عمدة المطالب في التعليق على المكاسب - ج4

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
224 /
203

عبرة بها فانها مبنية على الحدس و الاجتهاد جزما و ذلك فان السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ فأصبح عامة الناس الا قليلا منهم مقلدين يعملون بفتاوي الشيخ و يستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرح به الحلي في السرائر و غيره في غيره الى آخر كلامه (1).

اقول: يختلج ببالي القاصر أن ما أفاده لا يكون قابلا لاثبات مراده فان تمام ما أفيد في كلامه ان السلسلة انقطعت و انتهت الى الشيخ و هو (قدس سره) واسطة بين من تقدم عليه و من تأخر عنه فالنتيجة ان المتأخرين لا يكون لهم طريق حسي فلا محالة يكون توثيقهم مبينا على الحدس و الاجتهاد.

و من ناحية أخرى لا يكون اجتهاد احد حجة لغيره الا لمقلديه فيما يكون التقليد جائزا هذا غاية ما يستفاد من كلامه في المقام.

و يمكن الايراد عليه بأنه ما المراد من انقطاع السلسلة فان المستفاد مما افاده انقطاع سلسلة الرواة أي لا طريق للمتأخرين الى روايات الرواة الا بواسطة كالشيخ الطوسي و أضرابه و نفرض ان الامر كذلك لكن الكلام ليس في الرواية بل الكلام في التوثيق فأي دليل دلّ على أن العلامة لم يصل إليه سبب التوثيق حسا و كذا غيره.

مضافا الى ان دلالة ما أفاده على انحصار طريق الرواية للعلامة و أضرابه فيما ذكروا في اجازاتهم مورد الكلام و المناقشة فان اثبات شيء لا ينفي ما عداه و أي تناف بين ما أفاده العلامة و بين وجود طريق آخر الى الحديث الفلاني.

و بعبارة أخرى يمكن أن يكون طريق العلامة الى الاصول و ارباب الجوامع، الشيخ الطوسي مثلا و لكن ما المانع من أن العلامة سمع جملة من الاحاديث من غير هذه الوسائط.

____________

(1) معجم رجال الحديث الجزء الاول ص: 431.

204

أضف الى ذلك ان سيدنا الاستاد قال في جملة من كلامه «و لا طريق للمتأخرين الى توثيقات رواتها و تضعيفهم غالبا الا الاستنباط و اعمال الرأي و النظر».

فترى أن الاستاد ينكر الحس في الغالب و أما في النادر فلا.

فاذا أمكن في النادر يمكن في الغالب أيضا فان حكم الامثال واحد.

و صفوة القول انه اذا كانت الشهادة ظاهرة في الحس كما هو قائل به و من ناحية اخرى احتمل الحس في هذه الاخبارات لم يكن مانع من الاخذ بها.

و مما يؤيد المدعى لو لم يكن دليلا ان العلامة و الشهيد و أضرابهما عارفون بالصناعة و يدرون ان اجتهادهم لا يكون معتبرا لغيرهم من المجتهدين و مع ذلك يوثقون و يضعفون و لم يستدلوا على مدعاهم فنفهم ان اخبارهم شهادة حسية و الا فأي اعتبار و أية قيمة لمقالتهم.

و ببيان واضح نسأل ان العلامة مثلا حين يوثق احدا هل يكون ناظرا الى افادة كلامه أم لا؟ لا طريق الى الثاني بعد تمامية اصالة عدم الغفلة و على الاول هل يرى جواز التقليد للمجتهد كلا فلا محالة يكون اخباره حسيا.

و على الجملة اذا احتمل ان اخبار العلامة و كذا غيره من الثقات اذا أخبروا بوثاقة احد من الرواة و احتمل ان منشأ توثيقهم نقل كابر عن كابر لا نرى مانعا من الاخذ بالخبر المذكور فتحصل ممّا تقدم انه لا وجه للتفريق بين المتقدمين و المتأخرين من هذه الجهة و اللّه العالم.

205

الفائدة السابعة عشر: أنه وقع الكلام بين القوم في جواز ترقيع بدن الإنسان بعضو من أعضاء غيره

و يقع الكلام في هذا المقام في

عدة مسائل.

المسألة الأولى في حكم الترقيع من حيث الحكم الشرعى.

فاقول: تارة يفرض البحث في ترقيع شخص بعضو من اعضاء الحيوانات و اخرى في ترقيعه بعضو من اعضاء الاناسى و على الثاني تارة لا يكون المأخوذ منه العضو للترقيع مسلما او بحكم المسلم كالذمى و اخرى يكون مسلما أو من يكون بحكمه.

اما لو لم يكن المأخوذ منه انسانا فمقتضى القاعدة و لو ببركة اصالة البراءة الجواز مطلقا اعم من ان يكون المأخوذ منه حيا أو ميتا محلل الاكل أو محرما طاهرا أو نجسا مات حتف انفه أو ذبح على الوجه الشرعى نعم لو قلنا بحرمة الانتفاع بالميتة لا يجوز فيما يتحقق هذا العنوان الا ان تعارض الحرمة مصلحة اهم كما لو توقف حفظ حياة احد على ترقيعه بعضو من اعضاء الميتة.

و اما لو كان المأخوذ منه انسانا غير مسلم و لا ذمى فالظاهر الجواز اعم من ان يكون ميتا أو حيا مكرها أو غير مكره اذ قتل الكافر جائز فكيف بايذائه و يمكن ان يقال انه لو منعنا عن الانتفاع بميتة الحيوان لجملة من الاخبار فلا مانع من الاستفادة من ميت الانسان للانصراف مضافا الى انه لا يبعدان يقال انه لا تصدق على ميت الانسان الميتة بل هو ميت لا ميتة و بملاحظة (1) اللغة يظهر ما ادعيناه.

____________

(1) قال فى المصباح و الميتة من الحيوان ما مات حتف انفه و اصلها بالتشديد و قيل التزم التشديد فى ميتة الاناسى لانه الاصل و التزم التخفيف فى غير الاناسى.

206

و اما لو كان المأخوذ منه مسلما فان كان ميتا فلا يجوز لعدم جواز قطع اعضاء الميت المسلم الا اذا زاحمته مصلحة اهم كما لو توقفت حياة شخص على ترقيعه بعضو من أعضاء من الميت و الا لا يجوز اذ حفظ الاعضاء غير واجب كما انه لا يجب تكميل الاعضاء فما افيد في بعض الكلمات من الجواز مطلقا فاسد و ان كان حيا فان لم يكن راضيا بأخذ بعض عضوه فلا يجوز اكراها لان كل شخص مسلط على نفسه الا ان يزاحمه عنوان اقوى ملاكا من حرمة التصرف في سلطنة الغير و ان كان راضيا فان قلنا بأن قطع الاعضاء حرام حتى على صاحبها بالاجماع التعبدى فلا يجوز و اما لو قلنا بجوازه فان كان المأخوذ منه عاقلا بالغا فالاقوى الجواز لعدم مانع منه و اما لو كان مجنونا أو صغيرا فلا يجوز اذ رضائهما غير معتبر.

و اما اذا كان المأخوذ منه ذميا فان كان ميتا فيجوز لعدم الحرمة و ان كان حيا فيجرى فيه ما قلناه في المسلم.

المسألة الثانية في انه بعد ما رقّع بدن انسان بعضو من اعضاء الغير فهل يكون طاهرا أو نجسا أو فيه تفصيل

الظاهر هو الثالث و تفصيل الكلام ان العضو لو كان من ميت الانسان المسلم بعد غسله أو كان من الحيوان الطاهر بعد ذبحه على طريق شرعى و رقع به بدن انسان فالظاهر طهارة العضو اذ لا وجه للنجاسة في فرض الكلام و اما لو كان من ميت الانسان الكافر أو المسلم قبل غسله أو كان من الحيوان نجس العين أو طاهر العين لكن لم يذك يكون العضو نجسا فبعد الترقيع لو صار عضوا من البدن المرقع بحيث قطعت اضافته عما اضيف إليه أولا في نظر العرف يكون طاهرا اذ المفروض طهارة بدن المسلم اصالة كما انه لو بقيت الاضافة الاولية بحالها تكون

207

النجاسة باقية و لا نحتاج الى استصحاب النجاسة كي يقال بأن الاستصحاب لا يجرى في الاحكام الكليّة للمعارضة و لو اضيف إليهما معا بأن يقال زيد يرى بعين الحيوان الفلاني مثلا تكون النجاسة باقية اذ المفروض بقاء الموضوع بحاله و الحكم تابع لموضوعه.

و ربما يقال في هذا الفرض بأن دليل طهارة بدن الانسان المسلم يقتضي طهارة العضو فيقع التعارض بين الدليلين و بعد التساقط يرجع الى اصالة الطهارة اذ استصحاب النجاسة معارض باصالة عدم جعل الزائد على ما بنينا عليه في محله لكن هذا توهم فاسد و ذلك لان دليل طهارة الانسان لا يدل على طهارته و لو عرض عليه عنوان من عناوين النجاسة و بعبارة اخرى طهارة الاشياء من باب عدم الاقتضاء للنجاسة و المفروض ان المقتضى لها موجود و من المعلوم ان ما لا اقتضاء له لا يعارض ما فيه الاقتضاء و اللّه العالم.

المسألة الثالثة في حكم الصلاة مع العضو المرقع

و البحث فيه يقع على انحاء:

الاول من ناحية نجاسته و الثاني من ناحية كونه ميتة و الثالث من ناحية كونه مما لا يؤكل لحمه.

اما الكلام من الناحية الاولى ففيما يحكم بطهارة العضو فلا اشكال فيه و اما فيما يحكم بنجاسته فلو كان ما رقع به في الباطن فيمكن القول بالجواز أيضا لعدم دليل على وجوب ازالة النجاسة عن الباطن أو فقل ان الباطن لا ينجس.

و اما كون العضو الزائد محمولا فعلى فرض عدم جواز الصلاة مع المحمول النجس لا يشمل الدليل فيما كان المحمول في الباطن مضافا الى ان الكلام فيما لا يتم فيه الصلاة

208

و اما الكلام من الناحية الثانية فعلى فرض قطع الاضافة الاولية فلا اشكال و اما فيما كانت الاضافة باقيه فلنا ان نقول بالجواز أيضا اذ ما يدل على مانعية الميتة يدل على عدم جواز الصلاة فيها فلو لم يصدق هذا العنوان فلا مانع.

و اما الكلام من الناحية الثالثة اى من جهة كونه مما لا يؤكل لحمه فما قيل في وجه الجواز امور:

الاول ان دليل عدم جواز الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه منصرف عن اجزاء الانسان.

الثاني ان السيرة قائمة على الجواز.

الثالث حديثا زرارة و عمار ففى الاول (1) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سأله ابى و انا حاضر عن الرجل يسقط سنة فأخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه؟ قال لا بأس.

و في الثاني (2) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا بأس ان تحمل المرأة صبيها و هى تصلى و ترضعه و هى تتشهد».

أقول: ان الوجوه كلها مخدوشة اما الاول فلان فرض الكلام ليس في خصوص عضو الانسان كي يقال بانصراف الدليل فلو اخذ عضو من الاسد و رقع به هل تجوز الصلاة فيه أم لا.

و اما الثاني فلان السيرة حيث انها ليست دليلا لفظيا لا مجال للاخذ بالإطلاق فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن منها و من الظاهر انه ليست السيرة قائمة على ما فيه الكلام.

____________

(1) الوسائل الباب 31 من ابواب لباس المصلى الحديث 4.

(2) الوسائل الباب 24 من ابواب قواطع الصلاة الحديث 1.

209

و اما الثالث فالرواية الاولى ضعيفة بالارسال فلا تكون قابلة للاستناد و اما الثانية فحكم وارد في موضوع خاص بالنسبة الى شخص مخصوص و قد قيد الاطلاق بما رواه (1) ابن جعفر عن اخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكى ابنها الى جنبها هل يصلح لها ان تتناوله فتحمله و هى قائمة؟

قال لا تحمله و هى قائمة- فان هذه الرواية تدل على المنع حال القيام فكيف يمكن الاستناد و اما دليل الجواز: فالحق ان يقال انه لا قصور في شمول ادلة المنع و لا فرق بين صدق عنوان الصلاة في غير المأكول و عدمه اذ علم من الدليل ان مجرد مصاحبة جزء غير المأكول موجبا لفساد الصلاة لاحظ ما رواه ابن بكير (2) قال سأل زرارة أبا عبد اللّه (عليه السلام) في حديث الى أن قال: «فاخرج كتابا زعم انه املاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شيء منه فاسد الحديث.

فنقول لو امكن الاجتناب بان لا يصاحب جزء غير المأكول يكون مقتضى الاحتياط عدم الترقيع به و لو لم يمكن فان كان الاجتناب موجبا للهلاك فلا يجب بل يجب الترقيع بجزء غير مأكول اللحم لوجوب حفظ النفس كما انه لو كان الاجتناب حرجيا لا يجب لقاعدة نفى الحرج لكن تجب الصلاة على تلك الحالة اذ علم من الشرع ان الصلاة لا تترك بحال لاحظ ما رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 24 من ابواب قواطع الصلاة الحديث: 3.

(2) الوسائل الباب 2 من ابواب لباس المصلى الحديث: 1.

210

قال (عليه السلام) فيه لا تدع الصلاة على حال فان النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: الصلاة عماد دينكم (1).

فان المستفاد من هذه الرواية مع ملاحظة التعليل الواقع فيها و مجموع ما دل على اهمية الصلاة ان الشارع لا يرضى بتركها في حال من الاحوال و بعبارة واضحة انه لو كان الاجتناب موجبا للهلاك أو كان حرجيا تجب الصلاة مع تلك الحال لعدم سقوطها بحال.

(تتمة لا تخلو عن فائدة) و هى انه لو رقع بدن شخص بجزء من الحيوان

و شك في بقاء الاضافة الى الحيوان المأخوذ منه و عدمه فهل يجرى استصحاب بقاء الاضافة أم لا.

الحق هو الاول اما في الشبهة الموضوعية فظاهر اذ اركان الاستصحاب تامة و اما في الشبهة المفهومية فما يمكن ان يقال في وجه عدم جريان الاستصحاب في المقام ان استصحاب بقاء الموضوع بوصف الموضوعية يرجع الى استصحاب الحكم و استصحاب ذات الموضوع اركانه غير تامة اذ الامر دائر بين مقطوع البقاء و مقطوع الزوال فلا شك حتى يجرى الاصل.

لكن هذا القول و ان ذهب إليه المشهور غير تام لتحقق اركان الاستصحاب توضيح ذلك ان الاضافة الى الحيوان المأخوذ منه مثلا كانت معلومة و متيقنة و الآن نشك في ان الاضافة باقية أم لا فأيّ ركن من اركان الاستصحاب انهدم اذا لاضافة كانت معلومة

____________

(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الاستحاضة الحديث 5.

211

سابقا و هى مشكوكة لاحقا و مقتضى الاصل بقائها فيتحقق الموضوع الشرعى ببركة الاصل و على هذا الاساس قلنا انه لا مانع من جريان الاستصحاب في عدم تحقق المغرب لو تردد بين استتار القرص و ذهاب الحمرة المشرقية في مسألة الشك في المغرب الشرعى بانه هل يحصل باستتار القرص فقط أو مع ذهاب الحمرة ببيان ان ما يكون غروبا في نظر العرف لم يكن حاصلا قبل ساعة و الآن نشك في حصوله و الاصل يقتضي عدم الحصول.

الفائدة الثامنة عشر: المشهور عند القوم أنه لو شك في نسخ حكم يجري الاستصحاب

و بعبارة اخرى الشك في النسخ كالشك في التخصيص فكما انه لو شك في تخصيص العموم الافرادى يحكم بعدمه بالاستصحاب كذلك لو شك في النسخ فان النسخ تخصيص ازمانى و الحق عدم تمامية البيان المذكور فان الاخذ بالعموم اعم من ان يكون افراديا أو زمانيا من باب الامارة العقلائية و لا يرتبط بالاستصحاب و ان شئت قلت لو فرض عدم دليل على الاستصحاب لا اشكال في حجية اصالة العموم لبناء العقلاء عليه في باب الالفاظ.

الفائدة التاسعة عشر: أنه وقع الكلام عند القوم في المستفاد من حديث من بلغ

و ذهب بعضهم كسيدنا الاستاد (قدس سره) الى ان مفاد تلك الاخبار الارشاد الى حكم العقل بحسن الانقياد و لا يستفاد منها استحباب العمل و يترتب عليه انه لو اتى المكلف بما بلغه من الثواب بعنوان الامر الاستحبابى

212

يكون مشرّعا اقول هل يستفاد من تلك الاخبار ان الاتيان بالعمل محبوب للمولى أم لا و بعبارة واضحة ان الشارع الاقدس رغّب المكلف في الاتيان بوعده اعطائه اياه ذلك الثواب الكذائى فيعلم ان الاتيان به محبوب عنده و بعد ثبوت كونه محبوبا عنده يثبت الاستحباب الشرعى فالحق ان المستفاد من تلك النصوص الاستحباب و المولوية فلاحظ.

الفائدة العشرون: انه وقع الكلام و الاشكال عند بعض الفقهاء كسيدنا الاستاد (قدس سره) في ملكية الهيئات الحكومية

و الوجه في الاشكال ان الملكية تحصل بسبب من الاسباب الشرعية و المتصدي لهذه الاسباب اما هو المالك و اما الوكيل عن المالك و اما الولى عليه و الهيئة الحكومية غير الشرعية لا تكون مالكة كما هو ظاهر و لا تكون وكيلا عن قبل المالك كما هو اظهر و لا وليّ عليه.

و حيث ان هذه المسألة في كمال الاهمية و مورد ابتلاء العموم رأيت ان المناسب بل الراجح التعرض لها و ملاحظة جوانبها فاقول لا اشكال في قابلية الهيئة و المملكة للملكية و الذي يدل على المدعى ان الاعيان الموقوفة مالكة للاشياء المتعلقة بها كفرش المسجد و قناديله و منبره الى غيرها من متعلقات المسجد و قس على المسجد الحسينيات و الخانات و الضرائح المقدسة فلا اشكال من هذه الناحية.

انما الكلام في وجه تحقق الملكية بتصرفات الهيئات المسلطة عليها

و يمكن الاستدلال لاثبات نفوذ تصرفات المتصدين بوجوه

الوجه الأول انه لو لم يلتزم بالملكية يلزم الحرج الشديد

بل يلزم

213

اختلال النظام لانه لو لم نقل بالملكية لا يجوز الذهاب و الاياب الى جميع الادارات الحكومية بل لا يجوز التصرف في الحسينيات و الخانات و غيرهما من الاماكن العمومية التي بنتها السلطة.

و أيضا لا يجوز التصرف في الوسائط النقلية و قس عليها بقية الامور كالتصرف في البنوك و امثالها و يلزم أيضا بطلان صلاة كل من يصلي في المساجد و المجامع التي بنيت بامر السلطة فى الطرق بين البلاد و قس على ما ذكرنا كثيرا من الامور اللازمة لهذا القول و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم؟ كلا ثم كلا.

الوجه الثاني ان السيرة العقلائية من اوّل الخلقة الى زماننا جارية على معاملة المالكية مع السلطات الحكومية

على انواعها و لا يختلج ببال احد ان السلطة من انواع الغاصبين و ما يؤخذ منه غصب و حرام و لم يرد عن الشارع الاقدس ردع عن السيرة المذكورة.

و من ناحية اخرى ان القوانين العقلائية اذا لم يردع عنها الشارع ينكشف انه امضاها و لذا نقول الظواهر حجة و كذلك قول الثقة الى غيرهما من السيرات العقلائية.

الوجه الثالث: انه يلزم عدم مالكية كل من يضع ماله في البنك

كما هو المعمول في انحاء العالم و يترتب عليه عدم وجوب الخمس اذ لا موضوع له بالنسبة الى النقود من الاوراق و غيرها اذا كانت موضوعة في البنك.

و يلزم أيضا عدم انتقال المبيع الى التاجر و الكاسب اذ اما يشترى المتاع بالنقد الشخصي و إما يشتري بالذمة أما على الاول فالبيع باطل اذ المفروض ان الثمن غصب و أما على الثاني فالبيع و ان كان صحيحا لكن لا تفرغ ذمة المشتري بدفع الثمن اذ المفروض ان

214

الثمن غصب و مجهول المالك و هذا يقرع الاسماع بل يضحك الثكلى.

الوجه الرابع انه لم يسمع الاشكال و ابداء الشبهة من زمن الكليني و الطوسي و المفيد و الصدوق الى زمان الشيخ الانصاري

و من بعده و كيف يمكن أن تكون هذه النكتة مغفولا عنها بالنسبة الى هؤلاء الاعلام و الاتقياء العظام.

الوجه الخامس: انه حسب النقل ان الرسول الاكرم قبل هدية ملك حبشة و ان المعصومين (عليهم السلام) كانوا يقبلون عطايا خلفاء الجور

و جوزوا قبول جوائز السلطان الجائر و هل يكون فرق بين ذلك الزمان و الزمان الاخر.

و يستفاد من جملة النصوص جواز الاخذ و حليته منها ما رواه ابو ولاد قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) ما ترى في رجل يلي اعمال السلطان ليس له مكسب الا من اعمالهم و انا امرّ به فانزل عليه فيضيفني و يحسن إليّ و ربما أمر لي بالدرهم و الكسوة و قد ضاق صدري من ذلك فقال لي: كل و خذ منه فلك المهنّأ و عليه الوزر (1).

و منها ما رواه ابو المعزى قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده فقال اصلحك اللّه امرّ بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها قال: نعم قلت و احج بها قال نعم (2).

و منها ما رواه داود بن رزين قال قلت لابي الحسن (عليه السلام) اني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها أو الدابة

____________

(1) الوسائل الباب 51: من ابواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

215

الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه قال خذ مثل ذلك و لا تزد عليه (1).

و منها ما رواه محمد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لابي عبد اللّه عبد اللّه (عليه السلام): اشتري الطعام فيجيئني من يتظلم و يقول ظلمني فقال اشتره (2).

و منها ما رواه معاوية بن وهب قال قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): اشتري من العامل الشيء و أنا اعلم انه يظلم فقال اشتر منه (3).

و منها ما رواه ابو عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من ابل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم انهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذي يجب عليهم قال:

فقال ما الابل الا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه (4).

و منها ما رواه جميل بن صالح قال ارادوا بيع تمر عين أبي ابن زياد فاردت ان اشتريه فقلت: حتى استأذن أبا عبد اللّه (عليه السلام) فامرت مصادف فسأله فقال له قل له فليشتره فانه ان لم يشتره اشتراه غيره (5).

و منها ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في (نوادره) عن ابيه قال سئل

____________

(1) الوسائل الباب 51: من ابواب ما يكتسب به الحديث 7.

(2) الوسائل الباب 52: من ابواب ما يكتسب به الحديث 3.

(3) نفس المصدر الحديث 4.

(4) نفس المصدر الحديث 5.

(5) الوسائل الباب 53: من ابواب ما يكتسب به الحديث 1.

216

أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن شراء الخيانة و السرقة قال اذا عرفت ذلك فلا تشتره الا من العمال (1).

و منها ما رواه اسحاق بن عمار قال سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم قال يشتري منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احدا (2).

و منها ما رواه عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه قال سألته عن الرجل أ يشتري من العامل و هو يظلم فقال يشتري منه (3).

و هذه النصوص تدل بوضوح على جواز التصرف فيما يؤخذ من الجائر و المعاملة معه معاملة الملاك و لا وجه لحمل هذه النصوص على القضية الخارجية كي لا يمكن الاخذ بإطلاقها فان الظاهر من لفظ السلطان من يكون مصداقا لهذا المفهوم بلا فرق بين المدعي للخلافة و من لا يكون كذلك.

و اوضح منه ما عبّر عنه بعنوان العامل فان العامل مطلق يصدق على كل عامل فالنتيجة ان الدولة قابلة للمالكية ثبوتا و بحسب مقام الاثبات تكفي الادلة لكونها مالكة كبقية الملاك فلاحظ.

الفائدة الواحدة و العشرون: الظاهر أن الأصحاب لم يتعرضوا لمسألة وجوب إطاعة الوالدين

في الكتب الفقهية الاستدلالية و لا ريب في أهمية الموضوع و ابتلاء العموم به فجدير بأن نذكر فيه ما خطر ببالنا و استفدناه من الآيات

____________

(1) الوسائل الباب 52: من ابواب ما يكتسب به الحديث 6.

(2) الوسائل الباب 53: من ابواب ما يكتسب به الحديث 2.

(3) نفس المصدر الحديث 3.

217

و النصوص فنقول قد ورد في جملة من الآيات الايصاء بالاحسان بالوالدين منها قوله تعالى «وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» (1) الآية.

فان المستفاد من الآية ان اللّه أخذ الميثاق من بني اسرائيل أن لا يعبدوا الا اللّه و أن يحسنوا بالوالدين و ذي القربى و هو الرحم و اليتامى و المساكين و ان يقولوا للناس حسنا.

و لا اشكال في أنه لا يستفاد من هذه الآية وجوب اطاعتهما بل المستفاد منها رجحان الاحسان إليهما و الاحسان إليهما لا يلازم اطاعتهما فان الاحسان يقابل الإساءة.

و مما يدل على المدعى ان المستفاد من الآية رجحان الاحسان إليهما و الى ذي القربى و اليتامى و المساكين و من الواضح انه لا يجب اطاعة هؤلاء المذكورين فلا يكون حسن الاحسان مستلزما لوجوب الاطاعة هذا أولا.

و بعبارة اخرى: ان وحدة السياق تقتضي عدم الوجوب فلو فرض عدم وجوب غيرها من المذكورين كما هو كذلك فلا يكون اطاعتهما واجبا أيضا.

الا أن يقال بأن الظاهر من الجملة هو الوجوب و نرفع اليد عنه بمقدار قيام الدليل على الخلاف لكن يلزم على هذا تخصيص الاكثر المستهجن فلاحظ.

و ثانيا ان الآية مربوطة ببني اسرائيل و اسراء الحكم الى الامة المرحومة يتوقف على القول باستصحاب احكام الشرائع السابقة و هو مورد الاشكال و التفصيل موكول الى محله من الاصول.

____________

(1) البقرة/ 83.

218

و منها قوله تعالى «وَ اعْبُدُوا اللّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ بِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ وَ الصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً» (1).

و قد ظهر مما ذكرنا في الآية الاولى انه لا يستفاد المدعى من هذه الآية أيضا.

و منها قوله تعالى «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» (2).

و قد ظهر مما قدمناه عدم دلالة الآية على وجوب الاطاعة فلا نعيد.

و منها قوله تعالى «وَ قَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً» (3) و الكلام فيها هو الكلام و وجوب القول الكريم لهما لا يستلزم وجوب اطاعتهما كما هو ظاهر و بعبارة اخرى: كما يحرم أن يقال لهما افّ كذلك يجب القول الكريم لهما فلاحظ.

و منها قوله تعالى «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (4).

____________

(1) النساء/ 36.

(2) الانعام/ 151.

(3) الاسراء/ 23.

(4) العنكبوت/ 8.

219

و هذه الآية ذكر فيها الايصاء بالحسن و المنع عن اطاعتهما في صورة المجاهدة على الشرك اما بالنسبة الى الجملة الاولى فالكلام فيها هو الكلام و أما بالنسبة الى الجملة الثانية فربما يتوهم ان مقتضى مفهوم الشرط وجوب اطاعتهما في المجاهدة على غير الشرك.

و لكن لا مجال لهذا التوهم فان الشرط في الآية سيق لبيان الموضوع و لا مفهوم له.

و منها قوله تعالى «وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (1).

و قد ظهر مما مر ان تقريب الاستدلال بمفهوم الشرط غير سديد و يستفاد من قوله تعالى في هذه الآية «وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» ان الواجب بالنسبة الى الوالدين معاشرتهما بالمعروف نظير قوله تعالى «وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» بالنسبة الى الزوجات فلا يجب على الولد بالنسبة الى والديه الا الصحبة بما هو المتعارف فلا تجب اطاعتهما على نحو الاطلاق.

نعم ربما يتفق ان الاطاعة مصداق للصحبة بالمعروف.

و منها قوله تعالى «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً» (2).

و الكلام في هذه الآية هو الكلام في الآيات السابقة المتضمنة للايصاء بالاحسان فالنتيجة ان الآيات بنفسها لا تدل على وجوب

____________

(1) لقمان/ 15.

(2) الاحقاف/ 15.

220

اطاعتهما بل المستفاد من الكتاب وجوب صحبتهما بالمعروف.

نعم يستفاد من الكتاب ببركة النص حرمة العقوق لاحظ قوله تعالى «وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا» (1) و قد عد العقوق من المعاصى الكبيرة في حديث عبد العظيم الحسنى قال حدثني ابو جعفر الثاني (عليه السلام) قال سمعت ابى يقول سمعت أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلما سلم و جلس تلا هذه الآية «وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ» ثم امسك فقال له ابو عبد اللّه (عليه السلام) ما اسكتك قال احب ان اعرف الكبائر من كتاب اللّه عز و جل فقال نعم يا عمرو اكبر الكبائر الاشراك باللّه الى أن قال، و منها عقوق الوالدين لان اللّه سبحانه جعل العاق جبارا شقيا (2) الحديث.

مستشهدا بالآية الشريفة و حرمة العقوق من الواضحات التي لا ريب و لا شك فيها و لكن حرمة العقوق لا تستلزم وجوب الاطاعة فان العقوق على ما يظهر من اللغة هو القطع و الايذاء.

نعم لا مانع من الالتزام بوجوب الاطاعة فيما يكون تركها مستلزما للايذاء و القطع و ترك الاحسان و خلاف المصاحبة بالمعروف.

و تدل جملة من الاخبار على حرمة العقوق، منها ما رواه حديد ابن حكيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال أدنى العقوق افّ و لو علم اللّه عز و جل شيئا أهون منه لنهى عنه (3).

____________

(1) مريم/ 32.

(2) الوسائل الباب 46 من ابواب جهاد النفس الحديث 2.

(3) اصول كافى ج 2 ص 348 باب العقوق الحديث 1.

221

و منها ما رواه عبد اللّه بن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كن بارا و اقتصر على الجنة و ان كنت عاقا (فظا) فاقتصر على النار (1).

و منها ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنة فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام الا صنف واحد قلت من هم قال العاق لوالديه (2)

و منها ما رواه السكونى عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): فوق كل ذي برّ برّ حتى يقتل الرجل في سبيل اللّه فاذا قتل في سبيل اللّه فليس فوقه برّ و ان فوق كل عقوق عقوقا حتى يقتل الرجل احد والديه فاذا فعل ذلك فليس فوقه عقوق (3).

و منها ما رواه سيف بن عميرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من نظر الى ابويه نظر ماقت و هما ظالمان له لم يقبل اللّه له صلاة (4).

و منها ما رواه محمد بن فرات عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في كلام له اياكم و عقوق الوالدين فان ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام و لا يجدها عاق و لا قاطع رحم الحديث (5).

____________

(1) (1 و 2) نفس المصدر الحديث 2 و 3.

(3) اصول كافى ج 2 ص 348 باب العقوق الحديث 4.

(4) نفس المصدر الحديث 5.

(5) نفس المصدر الحديث 6.

222

و منها ما رواه ابو البلاد (السلمى) عن أبيه عن جده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لو علم اللّه شيئا أدنى من اف لنهى عنه و هو من ادنى العقوق أن ينظر الرجل الى والديه فيحدّ النظر إليهما (1).

و منها ما رواه عبد اللّه بن سليمان عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان أبي نظر الى رجل و معه ابنه يمشي و الابن متكئ على ذراع الأب قال: فما كلّمه أبي (عليه السلام) مقتا له حتى فارق الدنيا (2).

و الحديث الثاني من الباب يدل على وجوب البرّ و يدل على وجوب اطاعتهما ما رواه محمد بن مروان قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول ان رجلا أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال يا رسول اللّه اوصنى فقال لا تُشْرِكْ بِاللّهِ شيئا و ان حرقت بالنار و عذبت الا و قلبك مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و والديك فاطعهما و برّهما حيين كانا أو ميتين و ان أمراك أن تخرج من اهلك و مالك فافعل فان ذلك من الايمان (3) و لكن الرواية ضعيفة بخالد بن نافع البجلي مضافا الى أنه كيف يمكن أن يلتزم بمفاد الحديث بهذا النحو من الاطلاق اللهم الا أن يقال انه ترفع اليد بالمقدار الذي يقطع بعدم وجوبه و الضرورات تقدر بقدرها.

و قد دلت جملة من الاخبار ان الانسان و ماله لابيه منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه قال يأكل منه ما شاء من غير سرف، و قال: في كتاب علي (عليه السلام) ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا الا باذنه

____________

(1) اصول كافى ج 2 ص 348 باب العقوق الحديث 7.

(2) نفس المصدر الحديث 8.

(3) اصول كافى ج 2 ص 158 الحديث 2.

223

و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء و له أن يقع على جارية ابنه اذا لم يكن الابن وقع عليها و ذكر ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لرجل انت و مالك لابيك (1).

و منها ما رواه أبو حمزة الثمالى عن أبي جعفر (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لرجل انت و مالك لابيك قال أبو جعفر (عليه السلام) ما احب أن يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج إليه مما لا بدّ منه ان اللّه لا يُحِبُّ الْفَسادَ (2).

و منها ما رواه الحسين بن أبي العلاء قال قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) ما يحل للرجل من مال ولده قال قوته بغير سرف اذا اضطر إليه قال: فقلت له فقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) للرجل الذي اتاه فقدم أباه فقال له انت و مالك لابيك فقال انما جاء بأبيه الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال يا رسول اللّه هذا أبي و قد ظلمني ميراثي من أمّي فاخبره الأب انه قد أنفقه عليه و على نفسه و قال انت و مالك لابيك و لم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يحبس الأب للابن (3).

و منها ما رواه محمد بن سنان ان الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: و علة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه و ليس ذلك للولد لان الولد موهوب للوالد في قوله عز و جل «يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ» مع انه المأخوذ بمئونته

____________

(1) الوسائل الباب 78 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) نفس المصدر الحديث 8.

224

صغيرا و كبيرا و المنسوب إليه و المدعو له لقوله عز و جل «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ» و لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله) انت و مالك لابيك و ليس للوالدة مثل ذلك لا تأخذ من ماله شيئا الا باذنه أو باذن الأب و لان الوالد مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها (1).

و لا اشكال في أن هذه الروايات ناظرة الى الحكم الاخلاقي فالنتيجة انه لم يدل دليل لا من الكتاب و لا من السنة على وجوب اطاعة الوالدين و طريق الاحتياط ظاهر و اللّه العالم بحقائق الامور و عليه التكلان.