أنوار الفقاهة (كتاب الزكاة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
161 /
51

بحث: لا تؤخذ الربى من الغنم بتشديد الباء و ضم الراء

و الظاهر الاتفاق عليه إلا إذا كان النصاب كله رباء فلا يكلف غيرها للإجماع المنقول بل له أن يفع منها و له أن يدفع بالقيمة و هل المنع التعبدي لإطلاق النص و الفتوى أو للزوم الاضرار بولدها أو المراعاة حال المالك فإذا رضى المالك جاز أو لمراعاة حال الفقراء لأنها مريضة كالنفساء فإذا وجد المصدق مصلحة جاز وجوه أقواها الوسط و أحوطها الأول و الربى هي ما دبت أثنى مما في الصحيح و لكنه لا قائل به أو هي ما دبت في البيت لأجل اللين كما فسره بعضهم و هو لا قائل به ممن يعتد به أو ما قرب عهدها بالولادة عرفاً أو كان بينها و بين الولادة خمسة عشر يوماً أو عشراً أو عشرون او شهران و الأقرب أنها الوالدة عرفاً للموثق و لا تؤخذ الأكولة و لا الوالدة و حكمها حكم النفساء في النساء و تجزي في المعز و الضأن و خصها بعضهم بالمعز و بعضهم بالضأن و يجوز أخذها عند امتناع المالك مقاصة و هل يجوز دفعها قيمة على احتمال أن المنع تعبدي و لا يبعد ذلك و الأحوط التجنب عن جميع ما فسرت به الربّى من باب المقدمة لمكان النهي و الاشتباه في المحصور.

بحث: لا يجوز أخذ الأكولة و لا فحل الضراب و ثمرته في الغنم

للموثق الدال على النهي عن أخذها و لأنهما من كرائم الأموال فيلزم الضرر على المالك بدفعهما و هل عدم الجواز تعبدي لإطلاق النص و الفتوى أو إرفاق بالمالك فلو تطوع و أخرج ذلك جاز وجهان أقواهما الثاني و نقل عليه الإجماع و الأحوط الأول سيما إذا لم يكن فحل ضراب غيره إلا إذا أخرجهما على أنهما قيمة فيقوى القول بجوازه و تظهر الثمرة على وجه الأخير فيما إذا امتنع المالك فجبره الحاكم على الأخذ و لم يكن منحصراً فيهما فالأظهر عدم جواز أخذ الساعي شيئاً منهما مطلقاً بدون أذنه و الأحوط عدم أخذ الحامل إلا إذا كان النصاب كله حوامل لأن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (نهى أن يأخذ شافعاً أي حاملًا) و هل يجب دفع الحامل إذا كان النصاب كله حوامل عينها أو قيمتها و دفع القيمة على النسبة أو العين إذا كان النصاب بعضه حوامل و بعضه لا أم لا يجب وجهان وجهان أقواهما الثاني و الأحوط الثاني.

52

بحث: يقوى القول بعدم عد الأكولة و فحل الضراب من النصاب إذا لم يكن كله كذلك

أو كان النصاب متساوياً فيهما للصحيح الدال على أنه ليس في الأكيله و لا فحل الغنم صدقة الظاهر في نفيها في العد لا في الأخذ كغيره من الأخبار النافية للصدقة عن كثير من الأشياء و لرواية السرائر بعدم عد الفحل و عدم القول بالفصل عم يختص الحكم بما إذا كان قليلًا في النصاب اقتصاراً على المتيقن في النص و الفتوى و لأنه الغالب في الوجود و بما إذا لم يرضَ المالك للإجماع المنقول على عدها إذا رضى و ذهب جمع من أصحابنا للأكثر إلى وجوب عدهما لإطلاق النص و الفتوى في ثبوت الزكاة في مطلق الغنم و عدم صراحة الصحيح في نفي العد فلعله يراد به نفي الأخذ بقرينة عد الرُّبّى و شاة اللبن لأن حمل النفي فيها على نفي العد مخالف للإجماع المحصل و المنقول و استعمال النفي في الأمرين بالنسبة إلى الصنفين لا نرتضيه في استعمال الألفاظ و الأخذ ببعض الرواية دون بعض و إن كان جائزاً لكنه يوهنها عند المعارضة و رواية ابن إدريس ضعيفة بالإرسال فلا تصلح للاستدلال.

بحث: إذا اختلفت أفراد النصاب في الجودة و الرداءة و علو القيمة و دنوها

فهل يجزي المسمى من الرديء و الأدنى أم لا يجب الإخراج على نسبته النصاب جودة و رداءة و علواً و دنواً وجهان أقواهما الثاني لقوله تعالى: [وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ] سورة البقرة آية (267)، و لأن الزكاة تتعلق بالعين فتوجب الشركة و من موجباتها الأخذ بالنسبة كما أن الفقير ليس له أن يأخذ الأعلى و لقوله تعالى: [فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ] سورة البقرة آية (279)، و قيل بالأول تمسكاً بالإطلاق و استناداً للأصل و لكثرة الإرفاق بالمالك و لرواية مصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث أمره بتخير المالك بعد صدع المال صدعين و في الجميع ضعف لانصراف الإطلاق في المقام الخاص للمتوسط من الأفراد المتعارفة لانقطاع الأصل بدليل الشركة و لمعارضته إرفاق المالك بما دل على مراعاة حال الفقراء و لأن الصدع و التقسيم و جعل الخيار للمالك لا يدل على جواز دفع الرديء عن الجيد فظهرت قوة الأول و عليه فلا يجوز

53

دفع الرديء عن الجيد إذا كان النصاب كله جيد و لا قيمة الرديء عنه في باب المقدمة و لا الذكر عن الأنثى إذا كان الذكر رديئاً لأن حيثية الذكورة و الأنوثة و لا المنخفض قيمة بدل الأعلى أو المتوسط عيناً أو قيمة.

بحث: عند تساوي الأفراد فهل الخيار للمالك أم لا بد من القرعة أم للساعي الأخذ بغيرها و له أن ينازعه حتى تعتبر وجوه

أوجهها الأول لما يفهم من الأخبار من جعل الخيار بيد المالك في دفع العين أو القيمة و الدفع من نفس النصاب أو من غيره و من جواز بيع النصاب و التصرف فيه بنية ضمان الفريضة و من جعل الخيار إليه في رواية أمير المؤمنين (عليه السلام) و من ظهور الأخبار بمراعاة حال المالك و الإرفاق به و لخلو الأخبار عن ذكر القرعة في مقام البيان و لجريان السيرة القطعية على دفع المال للفقير من دون مشاحة و قرعة و لو شرعاً لبان ذلك و لاستحباب دفع الزكاة سراً بل دفعها من دون تبين أنها زكاة و ظاهرها ينافي في لزوم القرعة و لأن لزوم القرعة في غير الأنعام بديهي ففيها كذلك لعدم الفرق الظاهر سوى أنهما من ذوات القيم المختلفة و تلك من المثليات و هو لا يصلح للفرق ضرورة اختلاف المثليات اختلافاً فاحشاً بحسب القيمة و الرغبات كاختلاف القيمتان المؤدي للنزاع بين الشركاء فلو وجبت لوجبت هناك أيضاً و دعوى لزوم القرعة لاشتراك المال و لا يتميز إلا بمتميز شرعي متيقن و القرعة مميز متيقن فبدونها لا يحصل التميز و لا الملك و غاية ما يحصل بالقسمة بدونها إباحة تصرف كل من الشريكين بمال الآخر و لا يحصل بتعيين المشترك بالملك إلا بالقرعة ضعيفة جداً لأن توقف الملك في المشتركات على القرعة إنما هو في الأملاك الخاصة بين الملاكين المخصوصين كما خصها به الأصحاب فتوى و رواية و أما الحقوق العامة من خمس أو زكاة أو غيرهما مما دل على أن أمره بيد المالك حكم على ذلك و مخرجه عن شبهة التوقف على القرعة إلى القطع بكون الأمر إلى المالك فعلى ما ذكرناه لو كان في النصاب ما يتفاوت القيمة أو الرغبات فيه كان الخيار للمالك يفعل فيه كيف يشاء و لا يجب التقسيط عند اختلاف القيم المتعارفة عادة نعم يجب التقسيط إذا اختلفت اختلافاً فاحشاً من جهة عرض كالعيب و السلامة أو من جهة تغاير الجنس كالبقر و الجاموس

54

و الإبل العربية أو الخراسانية أو من جهة نفسها لزيادة حسن في بعضها و زيادة قبح في آخر.

بحث: تتعلق الزكاة بالعين على جهة الاستحقاق لا على طريق الاستئناف

فالفقير شريك في النصاب بقدر ما فرضه الله تعالى له مع المالك على جهة الإشاعة لا على جهة حلول الكلي في النصاب كبيع صاع من صبرة و لا على أنه مسترهن ذلك القدر من مال المالك إلى حين الدفع منه و لا على أنه مستوثق فيه كاستيثاق المجني عليه للعبد الجاني في ارش الجناية و لا تتعلق بالذمة و لا تتعلق بهما معاً في غير المجانس بالذمة كفى خمس من الإبل شاة و في المجانس بالعين كالغلات و نحوها كما تخيله بعضهم و الدليل على تعلقها بالعين دون الذمة فتوى المشهور و الإجماعات المحكية و النصوص الواردة في النقدين كقوله (عليه السلام): (في عشرين دينار نصف دينار و في كل أربعين دينار أربعة دنانير و في كل مائتي درهم خمسة دراهم) و في الغلات كقوله (عليه السلام): (فيما سقت السماء العشر و ليس فيما دون خمسة أو ستة صدقة) و في الأنعام كقوله (عليه السلام): (في كل أربعين شاة شاة) و نحو ذلك مما استفيد منه الحكم الشرعي و هو وجوب الزكاة و الوضعي و هو دخول الفريضة في الغير لمكان في الظاهرة الظرفية دون السببية لأن استعمالها في السببية مجازاً لا يصار إليه إلا بدليل كقولهم في العين الدية و قولهم النار في هرة و دعوى عدم إمكان الظرفية في مثل قولهم في خمس من الإبل شاة لا وجه لها لعدم إرادة نفس الشاة بل إرادة قدرها قيمة مشاعاً فيها و قد يكون الشاة بدلًا عنها فتكون الظرفية ممكنة حينئذ و تقديم التجوز في الشاة دون التجوز بفي هاهنا إنما كان لمكان عدم القول بالفصل و لقوة قرينته على قرينة التجوز بفي كما يظهر مما تقدم و ما يأتي إن شاء الله تعالى و يدل عليه أيضاً قوله (عليه السلام): (إن الله شرك الأغنياء و الفقراء) و قوله (عليه السلام): (إن الله جعل في أموال الأغنياء للفقراء ما يكتفون به) و الأخبار الواردة في آداب المصدق و صدع المال بينه و بين المالك و يدل على ذلك أنها لو تعلقت بالذمة لتكررت في النصاب الواحد إذا حالت عليه أحوال متعددة

55

و لم تقدم على الدين إذا قصر في الشركة مع بقاء عين النصاب و لم تسقط بتلف النصاب من غير تفريط و لم يجز للساعي تتبع العين لو باعها المالك و اللوازم باطلة اتفاقاً منهم منقولًا بل و محصلًا فالملزوم مثله و ما استند إليه أهل الذمة من عدم جواز إلزام المالك بالأداء من العين بل له الإخراج بالقيمة و من عين أخرى و عدم منعه من التصرف بالنصاب قبل الاخراج مع الضمان و من منعه من التصرف بالنصاب قبل الإخراج مع الضمان أي و من قياسها على زكاة الفطرة ضعيف لأن الأولين تخفيف على المالك و إرفاق به كما يرشد إليه خبر أمير المؤمنين (عليه السلام) و سماع دعوى الإخراج من المالك و تصديقه في الأحكام المتعلقة بالزكاة نفياً و إثباتاً و الأخير قياس لا نقول به على أنه لو كان التخلف في خاصة موجباً للمنع من التعلق بالعين لكان مع التعلق بالذمة أو إلى كثرة التخلف في خواصه و يتفرع على الأقوال أنه لو باع بعد تعلق الوجوب النصاب نفذ في قدر نصيبه قولًا واحداً و أما في قدر الفرض فبناء على الشركة يبطل البيع فيه إلا مع الضمان و الاستمرار عليه و أجازه الحاكم فتكون الثمن للفقراء و يتخير للمشتري الجاهل لتبعيض الصفقة عليه فإن إخراج البائع القدر من غير النصاب بعد البيع احتمل نفوذ البيع لكونه كالإجازة من الساعي لولاية المالك و احتمل العدم و الأول أقوى و على القول بالذمة يصح البيع قطعاً فإن أدى المالك لزم و إلا كان للساعي تتبع العين فيفسخ البيع من حينه لا من أصله شرعياً و يتخير المشتري أيضاً و على الرهن يبطل البيع إلا أن يتقدم الضمان و يخرج من غيره و على الجناية يكون البيع التزاماً من المالك بالزكاة فإن أداها نفذ البيع و إن امتنع تتبع الساعي للعين و لو تتبع الساعي فأخرج البائع الزكاة احتمل لزوم البيع حينئذ من جهة المشتري و هو الأقوى و احتمل عدمه استصحاباً للخيار و لاحتمال الاستحقاق المدفوع فتعود مطالبته للساعي و هل يجب على القول بتعلقها بالعين إخراج زكاة ما انتقل إلينا من الكفار و المخالفين أم لا و من جواز إقرارهم على مذهبهم و السيرة القاضية بالعدم و لا يبعد أنه الأقوى و في تعلق الزكاة بالعين في الزكاة المندوبة على وجه الشركة تأمل و نظر و كذا في نمائها سيما مع غرمه على الدفع و يتفرع على تعلقها بالعين لزوم تقديمها على الدين

56

و عدم تكررها ببقاء ما ينطق على النصاب المال أو بعضه من دون تفريط و جواز أن يبيت الإمام ليلة قبل إخراجها لو عملنا برواية أن الإمام لا يبات في ذمته حق و تقديمها على زكاة الفطرة عند التعارض و اشتراكها مع الخمس في الإخراج عند التعارض و عدم استثناء ما يستثنى للمديون في إخراجها و اتباع الساعي العين أو عوضها مع التلف بتفريط و حرمة التصرف بما تعلقت به من دون ضمان و عدم تعلق النذر و شبهه بقدرها لو نذر التصرف بماله من دون ضمان و استحقاق السهم من الأرباح و النماء لو أجاز المجتهد نقل العين من المالك و بيعه حصة الفقراء لمال المالك لو أعرض عن بعض المتساقط من حب و شبهه أو وهب بعض ما يعتاد هبته كقبضه سنبل أو كف طعام أو تمر و الشركة فيما لم يعرض عنه من برز متخلف أو ثمر قصار نخلًا أو عدم جواز التصرف بها على القول بالرهن و عدم تعلق أحكام المدينين بمن وجبت عليهم لو نذر لهم ناذر أو وقف عليهم واقف و عدم لزوم الإعطاء بحساب الأصل لو تبدلت من دون تفريط لمصلحة الحفظ و نحوه من دون ضمان و لزوم قيمة المثل لما تبدلت إليه مع الاعواز لا الأصل و إجراء حكم الوديعة عليها فلا يسافر الا مع الضمان أو التأدية أو الوضع عند أمين و إعطاء المؤن المصروفة عليها بعد تعلق و جواز التأخير و عدم الضمان لو أبقاها من دون اختيار و تخصيص الفقراء دون الغرماء بها في مال المفلس و الميت و عدم دخولهم في التقسيط مع القصور و عدم دخولها في الميراث و الوصية و عدم لزوم محذور مع عدم إخراجها لو التزم بعد شغل الذمة و عدم جواز أخذهما الرهن على ما في الذمة مع وجودها و عدم جواز ضمان من طلبت منه قبل ضمانه و طلب عوض النفقة في المصرف لو صرف عليها و وجوب الحفظ لها كالوديعة و عدم لزوم الحلف على من حلف معلقاً على أربعين شاة و ليس عنده سواهما و جواز بيعها بحال و مؤجل بخلاف الدين و جواز الصرف عليها لجواز التقابض بها دون الدين و جواز المضاربة عليها باقية على حالها و جواز دعوى الفقراء بها مع الغاصب و جواز الصرف عليها من مال الفقراء و جواز أخذ الارش عن عيبها و جواز أن يأخذ المالك من الساعي أجرة لو

57

تأخر عن القبض و بالعكس لتفويت المنفعة على الفقراء و لزوم الحنث لو قال: ليس عندي في مال الفقراء شيء و عدمه لو قال: ليس في ذمتي شيء.

القول في زكاة النقدين

و في كل واحد منهما نصابان نصاب أولي و هو عشرون ديناراً أو عشرون مثقالًا شرعياً و هما سواء في الأخبار و كلام الأصحاب لأن الدينار في لسانهم مثقالٌ و فيه ربع العشر نصف دينار عشرة قراريط ثمّ ليس فيه شيء حتى يزيد أربعاً و هو النصاب الثانوي و فيها ربع العشر أيضاً قيراطان و هكذا وفاقاً للمشهور بل كاد أن يكون إجماعاً و الإجماعات عليه متكثرة النقل و الأخبار المعتبرة به مستفيضة متكثرة بل قيل أنها تبلغ حد التواتر و منها الصحيح (ليس على الذهب حتى تبلغ عشرين مثقالًا ففيه نصف مثقال إلى أن يبلغ أربعة و عشرين ففيه نصف دينار و عشرون دينار ثمّ على هذا الحساب متى زاد على عشرين أربعة أربعة ففي كل أربعة عشر إلى أن يبلغ أربعين مثقالًا ففيه مثقال) و الموثق و غيره (إذا جاوزت الزكاة عشرين ديناراً ففي كل أربعة دنانير عشر دينار) و خالف والد الصدوق في ذلك فجعل النصاب الأول أربعين مثقالًا و فيه مثقال (و ليس فيما دون الأربعين شيء) استناداً للموثق (في الذهب أربعين مثقالًا مثقال و ليس في أقل من أربعين مثقالًا شيء) و للصحيح فيمن عنده تسعة و ثلاثون قال: (و لا في الدينار حتى تتم أربعين) و الموثق شاذ نادر ضعيف المستند لشذوذه و وحدته و قصور سنده و عدم معارضته للأخبار المتكثرة المعتضدة بالإجماعات و عمومات أدلة الزكاة و إطلاقاتها خرج ما دون العشرين فيبقى الباقي فلا بد من طرحه أو حمله على التقية و إن لم يكن مذهباً لكل العامة إذ ليس الشرط في الحمل على مذهبهم اتفاق جميعهم على الفتوى أو حمله على تخصيص الشيء المنفي على الدينار الكامل و الصحيح و إن كان مروياً في (يب) كذلك لكنه في الفقيه مروي بدل تسعة و ثلاثون تسعة دينار في السؤال أو في الجواب نفي الزكاة فيهما حتى تتم و ما في الفقيه أضبط و أرجح و أوفق بأخبارنا فيكون الاعتماد عليها و للفضة أيضاً نصاب أولي و هو مائتا

58

درهم و ليس فيما دونها شيء و فيها ربع العشر ثمّ ليس بعدها شيء حتى تزيد أربعين ففيها كذلك درهم و هو النصاب الثانوي و ليس ما بين الأربعين و الأربعين و الأربعين شيء و كل ذلك يدل عليه الإجماع بقسميه بل كاد أن يكون ضرورياً بين العلماء و الأخبار المستفيضة المتكثرة كالصحيح عن الذهب و الفضة ما أقل ما يكون فيه الزكاة قال: (مائتا درهم) وعد بها من الذهب و الفضة و الموثق ليس في مائتي درهم إلا خمسة دراهم فإذا بلغت أربعين و مائتين درهم ففيها ست دراهم فإذا بلغت ثمانين و مائتين ففيها سبعة دراهم و ما زاد فعلى هذا الحساب إلى غير ذلك و الدرهم ست دوانيق كما عليه كافة الأصحاب و هو المعروف زمن الصدور و صرح به جماعة من أهل اللغة و الدانق وزن ثمان شعيرات من الشعير المتوسط كما نسب إلى كافة الأصحاب أيضاً و قد كان الدرهم قبل زمن الصدور بغلياً و هو ثمانية دوانيق و طبرياً و هو أربعة و جمعهما عبد الملك و صير الدرهم ست دوانيق و استقرت سكة الإسلام عليه و على هذا فالدرهم نصف دينار و خمسة دنانير و الدينار ثلاثة أرباع الدينار الصيرفي فالمثقال الصيرفي مثقال شرعي و ثلث و قد ورد في الخبر أن الدرهم ست دوانيق و الدانق ست حبات و الحبة وزن حبتي الشعير من أوسط الحب لا من صغاره و لا من كباره و هو شاذ لا عامل به ممن يعتد به و مع ذلك ضعيف السند فالرجوع في الموضوعات إلى اللغة و العرف لازم.

مسائل:

-

الأولى: يشترط في زكاة النقدين النصاب

كما تقدم فلو علم بعدمه لم تجب قولًا واحداً و لو شك في ماله بلوغ النصاب كان له عدم اختياره و يتمسك بأصل البراءة و أصل عدم بلوغه نصاباً فلا تزكية إلى أن يعلم بلوغه ذلك و ربما ظهر من بعضهم نقل الإجماع على ذلك و ادعى بعضهم وجوب الاختيار لتعلق وجوب الزكاة بالنصاب الواقعي فيجب تحصيل العلم به من باب المقدمة و هو ضعيف لأن وجوب المقدمة بعد وجوب زيها و لم يثبت وجوبها و لو علم أن له ما لا يبلغ النصاب و شك في قدرة هل أنه يتجاوز إلى النصاب الثاني أو الثالث أم لا و هل يزيد كثيراً أو قليلًا فالأقوى أنه

59

كالأول فيدفع ما يتبقى معه شغل الذمة و ينفي الزائد بالأصل و دعوى أنه هاهنا مشغول الذمة مطلقاً فيتوقف على فراغها فيجب عليه الاختيار أو دفع ما يعلم فراغ ذمته به لا وجه لها للمنع من القطع بشغل الذمة بغير المعلوم عنده عن قدر النصاب و الزائد يكون مشكوكاً كالشك في البلوغ نصاباً ابتداء فيجري فيه الأصل كما يجري فيه نعم الأحوط الاختيار لدليل الاحتياط و لما ورد بعض النصوص في الدراهم المغشوشة قال: (إن كنت تعرف أن فيها من الفضة الخالصة ما تجب فيه الزكاة فزكه مما كان لك فيها من الفضة الخالصة ودع ما سوى ذلك من الخبث) قلت: و إن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلا أني أعلم أن فيها ما تجب فيها الزكاة قال: (فاسبكها حتى يخلص من الفضة و يحرق الخبيث ثمّ يزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة) و لو علم أن عليه زكاة لا يعلم قدرها أعطى ما تيقنه و يمسك في نفي الزائد بالأصل و لو علم أن عليه زكاة معلومة و لم يدر بتأديتها أو أنه أدى بعضاً و لم يدر بقدره وجب عليه هاهنا الاحتياط و الدفع إلى أن يعلم بفراغ ذمته.

الثانية: يشترط في زكاة النقدين الحول

فلو انخرم شرط من الشرائط فيه لم تجب و لو كان انخرم الشرط بالاختيار بقصد الفرار أو لا يقصد الفرار سواء كان المضر إليه سبكه حلياً أو غيره على صفة محللة كحلي المرأة أو محرمة كحلي الرجل و أواني الذهب و الفضة على الأقوى في جميع ذلك لعموم الأدلة و لخصوصها كما تقدم و إن كان الأحوط إخراج الزكاة مما قصد الفرار فيه سيما لو كان التخلص سبك أو بوصفه حلياً تخلصاً من شبهة خلاف المرتضى و الرواية.

الثالثة: يشترط في النصاب المشترط حول الحول عليه بلوغ النقد الواحد ذلك القدر

فلا يكفي بلوغ المجتمع من النقدين قدر نصاب و لا قدر المجتمع من النقد و الغش ذلك خلافاً للعلامة في الأول و هو ضعيف لمخالفته لعمومات الأدلة و لخصوص الإجماع المحكي و في الرواية المتقدمة ما يدل على عدم الاعتداد بالغش.

60

الرابعة: يشترط في وجوب الزكاة في النقدين كونهما مسكوكين بسكة المعاملة بالفعل في أغلب البلدان كتابة أو غيرها

للأخبار و الإجماع بقسميه و لانصراف الدراهم و الدنانير بل و الذهب و الفضة إلى ذلك فلا زكاة في السبائك و لا في الحلي و لا في تراب الذهب للإجماع و الأخبار و فيها الصحيح (كلما لم يكن ركازاً فليس عليك فيه شيء) قال: قلت و ما الركاز قال: (الصامت المنقوش) ثمّ قال: (إذا أردت ذلك فاسبكه فإنه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضة شيء من الزكاة) و في الصحاح و غيرها عن الحلي فيه زكاة قال: (لا) و زيد في بعضها و لو بلغ مائة ألف و في الخبر إن ليس في البر زكاة إنما هي على الدنانير و الدراهم نعم قد يقع الإشكال فيما كان مسكوكاً بسكة المعاملة القديمة و قد هجر التعامل فيها أو ما كان مسكوكاً للتعامل و لكن لم يتعامل بها بعد و لم تدور في أقطار المعاملة و أما ما كان مسكوكاً بسكة قرية صغيرة أو بين أفراد محصورين أو ما كان مسكوكاً بسكة غير السلطان في بعض البلدان أو كان متعاملًا به لكنه غير مسكوك أو ما كان مسكوكاً فتكسر أنصافاً أو أرباعاً بحيث لا يتعامل به أو ما كان مسكوكاً بسكة المعاملة و لكنها وضعت وضع الحلي فالأظهر وجوب الزكاة في الأول و الأخير إذا لم يكن جزءاً من الحلي بحيث صدق عليه اسمه و لا يجب في البواقي و الأحوط الإخراج من الجميع سيما فيما فيه سكة السلطان للمعاملة و لم يتعامل به لشمول بعض الأخبار للجميع منطوقاً أو مفهوماً.

الخامسة: لا يمنع الدين من وجوب الزكاة في النقدين

لعموم الأخبار و فتوى الأخيار و خصوص ما ورد أنه يزكي ما في يده و إن كان عليه من الدين مثله أو أكثر منه و بهذا يظهر ضعف توقف في ذلك لما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (من كان له مال و عليه مال فليحسب ماله و ما عليه فإن كان فضل مائتا درهم فليعط خمسة) و هي لا تقاوم ما تقدم لضعفها.

السادسة: إذا اختلف جوهر النقدين في الجودة و الرداءة و علو القيمة و دنوها قدر لا يتسامح به عادة

كان بمقتضى قواعد الشركة وجوب إخراج الفريضة بالنسبة فلو

61

كان الجيد ثلثاً و الرديء ثلثين أخرج الفريضة كذلك عيناً أو قيمة لزاد خيراً و احتمل جماعة إجزاء الرديء عن الجيد و الأدنى عن قيمة الأعلى لحصول المسمى في إيجاد المأمور به في الأخبار من الأمر بإخراج الدراهم و الدنانير و فيه أن الفقير شريك بقدر الفريضة في مجموع النصاب فالواجب التوزيع نعم يجوز إخراج الأدنى بالقيمة عن الأعلى و عن المركب منهما و هل يجوز إخراج الأعلى عوض دينار من الرديء أم لا يجوز لا يبعد القول بالجواز الإخراج بالقيمة و المفروض مساواة القيمتين و قد يمنع لأن الواجب إخراج نصف الدينار عن عشرين فلا يجزي الربع و هو الأحوط فظهر مما ذكرنا أنه يكمل الجيد بالرديء و الصحيح بالمكسور و الغالي بالدنيء و الناعم بالخشن فإذا بلغ الجميع نصاباً أخرج منه بالنسبة عيناً و أخرج ما يزيد قيمة رديئاً كان المخرج في القيمة أم جيداً و إن كان الأحوط في الخير تركه و المغشوش تجب فيه الزكاة قطعاً و لا يخرجه الغش عن إطلاق اسم الدراهم و الدنانير قطعاً فإذا بلغ صافيه نصاباً كما دلت عليه الرواية فيما لو كان ثلث فضة و ثلث مسكاً و ثلث رصاصاً وجب إخراج الفريضة منه على نسبة الصافي و لا عبرة بالغش و يجوز له إخراج الفريضة من الصافي و إخراجها من المغشوش على نسبة الصافي و له احتساب الغش بالقيمة لو كان للغش قيمة.

السابعة: من خلف نفقة لعياله فغاب و حال عليها الحول

فإن كان متمكناً من التصرف فيها وجبت عليه فيها الزكاة لعدم نفع الغيبوبة للزكاة و إلا سقطت عنه و في الموثق و المرسل كالصحيح عدم وجوب الزكاة على الغائب ما دام غائباً و إن كان مشاهداً فعليه الزكاة و أفتى بمضمونها جماعة و علل أيضاً بأنها في معرض التلف و القول بها قوي و لكن الأقوى و الأحوط تقديم ما دل على وجوب الزكاة مع التمكن من التصرف و عند عدمه لاعتضاده بالمرجحات العديدة و بعموم الأدلة فيجب حمل الروايتين على حالة عدم تمكن الغائب من التصرف في المال و إن كان بين الروايتين و بين ما دل على اشتراط التمكن من التصرف عموم وجه لأن الأقوى يقدم فيه أيضاً.

62

القول في زكاة الغلات:

و ليس فيها إلا نصاب واحد فما فوقه قل أو كثر و ما دون النصاب عفو و هو إجماعي و نصابها خمسة اوسق و كل وسق ستون صاعاً للإجماع بقسميه و الأخبار المستفيضة ففي الصحيح ليس فيما دون خمسة أوسق شيء و الوسق ستون صاعاً و غير ذلك من الأخبار و الصاع ست أرطال بالمدني و تسعة بالعراقي و للرواية عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه كتب (إلى الصاع ستة أرطال بالمدني و تسعة بالعراقي) و للصحيح عن أيوب بن نوح أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) و قد بعثتُ لك العام من كل رأس من عيالي بدرهم عن قيمة تسعة أرطال بدرهم فكتب إليه جواباً محصلة التقرير على ذلك و المراد بها الأرطال العراقية بقرينة السائل لكونها عراقياً و بقرينة السؤال و السياق لعدم القول بأن التسعة غير عراقية و للصحيح أيضاً (كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) له يتوضأ بل و يغتسل بصاع) و المد رطل و نصف و الصاع ستة أرطال يعني أرطال المدينة و تسعة أرطال بالعراقي و الظاهر أن هذا من تتمة الرواية في نقل الشيخ لها عن كتاب الحسين بن سعيد و نقل العلامة لها في التذكرة عن الباقر كذلك و الإجماع المنقول على ذلك و ظاهر الاتفاق عليه و المسألة من الموضوعات فيكفي فيها أقل من ذلك فما ورد مخالف ذلك في أصل النصاب من إيجاب الزكاة محمول على التقية أو مطرح أو مؤول بحمله على نفي النصاب بعد النصاب الأول و من كون النصاب وسقا و وسقين مطرح أو محمول على التقية أو على الاستحباب كما حمل الشيخ (رحمه الله) و لا بأس به تسامحاً بأدلة السنن و من كون ربع الصاع الذي هو مد بالإجماع و الأخبار رطلًا و ربعاً فيكون الصاع خمسة أرطال كما ورد في الموثق و أفتى به البزنطي أيضاً ضعيف لا يقام ما تقدم سنداً و عدداً و مشهوراً و إجماعاً منقولًا و الأصل القاضي بالبراءة من الشروط حتى يثبت الشرط و المفروض أن النصاب شرط و المتيقن منه هو ما ذكرناه و غيره مشكوك في حصوله به و الشك في الشرط شك في المشروط و الأشهر في الرطل العراقي أنه مائة و ثلاثون درهماً أحد و تسعون مثقالًا و هو الأظهر للخبرين في أحدهما الصاع ستة

63

أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي قال: و أخبرني أنه يكون بالوزن ألف و مائة و سبعين وزنة و المراد بالوزنة الدرهم كما في ثانيها ستة أرطال برطل المدينة و الرطل مائة و خمسة و سبعون درهماً تكون الفطرة ألف و مائة و سبعين درهماً خلافاً للعلامة (رحمه الله) في أن وزنة مائة و ثمانية و عشرون درهماً و أربعة أسباع درهم و مستنده غير واضح فالركون إليه لا معنى له و يقدر الصاع أربعة أمداد بالإجماع و الأخبار و المد رطلًا و ربع بالعراقي و رطل و نصف بالمدني كما دلت عليه الأخبار المتقدمة لزوماً بيناً ككلمات الأصحاب و يعتبر النصاب بالوزن لظاهر الأخبار و كذا لو اعتبر بالكيل و لم يعلم وزنه فإن الأقرب أيضاً وجوب الزكاة لأصالة عدم التفاضل و لو علم نقصان وزنه فالأقرب عدم وجوب الزكاة و الأحوط ذلك و هذا التقدير تحقيقي في تقريب لرجوع المكاييل و الموازين و الشعيرات فيه إلى المتعارف في الوزن و القدر فليس تحقيقاً في تحقيق اللزوم المحال و لا تقريب في تقريب كي يسهل أمره و يفتقر فيه القليل و يتسامح بالجزئي

و هاهنا مسائل:

الأولى: وقت إخراج الفريضة بعد التصفية في الزرع و بعد الاختراف و الاقتطاف في التمر و الزبيب

من غير خلاف يعتد به و المراد به الوقت الذي لو أخر عنه ضمن إذا كان التأخير من دون عذر أو الوقت الذي يجوز للساعي مطالبة المالك بالزكاة فيه لأن ما قبله وقت للإخراج قطعاً كما يرشد إليه قوله (عليه السلام): (إذا أخرجه أخرج زكاته) و تجويزهم إخراج الواجب و التمر على رءوس النخل و جواز مقاسمته الساعي للمالك قبل الجذاذ و غير ذلك و أما وقت مبدأ الوجوب و التعليق الذي لو فرط المالك بالمال قبله لم يضمن للفقراء شيء و لو أدى قبله لم يكن مؤدياً شيئاً فقد قيل هو بلوغ الغلة مبلغاً يصدق عليه اسم الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب لتعليق الحكم في الأخبار و فتوى الأصحاب على هذه الاسماء فيدور الحكم مدار صدق الاسم وجوداً و عدماً و لا تصدق هذه الأسماء حقيقة بحيث يعلم ذلك و يقطع به أصلًا البراءة في التمر و الزبيب إلا إذا جفت ثمرة النخل و انتقلت عن اسم الرطب عليها وجفت ثمرة الكرم

64

و انتقلت عن اسم العنب كما نَصَّ عليه اللغويون و يشهد به العرف و قال في المصباح المنير التمر تمر النخل كالزبيب من العنب و هو اليابس بإجماع أهل اللغات و في الصحاح و المجمع و غيرهما أيضاً ما يقضي بذلك أيضاً و ما يوهم خلافه من كلام صاحب القاموس لا يعارض ما ذكرناه و في الحب إلا إذا اشتد و انعقد و جف بحيث كان حباً متميزاً متماسكاً جافاً و قيل هو بدو الصلاح ففي الحب اشتداده و انعقاده و الفرق بينه و بين معناه الأول دقيق جداً لا يكاد يميزه إلا أوحدي الناس في زمان يسير و في التمر احمراره و اصفراره و في العنب صيرورته حصرماً و هذا القول منسوب للأكثر و الأشهر و الظاهر إن الشهرة عليه محصلة و يظهر من المنتهى نقل الإجماع المتقدمين و لعمومات وجوب الزكاة في المال و وجوبها فيما سقت السماء و أنبتت الأرض مما يكال و يوزن خرج ما قبل ذلك و يبقى الباقي و لأن الزكاة لو لم تجب إلا بعد التمرية و العنبية لاشتهر غاية الاشتهار لتوفر الدواعي لاشتهاره كيف و قد اشتهر خلافه فتوى و عملًا و سيرة مأخوذة يداً عن يد في كثير من المقامات و لما خفي على الناس وجه التخلص من الزكاة قبل صدق التمرية و العنبية بجعلهما دبساً أو نقلهما أو رهنهما و لصدق الحنطة و الشعير عند الانعقاد عرفاً و كذا صدق التمر على البسر عرفاً فيلحق بهما العنب و إن لم يصدق عليه الزبيب لعدم القول بالفصل و لنص بعض أهل اللغة مع تسمية البسر تمراً و الأصل في الاستعمال الحقيقة و لا قائل بالفصل بينه و بين العنب في الحكم و منع الصدق العرفي أو تسليمه و جعله منصرفاً للفرد الظاهر منه و هو اليابس لا نسلمه لصدق التمر اليوم على البسر و الرطب و كذلك لا نسلم انصرافه للفرد الخاص دون غيره و إن كان الفرد الخاص أظهر و أشهر و المعاوضة بأقوال اللغويين النافين لصدق التمر على الرطب و البسر لا تصلح لرفع ما عليه العرف لان العرف مقدم على اللغة و لا تصلح لرفعه ما أثبته الآخرون لأن المثبت مقدم على النافي و الوضع للقدر المشترك جزء من الحقيقة و المجاز و يدل على هذا أيضاً الأخبار فمنها الصحيح ليس في النخل صدقة حتى يبلغ خمسة أو ساق و العنب مثل ذلك حتى يكون خمسة أو ساق زبيباً فإن عدوله عن التمر إلى النخل الظاهر في جميع أفراده مجاز ما

65

عدا ما قبل البسرة دليل على إرادة جميع الأفراد ما عدا قبل البسر و كذا قوله (و العنب مثل ذلك) يعني فيه الزكاة إذا قدر بعد صيرورته زبيباً خمسة أو ساق و لكنه لا يخلو من إجمال أولًا من جهة أن اشتراطه بذلك القدر عند عروض وصف الزبيبية يفهم منه أن بلوغه ذلك قبلها حين وصفه بالعنبية لا يوجب الزكاة لا يخلو من إشكال و ثانياً إن احتمال إرادة أن العنب عند صيرورته زبيباً تجب فيه الزكاة إذا بلغ خمسة أو ساق قائم بل مساو للأول لأن إطلاق العنب على ما يؤول إليه مجاز شائع و مع هذا الاحتمال يقوم الإجمال و منها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): (لا يكون في الحب و لا في النخل و لا في العنب زكاة حتى يبلغ وسقين) و الوسق ستون صاعاً و يضعفه اشتماله على ما لا نقول به و منها صحيحة سعد بن سعد و فيها فقلت: فهل على العنب زكاة و إنما تجب عليه إذا صيره زبيباً قال: (نعم إذا خرَّصه أخرج زكاته) فسؤاله عن العنب بعد ذكر الزبيب سابقاً نص في ثبوت الزكاة عليه و كذا تعليق الإخراج على الخرص و هو على ما هو المشهور إنما يكون في حال البسر به و العنبية لانحصار ثمرته في ذلك الوقت لأن فائدته على المشهور و جواز التصرف من المالك إذا عرف الخارص قدره تمراً و زبيباً و ضمنهم حصة الفقراء أو جعلها في أيديهم إخافة و بعد صيرورة الثمرة تمراً أو زبيباً يحل وقت جذاذها فلا معنى لخرصها على أن تأخير الخرص إلى ذلك الحال يؤدي إلى تساقط الثمرة من هبوب الرياح و غبار الأهوية فتقل فائدته و لأن الزبيب لا يكون زبيباً إلا بعد أن يصرم و يقع على الأرض و مع ذلك يكون مكيلًا أو موزوناً فلا يجوز خرصه و دعوى أن فائدة الخرص مجرد معرفة ما يؤخذ من المخروص بعد صيرورته تمراً أو زبيباً فلو لم يصير لم يؤخذ منه لا جواز التصرف لا وجه لها لأن جواز التصرف من المالك مما يمنع جواز الأخذ بالخرص و يوجب الرجوع إلى قول المالك و معه تقل الفائدة حينئذ على أن الرواية صريحة في وجوب الإخراج عند الخرص فلا معنى لردها و منها الصحيحة الأخرى عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب متى تجب على صاحبها قال: (إذا صرم و إذا خرص) بحمل وقت الصرم على وقت الخرص على غير المعتاد لعدم إمكان اتحاد وقتهما لما بين الصرم

66

و الخرص من المدة بناء على أن الخرص حالة البسرية و العنبية و قد يحمل وقت الخرص على وقت الصرم عند صيرورة الثمرة عنباً و تمراً على رءوس الأشجار و النخل بقرينة ذكره بعد و لا أقل من الإجمال فيسقط معه الاستدلال و بالجملة فإن الاستناد إلى الروايات لا يخلو من قصور و العمدة اعتضادها بالاحتياط و فتوى المشهور.

الثانية: تجب الزكاة إذا ملك النصاب قبل تعلق الوجوب بأي نحو كان من أنواع التمليكات

و لا يشترط التملك بالزراعة كما يظهر من المحقق (رحمه الله) لأنه خلاف الإجماع فلا بد من تنزيل كلامه على ذلك و لو تقارن الملك مع زمن الوجوب قوي القول بنفي الزكاة عن المنتقل إليه و المنتقل منه و لكن الأحوط ثبوتها على المنتقل إليه و تقل فيه الثمرة لقلة وقوعه.

الثالثة: الأظهر استثناء المؤن كلها

من مقاسمة و خراج أرض و بذر و ثمنه و ثمن ثمرة و أجرة أرض و أجرة حفر أنهار صغار و تنظيف كبار أو ما يصرف على تلقيح أو تركيس أو تجفيف أو تشميس أو قيمة عوامل و آلات و أجرة ناطور و قاسم و كيال و كاتب و حيوان للعامل و الحافظ و ما يبذل لدفع المضار و المفاسد و الحفظ من سارق و ظالم و غاصب و مقدار ما يخص تلك السنة من أجرة حفر القنوات و من قيمة آلات مستمرة و من بناء سور و من وضع سلاح و دواب و غيرها وفاقاً للمشهور بل كاد أن يكون متفقاً عليه في أغلب ما تقدم سيما المقاسمة فإنه قد نقل عليه الإجماع و نظن فيها الصحيح من الأخبار و فيه (كل أرض دفعها إليك السلطان فما حرثته فيها فعليك فيما أخرجه الله تعالى منها الذي قاطعك عليه و ليس على جميع ما أخرج الله تعالى فيها العشر إنما عليك العشر فيما حصل بيدك بعد مقاسمته) و في آخر و قد قبل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خبير و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر و يدل على إخراج المؤن مع فتوى المشهور و كون النصاب مشتركاً فيقتضي توزيع الخسارة على الشريكين كما هي قاعدة الشركة و كون وجوب الزكاة تابعاً للنماء و الفائدة و هو لا يتناول المؤنة ما ورد في الفقه الرضوي في النصاب و فيه (فإذا بلغت ذلك و حصل بعد إخراج

67

السلطان و مئونة العمارة و القرية أخرج منه العشر إن كان سقي بماء المطر و إن كان بعلًا و إن كان سقي بالدلاء ففيه نصف العشر) و ما ورد في الصحيح (يترك للحارس يكون في الحائط العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه إياه) و عموم التعليل و عدم القول بالفصل يؤذنان بالعموم لكل المؤن و ما نقل عن ظاهر الغنية من الإجماع على إخراجها و ما حكم به جماعة من أن عدم استثناء البذر يؤدي إلى تكرير الزكاة في الغلات و لا قائل بالفرق و قد يناقش فيما ذكرنا ففي الأول بمنع حجية الشهرة بنفسها و في الثاني بمنع كون شركة الزكاة كباقي الشركات كي تساويها في الحكم لجواز إخراج المالك الفريضة من غير النصاب و جواز التصرف به مع الضمان و لو سلم فإنما يسلم في المؤن المتأخرة لا المتقدمة و في الثالث بمنع تبعيته الزكاة للنماء و الفائدة بل هي متعلقة بما يخرج من الأرض و هو شامل لما قابل المؤنة و غيرها و في الرابع بضعف الفقه الرضوي و عدم ثبوت كونه رواية كي تجبره الشهرة و في الخامس بمنع الإجماع المركب على عدم الفصل و بعدم صراحة الدلالة على المطلوب و في السادس بمنع الإجماع عند وجود النزاع و في السابع بمنع التأدية إلى ذلك لأن البذر غير نمائه و بمنع عدم القول بالفصل و قيل بعدم استثنائها كلها ما عدا حصة السلطان للانفاق على خروجها و ألحق بعضهم بها الخراج مطلقاً الذي يؤخذ في الأرض الخراجية و يتولى أمره حكام المخالفين و دعوى الإجماع على خروجه فيدفع رب المال المؤن حينئذ من ماله و لا ينقص على الفقراء شيء و استدلوا على ذلك بالإجماع المنقول في الخلاف و بإطلاق الأخبار المتكثرة الدالة على العشر و نصف العشر من دون استثناء المؤن في مقام البيان و بخصوص حسنة أبي بصير و محمد عن الباقر (عليه السلام) المتقدمة في المقاسمة فإن فيها إنما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك و بما دل على قلة الفريضة مع كثرة المؤنة و كثرتها مع قلتها كما جاء في العشر و نصف العشر و في الجميع نظر أما في الإجماع فلفتوى المشهور بخلافه و عدم وجوده في نسخ الخلاف سوى إسناده لفتوى الفقهاء و ظاهر سياقه إرادة فقهاء العامة و أما في مطلقات الأخبار فإنها إنما ذكرت لسياق بيان قدر الفريضة لا لبيان جميع الأحكام و ذكر الشرائط و إلا لذكر فيها إخراج المقاسمة و إخراج الخراج مما نقل على

68

خروجهما الأخبار و الإجماع و كذا العذق و العذقان للحارس مما دلت عليه الرواية و كذا الحسنة أيضاً نحو باقي الأخبار و لم يذكر فيها شرط و استثناء على أن قوله: (ينبغي في يدك بعد مقاسمته لك ظاهراً في إخراج المؤن لأن الباقي في اليد بعد المقاسمة هو ما بعد المؤن لما هو المعتاد من إخراج المؤن قبل حصة السلطان كما هو المعتاد اليوم و أما فيما دل على كثرة الفريضة مع قلة المؤنة و قلتها مع كثرة المؤنة فلأنه أولًا قد يعارض بان المؤنة لو كانت على رب المال لما توجه لنصف العشر فيما كثرت فيه المئونة و الجواب بخروج هذه المئونة بالنص معارض بالمثل و ثانياً لعل العشر و نصفه من جهة التعب لا من جهة المؤنة و ثالثاً أن العشر و نصفه لا ينطبقان على المؤنة كي يفهم منها العلية فالأولى أن يقال أن هذه النصوص لا شهادة لها على أحد القولين لكونها متفقاً على مضمونها من الطرفين مخصصاً بها عموم أدلة الطرفين و على كل تقدير فالقول باستثناء المؤن هو الأقوى للشهرة و لمخالفة العامة و لأن المفهوم من أخبار الزكاة ملاحظة المالك بالتجفيف عليه كإسقاطه عن المعلوفة و عن العاملة و أشباههما الزكاة و لما جاء من عدم احتساب المؤن في الخمس عوض و كنز و معدن و الخمس زكاة في المعنى و لأن لفظ الشركة و الاشتراك يقضي به و لأن إخراج المؤن من رب المال مع دفع الزكاة يؤدي إلى الضرر و الخسارة غالباً و لا ضرر و لا ضرار.

فروع:

أحدها: على القول باستثناء المؤن فهل يعتبر النصاب بعدها

فيزكي ما بقي بعدها إن بلغ نصاباً و إن لم يبلغ فلا زكاة عليه أو يعتبر النصاب قبلها و الفريضة بعدها فيزكي الباقي بعدها قل أو كثر أو إن كانت مؤناً لما قبل الوجوب كالسقي و الحرث و الحفر اعتبر النصاب بعدها و إلا بأن كانت مؤناً بعد تعلق الوجوب اعتبر النصاب قبلها و الفريضة بعدها و من أظهرها الأول وفاقاً لفتوى المشهور و لظاهر الإجماع المنقول عن الغنية و لظاهر الإجماعات المحكية على إخراج الخراج و حصة السلطان و احتساب النصاب بعدها و لظاهر الفقه الرضوي و أحوطها الثاني لأن فيه جمعاً بين أخبار الزكاة

69

في قدر النصاب و بين ما دل على استثناء المؤنة اقتصاراً فيما دل على استثنائها على مورد اليقين و أقربها لقواعد الشركة الثالث و الاحتياط فيه أشد.

ثانيها: الخراج من المؤن قطعاً

و الظاهر أنه ما يؤخذ من الأرض الخراجية من نقد أو عروض خارج عن حاصلها و لو كان حصة من حاصلها سمي مقاسمة و لا تسقط الزكاة بأخذ الخراج في الأرض الخراجية كما دلت عليه أخبار متكثرة لاطّراحها من جهة شذوذها و عدم العامل بها ممن يعتد به و فتوى المشهور بل الإجماع على خلافها و مع ذلك فهي موافقة لفتوى العامة مخالفة للأصحاب فلتحمل على التقية أو تطرح أو يحمل الخراج فيها على ما أخذ بعنوان الزكاة قهراً كما يصنعونه ولاة الجور و لكنه لا يخلو من إشكال أيضاً لأن إجزاء ما يأخذونه بعنوان الزكاة عن الزكاة المفروضة أيضاً لا نقول به لما ورد فيمن يأخذ الصدقة قهراً في صحيحة الشحام (إنما هو قوم غصبوكم و إنما الصدقة لأهلها) و للاحتياط و لعمومات الأدلة و ما ورد في الأخبار من الإجزاء شاذ غير معمول عليه ممن يعتد به و منقول الإجماع على خلافه.

ثالثها: الخراج و المقاسمة المأخوذة في غير الأرض ظلماً أو في الأرض الخراجية من حكام أهل الخلاف

و منهم على وجه الظلم و الزيادة لأعلى نحو المعتاد و كنا ما يصادفون به من غير الخراج لحفظ الزرع يقوى القول باحتسابه من المؤن و خروجه قبل النصاب و كذا ما يؤخذ على وجه الزكاة ظلماً و عدواناً و الأحوط في جميع هذه الأقسام عدم استثنائها.

رابعها: المراد بالمؤن مما يبني على دوامه

كالقنوات الكبار و حفر الأنهار و بناء الجدران و نصب المساند و بناء القلاع للحفظ مقدار أجرة الانتفاع بها في تلك السنة أو مقدار ما يخص السنة إذا عرف مقدارها دوامها من السنين الآتية لو كانت هذه لزكوي و غيره وزع على نسبة كل منهما و أما ما لا يبنى على دوامه مما يتكرر كل سنة و إن كان قبل عامه فالمراد به إخراج نفسه كأجرة الفلاح و السقي و الحرث و الحفظ و أجرة الأرض و إن كانت غصباً و لم ينو إعطاء مالكها أجرتها و مئونة الأجير و أجرة النجارين

70

و الحداد و الحلاقين و ما يأكله الضيوف لمصلحة الزرع و ما نقص من الآلات و العوامل حتى ثبات المالك و نحوها و لو كان سبب النقص مشترك بين الزكوي و غيره وزع عليهما و غير البذر إذا لم يكن مشتريه و لو اشتراه تخير بين استثناء عينه و قيمته يوم التلف و لو عمل معه متبرع أو عمل بنفسه فلا يحتسب قيمة عملهما من المؤنة و لو وزع مع الزكاة غيره وزع عليهما بالنسبة و لو زاد في الحرث لزرع غير الزكوي لم يحتسب و لو قصد في الحرث غير الزرع فزرع زكرياً احتسب من المؤن على الأظهر و لا اعتبار بالقصد و لو اشترى زرعاً احتسب ثمنه و ما يغرمه بعد ذلك عليه و لو اشترى نخلًا لم يحتسب ثمنه من المؤن و عمل المالك و أجرة ثيابه لا تحتسب هو من غير المؤنة و عمل أجرة ثيابه و ما بقي من الآلات من حديد أو خشب أو غير ذلك يسقط من المؤنة بحسابها.

خامسها: يجب فيما يستقي من دون آلة و إن توقف على عمل كحفر السواقي و الأنهار العشر

سواء سمي سيحاً أو عذياً بماء المطر أو بعلًا كأن تشرب عروقه من الأرض و نصف العشر فيما يسقى بالآلة كالدوالي و هو الدولاب تديره البقر و النواضح و السواني جمع سانية و هي الناقة و الناعورة و كل آلة كذلك من رشا و غرب و للإجماع بقسميه و الأخبار المستفيضة المتكثرة ففي الصحيح و ما كان منه يسقى بالرشا و الدوالي و النواضح ففيه نصف العشر و ما سقت السماء أو السيح أو ما كان بعلًا ففيه العشر تامّاً إلى غير ذلك من الأخبار و يلحق به ما لو سقي زرع بالآلة فجرى لغيره من دونها أو دب في الأرض حتى سقي عروق آخر و إن اجتمعا كان الحكم للأكثر و الأغلب و مع التساوي يؤخذ من نصفه العشر و من نصفه الآخر نصف العشر و لا كلام في ذلك فالجملة للإجماعات المحكية المستفيضة و للخبر المعتبر و فيه قلت له فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثمّ نزيد الماء فتسقى سيحاً قال: (إن ذلك ليكون عندكم كذلك) قلت: نعم قال: (النصف و النصف نصف نصف العشر و نصف بالعشر) فقلت: الأرض تسقى بالدوالي ثمّ يزيد الماء فتسقى السقية و السقيتين سيحاً قلت: في و أربعين ليلة و قد مكث قبل ذلك ستة أشهر أو سبعة أشهر قال: (نصف العشر إنما الكلام في أن الاعتبار بالأكثرية عدداً كما ادعى أنه ظاهر الأكثر و لأن المؤنة إنما تكثر بسببه و لعل المؤنة في

71

الحكم في اختلاف الواجب و لظاهر الرواية المتقدمة من جهة أن الزمان الأكثر يحتاج إلى عدد أكثر و لأن الظاهر من لفظ الأكثرية في نصوص الفقهاء هي الكم المنفصل لا كثرة الزمان و لا كثرة النفع أو الأكثرية نفعاً لدوران الحكم مدار النفع فقد تساوي السقية الواحدة بالسيح عشر اسقيات بالنواضح و يساوي السقي في يوم و ليلة لسقي شهراً بالنواضح لشدة غمزه و تأثيره و عذوبته و جعله بعضهم مدلولًا للخبر المتقدم من حيث أن الإمام لم يستفصل في السؤال الأول عن الأغلبية و المساواة حتى أجاب بثلاثة أرباع العشر لظهور المساوي من كلام السائل السقية و السقيتين عن قدر زمانهما و بعد أن حققه ثلاثين أو أربعين ليلة أجابه بنصف العشر فيفهم منه الاعتبار بالنفع لا بالعدد و لا بالزمان لأن قلة زمان السيح مفهوم من قوله: (تسقي) الدالة على الاستمرار و من قوله: (السقية و السقيتين) فلا فائدة بالاستصحاب حينئذ و لأن المفهوم من الأخبار كقوله (عليه السلام): (فيما سقيت السماء العشر و فيما سقي بالنواضح ففيه نصف العشر و ما سقي بهما قيمة ثلاثة أرباع العشر) هو السقي المعتد به الذي يحصل به النماء دون مجرد إيصال الماء إلى الزرع و لو كان غير ناضح له أو كان نافعاً نفعاً لا يعتد به أو مضراً للزرع فإذا دار الأمر مدار النفع في صدق السقي كان المعتبر في الأغلبية أيضاً هو الانتفاع به وجوه ثلاثة أقواها الأول فيما إذا حصل منه نفع يعتد به أو حصل ضرر أو لم يحصل شيء فإنه حينئذ يلحظ النفع و قد يقال أنه عند إلغاء الأكثرية لعدم حصول النفع يجب الرجوع إلى الزمان إذا لم يلغ لعدم حصول النفع فيه فيقدم على النفع في الأغلبية و إلا فليلاحظ النفع حينئذ و حيتئذ فيقدم اعتبار كثرة العدد على اعتبار كثرة الزمان إذا تساويا بالنفع أو إذا زاد نفع الزمان و على اعتبار النفع أو اعتبار كثرة الزمان على اعتبار النفع لا على اعتبار كثرة العدد و منه يعرف الكلام في المساواة فهل المراد المساواة في العدد أو الزمان أو النفع و حكم اتحاد زمان السقي إذا سقي شهراً واحداً سيحاً و بالآلة حكم التعاقب بالقلة و الكثرة و المساواة ثمّ أن المساواة في العدد و الزمان ظاهرة و أما في النفع فإن أمكن العلم به فلا إشكال و إلا فالأحوط العشر و الأقوى ثلاثة

72

أرباع لأصالة عدم زيادة كل منهما على الآخر و يحتمل نصف العشر لأصالة البراءة و كذا الكلام مع الشك في عدد الزمان.

سادسها: تضم الزروع المتباعدة و الثمار المتفرقة تباعد ما بينهما أم نمت دفعة أو تدريجاً

كان بين ثمر زرع و زرع آخر و بستان و بستان أخرى زمان يعتد به أم لا و هل يضم سابق ما يطلع في الحول أم لا الأقوى الأول لإطلاق الأخبار و للشهرة المنقولة و الاحتياط و قد يقال بالثاني للأصل و لأن ذلك بمنزلة ثمرة حولين و لو كان الزرع مشتركاً و اختلف الشركاء في كيفية السقي فمنهم بالآلة و منهم بدونها كان كحكم الزرع الواحد و قد يحتمل توزيع الفريضة على نسبة السقي فالعشر على من سقي سيحاً و نصفه على ما سقي بالآلة تنزيلًا له منزلة الزرع المتعدد.

سابعها: يؤخذ الفرض من الجيد جيداً و من الرديء رديئاً و منهما معاً على النسبة

و هل يجوز دفع الجيد عن الرديء أو عن المخلوط بالقيمة أم لا يجوز وجهان أحوطهما العدم و لا يسقط العشر في الأرض الخراجية للأصل و العموم خلافاً لمن أسقطه فيها لورود بعض الأخبار بذلك و هي شاذة لا عامل لهما ممن يعتد به سوى الشيخ (رحمه الله) في مقام الجمع فلتطرح أو تحمل على التقية.

ثامنها: لا يضم الشعير إلى الحنطة و لا العكس

لانفراد ماهية كل منهما عن الآخر و أما العلس و السلت فقيل هما من حنطة لنص أهل اللغة على كون الأول حنطة و لاتفاق الثاني مع الحنطة في الطبع و نقل بعض أهل اللغة ذلك و قيل الأول حنطة و الثاني شعير لنص أهل اللغة على ذلك و لاتفاقهما في الصورة و الأقوى أنهما معاً ليسا منهما تقديماً للعرف على اللغة و حملًا لكلام أهل اللغة على التجوز أو المعنى القديم أو على أخفى فردي المشترك اللفظي أو تقديماً لظهور الإطلاق على نادره لأن الفور الظاهر في العرف من الحنطة و الشعير هو غير هذين الفردين على أن في الأخبار ما يدل على المغايرة أو استحباب الزكاة و كذا في فتوى مهور الأصحاب.

73

تاسعها: يجزي أخذ العنب عن العنب و الرطب عن الرطب

و لا يجزيان عن التمر و الزبيب إلا بالقيمة و لا يلزم الربا لأن دفع القيمة في الزكاة ليس من باب المعاوضة حتى لو دفع قدر الوصف بلغ الفريضة و لو أخذ الفقير الرطب و العنب فنقص عند الجفاف عن التمر و الزبيب رجع بالناقص و للمالك أن يرده و يعطيه تمراً أو زبيباً إذا لم يكن دفع بالقيمة و لا يجب في الرطب و العنب حتى يبلغا نصاباً عند جفافهما و صيرورتهما تمراً أو زبيباً.

عاشرها: الخرص من الإمام أو من قام مقامه جائز في الجملة في الكرم و البسر و الرطب

للإجماع بقسميه و لقوله (عليه السلام) في العنب: (إذا أخرصه أخرج زكاته) و لما ورد عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان يبعث إلى الناس من يخرص عليهم كرومهم و ثمارهم و لأن الحاجة ماسة إلى التصرف من الملاك في النخل و الكرم لاحتياجهم إلى الأكل منهما و إعطاء الطالب و البذل للضيف و الصلة للرحم و غير ذلك فلو لم بشرع لزم الضرر أو العسر و الحرج و الكل منفي في الشريعة و في جوازه في الزرع وجهان الجواز لمسيس الحاجة أيضاً و لتنقيح المناط و لفتوى المشهور و لشمول ظاهر رواية سعد لقوله بعد سؤاله عن الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب متى يجب على صاحبها الزكاة قال: (إذا صرم و خرص) و المنع لعدم صلوح ما تقدم لإثبات ما هو مخالف للأصل و ما هو عمل بالظن و التخمين و الحدس و الكل منهي عنه و منع الحاجة للفريد و شبهه و الأقوى الأول و الأحوط الثاني و يكفي في الخرص خارص واحد إذا كان أميناً عارفاً لأن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان يبعث عبد الله بن رواحة خارصاً للنخل حتى تطيب و الأحوط الثنية لشبهة أنها شهادة فيعتبر فيها التعدد و هل يكفي من المالك الظاهر ذلك إذا عرف من نفسه الأمانة و عدم غلبة حب المال عليه دفعاً للضرورة و إرفاقاً بالمالك و لأنه له ولاية على النصاب في الإخراج و البيع و الدفع و التبديل و التعبير فله ولاية في خرصه بعد انفتاح باب الخرص و الأحوط عدم تولي المالك لذلك فإن كان و لا بد له من ذلك فليؤكل غيره و ليحتط في القدر مهما أمكن وصفه الخرص أن يقدر الخارص

74

الثمرة إذا كانت تمراً أو زبيباً فإذا بلغت الأوساق فما زاد وجبت الزكاة فيقدر مقدار الفريضة عليهم فيقبلونه منه على ذلك العدو و هو شبيه المعاوضة و لكنه مع وحدة العوض و المعوض و يجزيهم بين ترك ذلك أمانة في أيديهم فلا يجوز التصرف بالمال حينئذ لمكان الشركة فإذا جاء وقت الصرام و الجذاذ إذا لم يأخذ إلا قدر ما خرص و الأحوط الأولى للمالك بذل الزيادة هاهنا و بين تضمينه لهم بذلك القدر فحمل تصرف المالك حينئذ و أكله و إعطاؤه فإذا جاء الوقت لم يأخذ منهم إلا قدر ما خرص عليهم و الآخر دفع الزائد من المالك أيضاً و له أن يضمن حصة المالك فلم يكن للمالك إلا قدر ما ضمنه و لا يجوز للمالك أيضاً التصرف بوجه من الوجوه و لو تلفت الثمرة من دون تفريط لم يضمنها المالك لو أبقاها في يده أمانة دون ما إذا ضمنها للمالك فلا يخلو من إشكال و لو ادعى المالك غلط الخارص قبل قوله و إن كان محتملًا و أعيد الخرص إن بقي وقته و إلا فلا يسمع إلا بالبينة و لو نقص الخرص احتمل عدم الوجوب تكميل المالك النقص لأن المتيقن من فائدته تحليل التصرف و إباحة الزائد لا ضمان النقص إلا إذا باع و صالح فيقبل المالك الحصة بعقد معاوضة كانت له الزيادة و عليه النقصان و يحتمل ضمان النقص لإقدامه على ذلك و لا يجب على الخارص الاستقصاء لقوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): (إذا خرصتم فجففوا) و لفوات كثير على المالك من المخروص مما يقع إلى الأرض تأكله المارة و الحيوانات و السراقين و لو احتاج المالك إلى تجفيف الثمرة لمصلحة التمر و الزبيب جاز و ضمانه عليه على الأظهر لجواز تصرف المالك بملكه و ملك الفقراء إذا عادت لهم بذلك مصلحة و لو خاف من الضرر على أصوله من نخل و شبهه جاز قطع الثمرة قبل الخرص و بعده لتقديم حق المالك على حق الفقراء و كان ذلك من قبيل المؤن و لا ضمان عليه على الاظهر و يجوز للساعي بيع حصة الفقراء و القسمة مع المالك و يجوز للمالك تقويم نصيب على نفسه بعد خرصه من دون مراجعة الساعي مطلقاً فيكون ضماناً لحقهم مطلقاً و لو تلف من دون تفريط أو نقص خرصه لم يضمن على الأظهر و يحتمل الضمان فيهما معاً لأنها معاملة تشبه

75

المعاوضة و يحتمل الضمان عند نقص الخرص من دون التلف و لو خرج اعتبر فاحش في الخرص تخير المغبون من المالك و الساعي.

بحث: من مات و عليه زكاة مستقرة في حياته و عليه دين مستوعب للتركة

أُخرجت الزكاة و قدمت على الديون لتعلقها بالعين و من مات و عليه دين مستغرق قبل ظهور الثمرة و ظهرت بعد ذلك فإن قلنا بانتقال التركة إلى الوارث وجبت عليه الزكاة و تعلق الدين بما عداها و كانت بمنزلة تلف بعض التركة من دون تفريط من الوارث و نسب الحكم به في المدارك إلى قطع الأصحاب و هو لا يخلو من إشكال كما سيأتي إن شاء الله تعالى و إن قلنا ببقائها على حكم مال الميت لم تجب فيها الزكاة و أخذ الديان جميع التركة لعدم إمكان توجه التكليف إلى الوارث و من مات و عليه دين مستغرق بعد الظهور و قبل الحد الموجب لتعلق التكليف بها و إن قلنا ببقاء التركة على حكم مال الميت فلا زكاة أيضاً و إن قلنا بانتقالها إلى الوارث احتمل ثبوت الزكاة عليه و تعلق الدين بما عدا الفريضة و عدم غرامة الديان بما دفع و احتمل عدمه لأن التركة بمنزلة الوثيقة بيد الديان فلا تنفد بها خطابات الزكاة و احتمل الفرق بين ما إذا تمكن من التصرف و لو من أداء الدين من غير التركة فتجب الزكاة عليه و لا غرامة عليه و بين ما إذا لم يتمكن فلا شيء عليه لعدم تمكنه من التصرف و يحتمل وجوب الزكاة عليه عند التمكن و الغرامة تكون عليه للديان و أقوى الاحتمالات التفصيل الأخير و عدم ثبوت الغرامة على الوارث و أما غير المستغرق فالمقابل للدين يجري فيه ما قدمناه و غير المقابل لو بلغ نصاباً وجبت فيه الزكاة على القاعدة.

القول في مستحق الزكاة:

و المستحقون ثمانية أصناف بجعل الفقراء و المساكين صنفين أو سبعة بجعلهما صنفاً واحداً و يدل على استحقاق الأصناف الثمانية للزكاة الإجماع بقسميه و الأخبار المتضافرة و الآية الشريفة و هي قوله تعالى: [إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ] سورة التوبة آية (60) إلى آخر الآية:

76

الصنف الأول: الفقراء و المساكين

و فيه مسائل:

الأولى: الفقراء و المساكين ليسا مترادفين مطلقاً

لنص أهل اللغة و الفقهاء و الأخبار بل هما كالظرف و الجار و المجرور إن اجتمعا افترقا و أريد من كل واحد منهما معنى غير معنى الآخر و إن افترقا اجتمعا و أريد كل منهما من كل منهما ما يشمل الآخر و الحكم بذلك مشهور عند الأصحاب و نقل عليه عدم الخلاف بل الاتفاق و إرادة المعنى الشامل لكل منهما عند الانفراد و يحتمل لبيان اتحاد المعلق على أحدهما مع الآخر في لسان الشارع و إن تغاير مصداقهما و يحتمل لإرادة بيان اتحاد موضوعهما لغة عند الافتراق و افتراقهما عند الاجتماع فيكون كل منهما موضوعاً لمعنى خاص في حال الانفراد و موضوعاً لمعنى آخر يغايره عند الاجتماع و محتمل لإرادة استعمال كل منهما في المعنى الآخر الشامل على وجه التجوز في حال الانفراد و قرينة التجوز الشهرة و الاتفاق فيكون مجازاً مشهوراً و محتمل لإرادة أنه الشهرة و الاتفاق فيكون مجازاً مشهوراً و محتمل لإرادة أنه عند الانفراد صار حقيقة شرعية في المعنى الشامل و عند الاجتماع بقي على معناه اللغوي و محتمل لإرادة الاشتراك اللفظي فيهما بين المعنى الشامل و المعنى الخاص و الإجماع و الافتراق فريضتان على تعين كل من المعنيين أو ظاهر إن في كل من المعنيين المختلفين و أظهر الوجوه الأول لافتراق معناهما لغة و عرفاً عند الاجتماع و الافتراق و إن اشتركا في الحكم في لسان الشارع بل في العرف و تظهر الثمرة في النذر و الوقف و الوصية إذا لم يعلم القصد من الناذر و ما بعده و على الافتراق فهل المسكين أسوأ حالًا أو الفقير و الأظهر الأول و إن المسكين هو الذي يسأل و الفقير هو الذي لا يسأل كما نقل عن ابن عباس للصحيح (الفقير الذي لا يسأل و المسكين الذي هو أجهد منه ما الذي يسأل) و في آخر الفقير الذي يسأل الناس و المسكين أجهد منه و البائس أجهدهم و في كلام أهل اللغة ما يدل أيضاً على أن المسكين من كان ذليلًا فقيراً و غيره و قد يساعده العرف أيضاً و في بعضها ما يدل على أن المسكين لا شيء له و الفقير من له بلغة من العيش و قيل أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين و المسكين من لا

77

يجد غنياً فيغنيه و لا يجد شيئاً و لا يفطن فيتصدق عليه لورود ذلك في رواية عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قيل أن المسكين هو الصحيح المحتاج و الفقير هو الزمن المحتاج و قيل أن الفقير الذي لا شيء له و المسكين من له بلغة من العيش و الظاهر أن منشأ الاختلاف كثرة الصدق على هذه المعاني في العرف و اللغة و الأقوى أنه حقيقة فيما قدمنا مجازاً في غيره.

الثانية: الفقر و المسكنة المبيحان لأخذ الزكاة و يجمعهما عدم الفساد

و هو عرفاً و شرعاً أو شرعاً فقط من لا يملك مئونة السنة سنة هلالية إن لم ينكسر شهر منها و أجد عشر شهراً هلالياً مع شهر عددي ملفق له و لعياله على التفصيل الآتي لفتوى المشهور بل كاد أن يكون مجمعاً عليه و للإجماع المنقول و لصدق الفقير عليه عرفاً و للخبرين في أحدهما تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة و المراد بالقوت المؤنة إذ لا قائل و إن المدار عليه فقط و في الآخر عن السائل و عنده قوت يوم أ يحل له أن يسأل و أن أعطي شيئاً قبل إن يسأله أ يحل له أن يقبله قال: (يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنة من الزكاة لأنهما إنما هو سنة إلى سنة) و للصحيح إلى أبي بصير في صاحب السبعمائة و فيه (و لا يأخذ إلا أن يكون عقد على السبعمائة بعدها في أقل من سنة) و للأخبار الدالة على أن من له كفاية لا يأخذ الزكاة و من لم تكن له كفاية أخذها و ظاهرها المراد بالكفاية على كفاية السنة كما هو المفهوم من إطلاق هذا المركب عرفاً لأن الكفاية على الدوام لا يعرفها إلا العلام و لا تناط بها الأحكام و لم يفت بها إلا الإعلام سوى الشيخ (رحمه الله) و تنزل عبارته على فتوى المشهور من إرادة السنة من لفظ الدوام أو على إرادة الدوام العرفي في الغالب كأهل التجارات العظام و الحرف العالية و أهل البساتين و العقارات الكبار فإن الغالب بقاؤها و وفاء نمائها بأهلها إلى أن يموتوا و الحال و إلى أولاد الأولاد و الغالب بقاء الصنعة و الحرفة دائماً بدوام عمره و هذا لتنزيل جيد لو لا إعراض الأصحاب عن الأخذ به مع كثرة ما يشعر به من ظاهر الروايات و لزوم قلة المعنى و كثرة الفقير المعلوم خلافها من السريقة و الطريقة و لزوم إعطاء الزكاة لغير أولي

78

الحاجة عرفاً لأن المالك لمئونة السنة ليس من أهلها عرفاً و لزوم إعطاء الزكاة لغير الفقير عرفاً و الحكم المعلق على ذلك كتاباً و سنة و متى بطل هذا التنزيل لزم رد هذه الأخبار للقول المشهور و بطل ما بنى عليه بعض المتأخرين من العمل بظاهرها و اتباع ظاهر فتوى الشيخ كما بطل قول من قال أن الغني هو من ملك نصاباً زكوياً استناداً للنبوي عليهم (إن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم و ترد لفقرائهم) فعلم إن من يؤخذ منه الصدقة غني و لا من يملك نصاباً وجب عليه دفعها فكيف يحل له أخذها فيلزم التنافي و في الخبر ضعف سنداً و دلالة لظهور مورده مورد الغالب في التعليل مع المنافاة شرعاً و عقلًا و عرفاً و ما ورد في خبر زرارة (لا يحل لمن عنده أربعون درهماً يحول عليها الحول عنده أن يأخذها) لا عامل عليه و لا قائل به و كأنه محمول على من حالت عنده الأربعون لزيادتها عليه لأنه مالك لقوت سنته.

الثالثة: من كانت عنده غلة يستنميها أو دراهم يديرها لينتفع بربحها و لم يكفه الاستنماء و الربح لمئونة السنة

جاز له أخذ الزكاة أما لكونه فقيراً عرفاً أو لكونه فقيراً شرعاً أو لكونه بحكم الفقير للأخبار المتكثرة الدالة على ذلك المعتضدة بفتوى الأخيار ففي الصحيح عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم و له عيال فهو يتحرف و لا يصيب نفقته فيها أ يكسب فيأكلها أو يأخذ الزكاة قال: (بل ينظر إلى فضلها يقوت بها نفسه و من وسعه ذلك و من عياله و يأخذ البقية من الزكاة أو ينصرف بهذه و لا ينفقها) و في آخر فيمن له ثلاثمائة درهم في بضاعة فإن أقبل عليها أكلها عياله قال: (فلينظر ما يستفضل منها فليأكل هو و من تبعه ذلك و ليأخذ لمن يسعه من عياله) و في آخر عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار و الخادم قال: (نعم إلا أن يكون داره دار غلة فيخرج من غلتها دراهم ما يكفيه لنفسه و عياله فإن لم تكن الغلة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم من غير إسراف فقد أحلت له الزكاة فإن كان غلتها تكفيهم فلا) و في آخر (قد تحل الزكاة لصاحب السبعمائة و تحرم على صاحب الخمسين درهماً) قلت: و كيف هذا قال: (إن كان صاحب السبعمائة له عيال كثيرون

79

قد قسمها بينهم لم تكفيهم فليعفف نفسه و ليأخذها لعياله و أما صاحب الخمسين فإنها تحرم عليه إذا كان وحده و هو محرف يعمل بها و هو يصيب منها ما يكفيه).

الرابعة: ذو الصنعة و الحرفة إذا كانت صنعته و حرفته و عمله بمئونته على الاستمرار أو في سنة

كان غنياً عرفاً أو شرعاً أو بحكم الغني للإجماع المنقول و فتوى المشهور بل كاد أن يكون مجمعاً عليه و لقوله (عليه السلام): (لاحظ فيها لغني و لا ذي قوة مكتسب) و لقول أبي جعفر (عليه السلام): (الصدقة لا تحل لمحترف و لذي مرة سوى قوى فتنزهوا عنها) خلافاً للشيخ (رحمه الله) جاز الدافع للمكتسب مطلقاً و لو في كسبه بمئونته سنة لعدم ملكه للنصاب و عدم ملكه لمئونة سنة و هو ضعيف و يلحق بصاحب الصنعة و الحرفة القوي القادر على الاكتساب و إخراج مئونته من كسبه على الأظهر لظاهر الرواية و يحتمل جواز أخذه للزكاة لصدق الفقير عليه عرفاً و تنزيل الرواية على أهل الحرف و الصنائع و الأعمال و هو خلاف الظاهر و الاحتياط هذا كان مما يناسب حاله التكسب و كان لا يتضرر به فلو لم يناسب حاله أو تضرر حاله به أو صابه ذل فإنه يجوز له أخذ الزكاة و لو عاوض صاحب الصنعة و الحرفة أو القوي القابل للاكتساب ما يجب عليه من طلب علم في أصول الدين أو فروعه وجوباً عينياً كما إذا لم يمكنه ذلك و وجبا على الكفاية كطالب الاجتهاد مع وجود المجتهدين في عصره و لا يبعد إلحاق اشتغال بالمندوبات من المعلوم من العبادات و الزيارات بالاشتغال بالواجبات فيجوز للمشتغل بذلك أخذ الزكاة و صاحب الاعتبار إذا لم يملك مئونة السنة لم تحرم عليه الزكاة.

الخامسة: إذا قصر صاحب الكسب أو حرفته أو عمله أو قوته عن مئونة سنته

و كذا نماء تجارته جاز له أن يأخذ من الزكاة و لا يتعذر عليه بقدر قليلًا كان أو كثيراً للأصل و لعموم الأدلة الدالة على جواز الإعطاء و خصوص ما جاء في جواز الإعطاء كقوله (عليه السلام) في الصحيح: (حتى تغنيه) و في الموثق (إذا أعطيت فأغنه) و قوله (عليه السلام):

80

(خير الصدقة ما أنبت غنىً) و قيل لا يجوز إعطاؤها و يأخذ البقية من الزكاة فإن مفهومها يدل على المنع من عداها و بتنقيح المناط و بعدم القول بالفصل بين من قصر نماء غلته و بين من نقص كسبه يتم المطلوب و لأن الأخبار الأول يفهم منها التحديد في الإعطاء إلى أن يحصل الغنى و المفروض أن الغنى يحصل بالأقل و إن دفع مع الأكثر دفعة لا تدريجاً فيكون دفع الزائد مع ما يحصل به الغنى مشكل.

السادسة: دار السكنى على معتاده و على ما يناسب حاله و الخادم إذا كان من أهله على ما يناسب حاله من التعدد و الانفراد

و ينافيان صدق الفقر و لأن يمنعان من أخذ الزكاة للإجماع المنقول و الشهرة المحصلة و قوله (عليه السلام) في الصحيح عمن له دار أو خادم أو عبد يقبل الزكاة قال: (نعم إن الدار و الخادم ليسا مالًا) و في آخر جعلت فداك له دار تسوى أربعة آلاف درهم و له جارية و له غلام يستقي على الجمل كل يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل و له عيال أله أن يأخذ من الزكاة فقال: (نعم) و قال له هذه العروض فقال: (يا أبا محمد تأمرني أن آمره أن يبيع داره و هي عزه و سقط رأسه أو يبيع جاريته و هي تقيه الحر و البرد و تصون وجهه و وجه عياله أو آمره ببيع غلامه أو جمله و هو يعيشه و قوته بل يأخذ الزكاة و هي له حلال و لا يبيع داره و لا غلامه و لا جمله) و يلحق بهما فرس الركوب لما رواه علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته أ يعطاها من له الدابة قال: (نعم) و المفهوم من قوله (عليه السلام): (إن الدار و الخادم ليس بمال) و من قوله (عليه السلام) في الخبر المتقدم لمكان ذكره من التعليل إن الأمر يدور مدار الخاصة فيستثنى ما مست إليه الحاجة من ثياب تجمل و كتب علمية إذا كان من أهلها و ظروف البيت و آلات الحرب إذا كان و ما يضعه للضيوف إذا كان من أهلها أو للتوسعة أهله و عياله إذا كان من أهل التوسعة أو لأتباعه و من يلحق به إذا كان من أهل المعروفية و التردد و مهر التزويج يجب بحسب احتياجه لما فوق الواحدة و ما يكون ملياً معتاداً لا تنفك النساء منه و ما يصرفه في مندوباته المأثورة من زيارات

81

و بعض الصدقات و ما يصانع به الظلمة إذا كان خائفاً على نفسه و ما يفي به ديونه الحالة و المؤجلة و غير ذلك مما يناسب حاله شرفاً وضعه و زماناً و مكاناً و لو لم توجب أعيانها استثني له أثمانها على نحو ما مر.

السابعة: يصدق قول مدعي الفقر بلا بينة و لا يمين

عدل أو غير عدل إذا جهل حاله و لو لم يعلم الغنى منه سابقاً قوي كان أو ضعيفاً على ظاهر الغنى أو على ظاهر الفقر لفتوى المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً محصلًا و للإجماع المنقول على تصديق قوله مطلقاً و لأن تكليفه بالبينة يستلزم العسر و الحرج و المشقة و لأن قوله موافقاً للاصل فلا تطلب عليه البينة و تكليفه باليمين خلاف المعهود من السيرة و الطريقة و لخلو الأخبار عن ذكر اليمين في مقام الحاجة و لما ورد من إعطاء السائل من فوق ظهر الفرس و لما ورد من دخول رجل إلى الحسنين (عليه السلام) فصدقاه بعد أن قالا له: (إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع أو غرم مقلع أو فقر مدفع فهل شيء من هذا) فقال: نعم فأعطياه و كذا لو علم الغنى منه سابقاً فإن الأظهر أيضاً بسماع قوله لشمول الأدلة المتقدمة له سوى الأصل من غير معارض سوى استصحاب الحال السابق و هو مقطوع بما ذكرنا و شمول قوله (عليه السلام): (البينة على المدعي و اليمين على من أنكر) و هو و إن كان شاملًا بعموم اللغوي لكنه غير شامل له عرفاً إذ المنساق من لفظ المدعي هو ما وقع في مقام الخصومة و دعوى مال آخر بيد آخر أو شبه ذلك كدعوى الإعسار في مقام التداعي و يزيد أيضاً على الاستدلال بشمول الأدلة السابقة لذلك ما ورد في كثير من أبواب الفقه من تصديق قول من يدعي دعوى لا معارض لها و هي ممكنة في حقه و من أصالة حمل فعل المسلم على الصحة الشامل لقوله عند خلوه من المعارض كما ورد من تصديق النساء على فروجهن مع العلم بتقديم التزويج لها و عدمه و من ادعى براءة ذمته من الحقوق العامة و إن كان بعد شغلها و مع ذلك فالأحوط منه انضمام اليمين إلى قول العدل أيضاً و أحوط منه توقفه على البينة العادلة لتيقن الخروج عن العهدة معها.

الثامنة: لا يجب إعلام المجتهد أو الساعي بأن المدفوع إليه زكاة

إلا إذا توقفت

82

منهما البينة على معرفة ذلك أو توقف إيصالها إلى أهلها على ذلك و كذا لا يجب إعلام الفقير بل يكره إذا كان من أهل الحياء و العفاف أو استلزم نقصاً بحقه و ذلة للأصل و صدور الزكاة من أهلها في محلها مع عدم صلاحية علم الفقير بها للشرطية و عدمه و عدم للمانعية و لما ورد عن الباقر (عليه السلام): (أعطه و لا تسم له و لا تذل المؤمن) و هي رواية معتبرة السند و موافقة للأصل و العمومات و فتوى المشهور بل كاد أن يكون مجمعاً عليه فيجب العمل بها و لا يعارضها ما روي في الحسن عن محمد بن مسلم فيمن لا يقبل المال على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام و استحياء و انقباض قال: أ فنعطيها إياه على غير ذلك الوجه و هي منا صدقة فقال: (لا إذا كانت زكاة فله أن يقبلها فإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطيها إياه) و هي ضعيفة لقلة العامل بها و إعراض الأصحاب عنها و إجمال متنها و احتمال للكراهة أو إرادة التجنب عن الكذب في الأخبار عن وجه و دفعها على وجه آخر و التجنب من شبهة الغنى في خوف من لم يقبلها أو غير ذلك.

التاسعة: لو دفع إلى غير أهلها خطأ بزعم أنه أهلها

كأن دفع إلى من ظاهره الفقر فبان غنياً أو العدالة فبان فاسقاً أو غير من تجب نفقته فبان أنه واجب النفقة أو غير عبده فبان عبده أو غير هاشمي فبان هاشمياً و لم يكن الدافع هاشمياً فهل تجزي عنه مطلقاً أو لا تجزي مطلقاً أو تجزي إذا لم يقصر بالفحص و دفع بطريق شرعي من بينه و شبهها أو لا تجزي إذا لم يدفع المالك بذلك الطريق وجوه أقواها التفصيل بين الدفع بطريق شرعي و اجتهاد فيجزي عنه و بين ما لم يكن كذلك كأن أخذها بظاهر الحال أو لم يكن متفطناً فلا يجزي و تحقيق المسألة إن الدافع أما أن يعلم أنها زكاة ابتداء أو يعلمها المدفوع إليه من خارج أنها كذلك أو لا يعلم المدفوع إليه بل أخذها على ظاهر الهبة و الصدقة و على كلا التقديرين فأما أن تكون العين باقية أو تالفة و على التقديرين فأما أن يمكن استرجاعها عيناً أو مثلًا أو قيمة أو لا يمكن فإن علم المدفوع إليه بأنها زكاة جاز للدافع استرجاعها إذا أمكنه الإرجاع و وجب على المدفوع إليه إرجاعها لأنه غاصب عادي لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه و لا تجزي عن

83

الدافع إذا أبقاها له فإن كانت العين باقية أرجعها بنفسها و إلا فمثلها أو قيمتها فإن لم يمكن إرجاعها لمانع من الموانع أعاد الزكاة إن لم يجتهد حين الدفع للأصل و لضمانه مال الغير عند استيلاء يده عليه و للمفروض أنه قد استولى على مال الفقراء فيضمه لهم و جواز دفعه على ظاهر الحال لا يرفع الضمان و للمرسل في رجل يعطي زكاة ماله رجلًا و هو يرى انه معسر فيراه موسرا قال لا يجزي عنه و هو معتبر لان في طريقه ابن عمير و هو ممن يصح منه ما يصح عنه خلافاً لمن اجتزأ بدفعه لاقتضاء الأمر الإجزاء و هو ضعيف جداً نعم لو دفع للمجتهد بالولاية عن الفقراء لا بالوكالة عنهم فدفعها المجتهد على ظاهر الحال برئت ذمة المالك لإيصالها إلى محلها و لم يضمن المجتهد لأنه فعل مأمور به و لا يترتب على فعل ما أمر به ضمان للزوم العسر و الحرج و احتمال ضمانه من بيت المال ضعيف جداً و إن اجتهد حين الدفع فحصل له الظن الاجتهادي من القرائن و الأمارات و إخبار المخبرين بتحقيق الشرط و حصوله له أخيراً له الدفع و إن ظهر على خلاف ما اجتهد لأنه أدى جهده و تكليفه و لم يبق عليه شيء في طريق الوصول سيما منع الانحصار فتضمينه يؤدي إلى العسر و الحرج و الضرر غالباً و يدل على عدم الضمان قوله (عليه السلام) في عبيد بن زرارة قال: قلت: له رجل عارف أدى الزكاة إلى غير أهلها زماناً هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم قال: (نعم) قال: قلت: فإن لم يعرف لها أهلًا فلم يؤديها أو لم يعلم أنها عليه فعلم بعد ذلك قال: (يؤديها لأهلها لما مضى) قلت: فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو بأهل و قد كان طلب و اجتهد ثمّ علم بعد سوء ما صنع قال: (ليس عليه أن يؤديها مرة أُخرى) و عن الكافي و التهذيب و عن زرارة مثله إلا أنه قال: (و إن اجتهد فقد برأ و إن قصر في الاجتهاد في الطلب فلا) و ما يورد على الاستدلال بها من أن الاجتهاد و إن أريد به القدر المسوغ للدفع و لو بسؤال الفقير فلا بأس به و لكنه راجع للقول بإجراء مطلقاً و إن أريد به الاجتهاد الحقيقي الحاصل من كثرة السؤال و تتبع الإمارات فلا معنى له لعدم وجوبه بهذا المعنى اتفاقاً و من أن موردها الدفع إلى المخالفين فلا تكون شاهداً على جميع ما ذكرناه ضعيف لأن الاجتهاد لا يراد به غير معناه و جواز الدفع من دونه لا

84

ينافي الضمان من دونه فيجوز الدفع من دون اجتهاد و لا يرتفع عنه الضمان إلا بالاجتهاد و ورودها في أهل الخلاف لا ينافي الاستدلال بها على الإجزاء عند فقد جميع الشرائط بعد الاجتهاد و لتنقيح المناط و تسوية الفقهاء بين الجميع في الحكم بعد الاجتهاد كما يظهر نعم لا يبعد استثناء ما لو ظهر عبد المالك بعد أن اجتهد في معرفة أنه غيره لرجوع المال إلى مالكه و لكن الفرق بين إرجاع المال إلى خزانة مولاه فيجب على المولى الإعادة و بين إتلافه فلا يضمن المولى صح هو الأقوى هذا كله إن علم المدفوع إليه أنها زكاة فإن لم يعلم حتى تلفت منه فلا يضمن عليه و لا يجوز للمالك تغريمه المثل أو القيمة سواء صدقه المدفوع إليه أو لم يصدقه بعد أن كان غير عالم بأنها زكاة حتى تلفت و لم يكن أعلمه إلا إذا كانت معلومة متشخصة للزكاتية فيقوى حينئذ بجواز تغريم الولي الفقراء له لأنه مالهم نعم هو يرجع على من غره و إن تجدد له العلم و العين باقية فإن صدق الدافع وجب عليه إرجاعها لبقائها على ملك مالكها لأن ما نوى لم يقع و ما وقع لم ينو و إن لم يصدقه لم يجب عليه الدفع له و كان له أن يأخذ بظاهر الحال من أنها هبة أو صدقة و على مدعي كونها زكاة الإثبات و لا يجب تصديقه هنا لأنه أبصر بنيته لوجود المعارض من المدفوع إليه باعتبار قبضه على ظاهر الحال نعم يجوز للدافع مع بقاء العين استرجاعها بسرقة أو غيلة و شبهها لعلمه بعدم انتقال ماله عنه فيجوز استرداده حينئذ.

الصنف الثاني: العاملون عليها

و هم الجباة لها و السعاة لحفظها أو جمعها و أخذها لإيصالها لأهلها و هم لهم سهم منها إجماعاً محصلًا و منقولًا و كتاباً و سنة لقوله في الصحيح و لا يعطى الهاشمي من سهم العاملين من غير خلاف أجده لقوله (عليه السلام) في الصحيح: (إن أناساً من بني هاشم أتوا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يسألوه أن يشغلهم على صدقات المواشي و قالوا: لنا يكون هذا السهم الذي جعله الله للعاملين عليها فنحن أولى به فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): (يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي و لكم) و لا يشترط في

85

العامل الفقر لأن استحقاقه من حيث العمل و يستوي فيه الحر و العبد بإذن المالك و يعطى بحسب ما يرى الإمام و لا يقدر له شيء كما هو لفظ صحيح الحلبي و لو كان الهاشمي عامل لزكاة بني هاشم جاز له أخذ سهم العاملين و لو تعدد العاملون قسم الإمام السهم على قدر العمل و في تقسيمه على قدر الرءوس وجه قوي و يقوى القول باشتراط العدالة فيهم لمكان تأمينهم و لو استأجر الإمام شخصاً على العمل أو صالحه عليه من الزكاة أو من بيت المال لم يكن من صنف العاملين و يظهر من بعض الأساطين إجراء حكم الصنف عليه من الشرائط و الأحكام و هو أحوط و لا يشترط فيه أيضاً أن يكون هاشمياً أو غير ذلك و للعامل عزل نفسه بالأثناء إذا لم يعد على المال ضرر بخلاف الأجير و يستحق العامل سهماً بمسمى العمل عرفاً و إن انفسخ لجنون أو لعارض أو عزل نفسه لما يراه الإمام من السهم بخلاف الأجير فإنه يستحقه بنسبة ما عمل و لو فسق العامل بعد عمله أخذ سهماً على الأقوى و في الأثناء على إشكال و للعامل نصب عاملين تحت يده و إجراؤه و يدفع إليه بحسب ذلك إن لم يكن عمله مقصوراً فإن كان مقصوراً أو مشروطاً عليه لم يجز التجاوز و الاستئجار و لو تم العمل فتلفت الزكاة من دون تفريط لم يكن له شيء و المستأجر له أجرته من بيت المال إلا إذا اشترطت عليه من الزكاة و جاز ذلك و الظاهر إن الأجرة تسقط و كذا لو صولح على العمل بعوض منها و يجري هذا السهم في الغيبة بأمر المجتهد و لا يجوز تولي المالك له و لا عدول المؤمنين إلا في مقام الضرورة فلا يبعد جوازه.

الصنف الثالث: المؤلفة قلوبهم

و هم على ما في الأخبار قوم وحدوا الله عز و جل و شهدوا أن لا اله إلا الله و ان محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) رسول الله و هم شكاك في بعض ما جاء به محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فأمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن يتألفهم بالمال و العطايا كي يحسن إسلامهم و يثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه و أقروا به كذا روى زرارة عن الباقر (عليه السلام): (أو قوم وحدوا الله سبحانه و تعالى و خلفوا عبادة من دون الله تعالى و لم تدخل المعرفة قلوبهم

86

إن محمداً رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و كان رسول الله يتألفهم و يعرفهم و يعلمهم) و كذا روي عن الباقر (عليه السلام): (أنهم قوم وحدوا الله تعالى و خرجوا من الشرك و لم تدخل معرفة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قلوبهم كذا روى موسى بن بكير عن رجل عنه (عليه السلام) إلى غير ذلك و المفهوم منها إن المؤلفة قوم مسلمون شاكون في بعض ما جاء به النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو قوم دخلوا الإسلام و تسموا به و لكنهم بعد لم تثبت معرفة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في قلوبهم و لم يرسخوا على الإسلام و الإقرار فيعطون سهماً من الزكاة ليرسخوا و يثبتوا على الإسلام و على ما في كلام الأصحاب قوم كفار يستمالون بشيء من مال الصدقات إلى الإسلام و يتألفون ليستعان بهم على قتال أهل الشرك و لا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الإسلام كذا عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط أو أنهم ضربان مسلمون و مشركون كذا عن المفيد (رحمه الله) أو أنهم من أظهر الدين بلسانه و أعان المسلمين و إمامهم بيده و كان معهم الأقبلة كذا عن ابن الجنيد أو أنهم مسلمون و مشركون ضربان ضرب سهم قوة و شركة يخاف منهم فإن أعطوا كفوا شرهم و كفوا معهم غيرهم و ضرب لسهم ميل الإسلام فيعطون من سهم المصالح لتقوى نيتهم في الإسلام و يميلون إليه و المسلمون أربعة قوم لهم نضراء فإن أعطوا رغبوا نضراءهم و قوم في نياتهم ضعف فيعطون لتقوى نياتهم و قوم من الأعراب في أطراف بلاد الإسلام بازائهم قوم من أهل الشرك فإذا أعطوا رغب الآخرون و قوم بازائهم آخرون من أصحاب الصدقات فإذا أعطوها جبوها و أغنوا الإمام عن عامل كذا عن المعتبر عن الشافعي و فيه أنه قال: و لست أرى بهذا التفصيل بأساً فإن ذلك مصلحة و نظر المصلحة موكول إلى الإسلام و الذي يظهر لي أن الجميع مؤلفة و لا اختصاص لهم بالمسلمين كما في الأخبار بل باقي الأخبار هو أحد الأفراد و لكنه لكثرته و زمن الصدور بين حالة الإمام (عليه السلام) كما تشعر به أخبار أخر مثل قوله (عليه السلام): (أكثر من ثلثي الناس) و قوله (عليه السلام): (لم يكونوا قط أكثر منهم اليوم) و لا بالكفار

87

كما يظهر من المبسوط و لا بالمنافقين كما يظهر من ابن الجنيد بل هو الذين انحرفت قلوبهم عن الإسلام أو المسلمين فيراد تلقيها لإعانة المسلمين أو تقوية الإسلام و الجهاد بين يدي النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو الإمام كفار كانوا مسلمين جمعاً بين كلام الأصحاب و الرواية و استناداً لإطلاق الآية و لقوله (عليه السلام): (سهم المؤلفة و سهم الرقاب عام و الباقي خاصة) فيما رواه زرارة و محمد بن مسلم و يجوز أن يعطى جميع هؤلاء من سهم سبيل الله فتقل الثمرة حينئذ كما أنه تقل ثمرة الخلاف في اختصاص هذا السهم بزمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو جريانه لزمن الأئمة أو تسويته لزمن الغيبة منع أن الظاهر بقاؤه إلى زمن الغيبة أخذ بإطلاق الآية و الرواية و لأنه ثبت في زمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و لم تثبت نسخة و لأنه لا يختص بالجهاد كي يختص بزمانه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على أن الجهاد و ما بحكمه عام لزمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) و لغيره و قد بينا أن في الأخبار ما يدل على كثرتهم في زمن الأئمة (عليهم السلام) و لا فرق بين زماننا و زمانهم نعم لا يشمل موضوع المؤلفة قلوبهم للمخالفين إذا دخلوا في الإيمان و استميل منهم طائفة لقتال أخرى و لا لباقي الفرق الضالة بالنسبة إلى المؤمنين و إن أمكن الدفع إليهم لمصالح المؤمنين و حفظ بيضة الإيمان من سهم سبيل الله عز و جل.

الصنف الرابع: الرقاب

و منهم من عبر في الرقاب تبعاً للآية و العدول عن اللام إلى في في الآية الشريفة لبيان إن ما في قبل هذا السهم المال لهم يملكون بالدفع إليهم و يتصرفون به كيف شاء و هذا السهم و ما بعده يصرف المال فيهم فكأنه ظرف لأنه أما أن يصرف في نفس الجهة كفك الرقاب و سهم سبيل الله و أما أن يدفع لهم ليصرف في الجهة المقتضية لاستحقاقهم السهم فكأن المصروف فيه ظرف للمصروف و قيل أن العدول من اللام إلى في للتنبيه على زيادة التمكن في الاستحقاق حيث أنهم جعلوا وعاء للصدقة فهم

88

أعرف من غيره و هو ضعيف لأن الظاهر إن مشروعية الزكاة هو الفقر و الحاجة و الأصل فيهما هو الفقير و المسكين و الباقي متطفل عليه لخاصية الفقر هو الذي يملك الزكاة في مال المالك و يشارك الأغنياء كما دلت عليه ظواهر الروايات من الله تعالى جعل في أموال الأغنياء للفقراء و إن من اشترى بمال الزكاة و أعتق ورثه الفقراء لأنه اشترى بمالهم و لكن ملكه ليس على حد الأملاك المخلوقية الخاصة و لهذا لا يجب فيها التوزيع و لا يحوز للفقير أن يهب حصته قبل أن قبضها أو يصالح عليها بل المالك هو نوع الفقير و المسكين و الفرد منه ليس له التصرف كتصرف الملاك في أملاكهم

و الرقاب أقسام:

أحدها: المكاتبون

و يدل عليه في الجملة عموم الآية و الإجماع بقسميه و قول الصادق (عليه السلام) و قد سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد أدى بعضها قال: (يؤدى عنه من مال الصدقة قال الله تعالى: [وَ فِي الرِّقٰابِ*] و يشترط في الدفع إليهم أن لا يكون عندهم ما يفي بصرفه في مال الكتابة فلو وجدوا ذلك لم يجز إعطاؤهم لأن المفهوم من مشروعية الزكاة أنها إنما شرعت لسد الخلة و الحاجة و لم أعثر على مخالف في ذلك و هل يشترط العجز منهم عن الوفاء و عدم القدرة على التكسب بما يفي بما عليهم أم لا وجهان للأول الاقتصار على مورد اليقين من الإطلاقات و انصرافه لذلك و عدم احتياجهم و فقرهم إلى ذلك و الزكاة إنما شرعت لرفعها و الخبر المتقدم المشعر بالعجز و للثاني الإطلاق و منع انصرافه للعاجز و فك نفسه بالفعل حاجة و فقر فلا تنافي مشروعية الزكاة و الخبر المشتمل على العجز إنما اشتمل عليه في السؤال فلا يدل على اشتراطه في الجواب و هو الأقوى.

ثانيها: العبيد تحت الشدة

لعموم الآية و الإجماع المنقول المشهور و الخبر المنجبر و لو بالشهرة عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و السبعمائة يشتري منها نسمة و يعتقها قال: (إذن نظلم قوماً آخرين حقوقهم) ثمّ مكث ملياً ثمّ قال: (إلا أن يكون عبداً مسلماً في ضرورة فيشتريه و يعتقه) و ليس في الرواية ما يدل على أن الثمن

89

من سهم الرقاب فيحتمل أنه من سهم سبيل الله و لكن ما يفهمه الأصحاب و تشمله عمومات الباب لا يجوز التخطي عنه على أن الثمرة قليلة جداً بعد عدم وجوب البسط.

ثالثها: شراء العبد مطلقاً

و إن لم يكن في شدة بشرط عدم وجود المستحقين للإجماع المنقول و لقوله (عليه السلام) في رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد لها موضعاً يدفع ذلك إليه فنظر إلى مملوك يباع فاشتراه بتلك الألف درهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه هل يجوز ذلك قال: (نعم لا بأس به) و ليس في الرواية ما يدل على أنه من سهم الرقاب إلا أن فهم الأصحاب و ظهور أن ذلك مصرف من المصارف يكون إمارة على ذلك و أما التقيد بعدم وجود المستحق فهو من كلام السائل و لا يدل على التقييد بكلام المسئول إلا أن الاقتصار على المورد المتيقن يقضي به.

رابعها: عتق العبد مطلقاً

سواء كان تحت شدة أم لا لعموم الآية و الصحيح مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه أ نشتريه من الزكاة فقال: (اشتره فاعتقه) قلت: فإن هو مات و ترك مالًا فقال: (ميراثه لأهل الزكاة لأنه اشترى بمالهم) و آخر عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله قال: (يشتري خير رقبة لا بأس بذلك) و قد يحمل المطلق في هذه الأخبار على المقيد فيخصص الجواز فيما إذا كان العبد تحت الشدة أو مع عدم وجود المستحق كما أفتى به المشهور أو يبقى على إطلاقه و يدخل في سهم سبيل الله لعدم التصريح في الرواية بأن الشراء من سهم الرقاب و إن كان الإطلاق و الرخصة يقضيان بأن هذا السهم من الزكاة لهم فيصح إدخالهم في سهم الرقاب لكنه خلاف المشهور فالأظهر انه حينئذ بقي المطلق في الأخبار على إطلاقه كان من سهم سبيل الله و إن تقيد بما دل عليه الخبران المتقدمان و فتوى المشهور كان من سهم الرقاب و على كل حال فالثمرة قليلة جداً بعد أن أجرينا عدم البسط.

خامسها: عتق رقبة في كفارة من نذر أو عهد أو قتل خطأ أو ظهار أو صيد

لزمت مؤمناً و ليس عنده ما يفي بشرائطها كما أفتى به جماعة من الأصحاب استناداً لعموم

90

الآية و للمرسل (و في الرقاب قوم لزمتهم كفارة في قتل خطأ أو في الظهار و في الإيمان و في قتل الصيد في الحرم و ليس عندهم ما يكفرون به و هم مؤمنون فجعل الله تعالى لهم سهماً في الصدقات ليكفر عنهم) و في الجميع نظر لضعف العموم في الفرد الخاص و ضعف المرسل سنداً و دلالة لعدم التصريح فيه بالمعتق بل هو ظاهر في التكفير مطلقاً و إشعار تفسير في الرقاب به إشعار ضعيف لا يكون حجة في المقام و التزام أن التخليص من الكفارات كله فك رقبة للمكفر فيدخل تحت قوله تعالى:

[وَ فِي الرِّقٰابِ*] التزامه لا يلتزم به أحد فالأقوى عدم عد هذا من أقسام الرقاب بل أما أن يعد من سهم الغارمين فيعطى المال بيده و يشتري رقبة و يعتقها لأنه مدين لها أو من سهم سبيل الله إن لم يعط بيده و جوزنا شراء المالك الرقبة من الزكاة و عتقها عمن عليه كفارة و لكنه لا يخلو من إشكال.

فوائد:

الأولى: جعل بعض المتأخرين ذلك الرقبة مطلقاً من الكفارات من أقسام الرقاب

تمسكاً بالمرسل المتقدم و إطلاق الآية لشموله الحر و العبد و ضعفه لا يحتاج إلى بيان.

الثانية: حصر بعض المتأخرين سهم الرقاب في المكاتبة و في الكفارات

و جعل غيرهما سهماً مستقلًا مأخوذ من جميع الأصناف واردة به و نطقت به الأخبار و ليس من الأسهم الثانية التي دلت عليهما الآية الشريفة بقرينة جعل ميراث العبد للفقراء و لو كانت تلك الأقسام من سهم الرقاب لما ورث العبد المشتري فيها الفقراء لأنه ليس من حقهم بل كان ينبغي أن يكون ميراثه للإمام (عليه السلام) و هو ضعيف أولًا لالتزامه بما لا يقول أحد من زيادة الأقسام الثمانية إن جعله سهماً مستقلًا و إن جعله سهماً منقطعاً من الأسهم الثمانية لزم أن يكون منه جزء من ثمانية للفقراء يرثونهم هم و الباقي يكون ميراثه للإمام (عليه السلام) و المفروض إن الرواية دلت على أن جميع ميراثه للفقراء و ثانياً إن بينا أن الأصل في الزكاة كونها للفقراء و باقي الأصناف متطفلة عليها فلا منافاة

91

حينئذ بين كون العتق من سهم الرقاب و كونه ميراث المعتق و ثالثاً أنه من المقطوع به جواز العتق في هذه الأقسام سهم في أن هذا السهم سهماً للفقراء فينبغي أن لا يكون ميراثه لهم مع أن الرواية و كلمات الأصحاب مطلقة في كون الورثة هم الفقراء.

الثالثة: يجوز الدفع إلى السيد في فك المكاتب و يجوز الدفع إليه ليفك نفسه بإذن السيد و بدونه

و يجوز الدفع قبل حلول النجم و بعده كل ذلك للإطلاقات و لو دفع المال من مكاتب ففك المكاتب من دافع آخر متبرع أمن المالك إبراء به قبل دفعه إلى سيده و احتمل العدم إلى جواز الرجوع فيه لفوات ما عينه الشارع و احتمل العدم لوصوله من أهله إلى محله و الأمر يقتضي بالإجزاء و احتمال الأول إن نوى الجهة الخاصة من الدفع و الثاني إن أطلق و الأقوى جواز الرجوع مطلق لعدم ملك العبد له بالقبض و عدم صرفه في جهة نعم لو قلنا إن العبد يملك كالغارم ندفع له لم يؤثر نية الجهة بعد ثبوت الملك لا إن الملك يكون على جهة دون جهة و لو دفع للمكاتب ما لا يفي بفكه في المشروط فعجز عن الإتمام بعد أن دفع إلى السيد احتمل وجوب استرجاعه منه لانكشاف عدم ملكه لعدم حصول غايته و احتمل عدمه لصدوره من أهله في محله و الأمر يقضي بالإجزاء و الأول أحوط و الثاني أقوى.

الصنف الخامس: الغارمون

و هم المدينون في غير معصية و يدل عليه الكتاب و الإجماع بقسميه و الأخبار فمنها إن الله عز و جل [فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ] سورة البقرة آية (280) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله في كتابه أ لها حد يعرف إلى قال: قال: (نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام فيقضي ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله تعالى) فإن أنفقه في معصية الله تعالى فلا شيء على الإمام له دفعها أيما مؤمن أو مسلم مات و ترك ديناً لم يكن في فساد و لا إسراف لم يكن على الإمام (عليه السلام) أن يقضيه فإن لم يقضه أثم ذلك إن الله تبارك و تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ] سورة البقرة آية (60) الخ

92

و منها إن علياً (عليه السلام) كان يقول: (يعطى المستدينون من الصدقة و الزكاة دينهم كله ما بلغ إذا استدانوا في غير إسراف) و منها الصحيح عن رجل عارف فاضل توفى و ترك ديناً لم يكن بمفسد و لا مسرف و لا معروف بالمسألة هل يقضي عنه من الزكاة الألف و الألفان قال: (نعم) و منها (و إن غلب عليه فليستدن على الله و على رسوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ما يقوت به عياله فإن مات و لم يقضه كان على الإمام قضاؤه فإن لم يقضه كان عليه وزره إن الله عز و جل يقول (إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ) سورة التوبة آية (60) إلى قوله تعالى: [وَ الْغٰارِمِينَ] و هذا مسكين مغروم) و المغروم و الغارم المدينون و الغريم مديون و الديان و الغرم الدين كما نص عليه أهل اللغة.

هنا فوائد:

الأولى: يشترط في جواز دفع الزكاة للغارمين أن لا يكون استدانتهم في معصية

لفتوى المشهور و الإجماع المنقول و الأخبار المنجبرة المتقدمة و المراد بالاستدانة في المعصية هو ما إذا اتفق الدين في المعاصي و إن نوى عند الاستدانة غيرها بل نوى الطاعة لم يكن ممنوعاً من إعطاء الزكاة و كذلك لو كان نفس الاستدانة معصية و لكن الإنفاق في طاعة و الأحوط إلحاق المنفق تبذيراً في المنفق في معصية لظاهر الأخبار و الاحتياط و جوز المحقق الدفع للمدين في معصية إذا تاب تمسكاً بالعموم و استضعافاً للأخبار و لما يقال من إن إعطاءه إعانة على الإثم و في الكل نظر لوجوب حمل العام على الخاص و لقوة الأخبار بفتوى الأخيار لأنه لم يكن إعانة الإثم فهو إغراء به و في تركه ردع لأهل المعاصي.

الثاني: يعتبر في الغارم أن يكون غير متمكن من الأداء كلًا أو بعضاً

فلو تمكن من الأداء و الوفاء لم يقض عنه لأن الحاجة و الفقر مما شرعت عليها الزكاة قطعاً فإعطاؤها لمجرد وصف الغارم و إن كان غنياً في ذلك و جوز العلامة (رحمه الله) دفع الزكاة للغارم و إن كان غنياً متمكناً من الوفاء بماله لكنه لو وفى منه عاد فقيراً و ذلك لانتفاء

93

الفائدة في دفع ما بقي به الدين أولًا و أخذ الزكاة ثانياً دون العكس و استقر به بعضهم لإطلاق الآية و لصدق عدم التمكن عرفاً و هو الأظهر لما قدمناه إن من ملك مئونة السنة و كان مديوناً لا يجري عليه أحكام الغني فيجوز أن يعامل معاملة الفقراء (حينئذ) فله أن يأخذ من سهم الفقراء للدين و له أن يأخذ من سهم الغارمين و كونه متمكناً من وفائه لا ينافي احتياجه إليه لحفظ ما بيده من مئونة سنته و ليس في الأخبار ما ينافي ما ذكرناه أيضاً و لكن الأحوط عدم الدفع إليه من سهم الغارمين.

الثالثة: المضطر إلى صرف ما استدانه في المعصية و المجبور و الناسي و الجاهل بالموضوع بل الجاهل بالحكم

مع عدم التفطن على الأظهر لا يدخلون تحت عنوان الاستدانة في المعصية و من جهل حاله لو جهل حال نفسه جاز الدفع إليه من دون وجوب الاستفسار في الأول و جاز أن يأخذ من دون وجوب التفحص عن حال نفسه كل ذلك لأصل الصحة في تصرف المسلم و للزوم العسر و الحرج في الاستفسار و التفحص لصعوبة الاطلاع على النيات و على موارد جزئيات التصرفات و لظهور الأخبار في أن المدار على حسن الظاهر في جميع الأحوال و الأطوار و لإشعار قوله (عليه السلام) في الخبر (لم يكن بمفسد و لا بمسرف) و قوله (عليه السلام): (لم يكن في فساد و لا إسراف) في ذلك للقطع بعدم علمهم لجميع الصادرة عن الشخص بل إنما حكموا بذلك من جهة حسن الظاهر و عن الشيخ القول بالمنع عند عدم العلم بالمصرف و ربما كان مستنده رواية محمد بن سليمان و فيها قلت فما لهذا الرجل الذي ائتمنه و هو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله عز و جل أم في معصيته قال: (يسعى في ماله و ترده عليه و هو صاغر) و هي ضعيفة سنداً و دلالة الإجمال هو بين الدافع و المدفوع إليه و لعدم منافاة السعي لجواز الدفع و الأخذ و لعل من أفراده سؤال الإمام (عليه السلام) و قد يؤيد المنع بان الشرط في جواز الدفع من سهم الغارمين كون المصروف فيه طاعة و الشك في الشرط شك في المشروط و فيه منع كون الشرط الصرف في طاعة الله تعالى بل الصرف في المعصية هو المانع و الأصل عدم المانع و تعليق الجواز في الأخبار على ما إذا كان الصرف في الطاعة لا يراد به بيان الشرطية بل بيان إن بها توقع المانعية كما ظهر من

94

سياقها على أن أصالة الصحة لفعل المسلم تصيره طاعة إن لم يكن في الاسم فهو طاعة في الحكم تنزيلًا لما قضى به الأصل منزلة الواقع كشهادة العدل و خبر ذي اليد فيصدق على المجهول صرفه في طاعة بالأصل و يجب اتباعه بشهادة التتبع و الاستقراء.

الرابعة: صرح جمع من الأصحاب بأن الغارم أما لمصلحة نفسه فيشترط فيه الفقر و الاحتياج إلى القضاء

و إما لمصلحة ذات البين بين الشخصين أو قبيلتين لقتل بينهما لم يظهر قاتله أو إتلاف مال كذلك فهذا يعطي غنياً كان أو فقيراً لقوله (عليه السلام): (لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة عاد في سبيل الله تعالى أو عامل عليها أو غارم) و ذكر (رجلًا تحمل حمالة) و فيما ذكروه نظر لمنع اشتراط الفقر أولًا بالاكتفاء بالاحتياج إلى الوفاء و القضاء في جواز الدفع من سهم الغارمين و لا ينافي ذلك كون الزكاة إنما شرعت لرفع الخلة و الاحتياج لتحققهما بذلك و منع جواز الدفع للمعنى إذا كان متمكناً من الوفاء بما يزيد على مئونة سنته لما استدانه في إصلاح ذات البين لعدم الدليل عليه سوى الرواية المتقدمة و هي ضعيفة سنداً و دلالة و لا يتفاوت الحال في ذلك بين أن ينوي دفعها الرجوع إلى الزكاة أم لا نعم يجوز في الابتداء الدفع من سهم السبيل لإصلاح ذات البين و شبهه و ذلك حكم آخر و قد يقال بجواز أخذ المجتهد من سهم الغارمين أو من سهم سبيل الله لو دفع مالًا في المصالح العامة بنية الرجوع على الحقوق العامة من ماله أو من مال غيره مستديناً له لتنزيله منزلة العوض لأهل الجهة فيقبل منهم بالولاية عند الوفاء و لكنه يحتاج إلى فقه متين و فقاهة واسعة.

الخامسة: لو كان دين على الفقير جاز له مقاصته به من الزكاة

بمعنى جعلها للفقير و قبضها لنفسه عن دينه مقاصة له أو بمعنى عزلها زكاة أو قبضها عن دينه الذي في ذمة الفقير مقاصة أو بمعنى جعل نفس ما في ذمته للفقير زكاة عما هو مطلوب به لأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض و الجميع مخالف للقواعد لكنه بالمعنى الأخير دلت عليه الأخبار و فتوى مشهور الأصحاب و الإجماعات المنقولة و قد يستخرج المعنى الأول أيضاً من الأخبار المشتملة على لفظ المقاصة كقوله (عليه السلام) في الموثق سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة فقال: (إن كان الفقير

95

عنده وفاء بما كان عليه من الدين من عرض من دار أو متاع البيت أو يعالج عملًا يتقلب فيه فهو يرجو أن يأخذ ماله عنده من دينه فلا بأس أن يقاصه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب له ما عليه و إن لم يكن عند الفقير وفاء و لا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فليعطه من زكاته و لا يقاصه بشيء من الزكاة ففيها دلالة على المعنى الأول و الأخير و مما ظاهره المعنى الأول الصحيح سألت أبا الحسن عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة هل لي أن أدعه و احتسب به عليه الزكاة قال: (نعم) و الآخر فيجيئني الرجل و يسألني الشيء و ليس هو أبان زكاتي فقال الصادق (عليه السلام): (الفرض عندنا بثمانية عشر و الصدقة بعشرة و ما زاد عليك إذا كنت مؤسراً أعطيته من الزكاة) و هل يجوز الاحتساب فإذا أبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة و هل يجوز الاحتساب على من ملك قوت السنة لكنه بحيث لو دفع دينه لعاد فقيراً أم الجواز لما قدمناه من قلة الفائدة و صدق الفقر و عدم التمكن عرفاً و من ظهور الأخبار المتقدمة في الفقر كقوله (عليه السلام) في الموثق: (يكون له الدين على رجل فقير) و ظاهره غير المالك لمئونة السنة و قوله (عليه السلام) في الصحيح: (لا يقدرون على قضائه و قوله (عليه السلام): (يسألني) و ظاهر السؤال أنه إنما يكون عند الحاجة و لكن لما كان ذلك كله في كلام السائل و كان من عليه دين يحتسب دينه من المئونة و لا يخرج عن مسمى الفقر عرفاً كان جواز الاحتساب أقوى فما حكم به بعض المتأخرين من منع دفع الزكاة لمن ملك مئونة السنة و كان عليه دين لو وفاه عاد فقيراً و منع جواز الاحتساب عليه لأنه عين شرعاً لأدى له وجهاً معتداً به بعد أن جعلنا الدين من المؤن.

السادسة: يجوز دفع الزكاة في دين الميت و احتسابه عليه منها قريباً أو بعيداً أو واجب النفقة أم لا من سهم الغارمين أم من سهم الفقراء

لفتوى الأصحاب و للأخبار و منها رواية يونس بن عمار قال: (قرض المؤمن غنيمة و تعجيل أجر إن أيسر قضاك و إن مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة) و منها عن الصادق (عليه السلام) قال: (قرض

96

المؤمن غنيمة و تعجيل أجر إن أيسر أدى و إن مات احتسب به من الزكاة) و منها الصحيح رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين أ يؤدي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير قال: (إن كان أبوه أورثه مالًا ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه قضاء من جميع الميراث و لم يقضه من زكاته و إن لم يكن أورثه مالًا لم يكن أحد احق بزكاته من دين أبيه فإن أدّاها من دين أبيه على هذه الحال أجزت عنه) و يظهر من هذه الرواية اشتراط قصور التركة عن وفاء الدين في جواز الوفاء عن الميت و الاحتساب عليه و هي و إن كان موردها الأب لكنه لا قائل بالفرق و هو الأوفق بالقواعد لأن التركة على حكم مال الميت إذا تعلق بذمة الميت دين لعدم انتقالها للوارث قبل وفائه لقوله تعالى: [مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ*] سورة النساء آية (22) و آية (12) و بهذا ظهر ضعف من أجاز دفع الزكاة عن دين الميت و احتسابها عليه مطلقاً استناداً لعموم أدلة جواز الاحتساب و لأن التركة تكون ميراثاً فيكون الميت عاجزاً فيجوز الدفع في دينه و الاحتساب عليه نعم لو تعذر استيفاء دين الميت من تركته لعدم إثباته أو لعدم أهله فلا يبعد الجواز.

السابعة: يجوز وفاء دين القريب واجب النفقة أم لا

للأخبار الدالة على ذلك و المنع من إعطاء واجب النفقة من الزكاة يراد ما إذا دفع لهم في الواجب من نفقتهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى كما يشعر به قوله (عليه السلام): (لأنه عياله اللازمون له).

الثامنة: يصدق مدعي الغرم على الأظهر لادعائه دعوى لا معارض لها بالخصوص

و الأحوط طلب البينة لإمكان إقامتها سيما لو لم يصدقه الغريم.

التاسعة: لو دفع إلى الغارم من سهم الغارمين ما يفي فيه دينه فاتفق إن أبواه الغريم أو وفاه شخص

لم يرتجع به على الأظهر إن لم يكن عزله على أنه زكاة فإن عزله فلا يبعد جواز الارتجاع مطلقاً و كذا لو صرفه في غير الدين و لو ادعى الغرم فبان كذبه و دفع إليه من سهم الغارمين و علم بذلك ارتجع به مع بقاء العين و تلفها إذا عزلها قبل ذلك فإن لم يعزلها و كان فقيراً احتمل جواز الرجوع لعدم تحقق مصرفها و عدمه

97

لملكه ذلك و لا يكون الملك على جهة خاصة و هو الأظهر و لو لم يعلم بذلك لم يرجع إليه مع التلف و يرجع عليه مع بقاء العين إذا صدّقه على الأظهر و لم يكن عزلها على أنها زكاة و لو عزل المال على انه زكاة فلا يبعد جواز الرجوع ولي الفقراء على المدفوع إليه مطلقاً لو تبين عدم عزله أو عدم كون دينه في طاعة مع التلف و بدونه مع العلم بأنها زكاة أو بدونه إلا أنه مع الجهل لو رجع إليه على الدافع.

الصنف السادس: سبيل الله تعالى

للإجماع بقسميه و الكتاب و السنة و هو أمور:

أحدها: الجهاد بين يدي النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الإمام (عليه السلام)

لحمل الكفار على الإسلام إجماعاً محصلًا و منقولًا و يلحق به أيضاً الجهاد إذا دهم عدو يخشى على بيضة الإسلام منه و يدفع هذا السهم للغني من الغزاة و الفقير كل بقدر ما يكفيه من نفقة و سلاح و ركوب و لا يسترجع منه بعد الرجوع من الجهاد و إن لم يغنموا لملكه له بالعمل المقابل له و يسترجع منه لو دفع إليه و لم يجاهد اضطراراً أو اختياراً أو لانتفاء موضوعه.

ثانيها: مصالح المسلمين العامة

من بناء مساجد و قناطر و سور للبلد المضطر إليه و جسر للعبور و خانات ورود المترددين و حمامات للزوار و حفر أنهار و قنوات و بناء علامات في الطرق لمعرفة الطريق و وضع أشجار و نخل للمارين من المسلمين و وقف كتب علم و بئر و مدارس و غير ذلك على الأظهر الأشهر لعموم الآية و المرسل في تفسيرهم أنهم قوم يخرجون إلى الجهاد و ليس عندهم ما ينفقون به أو قوم مؤمنون ليس عندهم ما يجمعون به أدنى جميع الخير.

ثالثها: جميع سبيل الخير

من معونة الزائرين و حجاج المؤمنين و تقوية المتعبدين و معونة خدام الحضرة المقربين لرب العالمين و طلبة العلم المؤدي إلى معرفة شريعة سيد المرسلين و كل ما فيه ثواب كتزويج العزاب أو تقريب لعموم الآية و المرسل المنجبر و ما جاء في جواز صرف الزكاة في الحج و لا قائل بالفرق نعم يشترط في هذا الاحتجاج إلى

98

المعرفة لما دل على أن الزكاة لرفع الحاجة وسد الخلة و لما يفهم من سياق الأخبار الأخر و لا يشترط في المدفوع إليه الفقر بل لو كان غنياً لكنه محتاج في فعل القرية إلى معونة جاز الدفع إليه و لو كان غنياً لكنه إن دفع من ماله لفعل المثوبة عاد فقيراً فلا يبعد جواز الدفع إليه لعدم الفائدة و الأحوط ترك ذلك و جمع من أصحابنا من الدفع لغير المجاهدين لظهور الآية فيهم و ضعف المرسل و لما جاء في الوصية لمن أوصى بمال بما في سبيل الله أنه يصرفه في الجهاد و الكل ضعيف لمنع ظهور الآية و منع ضعف المرسل بعد انجباره و منع العمل بما جاء في ذلك لموافقة العامة أو لخصوصية في الوصية و قد ورد سبيل الله شيعتنا و ورد سبيل الله الحج.

الصنف السابع: ابن السبيل

للإجماع بقسميه و الكتاب و السنة و هو المنقطع به في غير بلده كما في المرسلة حيث فسرته بأبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع و عليهم و يذهب مالهم فعلى الإمام (عليه السلام) أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات و يشترط فيه أن لا يكون سفره معصية فلو كان معصية منع للإجماع المنقول و الشهرة المحققة و ظاهر المرسل المتقدم حيث قيَّد الأسفار فيه بطاعة الله تعالى و يراد بالطاعة ما قابل المعصية كما فهم الأصحاب و يساعده العرف لتسمية فاعل المباح مطيعاً و لا أقل أنه مجاز مشهور قرينته فتوى المشهور و عمل الجمهور و لو تاب في أثناء السفر و ضرب في الأرض فدخل تحت إلى السبيل المسافر في طاعة و لو كان إلى السبيل غنياً في بلده و يقدر على الاستعانة و التحويل احتمل جوازه الدفع إليه لعموم الأدلة و احتمل عدمه لأن الزكاة إنما شرعت لسد خلة و رفع الحاجة فلو قدر على بيع ماله أو الاستدانة عليه أو غير ذلك لم يكن محتاجاً و هذا أقوى إذا سهل ما ذكرناه على ابن السبيل من دون مهانة و يعطى قدر ما يكفيه لحاجته و لو أعطي فتمكن من ماله قبل التصرف احتمل جواز الإرجاع و عدمه أظهر و ألحق بعضهم بابن السبيل الصنف و ألحق الإسكافي به المنشئ للسفر الواجب و الندب و لا يخفى ضعف الثاني لندوره و عدم دخوله تحت

99

إطلاق لفظه و معارضته للمرسل المتقدم و أما الأول فإن دخل في وصف المحتاجين للضيافة فلا بأس به لدخوله تحت العموم و إن يكن كذلك فالظاهر عدم جواز احتساب ما يقدّمه إليه من الزكاة فلا فرق حينئذ بينه و بين ابن السبيل و ما نقل من الفرق عن بعض الفضلاء إن الضيف ينزل إليك بخلاف ابن السبيل ممنوع لعدم وضوح مأخذه عرفاً و شرعاً سوى مرسلة رواها جماعة من القدماء و إرسالها بمنع من العمل بها سيما و ظاهر من نقلها ترك العمل بها و المفيد (رحمه الله) أرجعها للمختار و الظاهر إن هذه الأصناف مقوّمة للزكاة فلو دفع في صنف فبان المدفوع إليه من صنف آخر ارتجعه مع العلم إلا أن يكون الصنف داعياً لا مشخّصاً للمدفوع فتأمل جيداً.

القول في أوصاف المستحق

و هي أمور:

أحدها: الإيمان

و هو الاعتقاد بالنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و بما جاء به إجمالًا و بالأئمة الاثني عشر و بما جاءوا به إجمالًا و عدم إنكار ضروري من ضروريات الدين أو ضرورياً من ضروريات المذهب كعصمة الأئمة (عليهم السلام) و كونهم هؤلاء العاملون و لا يشترط معرفة أسمائهم و نسبهم بل يكفي الإيمان بالاثني عشر (عليهم السلام) المعلومين في نسبة الإمامة إليهم و لا يشترط استناد القطع إلى الدليل في إمامتهم بل يكتفي بسكون النفس من التسامح و التظافر و الأخبار بالمعجزات و إجماع أهل الوقوف من العلماء التفات و الدليل على اشتراط الإيمان الإجماع بقسميه محصلًا و منقولًا و قوله تعالى: [لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ] سورة المجادلة آية (22) و دفع الزكاة موادة لأنها شرعت لدفع الحاجة وسد الخلة و المخالف محاد لله و رسوله ضرورة ذهب جمع من أصحابنا أنهم نصاب نجسون تجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا و الآخرة و الأخبار و منها الصحيح فيمن لا يعرف هذا الأمر قال: (كل عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ من الله تعالى عليه و عرف الولاية فإنه يؤجر عليه إلا

100

الزكاة فإنه يعيدها لأنه وضعها في غير موضعها لأنها لأهل الولاية) و في صحيح آخر فيمن لا يعرف هذا الأمر ثمّ يتوب قال: (ليس عليه اعادة شيء من ذلك غير الزكاة لا بد أن يؤديها لأنه وضعها في غير موضعها لأن موضعها أهل الولاية) و في آخر فيمن له قرابة محتاجون غير عارفين أ يعطيهم من الزكاة قال: (لا و لا كرامة) و في آخر في الزكاة قال: (حرام أموالنا و أموال موالينا على عدونا) و مع ذلك فهموا شرط في غير سهم المؤلفة قلوبهم و بعض أفرد سهم سبيل الله قطعاً في الأول و على الأظهر في الثاني.

فوائد:

الأولى: لو فقد المؤمن وجب الانتظار بها و إبقاؤها أمانة يوصى بها بطناً بعد بطن و ظهراً بعد ظهر

إذا لم يتمكن من صرفها في جميع الأصناف و في بعض الأخبار (إن لم تصب لها أحداً من أهل الولاية قصرها أو أطرحها في البحر) و هو محمول على عدم التمكن من صرفها أبداً و على المبالغة و هو الأظهر و قيل بجواز دفعها إلى المستضعف مكن أهل الخلاف و هو الذي يتدين بدينهم صورة و لكنه لا يعاند الحق و لا يعترف به للخبر فيمن لم يحضره أحد من أهل الولاية و لم يجد من يحملها إليهم قال: (يدفعها إلى من لا ينصب) قلت: فغيرهم قال: (ما لغيرهم الّا الحجر) نعم أجاز الشيخ (رحمه الله) و أتباعه دفع زكاة الفطر للمستضعف مع عدم وجود المؤمن لورود بعض أخبار بذلك فمنها الصحيح عن زكاة الفطرة أ يصلح أن يعطى الجيران و الظئورة فيمن لا يعرف ينصب قال: (لا بأس بذلك إذا كان محتاجاً) و في آخر عن زكاة الفطرة (فإن لم يجد مسلماً فمستضعفاً) و في آخر عن صدقة الفطرة (أ يعطيها غير أهل ولايتي من جيراني أحق بها) بمكان الشهرة بحمل المطلق منها على المقيد بعدم وجود ضعيف لمعارضته هذه الأخبار بأخبار أخر بعيدة عن التقية منجبرة بفتوى المشهور مؤيدة بالاحتياط معتضدة بالإجماع المنقول موافقة للعمومات المانعة من دفع الزكاة مطلقاً لغير أهل الإيمان ففي الصحيح عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف قال: (لا و لا زكاة الفطرة)