أنوار الفقاهة (كتاب الزكاة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
161 /
101

و تخصيص من لا يعرف بغير المستضعف فرع مقاومة المخصص و ليس فليس و في آخر (لا يجوز دفعها إلى إلا أهل الولاية) و في آخر أيضاً (لا ينبغي لك أن تعطي زكاتك إلا مؤمناً) و المراد فيها زكاة الفطرة بقرينة السؤال في أحدهما و الجواب في الآخر فلا بد من حمل الأخبار الأخر على حالة التقية و الخوف لا إشعار قوله (عليه السلام) لمكان الشهرة بذلك لأن المراد خوف الشهرة و الفضيحة أو الحمل على سهم المؤلفة إن عممناه لمفروض المسألة أو الحمل على مستضعف المؤمنين و هو الذي يتدين بدينهم و لكنه لا يعرف الحق معرفة تامة و لا ينكر الباطل ككثير من البله و العجائز و بعيدي الدار و الحمل علة المجانين و أهل الخبل و السوداء على أن ظاهر فتوى الشيخ (رحمه الله) و أتباعه و ظاهر الأخبار إعطاء المستضعف و إن أمكن المزكي الدفع إلى صنف آخر من أصناف أهل الزكاة الثمانية غايته الوقوف على عدم وجود المؤمن و هذا بعيد كل البعد لأنه عدول عن مشروع إلى ممنوع من غير داع.

الثانية: من كان له في طريق النظر و إن كان شاكاً و كان طالباً للحق مجرداً لنفسه عن الشوائب

جاز أن يدفع له من سهم سبيل الله تعالى إذا كان به استعانة على النظر.

الثالثة: أطفال يعطون من الزكاة دون أطفال غيرهم

لفتوى الأصحاب و الاجماعات المنقولة في الباب و في الخبر (ذرية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الفطرة و الزكاة كما كان يعطى أبوهم حتى يبلغوا فإذا بلغوا و عرفوا ما كان أبوهم يعرف أُعطوا و إن نصبوا لا يُعطوا) و في آخر الرجل يموت و يترك العيال أ يعطون من الزكاة قال: (نعم حتى ينشأ) و في آخر عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثياباً و طعاماً و أرى إن ذلك خير لهم قال: (لا بأس) و ظاهر هذه الأخبار عدم اشتراط عدالة الآباء و هو كذلك لعدم تبعية الولد لأبيه في الفسق لو كان الفسق مانعاً و الظاهر منها أيضاً إن الأطفال يعطون بأيديهم أيتاماً كانوا كما دلت عليه بعض الأخبار و غير أيتام كما دل عليه بعض آخر و هو مشكل على إطلاقه لعدم قابلية هذه الأخبار لتخصيص أدلة الحجر و عدم إعطاء الدين للطفل و عدم جواز تسليمه الأمانة

102

التي يملكها على إن الدفع إليه تصرف فيه و هو ممنوع من دون نظر الولي على أن الشك في الفراغ بعد يقين الشغل يقضي بالمنع فالأظهر تسليم ذلك للمولى الإجباري أو الوصي أو الحاكم أو عدول المسلمين أو الدافع إن كان منهم مع فقد الوصي و الحاكم و حكم المجنون حكم الطفل في عدم جواز الدفع إليه و الدفع إلى وليه نعم يجوز الدفع إليهما إذا علم أنهما يتصرفان به تصرف العقلاء عند مسيس الحاجة منهما إلى المدفوع و عدم حضور ولي لهما و كانت حاجتهم فورية حسية و الأحوط احتسابه من سهم سبيل الله تعالى لا من سهم الفقراء أو المساكين و أما السفيه فيدفع إليه بيده و لكن يحجر عليه بالتصرف بعد ذلك.

الرابعة: العدالة

و هي ملكة في النفس تمنعها عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر و تمنعها من منافيات المروءة إن كانت منافيات المروءة كاشفة عن عدم الملكة و إلا دخل في المقام لها و طريقها حسن الظاهر على الأقوى أو البينة أو الاطلاع على حاله بالممارسة و اشتراطها في الزكاة مذهب جمع من الأصحاب و نسب لمشهور القدماء للاحتياط بيقين الخروج عن العهدة معها لما في الدفع إلى الفاسق من الإعانة على الإثم و للإجماع المنقول و لما ورد عن شارب الخمر يعطى من الزكاة قال: (لا و على قولهم يشكل في الدفع لمن لا ملكة له في العدالة و لا عمل يفسق به و في المجانين و الأطفال و في ابتداء البلوغ إلا أن يقولوا أن الفسق مانع و ليست العدالة شرطاً و ذهب آخرون إلى اشتراط التجنب عن الكبائر فقط استناداً للخبر المتقدم مع عدم القول بالفصل و انجبار سنده ضعفاً بفتوى مشهور القدماء و للإجماعات المنقولة و للاحتياط أيضاً و ذهب آخرون إلى عدم اشتراط ذلك استناداً للأصل و العمومات و الإطلاقات و للخبر عن الزكاة (يعطى المؤمن ثلاثة) ثمّ قال: (أو عشرة آلاف و يعطى الفاجر بقدر لأن المؤمن ينفقها في طاعة الله و الفاجر ينفقها في معصية الله تعالى) و للسيرة المعلومة من زمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) و أصحابهم كانوا يدفعون الأموال للشيعة و ما كان يسألون إلا عن فقرهم و احتياجهم و لو كانوا يسألون عن عدالتهم لنقل إلينا و لخلو أخبار الزكاة البيانية عن ذكر العدالة و النص على اشتراطها و لو كانت

103

شرطاً لذكرت كما ذكر الإيمان و ذكر غيره من الشرائط و لعسر معرفة العدالة في إن السبيل غالباً و في الرقاب تحت الشدة و لا قائل بالفرق و للشهرة المتأخرة الصالحة لأن تكون دليلًا بنفسها المقوية للعمومات و الإطلاقات و لتصريح مشترطي العدالة بعدم اشتراط عدم منافيات المروءة هنا مع أن ارتكاب منافيات المروءة كاشف عن عدم تحقق العدالة كما صرح به بعضهم و غاية ما تمكن التزام العدالة في العاملين عليها لأنهم أمناء في صورة ما إذا أخذوا سهماً منها و لو أخذوا بعنوان الإجارة و الجعالة كان أمرهم بنظر الحاكم و لو كان في المنع ردع الفاسق عن فسقه كان ممنوعاً من جهة وجوب النهي عن المنكر على الأظهر نعم قد يقوى القول بمنع مرتكب الكبائر المعهودة و الولاية من حكام الجور من الدفع إليهم من غير سهم المؤلفة قلوبهم أو قلنا بجواز التصرف إليهم منه و غير سهم سبيل الله تعالى في بعض المقامات للشهرة المحصلة على منعهم من قدماء أصحابنا و لجريان سيرة الإمامية بالبعد عنهم و تجنب سبيلهم و عدم الركون إليهم و لا يلحق بالكبائر هنا الإصرار على الصغائر و إن كان في المعنى من الكبائر أيضاً لعدم معاملة أهله معاملة أهل الكبائر.

ثالثها: أن لا يكون المدفوع إليه واجب النفقة على المالك الدافع إذا دفع إليه للإنفاق

لا التوسعة و لا لأغراض أخر من شراء دار أو وفاء غريم أو إطلاق من المكاتبة أو عتق مطلقاً أو شراء كتب أو آلات أو ظروف أو دواب أو مهر تزويج أو إنفاق على من وجبت نفقته عليه فإن ذلك كله جائز سواء كان من سهم فقراء و من غيرهم كسهم سبيل الله و ابن السبيل فيما يزيد على النفقة من حمولة أو فراش في الطريق و ظروف و آلات أو سهم العاملين فيما إذا كان عاملًا و نعني بواجب النفقة أعم مما كان سبب كالزوجية و المملوك أو للنسب كالوالدين و إن عليا و الولد و إن نزل أو بالتزام كالمنذور الاتفاق عليه أو المستأجر بنفقته و الدليل على تحريم الدفع الواجب النفقة من الزكاة في نفقته الإجماع بقسميه تحصيلًا و نقلًا و إن الزكاة و الإنفاق واجبان فلا يسقط أحدهما بالآخر و الأصل عدم التداخل و إن دافع الزكاة للنفقة كدافع الزكاة في دينه و الزكاة لا تعود للمالك و للأخبار ففي الصحيح (خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً الأب و الأم

104

و الولد و المملوك و الزوجة) و ذلك لأنهم عياله لازمون له و في آخر قلت: فمن الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتى لا أحتسب الزكاة عليهم فقال: (أبوك و أمك) قلت: أبي و أمي قال: (الوالدان و الولد) و في آخر (لا يعطى الجد و الجدة) و في آخر (خمس لا يعطون من الزكاة الولد و الوالدان و المرأة و المملوك) لأنه يجبر على النفقة عليهم و يلحق بهذه الخمسة غيرهم من المنذور له و المستأجر لمكان التعليل و عدم القائل بالفوت و الدليل على جواز اخذ هؤلاء من غير سهم الفقراء لغير الانفاق اذا دخلوا تحتهم عموم الآية و الرواية و فتوى الأصحاب و ما جاء من الأخبار في الباب من جواز فك الأب من الزكاة و وفاء دينه و مفهوم التعليل و كذا من سهم الفقراء إذا لم يكن في النفقة بل كان وجود آخر من توسعة أو شراء أسباب تليق بحاله المفهوم لعلّهُ من الروايات الدالة على أن سبب المنع هو كونهم لازمين له أو كونه يجبر على الإنفاق عليهم و كذا باقي الأدلة و دعوى أن التعليل بلزوم النفقة لعلّهُ مانع من الدفع مطلقاً لشبهة بالمعنى و للخبر إن لي ولد رجالًا و نساءً أ فيجوز لي أن أعطيهم من الزكاة شيئاً فكتب (إن ذلك جائز لك) و جمله عند الدفع للتوسعة بعد عدم جواز الأخذ بظاهره أقرب المحامل.

فوائد:

الأولى: يجوز للعاجز من الإنفاق كلًا أو بعضاً دفع الزكاة منه و من غيره لواجب النفقة

لأنه مع العجز يسقط الوجوب الفعلي و يبقى ديناً في نفقة الزوجة و يسقط أبداً في غيرها و قد يحمل على ذلك الخبر المتقدم.

الثانية: لا يجوز الدفع في الإنفاق للزكاة الواجبة و المندوبة على الأظهر

لعموم الآية و الاحتياط و يحتمل جواز الدفع من المندوبة لانصراف النهي للمفروضة و يحتمل الفرق بين الزوجة فلا يجزي مطلقاً لأن نفقتها من قبيل المعاوضة و الديون بين الأقارب و يجزي لأن الفرض كفايتهم.

الثالثة: يجوز لغير من وجبت نفقته عليه أن يدفع لواجب النفقة على آخر من مال الزكاة للتوسعة و للإنفاق

و إن كان من وجبت عليه مؤسراً بإذلالها لصدق الفقر

105

على واجب النفقة قرينة كأهل الصنائع و الحرف و للصحيح سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه يكفيه مئونته أ يأخذ من الزكاة فيوسع به إذا كانوا لا يوسعون عليه و في كلما يحتاج إليه قال: (لا بأس) و منع العلامة (رحمه الله) ذلك لأن النفقة بمنزلة العقار الذي يستعين مالكه أو كفاه مئونته فلا يجوز الدفع إليه و ضعفه ظاهر نعم لو فرق بين الدفع للتوسعة فلا يجوز لكان حسناً و لكنه قليل الثمرة لأن الدفع للتوسعة فملك فيجوز للمدفوع إليه صرفه في الإنفاق حينئذ و قد يفرق بين نفقة الزوجة فلا يجوز لأنها كالعوض فتشبه العقار و الغلة إذا كان فيهما الكفاية لمالكها و بين غيرها فيجوز و هو بعيد أيضاً أو يفرق بين ما إذا كان المنفق غنياً فلا يجوز و بين ما إذا كان فقيراً فيجوز و له وجه لصدق الفقر عليه (ح) أو يفرق بين المملوك فلا يجوز و بين غيره فيجوز لعدم عوده إلى المالك و هو غير بعيد و الأحوط عدم الدفع إليها للتوسعة من سهم الفقراء و كذا المملوك و أحوط منهما عدم الدفع للأقارب في الإنفاق و أحوط من الكل عدم الدفع إليهم من سهم الفقراء مطلقاً نعم لو كان المنفق معسراً لا مالًا له أو ممتنعاً جاز الدفع مطلقاً قولًا واحداً.

الرابعة: يجوز الدفع للزوجة و المتمتع بها للتوسعة و الإنفاق

لعدم وجوب نفقتها على الزوج فيجوز الدفع إليها و احتمال المنع لإطلاق اسم الزوجة في الخبر يرده التعليل الدال على أن المدار لزوم الإنفاق و عدمه و الجبر عليه و عدمه.

الخامسة: لا يجوز الدفع إلى الناشز من الزوج و إن لم تجب نفقتها عليه

لتمكنها من التوبة و الرجوع فهي قادرة بالقوة و كذا المعقود عليها و لم يتمكن من نفسها إلا إذا كان الامتناع منها بحق.

السادسة: لا بأس بدفع زكاة الزوجة لزوجها

للعموم من غير معارض سواء أنفق عليها منها أم لا و منع من ذلك بعضهم مطلقاً و بعضهم من الإنفاق عليها منها فقط و هما ضعيفان.

السابعة: الدفع للمملوك من غير المالك للتوسعة أو للإنفاق إذا كان المالك معسراً يتوقف على إذن سيده

فإذا إذن له جاز له قبضه و بعد قبضه يكون ملكاً لسيده

106

و مع يسار المولى و امتناعه من الإنفاق فالأولى أن لا يدفع له من سهم الفقراء بل من الأسهم الباقية و مع إيساره و عدم امتناعه فلا يبعد عدم جواز الدفع إليه من سهم الفقراء لأنه يقتضي تمليكاً للمولى من الزكاة و ليس هو من أهلها.

الثامنة: أن لا يكون المدفوع إليه هاشمياً من غير هاشمي

للإجماع بقسميه و للأخبار المتكاثرة الدالة على الأمرين فكما نطقت الأخبار و انعقد الإجماع على تناولها بعضهم من بعض و ما ورد في بعض الأخبار من جوازه لهم عدا النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) متروك أو مؤول بحال الضرورة لأنه عند الاضطرار يجوز لهم التناول منها قدر الضرورة و النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لا يضطرون للخمس لتنزه مرتبة العصمة عن ذلك.

فوائد:

الأولى: لا تحرم الصدقة المندوبة على بني هاشم

لفتوى الأصحاب و أخبار الباب و منها (لو حرمت الصدقة علينا لم يحل لنا أن نخرج إلى مكة لأن ما بين مكة و المدينة صدقة) و منها أ تحل الصدقة لبني هاشم قال: (إنما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا و أما غير ذلك فلا بأس به) و لا تحرم أيضاً الصدقات الواجبة بنذر و شبهه من الكفارات أو مجهول المالك أو اللقطة أو الموصى بها على الأظهر للأصل و ظاهر الفتوى و لقوله (عليه السلام) في الخبر سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم ما هي قال: (الزكاة المفروضة) و في آخر سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي فقال هي: (الزكاة) و الأحوط عدم اخذ الصدقة المندوبة لما ورد من النهي عنها على الإطلاق و لما نقل عن العلامة (رحمه الله) في كره من التحريم و نسبة رواية الجواز إلى العامة و كذا غير المندوبة من الصدقات المفروضة غير الزكاة لما قدمنا من الأخبار الحاكمة بالمنع مع ضعف المخصص لها.

الثانية: لا تحرم الزكاة على موالي بني هاشم

و هم عتقاؤهم للإجماع المنقول

107

و ظاهر فتوى الأصحاب و أخبار الباب و ما ورد مواليهم منهم و لا تحل الصدقة من الغريب لمواليهم متروك أو محمول على المماليك و تحل لغير بني هاشم و لو كانوا بني المطلب أخي هاشم للأصل و فتوى الأصحاب و اختصاص المنع ببني هاشم فما نقل عن المفيد (رحمه الله) من المنع للموثق (لو كان عدل لما احتاج هاشمي و لا مطلبي إلى الصدقة إن الله جعل لهم في كفاية ما فيه سعتهم) و هو ضعيف سنداً و دلالة و احتمال إرادة النسبة إلى عبد المطلب بن هاشم في قوله مطلبي لا بأس به لجواز حذف الجزء الأول من المركب في النسبة كالجزء الثاني كما قالوا منافي للمنسوب لعبد مناف.

الثالثة: لا خلاف في جواز دفع الزكاة للهاشمي إذا اضطر إليها

كاضطراره إلى لحم الميتة و لو اشتدت الحاجة إليها دون ذلك و لم يكن في الخمس كفاية له في ملبسه و مأكله و حوائجه الضرورية فالظاهر جواز الدفع له منها لظواهر فتوى الأصحاب و الاجماعات المنقولة و قوله (عليه السلام) في الموثق (لو كان عدل لما احتاج هاشمي أو مطلبي إلى صدقة) و لأن الاضطرار إلى حد الإشراف على التلف لا يحتاج تجويزه لأخذ الزكاة إلى بيان لكونه من الضروريات فالمحتاج إلى البيان في الأخبار و كلام الأصحاب هو اشتداد الحاجة و عدم الكفاية و الأحوط للهاشمي التجنب أيضاً للأخبار الناهية عن تناول الهاشمي للزكاة أو عدم تيقن المخصص لها في غير صورة الاضطرار سوى الاجماعات المنقولة على جواز الدفع إليهم إذا لم يكن في الخمس كفاية لهم و المتيقن منها صورة الاضطرار خاصة و الموثق و هو كذلك لأن آخره دال على صورة الاضطرار أيضاً و فيه (إن الرجل إذا لم يجد شيئاً حلت له الهبة) و الصدقة لا تحل لأحد منهم إلا أن لا يجد شيئاً و يكون ممن تحل له الميتة و ظاهره تبعية التحليل لعدم وجدان شيء و لعدم حلية الميتة له و هي خاصة في حالة الاضطرار و على موجب ما ذكرناه من الاحتياط فلا يأخذ من الزكاة لنفسه إذا احتاج و لم يبلغ به الاضطرار و لا يأخذ لينفق على عياله و إن كانت بهم حاجة شديدة إليها ما لم يبلغوا حد الاضطرار فإن بلغوا أخذ لهم و لا يأخذ لهم لينفق عليهم ثمّ أنه إذا جاز دفع الزكاة إليهم للاضطرار أو لمكان الحاجة فهل يقدر له قدر أو دفع الاضطرار في الأول و دفع الحاجة في الثاني لأن

108

الضرورة تقدر بقدرها و لأن الاقتصار على مورد اليقين في دفع الشغل المتيقن بالزكاة يقضي به و لأن الجمهور على ما يخرج بناء عن دليل التحريم على وجه القطع أيضاً يقضي به و لأن ظاهر التشبيه في الموثق بلحم الميتة أنه يقدر قدره و لا يجوز التعدي أو أنه لا يتقدر بقدر فلا يقدر بقدر و لما جاء من الأمر بالإغناء في الزكاة مثل (أعطه حتى تغنيه) و غيره و الأول أقوى لانصراف أوامر الإغناء لغير مفروض المسألة و قدر الضرورة أهله أعرف به فتقديره بقوت يوم و ليلة لا دليل عليه.

الرابعة: قد يقوى القول بجواز دفع الزكاة على جهة الاستئجار على العمل بها و الجعالة لا على أنها من سهم العاملين

و جواز دفعها على جهة فك الرقاب كما لو كان السيد عبداً مكاتباً أو تحت شدة إذا كان مملوكاً بشرط و نحوه و جواز دفعها له من سهم المؤلفة إذا كان مرتداً أو أريد الاستعانة به و جواز دفعها له من سهم سبيل الله تعالى إذا كان محتاجاً للكتب العلمية و نحوها و أما جواز تصرفه فيما دفع إليه في سبيل الله تعالى من بناء قناطر أو مساجد أو أمور عامة فلا إشكال فيه و الأحوط تجنب سهم سبيل الله تعالى احتياطاً شديداً و دونه تجنب ما قبله فما قبله لعمومات النهي عن أخذ الزكاة لهم الشاملة لسهم سبيل الله تعالى و أما سهام الفقراء و العاملين و الغارمين و ابن السبيل فهي مورد النهي عن ذلك قطعاً.

الخامسة: لا يجوز الدفع لعبد الهاشمي الغني إلا من سهم سبيل الله تعالى للتوسعة

بإذن مولاه على الأظهر و لا يملكه العبد و لا المولى بل للعبد التصرف فيه ما دام محتاجاً ثمّ يعود لأهل الزكاة و يحتمل قوياً صيرورته من أموال المالك و كذا لو كان العبد مضطراً للإنفاق عليه أما لاضطرار مولاه أو لامتناعه فإنه يدفع إليه من سهم سبيل الله تعالى بإذن مولاه و بغير إذنه و لا يملكه العبد و لا المولى إذا كان غنياً إذا أدى العبد بعد ذلك بل يرجع إلى الزكاة أو يبقى بيد العبد يتصرف به كيف يشاء و الأحوط الأول و يحتمل جريان ملك المالك عليه ذلك لصيرورته بعد ذلك ملكاً لله تعالى فيعود للمالك حينئذ.

السادسة: يراد بالهاشمي بني هاشم من انتسب إليه بالأب

كما عليه المشهور

109

و المفهوم عرفاً و الظاهر إطلاقاً فتوى و نصاً و الاحتياط يقضي بمنع من تقرب بالأم من الزكاة كما أن الفتوى تقضي بمنعه من الزكاة.

القول في الإخراج و المتولي له و النية و ما يتعلق بذلك:

فهنا مسائل:

الأولى: يجوز الإخراج من المالك بنفسه أو وليه مع عدم قابليته

أو امتناعه بنفسه أو وكيلها للإجماع المنقول و للأخبار الآمرة بدفع الزكاة الظاهرة في إجزاء دفعها عن المالك و في أن المالك هم المخاطب بإخراجها و أنه هو المباشر لذلك و لما ورد في جواز التبرع بدفع الزكاة عن المالك فمباشرته بنفسه أو بوكيله بطريق أولى و لما ورد في الصحيح عن رجل بعث إلى أخ له زكاته ليقسمها فضاعت قال: (ليس على الرسول و لا على المؤدي ضمان و نحوه غيره و السيرة المستمرة القاضية بصحة الوكالة من الغيب و المملوك و الذين لا يباشرون الأموال أقوى شاهداً على صحة الوكالة و الأحوط اتصاف الوكيل بالعدالة لأنه إيمان على تفريغ ذمته و لا تبرأ يقيناً إلا به و يقبل قوله في كيفية الإخراج و الدفع من دون يمين و يجوز للمالك دفعها إلى الإمام (عليه السلام) أو عامله زمن الحضور بل يستحب سيما في الأموال الظاهرة لفتوى الأصحاب و أخبار الباب الدالة على إرسال العمال من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و توجيه المرسل لأهل الزكاة و أخذها منهم و هو من الأمور البديهية و يقوم مقام عامل الإمام الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى من غير خلاف يظهر من الأصحاب و يستفاد أيضاً من استقراء مظان أبواب الفقيه كذلك يقوم مقام الإمام (عليه السلام) في أغلب ما يعود إليه من الأحكام و حكم جمع بالاستحباب ذلك كما يستحب دفعها للإمام (عليه السلام) و عللوه بأن الفقيه المأمون و هو الذي لا يتوصل إلى أخذ الحقوق بالحيلة الشرعية أبصر بمواقعها و أخبر بمواضعها و بأنه أقرب للاحتياط خروجاً عن شبهة من أوجب ذلك و أبعد عن الرياء من المالك و عن الميل الطبيعي و الهوى لبعض المستحقين دون بعض و لا بأس بذلك في حكم السنين و ذهب بعض أصحابنا إلى

110

وجوب دفع الزكاة إلى الإمام أو نائبه أو الفقير في زمان الغيبة لقوله تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً] سورة التوبة آية (103) و لا يجب الأخذ إلا أن يجب الدفع و يسري خطابه للأئمة (عليهم السلام) و يجزي حكم الأئمة (عليهم السلام) للفقيه الجامع و قد يستند لوجوب الدفع للنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) بما ورد من أمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) للعمال بأخذ الزكاة و توجيههم له في الأطراف و الأمر بنقل المال إليهم و الكل ضعيف لعدم استلزام وجوب الأخذ لوجوب الدفع بل الظاهر من وجوب الأخذ هو وجوبه حالة الامتناع و عدم الدفع فيكون ظاهراً في كونه من الواجبات المشروطة و لأن وجوب الأخذ لو استلزم وجوب الدفع كان اللازم الوجوب التخييري بين الدفع بنفسه و بين الدفع إلى الإمام (عليه السلام) جمعاً بين الدليلين و لأن وجوب الأخذ إنما يتحقق بتحقق المأخوذ فمعناه إنه مع وجوده و طلبه من الإمام يجب الأخذ و مع طلب الإمام (عليه السلام) نقول بوجوب الدفع إذا كان موجوداً لم يدفعه المالك قبل ذلك و هو لا ينافي جواز الدفع قبل طلبه منه (عليه السلام) و لأن إرسال العمال لا يقضي بوجوب الدفع إليهم و لئن قضى بذلك فإنما يقضي بوجوبه مع طلبهم له و هو لا كلام فيه لأن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) مفترض الطاعة و تحرم معصيتهم فإذا طلبوا الزكاة وجب إجابتهم و لا يجوز الدفع حينئذ إلى غيرهم بل الظاهر أن المالك لو دفع إلى غيرهم كأن دفعه فاسداً لتعلق النهي به لأن وجوب طاعة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و تحريم مخالفته يقضيان بتحريم الدفع إلى غيره و أوامر دفع الزكاة تقضي بالإيجاب فيجتمع الأمر و النهي في موضوع واحد و النهي قاض بفساد المنهي عنه و قد يعلل بأن وجوب الدفع إلى النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قاض بالفساد و هو مبني على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاصة و بأن العبادة إذا لم يؤتَ بها على وجهها لم تكن مجزية و الدفع إلى غيره مع طلبه ليس مأتيّاً به على وجهه فلا يكون مجزياً و هو

111

راجع إلى ما تقدم هذا كله فيما لو كان الطالب لها النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) و عمالهم الخاصون و لو كان الطالب الفقيه الجامع للشرائط فلا دليل على وجوب إجابته لأن عموم نيابته حتى في امتثال أوامره لا شاهد لها بل الشاهد على خلافها لان وجوب الطاعة حق للنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في أوصيائه من حيث النبوة و الوصاية فلا تنتقل إلى غيرهم كما لا تنتقل حق الأبوة لغير الأب و الأحوط الرجوع بها إلى المجتهد تغضياً عن شبهة الخلاف سيما مع طلبها لها و الأحوط تطلب المأمون الذي لا يستعمل أخذ الحقوق مع غنائه عنها بالحيل الشرعية لأن في غير المأمون نقص في الهمة و انحطاط عما أهمله الشارع له و منافاة للمروءة و في الدفع إليه إضرار بالمستحقين و نقص للحكمة التي شرعت الزكاة لأجلها.

الثانية: لا يجب البسط على الأصناف السبعة و لا التوزيع على أهلها

فيجوز دفعها لواحد من أهل صنف واحد للإجماع بقسميه و لما ورد في تقسيم الزكاة إنه قال: (ليس في ذلك شيء مؤقت) و في الصحيح له قرابة كلهم يقولون بك و له زكاة أ يجوز أن يعطيهم جميع زكاته قال: (نعم) و ما جاء في جواز دفع الزكاة كلها في العبد المسلم في ضرورة يشتريه و يعتقه و ما جاء في جواز احجاج المولى و الأقارب من مال الزكاة الظاهر في صرفها فيه أجمع و غير ذلك و ما حكم به بعض العامة من وجوب البسط لمكان اللام المفيدة للملك و الواو الدالة على التشريك في الآية الشريفة لا وجه له لوجوب الانصراف عن الظاهر مما ذكرناه و لا بد فيها من العدول عن الظاهر و إليه يرجع ما أجيب به من أن جعله جملة الصدقات للأصناف السبعة لا يقضي بجعل كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلًا موزعاً على كل صنف منهم و من أن اللام للاختصاص لا للملك فلا تقضي بوجوب البسط و من أن الآية لبيان المصرف لا للبسط و التوزيع و هذا كله تأويل يسوقنا إليه الدليل و لو أريد به بيان الظاهر كان خلاف الظاهر و تطرق إليه الشك و الترديد و المنع و التفكيك نعم يستحب البسط إذا لم يعارضه رجحان أو مرجح آخر لفتوى الفقهاء بذلك و يكفي في المندوب ما هنالك و يستحب

112

تفضيل أهل الفضل لما ورد (أعطهم على الهجرة في الدين و الفقه) و في الصحيح (يفضل الذي لا يسأل على الذي يسأل) و يستحب تخصيص صدقة المواشي للمتجملين و غيرها لغيرهم كما جاء في الخبر و يقبل قول المالك لو ادّعى الإخراج لما ورد من نهي الساعي عن مراجعة المالك إذا قال لا حق لك عندي و السيرة بل الإجماع القاضي بقبول قول مدعي التأدية بعد تعلق التكليف كما يقبل قول منكر الشغل لعدم المال أو لعدم حول الحول أو لعدم شرط من الشرائط أو لوجود مانع من الموانع.

الثالثة: لو دفع المالك الزكاة إلى الإمام (عليه السلام) أو المجتهد أو الساعي فتلفت بأيديهم

لم يضمن لإيصالها إلى أهلها لأنهم أولياء الأصناف و للإجماع المنقول بل المحصل و لفحوى الصحيح (إذا أخرجها من ماله فذهب و لم يسمها لأحد فقد برأ منها) هذا كله إن دفع المال إليهم على جهة الولاية و إن دفعه لهم على جهة الوكالة عنه كانوا كسائر الوكلاء يجري عليهم ما يجري في الدفع إلى الوكيل.

الرابعة: ليس على الفقراء دعاء عند تناول الزكاة لرب المال و لا على المجتهد

لعدم دليل على ذلك و سريان أحكام الإمام كلياً لم يثبت و هل يجب على الإمام الدعاء لرب المال تمسكاً بقوله تعالى: [وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ] سورة التوبة آية (103) و الأمر للوجوب أم لا يجب كما هو المشهور للأصل و عدم دلالة الآية على خصوص كون الصلاة لدفع الزكاة و لظهور الأمر في الندب في هذا المقام كما لا يخفى على ذي الإفهام و تحقيق ذلك قليل الثمرة لرجوع الكلام إلى تحقيق عمل الإمام و هو أعرف الأنام.

الخامسة: الزكاة من العبادات المؤقتة المحدود طرفاً وقتها أو المحدود أول وقتها

أو من ذوات الأسباب عند اجتماع الشرائط و ارتفاع الموانع و على كل حال فلا يجوز تقديمها قبل وقتها و قبل تمامية سبب الوجوب لأصالة عدم الإجزاء و توقيفية العبادة و لفتوى الأصحاب عند من شذ منهم و لأخبار الباب المعتبرة المعتضدة لفتوى المشهور و عمل الجمهور ففي الصحيح الرجل يكون عنده المال أ يزكيه إذا مضى نصف السنة قال: (لا حتى يحول الحول عليه و تحل عليه إنه ليس لأحد أن يصلي صلاة إلا لوقتها

113

و كذلك الزكاة فيها و لا يصومن أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء و كل فريضة إنما تؤدى إذا حلت) و في آخر أ يزكي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة قال: (لا لا يصلي إلا قبل الزوال) و يدل على ذلك جميع ما جاء في الشرائط من نفي الزكاة عند عدم الحول كقوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): (كلما لم يحل الحول عليه فليس عليك فيه زكاة) و شبه ذلك و كذا ما جاء من ثبوتها عند حول الحول و حمله على ما إذا لم يؤدها سابقاً فيكون التقديم جائز و لا بد لنفيه من دليل كما تخيله بعض المتأخرين ضعف في غاية الضعف و قد جاء في بعض الأخبار و نقل الإفتاء به عن بعض الأصحاب من جواز التعجيل بعنوان أنها زكاة ضعيف نادر لا يقاوم ما قدمنا لأن النقل لم يثبت من أهله و الأخبار و إن اشتملت على الصحيح و غيره كقوله (عليه السلام) في صحيحة حماد بن عثمان لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين و تأخيرها شهرين و صحيحة معاوية بن عمار في الزكاة قال: قلت: فانها لا تحل عليه إلا في المحرم فيتعجلها في شهر رمضان قال: (لا بأس) و الصحيح إلى أبي بصير و فيه يزكي الذي مرت عليه سنة و يدع الآخر تمر عليه سنة قلت فإن اشتهى أن يزكي ذلك قال: (ما أحسن ذلك) و الصحيح عن الرجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته في أول السنة فقال: (إن كان محتاجاً فلا بأس) و في خبر أبي بصير عن الرجل يعجل زكاته قبل المحل قال: (إذا مضت ستة أشهر فلا بأس) فهي لندرتها و شذوذها يجب طرحها أو حملها على التقية لفتوى أبي حنيفة و الشافعي و أحمد بذلك و أما حملها على حالة خوف الفوات و عدم إمكان التأدية في الوقت كغسل الجمعة لخائف الإعواز فهو بعيد عن فتوى الأصحاب و سياق أخبار الباب كما إن حملها على التجوز بإرادة القرض من الزكاة لعلاقة الأول يبعده تحديد جواز التقديم في الأخبار بشهرين أو أربعة أشهر أو السنة أو إذا مضت خمسة أشهر إلا أن يلغى المفهوم العددي منها لجريانه مجرى الغالب من عدم إعطاء المال قبل ذلك لخرصهم عليه و يلغى ما كان محدوداً فيها في السؤال لعدم وجوب ابتناء الجواب عليه فيكون محملًا قريباً.

السادسة: لا شك في جواز القرض على الزكاة قبل حلول الوقت

فإن حل وقتها

114

و بقي المدفوع إليه على صفة الاستحقاق احتسب عليه زكاة و إلا استعاده و تدل على ذلك الأخبار و كلمات الأخيار بل في الأخبار الحث على ذلك و زيادة المثوبة و النهي عن رد المؤمن عن حاجته هذا إن بقي على صفة الاستحقاق و إن اغتنى بنماء ذلك و غيره استعيد منه و إن اغتنى بنفس القرض فالأقوى جواز الاحتساب عليه لصدق الفقر عليه عرفاً لمكان الدين و لعدم ثمرة في أخذه ثمّ دفعه و منع بعضهم الاحتساب لمكان الغنى و هو ضعيف و لو قلنا بجواز دفع الزكاة المعجلة مضى الدفع مطلقاً و سواء استثنى بنفس العين المدفوعة أم بغيرها على الأظهر لحصول الإجزاء و اشترط جماعة بقاء القابض على صفة الاستحقاق لأن الدفع كما أنه مراعى في جانب الدافع من تعلق خطاب الزكاة به بعد ذلك فكذلك في جانب القابض و لما ورد في صحيحة الأحول من أنه عجل زكاة ماله ثمّ أيسر المعطى قبل رأس السنة فإنه يعيد المعطي الزكاة و الكل ضعيف لعدم الملازمة في الأول و عدم الأمر بالإعادة من المعطي بل الإعادة من المعطى فليحمل على الاستحباب في عام واحد مرتين.

السابعة: إن كانت الزكاة مؤقتة أو كانت من ذوات الأسباب

فالأظهر عدم جواز تأخيرها عن وقت الوجوب في أمهات الأحوال و عن وقت وجوب الإخراج في الغلات كزمان التصفية و شبهه فيجب البدار هنا فوراً بحسب الإمكان و على التوقيت يكون قضاء و على الفور يكون أداء و الذي يدل على ذلك ظاهر الإجماع المنقول و يكون صاحب المال مطالباً بشاهد الحال فيكون كالأمين الشرعي أو المالكي عند مطالبة المالك و يكون الفرض من الزكاة سد الخلة و دفع الحاجة و التأخير يقتضي الغرض المراد منها و كون الأمر من الله تعالى للفور مطلقاً أو بخصوص المقام بقرينة الاحتياج و الفقر و إرادة الإرفاق منه تعالى بالفقراء و صحيح سعد بن سعد عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة ثلاث أوقات أ يؤخرها و الظاهر أنه يريد بيان عدم جواز التأخير عن زمن حلها بقرينة السياق لا بيان مبدأ الوجوب زمن الحلول لأنه أمر بديهي و الآخر عنه (عليه السلام): (و ليس لك أن تؤخرها بعد محلها) و ضعفه مجبور بفتوى المشهور و عمل الجمهور و كما يعصي صاحب المال بالتأخير كذلك يعصي الوصي

115

و الوكيل به.

الثامنة: العاصي بالتأخير لا تسقط عنه

بل يجب عليه التأدية في كل آن ما دام متمكناً نعم يتعلق به الضمان عند تلف الزكاة بتفريط أو بغير تفريط لأن التأخير تفريط بمال الفقراء و لقوله (عليه السلام) في رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت فقال: (ليس على الرسول و لا على المؤدي ضمان) قلت: فإن لم يجد لها أهلًا ففسدت و تغيرت أ يضمنها قال: (لا و لكن إن عرف لها أهلًا فعطبت و فسدت فهو لها ضامن) و في آخر رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمان حتى تقسم فقال: (إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها (إلى أن قال: (و كذلك من وجه إليه زكاة مال ليعرفه و وجد لها موضعاً فلم يفعل ثمّ هلك كان ضامناً) و على القول بجواز التأخير فهل يكون ضامناً بالتأخير لظاهر الأخبار و فتاوى الأصحاب أم لا يكون ضامناً للإذن به و ما فيه إذن و رخصة لا يستعقبه ضمان وجهان أقواهما الأول لمنع الملازمة بين الرخصة و عدم الضمان كما لا ملازمة بين الضمان و المنع من التأخير كي يستدل بثبوت الأول على الثاني كما تخيله بعضهم.

التاسعة: يزيد بالفورية في الزكاة الفورية العادية

فلا ينافيها التأخير في الجملة للتفرقة أو لإرادة التعميم و انتظار الليل لأن فيه ستراً على الفقراء أو قضاء بعض الأمور المهمة ثمّ العود إليهما و بالجملة فمؤيداً بذلك أن لا يصدق عليه في العرف أنه مؤخر أو مهمل بل يقال أنه مؤد أو مشغول بالتأدية كما ينتظر الفقير عند الإرسال إليه أو ينتظر قيام الجالس إذا أراد الإيصال إليه و عدم المضايقة الحقيقية للسيرة القطعية و دليل نفي العسر و الحرج و سهولة الشريعة السمحة و حصول الضرر غالباً بالفورية الحقيقية.

العاشرة: إذا لم يتمكن من المستحق لعدم وجوده أو لعدم إمكان الإيصال إليه أو الوصول إليه

سقط عنه الضمان بالتأخير و الظاهر إن المراد من عدم وجود المستحق هو عدم وجود مصرف لها و لو من باقي الأصناف السبعة لاتحاد الأصناف في

116

الاستحقاق كما إن الظاهر إن الضمان يسقط مع إمكان العزل و عدمه و مع إيقاع العزل مع إمكانه و عدمه لإطلاق الأخبار و فتاوى الأصحاب و قد يقوى القول بالضمان مع عدم العزل لأن بقاؤها في ماله من دون إفراز لها خيانة و تفريط و المفروض إن ولاية العزل بيده و إظهار من بين أمواله مقدور عليه فتركه غير معذور به.

الإحدى عشر: يتحقق الوجوب الفوري عند هلال الثاني عشر

سواء قلنا إن الوجوب مستقر أو متزلزل على الأظهر و حكم الشهيد (رحمه الله) بأنه على القول بالتزلزل يجوز التأخير و ظاهره أنه لا كلام فيه و هو مشكل مخالف لظاهر فتوى الفقهاء.

الثانية عشر: جوز ابن إدريس تأخير دفع الزكاة مطلقاً

لإطلاق الأمر للطبيعة و نقل الإجماع على ذلك و قد يستند له بالأخبار المحددة للتأخير شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر بتنزيلها على المثال و الكل ضعيف لتخصيص الإطلاق بما ذكرناه و توهين الإجماع بفتوى المشهور بخلافه و بتعليله الإجماع بأنه لا خلاف بينهم في إن الإنسان يخص بزكاته فقيراً دون فقير و لا يكون مخلًا بواجب و لا فاعله القبيح و بحمل الأخبار على التقية أو طرحها على حالة الاضطرار لعدم مقاومتها لما قدمناه من الأدلة و جواز الشيخ (رحمه الله) تأخيرها إلى شهر و شهرين و مع عزلها للصحيح (لا بأس بتعجيل الزكاة و تأخيرها شهرين) و إطلاقه و إن اقتضى جواز التأخير إلى الشهرين مطلقاً لكن مقيد بصورة العزل للموثق زكاتي تحل في شهر أ يصلح لي أن أحبس منها شيئاً مخافة أن يخشى من يسألني فقال: (إذا حال الحول فأخرجها عن مالك و لا تخلطها بشيء ثمّ أعطها كيف شئت) قال: قلت: فإن أنا كتبتها و أثبتها أ يستقيم لي قال: (نعم لا يضرك) و صورة العزل في هذا الخبر و إن كان مطلقاً لكنه مقيد بمدة شهرين للصحيح المتقدم فيكون كل من الخبرين مقيداً للآخر و هما معاً مقيدان لما جاء من التعجيل و المنع من التأخير و لا يخفى ضعف هذا لأن العام و الخاص من وجه لا يقيد كل منهما الآخر للزوم اطراحها معاً بغير دليل من عرف و شبهة لان مجموع الروايتين معاً لا يقاومان ما قدمنا من دليل المنع كي يحكم عليه في مورد اجتماعهما في صورة العزل و مدة الشهرين على أن الأول قد اشتمل على التعجيل و لا يقول به الشيخ و الثاني على كفاية الإثبات

117

و الكتابة عن العزل و لا يقول به أيضاً و جوز الشهيد (رحمه الله) تأخيرها لانتظار الأفضل و الأحوج أو للتعميم أو لمعتاد الطلب منه و قيد ذلك في بعض الكتب بما لا يؤدي إلى الإهمال فإن أراد بذلك الفورية العرفية كان حسناً و إلا كما هو الظاهر فلا دليل على ما ذكرنا سوى رواية العزل و هي خاصة بمن خاف الطلب و متضمنة لاشتراط التأخير بشهرين أو ثلاثة كما تقدم كصحيحة معاوية بن عمار الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها للمحرم قال: (لا بأس) أو ثلاثة للبسط كصحيح ابن سنان في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها و يبقي بعض يلتمس به المواضع فيكون بين أوله و آخره ثلاثة أشهر قال: (لا بأس) و لا تصلح أيضاً لعدم تقيدها بما ذكره سوى صحيح ابن سنان و التقيد فيه بالسؤال فلا يصلح لتقيد الأخبار الأخر و لتجديدها بالمدة الخاصة في السؤال في جملة منها و في كلام الإمام في جملة أخرى و هو لا يقول بالجواز مطلقاً و لم يثبت فلم يفت لما فيه من الخروج عن الظاهر و مخالفة الاحتياط و جوز الشهيد الثاني و تبعه سبطه و غيره التأخير شهراً أو شهرين مطلقاً استناداً للرواية المتقدمة و لا يخفى ضعفه لمعارضتها بجميع الروايات المتقدمة و الاحتياط فلا تصلح لأن ترجح عليها.

الثالثة عشر: يجوز دفع الزكاة في غير بلدها لو اتفقت فيه عينها او مثلها او قيمتها

من غير خلاف يعتد به و ان كان الافضل الدفع في غير بلد المال لرواية فعل النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و لا يجوز تعلقها مع عزلها أو تشخيصها للزكاتية أو مع اشتراكها في ماله من بلد إلى آخر بما يسمى نقلًا عرفاً و بما يسمى بلد آخر أو محلة أخرى كالبلد العظيمة مع وجود المستحق في البلد و إمكان صرفها فيه للإجماع المنقول و فتوى المشهور نقلًا و لما فيه من التصرف بالأمانة و التقرير بها و هو منهي عنه و لما فيه من المنافيات للفورية الواجبة و كون النقل مشروعاً في الإخراج فلا ينافي الفورية لا وجه له عرفاً و شرعاً و للاحتياط و لملازمة الضمان للإثم و الضمان لا كلام فيه و كذا الإثم و فيه نظر و حكم جمع من أصحابنا بالجواز مع الضمان تمسكاً بالعمومات و أصالة البراءة من التحريم و بالأخبار ففي الحسن في الرجل يعطي الزكاة ليقسمها له أن يخرج الشيء منها من البلد التي هو فيها إلى غيرها قال: (لا بأس) و في آخر في الزكاة يبعث بها

118

الرجل إلى بلد غيره فقال: (لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع) و الثلث من الراوي إلى غيره ذلك و هو قوي لو لا إن هذه الأخبار أكثرها ضعيف السند و مخالف للاحتياط و مخالف للمشهور نقلًا بل تحصيلًا فالأول أقوى و إن ضعفت بعض تعليلاته و لو لم يوجد المستحق و لم يكن صرفها في مصارفها و كان الطريق أجاز آمن نقلها من بلده إلى بلد أخرى و من بلد فيها المال إلى بلده متحرياً الأقرب فالأقرب و لا ضمان عليه للصحيح رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم قال: (إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لأنها قد خرجت من يده و كذلك الوصي الذي يوصي إليه يكون ضامناً لما دفع إليه إذا وجد بربه الذي يدفعه إليه و إن لم يجد فليس عليه ضمان) إلى غير ذلك من الأخبار.

الرابعة عشر: للمالك ولاية عزل الزكاة

و المفهوم منها فتوى و رواية تعين مال خاص زكاة ماله كلًا أو بعضاً و الظاهر عدم التفاوت بين كون المال من النصاب نفسه أو من غيره بالقيمة و عدم التفاوت بين إذن الساعي له و عدمه و ذلك لأن للمالك ولاية الاخراج بنفسه فلولاية التعيين و لأنه أمين على حفظها فيكون أميناً على تعيينها و لأنه ولي على دفع القيمة و تملك العين فيكون ولياً على أفرادها و لأن له تشخيصها من النصاب المشترك فيكون ولياً على قسمتها و أفرادها و لأن عدم الولاية على القسمة و الإفراز ضرر على الملاك عند التصرف في أموالهم فيكونون أولياء لدفع الضرر و الضرار و لموثق يونس عمن حلت عليه الزكاة قال: (إذا حال الحول فأخرجها من مالك و لا تخلطها بشيء و أعطها كيف شئت و لحسنة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إذا أخرجها من ماله فذهبت و لم يسمها لأحد فقد برأ منها) و لرواية أبي بصير (إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سماها لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شيء عليه) لما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الزكاة تجب علي في موضع لا يمكنني أن أؤديها قال: (اعزلها فإن اتجرت بها فأنت ضامن لها و لها الربح) ثمّ قال: (و إن لم تعزلها و اتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح) و لا وضيعة عليها أو إطلاق هذه الأخبار شامل لوجود المستحق و عدمه و تخصيص ولاية

119

العزل في صورة عدم وجود المستحق مع إطلاق الأخبار لا داعي له و ورود ذلك في السؤال في الخبر الآخر لا يخصص غيره لأن السؤال لا يخصص الجواب و مقتضاها إن القول يصيرها مالًا للفقراء و يكون أمانة بيده يضمنها بالتفريط أو التعدي بتأخير إخراجها مع وجود المستحق و يكون نماؤها للفقراء و لا يجوز التصرف بها و لا تبديلها و لا الإخراج بالقيمة لأن المتيقن من جوازها هو ما كان قبل العزل نعم قد يقال له الاستقالة من الساعي لقوله (عليه السلام): (فإن أقالك فأقله) بعد الأمر بصدع المال و قسمته و لو غصبها غاصب من دون تعد و تفريط لم يضمن المالك لو طالب الظالم بالزكاة و أراد غصب حصة الفقراء دون حصة المالك كان له عزلها و دفعها له دفعاً لضرر شركه و يجوز للمالك التصرف بماله بعد العزل كيف يشاء لخلوه عن الشركة و لا يجوز للساعي اتباعه بعينه نعم لو فرط في المعزول تعلقت الزكاة بذمته فيؤخذ منه مقاصة و لا تزول ولاية المالك بعد العزل فلا يجوز للفقير أن يأخذها من دون إذنه بل و لا للمجتهد على الأظهر و لا بد من البينة عند عزلها بأنها زكاة و أنه متقرب بها فلا يكفي مجرد إقراره بأنه للفقراء من دون نية القربة بل يبقى المال على ملك مالكه اقتصاراً على مورد اليقين و احتمال إن العزل لا يصيرها ملك الفقراء و لا يخرجها عن ملك المالك و تكون فائدته رفع الإثم بالتصرف بماله و عدم ضمانها لو أخر الدفع لغرض على فتوى الشيخ (رحمه الله) و تعيين حصة من ماله لأن تدفع زكاة دون غيرها فلا يجوز التصرف بها و يكون نماؤها للمالك بعيد عن الفتوى و الرواية و يجب عند ظهور أمارات الموت الوصية بالزكاة مع العزل و بدونه لتوقف الواجب عليه بل لا يبعد وجوب العزل و مع عدم ظهور ذلك يستحب له ذلك من غير كلام و هل يجري العزل في الأمور العامة من خمس و نذر أو لا يجري الأوجه أنه لا يجري وقوفاً عند مورد الدليل و هل يشخص المصرف إذا نوى عند القول أنه لأحد الأصناف أم لا الظاهر العدم.

الخامسة عشر: ميراث العبد المشترى من الزكاة من كان سهم من سهامها للأرباب الزكاة من أي صنف من أصنافها

كما دل عليه الصحيح و قضى به الأصل

120

و أفتى به المشهور و نقل عليه الإجماع و قضي به الأحوط إعطاؤه للفقراء للموثق الدال على ذلك و لأنهم الأصل في أربابها و لأن الدفع إليهم مجزي على تقدير كون الوارث أرباب الزكاة مطلق و على تقدير كون الوارث الفقراء فحسب و على تقدير كون الوارث الإمام (عليه السلام) كما تخيله بعض الأعلام لأنه سائبة لا يملكه أحد و لا أرباب الزكاة لأنه أحد مصادقها و لضعف الموثق المتقدم لاشتماله على علي بن فضال و هو فطحي و ابن بكير و فيه ضعف و هما ضعيفان أما الأول فلما قدمنا من أن الأصل الزكاة تعود للفقراء فكان لهم و أما الثاني فلقوله بفتوى الأصحاب و بالصحيح المتضمن بأن ميراثه لأهل الزكاة و لا ينصرف عرفاً إلا للفقراء و ظاهر النص و الفتوى يقضي بعدم الفرق بين أن يشترى العبد من سهم الرقاب أو يشترى من سهم سبيل الله أو يشترى من أصل الزكاة فإن ميراثه للفقراء المستحقين لأنه الأصل في الاستحقاق خلافاً لما يظهر من الشهيد (رحمه الله) من الفرق بين أن يشترى من سهم الرقاب فللإمام و بين ما يشترى لعدم وجود المستحق فللفقراء و كذا ما يظهر من بعض المحدثين من الفرق بين ما يشترى من سهم الرقاب أو سهم سبيل الله فللإمام و بينما ما يشترى من أصل الزكاة فلأربابها و بين ما يشترى من سهم الفقراء فللفقراء و المائز بين هذه تكون بالبينة و حمل الرواية الحاكمة على أن ميراثه للفقراء على صورة ما إذا كان المال قد نواه صاحبه أنه بسهمهم (عليهم السلام) أ يشترى به عبداً و الرواية الحاكمة على أن ميراثه لأرباب الزكاة فيما نواه أنه من جميع السهام و ناقش فيما يدل على دخول شراء هذا العبد في سهم الرقاب لعدم دليل على ذلك لظهور الروايتين في أنه من سهم الفقراء كالحاكمة بأن ميراثه لهم و من جميع أرباب الزكاة كالأخرى الحاكمة بذلك أيضاً ثمّ أشكل عليه الحال في الأخرى فهل يجب التوزيع على الأصناف في ميراثه لقاعدة الإرث أم لا يجب كأصل المال المشترى به و جميع كلامه لا يخلو من ضعف كما ترى.

السادسة عشر: الذي يقوى بنظر الفقاهة و الفقهاء و أفتى به المشهور و جرت عليه السيرة و نقل عليه الإجماع أنه لا يجب على الدافع في الزكاة قدراً خاصاً من المال

121

بل يجزي القليل و الكثير ما لم يكن غير مشمول كحبة حنطة مثلًا فإن الأظهر عدم إجرائها و سواء في ذلك كون الموضوع إليه فقيراً أو غير فقير من الأصناف الأخر و تدل على الحكم المذكور و عمومات الأدلة و خصوصاتها كالصحيح كتب إلى الصادق (عليه السلام) هل يجوز لي يا سيدي أن أعطي الرجل من آخر في الزكاة الدرهمين و الثلاث فقد اشتبه ذلك علي فكتب (جائز) و في آخر مكاتبة أعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين و الثلاث فكتب (افعل) و الخبرين المعتبرين الدالين على أن التقدير في الدفع موكول إلى الإمام (عليه السلام) إلى غير ذلك خلافاً لمن أوجب التقدير و استدل بالاحتياط و بالقطع بالبراءة مع التقدير و بإجماع الطائفة نقله المرتضى (رحمه الله) و بالصحيح و فيه (و لا تعطِ أحد أقل من خمسة دراهم فصاعداً) و بالموثق قال: (لا يجوز أن يدفع الزكاة أقل من خمسة دراهم فإنها أقل من الزكاة و الكل لا يقاوم ما قدمناه و إن وافقت أخبارنا فتوى العامة و خالفتها أخبار التقدير لزيادة المرجحات في أخبارنا القاضية بطرح ما قابلها أو حمله على الاستحباب كما أفتى به مشهور الأصحاب و وافق الاعتبار فالقول بالاستحباب متعين و عليه فهل يقدر المدفوع بخمسة دراهم أو عشرة قراريط عبارة عن نصف دينار فما فوق ذلك كما ذهب إليه الأكثر أو بدرهم واحد أو قيراطين عبارة عن عشرة دينار فما فوق كما نسب لابن الجنيد و سلار أو نصف دينار فقط مطلقاً كما نسب لابن بابويه أو نصف دينار فقط في الذهب فقط كما نسب إليه أيضاً أو خمسة دراهم فقط كما في عبارة المفيد (رحمه الله) أقوال أقواها الأول للروايات و الإجماع و فتوى المشهور و ما بعده خال عن مستند سوى رواية مرسلة أرسلها المرتضى (رحمه الله) دليلًا على القول الثاني و الإجماع الذي نقله أيضاً و هما معاً موهنان بالإجماع المنقول على خلافهما المعتضد بفتوى المشهور و الأخبار المسندة الصحيحة المعمول عليها و مع ذلك فالأخبار إنما اشتملت على الخمسة دراهم بعد نصف الدينار و لكن الإجماع المنقول شامل للأمرين معاً و يؤيده تقاربهما و فتوى الأصحاب به فإلحاق نصف الدينار بها هو الظاهر ثمّ أنه المتيقن من هذا التحديد هو ما

122

إذا كان المدفوع من الدراهم عن نصاب الدراهم و من الذهب عن نصاب الذهب فتبقى الصور الأخرى لا دليل عليها كما إذا كان المدفوع دراهم من غير دراهم بحسب القيمة و لو عن دنانير أو دنانير بحسب القيمة عن غير دنانير و لو عن دراهم أو دنانير بحسب القيمة أو كان المدفوع غير دراهم و غير دنانير عن غير دراهم و دنانير كالمدفوع في زكاة الأنعام و الغلات و غاية ما يمكن إدراجه فيما قدمنا هي الصورة الأولى فينتفي حينئذ للدافع أن لا ينقص عن خمسة دراهم أو نصف دينار إذا كان المدفوع منهما و تبقى الصور الأخرى دائرة بين سقوط الحكم الإيجابي أو الاستحبابي عنها مطلقاً لعدم كونها مورداً للنص و بين إجراء الحكم عليها بالقيمة بمعنى أنه لا يجب أن تنقص قيمة المدفوع عما يجب في أولي النصاب و بين أن لا ينقص كل مدفوع عن أول ما يجب في أول نصابه فلا ينقص مزكي الغنم عن دفع واحدة فلا يشرك فيها اثنين و لا ينقص مزكي البقر عن دفع تبيع و لا ينقص مزكي الإبل عن دفع شاة و لا ينقص مزكي الغلات عما يجب في أول ما يكمل به النصاب وجوه أقواها الوسط لظهور إرادة القيمة من الأخبار و كلام الأصحاب ثمّ أن هذا التقدير فيما يمكن فيه ذلك التقدير و أما لا يمكن فيه كمن دفع زكاة النصاب الأولي من الفضة ثمّ بقي عليه زكاة النصاب الثاني أو كمن أوجبت عليه شاة لا تبلغ قيمتها ذلك أو كمن دفع أول القدر المتقدم ثمّ تبين أن عليه أشياء أخر لا يمكن دفعا للأول فإنه يجزي القليل و الكثير.

السابعة عشر: يجوز أن يتملك ما دفعه من الزكاة من المدفوع إليه

بأي نحو كان من أنواع التمليك للأصول و القواعد و عموم الأخبار و خصوصها إلا ما اشترط ذلك حين الدفع كأن يدفع إليه بشرط عوده إليه فإنه يجوز الدفع على ذلك النحو و مع المواطأة معه و إن لم يكن على وجه الشرطية إشكال سيما لو كانت المواطأة على إرجاعه مجاناً نعم يكره أن يتملك ما دفعه بسبب اختياري كبيع وهبة و شبههما من دون مرجح لذلك كأن يكون الفرض جزءاً من حيوان لا يتمكن الفقير من الانتفاع به لفتوى الفقهاء بذلك و كفى ذلك في السنن و عللوه أيضاً بأنه طهارة للمال فيكون له شراء طهوره و لأنه ربما استحى الفقير فيترك المماكسة معه و يكون ذلك وسيلة إلى

123

استرجاع بعضها و بأنه ربما طمع الفقير في غيرها فيه فأسقط بعض ثمنها و غير ذلك و ظاهر ذلك كراهة التملك من الفقير في أول مرتبة دون باقي المراتب المتصاعدة و لا يبعد عدم ذلك و لو كان التملك بسبب قهري كميراث و شبهه لم يكن التملك بمعنى الاستدانة عليه.

الثامنة عشر: يجوز الدفع لوكيل الفقير أو الغارم و شبهها و يقوم مقام الموكل

لإطلاق أدلة الوكالة و لأنه عمل لا يشترط مباشرته فتصح الوكالة فيه و للسيرة القاضية بذلك خلافاً لابن إدريس حيث منع ذلك اقتصاراً على مورد اليقين من فراغ الذمة و استناداً إلى أن الوكالة لا تصح إلا فيما يستحق الموكل المطالبة به و الزكاة لا يستحقها واحد معين و لا يملكها إلا بعد القبض و الكل ضعيف.

التاسعة عشر: لو دفع المالك للإمام (عليه السلام) أو نائبه العام أو الخاص على سبيل الولاية عن المستحق لا على سبيل الوكالة عنه

وجبت عليه النية عند الدفع إليهما لمكان ولايتهما عن المستحق و لا يجب على الإمام (عليه السلام) أو نائبه نية وصول الحق إلى أهله و لو لم ينو عند دفعه للمستحق أشكل قبض نائب الإمام (عليه السلام) ذلك منه لبقاء المال كلًا أو بعضاً على ملك مالكه نعم له أن ينوي بعد الدفع ما دامت العين باقية و لو دفع المالك للوكيل الخاص و كان المدار على نية الوكيل عند الدفع إلى المستحق و لا مدار على نيته عند دفعه للوكيل و إن نوى عند دفع الوكيل للمستحق كانت نية المالك غير نية الوكيل و لو كان الدفع إلى الوكيل عزلًا للزكاة جرى عليه ما يجري على القول فإن قلنا إن مصاحبة النية للعزل كافية كفت هنا و إلا فلا و إلا ظهر الاكتفاء بالنية حين العزل و لا يحتاج إلى نية أخرى و الأحوط اتباع النية حين الدفع إلى النية المقارنة للعزل و لو قهر المالك على دفع الزكاة الحاكم أو عدول المسلمين توليا النية عند الدفع للمستحق لقيامها مقام المالك و لهما أن ينويا حين القبض إذا قبض عن الفقراء.

العشرون: تجب النية في دفع الزكاة

و هي قصد الفعل على وجه أنه لله تعالى و لا بد من تعيين المنوي إذا كان مشتركاً كمن عليه زكاة فطرة و زكاة مال أو خمس

124

و زكاة و ما لم يكن مشتركاً كان لم يكن عليه سوى زكاة فدفع ما عليه من الحق أجزأ على الأظهر و الأحوط تعيينه بالنسبة و ما لم يكن مشتركاً و لكنه مجهول لا طريق إلى قبضه كمن كان عليه خمس و زكاة و دفع أحدهما معيناً فنساه و اشتبه الباقي جاز أن ينوي ما عليه واقعاً و لا يجب عليه إعادتهما معاً و لا استخراج الباقي بالقرعة و ما أخرج زكاة المال فالأظهر أنها لا توجب التعيين و لا تقضي بتعدد ماهيات المأمور به بل يكفي فيها نية الزكاة المطلقة فلو كانت عليه شاة لخمس من الإبل و شاة لأربعين شاة كفى دفع شاتين أو عليه زكاة متعددة كفى الدفع عن مجموعها بالقيمة و لو دفع شاة واحدة عما عليه أو بعضاً من قيمة ما عليه فتلف أحد النصابين من دون تفريط لعدم المستحق و شبهه فهل يتخير المالك في صرفها إلى ما شاء منها أو يوزع وجهان فعلى الأول فإن صرفه إلى الباقي برئت ذمته و إن صرفه إلى التالف وجب عليه أن يؤدي زكاة التالف و على الثاني فيسقط عله نصف شاة و احتمال القرعة بعيد و لو عين المدفوع من نصاب خاص ابتداء تعين عليه بحكم التعيين ما لو كانت الفريضة من جنس النصاب فإن الظاهر انصرافه إلى ذلك دون مشارك آخر له في القيمة و لو دفع عن مال فتبين تلفه قبل ذلك أو استعيدت من المدفوع إليه مع علمه و أجاز احتسابها عليه من زكاة مال آخر أو حق آخر و مع عدم علمه استعيدت مع بقاء العين دون ما إذا تلفت فإنه لا ضمان على التالف فلا يجوز استعادة المال منه و لا احتسابه عليه من حق آخر و من كان عليه حق فاشتبه عليه فإن أمكنه التخلص بأن ينوي ما عليه و يدفع لمن ينوي بالدفع إليه وجب عليه ذلك كما إذا دار بين زكاة أو خمس أو نذر لهاشمي و برئت ذمته و إن لم يكن الدفع لمن تبرأ ذمته بالدفع إليه كرر حتى يتيقن الفراغ إن كان مشتبهاً بمحصور و إن كان مشتبهاً بغير محصور صار كالمجهول المالك يتصدق به و يحتمل في المحصور القرعة و التوزيع بالنسبة و عوده كالمجهول المالك و لكن الأقوى الأول و لو شك فيما وجب دفعه من الزكاة أنه شاة أو بعير أو أحد النقدين أو من الغلات في مقام لا يجوز دفع القيمة كل نذر إن يدفع كل عين بعينه احتمل انفساخ النذر و إجراء القيمة و احتمل وجوب التكرير و احتمل التوزيع على النسبة و احتمل التخيير و احتمل القرعة و أقواها

125

الأول و أحوطها الثاني و من ردد في نيته بين نوعين واجبين أو واجب و ندب كأن قال هذا خمس أو زكاة أو زكاة أو صدقة بطل عمله و إن نوى التقرب بما عليه ورد في المنوي لا في النية كأن قال دفعت ما علي قربة إلى الله تعالى فإن كنت مطلوباً بزكاة فهي زكاة و إن كنت مطلوباً بالخمس فهو خمس و إن كان مال سالما فهي زكاته و ان كان مالي تالفا فهي صدقة صح عمله و لا يجوز له الرجوع بما دفع لو تبين تلف المال على الأظهر و لو كان المستحق جهات جاز أن يعطي من جميع جهاته و الفارق بينها النية و لو دفع إلى فضولي عن الفقير فأجاز الفقير فالأحوط إعادة النية عند وصولها إلى الفقير لعدم مقارنة النية عند الدفع للمستحق و كذا لو دفع في مكان أو كف مغصوبين فإن الأحوط إعادة النية بعد الدفع و الوصول إلى محله ونية القربة مشخصة لمال الفقراء عن ماله و لا يكفي في التشخيص مجرد أنه مال الفقراء و قسمته و لو صالح المالك الحاكم على مال مشتبه بقدر معين أو شيء معين فالأحوط أيضاً مقارنة النية لدفع المال المصالح عليه سواء دفعه للحاكم أو للمستحق و لو دفع مالًا مشتركاً بطل دفعه و جدد النية بعد القبض و الأحوط بعد القسمة.

القول في زكاة الفطرة:

و هي الخلقة فتكون زكاة البدن و تشعر بذلك الرواية عنه (عليه السلام) و قوله فيها (و لا تدع منهم أحداً فإنك إن تركت منهم إنسانا تخوفت عليه الفوت) أو من الهرم لما ورد من أن تمام الصوم اعطاء الزكاة فتكون من تمام اباحة الفطر و اكمال الصوم و لو لم يلاحظ فيها الفطر لكانت زكاة الصوم أو الدين و الإسلام فهي من متماته و مكملاته و وجهه ظاهر و وجوبها ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع بقسميه بل الضرورة من الدين.

بحث: يشترط فيها التكليف

فلا تجب على مجنون و لا تستحب أيضاً للأصل و لعدم دخولها تحت خطابات المكلفين و عدم خطاب الأولياء بإخراجها لعدم الدليل عليه و لقوله (عليه السلام): (لا زكاة على يتيم) و لمفهوم الخبر الآخر تجب الفطرة على كل

126

من تجب عليه الزكاة و الظاهر إلحاق المغمى عليه بالمجنون إذا استوعبت إغماءه الوقت أو أغمي عليه عند تعلق الوجوب على الأظهر و لظاهر فتوى الأصحاب و ما ورد في الصحيح عن المملوك يموت مولاه و هو عنه غائب في بلد آخر و في يده مال لمولاه و يحضر الفطر أ يزكي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى فقال: (نعم) مطرح لا يعتد به لاشتماله على وجوب فطرة العبد على الطفل و جواز تولي الإخراج من مال مولاه بنفسه و كلاهما لا يقوله من يعتد بقوله و يشترط في زكاة الفطرة الحرية فلا تجب على المملوك مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد أو مكاتب مشروط أو مطلق سواء قلنا أنه يملك أو أحلنا ملكه أما على القول بأنه يملك فظاهر لعدم جواز تعلق التكليف بالمال به و أما على القول بأنه يملك فللأصل و انصراف أدلة وجوب زكاة الفطرة لغيره كما لا يخفى و للإجماعات المنقولة و لثبوت الحجر عليه في التصرف و للأخبار المستفيضة الدالة على ثبوت فطرة المملوك على مالكه الظاهرة في نفي الإيجاب عليه فعلى ذلك فلا تجب على المملوك تأدية الفطرة عن نفسه و لا عن زوجته و لا عن ولده و لا عن عبده و لا تجب على مالكه أيضاً مع عدم العيلولة و احتمل بعضهم وجوب زكاة فطرة عبد العبد على المولى لنقصان ملك العبد و لكون المالك حقيقة هو السيد و هو ضعيف كضعف ما ذهب إليه الصدوق من وجوب الزكاة على المكاتب لصحيح علي بن جعفر عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه و تجوز شهادته قال: (الفطرة عليه و لا تجوز شهادته) سواء حمل على الأخبار أو حمل على الإنكار فإنه يدل على ثبوت الفطرة عليه و هو ضعيف لمعارضته بالخبر يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه المجبور بالشهرة و إطلاق الاجماعات المنقولة فليطرح الصحيح أو يحمل على التقية أو على عود الضمير إلى من كاتبه لا إليه نفسه و أما المتبعض فيقوى القول بعدم وجوب الزكاة عليه إلا مع العيلولة و منها تجب على من عال به و ذلك لأن الجزء الرقي لا يتعلق به خطاب منجز و الحري لا ينصرف إليه الاطلاقات وجوب الزكاة على وجوب تأدية الصاع صرف و خلاف ظاهر الأخبار و لتعلقه بالحر التام و وجوب تأدية بعضه خلاف ما تضمنته الأخبار و أفتى به العلماء الأبرار و وجوب التوزيع بتأدية الجميع بينه و بين

127

مولاه بالنسبة لا شاهد عليها و إدخال كل جزء تحت دليله من الحرية و الرقية لا يخلو من نظر و تأمل و مع ذلك فالقول بإخراج الجميع على سبيل التوزيع لا يخلو من توقف لإمكان إدخاله تحت الأدلة و تأييده بالاحتياط و فتوى كثير من العلماء الأعلام.

بحث: من جملة شرائط الوجوب الغنى

لفتوى الأصحاب و أخبار الباب ففي الصحيح عن رجل يأخذ الزكاة عليه صدقة الفطرة قال: (لا) و في آخر على الرجل المحتاج صدقة الفطرة قال: (ليس عليه فطرة) و في آخر عمن يقبل الزكاة عليه صدقة الفطرة قال: (لا) و في آخر (لا فطرة على من أخذ الزكاة) و في آخر من حلت له لم تحل عليه و من حلت عليه لم تحل له) و ما ورد في مقابل ذلك من الأخبار كقوله (عليه السلام) في جواب زرارة الفقير الذي يتصدق عليه هل تجب عليه صدقة الفطرة قال: (نعم) و في (آخر أما من قبل زكاة المال فإن عليه زكاة الفطرة و ليس على من يقبل الفطرة فطرة) و غير ذلك لا يعارض ما قدمناه فليحمل على الاستحباب أو يطرح و يحتمل حمل بعضها على ما إذا صار غنياً بأخذ زكاة المال كما يشعر به التفرقة في الخبر الأخير بين المال و زكاة الفطر أو تحمل على التقية لما نقل أنه فتوى الشافعي و جماعة من العامة و أفتى به الجنيد من أصحابنا و المراد بالغني هنا هو ملك مئونة السنة فعلًا أو قوةً لفتوى المشهور و لأن من لم يملك ذلك تحل له الزكاة و يقبل الزكاة و يأخذ الزكاة لما تقدم في بحث الغنى و الفقر و كفى من كان كذلك لا تجب عليه و الأخبار المتقدمة و من كان غنياً تجب عليه لتلك الأخبار أيضاً كما يفهم من سياقها و لقوله (عليه السلام): (تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة و تجب الفطرة على من عنده قوت السنة) و المراد بالقوت هو المئونة كما هو ظاهر و ناقش بعض المتأخرين في دلالة الأخبار على وجوب تأدية الزكاة عدا هذا بخبر الأخير و خص دلالتها في سقوطها عمن لا يملك و أخذها غير الآخر و ضعفه ظاهر لمن تأمل و ذهب الشيخ (رحمه الله) إلى وجوب دفع الفطرة على من ملك أحد النصب الزكوية عيناً أو قيمة و ابن إدريس إلى وجوبها على ملك عين النصاب دون قيمته و ادعى على ذلك الإجماع و اتفاق الإمامية على قوله و هما ضعيفان محجوبان بما

128

تقدم من إن ملك النصاب و لم يف بمئونته جاز له أن يأخذ الزكاة و كل من حلت عليه الزكاة سقطت عنه للأخبار و وجوب دفع زكاة المال على من ملك نصاباً لا يلزم منه وجوب دفع زكاة الفطرة و الفارق بينهما الأخبار و كلام الأخيار و حمل أحدهما على الآخر قياس لا نقول به و يستحب للفقير إخراجها عن نفسه و عمن يعوله لفتوى الأصحاب و أدنى من ذلك الاستحباب أداره صاع واحد عن نفسه و عياله يردده بأن يخرجه عن نفسه فيدفعه إلى أحد عياله صغيراً أو كبيراً و يقبل عن الصغير الولي ثمّ يدفعه واحداً إلى آخر إلى أن يرده الآخر إلى صاحب المال و الأحوط أن يدفعه الأخير للأجنبي فيكون صاعاً واحداً كافياً عن الجميع بل الأظهر في الموثق هو هذا و إن كان كلًا منهما محتملًا بل الأحوط عدم دفعها للصغير لأن إخراجها عن ملكه بعد ذلك في زكاة الفطرة مع عدم ثبوت استحبابها في حقه مشكل سيما مع ظهور خبر الإدارة في البالغين.

بحث: تجب زكاة الفطرة مع اجتماع الشرائط على الإنسان نفسه و على من يعول به عيلولة عرفية

بحيث يقال عرفاً أنه من عياله صغيراً أو كبيراً حراً أو مملوكاً قريباً أو بعيداً مسلماً أو كافراً واجب النفقة أو لا للإجماع المنقول و فتوى الأصحاب و أخبار الباب ففي الصحيح (الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو أنثى صغيراً أو كبيراً حراً أو مملوكاً) و المراد من كل من يعول بقرينة المقام و كلام الأعلام و الصحيح الآخر (تصدق عن جميع من تعول من صغير أو كبير أو حر أو مملوك) و في آخر (كلما ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدي الفطرة) و في صحيح آخر (على الرجل أن يعطي عن كل من يعول إلى غير ذلك من الأخبار المتكثرة المعتبرة

و لكن في المقام مسائل:

الأولى: من لم يدخل في مسمى العيال عرفاً لم تجب عليه فطرته

و إن أنفق عليه بمأكول و ملبوس و مأدوم أو دراهم لفتوى الأصحاب و قوله (عليه السلام) في الصحيح عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلا أنه يتكلف له نفقته و كسوته أ يكون عليه فطرته قال: (لا إنما يكون فطرته على عياله صدقة دونه) و قال: (العيال الولد و المملوك

129

و الزوجة و أم الولد) و الحصر في هذه الأربعة مبني على الغالب.

الثانية: لا يكفي في العيلولة مجرد النية في الإدخال في العيال

بل لا بد من التلبس بآثارها فعلًا و الأحوط إجراء النية مجرى الفعل و إن لم يأكل العيال و لم يشرب.

الثالثة: يجب إخراج الفطرة عن الضيف في الجملة

للإجماع و الخبر الصحيح عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدي الفطرة قال: (نعم الفطرة واجبة على من تعول من ذكر أو أنثى صغيراً أو كبيراً حراً أو مملوكاً) و يشترط رضا المضيف بالضيافة و دخوله بإذنه قطعاً و هل يشترط أكله عنده أو مجرد ضيافته الأقوى الأول و الأحوط الثاني و مبنى المسألة على أن مجرد الضيافة موجب لإخراج الفطرة عنه أو صدق العيلولة و الأظهر الثاني لقوة أخبار العيلولة و إجمال خبر الضيف من جهة تعقبه نعم الدال على الإيجاب بمجرد الضيافة و من جهة تعقيبها بقوله (عليه السلام) (الفطرة واجبة على من تعول) و ظاهره أن الوجوب في الضيف لمكان العيلولة و ظاهر العيلولة تحققها فعلًا و عدم كفاية النية فيها و لو سلم دلالة الخير على أن الإيجاب بنفس الضيافة فالواجب تخصيصه بأخبار العيلولة لأن بينه و بينها عموم من وجه و الأقوى إن العامين من وجه يقدم على الآخر نعم يكتفي بحصول الضيافة و الأكل قبل الهلال و لو بلحظة في وجوب الإخراج كما إذا كان مريضاً أو مسافراً فأكل في النهار و لو أكل حراماً و هو صائم على الأظهر و أخذ بإطلاق الأخبار و لا يشترط الضيافة طول الشهر كما عن الشيخ (رحمه الله) و المرتضى (رحمه الله) و لا نصفه الاخير كما عن المفيد و لا العشرة الأخيرة كما عن جماعة من الأصحاب و لا ليلتين منه كما عن ابن إدريس و لا ليلة واحدة كما عن المنتهى و لا يكفي المسمى قبل هلال الشهر و إن لم يأكل كما عن الشهيد محتجاً بأن الضيف من نزل للقرى و إن لم يأكل لخلو هذه الأخبار كلها عن الدليل عدا الإجماع المنقول على الأول و هو موهن بفتوى الأكثر على خلافه و أخبار العيلولة و هل يشترط في مأكول عنده أن يكون حلالًا أم لا يشترط الأظهر عدم الاشتراط كما في سائر من يقول بهم فإنه لا يشترط فيهم أن ينفق عليه بالفعل من ماله الحلال أو ينوي ذلك على الأظهر.

130

الرابعة: لو امتنع المضيف مع يساره عن الإخراج عمداً

لم تجب على الضيف و لو كان موسراً لارتفاع الوجوب عنه بالوجوب على من ضافه فعود الوجوب إليه يحتاج إلى دليل و عمومات وجوب زكاة الفطرة لا تجدي بعد الخروج عنها بالوجوب على المضيف ففي ظاهره بعدم الوجوب على الضيف إذ لا قائل بالوجوب عليهما معاً أما لو كان معسراً و كان الضيف موسراً فإن دفع عن الضيف فالأقوى الإجزاء عنهما ندباً عن المعسر لكونه مندوباً في حقه و إيجاباً على الضيف الموسر و يحتمل قوياً أنه مع إعسار المضيف لا يندب في حقه الإخراج عن الضيف غاية فانتدب الإخراج عن نفسه و عن عياله المعتاد العيلولة منه لهم فيكون حكمه في الدفع حكم الفضولي و حكم المتبرع مع عدم الإذن ابتداء و حكم الوكيل مع الإذن و هذا أحوط و إن لم يدفع فالأقوى وجوب دفع الضيف عن نفسه لعدم وجوبها على من أضافه فتشمله أدلة وجوب زكاة الفطرة و احتمل بعض فقهائنا سقوط الزكاة عنهما لمكان العيلولة من الضيف و الإعسار من المضيف فلا يتعلق بهما خطاب و هو وجيه إلا أن الأول أقوى و أحوط و لو انعكس الحال فكان المضيف موسراً فأخرجها الضيف عن نفسه فالظاهر عدم إجزائها عن المضيف لتعلق وجوب الإخراج به نعم لو أخرجها عن المضيف بنية التبرع عنه و من دون إذنه لا بنية أنها زكاة عنه كان حكمه كمن أخرج زكاة غيره فضولًا أو متبرعاً و إن كان بإذنه كان حكمه حكم من أخرج غيره بإذنه من ماله لأنه مال من وجبت عليه.

الخامسة: الأقوى إن وجوب فطرة الزوجة دائر مدار العيلولة وجوداً و عدماً

و لا تدور مدار صدقة الزوجية مطلقاً كما ذهب إليه ابن إدريس و نقل عليه الإجماع و العموم و لم يفرق بين الدائمة و غيرها و الناشزة و غيرها و المتمتع بها و غيرها و المدخول بها و غيرها و الممكنة نفسها و غيرها و ما استند إليه من الإجماع و العموم ضعيف أما إجماعه فمرهون مما قال المحقق (رحمه الله) من أنا لم نعرف أحداً من فقهاء الإسلام فضلًا عن الإمامية أنه أوجب على الزوجة الفطرة من حيث هي زوجة بل ليس تجب الفطرة إلا عمن تجب مئونته أو تبرع بها عليه فدعواه إذنه غربة عن الفتوى و الأخبار و أما

131

العموم فهو ما ورد في صحيح صفوان (الواجب عليك أن تعطي عن نفسك و أبيك و أمك و ولدك و امرأتك و خادمك) و في صحيح ابن الحجاج (العيال الولد و المملوك و الزوجة و أم الولد) و هما ضعيفان لاشتمالهما على ما لا نقول به من وجوب فطرة كثير من الأقارب مع عدم العيلولة و لقوة ورودها مورد الغالب من العيلولة فمن ذكر فيهما فينزل على الغالب من العيلولة عن ذكر فيهما فينزل على الغالب و لوجود تخصيصها لو أبقيا على ظاهرهما بأخبار العيلولة لوجوب ترجيح الأقوى في العامين من وجه عند تعارضهما و لا شك إن بين هذين الخبرين و بين أخبار العيلولة عموم من وجه لمكان شمولهما للمعيل به و غيره و شمول أخبار العيلولة إثباتاً لهما و لغيرهما و قد يقال بأن وجوب الفطرة تابع لوجوب النفقة و العيلولة لا لتحقّقهما بالفعل فعلى ذلك تخرج الناشز و المتمتع بها و من لم تمكن نفسها عن وجوب الفطرة و تدخل الزوجة المطيعة و إن لم يعل بها فعلًا و هو قريب و ربما ادعى عليه الاتفاق و قضى به الاحتياط إلا إن الظاهر من الأخبار إرادة العيلولة بالفعل بأنه لا مجرد وجوبها و تعلقها و لو عال بالزوجة غير الزوج وجبت فطرتها عليه من غير إشكال.

السادسة: المملوك إن عال به مولاه وجب عليه فطرته قولًا واحداً

و إن عال به غيره وجبت على غيره و إن لم يعل به أحد و كان غائباً أو مغصوباً لا يعلم حاله أو آبقا فالأقوى عدم وجوب فطرته على مولاه لعدم العيلولة بالفعل و الأمر يدور مدارها كما في الأخبار و قيل بوجوبها على المولى لمكان وجوب النفقة و العيلولة حتى ادعى الاتفاق عليه و يستند لإطلاق الخبرين المتقدمين و فيه إن وجوب العيلولة لا تلزم وجوب الفطرة و الإجماع ممنوع لعدم ثبوته صريحاً و الخبران لا يعارضان ما قدمنا من أخبار العيلولة و أما واجبو النفقة عن الأقارب فإن عالهم القريب وجبت و إن لم يعلهم فعلًا لم يجب و ربما استلزم التزم بعضهم بوجوب الفعل لا تبعاً لوجوب النفقة لا لوقوعها بالفعل و هو ضعيف.

السابعة: المملوك بين الشريكين فإن عال به أحدهما وجبت عليه فطرته خاصة

و إن عال به معاً و لم يعل به أحد بناء على تبعيته الفطرة لوجوب النفقة فهل تجب

132

فطرته عليهما معاً بالنسبة إلى الحصص أو تسقط عنهما و كذا كل اثنين يعولان بواحد و الأظهر السقوط للأصل و لعدم انصراف الأخبار الدالة على وجوب إخراج الفطرة عمن يعول للمبعض في العيلولة و الدالة على إخراجها عن المملوك في المبعض في المملوكة و لما روى زرارة في عبد بين قوم فيه زكاة الفطرة قال: (إذا كان لكل إنسان رأس فعليه أن يؤدي فطرته و إذا كانوا عدة عبيد وعدة الموالي جميعاً فيه سواء أدوا زكاتهم لكل واحد منهم على قدر حصته و إن كان لكل إنسان منهم أقل من رأس فلا شيء عليهم و لكن فتوى المشهور على وجوب إخراجها بالحصص و عدم السقوط فالتعدي عن ذلك مع موافقته للاحتياط مشكل و احتمال وجوب دفع فطرة تامة على واحد من الشريكين ضعيف.

الثامنة: المملوك الغائب و كل واجب النفقة إذا كان غائباً تجب عليه من كان حاضراً فطرته إذا كان عائلًا به

من غير إشكال للسيرة القطعية و الاستصحاب و قوله (عليه السلام) (بأن يعطي الرجل عن عياله و هم غيب عنه و يأمرهم فيعطون عنه و هو غائب عنهم) نعم لو غاب أحد منهم غيبة منقطعة فيها أخباره و اندرست آثاره و لم يعلم حاله فإنه يحتمل في حقه وجوب إخراج الفطرة للاستصحاب و لجواز عتقه في الكفارة للإجماع المنقول و الصحيح الدال على إجراء عتقه في كفارة الظهار و يحتمل عدم وجوب الإخراج لأصالة البراءة من وجوبها و لأصالة عصمة مال الغير إلا مع العلم بوجوب انتزاعه و لأن لا يعلم إن له مملوك كي تجب عليه فطرته و لأن المفقود بمنزلة غير الموجود و لمعاملة الشارع له معاملة المعدوم في بعض الأحكام و لانصراف أخبار وجوب الفطرة عمن يعوله لغير هذا الفرد و هذا أقوى و إن كان الأول أحوط.

التاسعة: من وجبت فطرته على غيره فإن كان بحيث لو انفرد لم تجب عليه كالعبد و الطفل فلا كلام

و إن كانت بحيث لو انفرد وجبت عليه كالزوجة المعسرة و الضيف و أشباههما فالأقوى أيضاً سقوطها عنه خلافاً لابن إدريس حيث وجب الفطرة على الضيف و المضيف و هو ضعيف و إن كان الأحوط إخراجها عن نفسها عند العلم بعدم التأدية و من لم تجب فطرته على غيره لكنه عائل على غيره كزوجة المعسر

133

إذا كانت موسرة و غيرها ممن يعول به من لا تجب عليه فطرة فالأظهر فيه وجوب الإخراج عن نفسه و هو الأحوط و تشمله عمومات الأدلة و غاية ما خرج منها سقوطها متى وجبت على آخر و يبقى الباقي مشمولًا للأدلة و يحتمل السقوط و نسب إلى الشيخ (رحمه الله) و علله بعدم الدليل على ثبوتها عليها مع عيلولة الزوج بها و ظاهر إن الحكم مختص بالزوجة و مع ذلك ضعفه ظاهر و فصل العلامة (رحمه الله) بأن الزوج إن بلغ الإعسار حداً أسقطت عنه النفقة فالفطرة عليها و إن لم يبلغ ذلك و كان ينفق ذلك عليها فالوجه السقوط عنها ونية إن النفقة لا تسقط الفطرة عن الغني إلا إذا تحملها المنفق على أن محل الكلام هو ما إذا عال من لا تجب عليه الفطرة غيره إما من لم يعله فالظاهر إنه لا إشكال في وجوب فطرته عليه و قد يبني المسألة على إن الفطرة هل هي واجبة بالأصالة على الزوج و على العائل أو بالأصالة على الزوج و على المعيل و إنما يتحملها الزوج و العائل بغيره عنهما عند يساره تخفيفاً عنهما فعلى الأول تسقط الفطرة لسقوطها عمن وجبت عليه بالأصالة و على الثاني تسقط لعدم تحملها عنهما عند الإعسار و فيه إنه بناء مبني على ما هو عين الدعوى فلا يجدي في المقام و إن الأخبار ظاهرة في وجوبها فيسقط عمن كان عيالًا عليه و في وجوبها أصالة على كل مكلف سوى من وجبت على غيره فلا منافاة بين الأصلين.

العاشرة: يعتبر في وجوب الفطرة استعجال الشرائط قبل هلال شوال

حده غروب الشمس عن السماء و يعرف بغيبوبة الحمرة المشرقية و لو بلحظة للإجماع المنقول بل المحصل و كذا الإسلام و الولادة و العقل و البلوغ و الغنى فلو هل الشهر و لم يسلم أو يفيق أو يبلغ أو يولد أو يعول بأحد لم تجب عليه و في الخبرين أحدهما الصحيح عن مولود ولد ليلة الفطر عليه الفطرة قال: (لا قد خرج الشهر) و سألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه الفطرة قال: (لا) و ثانيها المعتبر في المولود يولد ليلة الفطر و اليهودي و النصراني يسلم ليلة الفطر قال: (ليس عليه فطرة و ليست الفطرة إلا على من أدرك الشهر) خصوصية موردهما غير ضائرة بصور استفادة العموم من تنقيح المناط في وجه

134

و من مفهوم قوله (عليه السلام): (قد خرج الشهر) و من الاتفاق على عدم الفصل و الفرق و إن استكملت الشرائط أو ولد المولود أو ملك المملوك أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر بعد الهلال و بعد غيبوبة الحمرة المشرقية فإن كان ما بين غيبوبة الحمرة إلى الزوال و هو انتهاء وقت صلاة العيد استحبت الفطرة و ندب إلى إخراجها و إن كان بعد الزوال لم يتعلق بها نذب و لا إيجاب و يدل على الندب في الإخراج في الصورة الأولى فتوى الأصحاب و قوله (عليه السلام): (تصدق عن جميع من تعول من حر أو عبد صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة) و المراد بالصلاة صلاة العيد و إدراكها إدراك وقتها لفهم الأصحاب ذلك و للمرسل إن ولد قبل الزوال يخرج عنه الفطرة و كذلك من أسلم قبل الزوال و يتفرع على ما قدمنا أنه لو وهب له ما يكون به غنياً قبل الهلال أو وهب له عبداً فإن قبض الهلال وجبت الزكاة و إن قبض بعد ذلك لم تجب لأن القبض متمم للملك و لو أوصى له بعيد فإن مات الموصى و قبل الموصى له الوصية قبل الهلال وجب على الموصى له فطرته و إن قبل الهلال احتمل سقوط الفطرة عنه لعدم ملك الموصي له قبل القبول و عدم ملك الوارث له لمكان الوصية و احتمل وجوبها على الوارث لعدم إمكان بقاء الملك بلا مالك و الميت لا قابلية له للملك و الموصى له لا يدخل في ملكه الموصى به قهراً من دون قبول و احتمل وجوبها على الموصى له لأن قبوله كاشف عن سبق ملكه و من مات بعد الهلال كانت فطرته على من يعول به عليه و من مات قبل الهلال كانت فطرته على من يعول به بعده و فطرة عبده على الوارث بناء على عدم اشتراط العيلولة و انتقال الإرث للوارث إن كان الدين مستغرقاً أو لم يكن و إن قلنا بعدم انتقاله للوارث عند الاستغراق لم تجب على أحد الا من يعول به.

بحث: المخرج و قدره

و فيه مسائل:

الأولى: يجزي أصالة في زكاة الفطرة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأقط و الأرز و اللبن

وفاقاً للمشهور و الإجماع المنقول على إجزائها مطلقاً سواء كانت قوتاً

135

معتاداً للمخرج أم لا و سواء كانت قوتاً معتاداً لغيره من أهل بلده أو لغير أهل بلده أم لا و للأخبار الصحيحة في الخمسة الأولى الدالة على الإجزاء مطلقاً من دون تقييدها بكونها قوتاً كصحيح صفوان (و فيه البر و التمر و الزبيب) و صحيح سعد بن سعد و فيه (الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب) و صحيح الحلبي و فيه الأربعة المذكورة أيضاً و صحيح عبد الله بن ميمون و فيه (التمر و الزبيب و الشعير و الأقط) و صحيح معاوية بن عمار و فيه (الأقط لأهل الإبل و الغنم و يجزي غير هذه السبعة إذا كان قوتاً معتاداً لأهل بلد المخرج لا مطلقات سواء اقتات به هو أم لا للأخبار المعتبرة المنجبرة بفتوى المشهور ففي الخبر (الفطرة على كل من اقتات قوتاً فعليه أن يؤدي من ذلك القوت) و في آخر (الفطرة على كل قوم ما يغذون عيالاتهم به لبن أو زبيب أو غيرهما) و ظاهرهما و إن كان اشتراط الإخراج مما يقوته المخرج لكنه محمول على الغالب من إن ما يقتات به المخرج هو قوت بلده لقوله (عليه السلام) في خبر إبراهيم بن محمد الهمداني في مكاتبة (إن الفطرة صاع من قوت بلدك على أهل مكة و المدينة و الطائف و أطراف الشام و اليمامة و البحرين و العراقين و فارس و الأهواز و كرمان تمر و على أواسط الشام زبيب و على أهل الجزيرة و موصل كلها بر أو شعير و على أهل طبرستان الأرز و على أهل خراسان البر إلا أهل مرو و الري فعليهم الزبيب و على أهل مصر البر و ما سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم و من سكن البوادي من الأعراب فعليهم الأقط) و هذه الأخبار و إن كان ظاهرها إن الواجب إخراج ما يكون قوتاً مطلقاً من أي الأجناس كان إلا إن بينها و بين ما تقدم من الأخبار في الأجناس الخمسة و الإجماع المنقول في الجنسين الأخيرين عموم من وجه و الترجيح لتلك الأخبار لقوتها فتقدم على هذه و يؤخذ بإطلاقها و تقيد بها الأخبار الأخيرة و تبقى الأفراد الغير مذكورة في الأخبار و الإجماع المنقول سالمة عن المعارض فيؤخذ بما دلت عليه من دورانها مدار القوت المعتاد بل الأحوط الاقتصار على الأربعة الأول إذا لم تكن قوتاً لما يفهم من بعض الأخبار من إن الأرز و الأقط و اللبن إنما كانت مجزية لمكان اعتيادها في فطر المخرج للفطرة كما ورد في صحيح الحذاء (الذرة مكان البر) و كأنه لاعتياد الأعراب لها كثيراً و لو دار الأمر بين

136

إخراج أحد الأربعة المتقدمة لم يقتاتها في بلده و بين إخراج ما اعتاده أهل بلده قوتاً من غيرها فالأحوط إخراج أحد الأربعة دون ما اعتيد خلاف لما يظهر من بعضهم حيث جعل المدار هو المعتاد للقوت و نزل إطلاق الأخبار المتقدمة من اعتيادها قوتاً و فيه ما لا يخفى.

الثانية: تجزي القيمة بدلًا عما ذكرنا

و لا تفتقر إلى نية البدلية نعم لا بد من إعطاء قيمته و تصلح لكل ما يعرض من إخراجه أو تعيين مخرج خاص بنيته لاختلاف قيمة المخرج من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو غيرها و احتمال إجزاء دفع قيمة مخرج خاص بنيته لاختلاف قيمة المخرج من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو غيرها و احتمال إجزاء دفع أحدها من دون تعيين كما لا يحتاج إلى تعيين المخرج من الأجناس فلو دفع مجهولًا لا يعرفه منها أجزأهُ و هذا الأقوى إلا أن الأحوط تركه و يدل على إجزاء القيمة الإجماع المنقول و فتوى المشهور بل الجمهور و الأخبار المستفيضة المعتبرة فمنها (لا بأس بالقيمة في الفطرة) و منها صحيح ابن بزيع الدال على إرسال الدراهم فطرة له و لغيره للرضا (عليه السلام) فقبلها و قبضها و منها صحيح عمر بن يزيد يعطي الرجل الفطرة دراهم ثمن التمر و الحنطة فيكون أنفع لأهل البيت المؤمن قال: (لا بأس) و منها رواية إسحاق ابن عمار و فيها قلت: فما ترى أن يجمعها و يجعل قيمتها ورقاً و يعطيها رجلًا واحداً مسلماً قال: (لا بأس به) و منها رواية إسحاق بن عمار الحضرمي ما تقول في الفطرة يجوز أن أؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميتها قال: (نعم إن ذلك أنفع له يشتري ما يريد) و منها الصدقة بصاع من تمر و قيمته بتلك البلاد دراهم إلى غير ذلك و قد يفهم من حمل مطلقها على مقيدها اشتراط الدراهم و الدنانير في القيمة و يؤيده انصراف لفظ القيمة إليهما و لكن فتوى المشهور و إطلاق الإجماع المنقول و ما جاء في زكاة المال من الأخبار المجوزة لدفع أي شيء في القيمة و إشعار رواية عمر بن يزيد بذلك قال: يعطي الفطرة دقيق مكان الحنطة قال: (لا بأس يكون أجر طحنه ما بين الحنطة و الدقيق مما يدفع) احتمال وجوب خصوص الدراهم و الدنانير و ان كان الأحوط دفعهما و لا تقدر القيمة بقدر بل يدفع قيمة ما يريد دفعه

137

من الأجناس المتقدمة وقت الدفع في مكان الدفع و لو اختلفت القيمة أخذ بأعلاها احتياطاً و في الأخذ بأوسطها قوة و الأخذ بأدناها لا يخلو من وجه و يتخير في الأخذ بأي قيمة تفاوت القيم السوقية في الجملة ارتفاعاً و انخفاضاً تفاوتاً عادياً لا يضر بالحال و الأخذ بأعلاها أحوط و تقدير القيمة بدرهم أو تقديرها بأربعة دوانيق مطلقاً أو في الرخص ضعيفان و إن نطقت بهما بعض الروايات لظهور ورودها مورد الغالب أو اختلاف الأسعار فالأخذ بهما على وجه التعبد لا وجه له مع معارضته الإطلاق لذلك فتوى و رواية و الافضل إخراج التمر لما ورد في الأخبار المتكثرة (إنه أحب إلي و إنه أسرع نفعاً) فيفهم منها إن الزبيب بعده في الفضل و بعدهما في الفضل ما يغلب على قوت بلده للراوية المتقدمة المحمولة على الاستحباب و لظاهر فتوى كثير من الأصحاب فمن الأفضل من الأجناس أعلاها قيمة و الأفضل أغلبها على قوته فقد خالف النص الصريح لصريح في التمر و مفهوم العلة في الزبيب نعم لعلو القيمة فضل آخر باعتبار آخر و هو تكثير النفع و شبهه لكنه لا يقاوم المنصوص لأن فضل المنصوص ذاتي و فضل غيره اعتباري.

الثالثة: يجب في قدر المخرج قدر صاع

و هو موزون أربعة أمداد و المد رطلان و ربع بالعراقي و الرطل مائة و ثلاثون درهم على الأصح و كل عشرة دراهم سبعة دنانير و هي المثاقيل الشرعية فالرطل واحد و تسعون مثقالًا شرعياً و المثقال الشرعي ثلاثة أرباع الصيرفي فيكون الرطل ثمانية و ستين مثقالًا صيرفياً و ربعاً و الدراهم ست دوانيق و الدانق ثمان حبات متوسطات من حب الشعير و الحبة ثمان شعرات من شعر البرذون و ما ورد في بعض الأخبار من إجزاء نصف صاع من حنطة محمول على التقية لمعارضة أخبارنا و إجماعنا المنقول و المحصل و قد ورد ما يدل على أن النصف من صاع حنطة كان فعل عثمان و ورد إنه كان من فعل معاوية و الظاهر إنه من فعلهما و ما ورد من إجزاء نصف صاع شعير مطرح أو لا قائل به و لا يجوز دفع صاع من جنس إلا بالقيمة و لا دفع أقل من صاع من أحد لأجناس العليا بدل صاع من الأجناس الدنيا لانصراف أدلة جواز دفع القيمة لغير المفروض نعم لو ساوم الفقير جاز احتسابه بقيمة

138

ما يقبله و لا يضر الخليط المتعارف في جميع الأجناس و غير المتعارف مخل و لو خلط اختياراً تعليلًا لا يخرج عن المتعارف فالأقوى منعه و الأحوط تركه و اختلاف الموازين المتعارفة غير ضائر و الخيار للدافع في أيها أراد و الأحوط إلحاقها بأصلهما فيجزي صاع منهما لإطلاق الاسم و لكن الأحوط بل الأقوى عدمه إلا أن يحتسب بالقيمة و ورد إجزاء أربعة أرطال من لبن عن رجل من أهل البادية لا يمكنه الفطرة قال: (يتصدق بأربعة أرطال من لبن) و هي و إن عمل بها جماعة من القدماء مرهونة بمخالفتها الأخبار الدالة على إيجاب الصاع من اللبن و خصوصاً فتوى المشهور و الاحتياط فلا بد من طرحها أو حملها على العاجز عن الفطرة من الفقراء أو على التحريف و إن أصلها أربعة أمداد أو على إن المراد بالأرطال الأرطال المدنية لقوله (عليه السلام) في الصحيح مكاتبة سألته عن الرجل كم يؤدي قال: (أربعة أرطال بالمدني) و لكنه لا يجدي أيضاً لعدم القائل بوجوب الأرطال المدنية في الفطرة مطلقاً و حمله على خصوص اللبن بعيد بعد وروده في مقام البيان و تبادر العراقية من الأرطال في الخبر الأول.

القول في مصرفها:

و الأقوى أنه مصرف الزكاة المالية لفتوى المشهور و في المدارك إنه المقطوع به في كلام الأصحاب و لأنها ذكره اسماً فيشملها حكمها في صدقة فيدخل تحت قوله تعالى: [إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ] سورة التوبة آية (60) الخ و قد يقال ما جاء في الزكاة من تقسيمها على الأصناف المتقدمة و من صرفها في المصارف المذكورة كله منصرف لزكاة المال كما يفهم من سياقها فتكون حينئذ هي أظهر أفراد اطلاقها و ما جاء في زكاة الفطر حال من ذكر الأصناف المتقدمة سواء الفقراء كقوله (عليه السلام) في الصحيح: (عن كل إنسان صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين) و في آخر لمن تحل الفطرة قال: (لمن لا يجد و غير ذلك من الأخبار المشعرة بذلك و حينئذ فاختصاص صنف الفقراء بها و المساكين أحوط و يجوز للمالك إخراجها بنفسه و بوكيله و بفضوله مع الإجازة على الأظهر و يجوز أن تدفع عنه تبرعاً مع رضاه

139

و عدمه كما يوفى الدين عن المديون و يجوز أن يدفعها إلى الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاص أو العام بل هو الأفضل بل هو الأحوط تغضياً عن خلاف المفيد (رحمه الله) و استناداً لرواية علي بن راشد سألته عن الفطرة لمن هي قال: للإمام (عليه السلام) قال: قلت: فأخبر أصحابي قال: نعم و لرواية الفضيل الإمام (عليه السلام) اعلم يضعها حيث يشاء و يصنع فيها ما يرى و طلبها الإمام (عليه السلام) وجبت اجابته و الأقوى العدم و الاحتياط لا يخفى و لا يجوز أن تدفع إلى هاشمي للإجماع المنقول بل المحصل و لو عال هاشمي بغيره أو غيره به فهل العبرة بالمعال لأن الزكاة زكاته و إن وجبت على غيره لمكان العيلولة و وجوب الدفع عنه لا يخرجها عن كونها زكاة هاشمي كما لو وجب الدفع على المشروط عليه الزكاة على المشترط فإن دفعها عنه لا يخرجها عن كونها زكاة و كذا المتبرع و العبرة بالمعيل و هو الأقوى لأنه هو المزكي و هو المخاطب بالدفع فالزكاة زكاته و إن كان المدفوع عنه غيره فغيره سبب لوجوب الزكاة عليه لا سبب لتأدية الزكاة عنه لعدم تعلق الخطاب به بأداء الزكاة فظهر الفرق بين دفع المتبرع و المشروط عليه و بين دفع المعيل لان الأول يدفع زكاة غيره و الثاني يدفع زكاة نفسه عن رأس غيره تنزيلًا لغيره منزلة نفسه و لا يجوز أن يعطي الفقير أقل من صاع لفتوى المشهور و الإجماع

المنقول و المرسل (لا يعطى أحد أقل من رأس) بناء على أن الفعل المبني للمجهول كما فهم الأصحاب في إرادة الصاع من الرأس و إرساله منجبر بما قدمناه و الاحتياط و حكم جمع من أصحابنا بجواز ذلك استناداً للعمومات و أصل البراءة و رواية إسحاق بن المبارك قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن صدقة الفطرة قلت: أجعلها فضة و أعطيها رجلًا واحداً أو اثنين قال: (تفريقها أحب إلي) و الكل ضعيف للزوم تخصيص العام و قطع الأصل بما تقدم و طرح الرواية لعدم مقاومتها لما تقدم أو حملها على التقية لمخالفتها لفتوى المشهور و موافقتها لفتوى العامة أو على اجتماع عدة صوع و تفريقها واحداً واحداً كما هو الغالب لقلة من يدفع صاعاً واحداً عن نفسه و لا يعول بغيره أو

140

على كل حال اجتماع المحتاجين و لم يكن عنده ما يفرق عليهم سوى صاع واحد و حكم الشيخ (رحمه الله) و جمع من الأصحاب بجواز تفريق الصاع و إعطاء الأقل منه عند اجتماع من لا يتسع لهم الفطرة الواحدة و لا بأس به اقتصاراً على المتيقن من دليل المنع فتوى و رواية و لما فيه من سرور المؤمن و عدم رده و أذيته و تعميم النفع و الأحوط تركه و مصرفها لأهل الولاية كما نطقت بذلك الأخبار ففي الصحيح عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف قال: (لا و لا زكاة الفطرة) و في الآخر (لا يجوز لك دفعها إلا لأهل الولاية) و في آخر (لا ينبغي أن تعطي كذلك إلا مؤمناً و قضى بذلك الاحتياط و ورد في بعض الأخبار جواز دفعها لغير أهل الولاية مطلقاً ما عدا النواصب و في بعضها جواز دفعها للمستضعف و هو من لا يعرف و لا ينصب و في بعضها جواز ذلك عند عدم وجود المستحق و في بعضها الجيران من غير أهل الولاية و الكل لا يقاوم أدلة المنع فحملها على التقية أولى و يجوز حمل بعض الروايات على إرادة البله و أهل الخبل من المنتسبين لأهل الإيمان و المتسمين بالشيعة ككثير من أهل البوادي و العجائز و الأولاد نعم لو لم يوجد المستحق أصلًا و رأساً من جميع الأصناف بحيث لا يمكن النقل إليه و يدور الأمر بين عزلها و إبقائها أمانة زماناً كثيراً يخشى عليها التلف فيه و بين دفعها للمستضعف كان القول بدفعها للمستضعف وجه لكل كبد حرى أجر و لكونه محملًا للأخبار المجوزة على ذلك لكونها خيراً من اطراحها و لكن الأوجه عزلها و ابقاؤها أمانة إلى أن تسلم إلى أهلها و لو طال الزمان.

القول في وقت وجوبها:

و فيه مسائل:

الأولى: أول وقت وجوبها هلال شوال

و هو غيبوبة الشمس في السماء و دخول الليل من شهر الفطر على الأظهر لظهور الأخبار في ذلك لقوله (عليه السلام): (ليست الفطرة إلا على من أدرك الشهر و قوله (عليه السلام) في الصحيح عن المولود ولد في ليلة الفطر عليه الفطرة قال: (لا قد خرج الشهر) فإن ظاهرها إن من أدرك الشهر وجبت

141

عليه الفطرة عند إدراكه إلا إن المراد بيان شرطية وجوب الفطرة و لو في الزمان المتأخر بإدراك الشهر كما تخيله بعضهم رداً على من استدل بهاتين الروايتين على تعلق الوجوب بها عند الهلال نعم قد يقال بتعلق الوجوب عند الهلال و لكن لا يجزي الإخراج إلا عند طلوع الفجر فيكون ظرفاً و النهار ظرفاً للإخراج و ذلك كمن نذر دفع شيء غداً و يكون فائدة تقديم الوجوب الاستعداد و لو معها و عدم جواز تبديل فرضه إلى آخر لتعلق الوجوب بل لو انتقل إلى صفة أخرى كالفقر مثلًا أو مات أو جني أخرج من ماله في وجه قوي و قد يحتمل أيضاً إن وجوبها عند الهلال يكون متزلزلًا فإن طلع الفجر جامعاً لشرائط الوجوب انكشف ثبوته سابقاً و إلا بان انخرم شرط من شرائطها تبين عدم وجوبها و جاز له استرداد المدفوع مع علم الدافع و يبعده إعراض الفقهاء عنه و عدم ذكرهم للوجوب المتزلزل أصلًا و رأساً و قيل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد للصحيح عن الفطرة متى هي فقال: (قبل الصلاة يوم الفطر) قلت: فإن بقي منه شيء بعد الصلاة قال: (لا بأس نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسمه) و فيه نظر لأن قبل الصلاة كما يعم طلوع الفجر بلا فصل كذا يعم ما قبله القريب إليه و لا قائل بالفرق بين القريب و البعيد عنه على أن قبلية الصلاة لا يفهم منها إلا القبلية المتعارفة و هي ما بين طلوع الشمس إلى وقت الصلاة و هذا لا يذهب إليه أحد فليحمل على الاستحباب كما أفتى به جمع من الأصحاب و دعوى أن هذا الوقت متيقن للوجوب فتصرف القبيلة إليه دون القبيلة المطلقة و دون القبلية المتعارفة و يبقى ما عداه مشكوكاً فيه فينفي بالأصل دعوى مسلمة لو لا المعارض لها من الأخبار و كلام الأخيار الظاهرة في تعلق الوجوب عند ابتداء الهلال و دخول الليل و على كل حال فالأولى و الأحوط تأخير الإخراج إلى ما بعد طلوع الفجر و الأفضل تأخيرها إلى ما قبل صلاة العيد كما تدل عليه بعض الأخبار و أفتى به كثير من الأخيار.

الثانية: يقوى القول بجواز دفع زكاة الفطر من أول يوم من شهر رمضان ندباً

و به يسقط الواجب كتقديم صلاة الليل قبل وقتها و كذا غسل الجمعة لصحيح الفضلاء يعطى يوم الفطر فهو أفضل و هو في سعة أن يعطيها من أول يوم يدخل في شهر رمضان

142

و لا بأس للرضوي لا بأس بإخراج الفطرة في أول يوم من شهر رمضان و هي زكاة إلى أن تصلي صلاة العيد فإن أخرجها بعد الزكاة فهي صدقة و نسب القول به للأكثر و المشهور و لكن الأظهر و الأحوط عدمه إلا بنية القرض و الاحتساب به عند وقتها و عليه تنزيل الرواية فيكون إطلاق الفطرة عليه لعلاقة الأول على أن الصحيح مشتمل على ما لا نقول به من جواز دفع نصف صاع من شعير أو حنطة و ذلك يوهنه فلا يعارض ما دل من الأخبار على أن وقتها يوم الفطر كقوله (عليه السلام) في صحيح العيص عن الفطرة قال: (قبل الصلاة يوم الفطر) و ظاهره إن يوم الفطر ظرف للفطرة لا ظرف للصلاة و غيره من الأخبار الدالة على الأمر بإعطائها قبل الصلاة و إنها بعد الصلاة تكون صدقة فإنها ظاهرة في كون وقتها ذلك اليوم لأنه الظاهر من لفظ القبلية فلا تشمل ما قبله إلى مبدأ الشهر رمضان كما هو القول قطعاً فإذا كان وقتها ذلك حرم تقديمها عليه لما تقدم من الأخبار في الزكاة المالية (أنه ليس لأحد أن يصلي الأولى إلا لوقتها) و كذلك (لا يصومن أحد شهر رمضان إلا في شهره و كل فريضة إنما تؤدى إذا حلت) و الجمع بين الصحيح المجوز للتقديم و بين هذه و إن أمكن تقيده هذه به لأن ما بينهما كما بين المطلق و المقيد و يجب الجمع بينهما إلا أن الظن يقوى يبعد ذلك في ذلك و يحكم بعدم مقاومته لها و عدم تقيدها به كما لا يخفى على المتأمل.

الثالثة: الأظهر و الذي يقوى في النظر إن آخر وقتها الزوال لمن لم يصل صلاة العيد

للاستصحاب من غير معارض و للخبر (إن أخرجها قبل الظهر فهي فطرة و إن أخرجها بعد الظهر فهي صدقة لا تجزيك و من صلى صلاة العيد فأخر وقتها التلبس بالصلاة فلها وقتان زماني و فعلي و الدليل على الزماني ما تقدم من الاستصحاب و الخبر السابق و مفهوم الروايات المحدودة لوقتها بالخروج إلى الصلاة أو بناء على امتداد وقت الصلاة إلى الزوال كما هو فتوى الفقهاء نعم الأحوط دفعها قبل الزوال بمقدار أداء الصلاة تقديراً لا أقل المجزي عنها تغضياً عن شبهة إن وقتها وقت اتساع الصلاة و تتضيق عند ضيقها و الدليل على الفعلي فتوى المشهور و الإجماع المنقول على وجوب البدار إليها قبل الصلاة و الأخبار المتكثرة المعتبرة بما قدمنا فمنها رواية إبراهيم

143

الدالة على أن ما أعطيت قبل الخروج إلى العيد فهي فطرة و إن كان بعد الخروج فهي صدقة و منها رواية عبد الله بن سنان و فيها (إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل أو بعد الصلاة) و منها الصحيح (يعطي الفطرة قبل الصلاة فهو أفضل) و منها (ينبغي أن تؤدي الفطرة قبل أن تخرج إلى الناس إلى الجباية فإذا أداها بعد ما رجع فإنما هي صدقة) و رواية سالم بن مكتوم الجمال عن الصادق (عليه السلام) أعطِ الفطرة قبل الصلاة و هي قوله تعالى: [وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ*] سورة البقرة آية (43، 83، 110) النساء آية (77) النور آية (56) المزمل آية (20) و إن لم يعطها حتى ينصرف من صلاته فلا تعد له فطرة و منها رواية سليمان بن حفص الروزي (و إن لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة و المفهوم من هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض و ضم فتوى المشهور إليها إن المراد بالصلاة صلاة العيد خاصة و إن المراد بكونها صدقة خروج وقتها و صيرورتها ندباً بقرينة مقابلة لفظ الصدقة للفظ الفطرة و إلا فالكل زكاة صدقة فلا منع للمقابلة و إن المارد بقوله افضل هو الفضل لا معنى التفضيل كما إن المراد ينبغي هو الوجوب لا الندب بقرينة المقابلة أيضاً و ذهب العلامة (رحمه الله) إلى أن آخر وقتها يوم العيد و يجوز تأخيرها عن الصلاة اختياراً و كذا عن الزوال لصحيحة العيص عن الفطرة متى هي قال: (هي الصلاة يوم الفطر) قلت: فإن بقي منه شيء بعد الصلاة فقال: (لا بأس تعطي عيالنا ثمّ يبقى فتقسمه) و أيده صاحب المدارك بقوله في صحيحة الفضلاء يعطى يوم الفطر فهو أفضل و كلاهما ضعيف لظهور صحيحة العيص في جواز التأخير مع العزل و نحن لا نمنعه و ظهور صحيحة الفضلاء بالوقت الخاص الذي كان معهوداً عندهم غير منكور ما بينهم على أنه مطلق فيحمل على المقيد جمعاً و ذهب في الفضلاء إلى امتداد وقتها إلى الزوال استناداً إلى أن المراد بالصلاة في صحيحة العيص وقتها و وقتها ممتد إلى الزوال فيمتد وقتها حينئذ إليه.

الرابعة: الأظهر أنه لو خرج وقتها الفعلي و الزماني لم يجب قضاؤها

للأصل و لخلو الأخبار البيانية عن ذلك و للحكم بأنها صدقة بعد ذلك فالظاهر في الندب

144

فدعوى وجوب قضائها لا دليل عليها يعتد به و لكنه حيث نسب لجمع من أصحابنا و كان احتمال إن الوقت وقت للتأدية لا للخطاب التابع لشغل الذمة في نفس الزكاة كشغل الذمة بالدين المؤقت تأديته في زمان حاضر فإنه بفوات وقت التأدية لا يسقط احتمالًا لا يبعد بنظر الفقيه كما إن الأحوط العمل عليه بل الأحوط فعلها من دون نية القضائية و الأدائية تغضياً عن مذهب ابن إدريس حيث أوجب الإتيان بها أداء مطلقاً.

الخامسة: يجوز عزل الفطرة

بمعنى تعينها في مال خاص من أمواله بأنها فطرة و أنه متقرب بها إلى الله تعالى (مح) يخرج المال عن ملكه و يصير مالًا للفقراء و إن بقي له حق الاختصاص بالتصرف فيه و دفعه لمن يريد و ليس لأحد أن يعارضه إلا الحاكم الشرعي في وجه قوي و هل يشترط مساواة القدر المعزول للقدر الواجب أم يكفي عزل ما هو أنقص منه أو أزيد مشتملًا عليه وجهان أقواهما الأول اقتصاراً في الخروج عن الأصل و عن بقاء ملك المالك على حاله و عدم الخروج عنه بالقول على مورد اليقين و هل يكفي في العزل النية أم يشترط قبض المالك للمعزول و إفرازه عن ماله وجهان و الأقوى اشتراط ذلك بيناهُ و هل يجب العزل عند فقد المستحق أم لا يجب وجهان أقواهما الوجوب لأنه نوع إيصال للمستحق و لا يترك الميسور بالمعسور.

السادسة: إذا عزلت الفطرة كانت أمانة بيد الدافع لا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط

و منه نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحق في بلدها و منه تأخيرها تأخيراً يقيد به مع وجود المستحق لها و يجوز دفعها زكاة في كل وقت مع العزل و إن أثم بالتأخير و الأقوى إن الدفع أداء لا قضاء كما يظهر من الأخبار ففي الصحيح أو الحسن عن الفطرة قال: (إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها قبل الصلاة أو بعد الصلاة) و في صحيح زرارة في رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلًا قال: (إذا أخرجها من ضمانه فقد برأ و إلا فهو ضامن لها حتى يؤديها) و هذه الرواية قد تصلح شاهداً على وجوب العزل مع عدم المستحق على وجه إرادة العزل من قوله (إذا أخرجها من ضمانه فقد برأ من شغل ذمته) بوجوب الأداء و بقيت عنده أمانة و قد يراد منها أنه إذا أوصلها إلى أربابها بعد العزل فقد برأ و إلا فهو مخاطب بإيصالها إلى أن يؤديها فيراد

145

بالضمان وجوب التأدية و قد يراد بالضمان معناه الحقيقي لكنه مقيداً بالتفريط و التأخير و شبهها و قد يراد منها غير ذلك و الأول اظهر و لما كانت نية القضائية و الأدائية غير مقومة الفعل الغير مطلوب سهل الأمر في البحث عن كونها قضاء بعد خروج الوقت أو أداء.

تم كتاب الزكاة

و يتلوه كتاب الخمس

146

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

كتاب الخمس

بحث: الخمس حق مالي فرضه الله تعالى لبني هاشم في أموال مخصوصة عوض الزكاة

و هو من العبادات المالية موضوع بالوضع الشرعي لخمس مال مخصوص من قبيل نقل العام إلى الخاص و يحتمل قوياً بقاءه على المعنى اللغوي و ما زاد عليه شرائط الصحة التعبدية و على الأول فيكون من الموضوعات المجملة فما شك في شرطيته أو شطريته أو مانعيته حكمنا بها كذلك قضاء لوجوب فراغ الذمة بعد شغلها كذلك و على تقدير فالأصل يقضي باتحاد أحكام الزكاة مع أحكام الخمس إلا ما خرج بالدليل لما يفهم من الأخبار من بدليته عن الزكاة لبني هاشم و المبدل حكمه حكم المبدل عنه فيجري حينئذٍ حكم العزل و يتعلق بالغير فيجري عليه أحكام الشركة و الضمان مع التأخير و التفريط و يجزي فيه دفع قيمة بدل العين و جواز التصرف به مع الضمان و يدل على تعلقه بالعين أيضاً عمومات الأدلة و خصوصاتها المشتملة على لفظ في و اللام الظاهرين في الشركة لمكان الظرفية المجازية و الملكية الحقيقية

و يتعلق الخمس بسبعة أشياء:

الأول: الغنائم

و وجوبه فيها يدل عليه الكتاب و السنة قال الله تعالى:

[أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ] (الأنفال آية 41) و الخ أما لعموم الغنيمة فائدة فتدخل فيها الغنائم بالمعنى الأخص كما فسرت في الأخبار و كلام الأخيار و أما لخصوص إرادة الغنيمة بالمعنى الأخص منها لظهور استعمالها فيها شرعاً و الأخبار في وجوبه في الغنيمة من المتواترات بل ربما يعد ذلك من الضروريات إنما الكلام في أمور:

أحدها: أن المراد بالغنائم غنائم دار الحرب

و هو المأخوذ من الكفار المحاربين على وجه القهر الجند أو الأخذ بصلح أو دعوى باطلة أو ربا و كذا ما أخذ بسرقة أو غيلة من منقول أو غير منقول من أرض و غيرها فلو أخذ من غير الحربيين من

147

المعاهدين أو أهل الذمة أو المتشبهين بالإسلام كالغلاة و الخوارج و النصاب لم يملكه الأخذ و لا يجب فيه الخمس و في بعض الروايات ما يدل على جواز أخذ الناصب و دفع خمسه للإمام (عليه السلام) فهو مطرح بل يدعى أن الإجماع على خلافه فتنزيله على الكفار كما نزله الحلي غير بعيد و مثلي ذلك ما أخذ من الحربيين و علم أنه مغصوب من مسلم أو معاهد أو معتصم بأمان و شبهه فإنه مثل ذلك في عدم جواز.

ثانيها: يشترط فيما أخذه الجند من خيل أو ركاب أن يكون بأذن الإمام (عليه السلام)

فلو أخذ من غير أذنه كان كله للإمام (عليه السلام) للخبر المعتبر الآتي إن شاء الله تعالى في الأفعال و يلحق بالإمام (عليه السلام) نائبه العام و الخاص و ما كان للإمام فقد أحله للشيعة من عقارات و تجارات و مملوكات من عبيد و إماء و مساكن و شبهها و لكن الأحوط الاقتصار على ما يأخذه حكام الجور و الغاصبين لحقهم من المخالفين و يقوى إلحاق غير المخالفين بهم و الأحوط تركه.

ثالثها: يخرج خمس الغنيمة بعد إخراج المؤن و السلب و الجعائل و ما يوضحه الإمام (عليه السلام) للنساء و العبيد و غيرهم

لأن الخمس زكاة في المعنى و للزوم الضرر حينئذٍ لعدم انصراف لفظ الغنيمة ظاهر إلا لما يحصل بيد المغتنم بعد إخراج مئونة و للصحيح الدال على إخراج الخمس بعد المئونة.

الثاني: المعادن

و هي جمع معدن من عدن أي قام الإقامة ما يحمل منه فيه أو لإمامة الناس لأخذ ما فيه و هو ما كان من الأرض و خرج عنها في الجملة لخصوصية فيه يعظم الانتفاع بها و يكون لأجلها لها قيمة عرفية سواء كانت منطبعة كالنقدين و الحديد و الرصاص و غيرها أو غير منطبعة كالياقوت و العقيق و الفيروزج و البلور و الكحل و المرجان و النورة و طين الغسل و حجارة الرحى هي بالتشديد منبت الملح و إن شئت قلت أرض سبخة ما لا يجري فيها الماء فيصير ملحاً و الملاحة و حجر النار و القير و النفط و الكبريت و لا يبعد إلحاق الجص بذلك و تعميم المعدن لجميع ذلك و هو الأظهر في كلام أهل اللغة و الفقهاء و عليه ظواهر الإجماعات المنقولة و يشعر به بعض الروايات الصحيحة الجاعلة للملاحة من المعادن و خص بعضهم المعدن بمنبت الجوهر

148

من ذهب و نحوه خاصة اقتصاراً على مورد اليقين من صدق لفظ المعدن على المشكوك في صدقه عليه و لتقسيم بعض أهل اللغة المعدن بذلك فيجعل الملاحة في بعض الأخبار مثل المعدن لا المعدن نفسه و لكن الكل لا يقاوم ما قدمناه و على هذا فهل يجب الخمس على غير منبت الجوهر لأنه غنيمة و هي عامة لكل فائدة أم لا يجب وجهان أقواهما الوجوب للعمومات إلا أنه غير معدن لا يوجب فيه نصاباً و لا تخرج منه مئونة السنة بخلافه على انه معدن كما بينا عليه و لا يجب إخراج الخمس إلا بعد المئونة من السبك و الحفر و آلات الأعمال المحتاج إليها لظاهر كلمات الأصحاب و للصحيح الدال على إخراج الخمس بعد المئونة و هل يعتبر في المعدن نصاباً أو لا يعتبر قولان أظهرهما اعتبار ذلك لصحيح البزنطي الدال على ذلك و منه (ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً و به يخص المطلقات المثبتة للخمس في المعدن و ذهب جمع من فقهائنا إلى عدم اعتبار النصاب للعمومات و الإجماعات المنقولة و هو ضعيف لتخصيص العمومات بالصحيح المعتبر المنجبر بفتوى مشهور من الأصحاب و بالأصل لضعف الإجماع المنقول بمصير الأكثر إلى خلافه و عدول ناقلة عن مضمونه في كتاب آخر و على اعتبار النصاب فالاعتبار ببلوغ عينه أو قيمته أول نصاب الزكاة من مائتين درهماً أو عشرين ديناراً للصحيح المتقدم الظاهر في إرادة القيمة لا العين لعدم اختصاص بالمذهب خاصة اتفاقاً و الظاهر إرادة المثال من ذكر الدينار لتقارب قيمة نصابه لنصاب الدراهم كما يشهد به سياق الأخبار الأخر و فهم المشهور من الأصحاب و إن كان الاقتصار في بلوغ القيمة و العين على عشرين ديناراً و هو الأحوط و ذهب الحلبي إلى أن النصاب دينار و هو مروي و الرواية ضعيفة و الركون إليها في مقابلة ما ذكرناه أضعف و لا يعتبر حصول النصاب دفعة بل يكفي التدريج و لو طال زمان الحصول و دفع الفاصل الطويل مع الإعراض و بدونه لعموم الأدلة و كذا لا يعتبر اتحاد المعدن بل لو بلغ النصاب من معادن متعددة وجب الخمس و يحتمل قوياً اشتراط اتحاد نوع المعدن و اشتراط عدم الفاصل المعتد به و عدم الإعراض في أثناء الفواصل و لكن الأول أقوى و لا يجزي دفع تراب المعدن مع العلم باختلاف الجوهر و كذا مع العلم

149

بالتساوي يحتمل الإجزاء لعموم الأدلة و يحتمل عدمه لانصراف الأدلة إلى وجوب الإخراج من الجوهر بنفسه بعد تصفيته و لو وجد معدناً مطروحاً فلا خمس فيه و لا فرق في وجوب الخمس بين أن يكون المعدن مملوكاً لأهله كأن يكون في أرض مملوكة و بين أن يكون مباحاً و قد جازه و لا يجب الخمس على الشركاء حتى تبلغ حصة كل شريك نصاباً.

الثالث: الكنز

و يجب فيه الخمس بالنص و الإجماع بقسميه و الكتاب بناء على شمول الغنيمة لكل فائدة و لا يجب فيه حتى تبلغ عينه أو قيمته مائتيْ درهماً أو عشرين ديناراً للإجماع المنقول و الصحيح عما يجب فيه الخمس من الكنز فقال: (ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس) و ظاهره بيان المقدار لا النوع كما فهمه الأصحاب و قضت به عمومات أخبار الباب بل الظاهر عدم الخلاف في وجوبه في غير الدراهم و الدنانير من فضة و ذهب غير مسكوكين و نحاس و صفر و آنية و جواهر و غير ذلك فحمله على إرادة بيان المقدار أولى من حمله على إرادة بيان النوع و ارتكاب التخصيص لتأييد ذلك بفهم الفقهاء و إشعار سياق الأخبار و تصريح المرسل به لتضمنه السؤال عن المقدار و من خص النصاب بالعشرين ديناراً أراد التمثيل لعدم وجود دليل على الحصر بذلك و الظاهر أن المعتبر هو النصاب الأول و يجب بما بعده الخمس قل أو كثر و لا يعتبر فيه نصاب ثاني بحيث لو لم يبلغه لم يجب فيه شيء كالزكاة لعمومات الأدلة و خصوصاتها الواردة في الكنز و لا يصلح الصحيح المتقدم لتخصيصها إلا بالمفهوم الضعيف الذي لا قابلية له للتخصيص و يجب الخمس بعد إخراج المؤن و المصارف على إخراجه و الكنز هو المال المدفون المذخور تحت الأرض لنفسه أو لفعل فاعل فلو كان فوقها مطروحا و ان كان قبل ذلك مذخوراً فأخرجه الربح أو السيل أو في بناء أو في جدار أو شجرة أو خباء من بيوت أو خشب أو تحت حطب لم يكن من الكنوز و لا فرق في الكنز بين وجدانه في أرض الحربيين المملوكة لهم أو غير المملوكة و بين وجدانه في أرض المسلمين المباحة أو المملوكة لهم سابقا فخربت و باد أهلها أو ذهبوا عنها و المملوكة لهم بالفعل و لكنهم لم يدعوها و بين كونه في أرض الحربيين و المسلمين معاً

150

و بين كونه عليه أثر الإسلام أو لم يكن عليه ذلك فإنه في ذلك كله يجري عليه حكم الكنز لعموم دليله و لعدم انصراف أدلة اللقطة إليه لأنها المال الذاهب من غير شعور و لأصالة إباحة التصرف و هو معنى الملك إلا أن الأحوط فيما عليه أثر الإسلام و كان في أرض المسلمين أو دورهم إجراء حكم اللقطة عليه كما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) لظهور سكة الإسلام في إجراء يد المسلم سابقاً عليه و لقوة احتمال أن الأصل المنع من التصرف حتى يقوم دليل و لرواية محمد بن قيس و إن كان الأول أقوى لضعف جميع هذه الأدلة و كذا ما وجد في جوف حيوان مباح قد ملك بالصيد و شبهه فإنه لواجده و الأحوط إعطاء الخمس منه لدخوله في الغنيمة و لو أخذ الحيوان من يد مسلم و لم يعلم في بطنه على سلطان يده عرفه المالك السابق فإن عرفه كان له إن اتحد أو تعدد كان لهم موزعاً و يحتمل القرعة و إن تعاقبت أيديهم احتمل الوجهان و الحكم بكونه للأخير منهم وجه قوي و لو علم بسبق ما في على سلطان يده و لم يعلم منه نية الحيازة ملكه واجده و جرى فيه الخمس و الأحوط تعريف القابض الأول مع الشك في نية حيازته و عدمها و أما ما وجد في بطن حيوان مملوك بالأصل فيجب فيه التعريف للبائع الأخير سواء كان عليه أثر الإسلام أم لا فإن عرفه فهو له و إلا ملكه المشتري و عليه الخمس و لو تعدد البائعون عرفهم جميعاً على الأظهر الأحوط و في الصحيح عرفه البائع و ظاهره الاكتفاء بالبائع الأخير و الأصل يقضي به أيضاً لكيلا نقول به لقوة دليل وجوب تعريف الملاك السابقين ذلك و يظهر من بعض الأصحاب أن الخمس في هذه كالخمس في الكنز و لا دليل عليه و الظاهر أنه كخمس الغنائم.

الرابع: الغوص

و يجب فيه الخمس لعموم الكتاب و السنة و خصوص الأخبار المستفيضة الدالة على أن (الخمس من خمسة أشياء وعد منها الغوص) و منها المروي في الخصال فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه و الكنوز الخمس و منها الآخر عن العنبر و عوض اللؤلؤ قال: (عليه الخمس) و المراد بما يخرج من البحر و هو الغوص بقرينة فهم الأصحاب و باقي أخبار الباب و لا يجب في الغوص حتى يبلغ نصابه ديناراً للاتفاق على وجوبه في الأقل من