أنوار الفقاهة (كتاب النكاح)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
262 /
201

أن العمل الراجع لأبيها يكون مهراً لها قهراً لتعليلهم (عليهم السلام) في الروايات أنه ثمن رقبتها و هي أحق بمهرها نعم في بعض الروايات ما يدل على أن المنع من جهة عدم الوثوق بالبقاء حتى يؤدي عمله الذي جعله مهراً و إن موسى (عليه السلام) حيث كان واثقاً بالبقاء جاز له ذلك و لكنها محمولة على الكراهة لاشتمال بعضها على جواز جعل المهر تعلم سورة و لأن العمل بها يقضي بانسداد باب الإجارة في عقود المعاوضات من اصله و لا قائل به فيما هو أولى من المهر بإرادة البقاء ككثير من حقوق الأموات و الاحياء.

ثالثها: لو عقد الذميان و نحوهما على خمر أو خنزير أو نحوهما صح النكاح

و كان ذلك مهراً لها و تملك الامرأة ثمنه لو باعته و يصح لنا الاكل من ثمنه للزوم إقرارهم على مذهبهم و لو ترافعوا إلينا كان لنا أن نرجعهم إلى حكامهم فيأمروهم بدفع الخمر و الخنزير إلى مستحقه عندهم و لو أرادوا حكمنا لزمنا أن نحكم بينهم بما أنزل الله فنأمرهم بدفع قيمتها عند مستحليها أو مهر المثل و لو أسلم الزوجان أو أحدهما بعد تقبيض الخمر و شبهه للزوجة برأت ذمة الزوج من المهر و إن أسلما أو أسلم أحدهما قبل دفع ذلك المهر المحرم كلًا أو بعضاً بطل الدفع لحرمة دفع المسلم ذلك و حرمة قبض المسلم لذلك و هل يلزم عند بطلان الدفع قيمته عند مستحليه لأنه بمنزلة غير مملوكة امتنع تقبيضها و تعذر تسليمها على من هي عليه أو يلزم مهر المثل لفساد المهر بالإسلام و خروجه عن الملك فينقل إلى مهر المثل و لأن لزوم القيمة فرع ملك العين المتعذر تسليمها و لا ملك عند إسلامها لأن تعذر التسليم إنما نشأ من عدم الملك قولان أشهرهما الأول و يدل عليه خبر عبيد بن زرارة في نصراني تزوج نصرانية على ثلاثين دنا من خمر و ثلاثين خنزيراً ثمّ أسلما بعد ذلك و لم يكن دخل بها قال ينظر كم قيمة الخمر و كم قيمة الخنزير فيرسل بهما إليها ثمّ يدخل عليها و هما على نكاحهما الأول نعم في رواية الكافي انهما إذا اسلما قبل أن يدفع اليهما الخمر و الخنازير حرم عليه أن يدفع إليها شيئاً من ذلك و لكن يعطيها صداقا و هي قابلة لتنزيلها على مهر المثل و محتملة للحمل على القيمة كما هو المشهور و هو الأولى و على

202

القيمة فهل هي يوم العقد أو القبض أو يوم الإسلام أو المطالبة وجوه أقواها يوم الإسلام لتعذره فيه و لو أمهر المسلم الخمر أو الخنزير أو نحوهما مما لا يصح تملكه ففي صحة العقد و بطلانه قولان.

أحدهما: البطلان مع جهل الزوجة بالفساد و مع عدمه على الأظهر و ذهب إليه جمع من القدماء محتجين بأن الرضا شرط في صحة العقد و قد وقع على باطل فما وقع عليه الرضا غير صحيح و ما يصح لم يقع عليه الرضا و لأن المهر ما تراضيا عليه لا يكون مهراً و لو صحّ العقد لكان المهر غير ما تراضيا عليه و هو خلاف الرواية و لأن النّكاح عقد معاوضة أو كعقد المعاوضة فيفسد بفساد العوض كالبيع و يدلّ على كونه معاوضة إطلاق لفظ الأجر على المهر في قوله تعالى: (وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) و جعله مدخولًا للباكر كزوجتك بكذا و قولهم (عليهم السلام) في بعض الأخبار أنه مستام و إنه يشتري بأغلى الثمن و إن المهر ثمن رقبتها كما في بعض آخر.

و ثانيهما: الصحة ذهب إليه جمع من المتأخرين و الظاهر أنه المشهور سواء كان مع جهل الامرأة بالفساد أو مع علمها و الصحة مع الجهل أقرب استناداً إلى أن مقتضى الصحة و هو العقد موجود و المانع و هو بطلان المهر لا يصلح للمانعية لأن العقد يصح من غير ذكر المهر بل مع ذكر المهر بل مع ذكر عدمه فلا يزيد ذكر المهر الفاسد على اشتراط عدم المهر و لأن المهر لو ظهر مستحقاً صح العقد و إن لم يجز المالك من غير خلاف بخلاف غيره من غيره من المعاوضات و كذا لو أمهر الزوج ما يظن صلاحيته للمهر فبان أنه غير صالح فإنهم متفقون على الصحة و لتسمية نحلة في الكتاب العزيز و النحلة هو العطية و أجيب عن هذا الدليل بالفرق بين عدم ذكر المهر و ذكر المهر الفاسد لأنه في الأول وقع التراضي بدونه و في الثاني قد ارتبط العقد به فصار كالجزء منه فتوقف ملك البضع على ملكه و الرضا بالعقد على الرضا به و هذا الجواب ضعيف لعدم تسليم ارتباط العقد به كارتباط الشرط بحيث أنه لو خرج فاسداً فسد المشروط بفساده و لو لم يسلم المشترطة تسلط على الخيار و الفارق العرف فإن أهل العرف لا

203

يعدون المهر من الشرائط و لو سلّم فلا نسلم أن الشرط الفاسد مما يفسد عقد النكاح بفساده و لأن المقصود من النكاح هو الاستمتاع فركناه الزوجين و تسليط الزوجة الزوج على بضعها و تسمية المهر أجراً أو دخول الباء عليه لا يلزم منه كونه عوضاً حقيقياً عن البضع لأن البضع لا يملك على حد الأشياء المملوكة كي يكون ما يقابله عوضاً حقيقياً فالقول الأخير أقوى و على تقدير الصحة ففي وجوب مهر المثل مطلقاً قبل الدخول أو بعده لأنه عوض البضع حيث لا مهر و المهر الفاسد بمنزلة عدمه و فيه أن الانتقال لمهر المثل عند فساد مسمى المهر مع عدم الدخول مفتقر إلى دليل و لم يثبت أو بعد الدخول فقط لأنه عوض البضع حيث لا مهر بعد استيفائه و لا دليل على قيامه مقام الفاسد مطلقاً أو وجوب قيمته عند مستحليه أو إرجاعه إلى ما قيمة له كالحر يقدر عبداً و كذلك لان العين لما تعذرت كان أقرب الاشياء إليها القيمة و لأن المعقود عليه هو العين لكن باعتبار ماليته فلما انتفت العين بقيت المالية و هو ضعيف لأن الانتقال إلى القيمة فرع ملك العين فإذا لم تنتقل العين احتاج نقل القيمة إلى ناقل جديد و ليس فليس على أنه لا يجري فيما لا قيمة له و لو تقديراً كالتراب و الحشرات أو وجوب القيمة فيما له قيمة في الجملة كالخمر فإن للخمرة قيمة للظاهر أن الذمي لها للذمي و ضمان المسلم لها للذمي المستتر و وجوب مهر المثل فيما لا قيمة له كالخمر و الخنزير و الحشرات و التراب و كذا غير المقدور أقوال و في الاخير قوة إن كان العقد مع الجهل بالفساد و إن كان مع العلم فلا مهر إلا مع الدخول لتنزيلها منزلة الإقدام على عدم المهر.

رابعها: كل ما يتمول بحيث يقابل بعوض عرفاً يصح جعله مهراً

قل أو كثر عيناً أو منفعة أو إسقاط حق كما إذا جعلت مهرها اسقاط خيار زوجها و ما لا يتمول لقلته أو لنجاسته من عين أو منفعة لا يصح جعله مهراً لانصراف أدلة المهر إلى ما يتمول و لأن المعاوضة على ما لا يتمول بسفه فلا يكون مهراً و لا حد له في القلة كما لا حد له في الكثرة للإجماع بقسميه و الأخبار المتكاثرة المعتضدة بالقواعد المحكمة و الاصول العقلية و الشرعية و الكتاب المجيد قال الله تعالى: (وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) و القنطار أربعين أوقية من ذهب أو فضة أو الف دينار أو الف و مائتا أوقية أو سبعين

204

ألف دينار أو ثمانون الف درهم أو مائة رطل من ذهب أو فضة أو ملؤ مسك ثور ذهباً أو فضة و في الخبر لو أن رجلًا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين الف و جعل لابيها عشرة آلاف كان المهر جائزاً و الذي جعل لابيها جائز و روى أن الحسن (عليه السلام) تزوج امرأة فاصدقها مائة جارية مع كل جارية الف درهم إلى غير ذلك مما لا يحصى فما نقل عن المرتضى من لزوم كون المهر خمسمائة درهم و هو مهر السنة و إن العاقد لا يتجاوزه و إن تجاوزه رد إليه حاكياً على ذلك الإجماع مستنداً إلى رواية المفضل بن عمر الدالة على ذلك ضعيف لا يلتفت إليه لعدم تسليم الإجماع و وهنه بمخالفة الكتاب و السنة و فتاوى الأصحاب حتى كاد المرتضى أن يكون مسبوقاً بالإجماع ملحوقاً به و لضعف رواية المفضل سنداً و اشتمال آخرها على ما لا يقوله اصحابنا و معارضتها عموم الكتاب و السنة فيلزم طرحها أو حملها على الندب على العقد بقدره فإن زاد استحب للامرأة الإبراء من الزائد و ما أدري ما أراده المرتضى (رحمه الله) بلزوم مهر السنة فهل هو مجرد الإيجاب الشرعي و كذا بلزوم الرد فلو عصى العاقد لزم في حقه أو هو فساد المهر الزائد لمكان النهي أو فساد الزيادة دون قدر مهر السنة و هل هو خاص بالمسمى أو عام له و لمهر المثل في المفوضة و العقد الفاسد و الظاهر إرادة العموم و ربما اخترنا ما قاله في الاخير للأخبار الآتية في المفوضة إن شاء الله تعالى و قد ورد في جملة من الأخبار ما يظهر منه استحباباً مهر السنة و ذم المغالاة في المهر.

خامسها: لا يشترط في المهر معلومية القدر

من الكيل و الوزن و العد و الذرع و المساحة بل يكفي المشاهدة و التعين بالوصف الرافع للإبهام أما الأول فللأصل و لعدم كون النكاح من المعاوضات الصرفة فيشترط رفع الغرر من كل وجه و لخلو الأخبار في مقام البيان عن اشتراط المعلومية بذلك النحو و لما ورد من الاجتزاء بكف من طعام دقيق أو سويق أو تمر و من الاجتزاء بالقبضة من الحنطة و من الاجتزاء بما يخص من القران من دون ذكر قرابة خاصة و أما الثاني فلوجود شائبة المعاوضة في المهر فما لم يكن معلوماً بالمشاهدة أو الوصف كان غرراً منهياً عنه و لانصراف أدلة المهر للمعلوم في الجملة فما لم يكن معلوماً كما إذا كان مبهماً أو مجهول القدر و لم يكن مشاهداً أو

205

مجهول الجنس أو الصنف كما إذا مهرها أحد الشيئين أو ما لا أو ما في كمه أو ما في صندوقه أو ما يقوله فلان أو ما نجده تحت الأرض أو ما نحوزه و نصطاده أو ما تحمله الدابة أو عبداً من العبيد أو ثوباً أو غير ذلك كان باطلًا و لزم مهر المثل بعد الدخول فظاهر و أما قبله فإشكال لعدم قيام دليل على اشغال ذمة الزوج بمهر المثل و الانتقال إليه ابتداء و لو وقع المهر مشاهداً و لم يعلم قدره فتلف قبل قبضه أو بعد قبضه و لكنه طلقها قبل الدخول فاراد استرجاع النصف احتمل الأخذ بالمتيقن و الصلح الاختياري و هو الأسلم و احتمل الرجوع إلى مهر المثل في الأول لأنه يكون من قبيل ما لو تلف المبيع قبل قبضه و هو ضعيف لأن ضمان المهر ضمان يد لا ضمان معاوضة فيثبت للزوجة القيمة عند تلفه لا مهر المثل و احتمل الرجوع إلى مهر المثل مطلقاً و هو أضعفها

سادسها: ذكر المهر ليس شرطاً في العقد

كما هو المفهوم من الكتاب و الأخبار و كلام الأصحاب فلو لم يذكر صح العقد نعم لو شرط عدمه كلًا قبل الدخول و بعده بطل الشرط و هل يبطل العقد تبعاً لبطلانه وجهان و يجوز تزويج امرأتين لرجل واحد بعقد واحد و مهر واحد بإيجابين أو إيجاب واحد و لزوم تعدد القبول لأصالة عدم تداخل الأسباب و اقتضاء كل إيجاب قبولًا مستقلًا لا قابل به و كذا تزويج امرأتين لرجلين بمهر واحد و لا يفسد العقد لعموم الأدلة الدالة على الصحة و لفتوى الأصحاب بل ربما يدعى الإجماع عليه و لا يفسد المهر أيضاً لمعلومية الجملة و يكفي معلومية الجملة عند العقد عن معلومية ما يخص كل واحدة منهما عنده لتحقق العلم بعد التوزيع و هو كاف في البيع المبني على اشتراط المعلومية من كل وجه فجوازه في المهر الذي ليس من المعاوضات الصرفة أولى و العمدة هنا في الاستدلال هو أن يقال أن ذلك يصدق عليه أنه معلوم بحسب العرف و لا يدخل فيه الغرر عرفاً و لهذا أجاز في البيع على الأقوى و الأشهر و أما نفس الأول إلى العلم فغير كاف قطعاً و إلا لجاز البيع بثمن مجهول يؤول إلى العلم بعد ذلك و لا نقول به و على ما ذكرنا فيصح أن يجتمع مع التزويج بقبول واحد و مال واحد ثمن مبيع و أجرة عمل أو عقار من غير تفاوت بين كون الجميع عائداً للزوجة فتملك الجميع أو عائداً للزوجة و غيرها فيفتقر إلى التقسيط

206

و على ما اخترناه من صحة المهر في جميع ما تقدم لا بد من التقسيط و هو أن يقسط المسمى على نسبة مهر المثل للزوجتين بأن يلاحظ قدر مهر المثل كل واحدة منهما فينسب أحدهما للآخر فيعرف قدر النسبة من التسوية أو التنصيف أو غيرهما فيدفع لهما كلا على نسبة ذلك من المسمى و كذا الحال لو اجتمع مع المهر ثمن مبيع أو أجرة عمل و هل يقوم أحدهما منفرداً و يقومان مجتمعين فتنسب قيمة الانفراد إلى قيمتهما مجتمعين أو يقوم كل واحد منهما منفرداً فتنسب قيمة المنفرد إلى قيمتهما منفردين وجهان و تظهر الثمرة فيما لو كان للهيئة الاجتماعية مدخلية و قيل بتقسيط المهر على الزوجتين على نسب الرءوس و هو ضعيف بل خلاف مقصود المتعاقدين مع الإطلاق لأن المهر له شبه المعاوضة و من شأن المعاوضة مقابلة الثمن بما يناسبه من الثمن كما يقتضيه شاهد الحال و المقال و على القول بالبطلان فالأظهر ثبوت مهر المثل لكل واحدة منهن و احتمل هنا لزوم تقسيط المسمى و إن وقع المهر باطلًا و الفرق بينه و بين المجهول المطلق تعذر تقويم ذاك و أحكام تقويم هذا و لكنه ضعيف.

سابعها: لو عقد على مجهول كدار أو عبد أو سيف بطل المسمى

لمكان الجهالة و لا يبطل العقد كما ذكرنا و لا يمكن الرجوع إلى القيمة هنا كما ذكرنا فما لو كان المهر خمراً لتعذر تقويم المجهول نعم نقل عن الشيخ (رحمه الله) و اتباعه أنه لو عقد على دار أو بيت أو خادم كان الواجب لها الوسط من هذه الاشياء أما لانصراف العرف إليها و أما للاخبار الواردة في في هذه الثلاثة بالخصوص أنها يؤخذ منها الوسط كمرسل بن ابي عمير و رواية علي بن حمزة و قد يضعف أن الوسط لو انصرف إليه العرف لانصراف في أكثر الاشياء و لا خصوصية لهذه الثلاثة و لا يقولون به و إن كان الحكم به بمجرد التعبد لوروده في هذه الثلاثة دون غيرها رددناه يضعف الروايات عن اثبات الحكم المخالف لفتوى المشهور و للقاعدة المحكمة في المهور نعم قد يقال أن الروايات كاشفة عن حكم العرف في خصوص هذه الثلاثة أو أن العرف في زمن الصدور كان كذلك و قد يقال أن المهر يفتقر فيه إلى هذا النوع من الجهالة لعدم كونه معاوضة محضة و لعدم دليل واضح على اشتراط المعلومية من كل وجه و الوسط أمر يمكن استعلامه في كل

207

شيء و لو تكثرت أفراد الوسط كان للعاقد الخيار في الدفع فصحة هذه الثلاثة على القاعدة و على تقدير بطلان المهر المسمى فيثبت مهر المثل مع الدخول قطعاً لأنه القاعدة و الأصل مع استيفاء البضع و عدم المسمى و أما مع عدمه فالانتقال إليه محل بحث سيجيء تمامه إن شاء الله تعالى و لو ضم المجهول إلى علم المعلوم فوقع العقد عليهما احتمل بطلان الجميع و الرجوع إلى مهر المثل مع الدخول أو مطلقاً و احتمل الرجوع إليه مع احتساب المعلوم منه فإن ساواه فلا كلام و إن زاد عليه أخذت الزيادة للإقدام عليها و إن نقص عنه لزم الاتمام و احتمل لزوم المعلوم مطلقاً و ضم أقل ما يتمول إليه عوض المجهول إن لم تعلم قيمته أصلًا و إلّا فالمتيقن من قيمته التي لا يزيد عليها قطعاً و احتمل أن يضم إلى المعلوم مثله فيكون المعلوم على النصف ما لم يعلم نقصان قيمته لأصالة عدم التفاضل و على ما ذكرناه من اشتراط المعلومية فلو أصدقها تعليم سورة لزم تعينها و كذا لو أصدقها أي عمل كان لزم تعينه بما يرفع الجهالة لأن المهر من المعاوضات و إبهام السورة و العمل غرر و حينئذٍ فلو شرطت عليه التعليم بنفسه لزم الشرط إلا مع اسقاطه و إلا جاز تولي غيره له سواء كان محرماً لها أم لا لعدم توقف التعليم على النضر إلى ما يحرم على الأجنبي و أما سماع الصوت فالظاهر جوازه بمقدار الحاجة و لو أبهم السورة بطل المهر و لزم مهر المثل مع الدخول أو مطلقاً أو على وجهين و ذهب بعض المتأخرين إلى صحة ذلك مع الإبهام لما ورد عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أنه زوج الامرأة على ما يحسن زوجها من القرآن و هو أشد إبهاماً من السورة و لعدم دليل على اشتراط المعلومية بل عموم الأخبار الواردة في الصداق شاملة للمجهول و المعلوم و هو أو شبهها ضعيف لمعارضته لقواعد النهي عن الغرر في المعارضة و لفتوى الأصحاب و للاحتياط و لانصراف أدلة المهر للمعلوم عرفاً و لعدم تسليم عدم معرفة ما يحسنه الزوج من القرآن حين العقد و هل يجب مع تعين السورة تعين الحرف لتفاوت القراءات يحتمل ذلك و يحتمل جواز الإطلاق مع التخير و يحتمل انصراف المطلق إلى قراءة السواد لأنه هو المعتاد و الظاهر انصراف التعليم للتلاوة لا للحفظ و لو علمها آية ثمّ نسيتها لم يلزم الإعادة بخلاف الكلمة و الظاهر أن مرجع

208

الجميع إلى العرف في قدر التعليم فلو كانت بليدة لا تتعلم سقط تعليمها و ثبت لها أجرة التعليم أو مهر المثل و كذا لو شرطت عليه التعليم بنفسه و لم يمكنه أما لو أمكنه أن يتعلم فيعلم قوى وجوب التعليم من باب المقدمة مع احتمال عدمه فيكون كالتكسب في الدين لو تعلمت عند غيره كان لها الأجرة و الأحوط أن يعلمها السورة تامة بحيث تتمكن من تلاوتها أجمع.

ثامنها: لو عقد على ما يظنان صلاحيته للمهر فبان غيره فلا شك في صحة العقد

كما مر و أما المهر.

فقيل: بلزوم مثل ما ظناه كما إذا ظنا أن الخمر خلًا لزمه الخل أو الحر عبداً لزمه العبد أو الخنزير بقرة لزمه البقرة و هكذا و استدلوا عليه بأن العقد على الخل المعين اقتضى ثلاثة أشياء إرادة عينه بالمطابقة و إرادة الخلية الكلية بالالتزام و كون المهر واجبا بالعقد بحيث يلزمه تأديته فإذا فات الأول لزم إبقاء الأخيرين بحسب الإمكان لعموم لا يسقط و إذا أمرتكم و لا يمكن تحققهما إلا بالمثل لبعد مهر المثل و قيمة الخمر عن إرادة الخل المعين و فيه ضعف لمنع دلالة الخل بالالتزام على إرادة كلية بل إنما يدل على نفس الكلية و نفس الكلية غيره مرادة لتعلق العقد بالجزي المعين و نمنع من إجراء عموم لا يسقط في المعين إذا تعذر شخصه إلى كليه من نوع أو جنس أو غيرهما من الأنواع العقلية بل المتبادر من الرواية هو اختصاصها في المركب ذي الإجزاء إذا انتفى أحد أجزائه و بهذا ظهر لك ضعف ما يقال من أنه عند انتفاء الجزئي المعين يحمل على ما هو الأقرب إليه و هو المثل دون القيمة لبعدها لأن الأقربية مرجح لحمل اللفظ عند انتفاء حقيقته و عند العلم بعدم إرادتها و أما مع العلم بإرادتها و أما مع العلم بإرادتها و انتفاء وجودها فالحمل عليه ممنوع و كذا ضعف ما يقال ان الرضا وقع على الجزئي فالرضا به يستلزم الرضا بالكلي فاذا فات الجزئي بقي الكلي الذي هو أحد الامرين الذي وقع عليهما التراضي لمنع استلزام الرضا بالجزئي للرضا بالكلي عند تعذره فلعل في المشخصات المخصوصة و في المعين من الكلي خصوصية ملحوظة للإرادة فلا يلزم من الرضا بها الرضا به و على هذا فالأمثل له يحتمل الرجوع إلى ما يقال أنه مثل له كالعبد

209

و الرجوع إلى قيمته لأن القيمي أقرب الأشياء نفس القيمة و هذا أيضاً مما يضعف القول به و قيل بلزوم مهر المثل قبل الدخول و بعده للقصد إلى مهر و امتناع ما عيناه بخصوصه و الكلي غير مراد لهما فيرجع إلى مهر المثل و فيه أن الرجوع إلى مهر المثل مفتقر إلى دليل و لا فلا و إن مهر المثل قد يزيد قيمة على ما عيناه فيؤخذ حينئذٍ ما قصدا عدمه و قد ينقص فينقص ما أرادا وجوده و قد قال (عليه السلام): (المهر ما تراضيا عليه).

و قيل: بلزوم قيمة غير الصالح للمهر كالخمر عند مستحليه لأن المقصود في المهر المالية فمع تعذر الغير يصار إلى القيمة و فيه أن الخمر لم تقصد عينه كي ينتقل إلى قيمته و إن ما لا قيمة له كالعبد فيبين حراً لا يشمله قولًا و لا دليل و الظاهر أن الرجوع هنا عند هذا القائل إلى مهر المثل أو قيمة العبد لو كان حراً و المسألة لا تخلو من إشكال و لو أصدق الزوج لامرأته عبدين فظهر أحدهما حراً لم ينحصر الصداق في الآخر بل يجب لها بقدر حصة الحر من مجموع المسمى إذا قوما من مهر المثل أو يجب لها قيمته و لو كان عبداً وجهان و في الأخير قوة.

تاسعها: يشترط ذكر المهر في نفس العقد أو متأخراً عنه

متصلًا به أو متقدماً عليه بحيث يبني العقد عليه و لا عبرة بغيره ذلك و يشترط أن ينسب المهر إلى الزوجة فلو نسبه لغيرها كما تقول زوجتك نفسي بالف لابي بطل المهر إلا إذا نسبته إليها و إنه يوهب بعد ذلك لابيها فلا بأس و لو نسبت إليها مهراً و شرطت هي أو شرط ابوها عليها لابيها أو أخيها أو غيرهما شيئاً آخر صح مهرها و بطل ما شرطته لغيرها أو شرطه زوجها لخبر الوشاء عن الرضا (عليه السلام) قال لو أن رجلًا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفاً و جعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزاً و الذي جعله لابيها فاسداً و إطلاق الخبر قاض بعدم الفرق بين وقوع الشرط لابيها تبرعاً محضاً أو لأجل وساطة أو في مقابلة عمل محلل و لا بين كون الشرط مما يؤثر تقليلًا في المهر أو لا يؤثر و لا بين كون القادم على الشرط هو الزوجة أو الزوج ابتداءً منه أو ولي الزوجة حين عقد على الزوج و كذا لا يصح اشتراط شيء من المهر لغير فلو شرطت شيئاً من مهرها لغيرها كان باطلًا و لا يلتزم به الزوج و يمكن شمول الخبر المتقدم له من غير تفاوت بين كون

210

المشترط نفس الزوجة أو وليها أو أخذه الزوج على نفسه لهما أو اشترطه الزوج و المراد من الممنوع هنا هو أن يكون نفس المدفوع لغيرها من المهر ابتداءً فلو شرطت دفع شيء بعد استقراره مهراً لم يكن به بأس و يظهر من ابن الجنيد نقلًا و كذا من جملة المتأخرين جواز اشتراط شيء من مهرها لغيرها لعموم دليل الشروط و لان المهر عائد إليها فلها أن تضعه حيث شاءت فإن دخل لزمه دفع الكلي و إلا رجع بنصف الكل و هو حسن و قد يناقش في صحة المهر على ما ذكرنا أولًا لان الشرط أدى إلى تقليل المهر لزعم الزوجة صحته كان الإقدام على ذلك القدر من جهة الشرط لم يسلم المهر و كذا قد يمنع من صحة الشرط لو وقع في مقابلة عمل محلل من الأب أو الأجنبي لأنه يعود جعالة و لا فرق بين وقوعها في عقد النكاح و بين وقوعها في عقد آخر و الظاهر أن هذا و أمثاله غير ممنوع بل الممنوع هو دفع المال للأب أو لغيره في عقد النكاح لمجرد تزويج الامرأة و التسلط على بعضها أما إرضاء للأب أو للتقرب إليه أو إرضاء للزوجة أو طلباً للاعتبار أو نحو ذلك و هذا هو المتيقن من دليل المنع في الرواية فيبقى الباقي على حكم الأصل.

عاشرها: لو تزوجها على كتاب الله و سنة نبيه مكتفياً بهذا اللفظ عن ذكر المهر فالمعروف بين الأصحاب انصرافه إلى مهر السنة

و هو خمسمائة درهم لظهور تعلق بالمهر و ظهور أن مهر السنة كان كذلك و ظهور الأمر باتباع الرسول في الكتاب فيكون مهر السنة مذكوراً في الكتاب و لفتوى المشهور و الإجماع المنقول و لرواية أسامة بن جعفر الدالة أنه له ذلك إذا مات عنها أو لم يدخل بها و الظاهر أن هذا الحكم مبني على الظاهر من اللفظ فلو علم أن الزوجين لا يعرفان مهراً بنسبة أو لا يعرف أحدهما ذلك أو يعرفان ذلك و لكن لا يريدانه بل يريدان مهراً مضمراً أو تفويضاً أو علقا على بأتزوجك مريدين أن الزواج على ذلك لم يلزم الزوج مهر السنة في جميع ذلك مع احتمال كون ذلك على جهة التعبد و لكنه بعيد نعم قد يقال مع جهلهما بالقدر ينصرف إلى مهر السنة و يفتقر فيه الجهالة لإطلاق الرواية و الإجماع المنقول و لو جعل لامرأته مهرين سراً و علانية بعقد واحد أو عقدين كان السابق منهما هو المهر سواء سبق في

211

عقد مستقل أو في عقد واحد إلا إذا تواطئا أن السابق صوري لا يراد و نصباً على ذلك قرينة وقت العقد أو قبله من غير فاصل يعتد به و لو تواطئا على مهر خاص و ذكرا ما هو أرجح منه مريدين به ذلك الخاص مجازاً أو لحنا في الاستعمال بنصيب قرينة حال العقد أو قبله من غير فاصل يعتد به كان الاعتبار بما قصداه لا بما أظهراه سواء قلنا أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية و من بنى المسألة على ذلك فحكم ببطلان المهر على الأول و صحته على الثاني لم نرتض قوله و لا نتبع رأيه نعم لو تواطئا على أن الصداق الف ثم ذكرا في العقد الفين صورة و لكن لم يريدا بهما الألف فالظاهر أنه يكون من قبيل العقد المجرد عن المهر لعدم ذكر الألف و وقوع الألفين لغواً في خبر زرارة رجل أسر صداقاً و أعلن أكثر منه قال هو الذي أسر و كان عليه النكاح و هو محمول على المعنى الأول أو الثاني دون الأخير على الأظهر.

حادي عشرها: المهر المضمون على الزوج قبل قبضه كلًا أو بعضاً فإن كان كلياً فلا يتشخص إلا بقبضة

و لا كلام فيه و إن كان معيناً ضمنه الزوج بمثله أو قيمته كضمان اليد من المقبوض بالسوم و المستعاد كما عليه فتوى المشهور لعموم دليل الضمان كعموم على اليد ما أخذت و صدق وردوا الأمانات إلى أهلها عليه و لا يضمن ضمان معاوضة كما قد يحتمل من كلام جمع من الفقهاء لأصالة عدمه لأنه مؤدى إلى انفساخ المهر كتلف المبيع قبل قبضه فإنه يكون من مال بائعه و في المشهور فإن البيع ينفسخ و يجب مثل المبيع أو قيمته و هو عجيب و كان أصلها و لا فنقصت و كله خلاف الأصل و لجواز إعراء النكاح عنه فلا يكون على حد المعاوضة و لعدم انفساخ النكاح تبلغه أو برده و لعدم سقوطه بمنعها نفسها إلى موتها و لصدق اسم النحلة عليه و ما شابهها و لعدم ضمان مقابلة باستيفاء غير الزوج له و لعدم ضمان مقابلة بالتفويت غالباً و لجواز التفويض فيه فيتقدر بعد ذلك و لاغتفار حد الجهالة فيه و لعدم فساد العقد بفساده و لتقديره بقدر خاص على وجه الندب أو الإيجاب على قول و لتنصيفه في الطلاق قبل الدخول و لو لا ذلك لكان أماً ثابتاً كله أو فائتاً كله إلى غير ذلك مما لا يحصى من الاحكام المخالفة لقواعد المعاوضة و وجه ما احتمله جمع من أن ضمانه ضمان

212

معاوضة هو إطلاق الأجر عليه في الكتاب و دخول البا عليه و ثبوت الخيار فيه و إطلاق الثمن عليه في الأخبار و جواز رده إذا كان معيباً و جواز امتناعها عن الزوج حتى تستوفيه و كلها لا تصلح للاستدلال و إن صلحت لقيام الاحتمال و يتفرع على الأول ضمانه عند تلفه بمثله أو قيمته و على الثاني لزوم مهر المثل لانفساخ المسمى بتلفه و ذكر الشهيدان مهر المثل هنا لم يذكروه وجهاً و هو دليل على اتفاقهم على الوجه الأول نعم ذكر العلامة (رحمه الله) مهر المثل وجهاً فيما لو كان العقد على خل فبان خمراً و هي غير ما نحن فيه لأن ما نحن فيه هو ما إذا صح المسمى في ضمن العقد فتلف لا فيما تبين فساده هذا إن تلف بآفة سماوية و إن أتلفته المرأة فهو بمنزلة القبض و إن أتلفه اجنبي تخيرت بين الرجوع إليه و بين الرجوع على الزوج و إذا ضمن الزوج قيمة المتلوف و كان قيمياً اعتبرت قيمته وقت التلف لأنه زمن الانتقال من وجوب تأدية العين إلى تأدية القيمة و يحتمل قيمته يوم العقد و يحتمل أعلى القيم ما بين العقد و يحتمل اختصاص هذا الاحتمال فيما لو طلبته الامرأة فمنعه لأنه يكون غاصباً فيؤخذ بأشق الاحوال و يحتمل قيمته يوم المطالبة و يحتمل يوم الأداء و كلها مدخولة عدا الأول و إن كان مثلياً فمثله فإن تعذر المثل انتقل إلى القيمة يوم التعذر و يحتمل يوم المطالبة و يحتمل يوم الاداء و يحتمل يوم التلف و كلها مدخوله سوى الأول.

ثاني عشرها: إذا خرج المهر معيباً قبل العقد أو قبل القبض و كان كلياً كان لها ردّه

و أبدا له لعدم تشخصه للقروية لا أن ترضى به معيباً فإن رضيت به مجاناً فلا كلام و إن طلبت الأرش كان لها ذلك إذا امتنع إبداله و إن لم يمتنع إبداله كان الخيار للزوج بين الأبدال و بين دفع الأرش و إن كان معيّناً و كان العيب قبل العقد و لم تكن عالمة به كان لها الخيار بين الإمساك مع الأرش و بين رده و مع رده فهل تثبت قيمته أو مهر المثل فإن قلنا أن ضمانه ضمان يد ثبت الأول و إن قلنا ضمان معاوضة ثبت الثاني و إن كان العيب بعد العقد قبل القبض كان لها الأرش قطعاً لضمان جملته عليه فيضمن له جزاءه و في الرد وجهان ظاهر جمع من أصحابنا أنها لها ردّه و أخذ قيمته أو مهر المثل و ظاهر آخرين أنه ليس لها سوى قبوله مع الأرش لأن ضمانه ضمان يد و قد حصل

213

العيب بعد دخوله في ملكها فهو كنقصان العين المغصوبة و هو الأظهر لأن المهر لو تلف بعد العقد كان للزوجة المثل أو القيمة كما ذكرنا فنقصانه ينجبر بالأرش نعم لو كان ضمانه ضمان معاوضة بحيث ينفسخ المهر عند تلفه قبل القبض كان للزوجة الخيار في الرد لأنه يكون بمنزلة تبعيض الصفقة كما لو وقع العيب قبل العقد.

ثالث عشرها: و لو وجدت الزوجة المهر ملك الغير فإن أجاز صح

و يدخل في ملك الزوجة ابتداءً أو بعد دخوله في ملك الزوج آناً ما وجهان و لا يبعد و في رجوع المجيز على الزوج وجهان و لا يبعد الرجوع لأن إجازته له لا ترفع الضمان و إن لم يجز ثبت لها مهر المثل و يحتمل قيمته إن كان قيمياً و مثله إن كان مثلياً و يحتمل ثبوت الأول مع علمها بأنّه مال الغير و الثاني مع جهلها به و هو قريب.

رابع عشرها: لا يجوز للزوجة الامتناع من تسليم بضعها للزوج

لأنه قد ملك السلطان عليه و تعلق حقه به فلا يجوز مدافعته عن حقه لأنه ظلم و عدوان نطق بالنهي عنه الكتاب و السنة و الإجماع مضافاً إلى ما دل على وجوب حقوق الزوجية و كذا لا يجوز للزوج الامتناع عن تسليم المهر لأن المهر قد ملكته بنفس العقد فيجب أداءه و إلا كان غاصباً آكلًا للمال بالباطل و هو منهي عنه كتاباً و سنة و إجماعاً و لو عصى أحد الزوجين فابتداء بمنع حق الآخر جاز للآخر الامتناع عليه بأداء حقّه في الجملة على ما يجيء إن شاء الله تعالى و لا عصيان منه و لا ضمان عليه و ذلك لأن النكاح له شبه في المعاوضة و من شأن المعاوضة جواز امتناع أحد المتعاوضين بعد امتناع الآخر و كأنه حكم شرعي قضى به إطلاق المعاوضة أو تعبدي أفتى به الأصحاب حتى كاد أن يكون إجماعاً و يدل عليه فحوى قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) و قوله تعالى: (وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا)، و ربما أشعر به ما دل على جواز المقاصة فإنكاره كما أنكره بعض المتأخرين بعيد عن الصواب و ظاهر الخطاب و يجبر الحاكم الممتنع من الزوجين ابتداء لدفع الحق فيدفعه و يتولى تقبيض الآخر أما لو كان امتناع أحدهما لعذر كعجز أو إعسار ففي جواز امتناع الآخر عليه وجهان من إطلاق كلام الفقهاء بالجواز و ظهور إطلاق المعاوضة بالبناء عليه و من جاء من وجوب دفع الحق إلى أهله و عدم كون العذر

214

عدواناً كي يقابل بمثله غايته أنه يكون كالدين و يلزم فيه النظرة إلى ميسرة و لا يبعد البناء على الأخير هذا كله إذا صدر منهما أو من أحدهما امتناع أما لو لم يصدر ذلك و إنما وقع بينهما تشاح في تقديم التسليم و عدمه فطلب كل منهما تقدم صاحبه في التسليم فالذي يظهر من إطلاق عقود المعاوضة و من فتوى جواز امتناع كل واحد منهما عن البدار بالدفع قبل دفع صاحبه مقابلة حتى لو تشاحا فامتنع كل واحد منهما لامتناع صاحبه لم يكونا آثمين و لا ضمان عليهما و الظاهر أن انكار جواز ذلك تمسكا بوجوب دفع الحق إلى أهله و إنّ لم ظلم لا يظلم فيجب عليهما التسالم دفعه و لو على يد ثالث أو بالرجوع إلى الحاكم و إن كان موافقاً للاحتياط و لكنه بعيد عن الصواب نعم قد يقال للحاكم أن يجبرهما على الدفع دفعه واحدة لأنه منصوب لقطع النزاع و الخصومة سواء جاز لكل منهما الامتناع لامتناع صاحبه و أوجب عليهما التسالم دفعه مع احتمال جواز الإيقاف إلى أن يتبادر أحدهما بالدفع فيجبر الآخر و احتمال جبر الزوج على تقديم حق الصداق لإمكان تدارك الفائت منه دون البضع لعدم إمكان تدارك فائته و لأن فائت الزوج لا يعجز عن استيفائه غالباً و فائت الزوجة تضعف عن استيفائه غالباً لضعفها و لجريان السيرة بتقديم المهر على استيفاء البضع غالباً فينصرف إطلاق العقد للغالب و لخبر زرعه عن سماعة عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثمّ جعلته في حل من صداقها يجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئاً قال نعم إذا جعلته في حل فقد قبضه منه فيفهم منه أن تقديم المهر كان أمراً معلوماً ذلك اليوم و للأخبار الدالة على أن ما يعطيها الزوج فتمكنه من الدخول قد استحل فرجها به كخبر أبي بصير إذا تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئاً درهماً فما فوقه أو هدية من سويق أو غيره و هو ظاهر في أن ذلك لجلب رضاها من جهة عدم دفع المهر و حمله على إرادة التزويج بعيد و كصحيح الفضيل فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها حل للزوج به فرجها قليلًا كان أو كثيراً إذا هي قبضته منه و قبلت و دخلت عليه و لا شيء لها بعد ذلك و كمفهوم الآخر إذا اهديت إليه و دخلت بيته ثمّ طلبت بعد ذلك فلا شيء لها و كصحيح بريد عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها

215

سورة من كتاباً الله فقال ما أحب أن يدخل حتى يعلمها السورة أو يعطيها شيئاً قلت أ يجوز أن يعطيها تمراً أو زبيباً قال لا بأس بذلك إذا رضيت به كائناً ما كان و كرواية أبي بصير قال تزوج أبو جعفر فزارها فاراد أن يجامعها فألقى عليها كساه ثمّ أتاها قلت أ رأيت إذا وافى مهرها أله أن يرتجع الكساء قال لا إنما استحل به فرجها و هذا الأخير هو الأقوى و الأحوط و إن أمكن تطرق المناقشة إليه بحمل الأخبار على الاستحباب دون الفرض و الإيجاب لما دل من الأخبار المتكثرة على جواز دخول الزوج بامرأته من دون أن يدفع لها المهر أو استأخر و هي عدة أخبار معتضدة بظاهر فتوى المشهور فيجمع بينهما بالاستحباب لإمكان دفع هذه المناقشة بأن جواز الدخول بدون المهر مع رضاها لا ينكره أحد فلتحمل هذه الأخبار على وقوع الرضا منها و تبقى تلك الأخبار على ظاهرها من إرادة المنع مع عدم الرضا إلا ببذل المهر أو ما يقوم مقامه مما ترضى به ما ورد في تلك الأخبار من لفظ لا يحل و لفظ أنه يستحل لا يحل و لفظ أنه يستحل فرجها أما أن يبقى على ظاهره من الحرمة فيكون إقدامه على الواطئ حراماً و لا بأس بالقول به أو يحمل على المبالغة في التحريض على الدفع و أن لم يكن حراماً لعدم المنافاة بين جواز امتناع المرأة و بين جواز وطئه لها و ما يقال أن الأخبار الامرأة بدفع شيء إنما هي على وجه التعبد فتقيدها بأن الدفع كان لا رضائها لأن لها حقّ الامتناع تقيد لا دليل عليه فالجواب عنه أن الجمع بين الأخبار مع ضميمة قاعدة المعاوضة من جواز امتناع كل من المتعاوضين من التقدم بالدفع إلا مع تقديم صاحبه الزمنا بالقول بذلك و جعلنا الترجيح في جانب تقديم المهر كما ذكرناه من المرجحات و على كل حال فهو خير من الجمع بالحمل على الكراهة إذ لا دليل عليه و من العجيب أن بعض أهل الأخبار قد خالف قواعده في هذا المضمار فحمل الأخبار الآمرة بدفع شيء للمرأة قبل الدخول على الندب و أخذ بالقواعد الاصلية من لزوم دفع كل حق إلى صاحبه و عدم جواز امتناع أحدهما لامتناع الآخر و هو كما ترى

و هنا فوائد

أحدها: لا يتفاوت و الحال بين الامتناع عن كل المهر أو بعضه

في بعض في جواز امتناع الزوجة إذا امتنع عن دفعه لما ذكرناه من المرجحات السابقة مع احتمال أن

216

الزوجة لو أخذت بعضاً منه لم يكن لها الامتناع بعد ذلك لفحوى بعض الأخبار المتقدمة.

ثانيها: لو كان الزوج معسراً لا يتمكن من المهر فهل لها الامتناع أم لا وجهان

من أنها معاوضة و من شأن المعاوضة عدم وجوب دفع أحد العوضين قبل دفع صاحبه العوض الآخر و لا يتفاوت فيه الإعسار و لا الإيسار غايته أن الإعسار رافع لإثم منع دفع المهر لا موجب لبذل الزوجة نفسها و لتحقق الضرر و الإضرار بالمرأة لتأدية بذل نفسها له إلى تثبيطه عن الوفاء و من أصالة وجوب دفع الحق إلى أهله و وجوب طاعة الزوجة للزوج و لزوم اتباعه و الانقياد له خرج من ذلك ما لو كان مؤسراً فامتنع و بقي الباقي تحت تحت القواعد الأولية و لأن الموسر يلزم انتظاره في الدين فمن البعيد أن يسوغ له إن شاء الله تعالى التأخير و يسوّغ للمرأة المنع من دفع حقه بغير تقصير منه و لأن الأخبار الآمرة بدفع شيء للزوجة ظاهرة في الموسر القادر و احتمال أن البضع بيدها بمنزلة الرهن فلها منعه و إلى تسليم حقها مفتقر إلى دليل و ليس فليس و احتمال قضاء عقد المعاوضة سيما عقد النكاح الذي هو ليس من المعاوضات الصرفة بذلك حتى مع الإعسار ممنوع و هذا الاخير أقرب للقواعد كما أن الأول أقرب لفتوى الفقهاء و يمكن الفرق بين الإعسار المقارن للعقد فلها الامتناع دون المتجدد فليس لها العدم تقصير الزوج حينئذٍ بوجه كما يمكن الفرق بين علم الزوجة بالإعسار حين العقد فليس لها الامتناع و بين عدمه فلها ذلك لو لا أن الفقهاء لم يذكروهما فرقا.

ثالثها: لو امتنعت عن تسليم نفسها لمكان امتناعه عن تسليم المهر مع إيساره فالظاهر لزوم النفقة عليه

لتمكينها نفسها له عند تسليمها حقها و امتناعها لامتناعه حق ثبت لها و قد جاء من قبله فلا ينافي التمكين الذاتي و الأصل لزوم النفقة على الزوج خرج من ذلك الممتنعة من التمكين لا لاستيفاء حقها و بقي الباقي و أما مع الإعسار فوجهان من انتفاء التمكين الذي هو شرط في وجوب دفع النفقة و من أنه بحق و قد جاء الحق من قبله فهي ممكنه بالذات و إن كانت ممتنعة بالعارض و الأول أوجه لعدم تقصيره في دفع الحق إليها فيكون الامتناع إنما جاء من قبلها من دون مدخلية له فيه.

217

رابعها: المتيقن من جواز امتناع المرأة من تسليم نفسها عند امتناع الزوج من تسليم المهر هو ما إذا كان المهر حالًا

أما لو كان مؤجلًا كله أو بعضه فلا لوجوب بذل المرأة نفسها هنا من غير معارض لعدم استحقاقها شيئاً في ذمته يسوغ لها الامتناع فعلا و امتناعها للمتأخر كي يقدمه أو امتناعها إلى حلول الأجل كي يؤديه غير جائز فتوى و رواية نعم لو تاخرت عن التسليم لمانع شرعي أو عرفي أو عصيانا إلى أن حل الاجل فهل لها الامتناع حينئذٍ لو طلبها الزوج لحلول حقها المقابل لبضعها أو ليس لها استصحاباً لما تقدم قبل الأجل و لم يتغير الموضوع كي يرتفع الاستصحاب لانا نستصحب عدم جواز امتناعها من غير تقديم ببقاء الأجل أو حلوله و لان الأصل وجوب تمكين الزوجة خرج منه الامتناع للمهر الحال أصالة و بقي الباقي وجهان و لعل الأخير أقوى.

خامسها: إذا دخل الزوج عليها برضاها من دون بذل المهر كلًا أو بعضاً فليس لها الامتناع بعد ذلك

لاسقاط حقها و لأن المتيقن من جواز الامتناع هو ما كان قبل الدخول فيبقى الباقي على موجب الأصل و لأن الأمر في المعاوضة دائر مدار تسليم العوض و البضع هنا قد سلمته بالدخول و لو مرة واحدة تجدد استيفائه يوماً فيوماً لا ينافي تسليمه دفعه إذ لا يعقل تسليمه إلا على ذلك النحو من التسليم فهو كتسليم المنفعة في ضمن المعين و قيل لها الامتناع لأن البضع مما يتجدد استيفاؤه يوماً فيوماً فما لم يستوفِ يكون بمنزلة العوض الذي لم يسلمه صاحبه فيجوز لها الامتناع من تسليمه إلى أن تتسلم المهر في مقابلة و نسب القول به لجمع من أصحابنا و هو ضعيف و لو وطأها كرهاً أو غفلة أو نوماً ففي سقوط حق الامتناع به أيضاً وجهان من حصول الغرض به و ترتب أكثر الأحكام الوطء المصاحب للإذن عليه كالعدة و استقرار المهر و لأصالة وجوب بذل البضع خرج منه حالة عدم الوطء مطلقاً و بقي الباقي و من أن الوطء مع عدم الإذن الفحوائية بمنزلة العدم لو قلنا أنه محرم مع عدم الإذن و لذلك لا يوجب النفقة على الزوج فهو قبض فاسد لا يترتب عليه أثر القبض الصحيح

218

و لاستصحاب جواز الامتناع خرج الوطء مع الإذن فيبقى الباقي و لا يبعد البناء على الأخير.

سادسها: لو شرط عليها في ابتداء العقد عدم الامتناع منها لو امتنع عن تسليم المهر ففي صحة الشرط و لزومه وجهان

و لا يبعد صحته.

سابعها: لو بذلت البضع و لكن لم يستوفه الزوج باختياره لزمه بذل المهر قطعاً

لأن غاية ما يلزمها هو البذل و أما الاستيفاء فأمره راجع إليه و لو كان ممنوعاً عن الوطء لمرض أو خوف أو نحوهما فوجهان و لو كان المانع منها كألم أو مرض و نحوهما فكذلك إلا أن الأوجه أن له الامتناع من تسليم المهر.

ثامنها: لو دفعه لها فمنعت نفسها لم يكن له استرجاعه

لوصول الحق إلى أهله فلا يعود.

تاسعها: لو كانت صغيرة و طلب الولي المهر ففي وجوب إجابته وجهان

و لا يبعد عدم الوجوب بناء على إجراء حكم المعاوضة على عقد النكاح كما هو المفروض في أكثر الفروع لعدم إمكان قبض البضع مع احتمال لزوم دفعه لإقدامه على العقد عليها مع علمه بعدم إمكان وطئها و احتمال أن الولي لو بذلها لاستيفاء بعض المنافع غير الوطء لزمه دفع المهر.

عاشرها: لو بذلت له القبل دون الدبر أو بالعكس كما لو كانت حائضاً فالظاهر سقوط جواز الامتناع عن تسليم المهر

و احتمال تنصيف المهر بالنسبة للامتناع بعيد.

حادي عشرها: لو كانا صغيرين أو كان الزوج صغيرا فالظاهر عدم وجوب بذل المهر لو طلبته الزوجة

حتى لو مكنت الكبيرة نفسها من الصغيرة بإدخال ذكره و لو بآلة لعدم التمكين التام.

ثاني عشرها: لو دفع ولي الصغير المهر فبلغ فهل له ارتجاعه إذا امتنعت وجهان

و كذا لو دفع ولي المجنون فعقل قبل الدخول.

ثالث عشرها: لو وطء الزوج المجنونة أو الصغيرة فالظاهر عدم اعتبار هذا الوطء فلها أن تمتنع نفسها بعد ذلك.

219

رابع عشرها: لو شرط عليها ارتجاع المهر بعد دفعه

لو امتنعت قبل الدخول أو شرطت عليه منع نفسها بعد الدخول لو امتنع عن بذل المهر فلا يبعد فساد الشرط.

خامس عشرها: لا فرق في هذه الاحكام بين عقد الدائم و المتعة

و في مقاصتها إذا امتنعت من بذل نفسها لامتناعه عن بذل المهر بقدر أيام امتناعها وجهان.

سادس عشرها: لو وطأها و هي غير عالمة بأن لها حق الامتناع فعلمت بعد ذلك فالظاهر سقوط حق امتناعها

و جهلها ليس من الإعذار المسقطة لحكم الوطء.

سابع عشرها: لو أمهرها مهراً فاسداً كان لها الامتناع حتى يعطيها مثله أو قيمته أو مهر المثل و لو قلنا لا يجب عليه شيء إلا بالدخول سقط حق الامتناع من قبلها و لو لم يسم لها مهراً فحكم على حكم المفوضة كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

القول في التفويض:

و هو لغة رد الأمر إلى الغير أو إهماله و شرعاً أمر المهر من الزوجين أو ممن يقوم مقامها أو البضع إلى أحدهما أو إلى ثالث أو إهمال ذكر المهر في العقد و تسمى المرأة مفوضة بكسر الواو لإهمال أمرها أو لتفويض مهرها إلى الزوج أو الولي و مفوضة بالفتح لتفويض أمر المهر إليها أو لتفويض الولي أمر مهرها لزوجها فالتفويض قسمان تفويض للبضع و تفويض للمهور و الأول هو إخلاء العقد عن ذكر المهر رأساً عمداً أو سهواً أو نسياناً و الثاني ذكره في الجملة و إيكال أمر تقديره إلى أحد الزوجين أو غيرهما

و الكلام فيه في أمور:

أحدها: لا خلاف بين أصحابنا في جواز إخلاء عقد النكاح عن ذكر المهر

أصلًا و ينعقد نكاحاً و لها مع الدخول مهر المثل على ما سيجيء إن شاء الله تعالى و مع عدمه فإن فرض لها قبل الطلاق شيئاً فطلقها فلها نصف ما فرض و إن لم يكن فرض فطلقها قبله فلها المتعة و لو مات عنها أو فسخ فلا شيء عليه من قبله و يدل عليه قوله تعالى: (لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)، فالمراد من نفي الجناح إلى احدها الغايتين هو نفي المهر بقرينة إيجاب المتعة بعد ذلك في قوله تعالى: (وَ مَتِّعُوهُنَّ)

220

و قوله بعدها: (وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ)، و في خبر عبد الرحمن في رجل تزوج امرأة و لم يفرض لها صداقاً ثمّ دخل بها قال صداق نسائها و في آخر و لم يفرض لها صداقاً فمات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها ما لها عليه قال ليس لها صداق و هي ترثه و يرثها و في آخر و لم يفرض لها صداقا قال لا شيء لها من الصداق فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها و مثل عدم ذكر المهر اشتراط عدمه في الحال أو على وجه الإطلاق فينصرف إليه أما لو اشترط عدم المهر في الحال و المال أحتمل صحة العقد و بطلان الشرط فتعود كالمفوضة أو يثبت لها مهر المثل ابتداءً و المعروف بطلان الشرط و العقد لمنافاته لمقتضى العقد و هو الاظهر و في الصحيح لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أما غيره فلا يصلح له نكاح إلا بمهر.

ثانيها: لا يجب المهر بنفس العقد في المفوضة

و إنما يجب مهر المثل مع الدخول قبلًا و دبراً لإطلاق الأخبار و الإجماع و تجب المتعة مع الطلاق نفسه إذا كان قبل الدخول للكتاب و السنة و الإجماع و لا يجب شيء قبل الدخول مع الفسخ للأصل و ظاهر الأصحاب و كذا مع الموت للأصل و ظاهر الأصحاب و الأخبار إلا أن يفرض لها قبل الدخول فريضة فيلزم عليه ما فرضه مع الموت أو الفسخ و مع الطلاق يلزم عليه النصف و يعود له النصف كل ذلك لظاهر الأخبار و فتوى الأصحاب و في الصحيح في المتوفى عنها زوجها إذا لم يدخل بها فإن لم يكن فرض لها مهراً فلا مهر لها و الآخر عن المرأة تموت قبل أن يدخل بها أو يموت الزوج قبل أن يدخل بها قال أيهما مات فللمرأة نصف ما فرض فإن لم يكن فرض لها فلا مهر لها و مفهوم الأول ثبوت جميع المهر بالموت و منطوق الثاني ثبوت النصف به و سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى و ظاهرها مع أنه مع الفرض يلتزم الزوج بما فرض من غير فرق بين ما كان الفرض في العقد أو بعده كما فهم الأصحاب و فهمهم هو المانع من انصراف الغرض إلى ما كان في العقد فقط لظهور ظهوره منه.

ثالثها: فرض المهر عائداً إلى الزوج أو الزوجة فلو تراضيا على معين قدراً و جنساً لزم

و لا يجوز لأحدها الرجوع بعد الفرض للأصل و ظاهر الفتوى سواء كان ما

221

تراضيا عليه بقدر مهر المثل أو أزيد أو انقص و إن اختلفا فإن فرض الزوج أقل من مهر السنة و المثل و لم ترض به المرأة لم يلزم عليها فإن تنازعا رجعا إلى الحاكم على أقوى الوجهين لأنه المنصوب لقطع النزاع و هو يتولى الفرض و يلزمه فرض مهر المثل أما مطلقاً أو ما لم يتجاوز مهر السنة فيرد إليها كما سيجيء ان شاء و إن فرضه الزوج مساوياً لمهر السنة أو أزيد أحتمل لزومه عليها لانه فوض إليها التقدير لما كان لها الزيادة عليه و كذا الحاكم بناء على ذلك كما سيجيء إن شاء الله تعالى و احتمل عدمه و احتمل الرجوع إلى مهر المثل فإن ساواه لزم و إلا فلها رده و للمفوضية المطالبة بالفرض لأنه حقها فلها المطالبة بتعجيله كي تعرف ما تستحق من المهر بالموت أو الفسخ فإن امتنع الزوج جبره الحاكم أو فرض عنه فإن تراضيا على فرض الحاكم لزم عليهما و لها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن يحصل الفرض و الدفع من الزوج و لو فرض الزوج مهر المثل لزم لإيكال الفرض إليه في الكتاب خرج ما دون مهر المثل فبقى الباقي و لو أبرأت المفوضة الزوج من المهر تفويضاً و متعة و مهر مثل مع الدخول لم يلزم إبراؤها و لو اسقطت حقها من الفرض جاز له الدخول بدونه و لو أبرأته ما يفرضه قبل فرضه لم يجز و يجوز لها تجديد المطالبة بالفرض بعد إسقاط حقها منه لتجدده فلا يسقط كله على الأظهر و لو فرض لها مهراً فاسداً طولب بالصحيح فإن رضيت الزوجة بفرضه كان حكم كحكم المهر الفاسد في ابتداء العقد على الاظهر و يحتمل بقاء استحقاق الفرض و لا يؤثر رضاها في رفع الاستحقاق و هو قوى و يجوز للاجنبي فرض المهر و دفعه إليها لأنه بمنزلة ما لو دفع الاجنبي المسمى عن الزوج فإن للأجنبي أن يفي الغريم تبرعاً فإن طلقها الزوج قبل الدخول فهل يعود نصفه للزوج كما يعود نصف المسمى المتبرع به إليه لدخوله في ملكه أو يعود إلى الاجنبي لأنه دفعه ليقضي ما وجب لها و بالطلاق سقط وجوب النصف فيرجع ما سقط وجوبه إليه وجهان أوجههما الأول لأنه قضى ما وجب عليه ابتداء و رجوع النصف تجدد بعد سقوط الحق لمكان الطلاق فيستحقه الزوج و يحتمل أن الزوج لو طلقها قبل الدخول بطل فرض الاجنبي و ليس لها إلا المتعة لأنه ليس أصيلًا و لا ولياً و لا وكيلًا و لكنه ضعيف.

222

رابعها: يصح التفويض من الولي على الاظهر و يصح الفرض منه كذلك

و لو بدون مهر المثل و لكن مع الغبطة فيهما و هل للمولى عليه الاعتراض في المهر و تقديره بعد بلوغه وجهان و لا يبعد أنه له لو نقص عن مهر المثل و يحتمل بطلان التفويض من الولي و ثبوت مهر المثل بنفس العقد حتى لو طلقها قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل دون المتعة و لكنه ضعيف و مع عدم الغبطة فلا يصح العقد من اصله و لو زوج المولى أمته مفوضة فإن باعها قبل الدخول و أجاز المشتري كان التقدير إلى المولى الثاني و الزوج و يملكه المولى الثاني إذ لا مهر قبل الفرض أو الدخول و كذا لو أعتقها قبل الدخول فرضيت باستمرار النكاح فإن تقدير المهر إليه و إليها و يكون المهر لها و يحتمل ضعيفاً أن المهر للمولى الأول بناء على أن ملك المفوضة للمهر بنفس العقد.

خامسها: إذا طلق الزوج المفوضة قبل الدخول و قبل الفرض كان لها المتعة

كما ذكرنا و لا تثبت المتعة بغير الطلاق من فسخ أو موت أو لعان أو ردة أو خلع أو رضاع للأصل و ظاهر الآية الاختصاص بالطلاق الواقع في مفوضة البضع و كذا ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب و أوجب بعض فقهائنا المتعة لكل فسخ من قبل الزوج فقط أو من قبله و قبلها دون ما كان من قبلها فقط و هو ضعيف نعم تندب المتعة في الطلاق قبل الدخول مطلقاً و إن لم تكن المطلقة مفوضة و العبرة في قدر المتعة بحال الرجل كما هو نص الكتاب فعلى الموسع قدرة و على المقتر قدره فالغني يمتع بالثوب المرتفع و الدابة و عشرة دنانير و مثل ذلك لإطلاق النص و ما ذكر في الخبر من الدار و الخادم فهو مثال و المتوسط يمتع بخمسة دنانير أو الثوب المتوسط و يتمتع الفقير بدينار أو خاتم و شبههما و ما في الخبر من الخمار و الحنطة و الزبيب و الثوب و الدراهم فعلى التمثيل و قيل الاعتبار بحال الزوجين معاً.

و قيل: بحال الزوجية لقوله (عليه السلام) في خبر الحلبي فليمتعها على نحو ما يتمتع مثلها من النساء و الأظهر الأول و لا ينافيه ملاحظة حالها لاختلاف الافراد و تفاوت أفراد الوسط و أفراد القليل فيعطى من تلك الافراد ما يناسب حالها بحسب الإمكان و ثبوت الوسط بين الغني و الفقير لا ينافي ما ذكر في الآية من الموسّع و المقترّ لأنّ أعلى

223

أفراد المقتر و أدنى أفراد الموسع يكون وسط و المدار هنا عليه و في التقسيم للثلاثة رواية مرسلة و أفتى بها مشهور الأصحاب و ذهب بعض أصحابنا إلى لزوم عشرة دنانير على الغني و الخمسة على الوسط و الواحد على المعسر أو قدرها من غيرها و لا أرى عليه دليلًا و الأخذ به أحوط و بالجملة فالمقطوع به من الكتاب و السنة هو وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول و قبل الفرض و إنها من الواجبات المالية المتعلقة بالذمة و إن قدرها مختلف بحسب اليسار و الإعسار و الظاهر أنها تخرج من أصل ماله بعد موته كغيرها من التكاليف المالية و لو امتنع قاصه الامرأة و لو طلق فقيراً فأيسر فالمدار على حال الطلاق مع احتمال أن المدار على حال الدفع فلا تجب بعد الدخول للأصل و ما ورد في ذلك و إنها تكون بعد الفراغ من العدة متروك فلا يحمل على الوجوب بل يحمل على الاستحباب و أما نفس المدفوع فالكتاب و المعتبر من السنة مطلقاً فيرجع بيانه إلى العرف أو مجمل فيرجع بيانه إلى الشرع و على كل حال فلا تزيد على ما في الأخبار بحسب القيمة و إن اختلفت القيمة فهو اختلاف جزئي و الخيار فيه للزوج و لكن جملة من الأخبار مختلفة في بيانها بحسب النوع و المفهوم منها بقرينة اختلافها و فهم الفقهاء لها و عدم الاعتناء بتجديدها أن ذكر النوع الخاص من باب المثال و ليس المقصود نوعاً خاصاً بل المقصود ما يسمى متعة من الغني بنسبة الغنى و من الفقير بنسبة الفقر على أن يدفع ما هو مذكور في الروايات أو ما شابهه بحسب القيمة و الخيار إليه في الدفع و الأحوط مراعاة الزوجة أيضاً في المدفوع بأن يكون مما يناسب حالها في الشرف و الضعة و له التخير في دفعها قبل الطلاق و بعده فما ورد في بعض الأخبار من الأمر به قبله محمول على الندب لعدم معارضته لما دل على أن المتعة حق للمطلقة فلا يجب إلا بعد الطلاق بل المدفوع قبل الطلاق لا يكون متعة و إن ضمنتها الزوجة الضمان المقبوض بالسوم بل دفعها قبل الطلاق فيه تعريض لمال للتلف و يظهر من إطلاق بعض الأخبار وجوب المتعة لكل مطلقة حتى لو كان بعد الدخول و قد قبضت المهر و يؤيده إطلاق قوله تعالى: (وَ مَتِّعُوهُنَّ)، بناءً على رجوعها للمطلقات المطلقات لا المقيدات و لكن المذهب هو الندب.

224

سادسها: للمفوضة مهر المثل إذا دخل بها الزوج قبل الفرض

و عليه فتوى الأصحاب و في الأخبار مهور نسائها و المراد بمثلها هو ما كان مثل المرأة في الجمال و الشرف و صراحة النسب السن و البكارة و العقل و اليسار و العفة و الأدب و التدبير و سياسة الزوج و التدبير و حسن الطالع و يمن الإقدام و كثر الولادة و حسن التبعل و زيادة التدين و قوة الفهم و اعتدال السليقة و لطف الطريقة و الاستقامة في الأمور و الأمانة و الشفقة على الزوج و الصيانة لعرضه و كتمان سره إلى غير ذلك و اضدادها في مقابلها بالنسبة إلى الضعة و ذكر الأصحاب مما ذكرناه جملة و المراد بنسائها أقاربها من العصبات وهن من تقربن إليها من طرف الأب كالأخوات و العمات و الجدات كما صرح به جمع من أصحابنا حيث أن العبرة في الشرف بالآباء دون الأمهات و لأن الولد ينسب إلى أبيه و قبيلته و عشيرته و هو من تقرّب إليه بالأب و أما الأم و من تقرب إليها فهم ينتسبون إلى آبائهم و عشريتهم فلا ربط لهم بمن تولد من الأم و لا ربط له بهم و يظهر من جهله و نسب للمشهور أن المراد بالنساء ما يعم المتقرب بالأم لأنه جمع مضاف و أضافته لأدنى ملابسة فيصدق على جميع من لابسها من أقاربها من طرف الأم أو الأب و لصدق اسم نسائها على المنسوب إليها من الطرفين عرفاً و هو قوي إلا أن الأول أقوى الدوران الأمر في المهر مدار العز و الشرف لأن الامرأة تدعى و تطالب و تفتخر بما عليه أهلها و المتقرب بالأم لها ليس من أهلها و لنا أن نمنع عموم لفظ نسائها و نرميه بالإجمال فنأخذ بالمتيقن منه هو بالمتيقن منه و هو المتقرب لها بالأب و يظهر من بعض الأصحاب أن المتقرب بالأم مرتبة بعد فقدان مرتبة المتقرب بالأب و لا دليل عليه إلا أن يقال أن الشارع قد لاحظ الأقارب في المهر في الجملة فمع انتفاء أقارب الأب لوحظت أقارب الأم أو يقال أن العام إذا لم يؤخذ بعمومه و اقتصرنا به على فرد من أفراده المقتضى جاز لنا عند انتفاء ذلك الفرد الرجوع إلى الفرد الآخر لأنه أقرب الأشياء إليه و ما لا يدرك كله لا يترك كله و كلاهما كما ترى إلا أنه موافق للاحتياط في بعض المقامات و على كل حال فالجمع بين الرجوع إلى مهر المثل كما في كلام الأصحاب و الرجوع إلى مهر نسائها كما في الاخبار يقتضي أن مهرها هو مهر أمثالها

225

من نسائها لا مهر أمثالها بحسب صفاتها و أن كن من صنف آخر أو نسب آخر أشرف أو أدنى و اعتبر بعض الأصحاب كون أمثالها من نسائها التي في بلدها لتفاوت البلاد في المهور و هل المراد ببلدها الساكنة فيه أو الحالة فيه وقت العقد وجهان و لا يبعده الأخير و لو لم يكن للامرأة أقارب اكتفى بمهر أمثالها من أي بلد فلو اختلفت أمثالها من نسائها أو مطلقاً في قدر المهر أخذاً الأكثر فإن تساويا كانا مهرين و تخيير بينهما و شرط جمع من أصحابنا في مهر المثل أن لا يتجاوز السنة و هو خمسمائة درهم و نسب للأكثر لأن النساء لا يقاربن بنات النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في جميع الخلال حسباً و نسباً و مهرهن مهر السنة و نجبر المفضل فمن زاد على ذلك رد إلى السنة و لا شيء عليه أكثر من الخمسمائة درهم و خبر أبي بصير عن رجل تزوج امرأة فوهم أن يسمى صداقها قال السنة و السنة خمسمائة درهم و هما ضعيفان سنداً و دلالة لظهور الأول في كمية المهر و ظهور الثاني في نسيان الصداق و هما غير ما نحن فيه و أما مهر بنات النبي فلم يكن مناسباً لهن و إنما كان صدوره منه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كصدور حجر المجاعة و ترك الدنيا و حمل أهله على تركها لا يدل على لزوم حمل أمته عليها و مع ذلك فلا يبعد الأخذ بإطلاق الروايتين لشمول إحداهما و إشعار الأخرى بمفروض المسألة مع انجبار ضعفهما بفتوى المشهور نعم يقتص في ذلك الحكم على المفوضة لحكم الأكثر فيهما بذلك فلا يسري إلى مهر المثل الثابت من جهة فساد المهر أو وطء الشبهة أو الإكراه أو نحو ذلك مع احتمال السراية لكشف مهر بنات النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن أن انتهاء قيمة البضع ذلك و لكنه ضعيف و يراعى مهر المثل حال الوطء و لا العقد مع احتمال ذلك لأنه سبب ثبوته و قد يختلف مهر المثل بالنسبة إلى المراعاة كما إذا كان أمثالها ينقض المهر إذا أخذن الشرف أو الأقارب كان حكم مهر المفوضة ذلك.

سابعها: يجب مهر المثل في غير المفوضة بالوطء

و يراعى فيه جنس الوطء و إن تعدد لأن مهر المثل يدور مدار وقوع نفس الوطء اتحد أو تعدد كما يقضي به العرف و الشرع إلا مع الإكراه فالأظهر تعدد المهر بتعدد الإكراه مع احتمال عدمه و كذا لو

226

تعددت الشبهة فتعدد الوطء بتعددها فالاظهر التعدد أيضاً لأنه بمنزلة نكاحين و وطأين و لو كان عادة مهوراً أمثالها اشتماله على التأجيل سقط بمقدار ما يخص الأجل من نفس المهر و كان لها الباقي لأن مهر المثل قهراً نعم قد يقع بالفرض عند تراضيهما عليه و يعتبر مهر المثل في المفوضة حال العقد فيلاحظ أمثالها في ذلك الوقت بخلاف غير المفوضة من الموطوءة شبهة أو إكراهاً أو بمهرٍ فاسدٍ فإنه يلاحظ وقت الوطء و لو تكرر الوطء في الشبهة الواحدة لزم مهر واحد إلا أنه يلاحظ الأعلى ما بين الوطء الأول و الأخير و قد يقال أن اعتبار مهر المثل في المفوضة أيضاً بحال الواطئ لعدم تملكها المهر بنفس العقد فلا يلاحظ حال العقد غاية الأمر ان المفوضة ملكت في العقدان تملك و استحقت أن تستحق و لذا جاز لها الامتناع من تمكين نفسها قبل الفرض و ذلك لا يقضي الزوج ذلك الوقت إلا أنه خلاف ظاهر من عثرنا عليه من الأصحاب و كأنه بناء منهم على أن المهر في المفوضة له ربط في العقد حيث أنه السبب في تمليكها أن تملك و له ربط في الوطء فيلاحظ التقويم حال العقد و لا يستقر إلا بالوطء فالوطء يستقر به ملك مهر المثل و يثبت في العقد متزلزلًا فإن مات أو فسخ أو طلق انتفى و إن دخل استقر أو أن الدخول كاشف عن ثبوته ابتداء و عدمه كاشف عن عدمه و ربما يسري ذلك إلى كل مهر فاسد فيق بلزوم قدر المثل فيه خير العقد و كذا في جواز منع الامرأة نفسها عن الدخول بها قبل قبض مهراً أمثالها لأن المسمى و إن بطل و لكنها ملكت أن تملك فلها الامتناع و هو قوي و لو دخل في المفوضة و لم يُسمّ لها شيئاً مطلقاً إلا أنه قدم لها قبل الدخول مالا فقبضه.

قيل: كان ذلك مهرها قهراً إلا أن تبين له قبل الدخول أنها لا ترضى مهرا و نقل عليه الإجماع و الصحيح فيمن تزوج امرأة فأولدها ثمّ مات عنها فجاءت تطلب شيئاً من الصداق و يدعى ميراثاً قال أما الميراث فلها أن تطلبه و أما الصداق فالذي اتخذت من الزوج قبل أن يدخل بها هو الذي حل للزوج فرجها قليلًا كان أو كثيراً فإذا هي قبضته منه و قبلته و دخلت عليه فلا شيء لها بعد ذلك و قد يقدح في الإجماع بمخالفته

227

القواعد و عدم تسليم الأصحاب له و في الرواية و بإرادة أنها قبلته مهراً و قد ينزل ذلك على ما هو في العرف من أن المقدم هو المهر فإذا قبلته كان هو مهرها على ظاهر الحال.

ثامنها: من التفويض ما يسمى تفويض المهر

و هو أن يذكر المهر في الجملة و يوكل تعينه إلى أحد الزوجين معيناً أو إلى أحدهما مبهماً أو إليهما جميعاً و مجتمعاً أو إلى أجنبي منفرد أو مجتمع مع أحدهما أو مع كل منهما و الظاهر أنه تحكيم لا توكيل و تفويض لا استنابة فلا يجوز عزل الحاكم بعد جعله حاكماً و يلزم متابعته إلا إذا شرطا عزله فللمشترط عزله حينئذٍ لمكان الشرط و يدل على جواز جعل الحكم لمن ذكرناه لأصل و عموم المؤمنين عند شروطهم و قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و لقوله (عليه السلام): (المهر ما تراضيا عليه)، و جواز تقدير المهر في المفوضة البضع من جميع ما ذكرنا فهذا أولى بناء على جواز الفرض من الأجنبي فيها كما تقدم و يدل على خصوص الزوجين الأخبار و فتوى الأصحاب و الظاهر أنه إجماعي إلا أن الحكم أن كان للزوج مطلقاً كان له التقدير مطلقاً قليلًا أو كثيراً و لا يتقدر عليه بقدر لو كان دون مهر المثل و إن كان للزوجة مطلقاً لم يمض حكمها بما فوق مهر السنة و يدل على الحكمين الإجماع المنقول نصاً على الأخير و ظاهراً على الأول و الخبر الصحيح قال فإن طلقها و قد تزوجها على حكمها لم تتجاوز بحكمها عليه أكثر من دون خمسمائة درهم فهو مهر نساء النبي ص و الآخر عن زرارة سأله عن رجل تزوج امرأة على حكمها قال لا تتجاوز بحكمها مهر نساء آل محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) اثني عشر أوقية و نش و هو وزن خمسمائة درهم من الفضة قلت أ رأيت أن تزوجها على حكمه و رضيت قال ما حكم من شيء فهو جائز لها قليلًا كان أو كثيراً قال قلت كيف لم تجز حكمها عليه و أجزت حكمه عليها فقال لأنه حكمها فلم يكن لها أن تجوز ما سن رسول الله و تزوج عليه نساءه فرددتها إلى السنة و لأنها هي حكمته و جعلت الأمر في المهر إليه و رضيت بحكمه في ذلك فعليها أن تقبل حكمه قليلًا كان أو كثيراً قيل و لا غبار على ما أبدى من الفرق كما توهم فإن المهر في الكثرة حداً مسنوناً دون القلة و هو حسن و للنساء طمع قصَّره الشارع و أطلق

228

حكم الرجل و هو من باب تفضيل الرجال على النساء و المراد بالنهي في الخبرين عدم مضي الحكم من الزوجة لا التحريم و لو شرطت الزوجة على الزوج أن لا يقصر حكمه عن مهر المثل أو شرطت عليه أن لها أن تتجاوز مهر السنة كان لها ذلك لعموم أدلة الشروط و الظاهر أن إطلاق الشرط للأجنبي أيضاً مقصور على أن لا يتجاوز مهر السنة إلا إذا نصا على الإطلاق و يحتمل أيضاً أن عليه ألا يقصر عن مهر المثل لأنه بمعنى الوكالة و لكنه ضعيف و يحتمل أن الأجنبي إن حكمته الامرأة لزم عليه الأول و إن حكمه الرجل لزم عليه الثاني و إن حكمناه لم يلزم عليه شيء و قد ورد في الصحيح عن الرجل يفوض إليه صداق امرأته فينقص عن صداق نسائها قال يلحق بمهر نسائها و هو محمول على الندب لعدم مقاومته للأخبار الدالة على أن الأمر إليه مطلقاً المعتضدة بفتوى الأصحاب و ظاهر الإجماع المنقول و إذا أوكلت الزوجة التقدير في المهر إليها و إلى الزوج معا فاختلفا أوقف الأمر إلى أن يصطلحا باختيارهما و احتمل الرجوع إلى مهر المثل لعدم إمكان التقدير حينئذٍ و احتمل الرجوع إلى الحاكم فيقدر بنظره و لكن لا يزيد عن مهر السنة و لا ينقص عن مهر المثل كما أن الأمر لو كان لأحدهما و أجنبي معهما معاً فاختلفا و لو كان الأمر للأجنبي فقط لزمه أن لا يزيد عن مهر السنة و لا ينقص عن مهر المثل إلا أن يصرحا له بالتعميم و يحتمل أن له الفرض مطلقاً لأنه تحكيم لا توكيل و لو طلق الزوج الزوجة قبل الفرض و الدخول الزم من له الحكم به و ثبت لها النصف و لو طلقها بعد الدخول فكذلك و ثبت لها الكل و يشعر به صحيح محمد بن مسلم المتقدم و لو امتنع من شرط الحكم عليه عن الحكم فان اخذ الحكم شرطا على

أحد الزوجين ألزم به فإن أصر جبره الحاكم فإن لم يمكن تولى الحاكم الفرض و ليس له أن يزيد على مهر السنة و لا ينقص عن مهر المثل مع احتمال أنه لو كان الحكم للزوج جاز للحاكم أن ينقض عن مهر المثل لأنه قائم مقامه و لو كان الحكم للزوجة فامتنعت عن فرض ما لا يزيد عن مهر السنة بل فرضت فوق مهر السنة الزمت بفرض آخر أو تولى الحاكم الفرض عنها او ردت إلى مهر السنة وجوه و لا يبعد الأخير و إن لم يؤخذ الحكم شرطاً جاز للحاكم الحكم و جاز له الامتناع فإذا امتنع فلا يبعد ثبوت مهر

229

المثل و لو مات الحاكم قبل الحكم و قبل الدخول فلها مهر المثل لاستحقاقها المهر بالعقد و لم يتعين فلها قيمة البضع و لا قائل بأن لها أقل ما يتمول و ذهب جمع من أصحابنا إلى وجوب المتعة و نسب للأكثر و يدل عليه صحيح محمد بن مسلم في رجل تزوج امرأة على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها قال لها المتعة و الميراث و لا مهر لها و لعدم إخلاء العقد عن المهر في الجملة و لا مسمى لعدم التسمية و لا مهر المثل لعدم الدخول فلا بد من المتعة إذ لا رابع بخلاف مفوضة البضع فإنها قدمت على أن لا مهر لها فلا يثبت لها شيء و قدح بعضهم في دلالة الصحيح لاحتمال أن الموت كان من المحكوم عليه لا من الحاكم و لاختصاص الجواب فيه بموت الزوج إذ لو ماتت لم يكن لها ميراث و لا يتم المقايسة بإيجاب المتعة لها و الميراث له واجب عن الأول بأنه لا جهة لثبوت المتعة عليه مع بقاء الحاكم لانعقاد النكاح على حكمه و المؤمنون عند شروطهم فإذا كان باقيا كان له الحكم و لا أثر لموت المحكوم عليه كيف و قد نص في الخبر بعد ما ذكر أن له الحكم مع الطلاق القاطع لعلاقة الزوجية بخلاف الموت فلا بد من الحمل على موت الحاكم جمعاً بين طرفيه و بينه و بين الأصول و عن الثاني بعدم الفارق بين الموتين و في السرائر أنه ليس للمرأة شيء كالمفوضة أما المهر فلما مرَّ و أما المتعة فللأصل و اختصاصها بالطلاق و هو حسن على مذهب من لا يرى العمل بأخبار الآحاد و لكن لما كانت الرواية صحيحة و الأصحاب قد عملوا بها فلا مناص عن الأخذ بها و كان كلام بن إدريس مبني على أن عدم الحكم يكون كاشفاً عن عدم المهر من أصله لأن المهر حينئذٍ ما يحكم به فلان فمع عدم حكمه انكشف عدم المهر.

القول في وجوب جميع المهر بالدخول و تنصيفه مع عدمه و العفو و فيه مباحث.

أحدها: المعروف بين أصحابنا بل المجمع عليه بينهم أن المهر يستقر بالدخول

على الزوجة فإذا لم يدفعه كله إليها أو بعضه كان غير المدفوع ديناً عليه ما لم تبرئه عنه و يدل الكتاب و السنة و الاستحباب و الأخبار الواردة فيمن تزوج المرأة و لا يعطيها شيئاً

230

أنه يكون المهر ديناً عليه كثيراً جداً و يؤيدها الأخبار الكثيرة أيضاً الدالة على من تزوج و لم ينو دفع المهر إلى زوجته فهو زان و إن من تزوج و لا يجعل في نفسه أن يدفع المهر فهو زنا و إن الصداق هو الذي يستحل به فرجها و إنه بدونه يكون زاني و إن الامرأة بائعة نفسها و إن الرجل مشتري و لا يكون البيع بغير ثمن و لا الشراء بدون دفعه و نقل عن بعض أصحابنا أن الزوج إذا دخل بامرأته هدم صداقها و في الأخبار أيضاً ما يدل عليه و إن اختلفت.

فمنها: ما يدل على أنه بعد الدخول و الرضا بالزوج ليس لها شيء سوى ما قبضه منه قليلًا كان أو كثيراً.

و منها: ما يدل على أن الزوج إذا دخل بالمرأة هدم دخوله العاجل و هي كثيرة.

و منها: ما يدل على أنه إذا دخل بها فلا مهر لها.

و منها: أنه لو كان مهرها خمسمائة درهم و دخل بها قبل أن تستوفي صداقها هدم الصداق فلا شيء لها إنما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها فإذا طلبت بعد ذلك في حياته منه أو بعد موته فلا شيء لها.

و منها: ما يدل كالصحيح على أن المرأة و الرجل إذا هلكا فادعى ورثة الامرأة على الرجل الصداق قال ليس لهم شيء و كذا لو كانت الامرأة حية فادعت على ورثة الرجل الصداق قال ليس لها شيء و قد أقامت معه مفردة حتى هلك زوجها و كذا أن ماتت و هو حي فجاء ورثتها يطالبون و قد أقامت معه حتى ماتت لا تطالبه قال نعم لا شيء لها و كذا لو طلقها و قد أقامت معه لا تطالبه بصداقها فجاءت تطالبه فلا شيء لها قلت فما حد ذلك الذي إذا طلبته كان لها قال إذا اهتديت إليه و دخلت بيته ثمّ طلبت بعد ذلك فلا شيء لها أنه كثير لها أن استحلف بالله تعالى مالها قبله من صداقها قليل و لا كثير.

و منها: ما يدل على أن الزوج إذا دخل بامرأته فادعى الزوج دفعه إليها فأنكرت كان القول قوله و عليه اليمين و عليها البينة و هذا القول مع ما دلت عليه من الأخبار مخالفة لأصول المذهب و لظاهر اتفاق الأصحاب و للأخبار المعتضدة بفتوى

231

المشهور بل المجمع عليه فلا بد من الإعراض عنه و عنها نعم قد يحمل بعضها على أن العرف ذلك اليوم أن الامرأة إذا دخلت على الزوج و أقامت معه و رضيت به هو دليل على إسقاط حقها و إبرائها ذمته فيكون بمنزلة الفعل هنا مقام القول و أما الحكم بالسقوط التعبدي فهو ساقط لا يلتفت إليه.

و قد يحمل بعضها على المفوضة إذ قدم لها الزوج شيئاً فرضيت به فدخل عليها كغيرها من الأخبار الدالة على ذلك و حكمها حكمها.

و قد يحمل بعضها على أنه ليس لها شيء بمجرد دعواها فيطلب منها البينة و على الزوج اليمين لأن الظاهر أنه إذا دخل بها و أقام معها و لم تطالبه أنه قد دفعه إليها أو أبرأته منه و هو مضمون الخبرين الاخيرين و هو حسن لو لا أعراض الأصحاب عن الحكم بذلك و إجراء حكم دعوى الزوجة المهر على الزوج مجرى سائر الدعاوى من أن البينة على المدعي و هو الزوج و اليمين على من أنكر و هي الزوجة و دعوى أن الظاهر الدفع أو الإبراء ممنوع و حمل بعض المتأخرين الأخبار على سقوط العاجل دون الآجل كما يظهر من بعضها حيث اشتملت على القسمين و هدمت العاجل جمعاً بين هذه و بين الأخبار الدالة على عدم الهدم و السقوط و هو كما ترى مخالف لما قدمناه من الأدلة و ينافيه بعض الأخبار أيضاً الدالة على اتحاد المهر و إنه كله عاجل و يهدمه الدخول و الأولى اطراح هذه الأخبار أو حملها على التقية.

ثانيها: الأشهر و الأظهر و الأقوى أن الموجب لاستقرار المهر هو الوطء الموجب للغسل

قبلًا أو دبراً و كاد أن يكون ذلك إجماعاً و مفهوم الكتاب شاهد عليه لأن المسيس فيه لا يراد حقيقته فهو إما مجمل أو مطلق بحكم المجمل للإجماع على عدم إرادة ظاهرة و إن الداخل أكثر من الخارج فيقتصر فيه على اليقين و الأخبار ناطقة ففي الخبر المعتبر إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة و في آخر مثله بزيادة و الغسل، و في ثالث إذا ولجه و فيه وجوب المهر، و في رابع لا يوجب الصداق إلا الوقاع، و في خامس لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج، و في سادس متى يجب المهر قال إذا دخل بها، و في سابع عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه فأغلق الباب و أرخى الستر و قبل و لمس من

232

غير أن يكون وصل إليها بعد ثمّ طلقها على تلك الحال قال ليس عليه إلا نصف المهر إلى غير ذلك و نقل عن الشيخ أن المهر يجب بالخلوة ظاهراً إلا إذا ثبت شرعاً عدم الوطء و أما باطناً فلا يجب إلا بالدخول و لها النصف مع عدمه في الباطن و نقل عن الصدوق (رحمه الله) أن الخلوة توجب المهر كملًا كالدخول و نقل عن ابن الجنيد (رحمه الله) أن المهر يجب بالجماع و بإنزال الماء بدونه و بالنظر إلى العورة و لمسها و تقبيل الامرأة متلذذاً و الكل ضعيف لا يقاوم ما قدمناه نعم في الأخبار ما يدل على قول الشيخ (رحمه الله) كقوله (عليه السلام) في خبر زرارة: (إذا تزوج الرجل المرأة ثمّ خلا بها و أغلق عليها باباً و أرخى ستراً ثمّ طلقها فقد وجب الصداق)، و خلائه بها دخول و في رواية الحلبي مثله، و في ثالث: مثلهما، في رابع: قريب إليهما و الشيخ قد جمع بين هذه الأخبار و بين الأولية كما جمع ابن أبي عمير بحمل إيجاب المهر مع الخلوة على الحكم الظاهري دون الواقعي فيكون مذهب ابن أبي عمير كالرواية الجامعة بين الأخبار و لا يخفى ان الجمع فرع التكافؤ و لا دليل على خصوص هذا الجمع لظهور الأخبار في أن الخلوة بنفسها موجبة للمهر كملًا لا من جهة أنها مظنة للوطء نعم قد يقال أنهما لو تداعيا في ثبوت الوطء و عدمه مع حصول الخلوة فالقول قول الزوجة لأن الظاهر مع الخلوة أن لا يترك الزوج الزوجة و لكنه مع ذلك محل بحث أما لو تصادق الزوجان على الوطء مع الخلوة أو على عدمها معها لزم اتباع قولهما بالحكم الظاهري و سقطت بينهما و بين ورثتهما الدعوى و ورد في بعض الأخبار المعتبرة و الإسناد أنه لو حصلت الخلوة بين الزوجين ثمّ طلقها الزوج فقالت الزوجة لم يسمني فقال هو لم أمسها لم يصدقا بقولها لأنها تريدان أن تدفع العدة عن نفسها و هو يريد أن يدفع المهر عن نفسه و في بعض الروايات أنهما لو كانا مأمونين صدقا و ظاهرها أنهما لم يصدقا لمكان الاتهام و هذه الأخبار أيضاً مطرحة لمخالفتها لأصول المذهب و قواعد الاقارير أو محمولة على الندب في موضع الاتهام.

ثالثها: يملك المهر بنفس العقد كما هو المشهور

لأن في المهر شائبة المعاوضة و من شأنها ملك الطرفين دفعة بالعقد كما أن المبيع المثمن يملكان دفعه و إذا توقف البيع على

233

شرط كالقبض في الصرف كان شرطاً لملك العوضين معاً و لا يجوز أن يكون شرطاً لأحد العوضين دون الآخر و البضع يملك بالعقد فيملك المهر به فالحكم بملك البضع بالعقد و ملك المهر بالدخول مخالف لقواعد المعاوضة و للاتفاق على سببية العقد لملك و أصالة عدم اشتراط شيء و آخر و للأخبار الدالة على أن نماء المهر ما بين العقد و الدخول لامرأة و لظاهر قوله تعالى: (وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ)، الشامل لما قبل الدخول و بعده و ظاهر الإضافة الملك أو الاختصاص الظاهر فيه و لأن النصف يملك بالعقد فالنصف الآخر كذلك إذ لا مرجح لأن كلًا منهما عوض البضع فعلى ما ذكرنا تملك الامرأة المهر جميعه بالعقد ملكاً لا يتوقف على شيء و الطلاق فاسخ للنصف من حينه إذا وقع قبل الدخول فاحتمال أن ملكها للنصف قبل الدخول كان ملكاً مستقراً و النصف الآخر يبقى مراعى فإن دخل تبين ملكه من الابتداء و إلا تبين عدمه كذلك أو أن النصف الآخر يملك نفس الدخول و قبله لا ملك فالنماء الحادث منه يكون للزوج حينئذٍ فإن دخل النصف في ملكها و إلا فلا بعيد أن لا معول عليهما و يلزم منهما عدم جواز تصرف الامرأة لمكان الشركة و عدم جواز قبضه و إن بذلت له بعضها و هو خلاف السيرة و الطريقة و منع الشيخ (رحمه الله) جواز التصرف بالمهر قبل القبض إنما كان لمكان النهي عن بيع ما لم يقبض و لعدم دليل عليه فهي مسألة أخرى و مع ذلك فما ذهب إليه ضعيف لعموم ما دل على تسلط المالك على ملكه و النهي في الخبر محمول على الكراهة لمعارضته بما هو أقوى منه على أنه مختص بالبيع نعم ليس للمرأة قبض المهر قبل تمكين نفسها من غير إذن الزوج و القبض لا يستلزم التصرف و لم يملك أبو على الزوجة إلا نصف المهر إلى أن يدخل بها فتملك النصف الآخر لظاهر جملة من الأخبار أن المهر لا يجب إلا بالدخول و في بعضها إلا بالوقاع خرج النصف المجمع عليه فيبقى الباقي و فيه أن المراد بالوجوب الوجوب المستقر و إطلاقه عليه إطلاقاً شائعاً و القرينة ايضاً موجودة مما قدمنا و في خبر عبيد بن زرارة فيمن تزوج و أمهر امرأته غنما و رقيقاً فولدت عندها فطلقها قبل أن يدخل بها قال إن كان ساق إليها ما ساق و قد حملت عنده فله نصفها و نصف ولدها و إن كانت حملت عندها فلا شيء له من

234

الأولاد و نقل أنه استدل بخبر أبي بصير عن رجل تزوج امرأة على بستان له معروف و له غلة كثيرة ثمّ مكث سنين لم يدخل بها ثمّ طلقها قال ينظر إلى ما صار إليه من غلة البستان من يوم تزوج فيعطيها نصفه و يعطيها نصف البستان إلا أن يعفو فيقبل منه و يصطلحا على شيء ترضى به منه فإنه أقرب للتقوى و فيه أن الخبر لا يقاوم الأخبار المتقدمة و الأخبار الدالة على استحقاق الامرأة جميع المهر بالموت مضافاً إلى الأدلة السابقة فليطرح أو يحمل على أن الغلة كانت من زرع زرعه الرجل أو على أن المهر هو البستان دون نماء و على التقديرين فالأمر بدفع النصف يكون على جهة الندب كما يرشد إليه قوله فإنه أقرب للتقوى و يمكن أن يكون عوضاً عن أجرة الأرض على أن في صحة الخبر نظر.

رابعها: من المقطوع به من الكتاب و السنة و فتاوى الأصحاب تنصيف المهر إذا طلق الزوج قبل الدخول

بمعنى أنه يرجع إلى ملكه نصفاً و يبقى للزوجة نصف الآخر على الإشاعة فإن كان المهر ديناً في ذمة الزوج برأ من نصفه و لزمه دفع النصف الآخر و كذا لو كان كلياً أما لو كان عيناً فإن دفعه إليها استرد نصفه إن كان باقياً و إن كان تالفاً كلًا أو بعضاً استرد نصف التالف مثلًا إن كان مثلياً و قيمة أن كان قيمياً فإن اتحدت أمثاله أو تساوت قيمه في جميع أوقاته فلا كلام و إن اختلفت فهل المدار على مثله يوم الطلاق أو يوم العقد أو يوم القبض أو يوم المطالبة أو يوم الأداء احتمالان أقواها يوم القبض و هل المدار في القيمة على قيمته يوم الطلاق أو قيمته يوم القبض أو الأقل مما بين القبض و الطلاق أو الأقل مما بين العقد و القبض و لا عبرة بيوم العقد أو بالاعلى مما بين العقد و القبض و ذلك لانه قبل القبض مضمون على الزوج و اقوى الوجوه هو الاخير لان القيمة ما بين العقد و القبض إن زادت فهي زيادة قد حدثت في ملكها فلا يضمنها ما هو في ملكها و ان نقصت فالنقيصة مضمون على الزوج فلا يضمنها ما هو ضامن لها و يدل على ضمان القيمة يوم القبض الرواية الآتية إن شاء الله تعالى الواردة فيما زاد بعد القبض و القول بها لا بأس به إلا أنه وارد في معرض رد الزيادة الواقعة بعد القبض إلى القيمة يوم القبض فلا تدل على رد الأقل الكائن قبل

235

القبض إلى قيمة يوم القبض لو كانت قيمته زائدة على ما قبله و لو زادت القيمة بعد القبض أو نقصت فلا عبرة بهما لأن المدار على قيمة يوم القبض و الأظهر في القيمة أن يرجع بقيمة نصفه لا بنصف قيمته لأن حقه النصف فإذا فات قدر كذلك و لا يقدر منضماً إلى الجملة إذ لا يلزمها تقويم ملكها معه و ربما كانت قيمة المجموع أكثر من قيمة النصف منفرداً و في حكم التلف انتقال العين بناقل لازم كالعتق و البيع و نحوهما و لو عاد إليها بعد الانتقال ففي رجوع حقه إلى العين أو بقاءه متعلقاً في القيمة أو المثل وجهان و لا يبعد الأخير و لو انتقلت بناقل جائز احتمل رجوع نصف العين إليه قهراً و احتمل تخيرها بين فكه و إرجاع نصف العين و بين إبقائه و دفعها المثل أو القيمة و هو الأقوى و لو تعلق بالعين حق لازم كالرهن تخير الزوج بين الصبر إلى فكه و أخذ العين و بين التعجيل و أخذ البدل و إن لم يدفع الزوج المهر كان أمانة في يده فإذا طلقها قبل الدخول فإن تلف بآفة سماوية كان من ضمانه و دفع إليها مثل نصف التالف أو قيمته يوم التلف و إن تلف بفعل أجنبي رجع إلى الأجنبي بمثله أو قيمته و دفع إليها النصف و لها مطالبة الأجنبي ابتداءً أيضاً و إن كان بفعله ضمنه كما تقدم و دفع إليها نصف ما ضمنه و إن نقص المهر كان النقص مضموناً عليه و كذا لو عيب كان عليه أرشه و إن كانت الزيادة لها لحدوثها في ملكها إن كانت بفعل الله عز و جل و إن كانت بفعله فإن كانت قيمة فلها و إن كانت عيناً فإن كانت منفصلة فهي له و إن كانت متصلة فهو شريكها فإن كان الفعل بإذنها فهو على حد الشركاء و إلا جرى عليه كم الغاصب.

و لو وجد الزوج العين بعد أن سلمها إلى الزوجة ناقصة فإن كان نقصان قيمة سوقية كان حقه في العين و لا ضمان عليها لأنها عين ما فرض و إن كان نقصان غير فهو أما كالمتعدد فيذهب بعضه و يبقى بعض آخر فحكمه تنصيف الباقي و ضمان التالف بمثله أو قيمته يوم قبضها له و أما واحد فينقص عيناً فيكون بمنزلة المعيب أو بنقص صفة كنسيان صنعة أو فوات جمال أو كمال تنقص بفواتهما القيمة ففي حكم الرجوع به أقوال.

236

أحدها: التخير بين الرجوع بنصف القيمة سليماً و بين أخذ نصف العين من غير أرش أما الأول فلتنزيل تعين العين منزلة التلف لأنها غير ما فرض على وجه التحقيق فيرجع بالأقل من قيمة نصفه مما بين العقد و القبض و أما الثاني فلصدق أنها عين ما فرض عرفاً و حيث كان حدوث النقص في ملكها لم يكن مضموناً عليها بخلاف ما إذا حدث القبض بيد الزوج و فيه أن العين إن كانت غير ما فرض فلا معنى للقيمة و إن كان غيرها فلا مضي لدفعها على أن العين مضمونة على الزوجة بعد القبض و ضمان الكل يقضي بضمان الأجزاء و الصفات و هو معنى الأرش فلا وجه لنفيه.

ثانيها: الرجوع بنصف العين مع الأرش جمعاً بين كونها ما فرض و بين ضمان ما نقص منها فتقوم صحيحة و معيبة حين القبض فيؤخذ زيادة التفاوت.

ثالثها: أن النقص إن كان بفعل الله عز و جل أو بفعلها تخير بين أخذ نصف العين ناقصاً أو أخذ قيمته يوم قبضه و إن كان بفعل أجنبي كان له نصف القيمة يوم القبض و علّله بعضهم بأن التلف لو كان من أجنبي فالأرش داخل في المهر و النقصان محسوب منه فكان كالتالف فيرجع إلى القيمة و لو كان منها أو من الله سبحانه و تعالى لم يحسب النقصان فكان تامّاً من وجه و تالفاً من آخر.

رابعها: الرجوع بنصف القيمة تنزيلًا للتغير منزلة التلف و يراعى في القيمة الأقل ما بين العقد و القبض و فيه منع ذلك التنزيل و خير الوجوه ثالثها و على كل حال فالملحوظ في التقويم هو يوم القبض فإن نقصت القيمة بعده و قد تلفت العين كلًا أو بعضاً لوحظت قيمة يوم القبض قبل التعلق حق الاستعادة به و لخبر علي بن جعفر في الرجل يتزوج الامرأة على وصيف فبكر عندها و يريد أن يطلقها قبل أن يدخل بها قال عليها نصف قيمته يوم دفعه إليها لا ينظر في زيادة و لا نقصان و الظاهر إن الرجوع بقيمة يوم القبض عند حدوث زيادة أو نقصان بعده و قد تلفت العين كلًا أو بعضاً لا كلام فيه عند الأصحاب و لا عبرة عندهم بحصول زيادة القيمة السوقية و لا بنقصانها و لا بهما معاً إذا وقع ذلك بعد يوم القبض و لا عبرة بيوم الطلاق أو يوم التلف و لو لا ذلك لأمكن المناقشة نعم أو نقصت القيمة السوقية أو زادت و كانت العين بحالها كان حق

237

بحالها كان حق الزوج في العين و ليس على الزوجة ضمان نقصان و لا منع الغير من جهة الزيادة السوقية من غير كلام في ذلك و لو زادت العين بعد القبض زيادة منفصلة كانت الزيادة للزوجة و ليس للزوج الرجوع بنصفها و ذلك كالولد و الثمرة و كذا لو كانت تقبل الانفصال كالصوف و الشعر و قد يتأمل في ذلك و إن كانت متصلة لا تقبل الانفصال كالسمن و الطول تخيرت بين دفع نصف العين من دون استرداد شيء لأنها لا تتقوم منفردة و ليست من الأعيان الموجبة للشركة عند لحوقها بعين أخرى و بين دفع قيمة نصفها حين القبض من دون ملاحظة زيادة القيمة بزيادة تلك الصفة لخبر علي بن جعفر و يلزمه القبول على التقديرين لأن الأول حقه و زيادة و ضرر امتزاج الحقين لو سلم تحققه منتف ببذلها له و احتمال اشتمال القبول على المنة و هي ضرر فلا يجبر عليها ممنوع لعدم تسليم حصولها أولًا بعد الإقدام عليها و لمعارضتها بضرر الشركة فالقيمة أعود و لأن العين نصف ما فرض فلا يجوز له الامتناع عن فرضه و لأن الصفة الزائدة قائمة بالعين تابعة لها فلا يعظم بها المنة الموجبة لجواز عدم القبول إذ لا نسلم اشتمال كل منه على ضرر يجوز عدم قبول مال الغريم إذا دفع إليه، و أما الثاني فلأنه عوضه اللازم قبوله عليه بعد وجوب تجنبه عن حقها الكائن في العين المفروضة و لدوران حقه بين الأمرين و لا اختيار له فيلزمه اختيارها له و ليس للزوج تأخير المطالبة إلى أن يفوت العين إذا احتمل فوتها فيأخذ القيمة أو إلى أن يفوت كما لها فيأخذ نفس العين للزوم الضرر بشغل الذمة على الزوجة و ليس له المشاركة في العين مجردة عن وصف الزيادة لعدم استقلال الزيادة بالتقويم لأن الكبر و الثمن الحادثين لا يستقلان بالقيمة و لا يصلحان لتعلق الشركة و احتمل الشيخ (رحمه الله) أن للزوج الرجوع بنفس العين مع الزيادة لصدق أن المجموع نصف ما فرض فتجبر عليه الزوجة و هو وجه لأنه لا يعهد نماء لا يتبع أصله عند رجوعه إلى صاحبه غير هذا و فيه أن الفارق النص و إن العين العائدة هنا للزوج لا بد من كونها نصف ما فرض و الذي فرضه أولًا ليس هو نفس العين المجردة عن العوارض المشخصة لها بل هي مع مشخصاتها فالزيادة حينئذٍ ليس له عليها سبيل و لو زادت العين و نقصت كسمن و هبل و كبر و هزال و كبر و تعليم صنعة

238

و نسيان أخرى تخيرت في دفع العين نصفها مع ما لحقها من الزيادة بأرش أو بدونه و دفع نصف القيمة يوم القبض و لا اعتبار للزيادة و النقصان بعده و لا تجبر على دفع نصف العين لمكان الزيادة و في جبره على القبول وجهان كما مر في التعيب فإن أوجبناه أخذ العين مع الأرش أو بدونه كما مر و إن خيرناه تخير فله أن لا يقبل العين للنقص و له قيمة يوم النقص و لا اعتبار بالنقصان بعده.

و لو دفع الزوج المهر معيباً للزوجة و دفع معه الأرش كان له الرجوع بنصف المعيب و نصف الأرش قيل و يجري على ما مرّ من تنزيل المعيب منزلة التالف التخير بين العين و القيمة و لا يعين العين أخذ المرأة لها فإنه لا يجعلها المهر المفروض و لذا قالوا إذا تعيب المهر في يده تخيرت المرأة بين أخذ العين أو القيمة لتلف العين بالتعيب فإذا رضيت بالعين فليس لأنه المفروض بل لأنه عوضه كالقيمة فللزوج إذا طلقها أن لا يرضى إلا بالقيمة و فيه تأمل و لا يشترط في الزيادة المتصلة زيادة القيمة بها كالكبر في السن و لا في النقص نقصان القيمة كالخصي فإن في الأول نقصان في القيمة و في الآخر زيادة فيها و حمل الأمة زيادة من جهة و نقصان من أخرى كنقصان صفة كمال و زيادة أخرى و حمل الدابة زيادة و قد يكون كحمل الأمة و زرع الأرض و الغرس نصان في قوتها.

خامسها: لو تعلق بالمهر من طرف الزوجة حق لازم كالرهن و الإجارة تعين على الزوجة البدل

فإذا دفعته إليه لم يكن له الرجوع بالعين إذا عادت إليها لأنه بمنزلة المعاوضة عليه مع احتمال أن له ذلك لأن دفعها لمكان الحيلولة فإذا زالت رجع حقه إلى العين و لو عادت العين إليها قبل دفع البدل كان حقه في العين و نقصان المنفعة في العين المستأجرة لا ينزلها منزلة التالف و لا منزلة المعيب فلا يجب عليه قبول العين مع قيمة المنفعة نعم لو صبر إلى انقضاء الإجارة أو انفكاك الرهن و لم يرضَ بالقيمة احتمل وجوب إجابته عليها و احتمل جواز جبره على أخذ القيمة لتضررها ببقاء العين لضمانها لها إلا إذا أمكنه إبراؤها عن الضمان و جوزنا ذلك فالوجه الأول لتعلق حقه بالعين و كذا لو قال أنا أقبضه و أرده إلى المستأجر و لو تصرفت بالعين تصرفاً جائزاً فإن

239

كان ناقلًا كالبيع بخيار و الهبة بعد القبض تخيرت بين الفسخ و دفع العين و بين عدمه و دفع القيمة و ليس للزوج إجبارها على الأول و لو دفعت البدل فعاد إليها ففي رجوع حقه إلى العين الوجهان و إن لم يكن ناقلًا كالوصية و التدبير فالأظهر اختصاص حقه بالعين مع احتمال العدم في الأخير.

و لو كان الصداق صيداً فأحرم ثمّ طلق احتمل رجوع النصف إليه لأنه ملك قهري كالإرث فإن لم يكن معه ملكه و إن كان معه احتمل دخوله في ملكه حال الطلاق و احتمل عدمه إلى أن يحل و احتمل رجوع القيمة إليه لمكان الحيلولة لأن المحرم لا يملك صيداً و لو قهراً أو لأن ما كان سببه اختياري و قد يمنع من كون اختيار السبب اختياراً للمسبب و قد يؤيد لزوم دفع العين أن تكليف الزوجة بالقيمة مع عدم حدوث شيء منها ضرر عليها و إن المعيب لو رد في الإحرام و كان صيداً ملكه البائع و إن الإحرام لا يمنع من عود الكل بالردة فالنصف بطريق أولى و قد يمنع الأخير و كيف كان فالأقرب رجوع نصف العين إليه و عليه فلو كان الصيد عنده لزمه إرساله و يضمن قيمة النصف الآخر للزوجة تغليباً لحق الله تعالى مع احتمال عدم جواز الإرسال تغليباً لحق الآدمي و عليه نصف الجزاء أن تلف في يده أو يدها و احتمال رجوع الحق إليهما معاً فإن اتفقا على الإرسال أرسله و غرم لها النصف و إلا بقي مشتركاً و عليه نصف الجزاء أن تلف و احتمال أنه إن كان موسراً فالأول و إن كان معسراً من دفع قيمة نصف الزوجة فالثاني و لو كان المهر أمة مدبرة بطل التدبير لمكان الانتقال عن ملك المولى أو الانتقال إليه لو كان التدبير منها و لو قلنا بعدم انتقال النصف فالتدبير كالوصية يجوز الرجوع به و جعله مهراً رجوع به إلا إذا نذر تدبيرها و اشتراط بقاء التدبير في وجه و الأوجه عدم صحتها مهراً مع النذر و بطلان الشرط و قيل ببقاء التدبير فتحرر بموت الزوج و قبل موته لو طلقها قبل الدخول كان يوماً للزوجة و يوماً له في الاستخدام بناء على أن الملك المتجدد لا يبطل التدبير و لخبر المعلى بن خنيس في رجل تزوج امرأة على جارية له مدبرة و قد عرفتها الامرأة و تقدمت على ذلك و طلقها قبل أن يدخل بها فقال أرى للمرأة نصف خدمة المدبرة تكون للمرأة يوم في الخدمة و يكون لسيدها الذي

240

دبرها يوم في الخدمة قيل له فإن ماتت المدبرة قبل المرأة و السيد لمن يكون الميراث قال يكون نصف ما تركته للمرأة و النصف الآخر لسيدها الذي دبرها و هو مع ضعفه غير دال على بقاء التدبير بعد جعلها مهراً غايته أنه كشف لحكم الشركة و هو غير ما زعمه القائل و قوله في الرواية فإن ماتت المدبرة إطلاقاً للمشتق على من انقضى منه المبدأ.

سادسها: لو كان مهر الزوجة حيواناً حاملًا و ادخل الحمل في المهر أو شرطه أو كان مما يدخل تبعاً فطلقها قبل الدخول رجع إليه نصف الحمل مع نصف الأم

و كذا البيض مثل الحمل على الأظهر لأن الحمل زيادة منفصلة و في الأخبار ما يدل عليه كما تقدم و لكنها بالخيار بين أن تمسك الولد للزيادة بعد الإصداق إلى الوضع فما بعده فيقوم عليها الولد حين الوضع لأنه أول إمكان القيمة و بين أن تدفع النصف مع ما فيه من الزيادة و احتمل هنا قوياً عدم الرجوع بنصف الولد لأنه زيادة متصلة ما دام حملًا و إنما ظهرت بالانفصال لا سيما إذا كان نطفة لعدم قابليتها للملك و الإصداق فالمنفصل حينئذٍ ليس من الصداق و أيضاً لو كان منفصلًا حين الحمل فهو مما زاد إلى الوضع فلها إمساكه للزيادة فلا يمكن تقويمه بعد الوضع للزيادة و لا قبله للجهل به فليس له إلا الرجوع بنصف الأمة مع الأرش هذا أن جوزنا التفرقة بين الولد و الأم و إلا كان له قيمة نصف الجارية و لو كان مهرها نخلًا حائلًا فأثمر في يدها فطلقها قبل الجذاذ كان جميع الثمرة لها فإن دفعت له نصف الأصل و الثمرة فالأظهر لزوم قبولها عليه و نقل عن الشيخ أنه قال هو المذهب و استشكله العلامة (رحمه الله) من حيث الشك في كونه من الزيادات المتصلة و هو في محله و لو دفعت له الأصل فقط بدون الارش أو مع الارش لو تعيب الأصل بالقطع فلا إشكال في لزوم القبول في الأول و يجري في الثاني ما يجري في العين لو تعيبت بيد الزوجة و للزوج طلب الأصل مشغولًا بالثمرة فيأخذه و لكن يلزمه إبقاء الثمرة لأنها موضوعه بحق و ليست كالزيادات المتصلة التي لا يجوز الرجوع بأصلها نعم لو طلب قطع الثمرة قبل الإدراك ليرجع في الأصل أو طلب تأخير الرجوع إلى حين القطع لم يجب على الامرأة إجابته لحصول الضرر بالقطع في الأول و بالتأخير

241

في الثاني كما لو طلبت منه تأخير الرجوع إلى أوان القطع فإنه لا يجبر عليه لحصول الضرر عليه بالتأخير.

و لو أصدقها أرضاً فحرثتها أو زرعتها لم يجبر على القبول لانفصال الزيادة في الثاني و حصول النقصان بالحرث إلا مع الأرش في الأول و لو أصدقها دابة أو أمة فحملت عنده و ولدت فإن امتنع عن تسليمهما بحق لم يضمن و إن لم يمتنع فتلف الولد احتمل ضمانه على الزوج كأصله فيكون كضمان نماء المغصوب و احتمل عدمه لأنه أمانة و لا يبعد الاخير و لو نقصت الأم عنده ضمن أرش النقصان سواء طالب بها أم لا.

سابعها: لو أصدقها حلياً فكسرته أو انكسر عندها فأعادته صنعة أخرى فهو زيادة و نقصان فلهما الخيار

و إن عادت الصنعة الأولى نفسها احتمل رجوع النصف إلى الزوج و إن لم ترض الزوجة لأنه على الصفة التي كان عليها عند الإصداق و احتمل اعتبار رضاها لحصول الزيادة عندها باختيارها نعم لو لم يكن باختيارها اتجه عدم اعتبار رضاها كما إذا أصدقها سمينة فهزلت ثمّ عادت إلى الأول و مع اعتبار رضاها فإذا أبت فلها نصف قيمته مصوغاً بتلك الصفة من غير ذلك الجنس حذراً من لزوم الربا بالانعدام الجزء الصوري منه و المركب ينعدم بانعدام أحد جزئيه مع احتمال أن له مثل وزنه ذهباً أو فضة مع قيمة الصنعة إنما إما بمعنى أجرة مثلها أو بمعنى قدر ما بين قيمة المكسور و المصوغ بناء على أن الجزء الصوري يقابل بمال فلا يلزم الربا بعد دفع المثل بالمثل و لو أصدقها قطعه من ذهب أو فضة فصاغتها فليس له إلزامها بنفس العين بل لها الخيار بين دفع نصف العين و بين دفع مثل نصف القطعة حين القبض و لو أصدقها ثوباً فخاطته أو غزلًا فنسخه أو صوفا فغزلته لم يجبر على قبول العين لمكان النقصان و لا تجبر على دفعه لمكان الزيادة مع احتمال جبره في المثالين الأخيرين.

ثامنها: لو أصدق الكافر الكافرة خمراً فطلق قبل الدخول بعد القبض و الإسلام و لكنه صار خلًا في يدها بعد الإسلام أو قبله رجع بنصفه

لأنه عين ماله و إن تغيرت صفته و لأن الخل مثل الخمر فعند عدم إمكانه يثبت مثله و احتمل العلامة (رحمه الله)

242

سقوط دفع العين لمكان الزيادة و كذا دفع القيمة لأنه لا قيمة له يوم القبض و احتمل بعضهم أن له نصف قيمة الخمر عند مستحليه و هو حسن و لو تلف الخل على الوجه الأول قبل الطلاق احتمل أن يرجع الزوج بمثله و احتمل عدمه و احتمل عدمه لأنه إنما يعتبر بدله من يوم الإصداق إلى القبض و لا قيمة له ذلك اليوم و لا لبد له و لو صيرته خلًا بعلاجها فعدم الرجوع عليها بالعين اظهر لان الزيادة حينئذٍ بفعلها و لو صار الخمر خلًا في يد الزوج فطلقها فلها النصف منه لان يده يدها و قد زال المانع من قبضه مع احتمال أن لا يكون لها إلا نصف مهر المثل أو نصف قيمته أو قيمة نصفه عند مستحليه و ذلك لامتناع كون العين مهراً عند الإسلام فينتقل إلى القيمة أو المثل.

تاسعها: لو أصدقها تعليم سورة فطلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجرة التعليم

يوم علمها و إن لم يكن علمها رجعت بنصف الأجرة يوم الإصداق لا بنصف التعليم.

قيل لحرمة سماع صوتها و لاختلاف الألفاظ في التعلم سهولة و صعوبة فلا يتعين النصف ورد بمنع تحريم سماع الصوت مطلقاً أو مع الحاجة أو مع الضرورة و هي موجودة أو إذا لم يكن مع الخلوة المحرمة أو إذا لم يؤد إلى الفتنة و بان المدار على تعليم الحروف و توابعها عرفاً و هو معلوم و الأظهر منع تحريم سماع الصوت إلا مع عدم الحاجة أو خوف الفتنة أو استلزام الخلوة المحرمة فحينئذٍ إن أمكن التعليم من دون ارتكاب محضور لزم و إلا فالرجوع بنصف الأجرة و لو أصدقها تعليم صنعة فطلقها قبل الدخول فإن علمها رجع إليها بنصف الأجرة لان التعليم لا يعود فهو بمنزلة التالف و إلا فإن أمكن تميز نصف الصنعة بالتعلم و عدم ارتكاب الحرام في تعليمها كان لها النصف و إلا فلها نصف الأجرة كما هو الغالب من عدم إمكان معرفة نصف الصنعة.

عاشرها: لو أبرأته من الصداق أو وهبته له أو خالعها عليه أو كان عوض الطلاق أو صالحها عنه بمال أو نحو ذلك فطلقها قبل الدخول رجع عليها

في جميع ذلك بنصف القيمة جمعاً بين ما دل على تنفيذ الإبراء و العقد الصادر منها و بين ما دل على التنصيف بالطلاق و للإجماع المنقول في الهبة و للخبرين في رجل تزوج بألف درهم

243

فأرجعتها إليه ثمّ طلقها قبل أن يدخل بها قال لا شيء لها و ترد عليه خمسمائة درهم و الآخر إذا جعلته في حل لا يقال من صداقها دخلا بها قبل أن يدخل بها ردت عليه نصف الصداق و الإشكال في الخلع و الطلاق بعوض من أن ملك المهر للزوج لا يتم إلا بتمامها و به يحصل استحقاق الزوج للنصف فيقع السببان دفعة واحدة فيمتنع استحقاق الزوج للنصف بسبب استحق به الكل مدفوع باختلاف السببين لان سبب ملك الكل هو نفس بذل الزوجة و سبب ملك النصف هو الخلع و بتمام الصيغة يقعان دفعة لا يقال أن البذل بنفسه لا يملك العوض بدون الخلع فعاد أن الخلع سبب فيهما فله حينئذٍ نصف العين لانا نقول الملكان قد وقعا دفعة واحدة و لكن حال أحد الملكين و هو ملك عين الكل بين الزوج و بين ملك عين النصف مرة أخرى فانتقل إلى المثل جمعاً بين الحقين و يمكن أن يكون ذلك من باب ما لو خلعها على مال مشترك بينهما مع الجهل فإنه يثبت له المثل او القيمة أيضاً و لكن الأول أوجه و ذلك لتقدم حقه في استحقاق الكل بالبذل المتقدم على تمام الخلع الذي استحق به النصف و قد يتخرج هذا الحكم من فحاوى بعض الأخبار و احتمل بعض الأصحاب عدم رجوعه عليها بشيء فما لو أبرأته لأنه إسقاط لا تمليك ليكون إتلافاً فلا يكون له بالطلاق إلا نصف ما في الذمة لأنه المفروض بلا تلف و لا يمتنع توارد سببين شرعيين على مورد واحد فله النصف بالإبراء و بالطلاق جميعاً و النصف الآخر بالإبراء وحده و الأصل براءة الذمة من نصف المثل أو القيمة أو لأنه لما كان إسقاطا كان بمنزلة أن لا مهر لها فلا يعود إليه بالطلاق شيء قالوا و لأن الإبراء إسقاط لا تمليك لو شهد الشاهدان بدين فقبضه المدعى ثمّ وهبه المدعي عليه فرجع الشاهدان عن الشهادة بعد ذلك غرماً للمدعي عليه ما غرمه بشهادتهما و إن عاد إليه بالهبة و لو أبرأ منه المدعي لم يغرما لو رجعا، لأنه إسقاط و إبطال للتغريم و في جميع ما ذكر نضر، و في اتحاد حكم الأخير مع موضع البحث، بحث.

244

حادي عشرها: لو وهبته المهر فارتدت قبل الدخول رجع عليها بالجميع

مثلًا أو قيمة لإتلافها له بعد ملكها له و احتمل أن له النصف بناء على عدم ملكها نصف المهر قبل الدخول أو عدم استقراره قبله فتقع هبتها له باطلة و لكنه ضعيف.

و لو وهبت الزوجة الزوج نصف المهر معيناً رجع عليها بنصف الموجود و مثل نصف الموهوب أو قيمته و لو وهبته نصف المهر مشاعا رجع أيضا بربع العين و ربع القيمة أو المثل لان الموهوب كالمتلوف على جهة الإشاعة و قيل أنه يرجع على النصف الباقي خاصة لانصراف الموهوب إلى نصيبها و لأن الموجود نصف ما فرض فيستحقه و هو حسن و يحتمل التخير بين أخذ تمام بدل النصف الباقي و بين اخذ نصفه عيناً مع بدل النصف الآخر و في المبسوط نقلًا احتمال الرجوع بنصف الباقي خاصة لأنه لما تعلقت الهبة بالنصف المشاع فقد تعلقت بنصفي النصيبين فقد ملك من نصيبها النصف و هو الربع و استعجل نصف نصيب نفسه فبقي له نصف نصيبه الآخر و هو الرابع و لو أصدقها عبدين فمات أحدهما كان له نصف الموجود و نصف قيمة التالف و لو تساويا في القيمة و احتمال الرجوع على الموجود ضعيف و لو أعطاها عوض المهر شيئاً قليلًا أو كثيراً كان له نصف المسمى و لا عبرة بالعوض و لو طلقها بعد الدخول ثمّ تزوجها فطلقها قبله جرى على الثاني حكم الطلاق قبل الدخول و لو تلف المهر في يدها بعد طلاقها قبل الدخول فإن تلف منها أو مع امتناعها عن الدفع ضمنته له و إلا احتمل ضمانها له لأنه كالمبيع بعد فسخ المشتري له و احتمل عدمه لأنه يكون بمنزلة الأمانة و الرجوع بالهبة بعد القبض المتهب لها و لا يبعد الأول و لشبهة المهر بالمعاوضة و لتسمية أجراً و ثمنا فيكون مضموناً إلى حين رجوعه.

و لو رجع إلى الزوج جميع المهر بفسخ أو ردّه كان المهر مضموناً عليها لأنه يكون من قبيل تراد العوضين فهو مضمون على من في يده لأصالة الضمان و عموم أدلته.

ثاني عشرها: لو زوج الأب أو الجد له صغيراً على كبير أو صغير فإن شرط أن المهر منه أو أن المهر من مال الصغير أو ذمته اتبع شرطه

على الأظهر لعموم أدلة

245

الشروط و إن أطلق فإن كان الولد مؤسراً حين العقد فمن ماله و إن أصر بعد ذلك و إن كان معسراً ففي ذمة أبيه و إن أيسر بعد ذلك و الإجماعات المنقولة على تعلق المهر بذمة الأب إذا لم يكن عيناً و كان الولد معسراً كثيراً و الأخبار أيضاً متظافرة و ظاهر الأصحاب إلحاق الجد و كأنه لعدم الفرق بينهما في الولاية و في الخبر الصحيح ما يدل على ضمان الأب للمهر و خروجه بعد موته من صلب تركته و في خبر آخر فيمن يزوج ابنه و هو صغير قلت على من الصداق قال على الأب إن كان ضمنه لهم و إن لم يكن ضمنه فهو على الغلام إلا أن يكون للغلام مال فهو ضامن له و إن لم يكن له ضمن و في آخر إن كان لابنه مال فعليه المهر و إن لم يكن للابن مال فالأب ضامن للمهر ضمن أو لم يضمن و منع بعضهم من جواز اشتراط الأب عدم ضمانه و جعل المهر في ذمة الولد مع فقرة لا طلاق الأخبار لان قوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو لم يضمن شامل لعدم الضمان و لاشتراط عدمه و لعدم المصلحة في تعلق المهر في ذمته و فيه أن الأخبار لا تنصرف إلى حالة اشتراط عدم الضمان أو التصريح بصيرورة المهر في ذمة الولد و إن الاب لا يشترط في فعله المصلحة بل يكفي عدم المفسدة و المفروض حصولها عند العقد لان الكلام على ذلك التقدير و لو كان الصبي مالكاً لبعض المهر لزمه بنسبة ما يملكه و كان على الاب الباقي و كذا لو ضمن الأب بعض المهر دون البعض حاله اليسار أو جعل على الابن بعضاً دون بعض حالة فقرة و الظاهر أن المال في النص و الفتوى شامل من مستثنيات الدين و لما لم يكن منها نعم لو صار المهر ديناً في ذمة الولد و استقر بعد العقد لم يكن للامرأة أن تطالبه به و تأخذ منه أحد المستثنيات نعم إذا جوزنا للأب أن يشترط أن يوفى في المهر بعد ثبوته من ذلك المال المعين أو أنه عقد عليه ابتداء كان للمرأة أخذه و كل موضع لا يضمن الأب المهر فيه جاز له أن يتبرع بدفعه كالأجنبي فلو تبرع كذلك فقبضته الزوجة لم يكن له الرجوع فيه لانتقاله عنه فلا يعود إليه و كل موضع يضمنه عنه بالحكم الشرعي لا يجوز له الرجوع على الولد فيه حتى لو ايسر الولد بعد لثبوته في ذمته فانتقالها عنه مفتقر إلى دليل و ليس فليس و كل موضع يضمنه عنه باشتراط الضمان ليسار الولد فأداه فهل له الرجوع على مال الولد مطلقاً أو ليس

246

له مطلقاً أو الفرق بين ما كان ضمانه بنية الرجوع فالأول و ما لم يكن في نيته فالثاني و الحق أنه إن ضمن مع عدم المفسدة أو مع المصلحة إن شرطناها و لم ينوِ التبرع في ضمانه جاز له الرجوع على مال الولد و بالأولى لو نوى الرجوع لان عدم نيته التبرع أعم من نيته الرجوع و عدمها و إذا طلق الولد قبل الدخول و كان الأب قد تبرع في الدفع إلى الزوجة ليسار الولد أو كان كبيراً فهل يعود نصف المهر إلى الأب أو إلى الولد وجهان أقواهما عودة للولد لدخول المهر في ملك الزوجة على كل حال و لأن نماءه لها و الطلاق مثبت للملك الجديد للزوج لا كاشف عن عدم ملك الزوجة فيملك الولد النصف بالطلاق سواء كان المدفوع من ماله أو كان من متبرع ابا أو غيره و لأن دفع الأب المهر للزوجة كهبة الولد التي لا يجوز الرجوع فيها و لعموم الأدلة على رجوع نصف المهر للزوج من استفصال بين كون المدفوع من ماله أو من مال غيره و قد يستند في الرجوع إلى الأب إلّا أن المهر عوض البضع و هو ملك الولد فيكون عوضه عليه و دفع الأب له إنما كان وفاء لدينه فإذا برأت ذمته عاد للدافع عنه و تنزيله منزلة الهبة ممنوع و فيه أن عودة للأب بعد خروجه عن ملكه بالدفع محتاج إلى دليل و ليس فليس و قد يقال أنه لما خرج من ملك الأب لم يدخل في ملك الابن لعدم إمكان أن يملك الإنسان مالا قهراً عليه في غير الميراث و شبهه فإذا انفسخ ملك الزوجة عنه عاد إلى مالكه و أما الآية و الرواية الدالتين على رجوع النصف إلى الزوج فتحملان على الغالب من كون المدفوع من مال الزوج و قد يدفع ذلك بالتزام ملك الزوج له أنا ما قبل ملك الولد له كما يقال في اعتق عبدك عني و هو متجه في الصغير لو دفع عنه الولي تنزيلًا لدفعه منزلة الهبة و القبض و لا يتجه في الكبير و لا في الصغير من غير الولي و من هنا يتجه الفرق بين دفع الأب المهر عن الصغير و بين دفعه عن الكبير أو دفع الاجنبي فيقال بعود النصف في الأول للولد لأنه بمنزلة الهبة و في الثاني للوالد و للأجنبي كما مال إليه العلامة (رحمه الله) في التحرير هذا كله في غير ما كان في ذمة الأب أما لو كان في ذمته لفقر الولد أو لضمانه عنه ففيه الوجهان من أن الطلاق فاسخ لملك الزوجة النصف فيعود لمالكه و من أنه مثبت لملك الزوج ابتداء بعد أن ملكته فيعود اليه و هو

247

الأوجه و لو لم يدفع الأب المهر في صورة التزامه به لفقر أو ضمان فوقع طلاق الزوجة قبل الدخول لزم الأب أن يدفع النصف إليها و برأت ذمته من النصف الآخر لعدم قبض الزوجة له و عدمه ملكها له معيناً و عدم انتقاله إلى الولد فلم يكن للولد مطالبة الأب لأنه بضمانه تمام المهر للامرأة لا يثبت للابن عليه شيء و إنما ينتقل إليه المهر بدفعه عنه إليها كما أن المديون لا يطالب الضامن عنه شيء إذا أبرأه المضمون له نعم إذا كان المهر عيناً للاب ملكته الامرأة بالإصداق فيملك الولد نصفه بالطلاق و ساوى بعض المتأخرين بين بقاء المهر في ذمة الأب و بين ما إذا دفعه للزوجة في رجوع نصفه للولد تمسكاً بعموم أدلة رجوع نصف المفروض إليه و هو ضعيف و حكم الفسخ بعيب أورده حكم الطلاق في رجوع المهر إلى الولد إلى الأب إلا أن الفرقة بينهما بالتنصيف و عدمه و احتمال أن الفسخ إبطال العقد من أصله لا من حينه ضعيف.

ثالث عشرها: لا يتنصف المهر إلا بالطلاق قبل الدخول

و ما دل عليه الدليل من الفواسخ و لا يتنصف بموت الزوج قبل الدخول كما هو المشهور نقلًا و تحصيلًا و عليه الإجماع المنقول و تدل عليه جملة من الأخبار المعتبرة بنفسها و بفتوى الأصحاب و باطلاق الكتاب الصريح في ملك الزوجة المهر و بالاستصحاب و بالسيرة الجارية على عدم التنصيف فلولا أنه غير معهود في زمن الأئمة (عليهم السلام) لما خفي الحال فيه و لاشتهر خلافه و لتوفرت الدواعي على بيانه و قيل أنه ينتصف بموته استناداً إلى كثير من الأخبار و هي و إن كانت صحيحة و مخالفة لفتوى العامة على ما نقل عنهم إلا أخبار استحقاق الكل أقوى و أظهر لاشتمالها على مرجحات تقدمها على تلك الأخبار و الجمع بينها بالحمل على استحباب أخذ النصف من الزوجة غير بعيد و الاقوى و الأظهر أيضاً استقرار الجميع بموت الزوجة فيرث منه بقدر نصيبه بعد وفاء الدين للأصول المحكمة و عمومات الكتاب و السنة و فتوى المشهور و قيل بالتنصيف هنا استناداً إلى جملة من الأخبار دالة عليه و لكنها لاعراض المشهور هنا و ورود السيرة بخلافها مما يوهن حجيتها فحملها على الندب أيضاً أحرى و لا يتصنف المهر بالفسخ في غير ما دل عليه الدليل

248

للأصل و عموم الكتاب و السنة و حمله على الطلاق قياس نعم قد يتنصف للدليل و قد يثبت الكل في بعض مواضع التدليس للدليل.

رابع عشرها: يجوز للزوجة العفو عن مهرها

كلًا و بعضاً قبل الدخول و بعده مع الطلاق و عدمه للإجماع و للاخبار و لقوله تعالى إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ و هو و إن ورد في المطلقة قبل الدخول فإنها إذا عفت عن النصف عاد الجميع للزوج إلا أنه لا قائل بالفرق و إطلاق الكتاب و السنة قاضيان بالاجتزاء بلفظ العفو في ملك جميع المهر للزوج سواء كان ديناً في ذمة العافي أو المعفو عنه أو عيناً فهو يقوم مقام الإبراء و الهبة و غيرهما بل ربما يقضيان بحصول النقل في الاعيان بلفظ العفو من دون افتقار إلى قبض و إقباض قالوا و قد ورد استعمال العفو بلفظ العطاء فيصلح لفظه حينئذٍ للهبة و الإبراء و هو متجه و قد يؤيد أن الهبة ليست من العقود اللازمة فيشترط فيها لفظاً خاصاً نعم اشتراط القبول و القبض لا يمكن المحيص عنه لعدم إمكان إدخال مال في ملك الغير قهراً عليه و لما دل على اشتراط القبض في الهبة فالإطلاق في الكتاب و السنة لا ينافي تقيده بدليل آخر و حينئذ فلو عفى الزوج عن المهر الذي في ذمته للزوجة أو الزوجة كذلك افتقر إلى تميزه و تقبيضه و قبوله من المعفو له لعدم إمكان كونه إبراء لأن الإبراء هو إسقاط ما في ذمة المعفو عنه لا العافي و لا هبة لاختصاصهما بالأعيان و اشتراط القبول و القبض فيها و يمكن في هذه الصورة الاجتزاء بلفظ العفو فينتقل إلى ما في ذمته إلى المعفو عنه من غير قبول و قبض لإطلاق الآية و الرواية و لكنه بعيد كما تقدم و اشترط بعض أصحابنا في الأعيان الإتيان بصيغة الهبة للشك في النقل و الانتقال و لأن العفو اسقاط فهو كالإبراء لا يتعلق بالاعيان و حملوا الآية على إرادة حصول الملك بعبارة تقيده و يصح الانتقال بها شرعاً فالمراد من العفو المعنى الاعم و إنما جيء بلفظه بينها على إرادة فضيلة العفو و حسن صدوره فلفظ العفو كلفظ التمليك فيما لو قال ملكت هذا أو ملكه فإنه يريد به الانتقال بما يفيد التمليك لا خصوص لفظه و هو جيد و موافق للاحتياط إلا أن الأقوى ما ذكرناه من عدم اشتراط لفظ خاص.

249

خامس عشرها: اتفق أصحابنا و غيرهم أن لمن بيده عقدة النكاح العفو

عن المهر في الجملة و اختلفوا فأصحابنا و جمع من العامة ذهبوا إلى أنه الأب أو الجد أو من كان بحكمهما كما سيجيء إن شاء الله تعالى و ذهب جمع من العامة إلى أنه الزوج و دليلنا على المختار الإجماع و الأخبار الكتاب لتصدير الآية بخطاب الأزواج فلو أريد بقوله: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ)، و بأن العفو من ولي الأزواج لأتى به بصيغة الخطاب فقال أو تعفوا أنتم و لأن المعطوف عليه غائب فالمناسب كون المعطوف كذلك و لأن العفو حقيقة في الإسقاط فيناسب وقوعه من الزوجة أو من هو بحكمها لا التزام ما سقط في الطلاق ليناسب وقوعه من الزوج و للزوم إقامة الظاهر مقام المضمر و لو أريد به الازواج و لأن المفهوم من الذي بيده العقدة أن يكون التصرف إليه و ليس إلا الولي نعم للزوج فكه و لأن العفو مستند إلى البالغات الرشيدات فناسب ذكر من لم تكن كذلك و كان أمرها بيد الولي و لأن قوله إلا أن يعفون استثناء من الاثبات فيكون نفياً و لو أريد بالمعطوف الازواج لكان اثباتاً فيلزم إما خلاف قاعدة الاستثناء أو خلاف قاعدة مشاركة المعطوف للمعطوف عليه نفياً و إثباتاً و طعن بعض الأصحاب فيما ذكر بأن العدول من الخطاب إلى الغيبة من فنون البلاغة و بان العفو قد يطلق عليه العطية كقوله تعالى [خُذِ الْعَفْوَ] [وَ يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ] من ولي الزوجة إذا كان عيناً أيضاً ليس من الإسقاط فالكلام الكلام و بأن إقامة الظاهر مقام المضمر لنكتته لا بأس به و هي هنا التنبيه على الوصف الذي هو مناط الحكم و سببه و بأن الزوج بيده حل النكاح و من بيده حل النكاح العقدة كان بيده نفس العقدة و بأن التنبيه على جميع أفراد العافي ليس مما يوجب صرف اللفظ عن ظاهره سيما الفرد الذي لا تأمل له في الحكم و بأن التقدير ممكن بأن يقال و لكم نصف ما فرضتم فيكون الاستثناء نفياً فيتساوى المعطوف و المعطوف عليه في الحكم فالمعنى لكم النصف إلا أن يعفون او يعفو الذي بيده عقدة فلا يكون لكم النصف بل بمقدار ما عفى معه و الحق أن جميع هذه المذكورات لا تنافي ترجيح إرادة الأولياء من الذي بيده عقدة النكاح كما لا يخفى على النصف و استدل القائلون بأن المراد بالذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أن من بيده العقدة هو من بيده

250

حلها و عقدها و ليس إلا الزوج و بأنه لو أريد غيره لخلا المقام عن ذكر الزوج و هو من المقاصد الأصلية و بأن قوله تعالى: (وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوىٰ)، بصيغة الخطاب و كونه أقرب للتقوى ظاهر في كونه ذلك للأزواج لأن الأولياء ليسوا مخاطبين و لا يملكون المال كي يكون عفوهم أقرب للتقوى فالمناسب كونه خطاباً للأزواج بعضاً مع بعض و فيه أنا لو أخلينا الآية لكان هذا الكلام موجهاً و ذاك المعنى من الآية محتملًا و لكن حال بين ذلك المعنى و بين الآية أخبار أهل العصمة (عليهم السلام).

سادس عشرها: و عرفت أن من بيده عقدة النكاح له العفو

و المتيقن دخوله في ذلك الأب و الجد له و عليه اتفاق الأصحاب و تدل عليه الأخبار و يراد به أب الزوجة أو جدها فلا يسري الحكم لأبي الزوج وجده اقتصاراً فيما خالف الأصل و على موضع النص و الفتوى فلا يجوز لأب الزوج العفو عما هو للزوج لزوجته صغيرة كانت أو كبيرة لحصول المفسدة على الولد و لم يقم دليل على جوازه نعم لو التزم الأب بالمال في ذمته فلا يبعد أن له العفو لولايته عليه و لأن الولد و ماله لأبيه و يراد به العفو عن البعض و ترك البعض فلا يجوز لهما العفو عن الكل أو مع إبقاء شيء لا يتمول و يدل على ذلك صحيحة رفاعة المعتضدة بفتوى الأصحاب و ظاهر الإجماع المنقول و بهما تقيد إطلاقات الكتاب و السنة في جواز العفو مطلقاً مع احتمال تقديم الأخذ بمطلقات الأدلة و حمل الصحيحة على الندب و لكن الأول أقوى نعم لو كان في العفو عن الكل مصلحة فلا يبعد جوازه حتى للولي الشرعي فيحمل ما دل على المنع من العفو عن الكل على ما إذا لم يكن هنالك مصلحة فيه و من هنا ظهر أنه لا يشترط في العفو عن البعض وجود المصلحة سواء كان العافي الأب و الجد أو الولي الشرعي أو غيرهما لإطلاق الأدلة بل ظهورها لابيه في أن للولي حكم العفو تعبداً كما هو للزوجة و ليس المراد بيان جواز تصرف الأولياء في مال المولى عليه مع المصلحة لأن ذلك حكم آخر و له دليل آخر فلا يدخل في سوق في هذه الأدلة و قيد ابن ادريس جواز عفو الولي الإجباري بالمصلحة فضلًا عن الولي الشرعي و فيه ما قدمنا و على كل حال فمتى صح العفو عن الولي فوقع منه لم يكن للمولى عليه المنع بعد ذلك للأصل و ظاهر الأدلة