له أيضا بناء على ظهوره في أفضلية القراءة للمنفرد، و صدر الجواب فيه غير مطابق للسؤال، بل قد يستشعر من هذه المخالفة فيه أن المراد بيان أمر آخر، و هو استحباب المخالفة بين الامام و المأموم كما لعله يستفاد من خبر أبي خديجة و غيره، بل و من خصوص الصحيح المزبور بناء على إرادة الاجتماع من الأمرين بالقراءة و التسبيح فيكون قراءة الإمام فيه تحصيلا لفضيلة المخالفة لا الأفضلية من حيث الصلاة، و لا ينافيه الأمر بالقراءة مع أن المخالفة تحصل بكل منهما، لاحتمال أن الأمر بها من جهة نهي المأموم عن القراءة خلف الامام كما في صحيح جميل و غيره من النصوص المذكورة في باب الجماعة، و توظيف التسبيح له، فأمر الإمام بها بناء على محافظة المأموم على وظيفته، و لذا لو اتفق احتياج المأموم للقراءة أمر الإمام بالتسبيح كما يومي اليه خبر أبي خديجة الآتي (2) فتأمل جيدا.

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الموجود في كتب التراجم التيملي.

(2) هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح «خبر ابن أبي خديجة السابق» بدل «خبر أبى خديجة الآتي» لأنه تقدم ذكره سابقا و لا يأتي ذكره لاحقا و راجع التعليقة «4» على صحيفة 327 في ضبط الراوي أيضا.

330

بل قد يقال: بأن مقتضى الجمع بينه و بين الصحيح المزبور التخيير للإمام، فيكون حينئذ من قبيل النصوص الآمرة بالقراءة منفردا أو بالتسبيح منفردا التي لا دلالة في كل منهما على أفضلية أحدهما، ضرورة إلغاء ما يشعر به كل منهما من التعيين بالآخر و هذا بخلاف النصوص التي يستفاد منها التعيين من غير جهة ظاهر الأمر، بل إما بالتصريح أو غيره، فإنه بعد قيام الإجماع مثلا على التخيير لا بد من تنزيل التعيين المزبور على الأفضلية، فتأمل جيدا فإنه ربما دق، و عليه بنينا الاستدلال على أفضلية التسبيح مطلقا بجملة من النصوص المزبورة.

هذا كله مع احتمال الصحيح التقية، إما لعدم اعتبار وجود قائل بالخصوص فيها بل يكفي مجرد إيقاع الخلاف بين الشيعة كي لا يعرفوا فيؤخذوا، و إما لأن المراد بها تعليم التقية في العمل، بمعنى أنكم إذا كنتم أئمة فاقرأوا، لأنه غالبا يحصل في الجماعة منهم، و لأن الإمام منكم مما يتجسس عن أحواله و أفعاله، و لعل ما في صحيح جميل (1) من قوله (عليه السلام): «فيسعك»

إيماء اليه، على أن المنقول عن أبي حنيفة منهم التخيير بين القراءة و التسبيح و السكوت، و أن القراءة أفضل، خلافا للمحكي عن الشافعي فالقراءة، فأوجبها في الأخيرتين، و لمالك في ثلاث ركعات من الرباعية، فلعل الأمر بالقراءة لإيهام الوجوب.

و بذلك كله بان لك ما في النصوص الباقية خصوصا خبر محمد بن حكيم الذي هو مع ذلك ضعيف السند، و قل من أفتى بمضمونه من إطلاق الفضل المستلزم لطرح تلك النصوص رأسا، و مثله التوقيع (2) الذي ظاهره وقوع النسخ بعد النبي (صلى الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 11 و هو صحيح منصور لأن لفظ «فيسعك» مذكور فيه و لم يذكر في صحيح جميل.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 14.

331

عليه و آله)، و وجوب القراءة أو أفضليتها مطلقا بقرينة السؤال، و لفظ الخداج الذي هو بمعنى النقصان كما قيل، و قد عرفت قلة المفتي بهما، و ظاهره أيضا أن المراد من قول العالم كل ركعة من كل صلاة، و هو كما ترى، و أما التأييد بما سمعت فمنه ما هو غير مجد، و منه ما هو غير مسلم، كدعوى أنه الأوفق بالاحتياط، إذ فيه أن شبهة القول بوجوب التسبيح أقوى نصا و فتوى مع الإشكال في الجهر بالبسملة من الفاتحة و عدمه، فلا محيص حينئذ بعد ذلك كله عن القول بأفضلية التسبيح مطلقا من حيث الصلاة، إذ لم يبق معارض لتلك النصوص إلا خبر علي بن حنظلة (1) الذي مع ضعف سنده يجب طرحه في مقابلتها، أو تأويله بإرادة التسوية في الأجزاء ردا على من عين القراءة منهم، أو غير ذلك، و الله أعلم بحقيقة الحال.

[في وجوب سورة كاملة بعد الحمد]

و قراءة سورة كاملة بعد الحمد في الثنائية و الأولتين من غيرها واجب في الفرائض مع سعة الوقت و إمكان التعليم للمختار وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل بما ظهر من بعضهم كالمحكي من عبارة التهذيب في قراءة «و الضحى» و غيره أنها كذلك، بل في صريح الغنية و عن الانتصار و الوسيلة و شرح القاضي لجمل العلم و العمل الإجماع عليه، كما عن الأمالي نسبته إلى دين الإمامية و في ظاهر مصابيح الطباطبائي أو صريحه الإجماع عليه أيضا.

و قيل و القائل كما قيل: الكاتب و الحسن و الشيخ في النهاية و الديلمي في المراسم و المصنف في المعتبر و الفاضل في المنتهى لا يجب و مال إليه جماعة من متأخري المتأخرين و لا ريب أن الأول مع كونه أحوط أقوى، لما سمعته من الإجماعات المعتضدة بعمل الفرقة في سائر الأعصار و الأمصار، و بتلك الشهرة العظيمة بل لعل المخالف في غاية الندرة، إذ المحكي عن الكاتب ظاهر في وجوب البعض، و هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

332

غير ما نحن فيه، كما أن المحكي عن الحسن أنه قال في المتمسك: «أقل ما يجزي في الصلاة عند آل الرسول (صلوات الله عليه و عليهم) من القراءة فاتحة الكتاب» و ربما يريد بيان المجزي و لو في بعض الأحوال كالضيق و نحوه، و أما النهاية فمع أنها ليست معدة للفتوى، و في الرياض قد رجع عنها في جملة من كتبه المتأخرة كالخلاف و المبسوط مدعيا فيها أن الوجوب هو الظاهر من روايات الأصحاب و مذاهبهم قد حكي عنها أيضا ما هو ظاهر أو صريح في الوجوب، كقوله: و من ترك بسم الله الرحمن الرحيم متعمدا قبل الحمد أو بعدها قبل السورة فلا صلاة له، و وجب عليه إعادتها، فهي مشوشة لا ينبغي التعويل عليها، بل يقطع من نظر فيها أن المراد التعبير عن مضمون كل خبر بصورة الفتوى و إن كانت متعارضة، فانحصر الخلاف في الديلمي قبل المصنف، مع أن المحكي عن الآبي أن المذهب المشهور يلوح من كلام المفيد و سلار، و أما المصنف فقد صرح في النافع باختيار المشهور، بل لعله ظاهره هنا أيضا، و المحكي عن المنتهى صريح في الوجوب و عدم جواز التبعيض، نعم قال بعد ذلك: «لو قيل فيه: أي التبعيض روايتان: إحداهما جواز الاقتصار على البعض، و الأخرى المنع كان وجها، و يحمل المنع على كمال الفضيلة» و هو كما ترى قد ذكره وجها لا ينافي الفتوى الأولى، بل في الرياض «أن وجوب السورة و إجزاء البعض مسألتان مختلفتان، لا ينافي القول بالاجزاء في الثانية منهما الوجوب في الأولى، كما يظهر من المحكي عن المبسوط، حيث قال:

«قراءة سورة بعد الحمد واجب غير أن من قرأ بعض السورة لا يحكم ببطلان صلاته»- قال-: و قريب منه الفاضل في المنتهى حيث أنه بعد حكمه بوجوب السورة بكمالها وفاقا لأكثر علمائنا حكي المخالفة فيه عن النهاية خاصة» ثم نقل عن الإسكافي و المبسوط عبارتيهما المتقدمتين، و مال إلى قولهما بعده معربا عن تغاير المسألتين: أي مسألة وجوب السورة بكمالها و عدم بطلان الصلاة بتبعيضها، و حينئذ فلم يظهر من الإسكافي المخالفة في

333

المسألة الأولى، و فيه أن المعروف بين القائلين بالوجوب عدم الفرق في البطلان بين الكل و البعض، بل ربما ادعي إجماعهم عليه حتى تمموا به دلالة النصوص المتضمنة لوجوب البعض على المطلوب، بل هو مقتضى أدلة الوجوب أيضا، إذ احتمال إرادة التعبدي من وجوب كمال السورة و الشرطي من البعض سمج لا يرتكبه فقيه.

فلا بد حينئذ من حمل تلك العبارات الموهمة لذلك على إرادة وجوب البعض كما هو ظاهر المحكي عن الإسكافي، أو على إرادة الاستحباب المؤكد من لفظ الوجوب في نحو عبارة المبسوط كما وقع له في التهذيب و غيره في بحث المواقيت، لكن ينافي ذلك كله ما يحكى عن المبسوط من التصريح بحرمة التبعيض كالقرآن مع قوله بعدم البطلان، فلا بد حينئذ من إرادة الوجوب التعبدي خلاف ظاهر المنتهى من التخيير بين البعض و الكل و إن كانا هما معا كما ترى، بل لم أجد هذا الذي حكي أخيرا عن المبسوط فيما حضرني من نسخته، فيقوى حينئذ إرادة ما سمعته منه، فلاحظ.

و كيف كان فقد ظهر لك ندرة المخالف فيما نحن فيه أو عدمه، فالإجماعات المحكية حينئذ بعد اعتضادها بالتتبع لا ينبغي التأمل في حجيتها في المقام، مضافا إلى تأييده مع ذلك بأنه المتعارف المعهود من صلاتهم (عليهم السلام) التي أمرنا بالتأسي بها كما دلت عليه جملة من النصوص (1) المتضمنة لفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) و فعل الرضا (عليه السلام) و غيرهما، بل في المنتهى أنه قد تواتر النقل (2) عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه صلى بالسورة بعد الحمد و داوم عليها، و هو بنفسه مشعر بالوجوب فضلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4 و الباب 10 منها- الحديث 10 و الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 24.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2 و الباب 24 منها- الحديث 3 و 6.

334

عن

قوله (ص) (1): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

و ب

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (2): «لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر» و أحدهما (عليهما السلام) في صحيح العلاء (3) «في الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقال: لا، لكل ركعة سورة» و مكاتبة يحيى بن عمران (4) لأبي جعفر (عليه السلام) «جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها؟ فقال العياشي (العباسي خ ل): ليس بذلك بأس، فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم أنفه يعني العياشي (العباسي خ ل)» و خبر معاوية بن عمار (5) قلت لأبي عبد الله (ع): «إذا قمت للصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن قال: نعم، قلت: فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة قال: نعم»

و مفهوم

صحيح الحلبي (6) عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئا»

إذ البأس إما بمعنى العقاب كما عن القاموس، أو المراد منه هنا ذلك للشهرة، أو لعدم ظهور القول بالكراهة من القائل بعدم الوجوب، و التقرير على الاشتراط في خبر الصيقل (7) «أ يجزي عني أن أقرأ في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها إذا كنت مستعجلا أو أعجلني شيء فقال: لا بأس»

و المفهوم من وجهين في خبر ابن سنان (8) «يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، و يجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل و النهار»

و ما عساه يظهر من

سؤال

____________

(1) صحيح البخاري- ج 1 ص 124 و 125.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(8) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

335

علي بن جعفر (1) أخاه (عليه السلام) كبعض الأخبار السابقة و غيرها من معلومية عدم الاجزاء بالاختيار، و أنه مفروغ منه عند الرواة، قال: «سألته عن الرجل يكون مستعجلا يجزيه أن يقرأ في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها فقال: لا بأس»

و إشعار لفظ البدأة في الموثق (2) «سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب- إلى أن قال-: فليقرأها ما دام لم يركع، فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو إخفات»

و نحوه في التعبير بالبدأة المروي عن العلل (3) إلى غير ذلك من الرضوي (4) و النصوص الصريحة أو الظاهرة أو المشعرة المذكورة في تضاعيف ما تسمعه من المسائل كعدم القراءة بالسور الطوال و بالعزائم و الكف عن القراءة في حال المشي كما نص على ذلك في المصابيح، و في باب الجماعة و الأذان و في قراءة الجمعة و المنافقين و التوحيد في صورة الغلط بغيرها و عدمه، و نحوها من سور القرآن، خصوصا الدالة على الجمع بين «الضحى» و «أ لم نشرح» (5) و «الفيل» و «لإيلاف» (6) و لو مع الإتمام بعدم القول المعتد به بالفصل و نحوه، بل قيل و النصوص (7) و الإجماعات الدالة على وجوبها في صلاة العيد بناء على ظهور تلك الأدلة في مساواتها للفريضة في الكيفية عدا زيادة التكبير، أو على عدم القول بالفصل، فتأمل، بل قيل و أخبار القرآن (8) و ما دل على تقديم مراعاة السورة على الصلاة، و غير ذلك مما هو محل للنظر أو معلوم البطلان.

فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين من الميل إلى الاستحباب خصوصا

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(4) المستدرك- الباب- 23- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القراءة في الصلاة.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القراءة في الصلاة.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة العيد.

(8) الوسائل- الباب- 11- من أبواب قراءة القرآن.

336

بالنسبة إلى البعض لصحة النصوص و كثرتها و صراحتها بذلك لا ينبغي الالتفات اليه بعد ما عرفت، على أنها جميعها لا تأبى الحمل على النافلة أو الضرورة أو التقية أو نحو ذلك، بل ربما كان صراحتها خصوصا نصوص البعض أكبر شاهد على بعض ما ذكرنا ضرورة معروفية كونه شعار العامة، كما أن الإكمال من شعار الخاصة، و ربما كان في خبر إسماعيل بن الفضل (1) إشارة اليه، قال: «صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) أو أبو جعفر (عليه السلام) فقرأ بفاتحة الكتاب و آخر سورة المائدة، فلما سلم التفت إلينا فقال: أما إني إنما أردت أن أعلمكم»

و كذا

خبر سليمان بن أبي عبد الله (2) قال: «صليت خلف أبي جعفر (عليه السلام) فقرأ بفاتحة الكتاب و آي من البقرة فجاء أبي فسئل فقال: يا بني إنما صنع ذا ليفقهكم و ليعلمكم»

بل اعتذاره (عليه السلام) مع سؤاله في الخبر الثاني كالصريح في ذلك.

انما الكلام فيما عساه يظهر من القيود في المتن من عدم وجوبها في النوافل و ضيق الوقت و حال عدم إمكان التعلم و عدم الاختيار، أما الأول فلا أجد فيه خلافا نصا (3) و فتوى، نعم قد يقال باشتراطها في خصوص بعض النوافل التي ورد الأمر بها فيها بالخصوص، كصلاة جعفر (عليه السلام) (4) و نحوها على إشكال فيه أيضا ينشأ من وجوب حمل المطلق على المقيد و عدمه في المستحبات، و لو عرض وصف الفرض للنافلة و بالعكس ففي سقوط السورة و وجوبها و عدمهما بحث أشبعنا الكلام فيه في أحكام الخلل.

و أما الضيق فقد يدل عليه الإجماع المحكي على سقوط حال الضرورة في الرياض

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 55- من أبواب القراءة في الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة جعفر (عليه السلام).

337

و عن المعتبر و التذكرة مع زيادة الاستعجال، و المفاتيح معتضدا بنفي الخلاف فيه في التنقيح، و بين أهل العلم في المنتهى، بل في المحكي عن البحار من الإجماع على الضرورة التمثيل به و بالخوف و المرض لها كالمدارك في معقد نفي خلافه، و في التنقيح لا كلام مع الضيق، و يدل عليه أيضا فحوى ما سمعته و تسمعه من عدم وجوبها على المستعجل و نحوه ضرورة أولوية مراعاة الوقت من ذلك و نحوه، بل قد يستدل له أيضا بإطلاق ما دل على إجزاء الفاتحة وحدها في بعض الصحاح (1) و إن قيد في بعض آخر (2) بالاستعجال و نحوه، كما أنه قد يومي اليه ما ورد (3) في باب الجماعة من أمر المسبوق بقراءة الفاتحة دون السورة إذا خاف عدم اللحوق، و لا أقل من أن يكون ذلك كله سببا للشك في شمول ما دل على وجوبها لمثل الحال، لكن مع هذا كله جزم الكركي بعدم سقوطها لذلك، قال: «لأنه لا يعد ضيق الوقت ضرورة، خصوصا بالنسبة إلى الحائض إذا طهرت و قد بقي من الوقت ركعة بدون السورة» و فيه منع انحصار المسقط في الضرورة أولا لما سمعته من نصوص المستعجل و نحوه، و منع كون الضيق ليس بضرورة ثانيا، و قد تقدم سابقا منا كلام في ذلك عند البحث عن وجوب الصلاة على الحائض و نحوها بإدراك الركعة، نعم قد يتأمل في سقوطها للضيق لغير إدراك الركعة بل لباقي أجزاء الصلاة، خصوصا التسليم و نحوه بمعنى أن قراءتها مفوت لوقوع مثل هذه الأبعاض في الوقت، فان في عدم وجوبها لذلك نظرا بل منعا.

[في سقوط السورة حال الضرورة]

و أما السقوط لعدم إمكان التعلم فقد أشبعنا الكلام فيه آنفا.

و أما الاختيار فقد عرفت دعوى الإجماع من غير واحد على عدم وجوبها حال الضرورة، كما أنك قد سمعت النصوص التي تشهد لذلك في الجملة كالمرض و الاستعجال

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 47- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

338

و نحوهما، بل في كشف اللثام الإجماع على عدم وجوبها في خصوص هذين الحالين، بل قد يقال بكفاية مطلق الحاجة التي تعجله، أضر به فوتها دنيا أو آخرة أو لا، بل و بكفاية مطلق المرض، شق عليه قراءتها أولا، اللهم إلا أن يدعى أن المنساق إلى الذهن من المرض أو الاستعجال ما شق عليه القراءة معهما، و لعله لذا قيد الكركي المرض المسقط لها بذلك.

ثم لا يخفى أن السقوط في أكثر هذه المقامات رخصة لا عزيمة حتى يقال لو جاء بها بنية الجزئية تفسد الصلاة بناء على فسادها بنحو ذلك، ضرورة أنه يتم في موضع كان سقوطها فيه عزيمة كما في الضيق و الخوف مثلا و نحوهما، كما أنه يتم البطلان أيضا في محل الفرض لو نوى بها الوجوب إن قلنا: إن فعل الأجزاء المندوبة بعنوان الوجوب مبطل، إذ المقام منه بعد الرخصة في الترك قطعا، فتأمل جيدا.

و كيف كان فهي انما تجب بعد الحمد بلا خلاف أجده، بل لعله هو في معقد بعض ما حكي من الإجماع على وجوبها، بل هو صريح المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (1) كما هو ظاهر أخبار البدأة (2) بل لعله المنساق إلى الذهن من سائر النصوص خصوصا البعض، و المعهود في الوقوع منهم و من أتباعهم، بل يمكن دعوى تحصيل الإجماع عليه.

[في وجوب إعادة السورة بعد الحمد لو قدمها عليه]

و حينئذ ف لو قدمها أي السورة على الحمد عمدا أعادها أو غيرها بعد الحمد إن لم نقل ببطلان صلاته الذي صرح به الفاضل و الشهيدان و المحقق الثاني و غيرهم، بل لم أعرف أحدا صرح بالصحة قبل الأردبيلي فيما حكي من مجمعه و بعض

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2 و 3 و المستدرك- الباب 24 منها- الحديث 2.

339

أتباعه، نعم ربما استظهر من إطلاق عبارة المتن و المبسوط الذي يمكن تنزيله على غير صورة العمد بنية الجزئية، أما فيها فالمتجه البطلان للزيادة، و للقرآن، و للنهي المستفاد من الأمر (1) بالترتيب و البدأة و نحوهما مما دل على الترتيب، ضرورة اقتضائه الفساد إذا تعلق بجزء العبادة، لرجوعه إلى النهي عن الصلاة المقدم فيها السورة مثلا، لكن قد يناقش بدعوى رجوعه إلى خصوص الجزء، و اقتضائه فساده خاصة لا الصلاة، فإن اقتصر عليه بطلت، لاستلزام بطلان الجزء بطلان الكل لا ما إذا تداركه، إذ ليس فيه إلا الزيادة و التشريع، و نمنع إبطالهما للصلاة مطلقا بناء على الأعمية كما سمعته سابقا، تنزيلا لما دل على الأمر باستقبال الصلاة بالزيادة من النصوص (2) على الركعات أو الركوعات و نحوها، أو على غير القران، لإطلاق ما دل (3) على نفي البأس عنه في الصلاة، و لذا كان الأقوى مكروهية القران عند المصنف، مع أن أظهر أفراده الإتيان بالسورتين مثلا للصلاة، و التشريع محرم خارجي عن الصلاة، بل النهي فيه حقيقة عن الاعتقاد، و دعوى كونه حينئذ من كلام الآدميين لأن الفرض حرمة القراءة يدفعها منع حرمة القراءة أولا، بل الاعتقاد خاصة، و مع التسليم نمنع كونه من كلام الآدميين بل هو قران قطعا، نعم يمكن منع شمول ما دل على نفي البأس عن القران في أثناء الصلاة له، لظهوره في غيره، و هو مع التسليم ينحصر وجه البطلان فيه بالزيادة التي عرفت الكلام فيها، و أن مقتضى القول بالأعمية عدم أصالة إبطالها، و فرض المقام في السورة الطويلة كي تكون حينئذ من الفعل الكثير خروج عن محل البحث، ضرورة كونه من حيث تقديم السورة، فتأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

340

و من ذلك كله يظهر لك ما في تعليل البطلان بالزيادة أو القران أو نحوهما، بل قد يمنع حصول الثاني للفصل المنافي لحقيقة القران، اللهم إلا أن يراد به قراءة الأكثر من سورة و إن فصل بينهما، لكنه قد يتخلص منه بإعادتها نفسها، إذ دعوى صدق القراءة بالأكثر من سورة حينئذ ممنوعة، ضرورة ظهوره في التغاير بين السورتين، كما أنه ظهر لك أيضا أولوية عدم البطلان إذا لم يقصد الجزئية، إذ ليس فيه حينئذ إلا احتمال القران الذي عرفت الحال فيه، هذا. و في الذكرى بعد أن حكم بالبطلان في صورة العمد قال: «لو لم تجب السورة لم يضر التقديم على الأقرب، لأنه أتى بالواجب و ما سبق قرآن لا يبطل الصلاة، نعم لا يحصل له ثواب قراءة السورة بعد الحمد، و لا يكون مؤديا للمستحب» و فيه أنه بناء على البطلان للزيادة بنية الجزئية لا فرق بين القول باستحبابها و وجوبها، كما أن الظاهر تحققه بمجرد الشروع في السورة المقدمة لتحقق المقتضي للبطلان حينئذ به، بل الظاهر أنه كذلك حتى لو كان مستلزما له و لو فيما يأتي كما لو قلنا: إن المانع القرآن مثلا الذي لا يتحقق إلا بعد أن يقرأ السورة في محلها مثلا، لأنه بعد أن جاء بما هو مستلزم للمبطل لم يتصور أمره بعد ذلك بباقي أجزاء الصلاة، و احتمال السهو لا يجدي بعد عدم معقولية التكليف حال التذكر الذي هو الأصل و حكم السهو فرعه كما هو واضح.

و لو كان التقديم للسورة سهوا فلا بطلان قطعا مطلقا، لإطلاق ما دل (1) على اغتفاره و عدم بطلان الصلاة به، بل في كشف اللثام و إن كانت المقدمة طويلة بحيث اندرجت في الفعل الكثير، و لعله للأصل من غير معارض مع تجويز العدول من سورة إلى أخرى، و صحيح علي بن يقطين (2) النافي للبأس عن القرآن بين السورتين

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

341

و نطق الأخبار (1) بأنها لا تعاد إلا من الوقت و الطهور و القبلة و الركوع و السجود، و خبر الحميري (2) المروي عن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر أنه سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يصلي له أن يقرأ في الفريضة فيمر بالآية فيها التخويف فيبكي و يردد الآية قال: يردد القرآن ما شاء»

و في مسائل علي ابن جعفر (3) أنه سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يفتح سورة فيقرأ بعضها ثم يخطئ فيأخذ في غيرها حتى يختمها ثم يعلم أنه قد أخطأ هل له أن يرجع في الذي افتتح و إن كان قد ركع و سجد فقال (عليه السلام): إن كان لم يركع فليرجع إن أحب، و إن ركع فليمض» و خبر أبي بصير (4) «عن رجل نسي أم القرآن قال: إن كان لم يركع فليعد أم القرآن» و مضمر سماعة (5) «سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب قال: فليقل: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم ثم ليقرأها ما دام لم يركع»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على جواز قراءة القرآن في أثناء الصلاة المتناولة بحسب ظاهرها أو صريحها للسورة الطويلة و القصيرة، و لعله لأن الكثير منها غير مناف للصلاة و لا ماح لصورتها.

فما عساه يقال- من بطلان الصلاة بمطلق الكثير سواء كان قرانا أو غيره، لإطلاق ما دل (6) عليه الذي لا ينافيه ما دل (7) على نفي البأس في القران بعد اعتبار الحيثيتين في كل منهما كما هو المنساق من دليليهما، خصوصا و التعارض بينهما بالعموم من وجه- فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 68- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 28- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

342

خصوصا فيما لو فرض محو صورة الصلاة به، بل لعله متعين بناء على تحقق الفرض المزبور، فتأمل جيدا.

و كيف كان فان ذكر بعد أن أتم قراءة الحمد أعاد تلك السورة أو غيرها، لأصالة بقاء التخيير، و إطلاق أدلته السالمة عن المعارض في مثل الفرض، و لا يعيد الحمد لوقوعها في محلها، و حصول الترتيب بإعادة السورة خاصة كما في كل ما اعتبر فيه الترتيب من الوضوء و غيره، اللهم إلا أن يقال باعتبار الهيئة في مجموع قراءة الصلاة، و إن تقديم السورة كما قدح في عدم الاجتزاء بها كذلك يقدح في الفاتحة، لعدم تحقق البدأة بها عرفا، فلا امتثال حينئذ إلا أن يأتي بمجموع القراءة مبتدئا بالفاتحة، و فيه من الضعف ما لا يخفى و إن نسب إلى جماعة كما عن المسالك، و ربما كان ظاهر القواعد و غيرها مما عبر كعبارته باستئناف القراءة كما حكي عن المنتهى و التذكرة و التحرير و نهاية الأحكام و الألفية، بل ينبغي القطع ببطلانه بعد التأمل، ضرورة كونه كما لو ذكر بعد الفراغ من قراءة السورة، لأن نية الابتداء و عدمها لا تأثير لها، و لا يزيد الترتيب بين الفاتحة و السورة على الترتيب في آيات الفاتحة مثلا التي يكتفى بإعادة المقدم منها مع فرض عدم فوات الموالاة، اللهم إلا أن يلتزموا عدم الاكتفاء بذلك فيه أيضا، لكنه على كل حال ضعيف.

كضعف احتمال عدم وجوب إعادة السورة أصلا، لأن الفرض كون الفائت سهوا صفة الترتيب، و تلا فيها مستلزم للزيادة الممنوع منها في الصلاة، فهي كالجهر و الإخفات المنسيين، ضرورة الفرق بين الصفتين بإطلاق ما دل (1) على اغتفار النسيان في الثانية من غير أمر بالإعادة و عدمه هنا، على أن وجوب قراءة السورة في الفرض ليس لتدارك المنسي كي يلزم ما عرفت، بل هو لأصل الأمر بها الذي لم يصلح الفعل

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب القراءة في الصلاة.

343

الأول امتثالا له، فليس هو إلا زيادة وقعت لا تصلح لإسقاط ذلك الأمر حتى لو كان قد نوى المكلف سهوا بما قدمه امتثال الأمر بالسورة، إذ نيته لا تصير ما ليس فردا للمأمور به فردا له، و دعوى تحليل التكليف إلى أمرين لا شاهد لها، بل الشاهد على خلافها، و أما

خبر علي بن جعفر (1) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه «عن رجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثم ذكر بعد ما فرغ من السورة قال: يمضي في صلاته، و يقرأ فاتحة الكتاب فيما يستقبل»

فظاهره قراءة الفاتحة فيما يستقبل من الركعات، و هو مخالف للإجماع على الظاهر، فلا بد من طرحه أو حمله على ما إذا ذكر بعد الركوع أو غير ذلك، و احتمال حمله على إرادة قراءة الفاتحة خاصة إذا ذكر مجتزيا بما قدمه من السورة لا شاهد له كي يكون من المؤل الذي هو حجة كما هو واضح، و الله أعلم.

[في عدم جواز قراءة شيء من العزائم في الفرائض]

و لا يجوز أن يقرأ في الفرائض شيئا من سور العزائم كما هو المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا، بل هو كذلك في الغنية و التذكرة و عن الانتصار و الخلاف و نهاية الأحكام و كشف الالتباس و إرشاد الجعفرية، بل لا أجد فيه خلافا إلا من المحكي عن الإسكافي الذي لا يعتد بخلافه بين الأصحاب كبعض متأخري المتأخرين، مع أن المحكي من عبارته لا صراحة فيه، فلا يقدح في المحصل من الإجماع فضلا عن منقوله الذي هو الحجة في المقام، مضافا إلى

حسن زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة» و موثق سماعة (3) «من قرأ إقرأ باسم ربك فإذا ختمها فليسجد،

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 37 من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2 و ذيله في الباب 40 منها- الحديث 2.

344

فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب و يركع- قال-: فان ابتليت بها مع إمام لا يسجد فيجزيك الإيماء و الركوع- إلى أن قال-: و لا تقرأ في الفريضة، إقرأ في التطوع» و خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد و التهذيب بل و كتاب علي بن جعفر نفسه «سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة و النجم أ يركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع، و ذلك زيادة في الفريضة و لا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة»

ضرورة كون المراد من النهي هنا التحريم قطعا، سيما مع عدم المعارض له في خصوص المكتوبة.

إنما البحث في البطلان الذي قد اعترف في كشف اللثام بعدم المصرح به قبل الفاضل غير ابن إدريس، و أقصى ما يحتج له بظاهر النهي المقتضي للفساد إما في الصلاة و إما في الجزء، فلا يكتفى به في سقوط وجوب السورة، ضرورة كونه مقيدا بغير هذه السورة، فتبطل الصلاة حينئذ بترك الجزء أو بالزيادة التي دلت النصوص على استقبال الصلاة معها، خصوصا إذا كانت محرمة، و بتحقق القران حينئذ مع الفرض المزبور، و بأن قراءة العزيمة توجب السجود حتى في أثناء الصلاة كما يومي اليه مضافا إلى إطلاق أدلة الفورية في نفسها جميع أخبار المسألة خصوصا الخبر الأول المشتمل على التعليل.

و منه يعلم ترجيحه حينئذ على ما دل على حرمة الابطال و وجوب الإتمام، و ضعف ما احتمله في الذكرى من سقوط الفورية هنا للتلبس في الصلاة، و متى وجب السجود بطلت الصلاة بعد أن دلت هذه النصوص و غيرها على أنه زيادة مبطلة للصلاة إذا وقعت فيها عمدا، بل في التنقيح الإجماع على بطلان الصلاة بالسجود عمدا، فالبطلان حينئذ لازم للخطاب به لا لفعله، ضرورة عدم تصور أمر الشارع بالإتمام مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

345

خطابه بالمبطل، إذ هو حينئذ كأمر من وجبت عليه الجنابة للأربعة أشهر أو القي لأكل المغصوب بالصوم، و ليس من مسألة الضد، و لعله هو المراد بترتب التعليل في الخبر المزبور على قراءة العزيمة على معنى لا تقرأ فتخاطب بالسجود الذي هو زيادة في المكتوبة، و لا يجامعه الأمر بالإتمام الذي تتوقف عليه الصحة، بل لعله هو الذي أراده في المحكي عن السرائر من تعليل البطلان بأنه مع فعل السجود تبطل الصلاة به، و مع عدمه تبطل بالنهي عن الضد و إن كان لا يتم بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضد، و ليس من مسألة الضد المعروفة التي يكون فيها أحد الواجبين مضيقا و الآخر موسعا، إلا أنه أولى من التعليل في الذكرى، بل نسبه في الرياض إلى الأصحاب بأنه إن ترك السجود أخل بالواجب، و إن فعل بطلت الصلاة، ضرورة عدم اقتضائه البطلان على كل حال، و أولى منهما ما ذكرنا الذي يتم و إن لم نقل باقتضاء النهي عن الضد، خصوصا بملاحظة ما ذكرناه في التعليل بالخبر الأول.

و من ذلك يظهر أنه لا فرق في الحكم بين قراءة جميع السورة و بين قراءة نفس آية السجدة منها، بل و لا بين القراءة و بين الاستماع كما صرح به بعضهم، إذ احتمال قصر ترجيح فورية السجود على حرمة الإبطال على خصوص القراءة دون الاستماع مثلا بل هو يبقى على مقتضى قاعدة تعارض المضيقين و ترجيح الصلاة حينئذ كما ترى، إذ لا أقل من إخراج الصورة الأولى مرجحة لمراعاة فورية السجود على وجوب الإتمام بل يمكن بذلك ترجيحه في صورة السماع أيضا بناء على الوجوب معه، بل يمكن دعوى عدم المعارضة له أصلا، بناء على ما قررنا من تحقق البطلان بنفس الخطاب بالسجود لا بالفعل، ضرورة عدم اقتضاء النهي عن الابطال عدم اتفاق صدور المبطل كي يعارض ما دل على وجوب السجود و فوريته، لكن في التذكرة «لو سمع في الفريضة فإن أوجبناه بالسماع أو استمع أومأ و قضى» و فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت.

346

نعم قد يناقش في الدليل الأول بما سمعته سابقا في الزيادة، و أن إبطالها على كل حال محل نظر، اللهم إلا أن تخرج السجدة من بينها بالدليل من الإجماع المحكي و غيره، و في الثاني بأنه لا يتم على المختار من كراهة القران، و بأنه لا ينطبق على تمام الدعوى بناء على أنه في السورتين الكاملتين خاصة، و أن الدعوى حرمة قراءة العزيمة كلا أو بعضا، و في الثالث بأنه لا دلالة في الخبر المعلل على أزيد من النهي عن القراءة الموجبة للسجود الذي هو زيادة في الصلاة من غير تعرض للإبطال و عدمه، بل مقتضى التدبر في النصوص خصوصا خبر علي بن جعفر و قوله (عليه السلام) فيه: «و دلك زيادة في الفريضة» كما رواه في الوسائل و الحدائق من نفس كتاب علي بن جعفر حرمتها لا إبطالها، و به تجتمع جميع النصوص من غير تجشم، لحمل بعضها على النافلة، و آخر على السهو، خصوصا خبر علي بن جعفر، إذ هو- مع أنه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام):

«يقرأ» بل و خلاف

قوله (عليه السلام): «و لا يعود»

إذ لا معنى للنهي عن الإعادة مع فرض وقوع ذلك سهوا منه- لا يوافق ما تسمعه من الأصحاب من عدم جواز السجود في الأثناء إن كانت القراءة منه سهوا، و دعوى طرح الخبر المزبور بالنسبة إلى ذلك- مع أنه معتبر قد رواه الحميري و الشيخ، بل رواه في الوسائل و الحدائق عن كتاب علي بن جعفر نفسه- لا مقتضي لها و لا شاهد.

فالمتجه حينئذ في جميع النصوص الحرمة لا الإبطال إن لم يحصل إجماع على خلافه كما سمعته من التنقيح بناء على إرادة ما يشمل المقام منه و إن كان هو محلا للنظر، لعدم المصرح به قبل الحلي الذي بناه على مسألة الضد الممنوعة عندنا كما عرفته سابقا، فاحتمال الحرمة حينئذ خاصة قوي، بل كأنه يلوح من كشف اللثام، و يؤيده خلو سائر النصوص عن التصريح به، بل اتفق جميعها على فعله في الأثناء و صحة الصلاة، و فيها ما هو صريح

347

أو كالصريح في الفريضة،

كالصحيح (1) بناء على بعض الوجوه في متنه «عن إمام قرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع؟ قال: يقدم غيره فيتشهد و يسجد و ينصرف هو و قد تمت صلاتهم»

إلى آخره، و غيره، و كذا يؤيده أنه ليس السجدة للعزيمة من الزيادة بعنوان الجزء من الصلاة.

و دعوى إطلاق نصوص الزيادة (2) بحيث يشمل ذلك يدفعها- مضافا إلى ما سمعته سابقا من دعوى ظهور تلك النصوص في إرادة زيادة الركعات أو الركوعات لا مطلقا، خصوصا بعد أن دلت نصوص أخر (3) على أن الصلاة لا تعاد من سجدة و انما تعاد من ركعة، و خصوصا بعد أن كان ظاهرها عدم الفرق بين العمد و النسيان، بل كاد يكون ذلك صريح

قوله (عليه السلام) (4): «إذا استيقن»

في بعضها و هو لا يتم إلا في الركعات أو الركوعات- أن المراد منها بعد التسليم الزيادة عمدا على أنها من الصلاة لا مطلق وقوع فعل في أثناء الصلاة و إن لم يكن بعنوان أنه منها، و إلا لزم خروج أكثر الأفراد، بل قد يدعى أن ما ذكرنا هو الظاهر من لفظ الزيادة، ضرورة انسياق الإتيان بالصلاة زائدة على أجزائها الشرعية إلى الذهن من ذلك، و التزام خروج ذلك كله بالدليل و إلا كان مقتضى هذه النصوص مطلق الزيادة و إن لم يكن بعنوان الصلاة كلام قشري، بل ظاهر في أن متكلمه لا درية له في الفقه.

نعم لا يجتزى بهذه السورة للنهي بل لا بد له من سورة أخرى، و لا بأس به بعد البناء على كراهة القران، و أما احتمال الاجتزاء بهذه السورة بجعل النهي عنها لأمر خارج عنها هو السجود لا لنفسها ففيه ما لا يخفى، و أوضح من ذلك مناقشة ما ذكره

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5 مع الاختلاف.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الركوع.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 1.

348

ثاني الشهيدين من أنه على تقدير التحريم تبطل بمجرد الشروع في السورة، إذ قد عرفت ظهور الخبر المعلل (1) و دليلهم السابق في تمام السورة أو خصوص آية السجدة منها، نعم هو لازم لمن أوجب تمام السورة و حرم القران حتى بين السورة و بعض سورة أخرى، اللهم إلا أن يدعى ظهور النهي عن قراءة العزيمة في غير الخبر المعلل في تحريم الأبعاض كما في كثير من الأحكام المعلقة على أسماء الجمل، نحو الكلب نجس أو حرام، و لا ينافيه التعليل في غيره من الأخبار، و فيه ما لا يخفى، أو يقال: إن الفرض قراءة البعض على نية الجزئية، و هو محرم للتشريع، و فيه ما سمعته سابقا في نظائره.

و كيف كان فالبطلان في المسألة بعد القول بكراهة القران مبني على وجوب السجود في الأثناء، و أنه مبطل للصلاة، و الأولى و إن أمكن إثباتها عندنا بالأدلة السابقة المعتضدة بعدم الخلاف إلا من الإسكافي فنقله إلى الإيماء ثم السجود بعد الصلاة و كأنه يفوح من الذكرى لكن الثانية محل للنظر إن لم يثبت الإجماع الذي قد سمعت دعواه من التنقيح، خصوصا على ما نذهب اليه من الأعمية، فتأمل جيدا.

هذا كله إذا قرأ أو استمع عمدا، أما إذا كان سهوا فلم أجد خلافا في صحة صلاته و عدم بطلانها، و أنه يسجد بعد الفراغ من الصلاة، و كأنه لرجحان ما دل على إتمام الصلاة، و حرمة إبطالها على ما دل على فورية السجود، و فيه أن العكس أولى بقرينة تقديم الشارع له في صورة العمد، ضرورة إشعاره بأهميته، بل قد سمعت عدم صلاحية النهي عن الإبطال لمعارضة دليل الفورية، إذ هو بطلان لا إبطال، لما عرفت من أن البطلان يحصل بمجرد الخطاب بناء على أن السجود في الأثناء مبطل، على أن الوجوب عليه بعد الصلاة مبني على أحد الوجوه في الواجبات الفورية، و فيه بحث، و لم لا يكون المتجه في الفرض الانتقال إلى الإيماء لتعذر السجود عليه بعد ترجيح إتمام

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

349

الصلاة، لأنه هو البدل عنه في كل مقام يتعذر، و ربما يستأنس له بما في مضمر سماعة (1) «و إن ابتليت بها مع إمام لا يسجد فيجزيك الإيماء و الركوع»

و ي

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2): «إن صليت مع قوم فقرأ الامام إقرأ باسم ربك الذي خلق أو شيئا من العزائم و فرغ من قراءته و لم يسجد فأوم إيماء» و المروي عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ إنسان السجدة كيف يصنع؟ قال: يومي برأسه قال: و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخر السجدة قال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم إلا أن يكون في فريضة فيومئ برأسه إيماء».

و لعله لذلك و لما دل على وجوب السجود جمع بعضهم بينهما، فأمر بالإيماء ثم السجود بعد الفراغ، لكنه لا يخلو من نظر، كالقول بأن الانتقال إلى الإيماء يوجب أيضا زيادة في الصلاة، ضرورة عدم الفرق بين البدل و المبدل منه كما صرح به العلامة الطباطبائي، قال:

و يسجد الداخل في نفل و في * * *فريضة يومي له و يكتفي

للنص و القول به قد يشكل * * *إذ كان في حكم السجود البدل

حتى من جهته اختار التأخر، فقال:

و الأصل بالتأخير فيه يقضي * * *إذ منع البدار حق الفرض

لكن قد يجاب عنه بعد إمكان كونه اجتهادا في مقابلة النص بالفرق بين ما يكون فرضه الإيماء سابقا لمرض و نحوه و بين ما كان سببه الفرار عن السجود في الصلاة الذي

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 3 و 4.

350

قد سمعت الدليل على أنه زيادة في المكتوبة، أو يكون المتجه فعلها في أثناء الصلاة، و لا بطلان و لا حرمة كما هو ظاهر نصوص المقام، و اختاره الأستاذ في كشفه، و لا يخفى عليك قوته بعد الإحاطة بما ذكرنا سابقا، فلاحظ و تأمل.

و كيف كان فان ذكر قبل أن يتجاوز النصف و محل السجود عدل إلى سورة أخرى قطعا حتى لو قلنا بحرمة القران بين السورة و البعض، ضرورة كون المقام من السهو و إن كان حال السورة الثانية عامدا، فاحتمال البطلان حينئذ- لأنه لا يخلو من السهو و إن كان حال السورة الثانية عامدا، فاحتمال البطلان حينئذ- لأنه لا يخلو من أحد المحذورين إما ترك السورة أو القران- ضعيف أو باطل، فما في التذكرة من الإشكال في العدول في الفرض المزبور في غير محله، كما أن ما في الذكرى أيضا من الوجهين فيه الناشئين، من أن الدوام كالابتداء أو لا كذلك أيضا و إن استقرب هو ما ذكرنا، و لقد أجاد المحقق في قوله: «ينبغي الجزم بالعدول وجوبا، لثبوت النهي و انتفاء المقتضي للاستمرار» إلى آخره.

و لو تجاوز النصف و لم يتجاوز محل السجود عدل أيضا على الأقوى، لوجوب السورة عليه و النهي عن العزيمة، فهو في عهدة التكليف، و المنع عن العدول مع تجاوز النصف انما هو حيث يكون المعدول عنه مجزيا كما هو الظاهر من تلك الأدلة، لكن في التذكرة إشكال، قال: فان منعناه قرأها كملا ثم أومأ أو يقضيها بعد الفراغ، ل

قول الصادق (عليه السلام) (1) و قد سأله عمار «عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم فقال: إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها، و إن أحب أن يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التي فيها السجدة رجع إلى غيرها»

و فيه أنه لا يوافق القول بوجوب السورة، و لا يقوى على تخصيصها، فلا بد حينئذ من طرحه أو تأويله، أو الالتزام بما في ذيله مع رفع اليد عن ظهور

قوله (عليه السلام): «و إن أحب»

فما في

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.