جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
351

الذكرى- من أن في الرجوع في الفرض وجهين من تعارض عمومين: أحدهما المنع من الرجوع هنا مطلقا، و الثاني المنع من زيادة سجدة- في غير محله و إن قال فيها:

إن الثاني أقرب.

أما لو قرأ السجدة و قد تجاوز النصف فيحتمل تعين الإتمام عليه، لأنه قد وقع فيما يخشى منه، و الأقوى العدول أيضا، لظهور النهي عن العزيمة في عدم كونها مما يتحقق به الخطاب بالسورة، ضرورة كونه من المطلق و المقيد.

و من هنا يقوى العدول حينئذ مع التذكر قبل الركوع و إن كان قد أتمها كما اعترف به أول الشهيدين و ثاني المحققين، بل عن البيان الجزم به، اللهم إلا أن يخص عدم إجزائها عن كلي السورة في صورة العمد التي هي محل النهي، و فيه بحث أو منع، و مثله بحثا و منعا جعل المدار في العدول و عدمه على تجاوز السجدة و عدمه، لما عرفت، هذا. و في الروضة «و لو صلى مع مخالف تقية فقرأ آيها تابعه في السجود و لم يعتد بها على الأقوى» و فيه أن الأمر في التقية أوسع من ذلك، ثم قال: «و القائل بجوازها منا لا يقول بالسجود لها في الصلاة، فلا منع من الاقتداء به من هذه الجهة بل من حيث فعله ما يعتقد المأموم الإبطال به» و هو لا يخلو من بحث أيضا و إن كان الوجه فيه ظاهرا بسبب عدم تحمل الإمام القراءة عنه و غيره، فتأمل جيدا.

و أما لو سمعها اتفاقا ففي البطلان أو الانتقال إلى الإيماء أو القضاء بعد الصلاة أو السجود فيها وجوه تعرف مما تقدم.

[في عدم جواز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته]

و كذا لا يجوز أن يقرأ ما يفوت الوقت بقراءته بلا خلاف معتد به أجده فيه و إن اختلف التعبير عنه بما في المتن أو بالنهي أو بالحرمة، ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بكر الحضرمي (1): «لا تقرأ في الفجر شيئا من الحم»

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

352

منضما إلى

خبر عامر (1) عنه (عليه السلام) أيضا «من قرأ شيئا من الحم في صلاة الفجر فاته الوقت»

و في الرياض من «الم» قال: «و لاستلزام ذلك تعمد الإخلال بفعل الصلاة في وقتها المأمور به إجماعا فتوى و نصا و كتابا (2) و سنة (3) فيكون منهيا عنه و لو ضمنا» و فيه أنه مبني على أن مستلزم المحرم محرم و إن لم يكن علة، و فيه بحث بل منع، خصوصا بناء على ما ذكره تبعا للمحكي عن الروض من عدم الفرق في التعليل المزبور بين ما اقتضى قراءته فوات الفريضة الثانية كالظهرين و بعض الفريضة، كما لو قرأ سورة طويلة يقصر الوقت عنها و عن باقي الصلاة مع علمه بذلك، إذ ليس هو بالنسبة إلى الفريضة الثانية بل و الأولى إلا من مسألة الضد التي يقوى فيها عدم النهي عن الأضداد، نعم يقوى البطلان في المقام لو فرض تشاغله بسورة طويلة في الفريضة حتى خرج الوقت و لم يحصل له ركعة، لأنها افتتحها أداء و لم تحصل، و انقلابها قضاء في الأثناء لا تساعد عليه أدلة القضاء، ضرورة ظهورها في المفتتحة عليه، أو التي كانت في الواقع كذلك و إن لم يعلم المكلف، كما لو صلى بزعم سعة الوقت ركعة مثلا ثم بان قصوره قبل إحرازها، فإن الصحة حينئذ بناء على عدم وجوب التعرض للأداء و القضاء في النية متجهة، بخلاف المقام الذي فرض فيه سعة الوقت في نفس الأمر لكنه فات بعد تلبس المصلي بتقصير من المكلف، أما لو كان قد أدرك ركعة و كان تشاغله بالسورة مفوتا لما عداها فقد يقوى الصحة و إن فعل محرما بتفويت الوقت الاختياري.

كما أنه يمكن الصحة لو فرض تشاغله بها حتى ضاق الوقت عن قراءة سورة فركع

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) سورة الإسراء- الآية 80.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.

353

بدونها، لما سمعته من سقوطها في الضيق الذي لا يتفاوت فيه بين ما يكون بسوء اختيار المكلف و غيره، لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يقصد الجزئية بما قرأه من تلك السورة، و إلا بطلت بناء على ما عندهم من البطلان بمثل هذا التشريع، ضرورة خطابه بسورة غير السورة الطويلة لمكان ضيق الوقت الذي لا مانع من أن يرفع بعض أفراد التخيير، فيكون مأمورا بصلاة يقرأ فيها سورة قصيرة دون الصلاة ذات السورة الطويلة، إذ الشارع لا يأمر بفعل في وقت يقصر عنه، بل في كشف اللثام احتمال الصحة إذا لم يقصد الجزئية و إن لم يدرك ركعة، قال في تعليل الحكم: «للنهي المبطل، إلا أن لا يجب إتمام السورة فيقطعها متى شاء، فان لم يقطعها حتى فات الوقت و قصد الجزئية أو ضاق الوقت عن أزيد من الحمد فقرأ معها سورة قاصدا بها الجزئية بطلت الصلاة، لأنه زاد فيها ما لم يأذن به الله، نعم إن أدرك ركعة في الوقت احتملت الصحة، و إن لم يقصد الجزئية احتملت الصحة» و فيه نظر بعد ما عرفت، كما أن بناء بعضهم البطلان في أصل المسألة على القول بوجوب السورة و عدم جواز البعض لا يخلو أيضا من نظر، قال:

«أما على الاستحباب فلأنه يجوز له قطعها، و أما مع تجويز الزيادة فلأنه يعدل إلى سورة قصيرة، و ما أتى به من القراءة غير مضر» و فيه أن البحث هنا من حيث قراءة ما يفوت الوقت من غير فرق بين الوجوب و الاستحباب، و لا بين جواز الزيادة و عدمها إذ الفرض أنه اشتغل به حتى فات الوقت عن الكل أو البعض، و ليس الفرض الشروع فيما يفوت الوقت على تقدير تمامه حتى يقال: إنه قبل بلوغ المفوت يقطع و يركع بناء على الاستحباب، أو قبل ما يضيق الوقت عن سورة قصيرة يعدل إليها بناء على عدم حرمة الزيادة، ضرورة ظهور كلام الأصحاب في هذه المسألة و غيرها من المسائل السابقة في أن المانع حيثيتها لا الحيثية الأخرى كالقران و نحوه.

و من ذلك كله ظهر لك أنه لا وجه للحكم بالبطلان بمجرد الشروع في السورة

354

الطويلة المفوتة، اللهم إلا أن يجعل دليل المسألة النهي المستفاد من الخبرين السابقين (1) لا قاعدة الضد و نحوها، فتأمل جيدا.

و لو ظن السعة فشرع في سورة طويلة ثم تبين الضيق ففي جامع المقاصد «وجب العدول إلى غيرها و إن تجاوز النصف محافظة على فعل الصلاة في وقتها، كما أن فيه أيضا العدول إذا ذكر لو قرأها ناسيا» و لا أظن بعد الإحاطة بما ذكرناه في هذه المسألة و المسألة السابقة يخفى عليك الوجه في ذلك و لا غيره فيه و في باقي الفروع المتصورة في المقام، بل و لا يخفى عليك التشقيق أيضا في هذين الفرعين فضلا عن غيرهما، فتأمل، و الله العالم.

[في حكم القران بين السورتين]

و كذا لا يجوز أن يقرن بين سورتين في قراءة ركعة واحدة عند كثير من القدماء، بل مشهورهم و بعض المتأخرين و متأخريهم، بل عن الصدوق أنه من دين الإمامية، كما عن المرتضى في انتصاره أنه مما انفردت به عن مخالفيهم، بل عن بعضهم التصريح بالبطلان معه و قيل و القائل أكثر المتأخرين يجوز للأصل أو الأصول، و عموم قراءة القرآن، و إطلاق أوامر الصلاة، و أنها لا تعاد إلا من أمور مخصوصة، و صحيح علي بن يقطين (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القران بين السورتين في المكتوبة و النافلة قال: لا بأس».

نعم يكره

للموثق (3) الذي رواه في الوسائل عن الكليني و الشيخ و مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن أبي جعفر (عليه السلام) «انما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة، فأما النافلة فلا بأس» و خبر علي بن جعفر (4) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه «عن رجل قرأ سورتين في ركعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1 و 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 13.

355

قال: إن كانت نافلة فلا بأس، و أما الفريضة فلا يصلح»

و خبر زرارة (1) المروي عن مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز، بل هو صحيح بناء على وصول الكتاب المزبور اليه بالتواتر مثلا، أو بطريق كذلك، بل ظاهر نسبته اليه الأول

عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا تقرنن بين السورتين في الفريضة فإنه أفضل»

و منه يعلم أن المراد بالكراهة المزبورة أقلية الثواب، بل منه يعلم أن المراد بالنواهي في غيره المجردة عن التعليل المزبور ذلك أيضا، لتعبيره بالنهي مؤكدا مع التصريح بالأفضلية.

فالاستدلال على الحرمة حينئذ بالنهي عنه- في صحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقال: لا، لكل سورة ركعة» و خبر المفضل بن صالح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي «لا تجمع بين سورتين في ركعة إلا الضحى و أ لم نشرح و الفيل و لإيلاف»

كالخبر

المروي (4) في المعتبر و مجمع البرهان نقلا من جامع البزنطي على ما قيل- فيه منع واضح، بل قد يشعر قوله (عليه السلام) في الخبر الأول: «لكل سورة ركعة»

بذلك، ضرورة إرادة الوظيفة و شبه الاستحقاق،

كالخبر (5) المروي عن الخصال بسنده عن علي (عليه السلام) «أعطوا كل سورة حقها من الركوع و السجود إذا كنتم في الصلاة» و خبر عمر بن يزيد (6) قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

«أقرأ سورتين في ركعة قال: نعم، قلت: أ ليس يقال: أعط كل سورة حقها من الركوع و السجود؟ فقال: ذلك في الفريضة، فأما النافلة فليس به بأس»

بل

خبر زرارة كالظاهر في ذلك، خصوصا مع روايته (7) نفسه الكراهة، قال: «سألت أبا عبد الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 10.

(6) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 3.

356

(عليه السلام) عن الرجل يقرن بالسورتين في الركعة فقال: إن لكل سورة حقا فأعطها حقها من الركوع و السجود، قلت: فيقطع السورة فقال: لا بأس»

إذ الظاهر إرادة الرخصة في قطع السورة التي حصل بها القران، و نفي البأس عن ذلك كالصريح في عدم وجوبه، و خبر المفضل- مع ابتنائه على اتحاد السورتين كما هو أحد القولين، و إلا كان دالا على المطلوب في الجملة، لأصالة الاتصال في الاستثناء، و لأنها كذلك في المصاحف التي قد سمعت دعوى التواتر فيها بحيث لا يعارضها أخبار الآحاد- هو ضعيف السند، و ليس فيه إلا النهي الذي لا يمتنع حمله على الكراهة بالقرينة.

و أضعف من ذلك كله الاستدلال ببعض الاشعارات من مفهوم الوصف و نحوه في مثل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور (1): «لا بأس بأن تجمع في النافلة من السور ما شئت»

و في خبر عبيد بن زرارة (2) «عن ذكر السورة من الكتاب يدعو بها في الصلاة مثل قل هو الله أحد فقال: إذا كنت تدعو بها فلا بأس»

مع أن ثبوت البأس فيهما يمكن منع ظهوره في المطلوب، و احتمال إرادة اعتبار الدعاء فيها لتحصيل وظيفة القنوت الموضوع لذلك لا لقراءة القرآن دون مخافة القران، و المراد من الدعاء إما الدعاء المعروف الذي دعا به إبراهيم (عليه السلام) يوم ألقي في النار، و هو على ما في بالي «يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفؤا أحد» إلى آخره. بل كان في بالي إطلاق الدعاء بقل هو الله عليه في بعض النصوص أو يراد به جعل السورة مقسوما بها، و على كل حال لا يدل على المطلوب، بل الخبر الثاني منهما انما هو في القنوت، و القران بناء على حرمته أو كراهته انما هو في محل القراءة دون باقي أفعال الصلاة كما نص عليه شيخنا في كشفه، إذ هو المنساق

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

357

من النصوص خصوصا المفصلة بين الفريضة و النافلة، ضرورة إرادة قراءة السورتين للركعة مقابلا للسورة الواحدة، اللهم إلا أن يدعى بقاء محل قراءة الركعة إلى أن يركع، و فيه ما لا يخفى.

كما أن المراد منه بحسب ظاهر النصوص الجمع بين سورتين لا الأكثر من سورة مطلقا حتى تكرير السورة أو بعض الكلمات منها أو الفاتحة و إن اختاره المحقق الثاني و بعض من تأخر عنه، بل ربما حكي عن الخلاف و الاقتصاد و الكافي و رسالة عمل يوم و ليلة و الإرشاد إدراج تبعيض السورة في القران، و لعله لاحتمال تعميم القران بين السورتين لما يشمل ذلك كما في كشف اللثام، خصوصا مع وصل الآخر بالأول، و فيه بحث أو منع إذا أريد صدق القران بين السورتين لا أصل القران، و ل

خبر منصور بن حازم (1) «لا تقرأ بأقل من سورة و لا بأكثر»

و هو- مع إمكان منع دلالته على التكرير الذي هو بعض الدعوى، و معارضته باخبار الرجوع (2) عن سورة إلى غيرها ما لم يتجاوز النصف، و أخبار (3) جواز ما يشاء من قراءة القرآن و ترديده كذلك التي قد تقدم بعضها سابقا- يمكن إرادة السورة من الأكثر فيه، و المناقشة في أخبار العدول بأن المراد بالقران الجمع بنية واحدة، و منه قرن الحج بالعمرة فلا تدخل فيه يدفعها أن الظاهر من الفتاوى بل و بعض النصوص السابقة الأعم من ذلك و من تجدد النية و لو بعد تمام السورة، و إلا فمن البعيد أو الممتنع عند من منع القران تخصيصه بما إذا لاحظهما من أول الأمر بالنية.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2 و في الوسائل «لا تقرأ في المكتوبة» إلخ.

(2) الوسائل- الباب- 36- من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب قراءة القرآن.

358

نعم الظاهر كما اعترف به في المدارك و الحدائق و كشف الأستاذ و عن البحار و غيرها أن محل البحث في القران ما إذا جيء بالسورة الثانية على حسب السورة الأولى من كونها قراءة للركعة كما يومي اليه التأمل في النصوص، بل

قوله (عليه السلام) (1): «لكل سورة ركعة»

فيها، و التفصيل بين الفريضة و النافلة و غيرهما كالصريح في ذلك فمن جاء بالثانية حينئذ بعنوان قراءة قرآن و نحوه لم يكن إشكال في جوازه له، لإطلاق ما دل (2) عليه في الصلاة، خلافا لما يظهر من المحقق و بعض من تأخر عنه فجعلوا النزاع في الأخير خاصة دون الأول، بل ادعي القطع بالبطلان معه، و أنه لا يدخل في كلامهم، و كأن الذي أوهمهم تحقق الزيادة بنية الجزئية التي قد نقل الاتفاق على البطلان معها، و دلت النصوص (3) عليه كما سمعته سابقا، ضرورة حصول الامتثال بالسورة الأولى، فالثانية مثلا مع فرض نية الجزئية زيادة محضة، و فيه أن القائل بجواز القران لا زيادة عنده لتخييره المصلي في الاجتزاء بقراءة سورة واحدة أو أزيد، فالزائد حينئذ عنده من الصلاة، و ليس هو من التخيير بين الأقل و الأكثر، إما لأن الأمر بالطبيعة يوجب امتثال المكلف عرفا بالواحد فما زاد و إن كانت تدريجا مع فرض قصد المكلف الامتثال، أو لأن أدلة الجواز السابقة ظاهرة في جزئية السورة و الزيادة عليها، فالسورة حينئذ التي يعلم الله أن المكلف لا يقتصر عليها ليست هي تمام الجزء، بخلاف التي يعلم الله الاقتصار عليها، و التخيير بين الأقل و الأكثر انما يمنع إذا فرض الاجتزاء بالأقل حال كونه في ضمن الأكثر، فلا يكون حينئذ عند التحقيق من التخيير بين الأقل و الأكثر مع فرض اعتبار صفة الوحدة مقابلا لها مع الزيادة، ضرورة عدم حصولها في الزائد حينئذ كما هو واضح، و ليس هذا من التفريق بين الفردين بالنية كي

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب قراءة القرآن.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة.

359

يخرج عن الأقل و الأكثر و إن التزمه بعضهم في كل خطاب ظاهره التخيير بين الأقل و الأكثر، إلا أنه قد بينا ضعفه في محله، و أنه مجرد دعوى بلا شاهد، مع أن التزامه في المقام يقضي بخروج ما إذا استقلت السورة الثانية بالنية عن القران، نعم هو متجه بناء على اعتبار النية في القران كما ذكرناه سابقا و يوهمه مختصر نهاية ابن الأثير، و الأقوى خلافه، و أنه لا فرق بين أن يجمعهما بنية واحدة أولا، و أنه متى جاء بهما على نية الجزئية احتسبت كذلك، و ربما يومي اليه في الجملة أخبار العدول عن السورة ما لم يتجاوز النصف، ضرورة حصول معنى الجزئية بأول شروعه، لأن جزء الجزء جزء، و عدوله لا يبطل وصف ما وقع من الجزئية، بل الشارع سوغ له مع ذلك الإتيان بسورة أخرى، فيكون الجزء حينئذ سورة و نصفا، و دعوى إبطال الشارع جزئية ما وقع من السورة الأولى بسبب عدم حصول مسمى السورة يمكن البحث فيها، كدعوى اعتبار قصد المكلف بطلان ما وقع منه من بعض السورة في جواز العدول إلى سورة أخرى، ضرورة إطلاق النصوص، و أنه انما يرفع يده عن باقي السورة لا ما وقع منه، على أنه يمكن منع حصول البطلان لما وقع منه صحيحا بمجرد قصده و إرادته بطلانه، إذ هو من الأحكام الشرعية التوقيفية، هذا.

مع إمكان التخلص بما ذكره غير واحد من الأصحاب في بعض الخطابات الظاهرة في التخيير بين الأقل و الأكثر من جعل الواجب الأقل، و الزائد مستحب صرف، و لا ينافي جزئيته حينئذ من الصلاة، لصيرورته كالقنوت، بل يمكن جعله جزء من القراءة أيضا بنوع من التأمل، نعم قد ينافيه ما سمعته سابقا من أن المراد بالأجزاء المندوبة في نحو الصلاة الواجبة أكملية الفرد المشتمل عليها، و إلا فهو من أفراد الصلاة أيضا، فيرجع حينئذ إلى أفضل أفراد الواجب التخييري، و المفروض في المقام الكراهة و إن قلنا: إنه بمعنى أقلية الثواب، فلا يتصور فرض استحبابه كالقنوت، مع أن

360

المجرد منه أفضل منه و أكثر ثوابا، اللهم إلا أن يقال: إنه لا مانع منه هنا بعد فرض ملاحظته الفرد المشتمل عليه دونه نفسه، و لا يتوهم ورود نحو ذلك على التقرير الذي ذكرناه أولا في المقام، ضرورة انحلاله إلى أن الشارع أمر في الركعة بقراءة سورة معتبر فيها الاتحاد، أو السورتين مثلا المعتبر فيهما المقابلة للأولى لا الداخلة فيهما، و جعل الفرد الأول أفضل كما هو نص خبر زرارة المتقدم (1) مع أنه يمكن دعوى إرادة المعنى المصطلح من الكراهة في المقام، كما هو صريح المحكي عن مجمع البرهان بأن يقال بكراهة إتيان المكلف للسورة الثانية بعنوان أنها للركعة و إن كان لا يأثم و لا تبطل صلاته، و لا تكون هي بهذه النية جزء من الصلاة، فتأمل جيدا.

و كيف كان فقد ظهر لك من التأمل فيما ذكرناه أولا أن القول بالكراهة الذي قال المصنف: إنه هو الأشبه أقوى، إذ أقوى معارض له فيما تقدم لفظ النهي في بعض النصوص التي لم يصح بعض أسانيدها، و هو- مع شيوعه في الكراهة حتى قيل بمساواته للحقيقة- يجب حمله عليها في المقام بقرينة تلك الأخبار التي لا ينبغي إنكار صراحة بعضها أو مجموعها، إذ هو الموافق لما دل على العمل بأخبارهم الجامعة للشرائط، و لما دل على أن كلامهم (عليهم السلام) بمنزلة كلام متكلم واحد يشهد بعضه لبعض، و أن الكلمة منهم (عليهم السلام) لتقع على سبعين وجها (2) و أنكم أفقه الناس إن عرفتم معاني كلماتنا (3) التي فيها العام و الخاص و المطلق و المقيد و غيرهما فما وقع من بعض الأعلام في المقام- من المبالغة في إنكار الحمل المزبور، و أنه لا دليل

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 11.

(2) البحار ج 2 ص 184 و 198 و 199 المطبوعة بطهران عام 1376.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي- الحديث 30 من كتاب القضاء.

361

عليه، بل مخالف للأدلة الآمرة (1) بأخذ ما خالف العامة و نحوه- في غير محله، ضرورة الاكتفاء في الاستدلال عليه بوجوب العمل بأخبارهم (عليهم السلام)، و أن كلامهم بمنزلة كلام متكلم واحد، إذ لا ريب في استلزام هاتين المقدمتين الحمل المزبور و نحوه مما ينتقل اليه من نفس اللفظ بعد تأليفه و جعله كالكلام الواحد مثلا.

و نحوه ما وقع من بعض آخر أيضا «من أن الجمع المزبور شرطه المكافاة المفقودة في المقام باعتبار موافقة أخبار الجواز للعامة التي جعل الله الرشد في خلافها، خصوصا و عمدتها صحيح علي بن يقطين (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) الذي يظن به التقية باعتبار شدتها في زمانه، و كون «علي» وزير الخليفة، مع أن ظاهره نفي الكراهة، و هو مما أجمع العلماء على خلافه، فمثله يجب طرحه، و حمله على إرادة نفي الحرمة خاصة خلاف ظاهر النكرة في سياق النفي، فيكون مؤلا، و هو أيضا ليس بحجة، و دعوى الإجماعين على القول الأول، و كثرة النصوص المشتملة على النهي و غيره مما يدل على المطلوب، و الاعتضاد بعمل النبي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) و التابعين و تابعي التابعين و جميع العلماء في الأعصار و الأمصار، و الاحتياط في العبادة التوقيفية، بل منه و من النهي المزبور و نحوهما يتوجه الحكم بإبطاله الذي صرح به بعض القائلين بالحرمة كالشيخ و ابن البراج فيما حكي عنهما، و العلامة في قواعده، و الطباطبائي في منظومته و غيرهم، لأصالة عدم الإتيان بالمأمور به، و لظهور النواهي في الفساد، و أن المعتبر في السورة المجزية الاتحاد، و من هنا علل بعضهم البطلان بأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه لأنه قد اعتبر فيه عدم القران، فما في المدارك حينئذ- من أنه على تقدير الحرمة لا وجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1 و 21 و 23 و 33 و 34 و غيرها.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

362

للبطلان لكون النهي عن أمر خارج- في غير محله قطعا كما لا يخفى على من لاحظ ما استفاده الأصحاب من الشرائط و الأجزاء و الموانع من أمثال هذه الأوامر و النواهي في سائر المقامات».

و فيه أولا أنه لا يخفى على من أحاط خبرا بما ذكرنا وجود المقاومة و زيادة، و ثانيا منع اعتبارها بمعنى ملاحظة المرجحات الموجودة في النصوص (1) في مثل هذا الجمع الذي ينتقل اليه من مجرد تأليف الكلامين كالعام و الخاص و المطلق و المقيد و نحوهما بل يكفي فيه جمع شرائط الحجية، و إلا لزم طرح الدليل المعتبر من غير مقتض، بل هو في الحقيقة مناف لكل ما دل على الحجية، و من هنا حكمنا الخاص و لو بالآحاد على عام الكتاب و نحوه من المتواتر سندا، و أن التحقيق أنه ليس من المخالفة للكتاب التي أمرنا (2) بطرح الخبر معها كما هو واضح من طريقة الأصحاب في سائر الأبواب، و من العجيب قوله في المقام بطرح نصوص الجواز مع عمل مشهور المتأخرين بها بمجرد احتمال أنها للتقية التي لم تكن لتخفى على خواص الأصحاب و البطانة، بل كانوا يعرفون ذلك بمجرد سماعهم من بعض الرواة، و يقولون قد أعطاه من جراب النورة، كما أن الظاهر تصفية هذه الأصول من مثل هذه الأخبار و غيرها، و أنهم بذلوا الجهد مع قرب عهدهم و شدة معرفتهم في تعرف ذلك و طرح ما كان من هذا القبيل، نعم ربما أبقوا فيها ما هو واضح انه انما ورد مورد التقية، و أن فيها نفسها ما يدل على ذلك، و لذا كان الحمل على التقية في مثل هذه النصوص المجردة عما يشعر بورودها موردها لا يرتكب إلا عند الضرورة، و يذكر احتمالا بعد أن يرجح الخبر المقابل له بالتباين بحيث يدور الأمر بين طرحه أصلا و بين ذكر وجه له كالتقية و نحوها، على أن احتمال مراعاة التقية

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1 و 1.

363

في المقام في غاية الضعف، لأنه انما نقل عن الشافعي منهم محتجا بفعل ابن عمر، و الذي يتقى منه غالبا في مثل تلك الأزمنة أبو حنيفة باعتبار كون مذهبه مذهب السلطان و الأتباع، على أن بعض النصوص السابقة من الباقر (عليه السلام) الذي كانت التقية في زمانه في غاية الضعف باعتبار كثرة مراجعة جابر الأنصاري حتى قال قائل منهم حسدا أنه هو كان يعلمه مع أن جابرا و غيره لا يستطيع الكلام بحضرته، و انما كانت مراجعته له لأمر النبي (صلى الله عليه و آله) له بذلك، و إبلاغ السلام اليه و أنه يبقر العلم بقرا، و كان العامة يعرفون ذلك من جابر، و لذا ضعفت التقية في زمانه، مع أن بني أمية و بني العباس كان بعضهم مشغولا ببعض، و يومي إلى ذلك كله

قول الصادق (عليه السلام) (1) «كان أصحاب أبي يأتونه و يفتيهم بمر الحق، و يأتوني شكاكا فأفتيهم بالتقية»

على أن نصوص المقام قد تضمنت الكراهة و التفصيل بين النافلة و الفريضة و نحو ذلك مما لا ينقل عن الشافعي، بل كان يمكن الامام (عليه السلام) ذكر الحق و التخلص عن فتوى الشافعي بفعل النبي (صلى الله عليه و آله) و الخلفاء و التابعين و تابعي التابعين.

و بالجملة من نظر بعين الإنصاف إلى تلك النصوص المعمول بها بين كثير من المتأخرين، و أنه لا معارض لها إلا مجرد نهي فيها يستعمل غالبا في الكراهة، و بعض الاشعارات التي لا ينبغي الالتفات إليها يجزم بعدم صدورها مصدر التقية، و كيف يحل لامرئ مسلم رفع اليد عنها و طرحها مع اعتبار أسانيدها و لو بالعمل بها بين المتأخرين بمجرد موافقتها للمحكي عن الشافعي، و ليس ذلك في الحقيقة إلا ردا للخبر بلا معارض لأنه موافق للعامة، و التسري في ذلك يؤدي إلى هدم قواعد المذهب، نسأل الله تشييدها و تسديدها، و انما ذكرنا هنا بعض الكلام و إلا فتمام البحث فيه و في أمثاله

____________

(1) الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

364

محتاج إلى رسالة نسأل الله توفيقنا لها.

و أما ترجيح تلك النواهي على النصوص المزبورة بشهرة القدماء و إجماعي الصدوق و المرتضى ففيه أولا أن المحكي عن ابن إدريس أنه قال: لم يتعرض أصحابنا لذكره، و لم يعدوه من المبطلات للصلاة، فإن كان الأمر كما ذكر دل على المختار، و ثانيا أن الموجود في عبارات القدماء لفظ النهي كالنصوص، و عدم الجواز و نحوه مما لا صراحة فيه بل و لا ظهور في البطلان، خصوصا و قد صرح الشيخ في المبسوط بعدم البطلان معه بل يمكن إرادة الكراهة منه كالنصوص لغلبة تعبيرهم بنفس متن الخبر، على أن القدماء وقع ما وقع منهم، في كثير من المقامات من المذاهب الفاسدة لعدم اجتماع تمام الأصول عند كل واحد منهم، و عدم تأليف ما يتعلق بكل باب منها على حده، فربما خفي على كل واحد منهم كثير من النصوص، فيفتي بما عنده من غير علم بالباقي كما لا يخفى على الخبير الممارس المتصفح لما تضمن تلك الآثار، على أنه يمكن إرادة الصدوق و المرتضى من النسبة إلى دين الإمامية و منفرداتهم أن في الإمامية من صرح بالمنع بخلاف العامة، فإن الشافعي الذي قد تعرض له ذكر الجواز، و ليس المراد إجماع الإمامية عليه، و ربما يشهد لذلك خصوصا بالنسبة إلى الأول منهم وقوع هذه اللفظة المزبورة فيما لا يقول به من الإمامية إلا قليل، و لقد طال بنا الكلام حتى خرجنا عما يقتضيه المقام و إن كنا لم نستوف أيضا تمام النقض و الإبرام، إلا أنه قصدنا بذلك تهييج الذهن إلى بعض هذه الأمور لينتقل منها إلى غيرها، فإن الأشياء تحضر بنظائرها، و لو أنصف المتأمل فيما ذكرنا لاهتدى به إلى أمور كثيرة و قواعد خطيرة لا تخص المقام، و الله أعلم بحقائق الأحكام.

[في بيان موارد الإجهار و الإخفات]

و يجب الجهر بالحمد و السورة في الصبح و في أولتي المغرب و العشاء، و الإخفات بهما في الظهرين من غير يوم الجمعة و بالحمد خاصة في ثالثة المغرب و الأخيرتين

365

من العشاء على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في صريح الغنية و عن الخلاف و عن ظاهر غيرهما، بل يمكن تحصيل الإجماع، إذ لم نجد فيه خلافا و لا حكي إلا من الإسكافي و المرتضى (رحمه الله) في المصباح، و هما- مع معلومية نسبهما، بل لم يعتد بخلاف الأول منهما في كثير من المقامات، كما أن الأستاذ الأكبر أنكر ظهور المحكي عن الثاني فيما نسب اليه، كما يومي اليه نقل الشيخ و أبي المكارم الإجماع مع عظمة السيد عندهما، و اعتناؤهما خصوصا الثاني منهما بأقواله، و يؤيد ذلك أيضا ما عن السرائر من نفي الخلاف بيننا في عدم جواز الجهر بالقراءة و الإخفات و غير ذلك، لكن الإنصاف أن إنكار ظهور كلامه في ذلك تعسف، قال: «إنه من وكيد السنن حتى روي أن من تركه عامدا أعاد»- لا يقدحان في تحصيل الإجماع بناء على كثير من طرقه، على أنه قد تحقق انعقاده في كثير من الأزمنة المتأخرة عن زمنهما حتى استقر المذهب و اتفقت الكلمة إلى هذه الأزمنة المتأخرة، فصدر من بعض أصحابنا ما يقتضي الميل اليه أو التعويل عليه، لكنه قد سمعت غير مرة أن خلاف أمثالهم غير قادح بعد معلومية أن صدور ذلك لخلل في الطريقة.

و كيف كان فالحجة عليه مضافا إلى ما سمعت

صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي أن يجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه و قد تمت صلاته»

ضرورة ظهور النقض بالضاد المعجمة كما هو الموجود في كتب الأصول و الفروع في البطلان الذي هو لازم الوجوب كالأمر بالإعادة، بل هو كذلك و إن قرئ بالصاد أيضا كما احتمله بعض متأخري المتأخرين، لأنه هو مقتضى النقصان حقيقة، خصوصا بعد تعقيبه بما عرفت،

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

366

و لا ينافيه لفظ «ينبغي» في السؤال بعد ظهوره هنا في إرادة القدر المشترك بين الوجوب و الاستحباب، و إلا لم يحسن من مثل زرارة السؤال، فلا ينبغي التأمل حينئذ في دلالة الصحيح المزبور، على أن الأستاذ الأكبر في حاشية المدارك قال: «لا ينحصر وجه الدلالة فيه بذلك، لأن الموجود في الخبر المزبور بعد قوله: «الإخفاء فيه» «أو ترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه، أو قرأ فيما لا ينبغي القراءة فيه» و قد أجاب (عليه السلام) عن الجميع بما سمعت، و من ضروريات المذهب بل الدين أن ترك القراءة عمدا مبطل للصلاة، و أما فعلها في موضع لا ينبغي فمثل قراءة السورة في الركعة الثالثة و الرابعة أو خلف الإمام أو نحو ذلك، أو المراد بقصد أنه وظيفة شرعية في أي موضع كان، فيكون حينئذ دلالة الصحيح المزبور على المطلوب منطوقا و مفهوما من خمسة وجوه» و هو جيد جدا إلا أن الذي عثرنا عليه من صحيح زرارة مجرد عن تلك الزيادة، نعم له

صحيح آخر (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا في المتن المزبور لكن الجواب فيه «أي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شيء عليه»

و لعله (رحمه الله) من جهة اتحاد الراوي و المروي عنه و كثير من المروي ركب الجميع و جعله جزءا واحدا، و الأمر سهل، إذ هو إما كذلك أو الصحيحة الثانية دليل آخر على المطلوب، مضافا إلى ما ورد (2) من الإخفات في صلاة النهار و أنها عجماء، و الجهر في صلاة الليل حتى شاع ذلك و ذاع في ذلك الزمان، و لأجله

سأل يحيى بن أكثم القاضي (3) أبا الحسن (عليه السلام) «عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة و هي من صلوات النهار و انما يجهر في صلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب 22 و 25 من أبواب القراءة في الصلاة و المستدرك- الباب 18 من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

367

الليل فقال: لأن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يغلس بها فقربها من الليل»

و في خبر رجاء بن الضحاك (1) عن الرضا (عليه السلام) المروي عن العيون مسندا «انه كان (عليه السلام) يجهر بالقراءة في المغرب و العشاء الآخرة- إلى أن قال-: و يخفي القراءة في الظهر و العصر»

و هو ظاهر في استمرار فعله (عليه السلام) ذلك في الصلاة التي أمرنا بالتأسي بما يفعلونه فيها، بل في التذكرة في أول كلامه أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يفعل ذلك مشيرا إلى نحو ما في المتن، و قد

قال (صلى الله عليه و آله) (2): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

بل قال في آخره فيما حضرني من نسخة التذكرة: «و قال المرتضى و باقي الجمهور كافة بالاستحباب عملا بالأصل، و هو غلط للإجماع و مداومة النبي (صلى الله عليه و آله) و جميع الصحابة و الأئمة (عليهم السلام) عليه، فلو كان مسنونا لأخلوا به في بعض الأحيان» و هي صريحة في نقل الإجماع و العمل الذي يجب اتباعه، لكن المحكي عنها الإجماع على مداومة النبي (صلى الله عليه و آله) إلى آخره، فيكون نقلا للعمل خاصة، و على كل حال فهو شاهد تام على ما قلنا، بل يصلح أن يكون دليلا مستقلا.

و في خبر الفضل بن شاذان (3) عن الرضا (عليه السلام) الذي رواه الصدوق في الفقيه و العيون و العلل كما في الوسائل في حديث و أنه ذكر العلة التي من أجلها جعل الجهر في بعض الصلوات دون بعض «ان الصلوات التي يجهر فيها انما هي في أوقات مظلمة، فوجب أن يجهر فيها ليعلم المار أن هناك جماعة، فان أراد أن يصلي صلى، لأنه إن لم ير جماعة علم ذلك من جهة السماع، و الصلاتان اللتان لا يجهر فيهما انما هما بالنهار في أوقات مضيئة، فهي من جهة الرؤية لا تحتاج إلى السماع»

و في خبر محمد بن حمران (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5 روى عن رجاء بن أبي الضحاك.

(2) صحيح البخاري- ج 1 ص 124 و 125.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

368

الذي رواه هو «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) لأي علة يجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة، و سائر الصلوات مثل الظهر و العصر لا يجهر فيهما- إلى أن قال-: فقال: لأن النبي (صلى الله عليه و آله) لما أسري به إلى السماء كان أول صلاة فرض الله عليه الظهر يوم الجمعة، فأضاف الله عز و جل إليه الملائكة تصلي خلفه، فأمر نبيه (صلى الله عليه و آله) أن يجهر بالقراءة ليبين لهم فضله، ثم فرض عليه العصر و لم يضف إليه أحدا من الملائكة، و أمره أن يخفى القراءة، لأنه لم يكن وراءه أحد، ثم فرض عليه المغرب و أضاف إليه الملائكة، فأمره بالإجهار، و كذلك العشاء الآخرة، فلما كان قرب الفجر نزل ففرض الله عليه الفجر فأمره بالإجهار ليبين للناس فضله كما بينه للملائكة، فلهذه العلة يجهر فيها (صلى الله عليه و آله)»

و المراد بالظهر فيه يوم الجمعة صلاة الجمعة بقرينة السؤال، و في الوسائل أنه رواه في العلل عن حمزة بن محمد بن العلوي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن علي بن معيد عن الحسن ابن خالد عن محمد بن حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، إلا أنه ذكر صلاة الفجر موضع صلاة الجمعة و ترك ذكر صلاة الغداة، و كيف كان فلا يخفى وجه دلالته على المطلوب، إلى غير ذلك من النصوص المشعرة أو الظاهرة المذكورة في باب الجماعة و غيرها، بل المستفاد من مجموعها معروفية الجهرية و الإخفاتية في ذلك الوقت كما لا يخفى على من لاحظها مجموعها متأملا في وصفها بالجهرية و الإخفاتية في بعضها و مما (1) يجهر أو يخفت فيها في آخر.

فمن العجيب بعد ذلك كله وسوسة بعض متأخري المتأخرين في هذا الحكم

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصحيح «و بما» باعتبار العطف المستلزم لتعلقه بوصفها.

369

للأصل الذي يكفي في قطعه بعد القول بجريانه في مثل هذه العبادة بعض ما ذكرنا، و ل

صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن الرجل يصلي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر؟ قال: إن شاء جهر، و إن شاء لم يفعل»

الذي لا يصلح لمعارضة ما ذكرنا من وجوه، خصوصا مع شذوذه و موافقته للتقية، و عدم وضوح المراد منه إلا بأن يجعل «عليه» فيه بمعنى «له» كما روي كذلك أيضا في بعض كتب الفروع، أو يقرأ «إن» بالكسر أو نحو ذلك بل قد يحتمل إرادة الجهر و الإخفات في غير القراءة كما في خبر الآخر (2) المروي عن قرب الاسناد عن أخيه أيضا، سأله «عن الرجل هل يصلح له أن يجهر بالتشهد و القول في الركوع و السجود و القنوت؟ قال: إن شاء جهر، و إن شاء لم يجهر»

أو الفرد العالي من الجهر أو صلاة الجمعة بناء على استحباب الجهر فيها لا وجوبه، كما استدل به هناك في المدارك عليه أو غير ذلك، و المناقشة في حمله على التقية بأنه قد عمل به السيد و الإسكافي كما وقع من المصنف فيما حكي من معتبره حتى نسب الشيخ إلى التحكم في الحمل المزبور لذلك يدفعها أن مثل عملهما خاصة لا يمنع من الحمل على التقية، بل لا يخرجه عن الشذوذ أيضا، و أظرف شيء ترجيح الصحيح المزبور على ما ذكرنا بموافقته للكتاب العزيز، و فيه- بعد الإغضاء عن مقاومة المرجح المذكور لبعض ما ذكرنا فضلا عن جميعه- أن المراد من الآية (3) بعد ملاحظة بعض النصوص (4) الواردة في تفسيرها الوسط في الجهر فيما يجهر به و الإخفات فيما يخفت به، بل يقوى في نفسي أن المراد من

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الركوع- الحديث 1.

(3) سورة الإسراء- الآية 110.

(4) الوسائل- الباب- 52- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

370

الآية بقرينة بعض ما ورد (1) في تفسيرها أيضا عدم التجاهر بالصلاة مخافة أذية المشركين، و عدم التخفي فيها مخافة التساهل فيها أو ظن نسخها أو غير ذلك، و له شواهد كثيرة و مؤيدات عديدة ليس المقام مقام ذكرها، كما أنه ليس المقام مقام ذكر جميع ما قيل في الآية مما يخرج به عما نحن فيه، و من أرادها فليلاحظ مجمع البيان و كنز العرفان و غيرهما، ضرورة كون ما نحن فيه من الواضحات التي لا يعتبر بها شيء من هذه التشكيكات.

و أما يوم الجمعة فقد يتوهم أنه لا فرق بين الظهر فيه و غيره من مقتضى إطلاق الفتاوى هنا و معاقد الإجماعات و سائر الأدلة المزبورة، لكنه ليس كذلك، للأصل، و للبدلية، و للنصوص الدالة على الجهر بالقراءة فيها، ك

صحيح الحلبي (2) سئل أبو عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يصلي الجمعة أربع ركعات أ يجهر فيها بالقراءة؟ قال: نعم و القنوت في الثانية» و صحيحه الآخر أو حسنه (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة فقال: نعم». و خبر محمد بن مسلم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لنا: «صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة، و اجهروا بالقراءة، فقلت: إنه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال: اجهروا»

بناء على إرادة الظهر قصرا من الجمعة فيه، ك

خبر محمد بن مروان (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف نصليها في السفر؟

فقال: تصليها في السفر ركعتين، و القراءة فيها جهر».

نعم لمعارضتها بما سمعت، و ب

خبر جميل (6) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 8.

371

عن الجماعة يوم الجمعة في السفر فقال: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، و لا يجهر الامام فيها بالقراءة إنما يجهر إذا كانت خطبة» و خبر محمد بن مسلم (1) «سألته عن صلاة الجمعة في السفر فقال: يصنعون كما يصنعون في الظهر، و لا يجهر الإمام بالقراءة و انما يجهر إذا كانت خطبة»

حملت على الندب، لكن في الوسائل أن الشيخ حمل هذين الخبرين على التقية و الخوف، و فيه أن المتجه حينئذ الوجوب، ثم قال هو: و يحتمل نفي تأكد الاستحباب في الظهر و إثباته في الجمعة، و هو جيد.

و على كل حال فالقول بالمنع مطلقا كما حكاه في المنتهى عن ابن إدريس في غاية الضعف حتى على أصله، ضرورة تعدد النصوص في المقام و صحتها و العمل بها من الطائفة، كما يومي اليه ما في الرياض عن الخلاف من الإجماع على الحكم المزبور، مع أن المحكي عن الحلي في الرياض ما حكاه في المنتهى عن المرتضى من التفصيل بين الامام و غيره، فيجهر الأول دون الثاني،

للصحيح المروي (2) عن قرب الاسناد «عمن صلى العيدين وحده و الجمعة هل يجهر فيهما؟ قال: لا يجهر إلا الامام»

و من هنا قال فيه:

إن القائل بالمنع مطلقا بعد لم يظهر، نعم حكاه في المعتبر قائلا أنه الأشبه بالمذهب، و استقر به بعض من تأخر، و كيف كان فقد عرفت ما فيه، كما أنه لا يخفى عليك ما في التفصيل المزبور، لما سمعته من التصريح بالمنفرد في بعض تلك الصحاح التي يقصر هذا الصحيح عن معارضتها، بل يجب الجمع بينهما بنفي التأكد أو عدم الوجوب أو نحوهما، خصوصا و قد عرفت عدم وجوب شيء من الجهر و الإخفات عند المرتضى في غير محل البحث فضلا عنه، فمراده من التفصيل المزبور بالنسبة إلى الاستحباب و عدمه لا أصل الجواز، بل لم يحك عنه في المنتهى إلا نسبة الجهر مطلقا و التفصيل إلى الرواية، لكن الاحتياط لا ينبغي تركه و إن كان الأقوى الاستحباب مطلقا، وفاقا للشيخ و الفاضلين

____________

(1) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 73- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 10.

372

و غيرهما، و يأتي تمام البحث فيه إن شاء الله عند تعرض المصنف له في باب الجمعة.

و هل المراد بالقراءة فيها جميع ركعاتها أو يختص الحكم بالركعتين الأخيرتين (1) لم يحضرني للأصحاب نص عليه بالخصوص، و لكل منهما وجه.

و أما التسبيح في أخيرتيها فالظاهر أنها كغيرها من الفرائض لا تختص عنها بالحكم و تمام القول فيه أن الأصحاب قد اختلفوا في وجوب إخفاته و عدمه، ففي الذكرى و جامع المقاصد و حاشية الأستاذ الأكبر و المنظومة و الرياض و ظاهر التنقيح و عن الدروس و الألفية و الجعفرية و التكليفية و الطالبية و عيون المسائل و الاثنى عشرية و المقاصد العلية و التعليقات الكركية على الألفية و الروض الوجوب، بل حكي عن غير واحد دعوى الشهرة عليه، بل في الحدائق ادعى بعضهم الإجماع عليه، بل قد يظهر من الرياض اتحاد حكمه مع القراءة، بل فيه الظاهر الاتفاق عليه كما عساه يظهر من الأستاذ الأكبر أيضا، بل عن الشيخ نجيب الدين الاستدلال عليه أيضا بالإجماع على الإخفات فيما عدا الصبح و أولتي العشائين، كما عن الأنوار القمرية «ما وجدت لوجوب الإخفات في التسبيح دليلا إلا ما دل على الإخفات في مواضعه من الإجماع» و لعلهما أرادا إجماعي الخلاف و الغنية، لكن المحكي عن أولهما دعواه على خصوص القراءة، كما أن الموجود في الثانية ظاهر فيها، قال فيها: «و يجب الجهر بجميع القرآن في أولتي المغرب و العشاء الآخرة و صلاة الغداة بدليل الإجماع المشار اليه، و ببسم الله الرحمن الرحيم فقط في أولتي الظهرين من الحمد و السورة التي تليها عند بعض أصحابنا، و عند بعضهم هو مسنون، و الأول أحوط، و يجب الإخفات فيما عدا ما ذكرنا بدليل الإجماع المشار إليه» إذ الظاهر حذف متعلق الإخفات اعتمادا على الأول، و المراد الركعات من قوله فيما عدا ما ذكرنا لا المخفت به.

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و الصواب «الأولتين».

373

و من هنا يظهر أنه لا ظهور في المتن و نحوه كالمبسوط و غيره من عبارات الأصحاب التي ذكرت القراءة متعلقا للجهر في القول المزبور، بل يمكن دعوى ظهوره في المقابل بناء على اعتبار مفهوم اللقب في عبارات الأصحاب، نعم قد يقال بظهور عبارة النافع و نحوها مما ترك فيها ذكر المتعلق فيهما إن لم نقل إن المنساق من لفظ الجهر و الإخفات في عبارات الأصحاب تعلقهما بالقراءة، خصوصا مع ذكرهم ذلك في أحكامها و لعله لذلك كله لم يذكر الطباطبائي مع سعة باعه و جودة ذهنه نحو هذه العبارات أو معاقد الإجماعات من أهل هذا القول صريحا أو ظاهرا.

و كيف كان فيشهد له- مضافا إلى احتمال اندراجه فيما سمعته من الإجماع المحكي- ظهور التسوية بينه و بين القراءة في ذلك من مثل العبارات الواردة فيه في النصوص (1) ك

قوله (ع): «إن شئت سبحت و إن شئت قرأت،»

و هما سواء و القراءة أو التسبيح أفضل و نحو ذلك، خصوصا مع عدم إشارة في شيء منها على كثرتها إلى المخالفة بينهما فيه بل قد يؤيد ذلك ما في خصوص صحيحة (2) عبيد بن زرارة منها المعللة للقراءة بأنها تحميد و دعاء، ضرورة ظهورها في أن جواز القراءة لأنها تحميد و دعاء لا من حيث أنها قراءة، فهي أوضح شيء حينئذ في اتحادهما، و أنهما معا من جنس واحد، و ينتقل منه حينئذ إلى اتحادهما في ذلك، على أن أخبار التسبيح (3) ليس فيها عموم، بل أقصاه الإطلاق الذي يرجع إلى العموم إذا لم يسبق إلى الذهن أحد الأفراد، و هو في المقام ممنوع، مضافا إلى ما ورد (4) في خصوص الإخفاتية، مما هو ظاهر في الإخفات فيها جميعها، و يتم حينئذ بعدم القول بالفصل، و لعله إليه أومأ في الذكرى رادا على السرائر

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 22 و 25- من أبواب القراءة في الصلاة.

374

حيث أنكر النص على الإخفات بقوله: عموم الإخفات في الفريضة بمنزلة النص، فتدبر. و إلى ما عساه يشعر به ما في صحيح علي بن يقطين (1) سأل أبا الحسن (عليه السلام) «عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام أ يقرأ فيهما بالحمد و هو إمام يقتدى به؟

فقال: إن قرأ فلا بأس، و إن صمت فلا بأس»

بناء على أن المراد الركعتان الأخيرتان كما اعترف به في الحدائق لا أولتا الظهر مثلا، و حينئذ وصفهما بذلك ظاهر في بنائهما على الإخفات، فيندرج حينئذ في صحيح زرارة السابق (2) أجهر أو أخفت فيما لا ينبغي الجهر أو الإخفات فيه.

نعم يحتمل حمله على التقية لموافقته للمحكي عن أبي حنيفة بناء على أن المراد بالصمت فيه السكوت، و إلى ما سمعته سابقا في القراءة من دعوى معلومية إسرار النبي و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) و الصحابة في غير الصبح و أولتي العشاء، و قد عرفت فيما تقدم أفضلية التسبيح مطلقا عندنا، و هو (صلى الله عليه و آله) أولى من غيره في المواظبة على الأفضل، فيعلم حينئذ أن ديدنه (صلى الله عليه و آله) كان الاسرار بالتسبيح فيجب التأسي به، ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (3): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

و غيره، و إلى السيرة المستمرة و الطريقة المستقيمة في سائر الأعصار و الأمصار، و لعله إلى ذلك أشار العلامة الطباطبائي بقوله:

و يلزم الإخفات في الذكر البدل * * *بالأصل و النقل و ظاهر العمل

مضافا إلى موافقته للاحتياط أيضا، ضرورة أنه لم يقل أحد من معتبري الأصحاب بوجوب الجهر و إن ظن من عبارة الصدوق، لكنه وهم واضح، نعم أفتى

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 13.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(3) صحيح البخاري ج 1 ص 124 و 125.

375

به بعض الحشوية المخلطة في عصرنا و ما قاربه، كما أن بعضهم أيضا واظب على الجهر بالقراءة في الأخيرتين للإمام المعلوم عند الإمامية بطلانه كما عرفته سابقا، و كأن الذي أوهمه ما ورد (1) أنه ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كل شيء يقوله، و نحوه مما هو ظاهر عند من له أدنى درية في استماع ما يجوز الجهر فيه، و أنه مساق لبيان خصوص الاسماع للمأمومين لا لأصل جواز الجهر و عدمه، لكن هذا- مضافا إلى ما في النفس من السوء الذي يدعو إلى محبة الخلاف، و أنه جاء بما غفل عنه الأصحاب منضمين إلى الجهل المحض و عدم المعرفة بالفقه- دعاه إلى هذه البدعة و غيرها من البدع القبيحة أجار الله المذهب منها و من أهلها.

نعم الإنصاف أنه لا يخلو جميع ما ذكرناه بالنسبة إلى التسبيح من المناقشة، خصوصا بناء على المختار من عدم حجية كل ظن حصل للمجتهد، و من أن اسم العبادة للأعم القاضي بأن ما شك في اعتباره فيها يحكم بعدمه، و لعله لذا أو لغيره لم يرجح بين القولين في المحكي عن المهذب و غاية المرام و كشف الالتباس، بل اختار التخيير في التذكرة و الحدائق، بل حكاه في مصابيح العلامة الطباطبائي عن صريح السرائر أيضا و ظاهر نهاية الأحكام و التحرير و المحرر و الموجز و غاية الإيجاز و مصباح المبتدي و بحار الأنوار و الكفاية و الذخيرة، بل هو ظاهر المدارك و المحكي عن الحديقة و المسالك الجامعية و إن قيل فيهما: إن الإخفات أحوط، بل لعله أيضا ظاهر التنقيح و إن قال فيه: الأولى الإخفات فيه، لأنه أشد يقينا للبراءة، بل لعله ظاهر كل من اقتصر على ذكر القراءة في الجهر و الإخفات كما سمعته سابقا، بل في المحكي عن البحار- بعد الحكم بأن التخيير أقوى- و تدل بعض الأخبار ظاهرا على رجحان الجهر و لم أر به قائلا، و في مفتاح الكرامة وجدت في هامش رسالة تلميذ ابن فهد أن بعض الأصحاب ذهب

____________

(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 3.

376

إلى استحباب الجهر، قلت: لعل المجلسي (رحمه الله) أراد ما في خبر رجاء بن الضحاك (1) من أنه «صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو فكان يسبح في الأخراوين يقول: سبحان الله»

ضرورة ظهوره في أنه حكاية ما كان يسمعه منه حال الصلاة، و لا يتم إلا مع الجهر الذي ستعرف أن أدناه عند الأصحاب إسماع الغير و أن الإخفات ليس إلا إسماع النفس خاصة حتى نقلوا الإجماع على ذلك، و أوضح منه ما في خبر أحمد بن علي المروي عن العيون من أنه «صحب الرضا (عليه السلام) فكان يسمع ما يقوله في الأواخر من التسبيحات»

و هما مع الأصل و إطلاق بعض أخبار الجهرية و ما فيه من التعليل و ما عساه يشعر به التقييد فيما

روي (2) من «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقرأ في أولتي الظهر سرا»،

و غير ذلك يستفاد منه أصل الجواز أيضا، بل الأخير مشعر برجحان الجهر المدعى سابقا، فتأمل جيدا، فليس من العدل حينئذ شدة الإنكار على القول بجواز الجهر فيه، بل و لا ما في الرياض هنا من نظمه التسبيح تارة في البحث عن القراءة مشعرا باتحاد البحث فيهما، و قوله عند البحث على أقل الجهر الظاهر الاتفاق عليه أخرى، و كأنه لم يظفر بما ذكرناه في المسألة، و الله أعلم.

[في تحديد الجهر و الإخفات]

و أقل الجهر أن يسمع القريب الصحيح إذا استمع بلا خلاف بين العلماء كما في المنتهى، بل بإجماعهم كما في ظاهر التذكرة أو صريحها و عن المعتبر و حد الإخفات أن يسمع نفسه إن كان يسمع إجماعا كما في التذكرة و المنتهى أيضا و عن المعتبر، و قال الشيخ فيما حكي عن تبيانه حد أصحابنا الجهر فيما يجب الجهر فيه بأن يسمع

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 8 لكن رواه عن رجاء بن أبي الضحاك.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 9.

377

غيره، و المخافتة بأن يسمع نفسه، و ظاهر الجميع حتى المتن و غيره ممن عبر كعبارته إذا لم يعطف لفظ الإخفات فيه على المضاف اليه كما صرح به في التذكرة حيث قال: و حد الإخفات إلى آخره أنه لا يدخل إسماع الغير في الإخفات أصلا كما عن ابن إدريس التصريح به، قال: «و حد الإخفات أعلاه أن تسمع أذناك القراءة، و ليس له حد أدنى بل إن لم تسمع أذناه القراءة فلا صلاة له، و إن سمع من عن يمينه و شماله صار جهرا، فإذا فعله عامدا بطلت صلاته» نحو المحكي عن الراوندي في تفسير القرآن «أقل الجهر أن تسمع من يليك، و أكثر المخافتة أن تسمع نفسك».

نعم لا عبرة بالغير الذي يفرض أقربيته إلى سماع اللفظ من الإنسان نفسه، كما لو وضع أذنه قريبا من فم المتكلم مثلا، بل يمكن دعوى ظهور لفظ القريب المأخوذ في تعريف الجهر في غير المجتمع معه، بل يكون بينهما مسافة في الجملة و إن قلت تحقيقا لمعنى القرب المتغاير للمعية، ضرورة إمكان أقربية سماع مثل المفروض من النفس، إما لأن إذن السامع في جهة هواء الحرف بخلاف أذن الإنسان نفسه فإنها منحرفة عنه، أو لغير ذلك، و ربما ينبه عليه في الجملة

قول الباقر (عليه السلام) في المرسل (1) في تفسير علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى (2) «وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ» الآية:

«الإجهار أن ترفع صوتك تسمعه من بعد عنك، و الإخفات أن لا تسمع من معك إلا يسيرا»

ضرورة إرادته بيان المنهي عنه من الجهر، فلا بد من حمل «من معك» فيه على المساوي للنفس أو دونه كي لا ينافي ما دل على أن الإخفات المنهي عنه ما دون سماع الإنسان نفسه كما في موثق سماعة (3) و كذا يجب إرادة البعد المفرط من قوله (عليه السلام) فيه: «من بعد عنك»

كي يوافقه أيضا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 7.

(2) سورة الإسراء- الآية 110.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

378

و المدار في الظاهر على سماع تمام اللفظ و جواهر الحروف لا خصوص بعض الحروف لما فيها من الصفير و نحوه، فلا يقدح حينئذ في صدق الإخفات سماع القريب مثل ذلك، كما أنه لا يكفي في تحقيق معنى الجهر مثله، أما إذا لم يسمع الإنسان نفسه ما يقوله من جوهر الحروف لضعف الصوت لا لعارض الماء أو الهواء فالظاهر عدم الاجزاء كما صرح به غير واحد من الأصحاب، بل هو ظاهر معقد الإجماعات السابقة بل صريحها خصوصا بعضها، و هو الحجة، مضافا إلى

صحيح زرارة أو حسنه (1) «لا يكتب من القراءة و الدعاء إلا ما أسمع نفسه»

و ما ورد في موثق سماعة (2) و غيره من تفسير الإخفات المنهي عنه في الآية بما دون السمع، مضافا إلى ما في التذكرة و غيرها من عدم صدق القراءة مثلا عليه حينئذ، و لعله لاعتبار هذا المقدار من الصوت في أصل ماهية اللفظ، و فيه بحث، نعم يمكن أن يجعل ذلك مقدمة لليقين بحصول اللفظ المأمور به فبدونه لم يحصل اليقين بذلك، و هو لا يخلو من بحث أيضا، و في الأول غنية، فما في الرياض- من احتمال الاجتزاء بالهمهمة ل

صحيح الحلبي (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يقرأ في صلاته و ثوبه على فيه؟ قال: لا بأس بذلك إذا أسمع أذنيه الهمهمة»

- ضعيف جدا خصوصا بناء على الوجهين الأخيرين، ضرورة قصوره عن إفادة مثل ذلك حينئذ، على أن الهمهمة الصوت الخفي كما عن القاموس، فلا ينافي فهم جوهر الحروف قبل، و إن كان كلام ابن الأثير يقتضيه، و الموجود فيما حضرني من نسخة نهايته أنها كلام خفي لا يفهم، و لعله يريد لا يفهمه الغير، فلا يكون منافيا أيضا.

و على كل حال فلا ريب في قصوره عن الحكم على غيره من وجوه، خصوصا مع احتماله إرادة القراءة مع القدرة بمن لا يقتدى به تقية، كما يومي اليه ما فيه من

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

379

جعل الثوب على فيه، ك

صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الرجل يصلح له أن يقرأ في صلاته و يحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه؟ قال: لا بأس أن لا يحرك لسانه يتوهم توهما»

بشهادة

الخبر الآخر (2) «يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس» و الصحيح (3) أيضا معهم «إقرأ لنفسك، و إن لم تسمع فلا بأس»

هذا.

و ربما ظن من المتن و نحوه بتخيل عطف الإخفات على المضاف اليه اتحاد الجهر و الإخفات في بعض المصاديق، فيكون بينهما العموم من وجه، بل ما يحكى عن التحرير و بعض نسخ التلخيص كالصريح في ذلك، حيث عبر فيهما بأقل الإخفات المشعر بأن له فردا أعلى، و هو ليس إلا إسماع الغير الذي هو أقل الجهر، بل هو صريح المحكي عن الموجز من أن أعلى الإخفات أدنى الجهر، فاعترض بظهور التفصيل و التقسيم إلى الجهرية و الإخفاتية في النصوص و الفتاوى في عدم الاشتراك، و انهما ضدان لا يجتمعان في فرد و فيه أنك قد عرفت ظهور كثير من عباراتهم في أن ذلك تحديد للاخفات نفسه لا لأقله كما سمعته من صريح السرائر بل و غيرها، و يومي اليه ذكر الأقل في تعريف الجهر و لفظ الحد في تعريف الإخفات، و العطف في عبارة المتن و نحوها على الجملة، فانحصر الإيهام المزبور في النزر من العبارات، و الضدية حينئذ متحققة لاعتبار إسماع الغير القريب عرفا في أقل الجهر و عدمه في الإخفات، و المراد بالنفس حينئذ المعتبر في تعريفه نفي ذلك الغير المعتبر في تحقيق أقل الجهر، فليس مطلق إسماع الغير منافيا خصوصا بعض الحروف و نحوها، فلا دلالة حينئذ في المحكي عن نهاية الأحكام من أنهما حقيقتان متضادتان على ما يقوله المتأخرون، إذ قد عرفت حصوله على التقدير المزبور، كما أنه لا دلالة في بعض

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

380

العبارات الظاهرة في أن للاخفات فردا أعلى من إسماع النفس عليه أيضا، إذ هي إما منافية و ابتنائها على أن بينهما العموم من وجه، أو يكون المراد منها ما ذكرناه من بعض صور إسماع الغير التي لا يتحقق بها الجهر، فأقله حينئذ إسماع النفس، و أعلاه إسماع الغير الذي يكون أبعد عن النفس في الجملة، على أنه يمكن القول على الإيهام المذكور بعدم إجزاء فرد الاجتماع في شيء منهما، و أن التقابل انما هو في فردي الافتراق، ضرورة استلزام اجتماع الأمر و النهي فيه، و ظهور اقتضاء التقابل خلافه، لا أنه يجتزي به في كل منهما كي يتأتى الاعتراض السابق، و لكن الفتوى على الأول.

و ظني أنه ينطبق على ما ذكره المحقق الثاني و تبعه عليه من تأخر عنه كما اعترف به هو، إذ حاصله أن المرجع فيهما إلى العرف كما هو الضابط في كل ما لم يرد به تحديد شرعي، و الجهر يتحقق فيه بإسماع القريب عرفا مع فرض عدم المانع من هواء أو ماء بسبب إظهار جوهر الصوت و الجرسي منه الذين بهما يتحقق الجهر عرفا، و الإخفات بإسماع النفس أو مع الغير لكن باخفات الصوت و همسه و عدم ظهور الجرسي منه، فهما حينئذ ضدان، و أنه لا يعتبر في الجهر إسماع الغير و إن أمكن دعوى لزومه له، كما أنه لا يعتبر في الإخفات عدم إسماع الغير، ضرورة حصول مسماه عرفا بالتقدير المزبور و إن أسمع الغير، بل في كشف اللثام عسى أن لا يكون إسماع النفس بحيث لا يسمع من يليه مما يطاق، و كأنه يريد بيان شدة العسر و الحرج لو اعتبر في الإخفات عدم إسماع الغير، بل في الرياض أنه يعضد العرف ما في الصحاح «جهر بالقول رفع الصوت به» قيل: و يظهر من القاموس ذلك أيضا، قلت: و في المجمل «الجهر الإعلان بالشيء، و الخفت إسرار النطق» و يقرب منه ما في مختصر النهاية الأثيرية، و يدل عليه أيضا مع ذلك ما عن العيون «من أن أحمد بن علي صحب الرضا (عليه السلام) فكان ما يسمع ما يقوله في الأخراوين من التسبيحات» و ما تقدم من خبر رجاء بن

381

الضحاك (1) بناء على الإخفات في التسبيح.

و من ذلك كله استوجه غير واحد جعل المدار على العرف الذي قد سمعته، و لكن قيل الأحوط مع ذلك ما ذكروه لشبهة الإجماع الذي ادعوه و إن أمكن الذب عنه بأن عبارة التبيان غير صريحة فيه بل و لا ظاهرة، و أما الفاضلان فهما و إن صرحا به إلا أنه يحتمل احتمالا قريبا يشهد له سياق عبارتهما كون متعلقة خصوص لزوم اعتبار إسماع النفس في الإخفات، و من السياق الشاهد على ذلك عطفهما على الإجماع قولهما:

و لأن ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة، و منه أيضا قولهما في بعض كتبهما في حد الإخفات: و أقله أن يسمع نفسه، و هو كالصريح في أن للاخفات فردا آخرا أعلى من إسماع النفس، و لا يكون إلا بإسماع الغير من دون صوت، و إلا لتصادق الجهر و الإخفات في بعض الأفراد، و هو معلوم البطلان، لاختصاص الجهر ببعض الصلاة و الإخفات ببعض الصلاة وجوبا أو استحبابا، إلا أنك خبير بأن ذلك احتمال لا ينافي الظهور الحاصل من متون تلك الإجماعات المحتملة لأن يكون المعتبر شرعا في الجهر و الإخفات ذلك، و أنه ليس المدار على مسماهما عرفا، إذ لا بعد في أن يراد منهما خصوص بعض الأفراد كما نهي عن الفرد العالي من الجهر و ما لا يسمع النفس من الإخفات بناء على تحقق اللفظ و القراءة به، فصدق الإخفات عرفا حينئذ على بعض ما أسمع الغير لا يستلزم الاجتزاء به شرعا، و دعوى العسر و الحرج بذلك ممنوعة أشد المنع، و لعل منشأ دعواها جريان العادة في الإخفات بإخراج الصوت بقوة و عزم بصورة المبحوح، فصار يصعب عليه غيره، و إلا فالوجدان شاهد بإمكان القراءة من دون إسماع الغير تمام ما يقوله بحيث يفهم إذا فرض عدم أقربيته له من سمعه اليه من غير عسر كما هو واضح

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 8 رواه عن رجاء بن أبى الضحاك كما ذكرنا سابقا.

382

و المروي عن العيون مع ابتنائه على الإخفات في التسبيح الذي قد سمعت البحث فيه لم يتضح سنده، بل قد ينكر كون اللغة بل و العرف كما ذكروه، ضرورة كون الجهر فيهما الإظهار الذي يتحقق بمطلق حصول طبيعته، و لا ريب في حصولها بما قاله الأصحاب من إسماع القريب حتى على ما في كشف اللثام من أن المراد بالقريب الذي لا أقرب منه، و الإخفات الاسرار الذي هو من قبيل الإخفاء، بل هو منه عند التأمل، و لا ريب في منافاته لإسماع القريب المعتبر في الجهر، إذ لا نريد باعتبار عدم إسماع الغير فيه ما يتناول الغير الذي هو مساو للنفس أو كالمساوي قطعا، فإن أراد المتأخرون أمرا زائدا على ذلك كان للبحث فيه مجال، و إلا فمرحبا بالوفاق.

و منه حينئذ يعلم أن ما يستعمله كثير من المتفقهة من الإخفات بصورة الصوت المبحوح و يسمعه منه من كان أبعد من أذنيه بمراتب و ربما كان إماما و يسمعه أهل الصف الثاني لا يخلو من إشكال، بل هو كذلك حتى على كلام المتأخرين، ضرورة حصول مسمى الرفع به بل و الجرسية، إذ لا ينافيها مثل هذا الإخفاء، فإنها مراتب عديدة، بل لو أعطي التأمل حقه أمكن دعوى تسمية أهل العرف مثله جهرا، كما أنه يسلبون عنه اسم الإخفات، لا أقل من أن يكون ذلك مشكوكا فيه، أو واسطة لا يندرج في اسم كل منهما، فلا يجتزى به، و لا ينافيه ضديتهما لعدم المانع من ارتفاعهما حينئذ، و ربما يشهد لثبوتها قوله تعالى (1) «وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ» بناء على إرادة ما فوق السر و دون الجهر، فتأمل. فالاحتياط بترك هذا الفرد في امتثال كل من الإخفات و الجهر لازم، كما أنه يجب ترك الفرد المفرط من الجهر الذي صرح به بعض الأصحاب كالعلامة الطباطبائي و غيره، بل نسبه الفاضل الجواد في آيات أحكامه إلى الفقهاء مشعرا بدعوى الإجماع عليه، للنهي عنه في الآية المفسرة بذلك في موثق

____________

(1) سورة الأعراف- الآية 204.

383

سماعة (1) و غيره، مضافا إلى خروج الصلاة عن الكيفية المتعارفة فيظن عدم إجزائها أو يعلم مع محوها لصورة الصلاة، لا أقل من الشك في حصول الامتثال بها بسبب الشك في شمول الإطلاقات لمثلها، أو الظن بخلافه من جهة انصرافها إلى المتعارفة، و عليه حينئذ يتجه البطلان و لا يجديه التلافي و لو اكتفينا به في غيره من صور المخالفة كما سمعت البحث فيه سابقا، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[في وجوب الجهر على النساء]

و كيف كان ف ليس على النساء جهر للإجماع بقسميه، و ل

خبر علي بن جعفر (2) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) «عن النساء هل عليهن جهر بالقراءة في الفريضة؟ قال: لا، إلا أن تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها»

و لفظ الجهر فيه مع الاستثناء دليل أن ما عن التهذيب من

خبري علي بن جعفر (3) و علي بن يقطين (4) عنه (عليه السلام) «في المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ فقال (عليه السلام): بقدر ما تسمع»

بضم التاء من الاسماع و مقتضاه الوجوب حال الإمامة، و لم أظفر بفتوى توافقه كما اعترف به في كشف اللثام فلا بأس حينئذ في حمله على الندب حيث لا أجنبي لا معه، لأن صوتها عورة يجب إخفاؤه عنه باتفاق الأصحاب كما في كشف اللثام و عن غيره، و من هنا استدل به بعضهم على المطلوب زيادة على ما ذكرنا، و قضيته فساد الصلاة معه حينئذ كما صرح به هو أيضا و فيه إمكان منع حرمة الاسماع و السماع مع عدم الفتنة و التلذذ، للأصل و السيرة المستمرة و ظاهر الكتاب و السنة، و معروفية قصة فاطمة (عليها السلام) و غيرها و نحو ذلك مما يطول ذكره، و دعوى أن جميع ذلك للحاجة يدفعها- مع معلومية خلافها أيضا، و وجوب تقييد الحاجة بما يسوغ لها رفع مثل هذه الحرمة- ان المقام منها، ضرورة

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

384

وجوب الجهر في الصلاة مثلا، على أنه أخص من الدعوى، إلا أن يراد كونه عورة كالبدن يجب ستره في الصلاة و إن لم يكن أجنبي، و فيه منع واضح، خصوصا و المستدل به يذهب إلى تخييرها بينه و بين الإخفات إذا لم يكن أجنبي، مضافا إلى أن معارضته لما دل على وجوب الجهر من وجه، فيحتاج تحكيمه عليه حينئذ إلى الترجيح، و إلى إمكان اختصاص الحرمة بالسامع دونها، و إلى ما في الحدائق و حاشية الأستاذ الأكبر من أنه على تقدير الحرمة لا وجه للفساد، ضرورة كون النهي عن أمر خارج، و فيه أنه ليس الجهر إلا الحروف المقروة، ضرورة كونها أصواتا مقطعة غالبا كان الصوت أو خفيا، فليس هو حينئذ أمرا زائدا على ما حصل به طبيعة الحرف مفارقا له كي يتوجه عدم البطلان كما هو واضح، و نحوه الغناء في القراءة، و لعل ذا هو مراد الأصوليين بجعل الجهر و الإخفات من الصفات اللازمة، لكن على كل حال لا تتم دلالة الدليل المزبور على تمام المطلوب.

كما أنه لا يتم الاستدلال عليه أيضا بما في الرياض من اختصاص النصوص الموجبة له و للاخفات بحكم التبادر من سياق أكثرها و فتوى الفقهاء بالرجل دونها، فتبقى على الأصل حينئذ، قال: و منه يظهر عدم وجوب الإخفات في مواضعه أيضا كما صرح به جمع، و لكن ينافيه ظاهر العبارة ككثير حيث خصوا الجهر بالنفي، و وجهه غير واضح، إذ فيه أولا منع اختصاص النصوص بالرجل، بل فيها الفعل المبني للمجهول و نحوه مما يشملهما مما، و ثانيا بعد التسليم فليس هو إلا موردا لا يعارض قاعدة الاشتراك الثابتة بالإجماع و غيره، بل الواجب التمسك بها إلا أن يعارضها ما هو أقوى منها، بل لا يقدح وقوع الخلاف في التمسك بها في محله فضلا عن غيره و إن كان الإجماع عمدة أدلتها، ضرورة انعقاده على القاعدة التي قامت حجة بنفسها من غير حاجة اليه.

385

و من هنا بان لك أن المتجه ما حكاه عن ظاهر كثير من الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا بين من يعتد بخلافه من الأصحاب من وجوب الإخفات عليها في مواضعه لا التخيير، لعدم المعارض لها فيه بخلاف الجهر الذي قد عرفت الإجماع على عدم وجوبه عليهن في مواضعه، نعم الظاهر تخييرها بينه و بين الإخفات إذا لم تكن ثم أجنبي بناء على ما عرفت، كما هو ظاهر تعبير الأصحاب بأن ليس عليهن جهر، فالأصل حينئذ لا معارض له، بل ظاهر الفتاوى و معاقد الإجماعات معاضد له، و به صرح غير واحد، بل لم أجد فيه خلافا صريحا، كما لم أجد بخلافه دليلا كذلك، و الخنثى المشكل بناء على إلزامها بالاحتياط تخفت في محل الإخفات، و يجهر في محل الجهر إذا لم يكن أجنبي، و إلا قيل: أخفتت، و المتجه التكرير مع انحصار الطريق فيه، تحصيلا للاحتياط، و الله أعلم.

[مستحبات القراءة]

و المسنون في هذا القسم

[في استحباب الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات]

الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات في أول الحمد و أول السورة على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه كالمحكي عن المعتبر، بل في كنز العرفان و عن الخلاف الإجماع عليه صريحا، بل في الذكرى و غيرها أن من شعائر الشيعة الجهر بالبسملة لكونها بسملة، و زاد في المدارك «حتى قال ابن أبي عقيل تواترت الأخبار أن لا تقية في الجهر بالبسملة» و ذلك كله مع الاعتضاد بالتتبع الشاهد لصدق هذا الإجماع حجة على ما تفرد به العجلي (الحلي خ ل) كما في الذكرى و غيرها من تخصيص الاستحباب بالأولتين للاحتياط الذي يمكن منعه في المقام، لما ستعرفه من القول بوجوب الجهر، و لا يجب مراعاته حتى في الصلاة بناء على الأعمية، على أن الدليل المسوغ متحقق، فلا معنى للوجوب له معه، و لأن القراءة انما تتعين في الأولتين و فيه منع دوران الجهر بها على تعيين القراءة، لما سمعته من إطلاق معاقد الإجماعات

386

و الفتاوى، و لذا قال في الذكرى بعد نقله القول المزبور: و هو قول مرغوب عنه، لأنه لم يسبق اليه، و هو بإزاء إطلاق الروايات و الأصحاب، قلت: و هو كذلك و إن حكي أنه حمل عليه عبارة الشيخ في الجمل «و الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فيما لا يجهر بالقراءة في الموضعين» لكن لعله يريد بالموضعين أول الحمد حيث كانت، و السورة كما احتمله الفاضل و الشهيد، فصح حينئذ تفرده بذلك و أن الإجماع قد سبقه بل و لحقه نعم قد يظهر من عبارة الغنية موافقته، بل و أنه إجماع، لكن التتبع يشهد بخلافه، أو يحمل على أن لا يريد هذا الظاهر كما يومي اليه عدم ذكر أحد من الأصحاب له مخالفا.

و أما النصوص فمنها الأخبار (1) المستفيضة الدالة على أن الجهر بها أحد علامات المؤمن الخمس، و منها الظاهرة كمال الظهور كما لا يخفى على من لاحظها في أن المراد الجهر بها لأنها بسملة كما يومي اليه في الجملة

قول الصادق (عليه السلام) في خبر هارون (2) «كتموا بسم الله الرحمن الرحيم فنعم و الله الأسماء كتموها، كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا دخل إلى منزله و اجتمعت عليه قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم و يرفع بها صوته فتولى قريش فرارا، فأنزل الله عز و جل في ذلك «وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً» (3)

بل ملاحظتها أي تلك النصوص مع التأمل و التدبر تشرف على القطع بفساد المناقشة فيها بأنها لا تعم، فان من العامة من يتركها، و منهم من يخفت بها في الجهرية، فالجهر بها فيها علامة للايمان، ضرورة ظهورها فيما ذكرناه من أن المراد الجهر بها لأنها بسملة، بل لعل المراد بالمؤمن فيها

____________

(1) الوسائل- الباب- 56- من كتاب المزار- الحديث 1 و المستدرك- الباب 17 من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 11 و 13 و الباب 30 من أبواب أحكام الملابس الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(3) سورة الإسراء- الآية 49.

387

كما يومي اليه ذكر باقي العلامات كامل الايمان لا المقابل للمخالف، فالمقصود الحث و زيادة التأكيد على هذا المندوب نحو ما ورد في غيرها من صفات المؤمن و حقوق المؤمن على المؤمن، و نحو ذلك، و منها

خبر الأعمش (1) المروي عن الخصال عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين قال: «و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم واجب»

ضرورة إرادة الاستحباب المؤكد منه كما ستعرف، و منها

كتابة الرضا (عليه السلام) إلى المأمون في خبر الفضل بن شاذان (2) المروي عن العيون «و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة»

ك

خبر رجاء بن الضحاك (3) المروي عنها أيضا «أن الرضا (عليه السلام) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته في الليل و النهار»

إلى غير ذلك من النصوص.

و من الغريب بعد ذلك كله ميل المحدث البحراني إلى القول المزبور، قال:

«لأن انقسام الصلاة إلى الجهرية و الإخفاتية انما هو باعتبار الأولتين لا الأخيرتين، لتعارف التسبيح فيهما، فما في النصوص حينئذ من قوله صلاة يجهر فيها و لا يجهر فيها انما هو بالنسبة إليهما» و فيه أنه بعد تسليم ذلك له قد عرفت ظهور نصوص المقام في أن الجهر بها من حيث كونها بسملة كما هو واضح، مضافا إلى أن العمدة في إخفات قراءة الأخيرتين الإجماع، خصوصا بعد أن نزل النصوص على ما عرفت، و هو هنا غير معلوم، بل لعل المعلوم خلافه، و دعوى التمسك بإطلاق معقد الإجماع يدفعها أنه إن أريد المنقول منه على الإخفات في المسألة السابقة فالحلي مع أنه لا يقول بحجية أخبار

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5 و في الوسائل

«و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب»

. (2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 7 روى عن رجاء بن أبى الضحاك.

388

الآحاد فضلا عن الإجماع المنقول قد عرفت أن ناقله هناك نقل الإجماع هنا على المطلوب فلا أقل من أن يكون من قبيل المطلق و المقيد و إن أراد المحصل منه ففيه أن تحصيل الإجماع المصطلح على وجه يتمسك بإطلاقه حتى يأتي المقيد ممنوع أو في غاية الصعوبة، على أنه قد عرفت المقيد، و احتمال كون التعارض بالعموم من وجه مع فرض ملاحظة دليل الإخفات في قراءة الأخيرتين مستقلا عن دليل الإخفات في غيرهما بعد التسليم يدفعه وجود المرجح من جهات عديدة، فظهر حينئذ ضعف القول المزبور، كضعف المحكي عن ابن الجنيد من تخصيص الاستحباب و لو في الأخيرتين بالإمام دون غيره من المنفرد و نحوه، إذ جميع ما سمعت حجة عليه، بل و غيره من ظاهر إجماع الغنية و المحكي عن السرائر و غيرهما، مع أنه لا شاهد له في النصوص على كثرتها، ضرورة عدم النفي عن الغير في خبر صفوان (1) «صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) أياما فكان.

فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم الله الرحمن الرحيم و أخفى ما سوى ذلك» و عن الكليني زيادة «و كان يجهر بالسورتين جميعا» و خبر أبي حفص الصائغ (2) المروي عن المجالس «صليت خلف جعفر بن محمد (عليهما السلام) فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» و خبر أبي حمزة (3) قال: «قال لي علي بن الحسين (عليهما السلام): يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الامام فيقول: هل ذكر ربه؟ فان قال:

نعم ذهب، و إن قال: لا ركب على كتفيه، و كان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال:

فقلت: جعلت فداك أ ليس يقرءون القرآن؟ قال: بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي انما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».

بل ربما استدل بالخبرين الأولين على التعميم إما لعدم اعتبار مثل هذه المحتملات

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.

389

في أصل دليل التأسي، لصدق دليله عليه بدونه، أو في خصوص التأسي بالصلاة الحاصل من نحو

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

ضرورة صدق الصلاة كصلاته و إن لم يكن المصلي إماما، فتأمل فإنه دقيق نافع، و على كل حال فقد ظهر ضعفه أيضا كسابقه.

بل و نحوهما ما يحكى عن القاضي من القول بالوجوب و أطلق، كما عن الأمالي أنه من دين الإمامية الإقرار بأنه يجب الجهر بالبسملة عند افتتاح الفاتحة و عند افتتاح السورة بعدها، بل قد يستظهر ذلك من الأمر به في المحكي عن الفقيه و بعض عبارات الشيخ، و ما عن المجلسي من القول به في خصوص أولتي الظهرين، و كأنه ظاهر الغنية و إن قال بعد ذلك: إنه أحوط، إذ لا ريب في ضعفهما، لقضاء الأصل، و خصوص

خبر الحلبيين (2) كما في كشف اللثام سألا الصادق (عليه السلام): «عمن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يريد يقرأ فاتحة الكتاب قال: نعم إن شاء سرا و إن شاء جهرا»

و جميع الأدلة السابقة صريحا في البعض و ظاهرا و لو من السياق و التعداد في جملة المندوبات و نحو ذلك في آخر بخلافهما عدا الخبر (3) السابق المشتمل على لفظ الوجوب، و هو مع ضعف سنده يجب حمله على إرادة غير المعنى المصطلح، أو على الوجوب التخييري، بل لعل عبارات هؤلاء تحمل على ذلك كما لا يخفى على من مارس عبارات القدماء، و غلبة تعبيرهم بما في النصوص من بعض الألفاظ الباقية على العرف الأول، و من هنا احتمل في الذكرى حمل عبارة الموجب على التخييري كما سمعته في الخبر، بل ينبغي الجزم به أو بتأكد الاستحباب بالنسبة إلى عبارة الأمالي، لأن الذي حكاه الشهيد

____________

(1) صحيح البخاري ج 1 ص 124 و 125.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.

390

و غيره عن تصريح الصدوق الاستحباب، فهو قرينة أخرى على إرادته به ذلك أيضا، بل معلومية الاستحباب بين الإمامية قرينة ثالثة، إذ يبعد عدم معرفة مثل الصدوق بمذهب الإمامية حتى ينسب إليهم الوجوب، و لئن أغضينا عن ذلك كله كان موهونا بجميع ما عرفت، مع أنه يمكن المناقشة في إفادة العبارة المزبورة الإجماع، لأن الظاهر إرادة عند الإمامية في الجملة منها في مقابلة إطباق العامة لا إجماع الإمامية، بل لعل العبارة لا تفيده لغة، لظهور الطبيعة منها، لعدم كونها من الجمع المحلى، بل هي من الملحق بالمفرد في وجه، فتأمل.

و احتمال ترجيح الوجوب بأن المستفاد من الأدلة انما هو مطلق رجحان الجهر بالبسملة- فتندرج حينئذ في صحيح زرارة السابق الذي عبر فيه عن الإخفات بما لا ينبغي الإخفات فيه، ضرورة عدم إرادة الوجوب من لفظ «ينبغي» في سؤال الصحيح، لعدم حسن السؤال معه- يدفعه ما عرفت من أن المستفاد من الأدلة خصوص الاستحباب لا مطلق الرجحان، بل قد عرفت صراحة جملة منها فيه كما هو واضح.

ثم ليعلم أن المراد بالاستحباب في المقام أفضل الفردين للزوم القراءة لأحد الوصفين، و قد تقرر في الأصول أن الاستحباب الخصوصي لا ينافي الوجوب التخييري عقلا و لا عرفا، فلا حاجة حينئذ إلى ما عن قواعد الشهيد من رجوع الاستحباب إلى اختيار ذلك الفرد بعينه، فيكون فعله واجبا و اختياره مستحبا، اللهم إلا أن يريد ما ذكرنا، على أن استحباب اختياره فرع استحباب المختار و أفضليته عند التأمل، لكن في الذكرى أن التخيير انما يتم إن قلنا بتباين الصفتين، و إن قلنا بأن الإخفات جزء الجهر فلا، و فيه مع ضعف الاحتمال نفسه أنه يمكن القول بتمامه أيضا، ضرورة تعقله بين الجزء و الكل مع فرض عدم حصول أجزاء الكل تدريجا كما في المقام، إذ الصوت الجهري و إن حصل به إسماع النفس مع الغير لكنه يحصل دفعة، فحينئذ يخير بين

391

إسماع النفس وحدها و بين إسماعها مع الغير، و الدقائق الحكمية لا تبنى عليها الأحكام الشرعية.

و كذا ينبغي أن يعلم أيضا أن الظاهر بقاء حكم التقية في المقام كغيرها من الأحكام، و دعوى التواتر- بعد عدم ثبوتها عندنا، فهي بالنسبة إلينا آحاد- لا تصلح لمعارضة أدلة التقية المعتضدة بالعقل و غيره، مع أن المجلسي قد اعترف على ما حكي عنه بعدم وصول خبر يدل على ذلك إلا

خبر الدعائم (1) «روينا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عن علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد (عليهم السلام) أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات في أول فاتحة الكتاب و أول السورة في كل ركعة، و يخافتون بها فيما يخافت فيه من السورتين جميعا، قال الحسن بن علي اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك، و قال جعفر ابن محمد (عليهما السلام) التقية ديني و دين آبائي، و لا تقية في ثلاث: شرب المسكر و المسح على الخفين و الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»

و أنت خبير بقصوره عن الحكومة على أدلة التقية من وجوه، فيجب حمله على ما لا ينافيها أو طرحه كما هو واضح، مع أنه كما ترى مشتمل على ما هو معلوم خلافه عنهم من الإخفات بها في محل الإخفات، و كفى به مسقطا للخبر المزبور عن الحجية، فتأمل، و الله أعلم.

[في استحباب ترتيل القراءة]

و منه ترتيل القراءة إجماعا محكيا في المدارك و الحدائق إن لم يكن محصلا، للأمر به في الكتاب (2) المحمول على الندب بقرينة الإجماع المتقدم و غيره مما ستعرفه، و المرسل (3) كالصحيح عن الصادق (عليه السلام) «ينبغي للعبد إذا

____________

(1) المستدرك- الباب- 17- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 14.

(2) سورة المزمل- الآية 4.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

392

صلى أن يرتل في قراءته، فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة و ذكر النار سأل الله الجنة و تعوذ من النار، و إذا قرأ يا أيها الناس و يا أيها الذين آمنوا يقول: لبيك ربنا»

و فيه إيماء إلى مناسبة الترتيل للخشوع و التفكر في القراءة الذي هو أمارة أخرى على استحبابه، بل في كشف اللثام و لذا استحب في الأذكار، كما أن فيه أيضا شهادة على إرادة الندب من غيره من الأخبار، و لذا استدل عليه بها في الكشف أيضا بعد الآية، و المراد بالترتيل الترسل و التأني بالقراءة بسبب المحافظة على كمال بيان الحروف و الحركات، فيحسن تأليفه حينئذ و تنضيده، و يكون كالثغر المرتل الذي حسن نضده بسبب ما فيه من الفلج حتى شبه بنور الأقحوان بخلاف غير المرتل من الكلام الذي يشبه في تتابعه الثغر الألص أو الشعر الذي يهذ و يسرع في تأديته، أو الرمل المنثور الذي بعضه على بعض، كالدقل من التمر المتراكم قبل سقوطه أو بعده إذا تساقط متتابعا، و اليه أومأ

خبر عبد الله بن سليمان (1) انه «سأل الصادق (عليه السلام) عن قوله عز و جل (2):

«وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» فقال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بينه تبيانا و لا تهذه هذ الشعر، و لا تنثره نثر الرمل، و لكن اقرعوا به قلوبكم القاسية، و لا يكن هم أحدكم آخر السورة»

و عن

دعائم الإسلام (3) عنه (عليه السلام) «و لا تنثره نثر الدقل، و لا تهذه هذ الشعر قفوا عند عجائبه، و حركوا به القلوب، و لا يكن هم أحدكم آخر السورة»

و عن ابن الأثير «هذا كهذ الشعر و نثرا كنثر الدقل أراد لا تسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر، و الهذ سرعة القطع، و الدقل ردي التمر أي كما يتساقط الرطب

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 1.

(2) سورة المزمل- الآية 4.

(3) المستدرك- الباب- 14- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

393

اليابس من العذق إذا هز» و هو ظاهر في أن المراد بالفقرتين معا الإسراع كما ذكرنا، و يحتمل حمل نثر الدقل في خبر الدعائم على كثرة التأني، و الفصل بين الحروف كثيرا، فيكون كالدقل المنثور واحد هنا، و آخر في موضع آخر، بل و نثر الرمل في خبر (1) غيره على إرادة مده مسترسلا متفاحشا كالرمل المنثور، فيكون المراد حينئذ من كل من الفقرتين غير الأخرى، و لعله إليه أومأ العلامة الطباطبائي بقوله:

و رتل القرآن ترتيلا و لا * * *تهذه تمده مسترسلا

و كأن قراءة الشعر في الزمن السالف كانت بغير الطرق المتعارفة في هذا الزمان و إلا كان إرادة كثرة التأني و المد في هذه الفقرة أولى من الفقرة الثانية، و احتمال التزامه مناف لتفسير الهذ بسرعة القطع، اللهم إلا أن يراد منه هنا مطلق التلفظ، فتأمل. و على كل حال فالمراد بالترتيل ما ذكرنا، و ظني أنه المراد لأكثر اللغويين و الفقهاء و إن اختلفت عباراتهم كما هو دأبهم في تفسير الألفاظ المحصل معناها من المحاورات في المقامات، ضرورة كونها ليست تعاريف حقيقية مستفادة من العقل كي ينضبط حدها بالجنس و الفصل، فما بين من فسره بالترسل و التبيين لغير بغي أي زيادة و طغيان، مع أن التبيين لا يتم بالتعجيل كما عن الزجاج، و الترسل يتضمن التأني في الأداء كما عن التبيان و غيره، و آخر بالترسل و التوأدة بتبيين الحروف و إشباع الحركات و ثالث بالتأني و التمهل و تبيين الحروف و الحركات، قال: تشبيها بالثغر المرتل، و هو المشبه بنور الأقحوان، و رابع بأن لا يعجل في إرسال الحروف، بل يتثبت فيها و يبينها تبيينا و يوفيها حقها من الإشباع من غير إسراع من قولهم: ثغر مرتل، و مرتل مفلج مستوي النسبة و حسن التنضيد، و خامس بتنسق الشيء، ثغر رتل حسن المنضد، و مرتل مفلج، و رتلت الكلام ترتيلا إذا تمهلت فيه و أحسنت تأليفه، و هو يترتل

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 1.

394

في كلامه و يترسل إذا فصل بعضه من بعض، و سادس بحسن التأليف، و الجميع كما ترى متقارب جدا، فما عن مجمع البيان- رتله: أي بينه بيانا أو اقرأ على هنيئتك، و قيل معناه ترسل فيه ترسلا، و قيل: معناه تثبت فيه تثبيتا، و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) «بينه بيانا»

إلى آخر الخبر السابق، و روى أبو بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «هو أن تتمكث فيه و تحسن به صوتك»

- فيه ما لا يخفى، اللهم إلا أن يريد ذكر خصوص الألفاظ التي ذكرت في تفسيره لا أنه مستظهر منها الخلاف في معناه، ضرورة اتحاد المراد منها جميعها بل و عبارات الفقهاء، و إن فسره في المنتهى و المحكي عن المعتبر ناقلا له عن الشيخ بتبيين الحروف من غير مبالغة، و في المحكي عن نهاية الأحكام و التذكرة ببيان الحروف و إظهارها، و بأن لا يمده بحيث يشبه الغناء، و كأنهما أرادا بذلك الإشارة إلى البغي في كلام الجوهري، و في المحكي عن إرشاد الجعفرية بتبيين الحروف و إظهارها، و الجميع كما ترى متحد مع اللغة حتى في ألفاظ التفسير.

و لقد أجاد في المدارك في تفسيره له بالترسل و التبيين و حسن التأليف مشيرا بالجمع المزبور إلى اتحاد المراد من هذه الألفاظ، بل الظاهر ذلك حتى مما ذكره في الذكرى و فوائد الشرائع، و عن تعليق النافع من تفسيره بحفظ الوقوف و أداء الحروف، ضرورة إرادة البيان من الأداء كما عبر به في المحكي عن المفاتيح تبعا للمروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أو في إحدى الروايتين عنه، كما أن التعبير بالأداء تبعا للمروي عن ابن عباس، و في فوائد الشرائع أي كمال الأداء، و في جامع المقاصد المراد بالتبيين المأخوذ في تعريف الترتيل ما زاد على القدر الواجب من التبيين.

فعلم من ذلك كله اتحاد المراد من البيان و الأداء، و قد يراد ما يشمل الوقوف

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب قراءة القرآن.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب قراءة القرآن.

395

من الترسل و التوأدة و التشبيه بالثغر المفلج، قال في كشف اللثام: «كأنه عنى بحفظ الوقوف أن لا يهذ هذ الشعر و لا ينثر نثر الرمل» قلت: و يؤيده روايتهما معا في تفسيره بذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فالمناسب للجمع بينهما إرادة معنى كل منهما من الآخر، فما في الروضة- من أن معناه لغة الترسل و التبيين بغير بغي، و شرعا ما في الذكرى، بل في المحكي عن الروض أنه اختلفت العبارة عنه شرعا، و ذكر ما في المعتبر و النهاية و الذكرى، بل عنه في المسالك التصريح بأن له ثلاثة معاني، و ذكر ما في الكتب الثلاثة- فيه ما لا يخفى.

كما أن ما في النفلية- من تفسيره تبعا لعلماء التجويد بتبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الإطباق و الغنة و غيرها و الوقف التام و الحسن و عند فراغ النفس مطلقا- لا يخلو من نظر أيضا، ضرورة عدم دليل على استحباب الوقوف المصطلحة عند القراء فضلا عن أن تكون داخلة في مفهوم الترتيل و إن ذكر المصنف و غيره أنه يستحب الوقوف على مواضعه المقروة المعروفة عندهم بالحسن و التام، و قد قالوا: إن في جميع القرآن خمسة آلاف و ثمانية و عشرين وقفا، و الظاهر إرادتهم التام، عشرة منها مخصوصة مضبوطة تسمى وقف غفران، لما

روي عنه (ص) «إن من ضمن لي أن يقف على عشرة مواضع ضمنت له الجنة»

و الوقوف الواجبة ثلاثة و ثمانين وقفا، منها الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى (1) «ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ» مما هو معلوم البطلان، بل رووا عن الإمام أبي منصور أنه جعل الوقف الحرام ثمانية و خمسين وقفا، و إن من وقف على واحد منها متعمدا كفر، و جعل منها الوقف على «صِراطَ الَّذِينَ» و على «مُلْكِ سُلَيْمانَ» إلى غير ذلك مما زخرفوه و اختلقوه و منه تقسيمهم الوقف إلى التام و الحسن و الكافي و القبيح، و ان المراد بالتام ما لا تعلق له

____________

(1) سورة آل عمران- الآية 5.

396

بما بعده لا لفظا و لا معنى، و أكثر ما يوجد في الفواصل و رؤوس الآي و ربما وجد قبلها نحو «أَذِلَّةً» الذي هو آخر آية بلقيس، و بعدها نحو «مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ» الذي هو معطوف على المعنى أي بالصبح و بالليل، و بالحسن ما له تعلق من حيث اللفظ فحسب كالحمد لله، و بالكافي ما له تعلق من حيث المعنى فحسب كقوله تعالى «لا رَيْبَ فِيهِ «و مِمّا رَزَقْناهُمْ» و ربما اشترط فيه أن يكون ما بعد الموقوف عليه متعلقا به تعلقا إعرابيا، و القبيح الذي لا يفيد معنى مستقلا كالوقف على الشرط و المضاف، فالوقف التام في الفاتحة حينئذ أربعة، على البسملة و الدين و نستعين و آخرها، و الحسن عشرة، بسم الله و الرحمن و لله و العالمين و الرحمن و الرحيم و نعبد و المستقيم، و على أنعمت عليهم و على غير المغضوب عليهم، أو أحد عشر بإدخال الصراط، و تعليل ذلك بأنهما معا يفيدان تحسين الكلام فيستحبان كما ترى، كالاستدلال عليه بكراهة قراءة السورة بنفس واحد، ضرورة أعمية ذلك من هذا الاصطلاح الحادث الناشئ مما تخيلوه في المراد بالآيات التي لا يعلم تفسيرها إلا الله، فربما وقفوا في مكان لا ينبغي الوقف فيه، لتخيلهم التمام و كان الواقع خلافه، كوقفهم على لفظ الجلالة في آية الراسخين، و دعوى أن المراد المحافظة على معنى الوقف التام و الحسن فلا يقدح اشتباههم في بعض مواضعه لتخيلهم وجود المعنى يدفعه أنه لا دليل على ذلك أيضا، ضرورة حدوث هذا الاصطلاح فلا يتجه إرادتهما من هذا اللفظ الواقع في المروي (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير الترتيل أنه حفظ الوقوف و أداء الحروف بناء على صحة الرواية، و إلا فقد قال في الحدائق: إني لم أقف عليها في كتب الأخبار، و يحتمل أن تكون من طرق العامة و إن استسلفها أصحابنا في هذا المقام.

على أن ذكر المصنف و غيره استحباب ذلك بعد الترتيل يومي إلى عدم دخوله فيه

____________

(1) تفسير الصافي- المقدمة الحادية عشر.

397

و لقد أجاد والد المجلسي فيما حكي عنه و إن كان لا يخلو من النظر في بعض ما حكي يعرف مما ذكرناه، قال: لم يثبت عندي استحباب رعاية ما اصطلح عليه أهل التجويد من الوقف اللازم و التام و الحسن و الكافي و الجائز و المجوز و المرخص و القبيح، لأنها من مصطلحات المتأخرين و لم يكن في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلا يمكن حمل كلامه عليه إلا أن يقال غرضه (عليه السلام) رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى أو على ما يفهمه القاري، و لا ينافي حدوث تلك الاصطلاحات، ثم قال: و يرد عليه أيضا أن هذه الوقوف انما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الآيات، و قد وردت الأخبار (1) الكثيرة في أن معاني القرآن لا يفهمها إلا أهل بيت نزل عليهم القرآن، و يشهد له إنا نرى كثيرا من الآيات كتبوا فيها نوعا من الوقف بناء على ما فهموه، و وردت الأخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى، كما أنهم كتبوا الوقف اللازم في قوله سبحانه «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ» على آخر الجلالة، لزعمهم أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابهات، و قد وردت الأخبار (2) المستفيضة في أن الراسخين في العلم هم الأئمة (عليهم السلام) و هم يعلمون تأويلها، مع أن المتأخرين من مفسري العامة و الخاصة رجحوا في كثير من الآيات تفاسير لا توافق ما اصطلحوا عليه في الوقوف.

و أنت خبير أن ذلك كله يمكن دفعه بأن المراد المحافظة على معنى الوقف التام و الحسن لا خصوص ما تخيلوه، و ما ورد (3) من اختصاص علم القرآن بهم (عليهم السلام) لا ينافي اتباع الظاهر لنا مما لم يرد فيه نص منهم (عليهم السلام)، و لعل التحقيق قصر الندب في الوقوف على ما يندرج منه في الترتيل الثابت في القرآن و غيره، بل ربما

____________

(1) أصول الكافي ج 1- ص 228 «باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام)، و انهم يعلمون علمه كله».

(2) أصول الكافي- ج 1 ص 213.

(3) أصول الكافي ج 1- ص 228 «باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام)، و انهم يعلمون علمه كله».

398

كان ذلك هو المراد بالموضع و المحل و نحوهما المعبر بهما في المتن و القواعد و غيرهما لا وقوف القراء كما صرح به جماعة، و هو الذي أومأ إليه في كشف اللثام، حيث فسر المحل بما يحسن الوقف فيه لتحسينه الكلام و دخوله تحت الترتيل، و الأمر سهل بعد اتفاق الأصحاب و دلالة النصوص كما في مجمع البرهان على عدم وجوب وقف، قيل و ما ذكره القراء واجبا أو قبيحا لا يعنون به معناه الشرعي كما صرح به محققوهم، فمتى شاء حينئذ وصل، و متى شاء وقف، لكن في كشف اللثام يجوز الوقف على كل كلمة إذا قصر النفس و إذا لم يقصر على غير المضاف ما لم يكثر فيخل بالنظم و يلحق بذلك بالأسماء (الأسماء خ ل) المعدودة، و لا يخلو استثناؤه من تأمل مع فرض عدم المانع المزبور، كالمحكي عن الشهيد (رحمه الله) من منع السكوت على كلمة، و لعل مراده المخل بالنظم منه و المفوت للموالاة مطلقا.

و أما مراعاة صفات الحروف التي استفادوها من قوله (عليه السلام) في تفسير الترتيل بتبيين الحروف في إحدى الروايتين فما له مدخلية في أصل طبيعة الحرف فلا ريب في وجوبه، و أما الزائد فقد يشكل استحبابه لو لا التسامح فضلا عن وجوبه، و قد ذكروا أن الصفات الجهر و الهمس و الشدة و التوسط بين الشدة و الرخاوة و الاستعلاء و الاستفال و الإطباق و الانفتاح و الانذلاق و الاصمات، أما حروف الهمس فعشرة، يجمعها «فحثه شخص سكت» و الجهر فيما عداها، و حروف الشدة ثمانية، يجمعها «أجدت طبقك» و المتوسطة خمس، يجمعها «لن عمر» و الرخاوة ما عداهما، و حروف الاستعلاء سبعة «قا ص خ ض ط ع ظ» سميت بذلك لاستعلاء اللسان عند النطق بها إلى الحنك، و حروف الاستفال ما عداها، سميت بذلك لانخفاض اللسان عند النطق بها إلى قاع الفم، و الإطباق «ص ض ط ظ» سميت بذلك لانطباق اللسان على ما حاذاه عند خروجها، و الانفتاح ما عداها، لانفتاح ما بين اللسان و الحنك و خروج الريح من بينهما عند النطق بها، و الانذلاق «ل ر ن ب م ف» و الاصمات ما عداها، فالضاد

399

حينئذ ليست حرفا شديدا، و انما هو رخو كالظاء، بل عن البهائي أن أبا عمر و ابن العلاء و هو إمام في اللغة ذهبا إلى اتحادهما، و أقاما على ذلك أدلة و شواهد، و هو و إن كان خلاف التحقيق، ضرورة كونهما متقاربي المخرج لا متحدين، لكنه أوضح شاهد على بطلان ما يحكى عن عوام الخاصة و علماء العامة من المصريين و الشاميين من النطق بها ممزوجة بالدال المفخمة و الطاء المهملة معرضين عن الضاد الصحيحة الخالصة التي نطق بها أهل البيت (عليهم السلام)، و أخذ عنهم العراقيون و الحجازيون، و هذا الاختلاف على قديم الدهر و سالف العصر بين علماء الخاصة و العامة و إن حكي عن جماعة منهم موافقة الخاصة في ذلك كالشيخ علي المقدسي الذي قد صنف في ذلك رسالة رجح بها ضاد العراقيين و الحجازيين، و رد عليه الشيخ علي المنصوري في رسالة ألفها أيضا، و كان مما رد فيها عليه أن النطق بالضاد قريبة من الظاء ليس من طريق أهل السنة المتبعة، و انما هو من طريق الطائفة المبتدعة، و هي شهادة منه على طريقتنا المأخوذة يدا بيد إلى النبي (صلى الله عليه و آله) القائل: إني أفصح من نطق بالضاد، و فيه إشعار أيضا بالمطلوب، ضرورة تيسر ضادهم لكل أحد حتى النساء و الصبيان، فلا يناسب ذكر اختصاصه (عليه السلام) بالأفصحية بخلاف الضاد الذي ذكرناه، فإنه مما يعسر فعله بحيث يتميز عن الظاء كما اعترف به بعضهم، قال راجزهم:

و الضاد و الظاء لقرب المخرج * * *قد يؤذنان بالتباس المنهج

و قال آخر:

و يكثر التباسها بالضاد * * *إلا على الجهابذ النقاد

و يقرب من ذلك المحكي عن السخاوي و الجرزي و ابن أم القاسم، بل قال الأخير منهم: «إن التفرقة بينهما محتاجة إلى الرياضة التامة» إلى غير ذلك مما ليس هذا محل ذكره، نعم ينبغي أن يعلم أن المدار في صدق امتثال الأمر بالكلمة المشتملة على الضاد

400

صدق ذلك عليه في عرف القارين كغيره من الحروف، فوسوسة كثير من الناس في الضاد و ابتلاؤهم بإخراجه و معرفة مخرجه في غير محلها، و انما نشأ ذلك من بعض جهال من يدعي المعرفة بعلم التجويد من بني فارس المعلوم صعوبة اللغة العربية عليهم، و إلا فمتى كان اللسان عربيا مستقيما خرج الحرف من مخرجه من غير تكلفه ضرورة، و إلا لم يصدق عليه اسم ذلك الحرف عرفا كما هو واضح، و على ذلك بنوا وصف مخارج الحروف و تقسيمهم لها إلى شفوية مثلا و غيرها لبعض الأغراض المتعلقة لهم بذلك، و ليس المقصود منه تميز النطق بالحروف قطعا، فان ذلك يكفي فيه صدق الاسم و عدمه و لا يحتاج إلى هذا التدقيق الذي لا يعلمه إلا الأوحدي من الناس، بل لا يمكن معرفته على وجه الحقيقة إلا لخالق الخلق الذي أودعهم قوة النطق، و الله أعلم.

[في استحباب قراءة سورة بعد الحمد في النوافل]

و من المسنون أيضا قراءة سورة بعد الحمد في النوافل بل في الذكرى و عن المعتبر الإجماع عليه، للنصوص (1) المستفيضة حد الاستفاضة إن لم تكن متواترة في قراءة السورتين أو ما شاء من السور فضلا عن السورة الواحدة، و لا معارض لها إلا ما لا يأبى حمله على ما لا ينافي المطلوب من اختلاف مراتب الاستحباب و جهاته كما لا يخفى على من لاحظ النصوص.

[في استحباب أن يقرأ في الصلاة بسور المفصل]

و كذا من المسنون أن يقرأ في الصلاة بسور المفصل، و هو كما نسبه إلى أكثر أهل العلم في المحكي عن التبيان من سورة محمد (صلى الله عليه و آله) إلى آخر القرآن، لكن في الظهرين و المغرب بسور القصار منه كالقدر و الجحد و ما شابههما من الضحى إلى الناس و في العشاء متوسطاته كالأعلى و الطارق و ما شاكلهما من عم إلى الضحى و في الصبح بمطولاته كالمدثر و المزمل و ما ماثلهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب القراءة في الصلاة.