عمدة المطالب في التعليق على المكاسب - ج4

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
224 /
153

و الروايات الواردة في هذا المقام مختلفة

الطائفة الاولى ما يدل على وجوب التوقف:

منها ما رواه عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما- الى أن قال: فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم (حديثنا- خ) فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقهما و أصدقهما في الحديث و اورعهما و لا يلتفت الى ما يحكم به الاخر.

قال: فقلت فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل (ليس يتفاضل) واحد منهما على صاحبه قال: فقال: ينظر الى ما كان من رواياتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه- الى أن قال: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة.

قلت: جعلت فداك ان رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا احد الخبرين موافقا للعامة و الاخر مخالفا لهم بايّ الخبرين يؤخذ.

فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت: جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا قال: ينظر الى ما هو إليه أميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا قال اذا كان ذلك فارجئه

154

حتى تلقي إمامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (1).

و الراوي الاول في الحديث غير معتبر فان عمر بن حنظلة لم يوثق مضافا الى كون الحديث مختصا بزمان امكان الوصول الى الامام (عليه السلام).

و منها مرسل الطبرسي: روى سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا الاخذ به و الاخر ينهانا عنه قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله عنه قال قلت: لا بدّ من أن نعمل باحدهما قال خذ بما فيه خلاف العامة (2).

و المرسل لا اعتبار به مضافا الى اختصاصه بزمان امكان الوصول الى الامام (عليه السلام).

و منها ما رواه في السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجال لعلي ابن محمد ان محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك صلوات اللّه عليهم قد اختلف علينا فيه فكيف العمل به على اختلافه أو الرد أليك فيما اختلف فيه فكتب (عليه السلام) ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم تعلموا فردوه إلينا (3).

و غاية ما يستفاد منه التوقف فيكون قابلا لان يقيد بما يدل على

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 1.

(2) جامع الاحاديث ج 1 ص 266 الحديث 32.

(3) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 36.

155

ترجيح احد الطرفين بالمرجح الخارجي.

و بعبارة اخرى علم انه على فرض تمامية الدليل على التوقف لا بدّ من تقييده بما يدل على الترجيح بالمرجح.

اضف الى ذلك كله ان غاية ما يستفاد من الطائفة المشار إليها انه لا يجوز الاخذ باحد الطرفين و الحكم به لكن لا تنافي بين عدم الاخذ باحدهما و الاخذ بالدليل اللفظي الاخر من عموم أو اطلاق ان كان و الا فبالاصل العملي بمقتضاه فلاحظ.

الطائفة الثانية: ما يدل على التخيير

منها ما أرسله في الاحتجاج روي عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) انه قال: قلت:

للرضا (عليه السلام) تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة قال: ما جاءك عنه (عنا- خ ل) فقسه على كتاب اللّه عز و جل و أحاديثنا فان كان يشبهها فهو منا و ان لم يشبهها فليس منا.

قلت يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم ايهما الحق فقال: اذا لم تعلم فموسع عليك بايهما أخذت (1) و المرسل لا اعتبار به.

و منها ما رواه ابن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه (2).

و فيه ان الرواية لا ترتبط بالمقام فان المستفاد منها اعتبار قول الثقة و لا تعرض فيها للتعارض فلاحظ.

____________

(1) جامع الاحاديث ج 1 ص 260 الحديث 20.

(2) نفس المصدر الحديث 21.

156

و منها مرفوعة العلامة الى زرارة بن اعين قال: سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبايهما آخذ قال (عليه السلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر.

فقلت: انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال (عليه السلام): خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك.

فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال (عليه السلام): انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم قلت: ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع فقال (عليه السلام): اذا فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط.

فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع فقال (عليه السلام): اذا فتخير احدهما فتأخذ به و تدع الاخر (1) و المرفوعة لا اعتبار بها.

و منها ما ارسله الكليني في ديباجة الكتاب: فاعلم يا اخي ارشدك اللّه انه لا يسع احدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه الاعلى ما أطلقه (اطلعه- خ ل) العالم (عليه السلام) بقوله: اعرضوها على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه جل و عز اقبلوه (فخذوه- خ ل) و ما خالف كتاب اللّه عز و جل فردوه.

و قوله (عليه السلام): دعوا ما وافق القوم فان الرشد في خلافهم و قوله (عليه السلام) خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه و نحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من رد علم ذلك كله الى العالم (عليه السلام) و قبول ما وسع من الامر فيه

____________

(1) جامع الاحاديث ج 1 ص 255 الحديث 2.

157

بقوله بايما اخذتم من باب التسليم وسعكم (1) و المرسل لا اعتبار به.

و منها ما رواه ابن مهزيار قوله: «فروى بعضهم أن صلّهما في المحمل و روى بعضهم لا تصلهما الا على الارض فاعلمني كيف تصنع انت لأقتدي بك في ذلك فوقع (عليه السلام): موسع عليك باية عملت (2).

و هذه الرواية لا يستفاد منها المدعى بل المستفاد منها التخيير في الاتيان بالنافلة بين الامرين فلا ترتبط بما نحن فيه.

و منها ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه في امر كلاهما يرويه احدهما يأمر بأخذه و الاخر ينهاه عنه كيف يصنع قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه (3).

و المستفاد من الرواية عدم الجزم باحد الطرفين و تأخير الامر الى أن يصل الى من يخبره بواقع الامر و الى ذلك الزمان في سعة أي لا يكون الزام لا بطرف الفعل و لا بطرف الترك فلا ترتبط الرواية بالمقام مضافا الى أن الحكم يختص بزمان الحضور.

و منها جواب مكاتبة الحميري الى صاحب الزمان (عليه السلام) الى أن قال (عليه السلام) في الجواب عن ذلك حديثان اما احدهما فاذا انتقل من حالة الى اخرى فعليه التكبير و أما الاخر فانه روي انه اذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الاول يجري هذا المجرى

____________

(1) نفس المصدر الحديث 3.

(2) جامع الاحاديث ج 1 ص 269 فى ذيل حديث 42.

(3) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 5.

158

و بايهما أخذت من باب التسليم كان صوابا (1).

و فيه انه حكم خاص وارد في مورد مخصوص و لا وجه لاسرائه الى غير مورده لعدم المقتضي للاسراء مضافا الى أن مقتضى القاعدة في مورد الرواية تخصيص العموم بالخصوص و عدم ملاحظة النسبة و اجراء التعارض على خلاف القاعدة.

فكيف يمكن التعدي عن المورد فان مقتضى الجمع بين الحديثين أن يقيد الحديث الاول بالحديث الثاني و لكن الامام (عليه السلام) امر بغير النحو المذكور و أمره مطاع و لكن لا يتعدى عن المورد.

و منها ما عن الفقه الرضوي (عليه السلام) و النفساء تدع الصلاة اكثره مثل ايام حيضها الى أن قال: و قد روي ثمانية عشر يوما و روي ثلاثة و عشرون يوما و بأي هذه الاحاديث اخذ من جهة التسليم جاز (2). و لا اعتبار بالحديث سندا.

فالنتيجة انه لا دليل على التخيير و على فرض وجود دليل عليه على نحو الاطلاق لا بد من أن يقيد بما يدل على الترجيح بالمرجح.

ثم انه على القول به هل يكون ابتدائيا أو استمراريا يمكن القول بالاستمرار لوجهين احدهما استصحاب التخيير فان مقتضاه بقائه.

ثانيهما: اطلاق دليل التخيير فانه في كل زمان يصدق التعارض و مع صدقه يترتب عليه حكمه اعني التخيير.

و يرد على الوجه الأول عدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلي بالمعارضة و أما الوجه الثاني فالظاهر انه تام.

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 39.

(2) مستدرك الوسائل ج 17 الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 12.

159

الطائفة الثالثة: ما يدل على الاحتياط

منها ما رواه العلامة (1).

و هذه الرواية لا اعتبار بها سندا.

الطائفة الرابعة: ما يدل على الترجيح بمخالفة القوم.

منها ما رواه الحسين بن السري قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم (2) و الحديث ضعيف بالارسال و بغيره.

و منها ما رواه الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (عليه السلام): هل يسعنا فيما ورد علينا منكم الا التسليم لكم فقال: لا و اللّه لا يسعكم الا التسليم لنا فقلت: فيروى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) شيء و يروى عنه خلافه فبايهما نأخذ فقال: خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه (3).

و الحديث ضعيف بأبي البركات فانه مخدوش كما ستعرف ان شاء اللّه تعالى.

و منها ما رواه محمد بن عبد اللّه قال: قلت للرضا (عليه السلام) كيف نصنع بالخبرين المختلفين فقال: اذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا الى ما يخالف منهما العامة فخذوه و انظروا الى ما يوافق اخبارهم فدعوه (4).

و الحديث ضعيف سندا و منها ما ارسله الكلينى (5) و المرسل لا اعتبار به.

____________

(1) قد تقدم ذكر الحديث فى ص 156.

(2) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 30.

(3) نفس المصدر الحديث 31.

(4) نفس المصدر الحديث 34.

(5) قد تقدم ذكر الحديث فى ص 156.

160

الطائفة الخامسة: ما يدل على الترجيح بموافقة الكتاب.

منها رواه حسن بن الجهم (1) و هذه الرواية ضعيفة بالارسال.

و منها ما رواه احمد بن الحسن الميثمي انه سأل الرضا (عليه السلام) في حديث طويل الى أن قال (عليه السلام): فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب (2) و الحديث ضعيف سندا.

الطائفة السادسة: ما يدل على الترجيح بموافقة الكتاب أولا و بمخالفة القوم ثانيا.

لاحظ ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق (عليه السلام): اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فردوه فان لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه (3).

و عبّر سيدنا الاستاد عن هذه الرواية بالصحيحة (4) و الحال ان الامر ليس كذلك فان من جملة رجال السند أبا البركات و قال سيدنا الاستاد في رجاله:

قال الشيخ الحر في تذكرة المتبحرين: الشيخ ابو البركات على ابن الحسين الجوزي الحلي عالم صالح محدث يروى عن أبى جعفر ابن بابويه (5).

____________

(1) قد تقدم ذكر الحديث فى ص 155.

(2) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 21.

(3) نفس المصدر الحديث 29.

(4) مصباح الاصول ج 3 ص 415.

(5) معجم رجال الحديث ج 11 ص 375.

161

و يرد على سيدنا الاستاد أولا: ان الحر (قدس سره) من المتأخرين و سيدنا الاستاد لا يرى اعتبار توثيقهم الا أن يقال انه ما الفرق بين توثيق المتقدم و المتأخر فان الفصل الزماني الطويل ان كان مانعا عن الحجية فتوثيق النجاشي للرواة الاسبقين غير معتبر و ان لم يكن مضرا فلا وجه لعدم الاعتبار.

و يمكن ان يقال في وجه الفرق: ان المتقدمين كالنجاشي و اضرابه كانوا مجدين على وجدان مدارك وثاقة الرجال فكيف يمكن أن لا يجدوا المدرك و المتأخرين عنهم يجدون فيعلم ان توثيق الحر و اضرابه اجتهادي و حدسي لا حسي فلا أثر له. و لكن بنينا اخيرا ان توثيق المتأخر كتوثيق المتقدم اذا كان ناشيا عن الحس يكون معتبرا.

و ثانيا: ان الحرّ لم يوثق الرجل و لم يقل انه ثقة بل قال «صالح»

و الحال ان ديدن الرجالين في الرجال التصريح بالوثاقة و لا يكتفون في التوثيق بالتعبير عن الموثق بقولهم «ديّن» أو «صالح» و لاثبات هذه الدعوى نذكر عدة موارد منهم المفيد فان العلامة و النجاشي و الشيخ صرحوا بكونه ثقة.

و منهم الطوسي فان العلامة و النجاشي صرحا بوثاقته. و منهم الكليني فان العلامة و الشيخ و النجاشي صرحوا بوثاقته و منهم زرارة فقد صرح العلامة و النجاشي و الشيخ بوثاقته.

و منهم الشيخ علي بن عبد الصمد التميمي قال الشيخ منتجب الدين في فهرسته: ديّن ثقة و منهم قطب الدين سعيد بن هبة اللّه قال منتجب الدين في حقه، فقيه عين صالح ثقة.

و منهم علي بن عبد العالي قال الحر في ترجمته: كان فاضلا عالما متبحرا محققا مدققا جامعا كاملا ثقة زاهدا عابدا ورعا

162

جليل القدر عظيم الشأن فريدا في عصره.

فنرى انهم يصرحون بالوثاقة في موارد تراجمهم فان الحرّ فرق بين الموردين بالتصريح بالوثاقة في احد الموردين مع تصريحه بكونه ورعا و لم يذكر الوثاقة في الاخر و اكتفى بقوله صالح.

ان قلت: اذا لم يكن شخص ثقة كيف يمكن أن يقال في حقه صالح؟ قلت لا يبعد انه اذا كان شخص بحسب الظاهر يصلي و يصوم و يحضر المجالس الدينيّة و يبكي لذكر مصائب الائمة (عليهم السلام) يصح أن يقال انه صالح اي ظاهر الصلاح.

و الذي يدل على صحة هذه المقالة ان الشهادة بالصلاح لا تكون شهادة بالعدالة فعلى هذا الاساس لا يكون التعبير المذكور توثيقا و لا اقل من عدم امكان الجزم به.

و ثالثا: ان الحرّ (قدس سره) قال في الفائدة الثانية عشرة من فوائده في الخاتمة من الوسائل «و انما نذكر هنا من يستفاد من وجوده في السند قرينة على صحة النقل و ثبوته و اعتماده و ذلك اقسام.

و قد يجتمع منها اثنان فصاعدا.

منها من نص علمائنا على ثقته مع صحة عقيدته، و منها من نصوا على مدحه و جلالته و ان لم يوثقوه مع كونه من أصحابنا الخ.

فيمكن أن يكون قوله فلان صالح مستندا الى نص العلماء بجلالته و مدحه فكيف يمكن الاعتماد على قوله في حق الرجل «صالح» و يجزم بكونه ثقة مستندا الى شهادة الحرّ.

و رابعا: انه قابل في كلامه في هذا المقام بين التوثيق و المدح فان المدح بمجرده لا يكون توثيقا بصريح عبارته فلا يكون قوله

163

فلان صالح توثيقا.

و خامسا: ان الحرّ (قدس سره) قال في جملة من كلامه و منها من وقع الاختلاف في توثيقه و تضعيفه فان كان توثيقه أرجح فوجوده في السند قرينة الخ.

فانه يظهر من هذه العبارة انه يجتهد في مقام الاعتماد و كون الشخص ثقة، و من الظاهر انه لا اعتبار باجتهاد الشاهد في مقام الشهادة.

و سادسا ان الحر (قدس سره) قال في الفائدة الثامنة من كتاب امل الامل ج 1 ص 17 اعلم انني تتبّعت احوال علمائنا المتأخرين جهدي بعد ما كانت اسمائهم و احوالهم و مؤلفاتهم متفرقة متشتتة في كتبهم و اجازاتهم و غيرها و سمعت كثيرا منها من افواه مشايخنا و معاصرينا الخ.

و قال في الفائدة العاشر ص 18 في ذكر الكتب التى انقل منها اعلم انّي نقلت في هذا الكتاب من فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن عبيد اللّه ابن بابويه الى ان قال.

و قد نقلت أيضا من تاريخ ابن خلكان من نسخة بخط مؤلفه و من يتيمة الدهر للثعالبي و من دمية القصر لابى الحسن الباخرزي و من طبقات الادباء لعبد الرحمن بن محمد الانبارى و هؤلاء الاربعة من العامة لكن مدحهم لعلماء الامامية بعيد عن التهمة.

و قد ذكر نظير هذه العبارة في المجلد الثاني من كتاب امل الامل (تذكرة المتبحرين) ص 369.

فترى ان توثيقات الحر و توصيفاته للرواة على اى اساس فالنتيجة ان شهادة الحر بوثاقة احدا و توصيفه شخصا بكونه صالحا

164

مثلا لا يترتب عليه اثر فيكون الحديث الّذي محل الشاهد في مقام الترجيح ساقطا عن الاعتبار فلا دليل على ترجيح احد المتعارضين بموافقة الكتاب و لا بمخالفة العامة.

الطائفة السابعة: ما يدل على الترجيح بالاحدثية.

منها ما رواه ابو عمرو الكناني قال: قال لي ابو عبد اللّه (عليه السلام): يا با عمرو أ رأيت لو حدثتك بحديث أو افتيتك بفتيا ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو افتيتك بخلاف ذلك بايهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما و ادع الاخر فقال: قد أصبت يا أبا عمرو أبي اللّه الا أن يعبد سرا، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك انه لخير لي و لكم أبي اللّه عز و جل لنا في دينه الا التقية (1).

و منها ما ارسله الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بايهما كنت تأخذ؟ كنت آخذ بالاخير فقال لي: رحمك اللّه (3) و المرسل لا اعتبار به.

و منها مرسل الكليني و في حديث آخر خذوا بالاحدث (4) و الحديث ضعيف سندا بالارسال.

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 17.

(3) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 7.

(4) نفس المصدر الحديث 9.

165

قلت له: ما بال اقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه قال: ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن (1).

و مقتضى هذه الرواية ان الاعتبار بالحديث الثاني فالاحدث حجة و ناسخ للمتقدم.

و اورد عليه سيدنا الاستاد بأن ضرورة المذهب على عدم امكان نسخ القرآن أو السنة بالخبر الظني فلا بد من كون الخبر مقطوع الصدور و مقطوع الصدور خارج عن محل الكلام و ان كان المراد من النسخ التخصيص أو التقييد فلا كلام في تخصيص العام و تقييد الاطلاق بالمخصص و المقيد.

و يرد عليه أولا انه لم يفرض في الحديث كون الوارد عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مقطوع الصدور بل مطلق من هذه الجهة و الميزان الكلي الاخذ بالإطلاق و رفع اليد عنه بالمقدار الذي علم بعدم ارادته. فنقول: نقيد نسخ الاول بالثاني بصورة عدم كون الاول مقطوع الصدور.

و ثانيا ان الميزان الكلي الاخذ بإطلاق الجواب لا بخصوص السؤال، و الجواب في الحديث مطلق فان قوله (عليه السلام): الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن مطلق شامل لكون كلا الخبرين من النبي الاكرام أو كليهما من غيره أو يكون احدهما عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الاخر عن الامام (عليه السلام).

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 4.

166

و على جميع التقادير يكون كلاهما مقطوعي الصدور أو مظنوني الصدور أو بالاختلاف، فبالمقدار الذي قامت ضرورة المذهب على خلافه ترفع اليد و في الباقى يؤخذ بالدليل و يلتزم به.

و منها: ما رواه منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): ما بالى اسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر فقال: انا نجيب الناس على الزيادة و النقصان.

قال قلت: فاخبرني عن أصحاب رسول اللّه صدقوا على محمد (صلى اللّه عليه و آله) أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا.

قال: قلت فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أ ما تعلم ان الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الاحاديث بعضها بعضا (1).

و يمكن الاستدلال بهذه الرواية على المدعى بتقريبين: التقريب الاول: انه (عليه السلام) قال في جواب السائل أو لا «انا نجيب الناس على الزيادة و النقصان» و يفهم العرف ان الميزان بالمتأخر من الجواب.

التقريب الثاني: انه (عليه السلام) قال في آخر كلامه «فنسخت الاحاديث بعضها بعضا» بنحو العام الاستغراقي فالاحاديث كلها نبويا كان الخبر أو غيره ينسخ كما ينسخ القرآن.

____________

(1) الاصول من الكافى ج 1 ص 65 الحديث 3.

167

التقريب الثالث: أن نفرض كون الألف و اللام في كلامه الاخير للعهد و الاشارة الى الاخبار النبوية و لكن نقول: العرف يفهم من مجموع الكلام صدرا و ذيلا ان الميزان بالخبر الثاني و هذا هو المطلوب و المدعى في المقام.

الفائدة الثانية: [العلم الإجمالي لا ينجز إلا في بعض الأطراف]

ان المشهور عند القوم تنجز العلم الاجمالي بالنسبة الى جميع الاطراف و الحق ان العلم الاجمالي لا ينجز الا في بعضها و لا مانع عن جريان الاصل في بقية الاطراف تخييرا و تفصيل هذا الاجمال و هو جريان الاصل في احد الطرفين أو الاطراف بنحو التخيير انّ

التخيير يتصور على صور:

الصورة الأولى: التخيير الاصولي

كالتخيير في باب الاخذ باحد الخبرين المتعارضين فان المجتهد يأخذ باحد المتعارضين و يفتي على طبقه و هذا النحو من التخيير لا مانع منه ثبوتا و لكن لا دليل عليه في مقام الاثبات.

الصورة الثانية: التخيير الوارد في مورد المتزاحمين

فان مثله أيضا غير جائز في المقام فان باب التزاحم متقوم بتكليفين متزاحمين بحيث لا يمكن الجمع بين امتثالهما فتكون النتيجة التخيير و أما في المقام فحيث ان المكلف يقدر على الامتثال القطعي بالاجتناب عن جميع الاطراف فذلك التخيير اجنبي عن المقام أيضا.

الصورة الثالثة: التخيير العقلي

الثابت بضميمة الدليل الشرعي من جهة الاقتصار على القدر المتيقن في رفع اليد عن ظواهر الادلة

168

كما لو دلّ دليل على وجوب اكرام كل عالم و علمنا عدم وجوب اكرام زيد العالم و بكر العالم تعيينا لكن يحتمل وجوب اكرامهما تخييرا فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن.

بأن نقول مقتضى اطلاق دليل الوجوب وجوب اكرام كل منهما على الاطلاق و لكن نعلم بأن اكرام كل منهما يقتضي عدم وجوب اكرام الاخر و نشك في سقوط الوجوب عن كل واحد عند ترك اكرام الآخر و مقتضى اطلاق الدليل رفع اليد عنه في الجملة فنلتزم بوجوب اكرام كل واحد منهما عند ترك الاخر و عدم وجوبه عند فعل الاكرام بالنسبة الى الاخر.

اذا عرفت ما تقدم نقول:

ما يمكن أن يقال في تقريب منع شمول دليل الاصل أو الامارة لكلا الطرفين أو الاطراف أو قيل وجوه:

الوجه الأول: ما عن الميرزا النائيني

بأن الاطلاق اذا كان غير ممكن فالتقييد مثله اذ التقابل بين الاطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة و اذا استحال احد المتقابلين بالعدم و الملكة استحال الطرف الآخر فلا يمكن انطباق الصورة الثالثة على المقام.

و لكن ذكرنا مرارا ان التقابل بين الاطلاق و التقييد بالتضاد مضافا الى أن استحالة احدهما تستلزم وجوب الاخر لاستحالة الاهمال في الواقع.

و الحق ان استحالة احد المتقابلين بالتقابل المذكور في جملة من الموارد توجب وجوب الطرف الاخر مثلا افتقار الممكن الى الواجب واجب و الحال ان غناه عنه محال و افتقار الباري الى مخلوقه

169

محال و غناه عنه واجب و أيضا علم المخلوق بالخالق محال و جهله به واجب و جهل الواجب بالممكن محال و علمه به واجب فهذا الوجه غير وجيه.

الوجه الثاني: ان ترخيص كل من الطرفين بشرط ترك الطرف الآخر يوجب الجمع في الترخيص

فان المكلف اذا ترك كلا الطرفين يتحقق الشرط من كلا الجانبين فيكون ارتكاب كليهما جائزا و كيف يمكن أن يجوز الشارع الاقدس ارتكاب الحرام.

و يرد عليه انه لا يتوجه محذور لا من ناحية المبدأ و لا من ناحية المنتهى أما من ناحية المبدأ فلأنا ذكرنا مرارا انه لا تناقض و لا تضاد بين الاحكام الشرعية فانها من باب الاعتبار و الاعتبار خفيف المئونة و ذكرنا أيضا ان الحكم الواقعي تابع للملاك في المتعلق و الحكم الظاهري تابع للملاك في نفس الجعل فلا اشكال من هذه الناحية.

و اما من ناحية المنتهى فما دام المكلف تاركا لكلا الطرفين لا يصدر عنه العصيان و مع ارتكاب احد الطرفين لا يجوز له ارتكاب الطرف الاخر فلا محذور من هذه الناحية أيضا.

و ان شئت قلت: المحذور في الترخيص في الجمع لا في الجمع بين الترخيصين كما ان الامر كذلك في الترتب فانه في صورة عصيان الامر بالاهم يجمع المولى بين الحكمين لا أنه يأمر بالجمع بين الضدين و كم فرق بين المقامين.

الوجه الثالث: انه لا بدّ من احتمال تطابق الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي

و الحال انه لا يحتمل فان الحكم الواقعي اما الحلية أو

170

الحرمة مثلا و على كلا التقديرين يكون الحكم مطلقا و أما الحلية الظاهرية فهي مقيدة فلا تطابق.

و فيه انه لا دليل على الاشتراط المذكور و انما اللازم احتمال سنخية الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي و هذا الشرط متحقق في المقام.

الوجه الرابع: ان لازم القول المذكور شمول دليل الاصل من أول الامر

فيما يكون تضاد بين الطرفين و لا يمكن الجمع بينهما و الحال انه ليس الامر كذلك.

و فيه ان الوجه الاخير أردإ الوجوه فان الوجه المذكور يؤيد و يدل على المطلوب فان التقييد في بقية الموارد جعلي و التعليق اعتباري و في المقام ضروري.

فانقدح بما ذكرنا انه لا مانع من الالتزام بجواز ارتكاب احد الطرفين مع ترك الطرف الاخر و لا اشكال لا من ناحية المبدأ و لا من ناحية المنتهي.

و يؤيد هذه المقالة ان المحقق التنكابني (قدس سره) نقل في كتابه إيضاح الفرائد في شرح الرسائل انه التزم بها المقدس الاردبيلي و تلميذه صاحب المدارك و جماعة من الاعلام.

فتحصل مما تقدم ان جريان اصل النافي في كل من الطرفين بشرط ترك الاخر لا مانع فيه و يظهر من التقريب المذكور انه لو كان كل من طرفي العلم الاجمالي مورد الاصل المثبت للتكليف فلا تصل النوبة الى القول بعدم التنجيز مثلا لو كان هناك انا آن كلاهما نجسان ثم علمنا بطهارة احدهما لا اشكال في جريان استصحاب النجاسة في كل من الطرفين و لا تصل النوبة الى اصالة الطهارة أو

171

الحل و في الحقيقة المنجز في المقام الدليل الشرعي فى كل من الطرفين لا العلم الاجمالي.

ثم انه هل فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الموضوعية و الحكمية أو يختص بالشبهة الموضوعية الحق عدم الاختصاص لعدم وجه له فلو علم اجمالا بحرمة احد أمرين يجوز اجراء الاصل في كل من الطرفين بشرط ترك الطرف الاخر.

ثم انه هل يختص التقريب المذكور بالشبهة التحريمية أم يشمل الشبهة الوجوبية الحق هو الثاني فلا مانع من جريان الاصل في كل من الطرفين بشرط اتيان الاخر.

ثم انه هل يختص ما ذكرنا بالاصل أو يشمل الامارة الحق هو الثاني فان علمنا بحرمة احد أمرين و قامت الامارة على الاباحة في كل من الطرفين لا مانع من الاخذ بكل واحد منهما بشرط ترك الاخر فلاحظ.

و في المقام شبهة قويّة لا بدّ من دفعها و هي انه علم اجمالا بوجوب احد فعلين كما لو علم بوجوب احدى الصلاتين اما الظهر و اما الجمعة و فرض ان المكلف أتى بالظهر مثلا يكون مقتضى الاستصحاب بقاء الالزام فيجب بحكم العقل الاتيان بالفرد الثاني كي تفرغ الذمّة من الاشتغال.

أقول: تارة يتعلق الالزام بامر معين كما لو علم المكلف بوجوب صلاة الظهر ثم شك في انه هل أتى بها أم لا؟ يكون مقتضى الاصل أي الاستصحاب عدم الاتيان، فيلزم الامتثال.

و بعبارة أخرى الشك في سقوط ذلك الالزام مسبب من الشك في الاتيان بها و مقتضى الاستصحاب عدمه.

172

و أما في مورد العلم الاجمالي فتعلق الالزام بالفرد الاخر غير معلوم فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه، اذ ثبوت الامر من أول الامر مشكوك فيه فلا يقين سابق كي يستصحب و استصحاب بقاء الالزام بما تعلق به على اجماله لا يثبت تعلقه بذلك الفرد الا على القول بالمثبت.

مضافا الى أنّه لو قلنا بجريان الاستصحاب في الالزام و بحكم العقل لا بدّ من الخروج عن العهدة نقول يعارضه استصحاب عدم تعلق الالزام بذلك الفرد و بعد التعارض و التساقط تصل النوبة الى قبح العقاب بلا بيان.

و بعبارة واضحة: مقتضى استصحاب بقاء الالزام حكم العقل بلزوم الفراغ و مقتضى عدم تعلق الالزام بذلك الفرد عدم لزوم الاتيان به فبالتعارض يسقط كلا الاستصحابين عن الاعتبار.

و لكن مع ذلك كله في النفس شيء و هو انه للاشكال في أن المكلف يعلم باشتغال ذمته حدوثا و يشك في فراغها و مقتضى الاشتغال اليقيني البراءة كذلك و هي لا تحصل الا بالاحتياط التام.

ان قلت: قبح العقاب بلا بيان يقتضي عدم لزوم الاحتياط اذ البيان لا يتم بالنسبة الى المجموع.

قلت: لا اشكال في تمامية البيان بالنسبة الى الفرد الاجمالي و البراءة منه مشكوكة الحصول و لكن يترتب على هذا عدم جريان البراءة في الاقل و الاكثر الارتباطيين اذ لا فرق بين المقامين من هذه الجهة.

و ببيان واضح ان مقتضى الاشتغال في كلا الموردين لزوم الاحتياط و على هذا اشتهر بينهم ان الاشتغال اليقينى يقتضي

173

البراءة كذلك و على المسلك المنصور أن المرجع استصحاب عدم الاتيان بالمأمور به.

و صفوة القول انه مع الشك في السقوط يكون المرجع عدم الاتيان بالمسقط. ان قلت: في الاقل و الاكثر الارتباطيين نعلم بتعلق الالزام بالاقل، اذ لا اشكال في تعلق الوجوب به و لو ضمنا و أما الاكثر فلا نعلم بتعلق الالزام به، فيجري فيه الاصل بلا معارض.

قلت: الوجوب الضمني لا اساس له فانّه خيال محض و ينحصر الوجوب بما تعلق بالكل اى المركب و لكن مع ذلك كله يختلج ببالي القاصر في هذه العجالة أن يقال: بعد الاتيان بأحد الفردين لا يجب الاتيان بالفرد الاخر.

و يمكن تقريب المدعى بانّ المولى هل حكم بحكم يكون باقيا بعد الاتيان باحد الفردين أم لا؟ مقتضى الاستصحاب عدمه، فلا يقين بشيء كي يستصحب بقائه فان الاشتغال بغير المأتي به مشكوك فيه و بالمأتي به حصل الفراغ منه.

و بتقريب آخر نشك في اشتغال الذمة بالفرد الاخر و الاصل عدم الاشتغال.

و بتقريب ثالث: نشك ان ذلك الفرد هل يكون مأمورا به أم لا؟

و الاصل عدم كونه كذلك.

و بتقريب رابع: نقول تنجيز العلم الاجمالي بتعارض الاصول و لولاه لا يكون منجزا فاذا أتى المكلف باحدى الصلاتين كالظهر مثلا نجري الاصل في الاخرى بلا معارض كما لو علمنا بنجاسة احد إناءين فاريق احدهما و انعدم بحيث لا يكون له أثر لا مانع من جريان الاصل في الاناء الاخر اذ لا معارض له فلاحظ.

174

ان قلت: اذا فرضنا عدم جريان الاصل في احد الطرفين للمعارضة كيف يجري بعد ذلك و كيف يعود بعد سقوطه؟

قلت: هذه مغالطة فان عدم جريان الاصل عند المعارضة في احد الطرفين لعدم شمول الدليل اياه للمانع العقلي و أما بعد خروجه عن طرف المعارضة فلا مانع عن الاخذ بالدليل.

و ان شئت فقل بالتخصيص خرج هذا المقدار عن تحت دليل الاصل و أما الزائد فلا. مثلا لو شك المكلف في حلية حيوان قبل قدرته على اكله لا تجري اصالة الحلية و أما اذا صار مورد الابتلاء و صار قادرا على أكله تجري اصالة الحلّ بلا اشكال و الحال انّ الشك الموجود في الزمان المتأخر عين الشك الذي كان قبلا فوحدة الشك لا تقتضي عدم الجريان.

و الوجه فيما ذكرنا انّا لا نقول الاصل الساقط يعود بل نقول المقتضي للجريان موجود في جميع الاحوال لكن المانع يمنع عن الجريان في بعض الاحوال دون الباقي. فان المولى لو قال: اكرم العلماء و في دليل آخر قال لا تكرم الفساق منهم و كان زيد العالم عادلا في يوم السبت ثم صار فاسقا يوم الاحد ثم عادت عدالته يوم الاثنين، يشمله دليل وجوب الاكرام يوم السبت و يوم الاثنين و لا يشمله يوم الاحد.

و هذا معنى قولنا «الضرورات تقدر بقدرها». ان قلت: ما المانع من جريان الاستصحاب و الحكم ببقاء ما في الذمة و يترتب عليه وجوب الاتيان بالجمعة بعد الاتيان بالظهر. قلت: يعارضه استصحاب عدم وجوب الجمعة و يتساقطان و بعد ذلك تصل النوبة الى البراءة و قبح العقاب بلا بيان ان قلت: قاعدة الاشتغال تقتضي

175

وجوب الاتيان بالجمعة فلا مجال للبراءة. قلت: ان المفروض ان المكلف لا يعلم بشغل زائد للذمة، و بعبارة اخرى من اوّل الامر لا يعلم المكلف بشيء معين كي يقال يلزم التخلص منه بل يعلم اجمالا بالاشتغال. أضف الى ذلك ان حديث الرفع بعد تعارض الاستصحابين محكم لاحظ ما رواه حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): رفع عن أمتي تسعة أشياء، الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون الحديث (1).

و بعد جريان البراءة عن وجوب الجمعة لا يبقى مجال لحكم العقل و الزامه.

الفائدة الثالثة: ان دلالة صيغة الأمر على الوجوب بالإطلاق المقامي

بخلاف ما أفاده سيدنا الاستاد حيث ادعى ان وجه الدلالة حكم العقل بتقريب: ان المولى اذا اعتبر فعلا في ذمة المكلف و ابرز حبه الى أن يفعل المكلف الفعل الفلاني و لم ينصب قرينة على جواز الترك يحكم العقل بلزوم الامتثال فلا يكون الوجوب من المداليل اللفظية بل من المداليل السياقية بحكم العقل.

و يرد عليه أولا: النقض بأنه لو قام دليل مجمل و لم يعلم منه المراد و تردد أمر المولى بين كونه وجوبيا أو ندبيا فهل يحكم سيدنا الاستاد بالوجوب و الحال ان اجمال النص أو تعارضه أو فقدانه موضوع لجريان البراءة.

____________

(1) الوسائل الباب 56 من ابواب جهاد النفس و ما يناسبه الحديث 1.

176

و ثانيا: انه لا وجه لهذا الادعاء و لا موجب لحكم العقل مع الشك في أن المولى أوجب أو لم يوجب مع ان قبح العقاب بلا بيان يقتضي عدم الوجوب و يوجب البراءة عن الالزام.

فالحق أن يقال ان الصيغة موضوعة لابراز اعتبار الفعل في الذمة غاية الامر لو كان المولى في مقام البيان و لم ينصب قرينة على الندب يستفاد من كلامه الوجوب.

و ان شئت قلت: الاهمال لا يعقل في الواقع فاذا اعتبر المولى فعلا في الذمة فاما يجوز و يرخص في الترك أو لا يرخص فاذا رخص يكون التكليف ندبيا، و اذا لم يرخص يكون وجوبيا فلو كان في مقام البيان و لم يرخص يكون مقتضى الاطلاق المقامي هو الوجوب.

و عليه لا مانع من أن يقال ان الندب و التكليف الاستحبابي مركب من اعتبار الفعل في الذمة مع الترخيص في الترك فعلى هذا لا تكون الصيغة موضوعة لخصوص الوجوب بل موضوعة لابراز الاعتبار الجامع بين الامرين.

و صفوة القول: ان المولى لو استعمل الصيغة و قال «صل» يكون مقتضى اطلاق المقامي الالزام حيث لم ينصب قرينة على الترخيص في الترك كما ان مقتضاه عدم الهزل و المزاح و الامتحان و السخرية و التهديد و التعجيز الى غيره فان كل واحد من هذه المذكورات و ان كان ممكنا ثبوتا لكن بدون قيام القرينة و البيان لا مجال لحمل الكلام عليه.

و ان شئت قلت: ان كان احتمال الامور المذكورة مانعا عن حمل الكلام على إرادة الالزام و التحريك نحو العمل لانسد باب الافادة و الاستفادة.

177

و صفوة القول: ان إرادة كل واحد من الامور المذكورة تحتاج الى معونة فلو كان المولى في مقام البيان و لم ينصب قرينة على مراده يستفاد من كلامه ان الداعي له الزام الفعل.

الفائدة الرابعة: ان مضمرات سماعة و أضرابه لا تكون حجة

فلا اعتبار بتلك المضمرات، كما ان الشيخ (قدس سره) اشار الى هذا في التهذيب و قال ان سماعة قال: سألته و لم يذكر المسئول بعينه و يحتمل أن يكون قد سأل غير الامام فأجابه بذلك و اذا احتمل ما قلنا لم يكن فيه حجة علينا (1).

و تفصيل هذا الاجمال انه تارة يكون الراوي له جلالة و مكانة لا يضمر الا عن المعصوم (عليه السلام) كزرارة و اضرابه و اما اذا لم يكن شيعيا أو كان و لم يكن اثنى عشريا او كان و لكن يحتمل في حقه الاضمار عن غير المعصوم لا يكون حديثه المضمر مؤثرا.

الفائدة الخامسة: ان دليل وجوب الوفاء بالعقود لا يمكن أن يكون دليلا على الصحة

بل يكون ارشادا الى اللزوم فلا مجال للاستدلال به على صحة العقد و تفصيل هذا الاجمال ان وجوب الوفاء المستفاد من الآية ليس وجوبا تكليفيا اذ من الظاهر ان الفسخ ليس محرما شرعا فيكون مفاد الآية ارشادا الى اللزوم.

____________

(1) التهذيب ج 1 الباب الاول ذيل حديث 35 ص 16.

178

و عليه نقول: الاهمال غير معقول في الواقع فالعقد الذي حكم بلزومه اما يكون خصوص الصحيح أو الاعم منه و من الفاسد أو خصوص الفاسد؟ لا سبيل الى الثاني و الثالث فيكون الشق الاول متعينا فيلزم فرض العقد صحيحا كي يترتب عليه اللزوم.

و على الجملة الآية الشريفة لا يمكن جعلها دليلا على صحة العقود بل الآية دليل على لزوم العقد الذي فرض كونه صحيحا في الرتبة السابقة.

ان قلت: بعد الحكم باللزوم تستفاد الصحة بالملازمة. قلت:

هذا التقريب انّما يتم في القضية الخارجية حيث يحكم المولى بلزوم العقد الفلاني فيكون صحيحا بالملازمة و اما في القضية الحقيقية- كما هى كذلك في الاحكام الشرعية- فيفرض الموضوع في الخارج فلا محالة تجري فيها الشقوق المتقدمة و قد تقدم ان الاهمال و الاطلاق لا يمكن الالتزام بهما فيختص الحكم بخصوص الصحيح فلاحظ.

الفائدة السادسة: [عدم اعتبار رواية يكون في سندها مشترك في طبقة واحدة او احتمل الاتحاد]

ان الرواية التي يكون فى سندها من يكون مشتركا بين شخصين أو أشخاص كلاهما أو كلهم في طبقة واحدة أو احتمل الاتحاد و لا يكون كلاهما أو كلهم ثقات لا تكون الرواية معتبرة مثلا نرى ان الكليني (قدس سره) في موارد كثيرة جدا يروي الحديث عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد و لا ندري المراد من احمد بن محمد لا يمكن الحكم بكون الحديث معتبرا و لا مجال لحمل لفظ احمد بن محمد على ابن عيسى

179

مع ان محمد بن يحيى يروي عنه و عن احمد بن محمد بلا تذييله بلفظ ابن عيسى.

و قد أوردنا هذا الايراد على سيدنا الاستاد (قدس سره) و أجاب بأن تمييز المشتركات يحصل بالممارسة.

و الحق ان هذه الجملة ليس تحتها شيء فان الممارسة لا تفيد شيئا بل الممارسة أرشدتنا الى خلاف ما رامه و كلما يدقق الفقيه في هذا المجال يصير الامر اصعب عليه فان تمييز المشتركات أمر غير ممكن.

اللهم الا أن يحصل في مورد القطع بكون الراوي الفلان ابن فلان و هذا القطع لا يفيد لغير القاطع.

و بعبارة اخرى قطع شخصي و لا يكون قابلا لاثبات الامر لغير القاطع و من الظاهر ان القطع من اي سبب يحصل و في كل مورد تحقق يكون حجة و الحجية ذاتية له.

و كان سيدنا الاستاد (قدس سره) ينقل عن المرحوم الميرزا علي آقا الشيرازي (قدس سره) كان يقول اذا أفتى الشيخ الانصارى و الميرزا الشيرازي المجدد و الميرزا محمد تقى الشيرازي بحكم شرعي انا اقطع بكونه مطابقا مع متن الواقع و هل يفيد لغيره شيئا؟

كلا ثم كلا و على هذا الاساس تسقط جملة كثيرة من الروايات عن الاعتبار فلا بد من رفع اليد عنها و العمل بالعام أو الاطلاق الفوقاني ان كان و الا تصل النوبة الى الاصل العملي.

هذا و لكن بعد مضي مدة من تقرير الاشكال و تثبيته جدّ و اجتهد زميلنا قرة عيني الشيخ عباس الحاجيانى و بنى على أنّ الاشكال المذكور غير وارد.

180

بتقريب: ان مقتضى بناء العقلاء بحسب الظهور العرفي حمل المطلق على الفرد الشائع في الاستعمال مثلا لو كان في بلد من البلاد شخصان كل منهما مسمّى بالسيد اسماعيل و لكن يراد من اللفظ في الغالب في الاستعمال الذي يكون نجفيا و على نحو الندرة و الاتفاق يراد منه الشخص الاخر، لا اشكال في حمل اللفظ مجردا عن القرينة على النجفي و لا يبقون في التحير و الترديد.

و بعبارة اخرى: نفس عدم القرينة على التعيين، قرينة على إرادة النجفي و على هذا الاساس نقول: اذا روى الكليني عن احمد ابن محمد بواسطة محمد بن يحيى أو بواسطة العدة يحمل على المردد بين احمد بن محمد بن عيسى و احمد بن محمد بن خالد.

و ببيان آخر: لم يذكر في كتب الرجال احمد بن محمد بلا تعيين بل كل من يكون مسمّى بهذا الاسم مذيّل بذيل يكون مميزا عن غيره مثلا نرى ان الاردبيلى (قدس سره) في جامع الروات هكذا ذكر احمد ابن محمد بن ابراهيم و احمد بن محمد بن ابراهيم الارمنى و احمد ابن محمد ابو بشر السراج و احمد بن محمد ابو عبد اللّه الآملي و احمد ابن محمد بن أبي غراب و احمد بن محمد بن أبي نصر زيد و احمد ابن محمد بن أبي نصر و احمد بن محمد بن أبي نصر صاحب الانزل و احمد بن محمد بن احمد ابو على و احمد بن محمد بن احمد بن طرخان و احمد بن محمد الاردبيلي و احمد بن محمد بن احمد بن طاهر و احمد بن محمد البارقي و احمد بن محمد بن حسام و احمد بن محمد البصري و احمد بن محمد بن بندار و احمد بن محمد بن جعفر و احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد و احمد بن محمد بن الحسين و احمد بن محمد بن الحسين بن الحسن و احمد بن محمد بن الحسين

181

ابن سعيد و احمد بن محمد الحضين و احمد بن محمد بن فارد و احمد بن محمد بن ربيع و احمد بن محمد بن رميم و احمد بن محمد بن زياد و احمد بن محمد بن زيد و احمد بن محمد المعروف و احمد بن محمد السري و احمد بن محمد بن سعيد و احمد بن محمد الدينورى و احمد بن محمد بن داود و احمد بن محمد بن سلمة و احمد بن محمد ابن سليمان و احمد بن محمد بن الصائغ و احمد بن محمد بن عاصم و احمد بن محمد بن عبد اللّه بن الزبير و احمد بن محمد بن عبد اللّه بن مروان و احمد بن محمد بن عبيد القمى و احمد بن محمد بن عبيد اللّه القمي و أحمد بن محمّد بن علي و احمد بن محمّد بن على الكوفى و احمد بن محمّد بن عمار و احمد بن محمّد بن عمرو و احمد بن محمد عمر و احمد بن محمد بن عمر بن موسى و احمد بن محمّد بن عياش و احمد بن محمّد بن عيسى و احمد بن محمّد بن عيسى الفراء و احمد بن محمّد بن عيسى القسري و احمد بن محمد الكوفي و احمد بن محمد بن مسلمة و احمد بن محمد بن مطهر و احمد بن محمد المقري و احمد بن محمد بن موسى و احمد بن محمد النجاشي و احمد بن محمد الوهركيني و احمد بن محمد بن ميثم و احمد بن محمد بن يحيى و احمد بن محمد ابن يحيى العطار و احمد بن محمد بن يحيى الفارسي و احمد بن محمد بن يعقوب.

و حيث ان الشائع في نقل الروايات و الاحاديث مردد بين جماعة ثقات و من ناحية اخرى المطلق ينصرف الى الشائع في الاستعمال لا نبقى متحيرين و نحكم باعتبار السند و بعبارة اخرى بعد فحص روايات الكافى نرى ان الغالب المسمى بهذا الاسم الواقع في السند

182

المشار إليه اما اضيف لفظ محمد الى عيسى و اما اضيف الى خالد و يكون المضاف الى غير الرجلين اقل قليل فبمقتضى انصراف المطلق الى الشائع الغالب لا بدّ من حمل المطلق اى ما لا يكون لفظ محمد مضافا يحمل على إرادة احد الرجلين اذ الامر مردد بينهما و المفروض وثاقة كليهما فيكون السند تاما و اذا تم التقريب المذكور نقول لو فرض انه كان هذا الاسم فى سند رواية بغير السند المذكور اعم من أن يكون الراوى الكلينى او الشيخ او الصدوق او غيرهم و كان قابلا لان يكون المراد احد الرجلين أيضا نحمل اللفظ على إرادة احدهما اذ بحسب الزمان اما يكون النقل مقارنا لزمان الانصراف و اما يكون مقدما و اما يكون متأخرا اما على الاول فظاهر و اما على الثاني او الثالث فببركة الاستصحاب الجارى فى امثال المقام اى الاصل اللفظى العقلائي نحكم بثبوت الانصراف فى ذلك الزمان أيضا و تكون النتيجة ما ذكرنا فلاحظ.

الفائدة السابعة: [لا يفيد سند عن ثقة لم يذكر الراوي الذي قبله]

انا نرى الشيخ أو الصدوق له طريق الى الراوي الفلاني كزرارة مثلا و قد بيّن في المشيخة و الطريق تام و لكن نرى ان الصدوق في الفقيه ربما يقول قال زرارة و اخرى يقول روي عن زرارة و الطريق يفيدنا اذا كان بصيغة معلومة و أما لو كان النقل على النحو الثاني اى بالمجهول فلا يكون السند تاما و ربما يشتبه الناظر و يتخيل ان الطريق صحيح و الحال ان الرواية في أحد الفرضين تكون مرسلة فلا بد من التدقيق في هذه الجهة و لا يكتفى المراجع الى كتاب الوسائل بقول الحرّ بل لا بدّ من مراجعة نفس المرجع.

183

الفائدة الثامنة: ان جريان قاعدة لا تعاد يختص بما بعد الصلاة

و لا تشمل القاعدة اذا التفت المصلي بالاخلال في الاثناء و تفصيل هذا الاجمال ان الاعادة انما تتحقق بالوجود الثاني للطبيعة فما دام المركب الاعتباري كالصلاة مثلا لم يتحقق في الخارج و لم يتم لا يصدق عنوان الاعادة مثلا لو كان المصلي في الركوع و التفت الى أنه لم يأت بالفاتحة و السورة تكون صلاته باطلة على طبق القاعدة الاولية و لا يقال له اعد الصلاة بل يقال له استأنف الصلاة فلا بد من تخصيص جريان القاعدة بصورة اتمام الصلاة و يؤيد ما ذكرنا ما أشار إليه المحقق الهمدانى (قدس سره) (1).

الفائدة التاسعة: ان المستفاد من حديث لا ضرر النهي عن الاضرار لا النفي

و تفصيل هذا الاجمال ما افاده شيخ الشريعة و هو أن يكون المراد بالجملة النهي عن الضرر و الاضرار.

و بعبارة اخرى الجملة الخبرية استعملت في مقام الانشاء و اريد من النفي النهي كما ان الامر كذلك في قوله تعالى «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» (2).

و قال سيدنا الاستاد- على ما في التقرير- ان حمل النفي على النهي و حمل الجملة الخبرية على الانشائية يتوقف على وجود قرينة

____________

(1) لاحظ مصباح الفقيه كتاب الصلاة ص 533.

(2) البقرة/ 197.

184

و لا قرينة في المقام و لا يقاس ما نحن فيه بقوله تعالى في سورة البقرة حيث انه لا اشكال في تحقق الامور الثلاثة في الخارج و هي الرفث و الفسوق و الجدال فيكون المراد من النفي النهي.

اذا عرفت ما تقدم نقول لا اشكال في أن الظواهر حجة و لا بدّ من العمل بها ما لم يقم على خلافها دليل هذا من ناحية و من ناحية اخرى لا اشكال في تحقق الضرر و الضرار في الخارج فلا يمكن حمل الجملة اى قوله (صلى اللّه عليه و آله) «لا ضرر و لا ضرار» على الاخبار للزوم الكذب.

مضافا الى أن شأن الشارع بيان الاحكام و تشريعها لا الاخبار عن الامور التكوينية الخارجية فيحمل كلامه على الانشاء و قد تقدم منا في بحث الانشاء و الاخبار ان الجملة الخبرية وضعت بحسب تعهد الواضع لافهام ان المتكلم في مقام ابراز الحكاية عن الخارج لكن الدواعي لهذا الابراز مختلفة.

كما ان صيغة الامر وضعت بحسب التعهد لابراز ان المتكلم في مقام بيان ابراز اعتبار اللابدية في ذمة المكلف لكن الدواعي مختلفة و على هذا الاساس لا تكون الجملة الخبرية مستعملة في غير معناها بل دائما تستعمل في معناها لكن الداعي للاخبار ربما يكون الحكاية عما في الخارج و ربما يكون الداعي البعث كما في قوله (عليه السلام) يعيد و يتوضأ الى غيره من موارد استعمال الجملة الخبرية بداعي الانشاء و المقام كذلك بل يكون آكد في البعث و الزجر فكأن المولى يرى ان المأمور به متحقق في الخارج و كأنه يرى صفحة الوجود خالية عن المنهي عنه فقوله (صلى اللّه عليه و آله) «لا ضرر و لا ضرار» زجر عن ايراد الضرر بالغير و عن الضرار و الاضرار.

185

و يؤكد المدعى ان الجملة الاسمية الخبرية قد أريد منها الانشاء في جملة من الموارد و أليك عدة منها:

منها قوله تعالى «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» (1) و منها قوله تعالى «أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً» (2).

و قوله (عليه السلام) المسلمون عند شروطهم (3). و قوله (عليه السلام):

ان المشورة لا تكون الا بحدودها (4).

و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) خمسة يجتنبون على كل حال (5) و قوله (عليه السلام) ستة لا يسلم عليهم (6) و قوله (عليه السلام) ستة لا ينبغي ان يسلّم عليهم (7).

و قوله (عليه السلام) من اخلاق المؤمن الانفاق على قدر الاقتار و التوسع على قدر التوسع و انصاف الناس و ابتداؤه اياهم بالسلام عليهم (8).

و قوله (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) اولى الناس باللّه و برسوله من بدأ بالسلام (9).

و قوله (عليه السلام) ردّ جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام و البادى بالسلام اولى باللّه و برسوله (10).

____________

(1) البقرة/ 197.

(2) طه/ 97.

(3) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 و 2.

(4) الوسائل الباب 22 من ابواب احكام العشرة الحديث 8.

(5) الوسائل الباب 28 من ابواب أحكام العشرة الحديث 4.

(6) نفس المصدر الباب 28 الحديث 5.

(7) الوسائل الباب 28 من ابواب العشرة الحديث 6.

(8) الوسائل الباب 32 من ابواب أحكام العشرة الحديث 2.

(9) نفس المصدر الحديث 3.

(10) الوسائل الباب 33 من ابواب أحكام العشرة الحديث 1.

186

و قوله (عليه السلام): البخيل من بخل بالسلام (1) و قوله (عليه السلام) السلام تطوع و الرد فريضة (2).

و قوله (عليه السلام) ان اللّه عز و جل يحبّ افشاء السلام (3).

و قوله (عليه السلام) من التواضع ان تسلّم على من لقيت (4).

و قوله (صلى اللّه عليه و آله) يا علي ثلاث كفارات: افشاء السلام و اطعام الطعام و الصلاة بالليل و الناس نيام 5.

و قوله (عليه السلام) البخيل من بخل بالسلام (6).

و قوله (عليه السلام): ثلاث درجات افشاء السلام و اطعام الطعام و الصلاة بالليل و الناس نيام (7).

و قوله (عليه السلام): من التواضع ان تسلم من لقيت 8.

و قوله (عليه السلام): ان أعجز الناس من عجز عن الدعاء و ان ابخل الناس من بخل بالسلام (9).

و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): خمس لا ادعهنّ حتّى الممات (10).

____________

(1) نفس المصدر الحديث.

(2) نفس المصدر الحديث 3.

(3) الوسائل الباب 34 من ابواب العشرة الحديث 1.

(4) (4 و 5) نفس المصدر الحديث 4 و 5.

(6) نفس المصدر الحديث 6.

(7) (7 و 8) نفس المصدر الحديث 8 و 9.

(9) نفس المصدر الحديث 10.

(10) الوسائل الباب 35 من ابواب أحكام العشرة الحديث 1.

187

و قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: خمس لست بتاركهنّ حتى الممات (1).

و قوله (عليه السلام): ثلاثة لا يسلمون (2).

و قوله (عليه السلام): ليس من الانصاف مطالبة الاخوان بالانصاف (3).

و قوله (عليه السلام) فى كتابه الى المأمون: الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و آله) واجبة في كل موطن و عند العطاس و الذبائح و غير ذلك (4).

الى غيرها من الروايات فكما ترى ان الموارد المذكورة المشار إليها و غيرها استعملت الجملة الخبرية الاسمية في مقام الانشاء فلا يكون الحمل المذكور في المقام أمرا بعيدا و مستنكرا و غير متعارف.

و يؤيد المدعى و يؤكده انه جملة من مهرة الفن فهموا النهي عن الجملة المذكورة الدالة على عدم الضرر.

ففي النهاية الاثيرية لا ضرر اى لا يضر الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه و الضرار فعال من الاضرار أي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه.

و عن لسان العرب لا ضرر اى لا يضر الرجل لا ضرار اى لا يضار كل منهما صاحبه.

و عن الدرّ المنثور للسيوطي لا ضرر اى لا يضر الرجل اخاه و عن تاج العروس قريب منه.

____________

(1) الحديث 2.

(2) الوسائل الباب 42 من ابواب أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 56 من ابواب العشرة الحديث 3.

(4) الوسائل الباب 64 من هذه الابواب الحديث 2.

188

و قال الطريحي في مجمع البحرين بعد ما نقل حديث لا ضرر و لا ضرار في الاسلام اى لا يضر الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه و الضرار فعال من الضرر اى لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه الخ.

فالنتيجة ان المستفاد من الحديث حرمة الاضرار و الضرر بالغير على نحو العموم و التخصيص يحتاج الى الدليل و يؤيد المدعى و يؤكده جملة من النصوص الواردة في الموارد الخاصة الدالة على حرمة الاضرار في تلك الموارد.

نعم لا يستفاد من الحديث حرمة الاضرار بالنفس فان الظاهر بحكم العرف النهي عن الاضرار بالغير و الشاهد لما نقول تفسير مهرة الفن فانهم كما ترى نصوا على أن المراد منه حرمة الاضرار بالغير.

فالنتيجة ان الحديث الشريف لا يكون شارحا و ناظرا الى ادلة الاحكام كما اشتهر بين القوم و ليس مفاده نفى الاحكام الضررية في الشريعة بل مفاده حرمة الاضرار بالغير و النهي عنه و الظاهر ان الدليل الدال على حرمة الاضرار بالنحو الشامل لكل مورد منحصر في الحديث الشريف.

و يتضح المدعى ان الحديث الشريف متضمن لقوله (صلى اللّه عليه و آله) و لا ضرار فعلى ما نقول الامر ظاهر و هو ان المراد من الحديث النهي عن الضرر و عن الضرار و أما على مسلك القوم نسأل ما المراد من نفي الضرار.

و بعبارة واضحة: نسلم مقالة المشهور و نقول قوله (صلى اللّه عليه و آله) لا ضرر ناظر الى نفي الوجوب عن الوضوء الضرري و لكن ما المراد من قوله لا ضرار فان اي حكم من الاحكام الشرعية يكون مصداقا للضرار كي يرتفع و في اي مورد الشارع الاقدس يتعدى

189

بالنسبة الى عباده كي يكون مرتفعا و هذا أيضا اكبر شاهد على أن الصحيح ما ذهب إليه شيخ الشريعة.

و قال سيدنا الاستاد في هذا المقام ان المراد من الجملة الاولى النفي اي نفي الاحكام الضررية و نفي الاحكام الضررية على نحو الحقيقة.

و الجملة الثانية أيضا نفي لكن النتيجة النهي هذا ما افاده في المقام و هل يمكن مساعدته فانه خلاف الظاهر و بعبارة اخرى: وحدة السياق تقتضي عدم التفكيك بين الفقرتين و ما أفاده تفكيك اذ الجملة الاولى اخبارية و الجملة الثانية انشائية.

و الحق ما ذكرنا من أن المستفاد من الحديث حرمة الضرر بالغير على نحو الاطلاق نعم وردت جملة من الادلة في مقام حرمة الاضرار و لكن ليس مدلول تلك الادلة عاما شاملا لكل مورد و أليك جملة منها:

منها قوله تعالى «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» (1).

و منها قوله تعالى «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» (2).

و منها قوله تعالى «وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ» (3).

____________

(1) البقرة/ 231.

(2) البقرة/ 233.

(3) البقرة/ 282.

190

و منها قوله تعالى «غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ» (1).

و منها قوله تعالى «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» (2).

و منها جملة من النصوص منها ما عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عز و جل «لا تضارّ والدة بولدها و لا مولود له بولده» فقال كانت المراضع مما تدفع احداهن الرجل اذا اراد الجماع تقول: لا ادعك اني اخاف ان احبل فاقتل ولدي هذا الّذي ارضعه و كان الرجل تدعوه المرأة فيقول:

اني اخاف ان اجامعك فاقتل ولدي فيدفعها فلا يجامعها فنهى اللّه عز و جل عن ذلك أن يضارّ الرجل المرأة و المرأة الرجل (3).

و منها ما عن محمد بن الحسن (الحسين) قال: كتبت الى أبي محمد (عليه السلام) رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة اخرى الى قرية له كم يكون بينهما في البعد حتى لا تضر احداهما بالاخرى في الارض اذا كانت صلبة أو رخوة فوقع (عليه السلام):

على حسب ان لا تضرّ احداهما بالاخرى ان شاء اللّه (4).

و منها ما عن محمد بن الحسين قال كتبت الى أبي محمد (عليه السلام) رجل كانت له رحى على نهر قرية و القرية لرجل فأراد صاحب القرية أن يسوق الى قريته الماء في غير هذا النهر و يعطل هذه

____________

(1) النساء/ 12.

(2) الطلاق/ 6.

(3) الوسائل الباب 72 من ابواب احكام الاولاد الحديث 1.

(4) الوسائل الباب 14 من ابواب احياء الموات.

191

الرحى أله ذلك أم لا فوقع (عليه السلام): يتقى اللّه و يعمل في ذلك بالمعروف و لا يضر اخاه المؤمن (1).

و منها ما عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أتى جبلا فشق فيه قناة فذهبت الاخرى بماء قناة الاول قال: فقال:

يتقاسمان «يتقايسان» بحقائب البئر ليلة فينظر ايتهما اضرت بصاحبتها فان رأيت الاخيرة أضرت بالاولى فلتعور (2).

و منها ما عن الصدوق باسناده عن عقبة بن خالد نحوه و زاد:

و قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بذلك و قال ان كانت الاولى اخذت ماء الاخيرة لم يكن لصاحب الاخيرة على الاول سبيل (3).

و منها ما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال ان الجار كالنفس غير مضار و لا اثم (4).

و منها ما عن الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان قال:

جاء في الحديث ان الضرار في الوصية من الكبائر (5).

و منها ما عن هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع فاشتراه بعشرة دراهم و اشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد فقضى ان البعير برأيه فبلغ ثمنه «ثمانية» دنانير قال: فقال: لصاحب الدرهمين خمس ما

____________

(1) عين المصدر الباب 15 الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 16 من ابواب احياء الموات الحديث 1.

(3) نفس المصدر الحديث 2.

(4) الوسائل الباب 12 من أبواب احياء الموات الحديث 2.

(5) الوسائل الباب 8 من ابواب الوصية الحديث 4.

192

بلغ فان قال أريد الرأس و الجلد فليس له ذلك هذا الضرار و قد أعطى حقه اذا أعطى الخمس (1).

الفائدة العاشرة: انه لا مجال لإثبات صحة غير البيع بقوله تعالى «إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ»

و تفصيل هذا الاجمال انه لم يثبت كون لفظ التجارة موضوعة لمطلق المعاملات بل يستفاد من قول بعض اهل اللغة اختصاص اللفظ بخصوص البيع.

ان قلت: يستفاد من قوله تعالى «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ» (2) ان التجارة غير البيع اذ حمل العطف على التفسيري خلاف الظاهر. قلت: هذا التقريب لا يثبت التعدد اذ غاية ما يمكن أن يقال ان العطف يقتضي الاثنينية و من الظاهر ان الاستعمال اعم من الحقيقة فمجرد كون المراد من التجارة اعم من المراد من البيع لا يثبت كون لفظ التجارة اعم بحسب اللغة.

الفائدة الحادية عشر: ان تعارض الاستصحاب الجاري في الجعل مع الاستصحاب الجاري في المجعول لا يختص بالشبهة الحكمية الكلية

بل التعارض بين الامرين حاصل في جملة من الشبهات الموضوعية و الميزان الكلى انه كلما شك في بقاء الحكم و عدمه من ناحية الشك في تحقق الرافع

____________

(1) الوسائل الباب 22 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1.

(2) النور/ 37.

193

لا مجال للتعارض بل يجري استصحاب عدم حدوث الرافع كالحدث بالنسبة الى الطهارة الحدثية و حدوث النجاسة عند الشك في بقاء الطهارة الخبثية.

و في مثل هذه الموارد لا يجري الاستصحاب في الحكم بل يجري الاصل في عدم الرافع و أما اذا شك في بقاء المجعول أعم من أن يكون في الحكم الكلي أو الجزئي يقع التعارض بين الاصل الجاري في الجعل مع الاصل الجاري في المجعول فلو شك في أن المدة المجعولة للزوجية الانقطاعية شهر أو شهران يكون مقتضى استصحاب الزوجية بقائها و مقتضى استصحاب عدم جعل الزائد عدمها فلاحظ.

الفائدة الثانية عشر: ان المشهور عند القوم كون قاعدة التجاوز قاعدة مستقلة في قبال قاعدة الفراغ

و الحق انه لا دليل على قاعدة التجاوز و لا بدّ من النظر في نصوص الباب كي نرى اي مقدار يمكن أن يستفاد منها و هل يمكن الاستدلال بها على كلتا القاعدتين أو يختص الدليل بإحداهما؟

فنقول: من النصوص الواردة في المقام ما رواه زرارة قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): رجل شك في الاذان و قد دخل في الاقامة؟

قال: يمضى، قلت رجل شك في الاذان و الاقامة و قد كبّر؟

قال: يمضى، قلت رجل شك في التكبير و قد قرأ؟ قال: يمضي قلت:

شك في القراءة و قد ركع؟ قال: يمضي: قلت شك في الركوع و قد سجد؟ قال يمضي على صلاته ثم قال: يا زرارة اذا خرجت من شيء

194

ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء (1).

و هذه الرواية تامة سندا.

و اما من حيث الدلالة فالمستفاد منها ان المكلف اذا شك في صحة شيء و فساده بعد دخوله في غير ذلك

و لا يشمل الحديث صورة الشك في اصل الوجود بل الظاهر من الحديث لو لم يكن صريحه انه لو شك في شيء بعد خروجه عن عين ذلك الشيء لا يعتني بشكه و لا يدل على بيان حكم الخروج عن محله و الحمل على الخروج عن المحل خلاف الظاهر.

فلو شك المكلف في أن البسملة التي أتى بها هل تحققت صحيحة أم لا؟ يحكم بصحتها و أما اذا شك في اصل وجودها فلا تكون الرواية المذكورة متكفلة للحكم باتيانها بل مقتضى الاستصحاب عدم الاتيان بها فهذه الرواية يختص بقاعدة الفراغ و لا تشمل قاعدة التجاوز.

ان قلت: الخروج عن الشيء لا يجتمع مع الشك فيه اذ كيف يمكن أن يكون الخروج مفروضا و مع ذلك يكون ما خرج منه مشكوكا فيه.

قلت: اذا كان الشك في صحة ما خرج منه يتم الامر فان المكلف يدخل في الغسل و يعلم بعد ذلك انه اغتسل و خرج منه و أتى به و لكن يشك في أنه أتى به على ما هو المقرر أم لا فالحق ما ذكرنا.

و من تلك النصوص ما رواه زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا؟ فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انّك لم تغسله أو

____________

(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الخلل الحديث 1.

195

تمسحه ممّا سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء.

فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا اوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شيء عليك فيه فان شككت في مسح رأسك فاصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قدميك فان لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك و امض في صلاتك و ان تيقنت انك لم تتم وضوئك فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء (1) الحديث.

و المستفاد من هذه الرواية انه لو شك المكلف في الوضوء و دخل في حالة اخرى يكون وضوئه صحيحا و لا يعتنى بشكه فيكون الحديث دالا على قاعدة الفراغ بالنسبة الى مورد خاص.

و من تلك النصوص ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت فى غيره فليس شكك بشيء انما الشك اذا كنت في شيء لم تجزه (2).

و المراد من الضمير الذي اضيف إليه لفظ غير اما الوضوء و اما الجزء الذي شك فيه أما على الاول فيكون مفاد الحديث عين الحديث الاول.

و أما على الثاني فيكون مفاده خلاف الاجماع و التسالم على عدم جريان القاعدة في أثناء الوضوء بل خلاف ما يستفاد من الرواية الاولى من الباب و على كلا التقديرين يكون ذيل الحديث دالا على كبرى كلية

____________

(1) الوسائل الباب 42 من ابواب الوضوء الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

196

سارية في جميع الابواب فان المستفاد من الذيل ان المكلف اذا تجاوز عن شيء و شك فيه لا يعتنى به و حمل التجاوز على التجاوز عن المحل خلاف الظاهر.

و من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة قال يمضي على صلاته و لا يعيد (1).

و المستفاد من الحديث جريان قاعدة الفراغ في الصلاة فيما شك فيها من حيث الوضوء و عدمه.

و من تلك النصوص ما رواه بكير بن اعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك (2).

و المستفاد من هذا الحديث اعتبار قاعدة الفراغ بالنسبة الى الوضوء بعد الفراغ منه و من ذيل الحديث يستفاد ضابط كلي و ميزان عام جار في جميع الموارد فان العلة تعمم كما انها تخصص فيفهم من الحديث اعتبار قاعدة الفراغ على الاطلاق لكنه ضعيف سندا.

و من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: اذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثا صلى أم اربعا و كان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك (3) و تستفاد من هذه الرواية

____________

(1) الوسائل الباب 42 من ابواب الوضوء الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 42 من ابواب الوضوء الحديث 7.

(3) الوسائل الباب 27، من ابواب الخلل الحديث 3.

197

قاعدة كلية دالة على جريان قاعدة الفراغ في جميع الموارد و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كلما شككت فيه فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1).

فان هذه الرواية تدل بالعموم الوضعي على قاعدة الفراغ اذ الظاهر بل الصريح من قوله (عليه السلام) «مضى» انه (عليه السلام) فرض مضي نفس المشكوك فيه فيكون الشك في صحة المشكوك فيه فتكون الرواية دالة على جريان قاعدة الفراغ على النحو الكلي.

و من تلك النصوص ما رواه اسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه (2).

فان هذه الرواية بالعموم الوضعي تدل على قاعدة الفراغ بالتقريب المتقدم ذكره آنفا اذ المستفاد من ذيل الحديث فرض تحقق المشكوك فيه اذ قد عبر بعنوان التجاوز عنه و هذا العنوان لا يصدق الا مع فرض اصل الوجود و الشك في صحته و فساده.

و اما اذا شك في اصل الوجود فلا بد من حمل التجاوز على التجاوز عن المحل.

مضافا الى ان صدق التجاوز عنه و الدخول في غيره لا يمكن الا مع فرض تحقق اصل الوجود اذ مع عدم الوجود لا يصدق التجاوز لا عنه و لا عن محله أما التجاوز عنه فلعدم وجوده فرضا و أما عن محله

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أبواب الخلل الحديث: 3.

(2) الوسائل الباب 15 من ابواب السجود الحديث 4.

198

فلأن المفروض ان التجاوز عن المحل لا يصدق و لا يتحقق الا بالدخول في الغير فالجمع بين التجاوز و الدخول في الغير يدل على فرض أصل الوجود و الشك في صحته و فساده.

و من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال: لا يعيد و لا شيء عليه (1).

و المستفاد من هذه الرواية انه لو فرغ المكلف من صلاته ثم شك فيها فلا اثر لشكه فالمستفاد من الرواية قاعدة الفراغ بالنسبة الى الصلاة بعد الفراغ عنها.

و من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض و لا تعد (2).

و المستفاد من الحديث بالعموم الوضعي جريان قاعدة الفراغ في الصلاة بعد الفراغ عنها.

هذه روايات الباب و لا يستفاد منها جريان قاعدة التجاوز لا بالخصوص و لا بالإطلاق و العموم بل كلها راجعة الى قاعدة الفراغ.

نعم قد وردت جملة من النصوص في الباب الثالث عشر من ابواب الركوع تدل على جريان قاعدة التجاوز في خصوص الشك في الركوع و لكن لا تستفاد من تلك النصوص قاعدة كلية سارية في جميع الابواب.

____________

(1) الوسائل الباب 27 من ابواب الخلل الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

199

و مقتضى القاعدة الاولية الحكم بالعدم اذ الشك في وجود شيء و عدمه موضوع للاستصحاب فلا بد من التدارك مثلا لو شرع في السورة و شك في الفاتحة يجب الاتيان بها للاستصحاب.

هذا فيما يمكن التدارك و بقاء محل تدارك ما شك فيه. و اما مع عدم بقاء المحل فتارة يكون الشك بعد الفراغ عن الصلاة و اخرى يكون الشك في الاثناء أما اذا كان بعد الفراغ فلا تجب الاعادة.

و اما اذا كان الشك في الاثناء فاما نقول بجريان قاعدة لا تعاد في الاثناء كما هو المشهور عند القوم و اما لا نقول اما على الاول فالكلام هو الكلام.

و أما على الثاني فلا مناص عن الاعادة اذ مقتضى الاستصحاب عدم الاتيان بالمشكوك فيه و المفروض عدم جريان قاعدة لا تعاد فلا بد في احراز الامتثال من الاعادة.

الفائدة الثالثة عشر: الحق أن ما اشتهر بين القوم من الأخذ بقاعدة الاشتغال لا أساس له

و قاعدة الاشتغال لا تكون قاعدة في قبال بقية الاصول بل الحق أن يقال تارة يكون الشك في مرحلة ثبوت التكليف و اخرى في مرحلة السقوط اما في مرحلة الثبوت فالمرجع اصل البراءة و استصحاب عدم التكليف و أما في مرحلة السقوط فالمرجع استصحاب بقائه و عدم اتيانه و امتثاله فعلى كلا التقديرين لا تصل النوبة الى الاشتغال و الامر دائر بين المرحلتين و لا ثالث فلاحظ و اغتنم.

200

الفائدة الرابعة عشر: ان انقلاب النسبة الذي ذهب إليه جملة من الاعاظم غير تام

و تفصيل هذا الاجمال انه لو كان التعارض بين أزيد من الدليلين فهل القاعدة تقتضي أن تلاحظ الادلة و انها اى شيء تقتضي أو يلزم ملاحظة نسبة بعضها مع بعض ثم ملاحظة النسبة مع البعض الاخر.

مثلا اذا ورد في دليل «اكرم العلماء» و في دليل آخر لا يجب اكرام العلماء و في دليل ثالث لا تكرم الفساق من العلماء فهل تلاحظ نسبة الدليلين الاولين في حد نفسهما و تكون النتيجة التساقط لاجل كون النسبة التباين الجزئي.

أو القاعدة تقتضي تخصيص قول اكرم العلماء بقوله لا تكرم الفساق من العلماء و بعد تخصيص العام الاول بهذا النحو تكون النسبة الى العام الثاني نسبة الخاص الى العام و لذا يخصص العام الثاني بالعام الاول بعد انقلاب النسبة من التباين الى العموم و الخصوص المطلقين؟

ذهب جملة من الاساطين الى عدم الانقلاب و ذهب سيدنا الاستاد الى الانقلاب و ابتنى ما ذهب إليه على مقدمتين:

المقدمة الاولى: ان لكل لفظ ثلاث دلالات الدلالة الاولى الدلالة الانسية التي تتحقق من كثرة استعمال اللفظ الفلانى في المعنى الكذائى و المراد من هذه الدلالة انتقال الذهن من سماع اللفظ الى معناه كانتقال الذهن من سماع لفظ الماء الى الجسم السيال و هذه الدلالة ناشية من كثرة استعمال اللفظ في معناه.

الدلالة الثانية: دلالة اللفظ على كون المتكلم مريدا للمعنى الفلاني و تسمى هذه الدلالة بالدلالة الوضعية و تحقق هذه الدلالة يتوقف على عدم قيام قرينة على ان المتكلم لم يرد المعنى

201

الفلاني كما ان الامر كذلك في قول القائل رأيت اسدا يرمي فان لفظ يرمي قرينة على عدم إرادة المتكلم من لفظ الاسد الحيوان المفترس.

الدلالة الثالثة: الدلالة التصديقية أى التصديق بأن المتكلم اراد بالارادة الجدية المعنى الفلاني و بعبارة اخرى: تطابق الإرادة الوضعية مع الإرادة الجدية و هذه الدلالة متوقفة على عدم قيام دليل و قرينة على الخلاف.

المقدمة الثانية: ان التعارض لا يتحقق الا بعد فرض كون كلا المتعارضين في حد نفسهما حجة و اما مع سقوط واحد منهما عن الحجية أو كليهما فلا يبقى مجال للتعارض.

و بعبارة اخرى: التعارض فرع التكافؤ و أما مع عدمه فلا تعارض اذا عرفت المقدمتين تعرف وضوح انقلاب النسبة.

و ببيان واضح: ان التصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج الى أزيد من تصورها.

و يرد عليه أولا: ان الامر لو كان بهذا المقدار من الوضوح فما الوجه في وقوعه مورد البحث و القيل و القال و كيف يكون كذلك و الحال ان مثل الشيخ و صاحب الكفاية ذهبا الى خلافه و الحال ان لهما اليد البيضاء في هذه المسائل.

و ثانيا: انه لا يكون في لحاظ النسبة بين اطراف التعارض ترتب و فصل زماني أو رتبي كي يتم البيان المذكور بل التعارض يقع بين الادلة الثلاثة أو الاربعة في زمان واحد و رتبة واحدة.

فلو قال المولى في دليل اكرم العلماء و في دليل آخر قال لا يجب اكرام العلماء و في دليل ثالث قال لا تكرم الفساق من العلماء يكون قوله اكرم العلماء معارضا بمعارضين هما قوله لا تكرم الفساق من العلماء و قوله لا يجب اكرام العلماء فلا وجه لملاحظة النسبة أولا بين احد

202

العامين و الخاص المعارض له ثم ملاحظة النسبة بين العام المخصص مع العام الاخر كي تنقلب النسبة من التباين الى العموم و الخصوص بل في الرتبة الاولى يسقط ظهور العام به معارضه.

و ان شئت قلت: في زمان واحد قوله اكرم العلماء معارض بدليلين آخرين و مقتضى معارضته بالدليلين سقوطه عن الاعتبار في جميع مدلوله غاية الامر سقوطه عن الاعتبار بالنسبة الى بعض مدلوله بمعارضين و بالنسبة الى بعض مدلوله بمعارض واحد.

الفائدة الخامسة عشر: ان الشرط إذا وقع ضمن العقد الفاسد يكون صحيحا

و يلزم الوفاء به بل اذا صدق عنوان الشرط يجب الوفاء به و لو لم يقع في ضمن العقد كما لو قال زيد اذا قدم مسافري يوم الجمعة اصلى ركعتين يجب عليه الوفاء اذا تحقق المعلق عليه و السر فيه ان المستفاد من قول «المؤمنون عند شروطهم» وجوب العمل بالشرط فالميزان صدق عنوان الشرط فلاحظ و اغتنم.

الفائدة السادسة عشر: [لا اعتبار بتوثيقات مبنية على الحدس و الاجتهاد]

انه قال سيدنا الأستاد في الأمر الثالث من الامور التي تثبت به وثاقة شخص: «و ممّا تثبت به الوثاقة أو الحسن ان ينص على ذلك احد الاعلام المتأخرين بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصرا للمخبر أو قريب العصر منه كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين أو ابن شهرآشوب.

و أما في غير ذلك كما في توثيقات ابن طاوس و العلامة و ابن داود و من تأخر عنهم كالمجلسي لمن كان بعيدا عن عصرهم فلا