عمدة المطالب في التعليق على المكاسب - ج4

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
224 /
103

و بعبارة اخرى: شرط التأجيل خلاف الشرع فلا يمكن اشتراطه في العقد فلو خلي و طبعه لا يكون جائزا و عليه فلا بد من الاقتصار على المقدار الذي احرز جوازه و حيث ان التأجيل بمدة غير معلومة لم يحرز جوازه لا مجال للقول به.

و يرد عليه ان التأجيل عبارة عن الترخيص من ناحية من بيده الامر في التأخير فاذا فرضنا ان الترخيص المذكور و الاباحة المشار إليها وقعت تلو الشرط و الشرط تعلق به يصير لازما و لا يمكن للمشروط عليه التجاوز عنه فلاحظ.

ثم انه افاد (قدس سره) بعدم الفرق في الاجل المعين بين الطويل و القصير و بالنسبة الى هذه الجهة تارة نبحث على طبق القاعدة الاولية و اخرى نبحث على مقتضى النص الوارد في المقام أما الكلام من حيث القاعدة فالظاهر عدم الفرق بين الطويل و القصير لوحدة الملاك.

و اما من حيث النص فالنصوص مختلفة لاحظ ما رواه احمد بن محمد (1) فان المستفاد من هذه الرواية المنع عن التأخير ثلاث سنين و لاحظ ما رواه البزنطي (2) فان المستفاد من الحديث المنع عن الزائد على الثلاثة فيقع التعارض بين الخبرين و حمل نهيه (عليه السلام) على الارشاد لا على المولوية خلاف الظاهر فان الاصل الاولي في اوامرهم و نواهيهم المولوية و بيان الحكم الشرعي.

لكن الذي يسهل الخطب ان الحديث الاول ضعيف بسهل فيبقى الحديث الثاني خاليا عن المعارض مضافا الى أنه احدث و الحديث

____________

(1) قد تقدم فى ص 98.

(2) قد تقدم فى ص 99.

104

ينسخ كما ينسخ القرآن فلا بد أن لا يكون أزيد من ثلاث سنين.

ثم انه هل يجوز الافراط في التأخير أم لا و هذا البحث يتفرع على عدم العمل برواية البزنطي أو حملها على الارشاد و الا فلا مجال لهذا البحث.

فنقول: مع قطع النظر عن تلك الرواية ربما يقال انه يجوز ما دام لا يعد العقد سفهيا و اكلا للمال بالباطل.

و يرد عليه انه لا دليل على بطلان المعاملة السفهائية كما انه قد ذكرنا مرارا بأن الجار للسببية لا للمقابلة فلا مجال للتقريب المذكور.

مضافا الى أنه ربما لا يكون العقد سفهيا و لو مع الافراط و لا يعد من الاكل في مقابل الباطل.

ثم انه لو كان الاجل ازيد من عمرهما كألف سنة فربما يقال بعدم الجواز لوجهين

الوجه الأول انه لا مالية له اذ لا يمكن أن يستفاد منه.

و يرد عليه أولا ان المالية غير معتبرة في الثمن كما انها لا تعتبر في المثمن و ثانيا انه لا نسلم المدعى فانه مال و قابل لوقوع العقد عليه.

الوجه الثاني: انه بالموت يعجل المؤجل

و معه اذا قصدا الى زمان الموت يكون مجهولا فيكون مبطلا و اذا قصدا الامتداد يكون شرطا مخالفا للسنة فيكون فاسدا بل ربما يكون مفسدا.

و يرد عليه أولا النقض بما لو جعلا مدة قصيرة و تصادف موت المديون فان الكلام فيه هو الكلام. و ثانيا ان التأجيل جائز شرعا غاية الامر يترتب عليه الحكم المذكور.

ثم انه هل يكفي التعين الواقعي أو يلزم كونه معلوما عند

105

المتعاقدين الظاهر هو الثاني فان التعين الواقعي محفوظ في كل مورد انما اللازم كونه معلوما عندهما كي يرتفع الغرر على مسلكهم.

[مسألة لو باع بثمن حالا و بأزيد منه مؤجلا]

«قوله (قدس سره): مسألة لو باع بثمن حالا و بأزيد منه مؤجلا»

تارة يقع الكلام في هذه المسألة من حيث القاعدة الاولية و اخرى من حيث المستفاد من النص الخاص الوارد في المقام فيقع البحث في مقامين. أما

المقام الأول [في مقتضى القاعدة الأولية]

فنقول: تارة يقبل المشتري احد الانشائين الصادرين من البائع و اخرى يقبل الانشاء المردد الصادر منه أما الصورة الأولى فالظاهر صحتها لعدم مانع عن الصحة لكن لصورة الأولى خلاف ظاهر المتن.

و أما الصورة الثانية فالظاهر بطلانها لا للجهالة بل لان المردد لا واقع له و بعبارة اخرى: بعد القبول بالنحو المذكور نسأل انه هل وقع عقد أم لا و من الواضح انه لم يتحقق عقد و لم يقع شيء في الخارج فلا موضوع هذا هو المقام الأول.

و اما

المقام الثاني فقد وردت في المقام عدة نصوص

منها ما رواه حسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في مناهي النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال و نهى عن بيعين في بيع (1) و هذه الرواية ضعيفة بحسين بن زيد مضافا الى ان اسناد الصدوق الى شعيب بن واقد ضعيف.

و منها ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) ان عليا (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعا و اشترط شرطين بالنقد

____________

(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 5.

106

كذا و بالنسيئة كذا فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال هو باقلّ الثمنين و أبعد الاجلين يقول ليس له الا اقل النقدين الى الاجل الذي اجله بنسيئة (1) و هذه الرواية ضعيفة بالنوفلي.

و منها ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

قال امير المؤمنين (عليه السلام) من باع سلعة فقال ان ثمنها كذا و كذا يدا بيد و ثمنها كذا و كذا نظرة فخذها باي ثمن شئت و جعل صفقتها واحدة فليس له الا اقلهما و ان كانت نظرة قال: و قال (عليه السلام) من ساوم بثمنين احدهما عاجلا و الاخر نظرة فليسم احدهما قبل الصفقة (2).

و الظاهر تمامية السند و يستفاد من الحديث ان المشتري مختار في اختيار احدهما و يكون النتيجة اقل ثمنين و هذا حكم صادر عن مخزن الوحي و لا بدّ من الاخذ به و لو مع كونه على خلاف القواعد الاولية.

و بهذه الرواية يقيّد الحديثان الآخران احدهما ما رواه عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعث رجلا الى اهل مكة و أمره ان ينهاهم عن شرطين في بيع 3.

و ثانيهما ما رواه سليمان بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: نهى رسول اللّه عليه و آله عن سلف و بيع و عن بيعين في بيع و عن بيع ما ليس عندك و عن ربح ما لم يضمن (4).

____________

(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 2.

(2) (2 و 3) نفس المصدر الحديث 1 و 3.

(4) الوسائل الباب 2 من ابواب العقود الحديث 4.

107

«قوله (قدس سره): ثم ان الثابت منهما على تقدير العمل بهما»

قد تقدم منا في صدر المسألة التفصيل و ذكرنا ان مقتضى القاعدة الصحة في احد الفرضين و البطلان في الفرض الاخر.

«قوله (قدس سره): ثم ان العلامة فى المختلف ذكر فى تقريب صحة المسألة انه مثل ما اذا قال المستأجر لخياطة الثوب ان خطته فارسيا»

الخ

ما أفاده (قدس سره) من رجوعها الى الجعالة تام و طبع القضية كذلك و المفروض في هذه المسألة اى مسألة خياطة الثوب ان المستأجر يردد و الترديد الصادر منه ينطبق على الجعالة و لكن لو فرضنا ان الاجير قال للمستأجر آجرتك نفسي لخياطة كذا بهذا المقدار و لخياطة كذا بالمقدار الاخر تكون المسألة نظير مقامنا فلاحظ.

بقي في المقام شيء و هو ان المقام لا يرتبط بمسألة الربا اصلا فان الربا القرضي عبارة عن جعل شيء في مقابل القرض و فى المقام بيع العين بمقدار من الثمن المؤجل نعم قد تستفاد في عقد تلك الفائدة المترتبة على القرض الربوي لكن هذا لا يوجب حرمة ذلك العقد لا تكليفا و لا وضعا فلاحظ.

[مسألة لا يجب على المشتري دفع الثمن المؤجل قبل حلول الأجل]

«قوله (قدس سره): مسألة لا يجب على المشترى دفع الثمن المؤجل»

في هذه المسألة فروع

الفرع الأول ان الثمن اذا كان مؤجلا لا يجب على المشتري دفعه

و لو مع المطالبة و ادعي عليه الاجماع و هذا ظاهر واضح اذ لولاه يلزم اللغوية فان التأجيل عبارة عن حق التأخير فلا مجال للبحث.

108

الفرع الثاني انه لو تبرع المشتري بالدفع فهل يجب على البائع القبول

ادعى على عدم وجوبه عدم الخلاف بل ادعي عليه الاجماع و عن العلامة في التذكرة تعليل عدم الوجوب بأن البائع لا يكلف بتحمل المنة كما انه لا يكلف بقبول الزيادة و قال الماتن فيه تأمل.

و يمكن أن يكون وجه التأمل انه لا جامع بين المقام و دفع الزيادة اذ انتقال الزيادة الى البائع يحتاج الى قبوله و لا دليل على وجوب قبوله و أما في المقام فان المفروض ان الثمن مملوك له و أما تحمل المنة فربما لا تكون فيه بل يكون للمشتري قبول المنة من البائع في قبوله قبل مضى الاجل فلا بد من التفصيل.

و الّذي يختلج بالبال أن يفصل في المقام بأن يقال تارة يكون التأجيل بلحاظ المشتري فقط و اخرى يكون التأجيل شرطا لكل منهما على الاخر أما في الصورة الأولى فلا اشكال في وجوب القبول لوجود المقتضي و عدم المانع.

و أما في الصورة الثانية فيجب اذ المفروض انه جعل الحق لكل منهما على الاخر فلا وجه لالزام البائع على رفع اليد عن حقه فالنتيجة عدم وجوب القبول.

و بعبارة اخرى: المشتري التزم في ضمن العقد و اشترط على نفسه أن يحفظ مال البائع فيجب عليه الحفظ و لا يجب على البائع القبول.

الفرع الثالث انه لو اسقط المشتري حق التأجيل فهل يسقط أم لا

ربما يقال بعدم سقوطه بالاسقاط و ما يمكن أن تذكر في تقريب المدعى وجوه:

[الاستدلال على عدم سقوطه بوجوه]

الوجه الأول انه حق ثابت في ضمن عقد لازم فلا يمكن اسقاطه

109

و يرد عليه ان المفروض انه حق و الحق قابل للاسقاط و تحققه بالشرط في ضمن العقد اللازم لا يوجب عدم امكان سقوطه بالاسقاط فان الخيار الثابت بالشرط في ضمن العقد قابل للاسقاط.

و على الجملة ثبوته بالاشتراط في ضمن العقد لا يكون موجبا لعدم قابليته لسقوطه نعم اذا كان حكما لم يكن قابلا للسقوط بالاسقاط اضف الى ذلك انه كيف يسقط بالتقايل و الحال ان الملاك واحد.

الوجه الثاني ما عن العلامة من ان التأجيل صفة تابعة كالجودة

فكما ان الوصف المأخوذ في العين غير قابل للاسقاط كذلك حق التأجيل.

و يرد عليه انه قياس مع الفارق فان الوصف عنوان للعين و للمبيع و لا مجال لاسقاطه و بعبارة اخرى يتملك المشتري الموصوف الكذائي و هذا لا يتغير و اما الشرط و جعل الحق فهو قابل للاسقاط و رفع اليد عنه.

الوجه الثالث: انه افاد الماتن ان مرجع التأجيل الى اسقاط حق المطالبة

و الساقط لا يعود و يرد عليه أولا ان حق المطالبة حكم غير قابل للاسقاط. و ثانيا ان حق المطالبة للبائع و الكلام في جواز اسقاط المشتري حقه. و ثالثا ان حق التأجيل احداث للحق لا اسقاط شيء.

الوجه الرابع: ان في التأجيل حقا لصاحب الدين و لا يجوز الاسقاط من طرف واحد حقا يقوم بالمتعدد نعم يجوز اسقاطه بالتقايل.

و يرد عليه أولا ان الدليل اخص من المدعى اذ ربما يكون الحق

110

مختصا بالمشتري فلا موضوع للتعدد و ثانيا ان لكل منهما حق مستقل و لا يرتبط احدهما بالآخر.

و امر الماتن بالتأمل بقوله فتأمل و لعل وجه التأمل ان استفادة كل واحد منهما من الحق لا يستلزم التعدد و لكن الظاهر كما قلنا ان الحق متعدد و لا مجال للاتحاد و الوحدة.

و بعبارة اخرى لا شك في تعدده كي يكون قابلا لهذا البيان في وجه التأمل فتحصل انه لا مقتضي لعدم جواز الاسقاط.

الفرع الرابع انه لو نذر التأجيل و كان النذر منعقدا لاجل رجحان المتعلق فلا يسقط لا بالاسقاط و لا بالتقايل

و الوجه فيه ان النذر لا يوجب حقا وضعيا كي يسقط بالاسقاط أو بالتقايل بل مقتضاه الوجوب الشرعي و الحكم الشرعي غير قابل للاسقاط و التقايل فلاحظ.

[مسألة إذا كان الثمن بل كل دين حالا أو حل وجب على مالكه قبوله عند دفعه إليه]

«قوله (قدس سره): مسألة اذا كان الثمن بل كل دين حالا او حل وجب على مالكه قبوله عند دفعه إليه»

قد تعرض (قدس سره) في هذه المسألة لفروع.

الفرع الأول انه لو دفع الثمن الى مالكه مع الحلول يجب على المالك قبوله

و ما يمكن أن يذكر في تقريب المدعى وجوه:

الوجه الأول ان عدم القبول اضرار بالمديون و الاضرار بالغير حرام

ان قلت: يرتفع الضرر بقبض الحاكم عند الامتناع و بعزله و ضمانه على مالكه.

قلت: قبض الحاكم و كذلك العزل لا يكونان في رتبة قبض المالك كي يصيران بدلين عنه عند الامتناع بل تصل النوبة إليهما عند

111

الاضطرار فلا ترتفع حرمة الاضرار بالبدلية.

و لقائل أن يقول لا يصدق على الامساك عن القبول عنوان الاضرار مضافا الى أن القبول ربما يكون ضررا بالنسبة الى القابل نعم يمكن أن يكون الامساك ايذاء و لكن اي دليل دل على حرمة الايذاء على الاطلاق.

الوجه الثاني ان عدم القبول ظلم بالنسبة الى المشتري و الظلم حرام.

و يرد عليه ان الظلم عبارة عن التعدي على الغير و وضع الشيء في غير موضوعه و انطباق العنوان المذكور في المقام اوّل الكلام و الاشكال نعم كما تقدم ربما ينطبق عليه عنوان الايذاء و لكن لا دليل على حرمة الايذاء على الاطلاق.

مضافا الى انه معارض بأنه ربما يكون القبول موجبا لايذاء نفسه و الترجيح يحتاج الى الدليل الا ان يقال انه لا دليل على حرمة ايذاء المكلف لنفسه.

الوجه الثالث الاجماع

و فيه ان الاجماع على فرض حصوله محتمل المدرك اذ يمكن استناد المجمعين الى الوجوه المذكورة في المقام.

الوجه الرابع ان وجوب الوفاء بالعقد يقتضي وجوب القبول فانه من شئونه

و يرد عليه أولا ان وجوب الوفاء وضعي و الامر به ارشاد الى اللزوم فلا يرتبط بما نحن فيه.

و ثانيا ان كون القبول من شئون الوفاء اوّل الكلام و الاشكال.

الوجه الخامس ان مقتضى تسلط كل انسان على نفسه تسلط المشتري على افراغ ذمته فيجب على البائع القبول

و يرد عليه انه

112

كما ان المشتري مسلط على نفسه كذلك البائع مسلط على نفسه فلا وجه للترجيح.

الوجه السادس ان الّذي يختلج بالبال أن يقال ان القبول قد اشترط في ضمن العقد بالارتكاز

فان مقتضاه وجوب قبوله و الظاهر ان الوجه المذكور تام.

الوجه السابع ان مقتضى الانصاف ان السيرة العقلائية جارية على عدم حق لاحد أن يشغل ملك غيره

و أيضا ليس له أن يشغل ذمة غيره بلا رضاه و لذا لا يجوز وضع شيء في دار الغير بل يجب رفعه و افراغ مملوك الغير و هكذا الكلام بالنسبة الى ذمة الغير و هذه السيرة ممضاة من قبل الشارع.

الفرع الثاني انه بعد فرض عدم جواز الامتناع و انه لا حق له فيه اذا امتنع عن القبول يسقط اعتبار رضاه

و استدل الماتن (قدس سره) على المدعى بقاعدة نفي الضرر و أفاد ان مورد الحديث كان من هذا القبيل اذ سمرة كان بلا اذن يدخل بستان الاعرابي و كان دخوله ضررا عليه فالغى النبي احترام ماله و امر بقطع نخله بعد امتناعه عن الاستيذان و عن البيع.

و يرد عليه انا ذكرنا في محله ان المستفاد من القاعدة الحكم التكليفي اي حرمة الاضرار بالغير و لم نسلم كون القاعدة ناظرة الى ادلة الاحكام مضافا الى أن القاعدة لا تنطبق على قطع الشجرة بل مقتضى القاعدة منع السمرة عن الدخول اذ الضرر كان ناشيا من دخوله بلا اعلام و استيذان.

فالحق في مقام الاستدلال على سقوط اذنه عن الاعتبار بوجوب القبول عليه و عدم حق له في ابقاء ذمة الغير مشغولة و بعد سقوط

113

اذنه و رضاه عن الاعتبار تصل النوبة الى تصدي الحاكم الشرعي لكن هل يتصدى الحاكم بنفسه للقبض أو يتصدى لاكراهه على القبض أو لا و مع عدم امكانه يتصدى بنفسه فان السلطان ولي الممتنع.

يمكن ان يقال ان الحق هو الاحتمال الثاني و الوجه فيه ان تصدي الحاكم على خلاف القاعدة فما دام امكن قبض البائع و لو مع الاكراه يكون مقدما.

ان قلت: مقتضى حديث رفع الاكراه عدم ترتب الاثر على القبض الاكراهي قلت: هذا فيما لا يكون الاكراه حقا و أما مع كونه حقا كما هو المفروض فلا مجال للاستدلال بحديث الرفع كما هو ظاهر.

ثم انه اذا لم يمكن تصدى الحاكم الشرعى فأفاد الماتن بانه يأمره و يجبره كل مكلف عادلا كان أو فاسقا و استدل عليه بوجوب الامر بالمعروف.

و يرد عليه ان وجوب الامر بالمعروف يشمل كل مكلف و لا يكون الحاكم مقدما على غيره مضافا الى أن الامر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقتضيان الاكراه و لا دليل على وجوبه انما الكلام في انه هل يقوم العادل مقام الحاكم الشرعى في صورة تعذره و عدم امكان تصديه كما هو المفروض أم لا.

الظاهر انه مع عدم امكان تصدي الحاكم تصل النوبة الى العادل و مع عدم امكانه يصل الامر الى مطلق المكلف و اذا انطبق العنوان على المديون يتصدى للامر بنفسه و لا يخفى ان وصول النوبة الى تصدي الغير يتوقف على عدم امكان قبضه بنفسه و لو مع الاجبار و الاكراه.

و لقائل أن يقول لا يلزم صدق عنوان القبض في افراغ الذمة

114

من الدين فان اللازم صدق عنوان الاداء و هو يحصل بالتخلية بينه و بين المال أو الاقدار على القبض مع التفاته فانه يصدق عليه عنوان الاداء فيلزم أن نقول ان تصدى الحاكم يترتب على عدم امكان الاداء.

الفرع الثالث انه لو فرض عدم امكان القبض او الاداء

حتى بالنسبة الى الحاكم و من يقوم مقامه و ان كان تحقق الفرض المذكور مشكلا فهل يجوز عزله ربما يقال بأنه يجوز لقاعدة نفي الضرر في الشريعة فان مقتضاها جواز الافراغ بالعزل.

و يرد عليه أولا ان القول به يتوقف على الالتزام بمسلك المشهور في مفاد القاعدة و ثانيا ان القواعد النافية تنفى الاحكام الاولية مثلا قاعدة لا ضرر تنفي الوجوب الضرري و اما اثبات الحكم الاخر فلا يستفاد من تلك القواعد فلا مجال لان يقال ان المستفاد من حديث لا ضرر جواز الجبيرة عند كون الوضوء التام ضرريا و عليه كيف يمكن الالتزام في المقام بتحقق الافراغ بالعزل.

و صفوة القول انه لا دليل على تشخص كلي الثمن في المعزول و اما ان قلنا بجواز العزل و تحقق الافراغ به فلا مجال لان يقال ان المعزول باق في ملك المشترى و اذا تلف يتلف عن البائع فانه جمع بين المتنافيين مضافا الى أن لازمه عدم مالكية البائع لشيء و يترتب عليه عدم امكان بيعه و التصرف فيه فان المفروض فراغ ذمة المشتري بالعزل فلا يكون مالكا لما في ذمة المشتري و لا يكون مالكا للمعزول اذ قد فرض انه باق في ملك المشتري فالبائع لا يكون مالكا لشيء و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم الفاسد.

و أما تقدير دخوله في ملك البائع قبل التلف فأيضا قول بلا دليل

115

ثم على هذا الاساس الفاسد هل يمكن القول بجواز تصرف المشتري في المعزول و اتلافه و رجوع التالف الى ذمته أم لا الحق هو الثاني اذ لا وجه للاشتغال بعد الافراغ لعدم الدليل عليه بل الدليل قائم على عدمه و هو استصحاب عدم الاشتغال.

ثم انه لو قلنا بجواز العزل و تشخص الكلي في المعزول و صيرورته مملوكا للبائع فهل يجب على المشتري حفظه الظاهر عدم الوجوب لانه اكثر ضررا عليه فلاحظ.

ثم انه لو قلنا ان دليل لا ضرر يقتضي جواز العزل و صيرورة المعزول مملوكا للبائع فهل يمكن اسراء هذا الحكم الى فرعين آخرين احدهما ان الغاصب لو غصب من المشاع نصيب احد الشريكين بالخصوص أي ينوى الخصوصية.

الفرع الثاني أن يجبر الغاصب احد الشريكين أن يدفع إليه نصيب الشريك فنقول لا بدّ من التفصيل بين الفرعين بأن نقول لا مقتضي للتعين في الفرع الأول و بعبارة اخرى نية الغاصب لا تغير الواقع و الاشاعة بحالها و لازمه تحقق الغصب و وروده على كلا الشريكين.

و أما في الفرع الثاني فمجال لان يقال ان قاعدة نفي الضرر تقتضي جواز القسمة و تعيين حصة الشريك في المغصوب.

لكن يشكل بأن القاعدة كما تقتضي نفى الضرر بالنسبة الى الغير المغصوب عنه كذلك تقتضى عدم الاضرار بالنسبة الى الشريك و حيث انه لا ترجيح لاحد الطرفين على الاخر تسقط القاعدة بالمعارضة و الذي يهون الخطب ان القاعدة ناهية لا نافية و على فرض كونها نافية اثرها النفي لا اثبات الحكم الاخر.

116

[مسألة في عدم جواز تأجيل الثمن الحال بأزيد منه و الاستدلال عليه]

«قوله (قدس سره): مسألة لا خلاف على الظاهر من الحدائق المصرح به فى غيره فى عدم جواز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدين بازيد منه»

تارة يقع الكلام في مقتضى القاعدة الاولية و اخرى في مقتضى النص الخاص الوارد في المقام فيقع الكلام في موضعين. اما

الموضع الأول [في مقتضى القاعدة الأولية]

فقد حكم عليه بالحرمة لاجل كونه مصداقا للربا بحسب النظر العرفي.

و يرد عليه انه ليس مصداقا للربا القرضي فان المستفاد من دليله ان القرض الربوي حرام تكليفا و فاسد وضعا و المقام ليس من مصاديق القرض بل اخذ شيء في قبال التأجيل و الاهمال و عليه لا يمكن الالتزام بالحرمة و الفساد بالتقريب المذكور.

و أما الاستدلال عليه بعدم الخلاف في عدم جوازه ففيه ان الاجماع لا يكون حجة فكيف بعدم الخلاف مضافا الى احتمال كون القول بعدم الجواز مستندا الى بعض الوجوه المذكورة في المقام.

فعلى هذا الاساس نقول لو لا النص الخاص تارة يقع المعاوضة بين شيء و التأجيل و اخرى يلتزم الدائن في ضمن الشرط بالتأجيل مدة أما على الاول فلا يصح المعاوضة وضعا و ان جاز تكليفا اذ لا دليل يدل على تمامية كل معاوضة فان دليل وجوب الوفاء بالعقود ارشاد الى اللزوم و لا يمكن ان يكون دليلا للصحة.

و أما اطلاق قوله تعالى «تجارة عن تراض» فيرد فيه ان اطلاق التجارة على غير البيع اوّل الكلام و الاشكال و أما على الثانى فالظاهر انه لا مانع منه تكليفا و لا وضعا لعدم المقتضي للمنع فلو ملكه شيئا و شرط في ضمن التمليك أن يؤجل مدة يصح و يلزم اذ المؤمن

117

لا يفارق شرطه و الشرط لازم هذا تمام الكلام في الموضع الاول.

و أما

الموضع الثاني فقد وردت في المقام عدة نصوص

منها ما عن ابن عباس قال: كان الرجل منهم اذا حل دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له زدني في الاجل و ازيدك في المال فيتراضيان عليه و يعملان به فاذا قيل لهم هذا ربا قالوا هما سواء يعنون بذلك ان الزيادة في الثمن حال البيع و الزيادة فيه بسبب الاجل عند محل الدين سواء فذمهم اللّه به و الحق الوعيد بهم و خطأهم في ذلك بقوله «و احل اللّه البيع و حرم الربا» (1) و هذه الرواية لا اعتبار بها سندا.

و منها ما عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) انهما قالا في الرجل يكون عليه الدين الى اجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول انقدني من الذي لي كذا و كذا واضع لك بقيته أو يقول انقد لي بعضا و امد لك في الاجل فيما بقي عليك قال لا ارى به بأسا ما لم يزدد على رأس ماله شيئا يقول اللّه «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ» (2).

و منها ما رواه ابن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه قال لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا (3).

فانه يستفاد المدعى من هذه الروايات و منها جملة من الروايات

____________

(1) مجمع البيان ج 2 ص 389.

(2) الوسائل الباب 7 من ابواب الصلح الحديث 1.

(3) الوسائل الباب 19 من ابواب الدين و القرض الحديث 3.

118

تدل على جواز اعماله الحيلة الشرعية لجواز الانتفاع في قبال التأجيل.

منها ما رواه ابن عمار قال: قلت لابى الحسن (عليه السلام) ان سلسبيل طلبت مني مائة الف درهم على أن تربحني عشرة آلاف فاقرضها تسعين الفا و ابيعها ثوب وشي تقوم بالف درهم بعشرة آلاف درهم قال لا بأس (1).

و منها ما عن الكلينى قال و في رواية اخرى لا بأس به اعطها مائة الف و بعها الثوب بعشرة آلاف و اكتب عليها كتابين (2).

و منها ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل رجل له مال على رجل من قبل عينة عينها اياه فلما حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه فأراد أن يقلب عليه و يربح أ يبيعه لؤلؤا أو غير ذلك ما يسوي مائة درهم بألف درهم و يؤخره قال لا بأس بذلك قد فعل ذلك ابي رضى اللّه عنه و امرنى ان افعل ذلك في شيء كان عليه 3.

و منها ما رواه ابن عمار قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام) يكون لي على الرجل دراهم فيقول اخرني بها و انا اربحك فأبيعه جبة تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم أو قال بعشرين الفا و اؤخّره بالمال قال لا بأس (4).

و منها ما رواه عبد الملك بن عتبة قال سألته عن الرجل يريد أن

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب احكام العقود الحديث 1.

(2) (2 و 3) نفس المصدر الحديث 2 و 3.

(4) نفس المصدر الحديث 4.

119

أعينه المال أو يكون لي عليه مال قبل ذلك فيطلب مني مالا ازيده على مالي الذي لي عليه أ يستقيم أن ازيده مالا و ابيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم فأقول ابيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن اؤخرك بثمنها و بمالي عليك كذا و كذا شهرا قال لا بأس (1).

و منها ما رواه ابن عمار قال قلت للرضا (عليه السلام) الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم و يؤخر عنه المال الى وقت قال لا بأس به قد أمرني ابي ففعلت ذلك و زعم انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عنها فقال مثل ذلك (2).

فانه يستفاد من هذه الروايات لزوم اعمال هذه الحيلة الشرعية و لو جاز أخذ شيء في قبال التأجيل لم يكن اعمال الحيلة لازما.

«قوله (قدس سره):

مسألة اذا ابتاع عينا شخصية بثمن مؤجل جاز بيعه من بايعه و غيره»

ما أفاده من الجواز في شقوق المسألة على طبق القاعدة الاولية لوجود المقتضي و عدم المانع و يدل على المدعى بعض النصوص لاحظ ما رواه بشار بن يسار (3) فان الحديث يدل بإطلاقه على الجواز في مورد الخلاف حيث ان الامام (عليه السلام) في مقام الجواب لم يفصل و حكم بالجواز و من عدم التفصيل يستفاد جواز الحكم في جميع الاقسام كما صرح به الماتن (قدس سره) و لاحظ ما رواه حسين بن منذر (4) و هذه الرواية أيضا يشمل مورد الخلاف و لاحظ ما

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب العقود الحديث 5.

(2) نفس المصدر الحديث 6.

(3) قد تقدم فى ص 83.

(4) قد تقدم فى ص 49.

120

رواه على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) و الكلام فيه هو الكلام.

«قوله (قدس سره): الا بالنسبة الى بعض صور المسألة فمنع منها الشيخ فى النهاية و التهذيبين و هى بيعه من البائع بعد الحلول بجنس الثمن لا مساويا و قال فى النهاية اذا اشترى نسية فحل الاجل و لم يكن معه ما يدفعه الى البائع جاز للبائع ان يأخذ منه ما كان باعه اياه من غير نقصان من ثمنه فان اخذه بنقصان مما باع لم يكن ذلك صحيحا»

و يرد على الطوسى (قدس سره) كما أورد عليه الماتن بأن الادلة الاولية الدالة على صحة البيع تقتضي خلاف ما بنى عليه كما ان اطلاق جملة من النصوص الخاصة كذلك انما الكلام في أنه هل هناك دليل يقتضي رفع اليد عما ذكرنا و الذهاب الى مذهب الطوسي أم لا.

ربما يستدل عليه بما رواه خالد بن الحجاج قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بعته طعاما بتأخير الى اجل مسمّى فلمّا حلّ الاجل أخذته بدراهمي فقال ليس عندي دراهم و لكن عندي طعام فاشتره مني قال: لا تشتره منه فانه لا خير فيه (2).

و هذه الرواية ضعيفة سندا بخالد فلا يعتد بها مضافا الى أنه يمكن أن يقال ان المستفاد منها الكراهة لمكان قوله (عليه السلام) لا خير فيه.

اضف الى ذلك انه لا دليل على أن المبيع في العقد الثاني عين

____________

(1) قد تقدم فى ص 49.

(2) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف الحديث 3.

121

المبيع الاول فان لفظ طعام في قول السائل نكرة و لا قرينة في الكلام تدل على كون المراد منه هو الذي اشتراه من البائع و يضاف الى ذلك كله ان الحديث مطلق و غير مختص بمورد كلام الطوسي فلاحظ.

و ربما يستدل عليه بما رواه ابن بشير قال سأله محمد بن القاسم الحناط فقال أصلحك اللّه ابيع الطعام من الرجل الى اجل فأجيء و قد تغير الطعام من سعره فيقول ليس عندي دراهم قال خذ منه بسعر يومه قال افهم اصلحك اللّه انه طعامي الذي اشتراه مني قال لا تأخذ منه حتى يبيعه و يعطيك قال أرغم اللّه أنفي رخص لي فرددت عليه فشدد علي (1).

و هذه الرواية غير نقية السند مضافا الى أن الحديث لا يختص بمورد كلام الطوسي (قدس سره).

«قوله (قدس سره): و قد يستدل برواية يعقوب بن شعيب و عبيد ابن زرارة قالا سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باع طعاما بدراهم فلما بلغ ذلك الاجل تقاضاه فقال ليس عندى دراهم خذ منى طعاما قال لا بأس انما له دراهمه يأخذ بها ما شاء (2) و فى دلالتها نظر»

يمكن أن يكون وجه النظر ان هذه الرواية لا تدل على خلاف ما ذهب إليه الشيخ اذ لا دلالة في الحديث على ان المبيع الثاني عين ما بيع أوّلا.

____________

(1) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 10.

122

و يرد عليه انه يكفي الاطلاق فانه مقتضى قوله (عليه السلام) يأخذ بها ما شاء لكن لم يفرض في الحديث التفاضل في الثمن و يمكن أن يكون وجه النظر من هذه الجهة.

«قوله (قدس سره): اقول الظاهر ان الشيخ (قدس سره) جرى فى ذلك و فيما تقدم عنه فى النهاية»

ملخص الكلام ان الشيخ الطوسي (قدس سره) استفاد من بعض النصوص قاعدة كلية و هي ان عوض الشيء الربوي لا يجوز أن يعوض به شيء بزيادة و ان عوض العوض عوض و الحديث المشار إليه ما رواه ابن جعفر قال: سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أ يأخذ بقيمته دراهم قال اذا قوّمه دراهم فسد لان الاصل الذي يشتري به دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم و سألته عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدي العبد كل شهر عشرة دراهم أ يحل ذلك قال لا بأس (1).

و الظاهر انه يستفاد المدعى من الحديث بعموم العلة و أورد سيدنا الاستاد (قدس سره) على الاستدلال بالرواية على ما في تقريره الشريف بأن الحديث ضعيف سندا مضافا الى انه معارض لمثله في مورده.

و كلا الاشكالين مدفوعان أما الاشكال الاول فلأن الحديث و ان كان ضعيفا باحد سنديه و لكنه تام بسنده الاخر فان الحر (قدس سره) نقل الحديث عن كتاب علي بن جعفر و أما الاشكال الثاني فأيضا مدفوع بأن الحديث المزبور ضعيف سندا بعبد اللّه بن حسن فلاحظ.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 12.

123

«قوله (قدس سره): و اما الحكم فى المستثنى و هو ما اذا اشترط فى البيع الاول نقله الى من انتقل عنه»

هذا هو الفرع الثاني الذي قد تعرض له الماتن (قدس سره) و عدم الجواز فيه مشهور بين القوم و استدل عليه بأن الشرط المذكور يستلزم الدور المحال بتقريب ان البيع متوقف على الشرط المذكور و الحال ان الشرط المشار إليه لا يتحقق الا بالبيع الاول فيتوقف البيع الاول على أمر يتوقف ذلك الامر عليه فالتوقف من الطرفين هذا تقريب الاستدلال.

و الحق بطلان الاستدلال و لا مانع من الشرط المذكور اذ تارة يتوقف البيع الاول على تحقق البيع الثاني و اخرى يتوقف على الالتزام به أما على الاول فمجال للتقريب المذكور و يصح الاستدلال الدوري.

و أما على الثاني فلا دور فان البيع الاول يتوقف على الالتزام بالبيع الثاني في ظرفه القابل و البيع الثاني يتوقف على البيع الاول فكل من الامرين يتوقف على شيء فلا دور.

و ان شئت قلت: التقريب الدوري انما يصح فيما يكون الشرط شرط النتيجة اي بالشرط يتحقق البيع الفعلي و اما اذا كان الشرط على نحو شرط الفعل فلا دور و لا اشكال.

و بما ذكرنا ظهران التقريب الثاني للاشكال و هو عدم قصد البائع الاول اخراج العين عن ملكه غير وارد فان تحقق الشرط يتوقف على تحقق البيع الاول.

و بعبارة واضحة: لا يتحقق البيع الثاني الا في صورة تحقق البيع الاول فكيف لا يكون البائع في البيع الاول قاصدا للبيع.

124

ان قلت: يشترط في كل شرط أن يكون جائزا في حد نفسه كى لا يكون مخالفا مع الشرع و الحال ان البيع الثاني لا يكون جائزا الا بعد البيع الاول.

قلت: يشترط أن يكون الشرط جائزا في ظرفه و الشرط المذكور جائز في ظرفه و لذا يجوز قبل الزوال أن يبيع زيد داره من بكر و يشترط عليه أن يصلي صلاة ظهر ذلك اليوم و الحال ان الاتيان بصلاة الظهر لا يجوز قبل الزوال و يجوز بعده بل يجب.

ان قلت: البيع الاول معلق على الشرط و التعليق باطل قلت:

البيع الاول معلق على الالتزام و الالتزام موجود بالفعل و التعليق على الموجود بالفعل المحرز عند المتعاقدين جائز فلاحظ.

و هذا الذي ذكرنا سار و جار في جملة من الموارد و الشروط فان البيع بشرط الوقف على البائع من هذا القبيل و أيضا البيع بشرط أن يكون المبيع رهنا على الثمن و قس عليهما بقية الموارد المشابهة لما ذكرنا.

هذا كله بحسب القاعدة الاولية و في المقام حديثان ربما يقال بأنه يستفاد المدعى منهما الحديث الاول ما رواه ابن منذر (1) و هذه الرواية ضعيفة سندا بابن منذر مضافا الى ان المستفاد من الحديث فساد البيع الثاني و الكلام في البيع الاول.

و الحديث الثاني ما رواه ابن جعفر (2) و هذه الرواية تامة سندا اذ الحر (قدس سره) نقل الحديث عن كتاب ابن جعفر فلا بأس بسنده.

____________

(1) قد تقدم فى ص 49.

(2) قد تقدم فى ص 49.

125

و ما افاده سيدنا الاستاد من ان الرواية ضعيفة ليس تاما لكن الذي يهون الخطب ان المستفاد من الحديث فساد البيع الثاني و الحال ان الكلام في العقد الاول فان المستفاد من الحديث ان البائع اذا اشترط في العقد الاول الاشتراء منه ثانيا يكون العقد الثاني باطلا فلاحظ.

و يستفاد من حديث ابن جعفر نكتة مهمة فقهية و هي ان الشرط الفاسد لا يفسد العقد اذ قد فرض ان الشرط المذكور فاسد بحكم الشارع الاقدس و مع ذلك الامام (عليه السلام) لم يتعرض لفساد البيع الاول مع كونه في مقام البيان فان الاطلاق المقامي يقتضي صحة البيع الاول.

[القول في القبض]

[مسألة اختلفوا في ماهية القبض في المنقول بعد اتفاقهم على أنها التخلية في غير المنقول على أقوال]

«قوله (قدس سره): مسألة اختلفوا فى ماهية القبض فى المنقول»

الظاهر انه ليس للقبض حقيقة شرعية و لا متشرعية بل للقبض معنى واحد لغوي عرفى غايته تكون مصاديقه مختلفة بحسب اختلاف ما يقبض قال في الحدائق (1) في جملة كلام له في هذا المقام لم يرد له تحديد شرعي يرجع فيه إليه و نقل عن المصباح المنير تفسير القبض بالاخذ و لا يبعد أن يكون القبض عبارة عن ايصال الشيء الى من يجب اقباضه و جعله مسلطا و مستوليا استيلاء خارجيا.

و ربما يقال ان القبض عبارة عن اخراج العين عن الدار و الدليل عليه ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل اشترى متاعا من رجل و أوجبه غير انه ترك المتاع عنده و لم يقبضه قال آتيك غدا ان شاء اللّه فسرق المتاع من مال من يكون قال من مال

____________

(1) الحدائق ج 19 ص 153.

126

صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته فاذا اخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه (1).

و هذه الرواية ضعيفة سندا و لا يعتد بها و على الجملة القبض له مفهوم عرفي يحمل عليه و كل حكم مترتب عليه يترتب على ما يصدق عليه هذا المفهوم بحسب العرف و اذا فرض في مورد استفيد من الدليل الشرعي تحقق القبض بنحو خاص نلتزم به في ذلك المورد.

و لا يخفى ان نسبة الاقباض الى القبض نسبة الايجاد الى الوجود فلا يعقل أن يتحقق الاقباض و لا يتحقق القبض فلا مجال لان يقال ان الاقباض متحقق من ناحية المشتري و القبض لم يحصل من قبل البائع مثلا أو بالعكس.

[القول في وجوب القبض]

«قوله (قدس سره):

مسألة يجب على كل من المتبايعين تسليم ما استحقه الآخر»

الامر كما افاده فان الناس مسلطون على أموالهم و لا يجوز حبس مال الغير و منعه عن التصرف فيه بل يمكن الاستدلال على المدعى بدليل نفوذ الشرط فان التسليم شرط ضمني في كل من الطرفين.

و ربما يقال يجب الابتداء من ناحية البائع فان الثمن تابع للمبيع و لان الاطلاق ينصرف إليه و لان البيع يستقر باقباض المبيع فان المبيع لو تلف قبل القبض يكون من مال البائع.

و الوجوه المذكور كلها ضعيفة أما كون الثمن تابعا فلا نفهم له معنى معقولا اذ لا فرق بين المبيع و الثمن و كل واحد عوض للآخر.

____________

(1) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار.

127

و أما الاطلاق فلا موضوع له اذ البيع تمليك و لا يرتبط بالاقباض و أما كون تلف المبيع من مال البائع اذا كان قبل القبض فلا يرتبط بما نحن بصدده مضافا الى أن دليل ذلك الحكم ضعيف سندا و نتعرض له إن شاء اللّه.

ثم انه لو امتنع من يجب عليه الاقباض عنه يجبر عليه و على فرض عدم الامكان ينوب عنه الحاكم الشرعي فانه ولي الممتنع و بعبارة واضحة: المقام من الامور الحسبية فتصل النوبة الى الحاكم ثم الى العدول ثم الى الفساق و على هذا الاساس اذا كان احدهما مستعدا للاقباض أو أقبض و الاخر امتنع يجبر الممتنع و اذا كان كلاهما ممتنعين عنه يجبران عليه.

و اذا كان كلاهما مستعدين للاقباض و امتنع كل منهما عن البدأة هل يجبران كما في كلام الشيخ (قدس سره) يشكل الجزم به فان الواجب عند العقلاء و عند الشرع وجوب اقباض كل منهما عند اقباض الاخر بحيث يتحقق الاقباض من كلا الجانبين و أما الازيد من هذا المقدار فالالتزام به مشكل.

ان قلت: مقتضى القاعدة وجوب اقباض مال الغير و عصيان احد و ظلمه لا يكون مجوزا للظلم و العصيان.

قلت: يرد على التقريب المذكور أولا ان مقتضى الشرط الارتكازي العقلائي اشتراط تسليم كل منهما عند اقباض الاخر و مع امتناع احدهما عن الاقباض لا مقتضي لتعلق الوجوب بغير الممتنع

و ثانيا: انه مقتضى جواز الاعتداء بالمثل المستفاد من قوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (1).

____________

(1) البقرة/ 184.

128

ثم ان وجوب الاقباض مشروط بعدم اشتراط التأجيل و أما مع اشتراطه فلا يجب فلو كان الاشتراط من الطرفين لا يجب لا على البائع و لا على المشتري و لو فرض ان احدهما أقبض لا يجب على الاخر و اذا كان التأجيل من جانب واحد لا يجب عليه و يجب على الاخر الاقباض.

و لو فرض عدم الاقباض من ناحية من لم يكن فيه تأجيل بالعصيان أو بغيره حتى تم الاجل و حل فهل يجوز له عدم الاقباض الا عند اقباض الاخر؟ الظاهر لا اذ لا يكون له حق التأخير فلا مجال لان يقال الحبس مقابل الحبس بل جواز الحبس لاجل التأجيل.

و لقائل أن يقول مقتضى جواز الاعتداء بالمثل جوازه.

و لما انجر الكلام الى مفاد الآية ناسب ان نبحث في مفادها و نرى مقدار دلالتها فنقول الظاهر ان المستفاد من الآية الشريفة انه يجوز المكافاة و المجازاة.

ان قلت: لا يمكن الالتزام بالإطلاق اذ بعض افراده يقرع الاسماع قلت: نرفع اليد عن اطلاق الآية بقدر الضرورة و نعمل به في الباقي.

ثم انه لو قبض احدهما ما في يد الاخر بلا اذنه لا يكون هذا القبض صحيحا و لا يترتب عليه اثر و يكون القابض آثما لانه ارتكب الحرام و تجاوز عن الحد و يجب عليه رده اذ المفروض انه لاحق له فجواز القبض يتوقف على احد امرين اما الاقباض و اما صدور الاذن من الطرف المقابل.

و اذا كان القبض على خلاف القاعدة فلا يترتب عليه الاثر المترتب عليه مثلا لو قلنا ان بيع المشتري لا يجوز قبل القبض لا يجوز بيع المقبوض بالقبض الفاسد و هذا ظاهر واضح.

129

ثم انه لو أقبض احدهما اما لكونه واجبا عليه و اما تبرعا فيجبر الطرف على الاقباض و لا يمنع عن التصرف في المقبوض و لا في شيء آخر من امواله لعدم الدليل على المنع و الحجر و بعبارة واضحة:

منعه و حجره عن التصرف في المقبوض أو في غيره من امواله لا دليل عليه فلا يجوز نعم يجبر على اقباض مال الغير.

«قوله (قدس سره):

مسألة يجب على البائع تفريغ المبيع من امواله مطلقا»

اذ لا يجوز اشغال مال الغير بلا اذنه لانه عدوان و غصب مضافا الى أن الاشتراط الارتكازي يقتضي ذلك.

ثم انه ما المراد من الاطلاق و من قوله «في الجملة» يمكن أن يكون المراد من الاطلاق عدم الفرق بين علمه بكون العين مشغولة بماله و بين عدم علمه به فانه يجب عليه الافراغ مطلقا و اما بالنسبة الى مملوك الغير فلا بد من التفصيل بأن يقال يجب عليه الافراغ في صورة العلم و عدم وجوبه في صورة الجهل.

و يرد عليه انه لا وجه للتفصيل المذكور فان مقتضى القاعدة وجوب الافراغ على جميع التقادير اذ الاشتراط الارتكازي العقلائي يقتضي وجوب تسليم مال الغير فارغا عن جميع المزاحمات نعم يمكن أن يفصّل بنحو آخر و هو التفصيل بين كونه قادرا على الافراغ و بين ما لم يكن كذلك اذ كل تكليف مشروط بالقدرة و لكن لا فرق من هذه الجهة بين مال نفسه و مال غيره.

«قوله (قدس سره): و هذا الوجوب ليس شرطيا»

الامر كما أفاده فان وجوب الافراغ حكم مستقل في قبال وجوب

130

اصل التسليم و الاقباض و يترتب عليه انه لو سلم و لم يفرغ كان عاصيا بالنسبة الى الحكم الثاني و أما بالنسبة الى الحكم الاول فالامتثال حاصل.

«قوله (قدس سره): فان التسليم بدونه كالعدم»

ليس الامر كذلك فان التسليم و لو مشغولا يترتب عليه فوائد كثيرة.

«قوله (قدس سره): فلو كان فى الدار متاع وجب نقله فورا»

فان التصرف في ملك الغير حرام و مع العذر يسقط التكليف بمقدار الضرورة فيجب في اوّل ازمنة الامكان.

«قوله (قدس سره): كان له الخيار لو تضرر»

الخيار ليس من باب قاعدة لا ضرر بل من باب الشرط الارتكازي و عليه لا فرق بين صورة الضرر و غيرها.

«قوله (قدس سره): و فى ثبوت الاجرة لو كان لبقائه اجرة الى زمان الفراغ وجه»

و الوجه وجيه فان الانتفاع بمال الغير يوجب الضمان و الميزان استناد الانتفاع و الاتلاف إليه.

«قوله (قدس سره): و لو كان تأخير التفريغ بتقصيره فينبغى الجزم بالاجرة»

لا فرق في لزوم الاجرة بين التقصير و عدمه فان اتلاف مال الغير و الانتفاع منه يوجب الضمان نعم اذا لم يكن الاتلاف مستندا إليه بأن يكون الدار مشغولة بمتاع الاجنبي و عدوانه فلا اشكال في ثبوت الخيار و لكن

131

هل يكون البائع ضامنا فيه اشكال و بعبارة اخرى يشكل الجزم بالضمان.

«قوله (قدس سره): وجب ازالته»

لما تقدم في تقريب الوجوب فلا وجه للاعادة.

«قوله (قدس سره): وجب الصبر الى بلوغ اوانه للزوم تضرر البائع بالقلع»

لا وجه لوجوب الصبر الا مع علم المشتري بالحال و اشتراط الصبر و دليل لا ضرر لا ينفي باثبات الوجوب اذ دليل لا ضرر ينهى عن الاضرار بالغير و لا ينفي الحكم الضرري و على فرض التسليم يكون ضرر المشتري بالصبر معارضا مع ضرر البائع و ثبوت الخيار لا يقتضي عدم المعارضة.

«قوله (قدس سره): كما لو وجدها مستأجرة»

القياس مع الفارق اذ في مورد كون الارض مستأجرة لا يمكن للبائع بيع العين مع منافعها لكون المنافع مملوكة لشخص آخر فتصل النوبة الى الخيار و أما لو كان الزرع للبائع فيمكن له أن يبيع الارض مع منافعها فلا يجوز له ابقاء زرعه في ملك الغير الا مع اذن المالك فان الاختيار بيده فيمكن له الاذن في الابقاء مجانا أو مع الاجرة و يمكن له أن لا يأذن و يأمر بالقلع و ليس عليه الارش لعدم المقتضي بل يجب على مالك الزرع قلعه و ترميم الارض و جعلها كأمثالها من الارضين.

«قوله (قدس سره): و قلعه بالارش»

لا وجه للارش فان المشتري مالك للارض مع منافعها فيكون له

132

القلع و لا شيء عليه.

«قوله (قدس سره): هدمه باذن المشتري»

لانه تصرف في ملك الغير فيتوقف على اذنه و يجب عليه الطم و اصلاح ما انهدم و الميزان في باب الضمان ارجاع نفس التألف و على فرض عدم امكانه كما هو كذلك في صورة التلف تصل النوبة الى المثل و مع تعذره تصل النوبة الى القيمة فلا وجه للترديد بين الاصلاح و الارش و ان جميع الموارد من واد واحد.

«قوله (قدس سره): لا ارش العيب»

يمكن أن يكون الوجه في عدم الارش ان للبائع أن يهدم مقدمة للتفريغ و اما الهدم فلا يكون مجانا فيجب عليه قيمته هذا تقريب المدعى.

و يرد عليه انه كان له حق التفريغ شرعا و يكون في الهدم ذا حق شرعى فلا وجه لوجوب القيمة عليه و ان لم يكن له الحق المذكور يجب عليه الارش فالتفصيل بين الارش و القيمة لا وجه له.

«قوله (قدس سره): كان له وجه»

و لكن غير وجيه بل الحق جعل جميع الموارد مثليا ان امكن فلا تصل النوبة الى التفصيل و ملاحظة الاقوال و اختلافها فان الميزان الكلي وجوب المثل.

[مسألة لو امتنع البائع من التسليم]

«قوله (قدس سره): الا ان منافع الاموال الفائتة بحق لا دليل على ضمانها»

الظاهر ان الامر كذلك فان الضمان ينافي كون الانتفاع ناشيا عن الحق و هذا ظاهر واضح.

133

«قوله (قدس سره): و على المشترى نفقة المبيع»

فان نفقة كل مملوك على مالكه الا أن يقوم دليل على خلافه في مورد بالخصوص.

«قوله (قدس سره): فان فى استحقاقها النفقة ترددا»

ما يمكن أن يقال انه تجب النفقة في الزوجية الا فيما يتحقق النشوز و لا بأس بأن يقال ان كان عدم التمكين عن حق لا يتحقق النشوز و النشوز يتحقق مع عدم الحق فيكون المقامان من باب واحد

«قوله (قدس سره): و يمكن الفرق بين النفقة فى المقامين»

بأن يقال ان النفقة في باب المملوك من آثار الملكية و المفروض ان الملكية حاصلة فالموضوع متحقق و أما النفقة فى باب الزوجية فمترتبة على التمكين و مع عدمه لا تجب.

و يرد عليه ان النفقة في باب الزوجية مترتبة على عنوان الزوجية و المفروض تحققها غاية الامر يسقط الوجوب بالنشوز و المفروض عدم تحققه و أما التفصيل بين اليسر و العسر كما عن جامع المقاصد فلا وجه له لعدم الدليل على التفصيل المذكور نعم كل تكليف يسقط عند العسر و الحرج.

«قوله (قدس سره): ففى وجوب اجابته وجهان»

فربما يقال بعدم الوجوب اذ تصرف المشتري في العين ينافي الاستيثاق و بعبارة اخرى الامساك على العين لاجل قبض الثمن ينافي تصرف المشتري و ربما يقال بالوجوب لعدم التنافي بين الامرين و يختلج بالبال أن يقال انه لا يجب القبول مطلقا فان مقتضى

134

الارتكاز جواز منع البائع المشتري عن التصرف في العين باي نحو كان فلاحظ.

«قوله (قدس سره): و مقتضى القاعدة ان نفقته على المشترى»

لا مجال للاخذ بالقاعدة مع وجود النص الخاص لاحظ ما رواه ابو ولاد الحناط قال اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا و جائيا الى ان قال قال فقلت جعلت فداك قد علفته بدراهم فلى عليه علفه فقال لا لانك غاصب (1).

فان مقتضى هذه الرواية ان النفقة على الغاصب.

[القول في أحكام القبض]

«قوله (قدس سره):

مسألة من احكام القبض انتقال الضمان ممن نقله الى القابض»

في هذه المسألة فروع

الفرع الأول ان المبيع ما لم يقبض ضمانه على البائع

و هذا الحكم على خلاف القاعدة الاولية فلا بد في اثباته من قيام دليل عليه.

و ما يمكن أن يقال في تقريب المدعى وجوه

الوجه الأول ما عن النبي كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه

(2) و هذه الرواية ضعيفة من حيث السند و لا جابر لها و عمل المشهور بها على تقدير تحققه لا اثر له كما ذكرنا مرارا.

الوجه الثاني ما رواه عقبة بن خالد

(3) و الرواية ضعيفة بمحمد بن عبد اللّه بن هلال و الكلام في انجبارها بعمل المشهور هو الكلام الجاري في الوجه السابق.

____________

(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الاجارة الحديث 1.

(2) مستدرك الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار.

(3) قد تقدم فى ص 125.

135

الوجه الثالث الاجماع

قال الماتن «اجماعا مستفيضا بل محققا»

و يرد عليه انه قد ثبت في محله ان الاجماع لا يكون حجة فان تم الامر بالتسالم و كون الحكم واضحا ظاهرا فهو و الا فالجزم بالحكم المذكور مشكل جدا و طريق الاحتياط ظاهر.

الفرع الثاني: ان الضمان المذكور ضمان معاوضة

اى يكون تلف العين واقعا في ملك البائع و يكون التلف من ماله فان الظاهر من الدليل و هو قوله «فهو من مال بايعه» صيرورة المبيع مملوكا للبائع و وقوع التلف في ماله فلا بد من تقدير كون المبيع قبل تلفه مملوكا للبائع ثم تلفه من ماله.

و لا اشكال في ان المستفاد من الحديث كذلك لكن الاشكال في سنده كما تقدم و يترتب عليه ان الاجنبي لو اتلفه يكون طرف المصالحة البائع فانه المالك لما تلف من المال.

ان قلت قوله (صلى اللّه عليه و آله) «كل مبيع تلف قبل قبضه» يدل على ان الضمان يحصل بعد التلف فلا بد من الالتزام بكون المراد بالضمان ضمان المثل أو القيمة.

قلت: قوله (صلى اللّه عليه و آله) «فهو من مال بايعه» يقتضي أن يكون التالف قبل تلفه مملوكا للبائع اللهم الا أن يقال على هذا الاساس يكون الحديث مجملا و غير قابل للاستدلال فلا بد من اتمام الامر بالاجماع و التسالم.

ثم ان مقتضى القاعدة الالتزام بكون العين مملوكة للمشتري الى زمان التلف اذ لا موجب للخروج عن ملكه و انما الضرورات تقدر بقدرها.

136

تعبدي و لا يكون من الحقوق فلا يكون قابلا للاسقاط و لا اثر لابراء المشتري و لا يرتبط هذا بعدم جواز اسقاط ما لم يجب بل الوجه فيه ان الحكم الشرعي غير قابل للاسقاط كالجواز في الهبة مثلا.

الفرع الرابع: ان نماء المبيع قبل القبض و قبل التلف مملوك للمشتري

فان القاعدة الاولية تقتضى ذلك.

ثم ان الملكية المفروضة للبائع تقديرية أو تحقيقية الحق هو الثاني فان مقتضى كون التلف من مال البائع انفساخ العقد و رجوع العين الى ملكه تحقيقا.

و أما ما أفاده الماتن من ان زمان الملكية مقدار غير قابل للتجزية فهو أمر غير معقول اذ قد ثبت في الفلسفة استحالة الجزء الذي لا يتجزى.

الفرع الخامس: انه يلحق بالتلف الحقيقي تعذر الوصول إليه عادة

فانه ملحق عند العقلاء بالتلف و يوجب انفساخ العقد و يدل عليه حديث عقبة بن خالد (1).

الفرع السادس: ان القبض اذا لم يكن شرعيا كما لو قبضه بدون اذن البائع لا يترتب عليه الاثر

و يكون كلا قبض و مما قلنا يظهر انه لا اثر للتخلية و لا للنقل و لا لوضع اليد الا في صورة صدق عنوان القبض الشرعي المترتب عليه الاثر فلاحظ.

الفرع السابع: انه لو اتلف البائع العين فهل يكون حكمه حكم تلفها بآفة سماوية

الظاهر انه ليس داخلا تحت ذلك الدليل فان حديث «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه» منصرف عن

____________

(1) قد تقدم فى ص 125.

137

صورة اتلاف البائع و ان ابيت عن الانصراف فلا اقل من الاجمال فلا يمكن الجزم بالحكم فالمحكم دليل اتلاف مال الغير فيكون البائع ضامنا للمثل أو القيمة.

نعم يمكن أن يقال انه يثبت في الفرض المذكور الخيار للمشتري لتعذر التسليم ثم انه هل للبائع الامتناع عن اداء عوض العين قبل قبضه للثمن الظاهر بحسب الارتكاز كذلك اذ لا فرق في نظر العرف و العقلاء بين المبدل و البدل من هذه الجهة.

الفرع الثامن: انه لو أتلفه المشتري فتارة يكون منشأ الاتلاف تغرير البائع

كما لو قدمه الطعام المبيع بعنوان الاطعام من قبل نفسه و اخرى لا يكون كذلك يمكن أن يقال ان دليل تلف قبل القبض منصرف عن صورة استناد التلف الى المشتري فلا بد من العمل على طبق القاعدة من بقاء العقد بحاله و تلف العين من مال المشتري غاية الامر في صورة الغرور يرجع الى البائع بالبدل من باب قاعدة الغرور.

و يمكن أن يقال في صورة الغرور يكون للمشتري خيار الفسخ لتعذر تسليم العين.

الفرع التاسع: انه لو أتلف الاجنبي العين فان قلنا بانصراف الدليل عن صورة الاتلاف

فالامر ظاهر من عدم انفساخ العقد و ضمان المتلف غاية ما في الباب تحقق الخيار للمشتري لتعذر تسليم العين.

و ان قلنا بعدم الانصراف ينفسخ العقد و يكون المتلف ضامنا للبائع بالمثل أو القيمة.

الفرع العاشر: انه لو قبضه المشتري ظلما و كان للبائع استرداده فاتلفه البائع

فهل يكون كاتلافه بعد القبض أو يكون كاتلافه قبله

138

الحق انه لا فرق بين الصورتين فانه قد مرّ ان دليل «كل مبيع تلف قبل قبضه» منصرف عن الصورة المذكورة فلا بد من الحكم على طبق القاعدة فلاحظ.

«قوله (قدس سره):

مسألة تلف الثمن المعين قبل القبض كتلف المبيع المعين»

في هذه المسألة فرعان

الفرع الأول: انه هل يجري حكم تلف المبيع قبل القبض بالنسبة الى الثمن أم لا

ما يمكن أن يذكر في تقريب المدعى وجوه:

الوجه الأول: عدم الخلاف فيه

و يرد عليه ان الاجماع لا يعتد به فكيف بعدم الخلاف.

الوجه الثاني: شمول عنوان المبيع للثمن.

و يرد عليه انه لا دليل على هذه الدعوى.

الوجه الثالث حديث عقبة بن خالد

(1) بتقريب ان المستفاد من الحديث ان المشتري بعد قبض المبيع ضامن الملك البائع الى أن يقبضه منه.

و يرد عليه أولا ان الحديث ضعيف سندا و ثانيا انه قد علق الضمان على قبض المبيع و اخراجه من البيت فالنتيجة عدم نهوض دليل معتبر على المدعى الا أن يتم الامر بالتسالم و ثالثا ان المستفاد من الحديث انه ضامن لمال البائع بالمثل أو القيمة و الكلام في المقام في أن التلف يكون في ملك الضامن و كم فرق بين الامرين.

الفرع الثاني: انه هل يجري الحكم المذكور في غير البيع

لا

____________

(1) قد تقدم فى ص 125.

139

اشكال في ان القاعدة الاولية تقتضي عدم السريان فان الحكم المذكور على خلاف القاعدة فلا بد من قيام دليل معتبر عليه.

«قوله (قدس سره):

مسألة لو تلف بعض المبيع قبل قبضه»

ذكر الماتن (قدس سره) في هذه المسألة فرعين

الفرع الأول: انه لو تلف بعض المبيع قبل قبضه و يكون ذلك البعض مما يقسط عليه الثمن يجري ذلك الحكم عليه

بتقريب ان مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الموارد فان الموضوع تلف المبيع قبل القبض فلا فرق بين كون التالف كل المبيع أو بعضه.

و يرد عليه مضافا الى اصل الاشكال الذي قد تقدم ان بعض المبيع ليس مبيعا بل بعضه و المفروض ان الحكم تعلق بعنوان المبيع و بعض المبيع لا يكون مبيعا فيكون خروجه عن الموضوع بالتخصص.

و قد ذكرنا سابقا انه لو التزم بالانحلال يلزم أن يكون في بيع الدار مثلا ثبوت الخيار للمجلس بعدد كل جزء من اجزاء الدار بل يلزم تحقق بيوع و خيارات غير متناهية لما ثبت في الفلسفة من استحالة الجزء الذي لا يتجزى.

الفرع الثاني: انه لو كان التالف مما لا يقسط عليه الثمن

كما لو فات بعض الصفات أو تعيب المبيع بعيب فلا اشكال في أن دليل تلف قبل القبض لا يشمله فلا بد من أن يعامل معه على طبق القاعدة الاولية.

فنقول: حدوث العيب أو زوال وصف الكمال اما بآفة سماوية و اما بفعل احد و على الثاني اما يكون السبب نفس المشتري و اما

140

يكون هو البائع و اما يكون هو الاجنبي فان كان الحادث بآفة سماوية يكون للمشتري خيار الفسخ بمقتضى الشرط الارتكازي لا بواسطة حديث لا ضرر فان حديث لا ضرر لا يقتضي اثبات حكم بل يقتضي نفي الحكم الضرري و ليس له اخذ الارش اذ المفروض ان السبب آفة سماوية.

و ان كان المشتري بنفسه سببا لحدوث ذلك الحادث فليس له لا الفسخ و لا الارش لعدم المقتضي فان الشرط الارتكازي ليس في مورد كون السبب هو المشتري.

و ان كان السبب هو البائع يكون للمشتري الفسخ كما ان له الارش اما الفسخ فللشرط الارتكازي و أما الارش فلأن المفروض انه المتلف و من اتلف مال الغير فهو ضامن و اما ان كان باتلاف الاجنبي فله الفسخ للشرط الارتكازي و له أن يرجع الى المتلف لكونه ضامنا بالاتلاف.

«قوله (قدس سره):

مسألة الاقوى من حيث الجمع بين الروايات حرمة بيع المكيل و الموزون قبل قبضه الا تولية»

تمامية ما أفاده (قدس سره) تتوقف على ملاحظة نصوص الباب كي نرى ان مقتضى القاعدة ما افاده أو غيره فنقول من النصوص الواردة في المقام ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا أن توليه فاذا لم يكن فيه كيل و لا وزن فبعه يعني انه يوكل المشتري بقبضه (1).

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقد الحديث 1.

141

و مقتضى هذه الرواية التفصيل بين المكيل و الموزون و بين غيرهما بالمنع عن البيع فيهما قبل القبض إلا تولية و الترخيص في بيع غيرهما قبل القبض.

و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكال قال لا يصلح له ذلك (1) و المستفاد من الحديث عدم جواز بيع الطعام قبل أن يكال.

و منها ما رواه علي بن جعفر عن اخيه انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشتري الطعام أ يصلح بيعه قبل أن يقبضه قال اذا ربح لم يصلح حتى يقبض و ان كان يوليه فلا بأس (2).

و المستفاد من الحديث التفصيل في الطعام بين بيعه قبل القبض تولية فيجوز و بين أن يربح فلا يجوز قبل القبض.

و منها ما رواه معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه فقال ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه الا أن توليه الذي قام عليه (3) و المستفاد من الحديث هو التفصيل المتقدم.

و منها ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا أن توليه فان لم يكن فيه كيل و لا وزن فبعه (4).

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقد الحديث 5.

(2) نفس المصدر الحديث 9.

(3) نفس المصدر الحديث 11.

(4) نفس المصدر الحديث 12.

142

و المستفاد منه هو التفصيل الى غيرها من النصوص و المستفاد منها ان المبيع لو كان من المكيل أو الموزون يشترط في جواز بيعه أن يكال أو يوزن و يقبض لاحظ الحديث الاول من الباب فان المستفاد منه اشتراط الصحة بالقبض و لاحظ الحديث الخامس منه و لاحظ الحديث الحادى عشر.

و لاحظ ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

قال امير المؤمنين (عليه السلام) من احتكر طعاما أو علفا أو ابتاعه بغير حكرة و اراد أن يبيعه فلا يبعه حتى يقبضه و يكتاله (1) فان المستفاد من المجموع اشتراط البيع في المكيل و الموزون بالكيل أو الوزن و الاقباض.

و في قبال هذه النصوص جملة اخرى من الروايات يمكن أن يستفاد منها خلاف ما استفيد من الطائفة الاولى منها ما رواه البصرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن رجل عليه كر من طعام فاشترى كرا من رجل و قال للرجل انطلق فاستوف حقك قال لا بأس به (2) و هذه الرواية ناظرة الى وفاء الدين بما اشترى لا بيعه فلا ترتبط بالمقام.

و منها ما رواه الكرخي قال قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) اشتري الطعام من الرجل ثم ابيعه من رجل آخر قبل أن اكتاله فاقول ابعث وكيلك حتى يشهد كيله اذا قبضته قال لا بأس (3) و هذه الرواية ضعيفة بالكرخي فلا يعتد بها.

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقد الحديث 17.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) نفس المصدر الحديث 3.

143

و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل أن يأخذها قال لا بأس به ان وجد بها ربحا فليبع (1) و المبيع في هذه الرواية لا يكون من المكيل و الموزون.

و منها ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه قال لا بأس و يوكل الرجل المشتري منه بقبضه وكيله قال لا بأس (2) و هذه الرواية ضعيفة بعلي ابن حديد.

و يستفاد الجواز في مورد خاص من حديث سماعة قال سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة و قد كان اشتراها و لم يقبضها قال لا حتى يقبضها الا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم من نصيبه من شركته بربح أو يوليه بعضهم فلا بأس (3).

و حديث سماعة ضعيف بالاضمار فان سماعة من الواقفة و لا دليل على كون اضماره عن المعصوم (عليه السلام) فلا يعتد بمضراته فتحصل انّ مقتضى الجمع بين النصوص عدم الجواز الا تولية و الجواز بعد الكيل و الوزن و القبض.

«قوله (قدس سره): و ربما يستأنس للجواز بالاخبار الواردة فى جواز بيع السلم على من هو عليه»

و هذا الاستيناس على خلاف القاعدة اذ التخصيص في كل عام و التقييد في كل مطلق امر جائز مضافا الى أن الكلام فى المقام في

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقد الحديث 4.

(2) نفس المصدر الحديث 6.

(3) نفس المصدر الحديث 15.

144

بيع العين قبل القبض من غير بايعها فلا جامع بين الفرعين.

«قوله (قدس سره): ثم ان صريح التحرير و الدروس الاجماع على الجواز فى غير المكيل و الموزون»

هذا على طبق القاعدة فان القاعدة الاولية تقتضي الجواز على الاطلاق و انما نرفع اليد عنها في خصوص المكيل و الموزون كما صرح بالتفصيل في جملة من النصوص فلاحظ.

ثم انه هل يختص الحكم المذكور بالمبيع الشخصى أم يعم الكلي في الذمة الظاهر هو الثاني بمقتضى اطلاقات النصوص.

ثم انه ما المراد من الحرمة اي المراد الفساد أو الحكم التكليفي لا اشكال في ظهور النهي في الحرمة التكليفية و لكن لو قيل بظهور النهي في امثال المقام في الفساد الوضعى لا يكون جزافا اذ لا يحتمل ان مجرد الانشاء يكون حراما تكليفيا بل لا اشكال في المدعى بحسب بعض النصوص لاحظ ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال فى الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكتاله قال لا يصلح له ذلك (1).

فان قوله (عليه السلام) لا يصلح ظاهر بحسب الظهور العرفي في الحكم الوضعي.

ثم ان الماتن ذيّل كلامه بجملة من التنبيهات. التنبيه الاول: انه هل يلحق الحكم المذكور الثمن أم لا فنقول لا اشكال في أن الاصل الاولى عدم الالحاق فان الالحاق يحتاج الى الدليل.

و ربما يقال في وجه الالحاق بأن ملاك المنع مشترك بين المبيع و الثمن و هو ضعف الملكية قبل القبض. و الوجه المذكور اوهن من بيت العنكبوت.

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 13.

145

و ربما يستدل على الجواز بما رواه يعقوب بن شعيب (1) و يرد عليه أولا انه حكم خاص في مورد مخصوص و لا وجه للتعدي و ثانيا ان الثمن في الحديث فرض دراهم و الكلام في المكيل و الموزون.

و ثالثا انّ الكلام في بيع الثمن و الظاهر بل الصريح في الرواية جعل دراهم ثمنا في البيع الثاني.

و رابعا ان المفروض في الحديث العقد مع من يكون الدراهم عليه و الكلام في بيعه من ثالث فلاحظ.

التنبيه الثاني: ان الحكم المذكور هل يختص بالبيع أم يعم غيره من المبادلات الحق هو الاول فانه حكم على خلاف القاعدة الاولية فلا بد من الاقتصار فيه بمقدار دلالة الدليل و هو وارد في البيع فلو وقع العقد على المبيع بصورة الصلح يجوز و لو كان قبل القبض و قبل الكيل و الوزن.

التنبيه الثالث: ان المنهي عنه خصوص البيع أو يعم النهي تطبيق الكلي على الفرد فلو كان عليه دين كلي كمن من الحنطة فدفع دراهم للدائن و قال اشتر بها من حنطة و اقبضه بدل طلبك هل يجوز أم لا.

الظاهر هو الجواز فان تطبيق الكلي على الفرد لا يكون مصداقا للبيع و الدليل مختص بالبيع فلاحظ و يمكن الاستدلال على الجواز بما رواه ابن شعيب: سألته عن الرجل يكون له على الاخر احمال من رطب أو تمر فيبعث إليه بدنانير فيقول اشتر بهذه و استوف منه الذي لك قال لا بأس اذا ائتمنه (2).

____________

(1) قد تقدم فى ص 121.

(2) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف ذيل حديث 1.

146

و ربما يقال بأنه يستفاد عدم الجواز من حديثى حلبي قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اسلفه دراهم في طعام فلما حل طعامى عليه بعث الى بدراهم و قال اشتر لنفسك طعاما و استوف حقك قال: ارى ان تولي ذلك غيرك و تقوم معه حتى تقبض الذي لك و لا تتولي انت شرائه (1).

و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلف دراهم في طعام فحل الذي له فأرسل إليه بدراهم فقال اشتر طعاما و استوف حقك هل ترى به بأسا قال يكون معه غيره يوفيه ذلك (2).

و لا يبعد أن يكون المستفاد من الخبرين الكراهة و على فرض التعارض بين دليل المانع و المجوز تصل النوبة الى الاخذ بالقاعدة الاولية و هي تقتضي الجواز فان المقام من اشتباه الحجة بغيرها اذ الاحدث غير معلوم.

ثم انه لا فرق في الجواز بين كون الطعام المشترى شخصيا و بين كونه كليا اذ غاية ما يمكن أن يقال ان الايفاء بالكلي المشترى يتوقف على القبض و الاقباض كي يتعين ذلك الكلى في الشخص الخارجي و يصير ملكا للمديون و بعده يوفى به دينه.

لكن يرد عليه انه يمكن الوصول الى المطلوب بالحوالة أو الوكالة و اجراء حكم البيع على الوكالة و الحوالة بلا وجه.

____________

(1) نفس المصدر الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

147

«قوله (قدس سره): الرابع ذكر جماعة انه لو دفع الى من له عليه طعام دراهم و قال اشتر بها لنفسك طعاما لم يصح»

بتقريب ان المعاوضة تتوقف على دخول كل من العوضين في موضع خروج العوض الاخر عنه و أما خروج الثمن من كيس احد و دخول المعوض في كيس شخص آخر فغير معقول.

و لكن ذكرنا سابقا انه لا مانع عنه اذا صدق عليه عنوان البيع و قلنا السيرة جارية على أن الانسان يدفع الثمن للخباز مثلا و يشتري رغيفا للفقير و لا نرى مانعا عنه من هذه الجهة و لا يتوجه الاشكال.

و في الدورة السابقة قلنا يتوجه الاشكال من ناحية اخرى و هي ان ما يشتري الغريم بدرهم المديون يدخل في كيس الدائن فيكون الضمان و الدين باقيا بحاله اذ سقوط الدين عن ذمة المديون اما بالابراء و اما بالاداء و اما بالتبديل و شيء من هذه الوجوه لم يتحقق في المقام فلا بد من الالتزام بكون اللام للمنفعة اى يشتري الغريم للمديون و بعد ذلك يأخذه بدلا عن دينه.

و لكن يختلج بالبال أن يقال: ان النحو المذكور من طرق اداء الدين اي دفع الدرهم أو الدينار و الامر بالاشتراء لنفسه من طرق الاداء.

ان قلت مقتضى قوله تعالى «إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ»

حصر اكل مال الغير بالتجارة و من ناحية اخرى صدق عنوان التجارة على غير البيع اوّل الكلام و الاشكال فما الحيلة.

قلت يكفي للالتزام بالجواز السيرة الجارية العقلائية الممضاة عند الشارع الاقدس غاية ما في الباب لزوم التخصيص في الآية الشريفة و هو ليس بعزيز كما ان تقييد المطلق كذلك فلاحظ.

148

«قوله (قدس سره): كما ورد فى مورد بعض الاخبار السابقة اشتر لنفسك طعاما»

لاحظ ما رواه الحلبي (1).

«قوله (قدس سره):

مسألة لو كان له طعام على غيره فطالبه فى غير مكان حدوثه فى ذمته»

تعرض الماتن في هذه المسألة لفروع ثلاثة

الفرع الأول انه لو أسلفه طعاما في العراق و طالبه في المدينة مع عدم الاشتراط

فلا اشكال في عدم وجوب ادائه في ذلك البلد و أيضا لا تجب اجابته لو طالبه باداء قيمته في ذلك البلد بل عدم الوجوب فيه اولى لعدم المقتضي للوجوب.

انما الكلام فيما لو طلبه بالقيمة في بلد المطالبة و تراضيا به فهل يجوز أم لا ربما يقال بعدم الجواز لعدم جواز بيع المكيل و الموزون قبل القبض.

و يرد عليه أولا ان الكلام في البيع و يمكن ان تكون المبادلة على نحو الصلح و اجراء حكم البيع على مطلق المبادلة تخرص بالغيب و ثانيا ان النهي تعلق بالبيع من غير البائع و اما بيع ما يشترى من نفس البائع فليس محل الكلام مضافا الى أن النص الخاص دال على الجواز بالنسبة الى البائع.

لاحظ ما رواه الحلبي قال سئل ابو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلم دراهمه في خمسة مخاتيم من حنطة او شعير الى اجل مسمّى و كان الذي عليه الحنطة و الشعير لا يقدر على أن يقضيه جميع الّذي

____________

(1) قد تقدم فى ص 146.

149

له اذا حل فسأل صاحب الحق أن يأخذ نصف الطعام أو ثلثه أو اقل من ذلك أو اكثر و يأخذ رأس مال ما بقى من الطعام دراهم قال لا بأس (1).

«قوله (قدس سره): لان الطعام الّذي يلزمه دفعه معدوم»

الذي يختلج بالبال أن يقال لا مجال لوصول النوبة الى البدل اي القيمة اذ المفروض ان الدين هو الكلي في الذمة و انعدام الكلى لا معنى له و من ناحية اخرى لا مقتضي للزوم دفع القيمة مع امكان دفع العين و لو بعد مدة.

نعم يمكن أن يقال ان المشتري له خيار الفسخ بواسطة التأخير لا اجبار المديون على دفع القيمة اللهم الا أن يتعذر دفع الكلي و صار بحيث لا يمكن دفع مصداق منه فطبعا تصل النوبة الى البدل.

«قوله (قدس سره): و قد يتوهم انه يلزم من ذلك جواز مطالبة الطعام و ان كان ازيد قيمة»

الظاهر ان التوهم المذكور في محله اذ لو فرض ان الدائن يكون له حق المطالبة فلا فرق بين الصورتين فلاحظ.

«قوله (قدس سره): فالظاهر وجوب الطعام عليه»

الامر كما أفاده فان المفروض ان الدين قد حلّ اجله و المديون يمكنه الوفاء فيجب عليه و يجوز للدائن مطالبته و اللّه العالم.

الفرع الثاني أن يكون ما عليه قرضا

افاد (قدس سره) ان الدائن لا يستحق المطالبة بالمثل مع اختلاف القيمة لانها انما يستحقها في بلد القرض فالزامه بالدفع في غيره اضرار.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 7.

150

و يرد عليه أولا ان حديث لا ضرر لا يكون حاكما على ادلة الاحكام بل مفاده النهي عن الاضرار.

و ثانيا ان ضرر الدائن يعارضه ضرر المديون بالصبر و لا ترجيح و الذي يختلج بالبال أن يقال انه يجوز مطالبة المديون بنفس العين بعد حلول الاجل و لا مقتضي للانتقال الى القيمة.

ثم انه لا نتصور المثل في المقام اذ المفروض ان الدين كلي فيدور الامر بين دفع نفس العين و دفع القيمة و بعبارة اخرى: اما يوجد فرد الكلي في الخارج و اما لا يوجد أما على الاول فما يتحقق به الرد مصداق ذلك الكلي لا مثله.

و أما على الثاني فتكون القيمة متعينة فلا مورد يدور الامر فيه بين الامرين فلاحظ.

و صفوة القول انه يجوز مطالبة المديون بنفس العين اذ المفروض حلول الاجل الا أن يشترط حين العقد اشتراط الدفع بكونه في بلد القرض و يأذن المقرض للمقترض أن لا يدفع الدين في غير بلد القرض.

ثم انه لا وجه لوصول النوبة الى القيمة الا مع فرض عدم امكان وجود الطبيعة في الخارج فانه في هذا الفرض تصل النوبة الى القيمة و الميزان في القيمة بلد المطالبة و الا فلا مقتضي لها.

الفرع الثالث: أن يكون الاستقرار بواسطة الغصب

و في هذه الصورة يكون للمالك مطالبة المديون بنفس العين فان كان المتالف مثليا يجب دفعه و لو كان قيميا تجب القيمة و لو كان قيمة المغصوب اقل قيمة في بلد الغصب.

و لا مجال للاخذ بدليل لا ضرر اذ يرد على الاستدلال به أولا ان

151

مفاده النهي لا النفي و ثانيا ان ضرر المديون باداء الاكثر يعارض بضرر الدائن بالصبر و لا مرجح.

و ثالثا ان دليل لا ضرر لا يتقدم على الدليل الذي يكون مفاده الضرر و لذا نرى ان الحج و الخمس و الزكاة و امثالها واجبة و تكون ادلتها مخصصة لدليل لا ضرر و يؤيد المدعى بما اشتهر بين الاصحاب من أن الغاصب يؤخذ باشق الاحوال. و على الجملة مع امكان تأدية مصداق ذلك الكلي يجب و على تقدير عدم امكانه تصل النوبة الى القيمة فلاحظ.

و الحمد للّه و له الشكر و قد وقع الفراغ من كتابة هذا التعليق في ليلة الاحد الحادي و العشرين من شهر ذي حجة الحرام من السنة 1415 بعد الهجرة على مهاجرها آلاف التحية و الثناء في بلدة قم المقدسة عش اهل بيت العصمة و الطهارة و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين و رحمة اللّه و بركاته.

152

[الفوائد التي تكون موجبة لتجديد النظر في كثير من الفروع الاستنباطية]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين اما بعد فقد سألني بعض الافاضل ان اضمّ الى كتابنا عمدة المطالب جملة من الفوائد التى خطرت ببالى القاصر طوال سنين كي ينتفع بها رواد الفضيلة و العلم و حيث كان المطلوب أمرا حسنا و ذات اهمية أجبت و لذا قمت بهذه المهمة و اذكر تلك الفوائد التي تكون موجبة لتجديد النظر في كثير من الفروع الاستنباطية و ما توفيقي الا باللّه عليه توكلت و إليه انيب.

الفائدة الأولى: ان المرجح في باب التعادل و الترجيح منحصر في الأحدثية

و تفصيل هذا الاجمال انه لو وقع التعارض بين الحديثين بالتباين الكلي أو الجزئي و لا يكون احدهما قابلا لرفع اليد به عن الاخر فمقتضى القاعدة الاولية التساقط اذ المفروض عدم امكان الجمع بينهما و عدم جواز ترجيح احدهما على الاخر بلا مرجح فالقاعدة تقتضي تساقطهما فهل يكون مقتضى الدليل الثانوي التوقف أو التخيير أو الترجيح بالمرجح الموجود في احد الطرفين أو الاحتياط أو غير ذلك؟